العربية بوصفها لغة القرآن الكريم، والشريعة بوصفها القانون المقدس الذى نزل به الوحى والتاريخ بانتصاراته المجيدة وامبراطوريته. وهى تغض الطرف عن التنوع العرقى وتنوع الأجناس التى تضمها الجامعة الإسلامية. ومن هنا ظل هناك تعارض قائم بين القومية الحديثة بطابعها الإقليمى والجامعة الإسلامية، ومن هنا اتجهت جهود الداعين للقومية إلى إيجاد توافق بين الفروق المختلفة والبحث عن تكامل بين العروبة (قلب القومية) والدين. وكل ما يمكن تحقيقه هو ترجمة التضامن الإسلامى المتمثل فى "الإسلام" إلى وحدة الأمة العربية ولكن لكى يتحقق ذلك ينبغى أولا إسناد دور للعرب فى مقابل غير العرب داخل الإسلام. وقد كان هذا هو الشغل الشاغل لعبد الرحمن الكواكبى (توفى ١٩٠٢ م) والشيخ محمد رشيد رضا (توفى ١٩٣٢ م) فى أوائل هذا القرن، ثم جاء بعدهما عبد الرحمن البزاز (توفى ١٩٧١ م) وقد حاولوا جميعا التدليل على أنه لا تناقض بين الإسلام والقومية العربية. فمن الناحية النظرية لا تشكل العلاقة بين الدين والدولة أية مشكلة فى الإسلام -فلقد سبق للإسلام أن أسس دولة وبنى إمبراطورية. فليس غريبا إذن أن يكون ثمة مزج حديث بين الإسلام والعروبة.
والقومية بحكم تعريفها مفهوم علمانى أو فكرة علمانية، يقف وراءها -على الأقل فى أوربا- تفكير فلسفى ونزعة علمانية، وسلطة ممنوحة للدولة بدءا من العصور الوسطى ومرورًا بعصور النهضة والإصلاح الدينى والتنوير أما القومية العربية فإن أسسها إسلامية لأنه لا توجد أسس فلسفية أو فكرية تقوم عليها العلمانية العربية مماثلة لتلك التى تملكها العلمانية الأوربية -على أن الحرب العالمية الثانية ونتائجها هى التى عجلت بظهور حركة القومية العربية وكثرة المؤيدين لها. وكانت النتيجة تكوين الجامعة العربية فى عام (١٩٤٦/ ١٩٤٧ م) وهى منظمة تضم الدول العربية المستقلة وعلى حين أن الباعث على نشأة "القومية العربية" إبان الحرب العالمية الأولى مصدره
стр. 8297
الأسر الحاكمة ولا شأن له بالايديولوجيين فسوف نجد أنها قد تحولت فى أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها إلى قوة أيديولوجية وعلمانية -وقد أصبح الكاتب الأول فى هذا الموضوع هو ساطع الحصرى الذى قدم مفهوما للقومية العربية ذا نزعة رومانسية ومثالية، وذلك فى محاولة منه لإخراج الدين من الفكرة القومية واستعار من روسو وهيجل وماتزينى مفهوما روحيا للأمة مفاده شخصية الدولة بوصفها ضرورة تاريخية، والقومية بوصفها مبدأ عاما وسابقًا عليها فى الوجود. لقد استعار ساطع الحصرى مفهوما أوربيا وأجنبيا للأمة، وجعل من القومية بمشاعر الرومانسية تجسيدا لقداسة الشخصية القومية، وأصبح الإسلام عنده "ثقافة قومية" للعرب وليس مجرد دين لهم. وكتب آخرون عن القومية العربية بنفس الروح الرومانسية. فالعلايلى أكد الوعى الكامن عند العرب بوجودهم الاجتماعى" والبزاز يرى أنه لا تناقض بين "القومية الحقة والدين الحق" وعبد اللطيف شرارة يصف القومية العربية بأنها عاطفة -فالأمة واقع بشرى وليس واقعا جغرافيا. وهى أوسع مفهوما من الدولة أو الشعب أو الوطن، ولذلك كان الشعور بالعروبة يتجاوز الحدود الجغرافية ويعلو عليها لاسيما وأن الإنسان ليس مجرد بدن بل هو "عقل وروح". ويعلن ميشيل عفلق -وهو مسيحى، وأحد المشاركين فى تأسيس حزب البعث- أن القومية العربية هى "الحب الذى يفوق كل شئ آخر" لذلك فإن الأمة العربية تشكل كيانا سياسيا واقتصاديا وثقافيا بصرف النظر عن التقسيمات القائمة -وبعد عام ١٩٤٨ م أدى الصراع العربى الإسرائيلى بالقومية العربية إلى مزيد من التعمق، كما أنه فى نفس الوقت أدى إلى وقوع انقسام فى القومية العربية. وبحلول عام ١٩٤٩ م تمت الإطاحة بأنظمة الحكم العربية القديمة، وظهور حركات جماهيرية ترفع شعارات أيديولوجية مثل حركتى البعث والناصرية وهى تنادى بحتمية
стр. 8298
"الوحدة" أى وحدة العرب، وحدثت أحداث مشابهة فى كل من العراق والسودان عام ١٩٥٨ م، وفى اليمن عام ١٩٦٢ م وجنوب اليمن فى عام ١٩٦٧ م وفى ليبيا فى عام ١٩٦٩ م -فدخل بذلك مناصرون جدد إلى حقل القومية العربية وغدت هذه القومية مناهضا بارزا للغرب وخططه ولم يفلح عبد الناصر فى تحقيق وحدة الأمة العربية خلال الدعاية أو الثورة أو القوة، كذلك لم يفلح حزب البعث فى تحقيق الوحدة أو تحقيق الاشتراكية داخل سوريا، العراق، الأردن.
غير أن اختفاء عبد الناصر من المسرح السياسى العربى، بالإضافة إلى تسلسل الأحداث التى أدت إلى نشوب حرب أكتوبر فى عام ١٩٧٣ م ضد اسرائيل وظهور دول عربية ثرية نتيجة للبترول، كل ذلك أتاح فرصة جديدة للقومية العربية لكى تنطلق من جديد ولكن مع التأكيد على أسس أخرى تقوم عليها هى المصالح المتبادلة بين الدول العربية، فكانت هذه أهم ملامح القومية العربية فى صيغتها الجديدة. وبفضل الثروة أو "المال" أصبح المزج الجديد بين العروبة والدين ذا فاعلية أكبر، وأصبح حجر الأساس فى تضامن الأمة العربية مع القومية العربية.
المصادر:
(١) ميشيل عفلق: "فى سبيل البعث".
(٢) العلايلى: "دستور العرب القومى".
(٣) البزاز: "الإسلام والقومية العربية" ١٩٥٢ م.
(٤) الحصوى: "آراء وأحاديث فى القومية العربية" ١٩٥١ م.
(٥) سعيد: "الثورة العربية الكبرى"، ١٩٣٤ م.
(٦) صانع: "الفكرة العربية فى مصر" ١٩٥٩ م.
(٧) شرارة: "فى القومية العربية" ١٩٥٧ م.
سعيد عبد المحسن [ب ج فاتيكيوتس P. J. Vatikiotis]
стр. 8299
قونية
تعرف فى التاريخ القديم باسم أيكونيم Iconium، مدينة مهمة تقع على حافة هضبة الأناضول، على خط قطرى يصل بين الدردنيل وممرات طوروس المؤدية إلى سوريا.
١ - التاريخ:
كانت المدينة قاعدة بيزنطية أثناء قرون التوسع الإسلامى، ولعل تجنب مهاجمتها هو ما جعلها لا تحتل قدرا كبيرا من التاريخ العسكرى. وقد تكون قونية قد تعرضت كغيرها من المدن لغزو فارسى فى فترة سابقة، ومن الصعب فى غيبة أبحاث أثرية وصف تاريخها بدقة، ولكن إعادة استخدام مخلفات من العصر السلجوقى يبين أن أغلب بنايات المدينة قد تهدمت وأنه قد أعيد بناؤها جزئيا. ولكنها تظهر مرة أخرى فى فترة التوسع التركى فى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى وعبور القوات الصليبية خلالها عام ١٠٩٧ م. ويبدو أنهم لم يجدوا فيها تحصينات تفيدهم، فاكتفوا بالاستفادة بما حولها من حدائق.
ويمثل عصر سلاجقة الروم أقصى ازدهار للمدينة. فموقعها الغزير المياه بالنسبة للصحراء المجاورة كان يتحكم فى الطريق الجنوبى فى الوقت الذى حرمهم السلاجقة الدانيشمانديين Danishmendids من الطريق الشمالى المؤدى للدردنيل، وبالتأكيد وجدت المدينة قبولا عند السادة الجدد كقاعدة سياسية وعسكرية وكمكان تمركز لشعبهم الذى كانت تغلب عليه البداوة. وقد اتخذت عاصمة فى عهد مسعود (٥١٢ - ٥٥٠ هـ/ ١١١٨ - ١١٥٥ م)، كما كانت لا تزال مدينة ذات شأن حين عبرها فردريك برباروسا عام ١١٩٠ م على رأس جيش من الجنود الألمان. وقد كانت المدينة تزداد رفاهية مع خطوات توحيد آسيا الصغرى على يد سلاجقة الروم فانتشرت بها المدارس والمساجد والخانقاوات، كما انتعشت الأسواق وأعيد بناء الأسوار. وانعكس تزايت قوة السلاطين فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى على المدينة. ويبدو أن التمايز الاجتماعى تمثل فى أهمية وارتفاع الدور وليس فى أحياء متميزة للطوائف المختلفة، ووجد فى قونية
стр. 8300
اليونانيون والأرمن وبعض اليهود، ولا توجد إلا إشارات قليلة فى الوثائق للترك وهو مصطلح اقتصر استخدامه فى ذلك الوقت للدلالة على تركمان السهول وإلا فإن السلاجقة أنفسهم أتراك بالمعنى الشامل للكلمة. ولكن الوثائق تشير إلى المسلمين وهو ما يضم الترك.
وتجدر الإشارة بالذات لثلاث طوائف اجتماعية: الإدجش والأخيس والصوفيين أو الدراويش. أما الطائفة الأولى فهى من المخلطين من أمهات تركيات وآباء من أهل البلاد الأصليين (البيزنطيين) تحولوا للإسلام وكانوا ينخرطون فى الجندية. أما الطائفة الثانية فهم يمثلون الفتوة التركية، وسيلعبون دورا مهما فى فترة المغول ومن جاء بعدهم. أما الصوفية أو الدراويش فكانوا ينتمون إلى عدة طوائف، ولكن الطريقة المولوية المنسوبة لجلال الدين الرومى أخذت فى الانتشار فى منتصف القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى، وإن كانت لم تصبح طريقة منظمة إلا فى القرن الثامن الهجرى.
وقد حوت قونية بالطبع حامية عسكرية، كانت تضم أسارى من البيزنطيين. وكان السلاطين يقطنون قصورا فى المدينة وما حولها، كما قويت الأسوار فى زمن علاء الدين كيقباد. وتحكى المصادر عن وفرة المدارس والمستشفيات والخانقاوات والخانات وما وصلت إليه المدينة من تطور فى عهد السلاجقة.
وكان لوضع الحماية المغولية على الأناضول السلجوقى فى منتصف القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى أثر سلبى على وضع المدينة، ولكن بصورة بطيئة وجزئية. وتمثل النزاع بين الأخوين عز الدين كيقاءوس وركن الدين قلج أرسلان فى صراع بين المناصرين للمغول ومقرهم شرق آسيا الصغرى وراء كيسرى وبين المقاومين لهم والذين اتخذوا من قونية مقرا لهم واعتمدوا أساسا على التركمان من المناطق الجنوبية والغربية. وكان لانهيار السلطة المركزية أثر فى انتقال الأهمية لإمارات التركمان الحدودية على حساب قونية على وجه الخصوص. وأول إرهاصة لهذا الاتجاه
стр. 8301
كان احتلال قونية عام ٦٧٥ هـ/ ١٢٧٧ م بواسطة القرمان (القرمنلى) من غرب طوروس، والذين عينوا سلجوقيا يدعى جيمرى حاكما صوريا. وظل استقلال حكومتهم مع ذلك إلى عام ٧١٣ هـ/ ١٣١٣ م، ففى ذلك العام كانت المدينة قد ألحقت بغيرها بالتأكيد، إلا أن القرمان لم يفقدوا عاصمتهم التى أصبحت منذ ذلك الحين لرنْده/ قرمان. ويشهد على أهمية المدينة الثقافية والدينية وأهمية أهلها النسبية عدد المبانى والمساجد وغيرها من المؤسسات ذات الطابع الدينى التى شيدها الأمراء والنبلاء القرمان. وباستيلاء السلطان بايزيد الأول ييلدرم ابن مراد عام ٨٨٠ هـ/ ١٤٧٥ م على المدينة ألحقت مع كافة أراضى القرمان بالدولة العثمانية، وتشير الوثائق العثمانية إلى أوقاف ومؤسسات من السلاجقة والقرمان قد احتفظ بها. ومن الطبيعى ألا يكون لمدينة كقونية فى هذه الإمبراطورية الشاسعة سوى أهمية محدودة. وكان اندحار جيش رشيد باشا أمام قوات إبراهيم بن محمد على عام ١٨٣٢ م فى قونية دليلا على أنها تمتعت بأهمية استراتيجية بين الحين والآخر.
وقد زار المدينة العديد من الرحالة الذين وصفوها، أهمهم هنرى دى لابورد الذى قدم لها وصفا قيما عام ١٨٢٨. وكان تعداد المدينة فى نهاية القرن الماضى ٥٠.٠٠٠ نسمة، ويخطى ١٠٠.٠٠٠ فى منتصف هذا القرن، ولا يزالون يتزايدون ببطء.
المصادر:
(١) ياقوت الحموى، معجم البلدان تحقيق F. Wustenfeld ليبرج ١٨٦٦ - ١٨٧٣ م.
(٢) ابن بطوطه، الرحلة، باريس ١٨٥٣ - ١٨٥٨ م.
(٣) حاجى خليفة، جيهان نامه.
على يوسف على [ج. جودون G. Goodwin]
القياس
هو المصدر الرابع للتشريع الإسلامى، وأصل القياس أن يُعلم حُكم فى الشريعة لشئٍ فيُقاس عليه أمرٌ آخر لاتحاد العِلّة فيهما، ويوجد شبه بين
стр. 8302
هذه الكلمة العربية والكلمة العبرية هقِّش Hikhish ومصدرها هقش بتشديد القاف أيضا مع تخفيف الكسر، والجذر الآرامى ن - ق - ش -يعنى الفَرْز أو مقارنة شيئين معًا (١).
وقد اتسع معنى القياس فأصبح يشتمل على النظر والبحث عن الدليل فى حكم مسألة عرضت لم يرد فيها نص، وأصبح يطلق على الاجتهاد فيما ليس فيه نص بل ظل مفهوم القياس يتسع حتى أصبح مرادفا للرأى ويعنون بذلك أن الفقيه أو القاضى إذا عرضت له مشكلة أو قضية ليس فيها نص من القرآن الكريم أو حديث شريف (وهما المصدران الأساسيان للتشريع) فإنه يصل فيها إلى رأى، متأثرًا فى ذلك بجو الشريعة، ولطول مرانه، واستطاعته أن يقيس الأمور ببعضها قياسًا واضحًا يماثل بين القضايا المتشابهة أو المتماثلة، لذا فقد ذم الفقهاء الرأى الذى يصدر عن شخص ليس أهلًا للاجتهاد.
ولقد بدأت ممارسة القياس الشرعى، منذ وقت مبكر. ومنذ مطلع القرن الثانى الهجرى، افتتح تطبيقه حماد بن سليمان بن ربيعة، معلم أبى حنيفة وابن أبى ليلى، وقاضى البصرة. ولكن أول من طبقه بانتظام كان الإمام أبو حنيفة (توفى ١٥٠ هـ/٧٦٧ م)، ولهذا السبب عرفت مدرسته بمدرسة أصحاب الرأى لتمييزهم عن مدرسة أصحاب الحديث، ولم يتقبل أصحاب الحديث القياس إلا كملاذ أخير، وفى رأيهم أن "الاستدلال مثل الجيفة، لا تؤكل إلا حين لا يكون هنالك طعام غيرها". ولقد رفض الحنابلة والشيعة القياس، لكن مدارس التشريع الأخرى أخذت به وبخاصة المذهب الحنفى.
وفى رسالته عن أصول التشريع، يمدنا الشافعى بالطور الأول فى تصنيف نظرية القياس. ولقد رسخ الشافعى بدقة دور القرآن والحديث فى التشريع، أما عن الإجماع، فقد حدد
стр. 8303
بدقة بأنه الاستدلال بالقياس. وإليه يُعزى التمييز الأساسى بين قياس العلة أو المعنى أو قياس الشبه.
قاعدة: تنقسم المعارضات العديدة الموجهة لاستعمال القياس المعروفة لنا من خلال معالجات أصول الفقه المختلفة إلى نوعين من الخلاف: خلاف الحقيقة وخلاف التشريع.
طبيعة القياس:
ووفقا لرأى الإمام الشافعى فإن القياس والاجتهاد مترادفان لاسمين يعبران عن معلومة واحدة؛ حين يكون الحكم الخاص بقضية محددة لم ترد بصددها (دلالة)، هذه الدلالة يجب أن يبحث عنها بالوسائل المطابقة للحقيقة بمساعدة الاجتهاد، والآن فالاجتهاد هو القياس. ومازالت الطبيعة المحددة للقياس لم تُفصَّل، فهى رأى شخصى. ومع توسع وتطور علم أصول الفقه، تحددت المفاهيم وترسخت. عندئذ من الممكن أن يُحدد القياس على أنه المنهج الذى يتألف من استيعاب الفرع للأصل استنادًا إلى تشابههما من خصوص علة الحكم. ويكون القياس بناءً على ذلك شكلًا من أشكال الاستنتاج يواصل على نحو مطرد من خصوصية إلى خصوصية، واصلًا قضية جديدة بقضية قديمة.
وحتى يكون القياس فعالًا، هنالك أربعة عناصر ضرورية يجب توافرها:
١ - ظهور قضية جديدة تسبب مشكلة.
٢ - وجود أصل صدر فيه حكم حدده نص.
٣ - وجود علة دات معنى جامع تبرر استيعاب القضية الفرعية مع القضية الأصلية. هذه (العلامة) التى تجيز المعرفة بأن الحكم من النص من الممكن أن يُطبق فى قضية ليست مُتصوَّرة فى هذه الأطراف. وبمجرد أن يُعرف هذا المبرر، يقوم القاضى، متصرفا بالتشابه الجزئى، بتطبيق القانون الباحث فى القضية التى يرى فيها سببًا مشابها للنطق بالحكم وهذا هو (التعليل).
٤ - وأخيرًا، نتيجة تطبق على القضية الفرعية.
من وجهة النظر الشكلية، نستطيع أن نميز عدة أشكال للقياس:
стр. 8304
(أ) قياس العلة أو قياس الدلالة الذى يتألف عند الجمع من القضية الأصلية مع القضية الفرعية بمساعدة العلة والأهليات التى تستلزمها الأخيرة.
(ب) قياس الشبه وهو قياس بواسطة "تشابه بسيط"، من غير دلائل جامعة.
(جـ) قياس الطرد، وهو متساو فى الامتداد مع قياس العلة وهو يخالف قياس العكس.
وهكذا يبدو لنا القياس الشرعى مع الإجماع أنه أصبح مقياسا فعالا جازمًا لتفسير وتأويل التشريع الإسلامى. وهو يتيح إصدار أحكام جديدة. لكن إلى الحد الذى تستبعد فيه عملية الاستدلال إمكانية اللجوء إلى معايير منطقية، فإن القياس الشرعى عمومًا يعتمد أساسًا على الرأى الشخصى، ولهذا السبب فهو محدود فى مجاله. من هذه النتائج نجد أن الحاجة ماسة لأن نلجأ فى حالات معينة إلى طرق أخرى للاستدلال مثل: الاستحسان أو الاستصبلاح -أى ما يعرف بالمصالح المرسلة- أو إلى غيرهما من الطرق.
وفى العصر الحديث، فإن نظرية القياس قد طبقت عمليا فى مختلف المذاهب التى تبنتها وفقا للمذهب الحنفى. وبسبب الدور الرئيسى والمجهود الذاتى للمذهب الحنفى فإن المجتهد الحديث شغوف باستخراج النماذج التى تمكنه من استخراج أحكام جديدة، وتاريخيا فإن الأهمية الممنوحة بالإجماع للحنفية تبحث عن حقيقة اتباع العثمانيين لحكام السلاجقة فى جعل هذا المذهب المذهب الرسمى للدولة.
ولقد ساد هذا النفوذ قطاعًا كبيرًا من العالم الإسلامى، مما كان له التأثير فى أن يكون المذهب الحنفى هو المذهب الرئيسى فى عدد من الأقطار التى يتبع أفرادها مذاهب أخرى مثل مصر، والسودان، والأردن، وفلسطين، ولبنان وسوريا.
المصادر:
(١) الأصول، مخطوطة بدار الكتب المصرية، رقم ٣٢٩.
(٢) الصيمرى: مسائل الاختلاف فى أصول الفقه.
стр. 8305
(٣) الدابوسى: نظرية القياس عند الأحناف.
(٤) L.Milliot: Introductin a LEetude du droit musulman, paris ١٩٥٣
القياس فى النحو (اللغة):
تشير كلمة القياس فى النحو إلى الأداة التى تمكن عالم القواعد بتقصى حالة الشكل للكلمة أو التركيب، حيث يكون ذلك غير وارد ومعروف فى النقل أو السمع، على أساس حالة معروفة لكلمة أخرى، بطريقة ما من طرق الاستدلال، فتكون بذلك مترادفة بالقياس. وكلمة القياس ثابتة تماما فى كتاب سيبويه. ولكن سيبويه لم يحدد القياس ولكنه قال إنه من الممكن أن يكون (رادعًا) وأن يكون (لازمًا). ويشير استخدامه لتعبير "على القياس" إلى "وفقا للقاعدة، وعاديًا".
ولقد كان عالم اللغة المعتزلى "الرمانى" (ت ٣٨٤ هـ/ ٩٩٤ م) هو الذى زودنا بأول تحديد للاسم فى كتابه "الحدود"، حيث قال: "القياس جامع لشيئين، لذلك تتطلب النتائج اتحادهما فى الحكم". ولقد خصص ابن جنِّى (ت ٣٩٢ هـ/ ١٠٠٢ م) للقياس خمسة فصول فى كتابه "الخصائص". وقد أكد على أن العرب أحبوا (التجانس) والتشابه وذلك قادهم إلى استيعاب الأشياء التى يتلاحم بعضها مع البعض الآخر، وحمل الفرع على الأصل، ولقد علق على أن ميل العرب للتشابه يقودهم فى بعض الأحيان لتتبع الشئ الأصلى من الشئ الثانوى، فيصبح بذلك الشئ النادر "قاعدة"، بينما لا يكون الشئ العام كذلك. أما بخصوص الحلقات بين "القاعدة" و"الاستعمال"، فيميز ابن جنِّى أربع حالات:
١ - المعترض.
٢ - ذلك المعمم وفقًا للقاعدة.
٣ - وذلك المعمم وفقًا للعُرف والعادة.
٤ - ذلك المستثنى من القاعدة والعُرف.
وفى كتاب "اللمع العادلة فى أصول النحو" لابن الأنبارى (ت ٥٧٧ هـ/ ١١٨١ م) يخضع ابن الأنبارى القياس لاختبار مطول. وهو يعتبر أنه من
стр. 8306
المستحيل العمل بدونه فى قواعد اللغة، طالما أن الأخيرة قد حددت بأنها علم (المقاييس) المستنبطة من استقراء اللغة العربية. ولقد وصفه بالعلم الذى يستخرج الجزء من الكل بالعلة التى تتطلب تطبيق مبدأ الكل على الجزء. ولقد ميّز ثلاثة أنواع للقياس، وفقًا لأركانه.
١ - العلة التى ترتبط بالأصل.
٢ - الشبه دون العلة.
٣ - الطرد.
ولقد صنّف السيوطى (ت ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م) كل المادة المتصلة بالقياس التى أمدنا بها اللغويون السابقون. ولقد قسّم دراسته إلى ثلاثة أجزاء:
١ - الأصل المقيس عليه.
٢ - المُقاس الأصل.
٣ - العلة الجامعة.
وأخيرًا، يجب أن نذكر، أننا فى كتاب "الرد على النحاة" للظاهرى، نجد عالم اللغة ابن مَضاء القرطبى (ت ٥٩٢ هـ/ ١١٩٦ م) قد عارض فى استخدام القياس فى قواعد اللغة وطالب بإبطاله.
المصادر:
(١) سيبويه: الكتاب.
(٢) ابن الأنبارى: اللمع العادلة فى أصول النحو.
(٣) السيوطى: الاختراع فى أصول النحو.
د. عطية القوصى [ج. تروبو G. Troupeau]
مراجعة: د. محمد الشحات الجندى
القيافة
هى علم الفراسة واقتفاء الأثر على الأرض. ولقد حذق العرب فى هذا العلم، من خلال اهتمامهم بنقاء الأجناس وصحة الأنساب، وأتاح لهم ذلك التثبت من سلسلة النسب. ولقد تأسست هذه المهارة عندهم فى جزء منها بسبب عامل الخبرة والتجربة وفى جانب آخر من خلال العرافة والرجم بالغيب. وفى العصور البدائية، حذق بعض الأشخاص المميزين هذا الأمر: لكن فى فترات الانحطاط المتوالى، فى الجزيرة العربية قبل الإسلام، أدى وجود أشخاص حاذقين فى أمور التنبؤ إلى تراكم خبرات جعلت منهم كهنة لكن
стр. 8307
كان هنالك أيضا العديد من الأشخاص المهرة فى مجال هذا النشاط لم يكونوا بالضرورة كهنة. ولقد غرفت القبائل بممارستها لهذا الفن (بنو مدلج، خثعم وخزاعة).
والقيافة، التى هى أصل الفراسة الإسلامية تشتمل على فرعين:
١ - قيافة البشر، هى التى هدفها الكشف عن سلسلة النسب بين الطفل غير المعروف الأب وبين أبيه المفترض بقصد شرعيته. وعلى هذا النحو وبفضل القيافة، أجبر معاوية على أن يعترف، بزياد ين أبيه أخًا له. ويقوم أساس القيافة على ضرورة التشابه بين الابن والأب. وتستخدم بعض أجزاء الجسم كنقاط للرجوع إليها، وبخاصة باطن القدم، لأنه، فى معظم الحالات، يكون للولد نفس قدم والده (المسعودى، مروج الذهب، جـ ٣، ص ٣٣٨). لكن نقاط التشابه هذه لا تكون على الدوام واضحة، والكشف عنها يتطلب مهارة فائقة وذاكرة قوية (الرازى، الفراسة، ص ١٣).
ولقد أسهمت العين الحادة الفاحصة للبدوى فى حذق العرب لهذا الفن.
٢ - قيافة الأثر، تعتبر القدرة على الملاحظة الدقيقة التى يبديها العربى للعيان أمرًا بارزًا فى مجرى حياته. ويسمح له تقصى الأثر أن يجد حيوانا شاردا، أو زعيما هاربا، أو طريقا مفقودا، وغير ذلك، فهو يميز أثر أقدام الرجل عن أثر أقدام المرأة، وأقدام الشباب من العجائز، وأثر اقدام الرجل الأبيض من أثر أقدام الزنجى، وأثر أقدام الغرباء من أثر أقدام السكان المقيمين المحليين. وهو يستطيع أيضا أن يخبر إذا ما كانت المرأة عذراء أم غير ذلك.
هذه القدرة المدهشة على الملاحظة والاستدلال امتدت إلى سلوك الحيوانات. وتفسر أسطورة أبناء نزار فى كل نقاطها، من آثار الجمل، وهم فى طريقهم، وأصل العسل، واللحم المشوى والنبيذ الذى قدمه مضيفهم لهم (المسعودى، مروج الذهب، جـ ٣، ص ٢٢٨)، كل ذلك تصوير محكم للتدقيق والاهتمام بالتفاصيل التى تستخدم فى
стр. 8308
القيافة من حيث التدقيق فى الحقائق التافهة للغاية. وكقوة روحية تفوق الذكاء البشرى، فإن القيافة تحتفظ، منذ فترة ما قبل الإسلام، بخاصية مقدسة تؤكد بقاءها، كدليل شرعى، فى الأمور التشريعية المتصلة بإقرار أبوة طفل ولدته جارية (ابن القيم الجوزية، الطرق الحكمية، ص ١٩٥ - ٢١٣). ولقد كان شريح العاصى الشهير قيافا، ولقد كتب الشافعى رسالة فى علم القيافة (حاجى خليفة، مخطوطة رقم ٤٥٢، السليمانية، بالتركية). ونتيجة للبداوة وحياة الترحال وبيئة الصحراء التى سادت تحت ظروف مختلفة كثيرة، فقدت قيافة الأثر فى الواقع بعضا من علة وجودها فى المدينة الإسلامية، حيث تغلبت عليها الفراسة التى تطورت بعد ذلك تطورا كبيرا.
أهم المصادر:
(١) T.Fahd: La divination arabe Leiden ١٩٦٦,p.٣٧٠ - ٨
(٢) Y.Mourad: La physiognomie arabe et le K. al. fiasa de Fakhr ad-Din ar-RBzi. Paris ١٩٣٩
(٣) المسعودى: مروج الذهب، جـ ٣، ص ٣٣ - ٣٨.
د. عطية القوصى [ت. فهد Fahd]
القيامة
هى حركة البعث، والنشور. ولقد استعمل الأصل قَ وَمَ بكثرة فى لغة القرآن الكريم. وتكررت كلمة القيامة فيه سبعين مرة، وبخاصة تعبير "يوم القيامة". وتأتى القيامة بعد الفناء المطلق لكل الكائنات والمخلوقات، ويتبعها "يوم الدين". حيث تكون الساعة، والساعة هى يوم القيامة "يوم الدين"، وهى من الاعتقادات الضرورية التى تحدد مضمون عقيدة المسلم. ومن المعروف أن كلمة "النشور" فى القرآن هى كلمة مرادفة للقيامة. وتعالج أعمال علم الكلام والفلسفة كل موضوع الإيمان بالبعث والحساب تحت عنوان عام وهو "الميعاد"، وهى كلمة تظهر لمرة واحدة فى القرآن الكريم (القصص: ٨٥) بالمفهوم العام لكلمة "مكان العودة". ومن هذا المنطلق فإن فكرة البعث والنشور غالبًا ما يعبر عنها، فى
стр. 8309
المناقشات العلمية، بالميعاد. ومن الممكن أن نضيف بأنه سوف يكون من غير الملائم أن نتعامل مع يوم الحساب (الدينونة) كما هو وبشكلياته، أو مع الثواب والعقاب فى الآخرة تحت لفظ القيامة. فى هذه الحالة، تحتاج هذه المقالة أن تزود بمواد خاصة عن الحساب، والميعاد، والساعة ويوم الدين. وسوف نحصر أنفسنا هنا بالنظر فى:
١ - تعاقب أحداث البعث والحساب التى تتبع وتصاحب البعث.
٢ - البراهين القرآنية التى تثبت احتمال وقوعها.
٣ - خلفية وجهات النظر فى المسائل الفلسفية والدينية التى نجمت عنها.
١ - تعاقب أحداث البعث والحساب:
(أ) دلائل النبوة: البعث سوف يسبقه نهاية العالم، "بالفناء". والسُور المكية ملحة على ذلك. وهنالك "علامات" وسوف تنبئ عن النهاية؛ فسوف تزلزل الأرض زلزالها وسوف تخرج أثقالها ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (الزلزلة: ١ - ٢)؛ وسوف تنشق السماء، وسوف تنتثر الكواكب، وسوف تمور البحار، وسوف تتقلب القبور (الانفطار: ١ - ٤؛ التكوير، ١ - ١٤؛ وخاصة سورة الواقعة: ١ - ٦؛ وغيرها)، وسوف تطير وتنتثر الجبال وتصبح ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ (القارعة: هـ). ويقدم لنا صحيح مسلم (جـ ٨، ص ١٧٩) قائمة مرتبة لهذه "العلامات". ويورد النسفى، خمسة علامات منها، ويعدد تفسير التفتازانى عشر علامات "عظمى".
(ب) الفناء: فى ذلك اليوم ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ (النازعات: ٦ - ٧). هذه "الراجفة" سوف تكون "صوت الناقور" ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ (المدثر: ٨ - ٩)، الذى وفقا لرواية الحديث سوف يدق بواسطة الملاك إسرافيل. ثم لا يتبقى بعد دقه أى مخلوق حى - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ. . .﴾ (العنكبوت: ٥٧) ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ وسوف يكون ذلك الفناء النهائى، حيث يظل ولا يبقى إلا اللَّه الواحد القهار، لأن كل شئ هالك
стр. 8310
إلا وجهه ﴿هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص: ٨٨). ومع مرور الزمن، خفت صورة هذا الفناء الكامل.
فمن تفسير لآخر، ازداد عدد الخلائق التى سوف تفلت من الفناء وتنجو منه: وليس ذلك لأنها زودت بخلود طبيعى، ولكن "بحكم البقاء"، الذى سوف يمنحه اللَّه لهم (هنالك قائمة بهؤلاء الأشخاص والكائنات موجودة فى كتاب:
L.Gardet: Les Brands problemes de Ia musubnane - Dieu et la destinee theologie de l'ho,nme, paris ١٩٦٧, p. ٢٦٤ - ٦
(جـ) البعث: عندما تقع الصيحة الثانية، سوف يُبعث الخلق من الفناء الأكبر وتعود الأرواح إلى أجسادهم ويبعثون من جديد فى يوم النشور ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤٢). وهنالك تشديد دائم يقع على بغتة هذه "العودة" للحياة. فالبعث هو القيام، والعبور السريع، دون تحديد لزمن، من العدم إلى الحياة.
(د) الحشر: اللَّه تعالى هو الذى سوف يحشر الخلق، ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ (ق: ٤٤)، ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ. .﴾ (الحشر: ٢). ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ. .﴾ (يونس: ٤٥). ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ (مريم: ٨٥). ﴿. . . وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ (طه: ١٠٢) ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. .﴾ (الفرقان: ١٧). وسوف يُحشر الناس والجن والشياطين ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ (مريم: ٦٨). وسوف يحشر الملائكة (سبأ: ٤٠) وسوف يكون ذلك يوم الجمع للعالم. كذلك يؤخذ فى الاعتبار، أن هنالك من سوف ينجو من الفناء برحمة من اللَّه؛ حتى، وفقا لما يقول النووى، بهيمة الأنعام والحيوانات المتوحشة وسوف يكون ذلك اليوم هو يوم الموقف وانتظار الحساب. وتذكر بعض الأحاديث أن أول من "سيبعث" ويصل للمحشر سوف يكون نبى الإسلام. ووفقا لمعظم الاعتقادات
стр. 8311
السائدة، فإن الأنبياء، والملائكة، والأبرار سوف يجنبون أهوال الموقف. لكن البشر عموما "سوف يعرقون ويعذبون" وسوف يغرقون فى عرقهم، الذى "سيلجمهم"، مثل ألجمة الخيل (انظر، الغزالى: إحياء علوم الدين، القاهرة ١٣٥٢ هـ/ ١٩٣٣ م، جـ ٤، ص ٤٣٦ - ٧).
ويجب أن نشير أن معتقدات الشيعة تشير إلى أول "المبعوثين" بعد فناء العالم والبعث والحشر، وتدعى أنهم سوف يكونون أولئك الأبرار الذين اتبعوا "مهدى" آخر الزمان. وهى عندهم "الرجعة"، ولقد أصر الرافضة على ذلك فى القرون الأولى للإسلام. واستمر هذا الاعتقاد قائما ليصبح واحدا من نظريات الإمامة، وارتبط "بعودة" الامام الثانى عشر محمد المهدى "الإمام الغائب"، الذى بعودته ستقوم القيامة.
ولقد عارض المعتزلة فى ذلك رأى الرافضة وكذلك الأشاعرة.
وهنالك براهين قرآنية تؤكد البعث، من الممكن أن نجمعها فى ثلاثة موضوعات:
أ) المقارنة الثابتة للخلق بالبعث، الذى يبدو فى حد ذاته "خلق جديد" ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ الإسراء: ٤٩؛ ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ. . .﴾، الكهف: ٤٨؛ ﴿. . . كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الأنبياء: ١٠٤، وغير ذلك. أو يبدو كخلق ثان، فى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ النجم: ٤٧. وهو القدرة الخالقة للَّه إجابة لأولئك المشككين فى قدرته تعالى على البعث: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الحج: ٥. وأن الخلق الثانى أهون عند اللَّه ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ العنكبوت: ١٩, ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ. .﴾ الروم: ٢٧. وهو الذى خلق الإنسان فأحسن خلقه (القيامة: ٣٨). ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ القيامة: ٤٠.
ب) "العلامة" الثانية للبعث هى تشابهه بإنتاج الخضروات والفاكهة،
стр. 8312
وإحياء التربة بالماء ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فصلت: ٣٩. ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ فاطر: ٩. ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ. .﴾ الأنعام: ٩٥.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ الروم: ١٩. ﴿. . . كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ الأعراف: ٥٧. ولقد شُبه القيام بعد الموت بنشور النهار الذى يعقب الليل: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ الفرقان: ٤٧.
جـ) وأخيرا مقارنته، بأمثلة معجزات إحياء الموتى بإذن اللَّه: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ البقرة: ٧٣. ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ. .﴾ البقرة: ٢٥٩.
وهنالك بعض المسائل التى طرحت بصدد البعث فى علم "العقائد" أثارها بعض الفلاسفة، ليس فى كتاب تهافت الغزالى فحسب، ولكن فى كتاب "المعاد" فى علم الكلام. من هذه المسائل:
(أ) مسألة عذاب القبر. وأول هذه الأسئلة فى هذا الخصوص هى: هل هنالك بعث للنفس أو الروح فى القبر؟ وهل سيكون البعث بالجسد فقط، أو بالجسد والروح أو بالروح فحسب، والقرآن لا يتحدث بصراحة عن إحياء الروح أو النفس بعد الموت فى القبر. فالإنسان يموت، وبعد ذلك يعود للحياة يوم القيامة. وهنالك ثلاثة نصوص فى القرآن ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ. . .﴾ غافر: ٤٦، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ آل عمران: ١١٩، قد قدمها المتكلمون كشاهد على عذاب القبر، كذلك على النعيم الذى سينعم به الأبرار فى القبر. وإضافة لهذه الآيات فهنالك أحاديث
стр. 8313
كثيرة صحيحة تؤكد ذلك. وعذاب القبر ذكر فى غالبية كتب الفقه المعتمدة، لكن الأشاعرة يتهمون المعتزلة بإنكاره. لكن عبد الجبار، على العكس يؤكده فى كتابه "شرح الأصول الخمسة". ويرى المؤمنون بعذاب القبر، أنه بعد هذا العذاب يموت الإنسان للمرة الثانية حتى يوم البعث. كذلك يؤمن هؤلاء بأن الأنبياء والشهداء الذين ماتوا مجاهدين فى سبيل اللَّه وقاتلوا وقتلوا معفون من عذاب القبر.
(ب) رأى الفلاسفة فى عذاب القبر:
لا يقبل الفلاسفة عموما مسألة عذاب القبر إلا قبولا مجازيا. فهم يرون، وفى مقدمتهم ابن سينا، أن عذاب الروح مخالف لعذاب الجسد وهو يكون بحرمان لحاقها بعالم الملائكة الأعلى حيث توجد السعادة الكاملة والرونق الكامل البهاء. والفيلسوف أبو يوسف يعقوب الكندى هو الوحيد من الفلاسفة الذى أقر ببعث الجسد فى القبر وإمكانية تعذيبه، وأقر بذلك كل الشواهد القرآنية فى هذا الخصوص. ولقد أقر الغزالى فى كتابه "تهافت الفلاسفة" أمر بعث الجسد فى القبر ولام على الفلاسفة إنكار ذلك فى كتابه وإنكار تعاليم القرآن الكريم بصدد البعث.
(جـ) الردود والهجوم على تفسير المتكلمين:
لقد كان "علم الكلام" مؤخرًا يهتم بالحكم على الفلاسفة أكثر بواسطة موقفهم من الأحكام الخفية لابن سينا عن مدى احترامهم للتشريع الدينى. وعندما يورد الجرجانى قائمة بالاتجاهات المختلفة التى طُبقت أو كان من الممكن تطبيقها، فهو يبدو أنه يماثل الفلاسفة الذين يتقبلون فقط "الرجوع"، فى المعنى الموجود فى اعتقاد أرسطو الكاذب. بينما يرى المحققون "مثل الحليمى أو الغزالى، صاحب المعاد"، أن البعث يكون بالجسد والروح. ففى هذا المجال دار علم الكلام ليثبت حقيقة العودة والحشر ودراسة ظروفهما. ولا نستطيع أن نتتبع بالتفصيل كل سلسلة نقاشهم فى هذا الموضوع ولكن لنا بعض التعليقات بخصوصها وهى:
١ - من باب الفضول فحسب، يعلن فخر الدين الرازى (المحصل، ص ١٧٠)
стр. 8314
أن كل الأنبياء السابقين بشروا فقط "بالبعث الروحى"، وأن القرآن الكريم قد نادى ببعث الجسد. ولقد قرر معارضة الإمام الشيعى نصر الدين الطوسى زيادة على ذلك بأن الإنجيل لم يبشر ببعث الجسد، واستشهد فى ذلك بإنجيل متى. ويبدو أن ابن رشد كانت عنده معلومات طيبة عن اليهود والنصارى.
٢ - فى تهافت الفلاسفة للغزالى، نجده يسلم برأى معارضيه، لكنه يقول بأن بعث الجسد ممكن مع ذلك، وأنه سوف يحدث طالما أن التشريع أنبأنا بذلك.
٣ - هنالك ردود كثيرة أدلى بها المعتزلة فى علم الكلام حول بعث الجسد والروح وعن النشور بعد الفناء، ردوا بها على الفلاسفة. وفى معظم هذه الردود ظهرت حقيقة بعث الجسد والروح.
المصادر:
(١) القرآن الكريم.
(٢) صحيح البخارى ومسلم.
(٣) الجرجانى: شرح الموقف، القاهرة ١٣٢٥ هـ/ ١٩٠٧ م.
(٤) الغزالى: تهافت الفلاسفة، بيروت ١٩٢٧ م.
(٥) L.Gardet: Les grands problemes theologie niusulruane - Dieu el la de la deslinee de l'homme. Paris ١٩٦٧
د. عطية القوصى [د. جارديه L. Gardet]
القيثارة
آلة موسيقية من عائلة آلات الطرب الشعبية. ظهرت أول ما ظهرت فى الكتابات العربية عن الموسيقى فى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى فى الإشارة إلى آلة يونانية من نفس النوع. وقد صُنعت من صندوق رنان قائم الزوايا فزخرف، مع دعامتين عموديتين مثبتتين معا برباط وأوتار تتحرك بحرية فى أقصى عرض لها.
ولقد تحدث ابن خرداذبة فى كتابه "اللهو" والمسعودى فى كتابه "مروج الذهب" عن القيثارة البيزنطية، وهى الربابة، وهى مصنوعة من الخشب وبها خمسة أوتار، كذلك ذكر أن عندهم قيثارة باثنى عشر وترًا. وكتب الخوارزمى فى كتابه "مفاتيح العلوم" أن "الطنبور" هو الصنج (المعزف) عند
стр. 8315
اليونان، وأن القيثارة أحد آلاتهم، وهى تشبه الطنبور (عود برقبة طويلة). ويتوافق التطابق بين الآلتين فى المصادر مع الحقيقة، لأن الطنبور والقيثارة هما شكلان دارجان لنفس نوع الآلة منذ العصور القديمة حتى القرون الأولى للإسلام. ولقد كان الطنبور آلة صغيرة يعزف عليها المبتدئون والهواة، بينما القيثارة آلة للمحترفين الذين استعملوها فى الفترة الإسلامية للفت الأنظار وإظهار البراعة الفنية.
ويبدو، أنه فى فترة متأخرة، أطلق لفظ قيثارة ليشير إلى آلة مختلفة، وهى الجيتار، وقد حدث ذلك فى كتاب (المتع والانتفاع)، حيث ورد اسم الجيتار ضمن ٣٢ آلة وُضعت فى الفصل الثانى من هذا الكتاب.
المصادر:
(١) ابن خرداذبة: كتاب اللهو.
(٢) الخوارزمى: مفاتيح العلوم.
(٣) المسعودى: مروج الذهب ومعادن الجوهر.
د. عطية القوصى [أ. شيلوه A. Shiloah]
القيروان
تقع مدينة القيروان فى الوسط من تونس على بعد ١٥٦ كم من العاصمة تونس وعلى بعد ١٥٦ كم من سوسة وترتفع عن سطح البحر بنحو ٦٠ م. وتشغل مساحة تقدر بنحو ٦٨٠.٠٠٠ هكتار.
بلغ عدد سكانها حسب تعداد ١٩٥٦ م أربعة وثلاثين ألف نسمة ولم يلبث أن زاد فبلغ سبعة وأربعين ألفا حسب التعداد الذى أجرى فى ٣ مايو ١٩٦٦ م ثم أصبح ستا وخمسين ألف نسمة فى عام ١٩٧٢ م.
أما عن درجات الحرارة فتتراوح من بضع درجات تحت الصفر فى فصل الشتاء إلى ٤٠ درجة مئوية وأكثر فى فصل الصيف، كما تختلف كمية الأمطار من سنة إلى أخرى ما بين جفاف وفيضانات مدمرة، ولذا شرعت الحكومة فى بناء سد فى وادى زَرُود حيث سيقوم بتخزين ٨٠.٠٠٠ متر مكعب من المياه، وكذلك سد آخر فى وادى مِرْجلل وهذا من شأنه أن
стр. 8316
يقلل من أخطار الفيضانات من جهة ويزيد الرقعة الزراعية من جهة ثانية والتى تقدر فى الوقت الحالى بما يربو على ١٤.٠٠٠ هكتار ولكن لم يستصلح منها فى الواقع سوى ٨.٠٠٠ فحسب. إن مدينة القيروان تعنى عناية فائقة بالنشاط الزراعى الذى تقدم تقدما ملحوظا خلال العقدين الأخيرين نتيجة للجهود الكبيرة التى بُذلت، وعلى الجانب الآخر فإن القطاع الصناعى ما زال فى مرحلة النمو، وهو إن كان يضم حوالى عشر مؤسسات صغيرة حيث يعمل حوالى ألف عامل إلا أنه يبدو أن هذا القطاع لن يتوسع أكثر من ذلك.
وعلى النقيض نجد أن القطاع الحرفى لا يزال يحتل مكان الصدارة فى أنشطة المدينة. وتوفر أعمال الخشب والنحاس وصناعة المجوهرات والمصابيح والمصافى فضلا عن صناعة النسيج والصباغة التقليدية [أى الموروثة] فرص عمل لحوالى ١٢٠٠ صانع، كذلك تشتهر القيروان بصناعة السجاجيد، وقد تم مؤخرا إنشاء المكتب الوطنى للصناعات الحرفية والذى يختص بتاهيل الإناث العاملات فى الورش، وبالرغم من ذلك فإن هذه المؤسسات غير قادرة على توفير فرص العمل على نطاق واسع بسبب ارتفاع معدل المواليد.
وتتكون مدينة القيروان من الحى الوطنى [الشعبى] بشوارعه الضيقة المتعرجة وأسواقه التى لازالت تحتفظ بنفس مظاهر القرن الثامن عشر، كما أن هذا الحى لا يزال محاطا بالأسوار المتؤجة بشرافات، وقد بنيت هذه الأسوار بالآجر المتين ويتخللها على مسافات دعامات مستديرة، ويبلغ طولها [أى الأسوار] أكثر من ٣ كم بقليل.
وتوجد فى الشرق والشمال الشرقى ضاحيتا جِبلية وذلاس، أما المدينة الحديثة فتقع فى الجنوب بين باب الجلادين (الذى سمى بعد الاستقلال بباب الشهداء، وهو المؤدى إلى الحى الشعبى) وبين محطة السكة الحديد، وتوجد هنا [أى فى المدينة الحديثة] الخدمات الإدارية والبنوك والفنادق وغير ذلك.
стр. 8317
وقد بنى فى الشرق حى للطبقة العاملة يعرف بحى سيدى سحنون كذلك بنى حى آخر وهو عبارة عن مجموعة من ٤٠٠ فيللا تخص الطبقات الأعلى ويعرف باسم "المنصورة".
وإذا استثنينا الجامع الكبير (أى جامع القيروان الشهير) فإن "جامع الثلاثة بيبان" يعد واحدا من الآثار الرئيسية فى المدينة والذى تعتبر واجهته نمودجا رائعا للعمارة فى عصر الأغالبة، وقد أمر بإنشاء هذا الجامع محمد بن خيرون المعافرى الأندلسى فى سنة ٢٥٢ هـ/ ٨٦٦ م, ولكن حدثت به بعض التغييرات فى القرن ٩ هـ/ ١٥ م.
ومن الآثار الأخرى الصهريج الأغلبى [خزان أو ماجل وكان يوجد بالقيروان ١٥ ماجلا على نحو ما ذكر البكرى] وهو قائم عند باب تونس، كما توجد زاوية سيدى عبيد الغريانى من القرن ٨ هـ/ ١٤ م وزاوية سيدى الصاحب التى كانت فى الأصل ضريحا بسيطا شديد القدم يضم رفاة أحد صحابة الرسول [ ﷺ ] وهو أبو زمعة * البلوى، وفى نفس الموضع أمر حموده بك المرادى ببناء المبنى الحالى فى القرن الحادى عشر الهجرى (١٧ م) وكذلك زاوية سيدى عمر عبادة التى بنيت فى القرن ١٩ م.
١ - التأسيس
إن الفتوحات العربية، التى بلغت ذروتها فى فتح الأملاك البيزنطية، حرصت فى البداية على تجنب الطريق الساحلى.
وقد دخل الفاتحون البلاد عن طريق منطقة قسطيلية ومن هناك حاولوا الوصول إلى منتصف البلاد وشمالها تجنبا منهم للمرور بالساحل الشرقى وذلك لعدم خبرتهم فى فنون البحر كما تجنبوا كذلك الجبال فى الغرب التى يخشى منها دائما من الكمائن
стр. 8318
والهجمات المفاجئة ولذلك فإنه لم يكن هناك أى بديل سوى هذا الممر، أى ممر القيروان، الذى ينتهى فى منطقة قمونية.
وهذه المدينة [أى القيروان]، كانت فى الأصل قاعدة حربية، وكان الغرض من إنشائها أن تكون مركز دفاع عن البلد وسدا فى وجه المناورات القتالية التى يقوم بها الفاتحون.
ويعزى تأسيس هذه المدينة إلى عقبة ابن نافع، ولكن الواقع هو أن تأسيسها سار فى عدة مراحل وساهم فيه العديد من القادة العسكريين.
وبادئ ذى بدء نذكر أن واقعة سبيطلة (٢٧ هـ/ ٦٤٧ - ٦٤٨ م) كانت سببا فى وقوع الأملاك البيزنطية فى يد عبد اللَّه بن سعد بن أبى السرح حيث تقهقر الروم إلى خط دفاعهم الثانى للدفاع عن مركز قيادتهم، وليس من المستحيل أو من غير المحتمل أن يقوم الفاتحون فى هذه المناسبة بشن غارات فى منطقة القيروان حين فرضوا ضرائب باهظة يجبونها من الأهالى [يقدرها البعض بألفى ألف وخمسمائة دينار فى حين يقدره البعض الآخر بثلاثمائة قنطار من الذهب].
ويشير ابن ناجى [معالم الإيمان فى معرفة أهل القيروان، والصحيح أن هذا الكتاب للدباغ المتوفى ٦٩٦ هـ مع تعليقات لابن ناجى المتوفى ٨٣٧ هـ] إلى أن هناك مسجدًا بالقيروان يعرف بمسجد ابن أبى السرح يبدو أنه بناه تخليدًا لرحلته البحرية.
وبدأت الأحداث بعد ذلك تتبلور عندما قام معاوية بن خديج بثلاث حملات متتالية على إفريقية فى أعوام ٣٤ هـ/ ٦٥٤ - ٦٥٥ م، ٤١ هـ/ ٦٦١ - ٦٦٢ م، ٤٥ هـ/ ٦٦٥ م.
وقد سلك ابن خديج فى حملاته الثلاث نفس الطريق الذى سلكه قبل ابن أبى السرح وهو الطريق الذى ينتهى عند قمونية أو القيروان حيث ضرب معسكره هناك. ويذكر ابن عبد الحكم (فتوح مصر والمغرب) أن ابن خديج قد استولى على حصون عديدة وغنم مغانم كثيرة كما أقام قيروانا قرب "القرن"، ويشير ابن عذارى (فى البيان المغرب) إلى أن هذا التأسيس كان فى
стр. 8319
سنة ٤١ هـ/ ٦٦١ - ٦٦٢ م. ويضيف المالكى (فى رياض النفوس) فيذكر أن ابن خديج قد "اختط مدينة عند القرن قبل تأسيس عقبة للقيروان وأقام بها مدة إقامته بإفريقيه. . . ". ويقرر (ابن ناجى) أن ابن خديج قام ببناء دور فى منطقة القرن وذلك عند عودته إلى قمونية وأطلق عليها اسم القيروان فى موضع كان غير مسكون ولا معمور (معالم الإيمان). وترجع تسمية هذا المكان بالقرن إلى تضاريسه، ومن المحتمل أن تلك التسمية تشير إلى التل الذى يبلغا ارتفاعه ١٧١ م والذى يعرف الآن باسم بطن القرن والذى يقع فى منطقة سياحية على بعد ١٢ كم شمال شرقى مدينة القيروان على الطريق المؤدى إلى جلولاء.
ويرجع السبب الرئيسى لتأسيس مدينة القيروان إلى ارتفاع موقعها مما يوفر لها الحماية من الهجمات المفاجئة وأخطار الفيضانات. ولم يُقَدَّر للقيروان التى أسسها ابن خديج أن تلعب دورها كعاصمة لإفريقية ولكنها لم تدمر مرة أخرى، ومع ذلك فإنه عندما قدر لها أن تصبح عاصمة لم تعد تسمى باسم القرن.
وفى عام ١٢٤ هـ/ ٧٤٢ م قام حنظلة بن صفوان والى إفريقية بضرب عكاشة الخارجى هناك، وقد ذكرت القرن مرة أخرى فى نهاية القرن الثانى للهجرة (بداية القرن ٨ م) وبعد ذلك اختفت كل معالمها ولم يذكرها كل من البكرى والإدريسى، أما ياقوت الحموى (معجم البلدان) فأشار إلى القرن على أنها مجرد جبل فى إفريقية.
وفى عام ٥٠ هـ/ ٦٧٠ م قام معاوية مؤسس الدولة الأموية بإقرار ابن خديج فى ولايته لمصر ولكنه انتزع منه ولاية إفريقية وأقرها لعقبة بن نافع.
ولم يكن عقبة راضيا عن القيروان التى اختطها سلفه معاوية بن خديج وتتفق أغلب المصادر التاريخية (ومنها فتوح مصر والمغرب لابن عبد الحكم ورياض النفوس للمالكى والبيان المغرب لابن عذارى ومعالم الإيمان لابن ناجى) على أن عقبة خرج ومعه جمع من
стр. 8320
الناس من بينهم عدد كبير من الصحابة [رضوان اللَّه عليهم] للبحث عن موقع جديد للمدينة حتى أتى موضع القيروان الحالية وكان واديا كثير الشجر، كثير القطف، تأوى إليه الوحوش والسباع والهوام. . . وركز رمحه وقال: "هذا قيروانكم. . . ".
وهكذا تم اختيار موقع المدينة الجديدة، وبادر عقبة على الفور ببناء الجامع ودار الإمارة، وقد قضى عقبة السنوات الخمس من ولايته الأولى فى الإشراف على البناء.
وجاء بعد عقبة أبو المهاجر دينار [٥٥ - ٦٢ هـ/ ٦٧٤ - ٦٨١ م] الذى "نزل خارجا عن المدينة وكره أن يترك الموضع الذى اختطه عقبة ومضى حتى خلفه بميلين، مما يلى طريق تونس، فاختط بها مدينة وأراد أن يكون له ذكرها وأخذ فى عمرانها وأمر الناس أن تحرق القيروان ويعمروا مدينته. . . "
وأطلق على هذه المدينة الجديدة اسم "تَكِرْوان"، وقد كان اختيار هذا الموقع الجديد وإطلاق هذا الاسم البربرى عليها جزءًا من سياسة الدولة التى بدأها أبو المهاجر دينار للتقرب من زعماء البربر.
ولم يرض الخليفة عن تلك السياسة ولذلك رد عقبة إلى ولايته مرة ثانية فى عام ٦٢ هـ/ ٦٨١ م وكان أول عمل قام به هو إعادة العاصمة إلى الموقع الذى سبق أن اختاره، ومنذ ذلك الوقت لم يتغير موقعها بأى حال من الأحوال.
ومن المؤكد أن موقع القيروان كانت تشغله من قبل مدينة رومانية أو بيزنطية إلا أنها قد اختفت، مثلها فى ذلك مثل العديد من المدن الأخرى، عقب الفتح الإسلامى، وقد أعاد العرب استخدام مواد البناء التى تخلفت عن تلك المدينة وكانت لا تزال بالموقع، ويمكن أن نشاهد أمثال هذه المواد المتنوعة فى الآثار الباقية فضلا عن المنازل الحديثة، وقد اكتشف بعض منها فى الجامع الكبير [جامع القيروان] خلال الترميم الحديثة التى أجريت بالجامع فيما بين عامى ١٩٦٩ - ١٩٧٢ م.
ويوجد فى شمال القيروان مكان يعرف بالأصنام وذلك لوجود العديد من
стр. 8321
التماثيل التى رآها الفاتحون، بل إن (البكرى) يقرر أن مكان سوق الدرب كانت تشغله كنيسة، كذلك تتفق أغلب المصادر (ابن عبد الحكم، المالكى، البكرى، ابن ناجى، ياقوت الحموى) على أنه كان يشغل موضع القيروان مدينة قديمة تعرف باسم قونية أو قمونية.
وكان اختيار هذا الموقع لتقوم به القيروان مثارًا للجدل حيث يرى البعض أنه لم يكن هو الموقع الملائم للعاصمة ومن ثم فقد أسئ اختياره، ويأتى على رأس هؤلاء ابن خلدون ويشاركه نفس الرأى بعض العلماء المحدثين.
والواقع أن هذا الموقع لم يساء اختياره كما يعتقد، فكما سبق القول فإنه كان يشغل هذا الموقع مدينة قديمة ولذلك فإنه عندما أسست المدينة لم تصبح كسهل واسع خال من الشجر، وعلى الرغم من عدم وجود تغير مفاجئ فى المناخ فإن المستوطنين قد تحولوا إليها بصورة جديرة بالاعتبار. ويقرر (ابن عذارى) أنه عند تأسيس المدينة أمر عقبة بإزالة الأشجار فى حين أنه فى القرن ٤ هـ/ ١٠ م يقول (البكرى) "ومن عجائب القيروان إنهم يحتطبون الدهر من زيتونها ليس لهم محتطب غيره وأن ذلك لا يؤثر فى زيتونها ولا ينقص منه" كما أن التربة كانت غنية جدًا بسبب الطمى [الغرين] الخصب لكل من واديى زَرُود ومِرْجلل.
ويكفى للتدليل عن حسن اختيار موقع المدينة من الإشاره إلى ما ذكره [كودل] بقوله "وكان اختيار المكان موفقا بل بلغ من التوفيق فى اختياره أن ولاة المغرب ومن خَلَفهم من الحكام المستقلين أقاموا بها زمانا طويلا، ولم ينتقلوا عنها إلا حينما اضطرتهم ظروف سياسية جديدة إلى ذلك، كما كان موقعها الحربى معروفا ملحوظ الأهمية: إذ كان الحاكم الذى يتخذ هذا الموضع مركزًا لأعماله يستطيع أن يرى العدو من بعيد ويتحرز من الغارات المفاجئة الكثيرة الحدوث عند البربر، وإذا أراد أن يطاردهم إلى هضابهم وجد الطريق مفتوحة أمامه إذ كان يستطيع بعد مسير بضع ساعات أن يصل إلى أعالى الهضاب عن طريق وادى زرود ووادى مِرْجِلل ومسالك
стр. 8322
جبل يارجو، ومن أعالى الهضاب كان يستطيع الإشراف على ما يجاورها فيتيسر له حكمها إذا كانت لديه القوة الكافية لذلك، كذلك كان فرسانه الخفاف قديرين على أن يقوموا بهذا النوع من أعمال الاستطلاع وبالغارات السريعة والحراسة الدائمة".
وكانت المشكلة الرئيسية التى واجهت المدينة هى مشكلة إمدادها بالمياه، وقد تمكن الرومان من حلها قبل ذلك ومن بعدهم العرب، حيث يوجد على بعد بضعة أميال جنوب القيروان نظام لرفع المياه أطلق عليه اسم قصر الماء، وكان هذا النظام يعتمد على نقل المياه عبر قناطر [مجرى للماء مثل مجرى العيون الشهير بالقاهرة] تمتد لمسافة ٣٣ كم وتعرف اليوم باسم دواميس.
وتعتبر الآبار والصهاريج [المواجل] التى كانت تغذى كافة المساجد والبيوت من بين الإنجازات الهامة الكبرى لعصر الأغالبه. وقد أشاد كل الجغرافيين بخصوبة المنطقة حتى منتصف القرن الخامس هـ/ الحادى عشر الميلادى.
وعموما فإن المنطقة التى اختيرت لبناء القيروان كانت -علاوة على أهميتها الاستراتيجية- عرضة للتطور لتوفير أساس اقتصادى كان يمكن أن يكون كافيا لتتحول المنطقة إلى مدينة كبيرة ولكن الخطأ البشرى وحده قد لعب دوره فى تحويل هذه المنطقة إلى صحراء.
٢ - التاريخ
لم تكد القيروان تؤسس حتى هجرت، إن كارثة "تَهُوذة" الواقعة جنوب بسكرة قد أودت بحياة عقبة بن نافع مؤسسها الأصلى وجميع أتباعه الذين قتلوا عن آخرهم. ومنذ ذلك الوقت بدأت الهجرة نحو الشرق، وقد أقام بها الغازى البربرى كسيلة واتخذها مقرا له، -لا سيما بعد أن هجرها جميع سكانها من العرب المسلمين- واتخذها عاصمة لمملكته التى لم تدم طويلا (٦٤ - ٦٩ هـ/ ٦٨٤ - ٦٨٩ م) وقام كل من زهير بن قيس البلوى وحسان بن النعمان بصفة خاصة باستعادة المدينة من جديد. وبدأ البربر فى تهديد عاصمة المغرب بعد مرور أربعة عقود من السلام، وفى عام
стр. 8323
١٢٤ هـ/ ٧٤٢ م كادت موجات الخوارج أن تجتاح المدينة ولكنها سرعان ما أنقذت بالنصرين غير المتوقعين وهما: نصر القرن والأصنام.
وقامت وَرْفجومة [وهم من الخوارج الصفرية المتطرفة] فى عام ١٤٠ هـ/ ٧٥٧ - ٧٥٨ م بالاستيلاء على المدينة لمدة عام كما قاموا باغتيال العناصر القرشية بصفة خاصة. وقام أبو الخطاب الإباضى [عبد الأعلى بن السمح المعافرى] فى صفر من العام التالى (أى فى عام ١٤١ هـ/ يوليه ٧٥٨ م) بتحرير المدينة وأقر عبد الرحمن ابن رستم [الذى سيصبح مؤسس الدولة الرستمية فى تاهرت] واليا عليها ولكن ذلك لم يدم طويلا حيث قدم محمد بن الأشعث فى شهر جمادى الأولى ١٤٤ هـ أغسطس ونجح فى أن يعيد المدينة إلى حظيرة الشرق مرة أخرى [أى للخلافة العباسية] كما قام بتحصين المدينة بإشارة من الخليفة العباسى أبى جعفر المنصور، فسور المدينة لأول مرة بسور يحيط بها بدأ بناءه فى ذى القعدة ١٤٤ هـ/ فبراير ٧٦٢ م وفرغ منه فى رجب ١٤٦ هـ/ سبتمبر - أكتوبر ٦٧٣ م.
ورغم كل هذه التدابير إلا أنها لم تنقذ المدينة من الاضطرابات، وفى عام ١٥٤ هـ/ ٧٧١ م اتحد كل من بربر الصفرية والإباضية وقاموا بحصار المدينة، فلما طال الحصار وقلت الأقوات وانعدمت المؤن قام أهل القيروان وأكلوا دوابهم وكلابهم وقططهم [وعند ابن عذارى: "وسنانيرهم"].
وتم اجتياح المدينة وأحرقت أبوابها وهدم سورها، ولم يلبث أن أرسل يزيد ابن حاتم المهلبى من الشرق على رأس قوات كبيرة للقضاء على وجود الخوارج بإفريقية، ولكن ظهر خطر آخر ألا وهو الجند حيث أصبحت القيروان مسرحا لمغامرات القادة العسكريين المتمردين.
وقام إبراهيم الأول الأغلبى (١٨٤ - ١٩٦ هـ/ ٨٠٠ - ٨١٢ م) فى عام ١٩٤ هـ/ ٨١٠ م بدك أسوار المدينة وإزالة بواباتها وذلك لمعاقبة أهل المدينة لتحالفهم مع متمردى الجيش ولكنه سرعان ما أعاد تحصينها من جديد.
стр. 8324
كذلك قام أهل المدينة فى عام ٢٠٩ هـ/ ٨٢٤ م بفتح بواباتها لمنصور الطنبذى، وفى هذه المرة قام زيادة اللَّه الأول (٢٠١ - ٢٢٣ هـ/ ٨١٧ - ٨٣٨ م) بهدم أسوار المدينة وتسويتها بالأرض، وقد استطاع خلفاؤه من بعده أن يحكموا المدينة بسلام كامل حتى وصول الدعاية الشيعية التى أطلت برأسها فى إفريقية. وقام آخر أمراء الأغالبة [زيادة اللَّه الثالث ٢٩٠ - ٢٩٦ هـ] بترك عاصمته سرا بالليل.
وساعد الحكم الفاطمى على ازدياد الشقة بين مدينة سيدى عقبة والقوى المحلية حيث فرض الهراطقة عليها سلطانهم دون منازع.
وقام العامة بتأليب كتامة ضد التجار الساخطين فألقوا القبض على الكثيرين منهم وزجوا بهم فى السجون، ورغم أن عبيد اللَّه المهدى كان قادرًا على أن يهدئ من روع الرجال إلا أن ذلك لم يمنع أهل القيروان من الاستمرار فى دعم ومساندة التمرد الذى أعلنه أبو يزيد النكورى الخارجى (٣٣٢ - ٣٣٦ هـ/ ٩٤٣ - ٩٤٧ م) وعلى الرغم من أنهم قد تخلوا عنه فى النهاية إلا أن ذلك لم يعفهم من العقاب حيث قام الخليفة المنصور الفاطمى بالقبض على مجموعة من المتمردين وأمر بتعذيبهم وقتلهم.
وعندما قام المعز بن باديس أمير بنى زيرى (٤٠٧ - ٤٥٤ هـ/ ١٠١٦ - ١٠٦٢ م) بزيارته الرسمية الأولى للقيروان تمت محاولة للقضاء على حياته فى ١٥ المحرم ٤٠٧ هـ/ ٢٤ يونيه ١٠١٦ م)، كما شهدت المدينة أعمال عنف شديدة وقام أهل القيروان بذبح أى فرد يخامرهم الشك فى أنه شيعى.
وامتدت الاضطرابات حتى مدينة المنصورية، وعلى الرغم من الجهود التى بذلتها السلطات لاستعادة الهدوء إلا أن الاضطرابات بدأت مرة أخرى خلال الاحتفال بعيد الفطر، وكان رد السلطات هذه المرة وحشيا حيث استولت قوات المنصورية على القيروان بحيث لم يبق حانوت دون أن ينهب كما أشعلوا النيران فى الأسواق الكبيرة ولم يكن ذلك سوى بداية الأحزان.
стр. 8325
وقد وقعت القيروان تحت سيطرة بنى هلال الذين قضوا على كل ما تبقى لها من مجد، ومنذ عام ٤٤٦ هـ/ ١٠٥٤ م فصاعدا تم حصار المدينة وهجرها المعز وتقهقر إلى المهدية فى ٤٤٩ هـ/ ١٠٥٧ م وبعد ذلك لم نعد نسمع الكثير عنها.
وفى نفس الوقت لعب العرب الرحل [البدو] فى المنطقة دور، على المسرح السياسى حيث حاولوا الوقوف فى وجه عبد المؤمن بن على مؤسس الدولة الموحدية التى أصبحت بالفعل صاحبة السيادة على إفريقية بأجمعها ولكنهم جنحوا إلى السلم وهزم قائدهم محرز ابن زياد الرياحى [بنو رياح] فى سنة ٥٥٦ هـ/ ١١٦١ م.
وفى سنة ٥٨٢ هـ/ ١١٨٦ - ١١٨٧ م قدم الخليفة المنصور الموحدى من مراكش للقضاء على ثورة بنى غانية، وتحرك من تونس قاصدا القيروان حيث أقام معسكره قبل أن يولى وجهه شطر الحامة [حامة دقيوش] واستطاع أن يهزم ابن غانيه، ولكن يحيى بن غانيه استطاع بعد بضعة سنوات أن يستولى ليس على القيروان فحسب ولكن على كل إفريقية وذلك لفترة قصيرة إذ سرعان ما عادت القيروان إلى الموحدين ومن بعدهم إلى الحفصيين.
وقد عانت البلاد فى سنة ٦٦٩ هـ/ ١٢٧٠ م معاناة شديدة نتيجة نزول لويس التاسع فى قرطاج وأعلنت المدينة المقدسة التى أسسها سيدى عقبة [أى القيروان] الجهاد، وبعد ذلك بسنوات عديدة كتب لهذه المدينة أن تلعب دورا سياسيا محددًا حيث أيدت اعتلاء المدعى ابن أبى عمارة للعرش وبايعته، فبايعته باقى المدن مثل صفاقص وسوسة والمهدية.
ومن الأحداث الهامة أنه فى المحرم ٧٤٩ هـ/ أبريل ١٣٤٨ م نجح العرب الرحل [البدو] فى هزيمة أبى الحسن المرينى -الذى كان قد استولى على إفريقية- قرب القيروان. واستطاع خير الدين بربروسا والى الجزائر أن يستولى على تونس فى ١٨ أغسطس ١٥٣٤ م ووضع حامية فى القيروان وأعلن سقوط الأسرة الحفصية ولكن فى السنة التالية (أى ١٤ يوليه
стр. 8326
١٥٣٥ م) استطاع شارل الخامس أن يعيد مولاى الحسن إلى عرشه تحت الحماية الأسبانية ولكنه لم يستطع السيطرة على جنوب البلاد، وأصبحت القيروان فى ذلك الوقت عاصمة لإمارة مستقلة يحكمها المرابط سيدى عرفة، وظلت على ذلك حتى قدم الريس درغوت من طرابلس الغرب واحتل المدينة فى ٣ يناير ١٥٥٨ م وعين حيدر باشا حاكما عليها.
وفى سنة ١٥٧٤ م انضمت قوات حيدر باشا إلى القوات الموجودة فى طرابلس لمؤازرة سنان باشا الذى قدم على رأس أسطول ليقضى تماما على الأسرة الحفصية والوجود الأسبانى، ومنذ ذلك الوقت أصبحت تونس باشوية عثمانية يحكمها حيدر باشا حاكم القيروان السابق.
ولقد عجل حكم المراديين بتدهور القيروان رغم أن حمودة باشا قد أظهر بعض الاهتمام بالمدينة ووضع بها فى سنة ١٦٣١ م أوجاقا [حامية].
ولكن سرعان ما دب الشقاق بين على بك وأخيه محمد فاندلعت بينهما حرب أهلية ووقفت القيروان بجانب الأخير [أى محمد]، وبعد التسوية التى تمت بين الاثنين فى سنة ١٦٧٨ م والتى تم بمقتضاها تقسيم البلاد فيما بينهما أصبحت القيروان مقرًا لحكومته، وقام خليل بك من طرابلس فنهب المدينة نتيجة لتحالفه ضد الجزائر.
وقد صدرت الأوامر فى عام ١٧٠١ م للأهالى بهدم مدينتهم فيما عدا المساجد والزوايا، وبعد قتل الطاغية قام خليفته إبراهيم الشريف بإصلاح الضرر وسمح لأهالى القيروان فى سنة ١٧٠٣ م بالعودة إلى مدينتهم وإعادة بنائها. وبعد ذلك استفاد أهل القيروان من التسامح الذى اتسم به حسين بن على مؤسس الأسرة الحسينية (١٧٠٥ - ١٧٣٥ م) الذى اهتم اهتماما كبيرًا بترميم المساجد، وقد أخلص له أهل القيروان حتى النهاية، كما قام ابن شقيقه على باشا بحصاره لمدة خمس سنوات ثم أسره وشنقه فى ١٣ مايو ١٧٤٠ م.
وبعد ذلك وصل إلى المدينة محمد الرشيد بن حسين بن على واستولى
стр. 8327
على مقاليد الأمور وأعاد بناء أسوار المدينة وألغى الضرائب ولذلك تحسنت أوضاع الأهالى المعيشية.
وتدهورت أحوال أهل القيروان فى عهد حسين الثانى بسبب فرض الضرائب الباهضة.
وفى سنة ١٨٨١ م وبعد إعلان الحماية الفرنسية على تونس مباشرة أحرزت القيروان مكانة رفيعة حيث أصبحت معقل المقاومة، ومع ذلك فقد سقطت المدينة واحتلت فى نهاية الأمر فى ٣٦ أكتوبر ١٨٨١ م.
٣ - الجغرافيا التاريخية
حسبما نذر مؤسسها [أى عقبة بن نافع] فإنه أراد أن تكون القيروان "عزا للإسلام إلى آخر الدهر" (ابن عذارى: البيان المغرب، جـ ١، ص ١٩) هذا وما تزال القيروان تعتبر مدينة مقدسة على الرغم من أنها قد فقدت على مر القرون أهميتها كمدينة كبرى.
وعندما شرع عقبة فى تخطيط المدينة قام فى بادئ الأمر بتحديد موضع الجامع الكبير ودار الإمارة.
وذكر ابن عذارى أن دورها فى ذلك الحين [أى عندما اكتملت عمارتها] بلغ ١٣٦٠٠ ذراع أى حوالى ٧.٥ كم [٧٥٠٠ م] وقد وزعت خططها على القبائل مثلما حدث فى كل من البصرة والكوفة اللتين تم تأسيسهما فى نفس الظروف ولكننا لا نملك معلومات مؤكدة حول هذا الموضوع باستثناء بعض الإشارات القليلة ومنها ما أورد (البكرى) من أن قبيلة "فهر" القرشية التى ينتمى إليها مؤسس المدينة -قد استقرت فى شمالى الجامع الكبير [أى جامع سيدى عقبة] فى زمن هشام بن عبد الملك (١٠٥ - ١٢٥ هـ/ ٧٢٤ - ٧٤٣ م)، وفى القرن ٣ هـ/ ٩ م استقرت كل طائفة فى أحد الأحياء ويتضح ذلك من حارة يحصب ورحبة القرشيين وسوق اليهود.
وقد بنيت القيروان بالحجارة ويرجع الفضل فى ذلك إلى إعادة استخدام مواد البناء القديمة التى كانت موجودة فى مكان تشييدها، وقد تم تخطيطها لتكون مدينة كبيرة صممت لاستيعاب جميع عرب إفريقية وخاصة
стр. 8328
المحاربين الذين طالما صحبتهم عائلاتهم.
وكما هو الحال فى البصرة والكوفة ظلت المدينة [أى القيروان] بدون أى أسوار تحميها وبقيت مدينة مفتوحة قرابة قرن من الزمان. وحصنت المدينة لأول مرة فى عام ١٤٤ هـ/ ٧٦٢ م بأسوار بلغ سمكها عشرة أذرع على نحو ما ذكر (البكرى). وكان عهد يزيد ابن حاتم المهلبى (١٥٥ - ١٧١ هـ/ ٧٧١ - ٧٨٧ م) عظيم القيمة فى حياة المدينة فقد قام بتنظيم الأسواق [حيث جعل لكل حرفة سوقا خاصا بها] وتحديد أنشطة كل منها، كما كان رجلا ذا مكانة سامية حتى استطاع أن يجذب إليه الشعراء والعلماء حتى أصبحت القيروان نفسها واحدة من أعظم مراكز الحضارة الإسلامية. كما بلغت الغاية فى القرن ٣ هـ/ ٩ م عندما أصبحت حاضرة لإمارة مستقلة [أى الأغالبة] وقد أسست مدينة جديدة محصنة كمستقر للأمير الأغلبى عرفت بالعباسية [القصر القديم وتقع على بعد ٣ أميال جنوبى القيروان] فى سنة ١٨٤ هـ/ ٨٠٠ م تقريبًا، ومن بعدها أسست مدينة أخرى أكثر ثراءً وخصوصية وهى مدينة رقادة فى سنة ٢٦٣ هـ/ ٨٧٧ م.
وقد أصبحت المدينة فى غاية الأهمية وبدأت تقلق السلطات ولم تعد هناك حاجة إلى أن تكون محصنة ولذلك تم تدمير أسوارها السابق الإشارة إليها.
ويذكر البكرى أن الشارع الرئيسى (السماط) كان "طوله من باب أبى الربيع إلى الجامع ميلين غير ثلث ومن الجامع إلى باب تونس ثلثى ميل".
ويضيف البكرى أن بالقيروان "ثمانية وأربعين حماما، وأحصى ما ذبح بالقيروان فى بعض أيام عاشوراء من البقر خاصة بتسعمائة وخمسين رأسا. . " أما اليعقوبى (من أهل النصف الثانى من القرن ٣ هـ/ ٩ م) فيذكر أن أهل القيروان مزيج من السكان ما بين عرب من قريش ومضر وربيعة وقحطان وقبائل أخرى والفرس من خراسان [آسيا الوسطى] وأخيرًا البربر من الروم وغير ذلك.
стр. 8329
وبسبب كثرة أهل القيروان لم يعد نظام الماء الذى نظم منذ عهد هشام بن عبد الملك (١٠٥ - ١٢٥ هـ/ ٧٣٤ - ٧٤٣ م) كافيا لسد احتياجات المدينة ولذلك تم بناء خزانات عديدة للمياه [المواجل] فى عهد الأغالبة، ولا تزال بقايا الماجل العظيم الذى أسسه أبو إبراهيم أحمد (٢٤٢ - ٢٤٩ هـ / ٨٥٦ - ٨٦٣ م) عند باب تونس تبعث على الاعجاب، وكان هذا الماجل أعظم المواجل الخمسة عشر شأنا وأفخمها منصبا على حد قول البكرى [المغرب، ص ٢٦].
وقد تمت زيادة وتوسعة الجامع الكبير -الذى يعد أقدم وأعظم العمائر الدينية فى الغرب الإسلامى- فى فترات كثيرة حتى وصل إلى ما هو عليه الآن.
واكتسب شكله الحالى ونسبه المعمارية فى القرن ٣ هـ/ ٩ م [أى فى عهد الأغالبة] باستثناء بعض التفاصيل ومنها مئذنته [الصومعة] التى من المحتمل أن تكون قد بقيت فى عهد هشام بن عبد الملك. وقد قام زيادة اللَّه الأول فى سنة ٢٢١ هـ/ ٨٣٦ م بهدم الجامع بكامله وإعادة بنائه من جديد باستثناء المئذنة التى بقيت على حالها فضلا عن الاحتفاظ بنفس حدوده الخارجية التى كان عليها منذ عهد عقبة ابن نافع، كذلك قام أبو إبراهيم أحمد بالزيادة فيه وبزخرفته فى سنة ٢٤٨ هـ/ ٨٦٢ - ٨٦٣ م ومنذ ذلك الوقت لم تغير أعمال الترميم والزخرفة شيئا من مظهره الأصلى. وقام المعز بن باديس الزيرى بإهداء الجامع المقصورة الحالية [وتعد أقدم مقصورة باقية فى العمارة الإسلامية]. ومن الترميمات والزخارف الأخرى للجامع ما حدث فى عهد الحفصيين وكذلك خلال القرون ١٧ - ١٨ - ١٩ م. أما أحدث الترميمات التى أجريت مؤخرا فترجع إلى ما بين عامى ١٩٧٠ - ١٩٧٢ م.
وأصبحت القيروان فى القرن ٣ هـ/ ٩ م أحد المراكز الرئيسية للثقافة الإسلامية، كما كانت تمثل هى والكوفة والمدينة الحواضر الثلاثة الكبرى للعلوم
стр. 8330
الإسلامية، وبرزت بها أسماء شخصيات لامعة منها يحيى بن سلامة البصرى (١٢٤ - ٢٠٠ هـ/ ٧٤١ - ٨١٥ م) صاحب التفسير المعروف الذى يعد أول أثر هام للتفاسير الإسلامية، وأسد بن الفرات (حوالى ١٤٢ - ٢١٣ هـ/ ٧٥٩ - ٨٢٨ م)، والفقيه سحنون (حوالى ١٦٠ - ٢٤٠ هـ = ٧٧٧ - ٨٥٤ م) الذى كان بلا شك أعظم رجال ذلك العصر والذى أصبح كتابه الموسوم بالمدونة مرجعا دينيا لرجال القيروان، وقد حضر دروسه العديد من الطلاب ومن بينهم طلاب من الأندلس، ونعرف ما لا يقل عن ٥٧ طالبا قاموا بنشر تعاليمه. هذا ولم يبق لدينا أى من الأعمال الكبيرة فى مجال فقه اللغة وإن كان أبو بكر الزبيرى قد أفرد لها أحد فصول كتابه المسمى طبقات النحويين واللغويين. كذلك برزت فى مجال الطب أسماء لامعة مثل زياد بن خلفون وإسحاق بن عمران وإسحاق بن سليمان وقد ترجمت أعمالهم إلى اللاتينية على يد قنسطنطين الإفريقى فى القرن ٥ هـ/ ١١ م ودرست فى سالرنو. ولم يكن عهد الفاطميين الشيعة مفضلا بكل تأكيد لهذه القلعة السنية، وقد ادعت قبيلة كتامة المنتصرة أن من حقها سلب تلك المدينة الغنية كمكافأة لجهودهم. [وعلى الرغم من إنشاء مدينة منافسة لها، وهى صبرة - المنصورية (٣٣٦ هـ/ ٩٤٧ - ٩٤٨ م) والتى كان مقدرًا أن ينتقل النشاط التجارى إليها إلا أن القيروان حافظت على ازدهارها واستطاعت أن تتغلب على بعض الكوارث الطبيعية مثل الزلازل (كزلزال سنة ٢٩٩ هـ/ ٩١١ - ٩١٢ م) وحريق الأسواق (فى ذى الحجة ٣٠٦ هـ/ ١٧ مايو ٩١٩ م) والمجاعة (التى حدثت فى ٣٠٨ هـ/ ٩٢٠ - ٩٢١ م) ووباء (٣١٧ هـ/ ٩٢٩ م).
وقد ساهم الخليفة الفاطمى المعز فى مشكلة إمداد المدينة بالمياه وذلك عن طريق نظام القنوات المشيدة التى تصل إليها المياه من الجبل وتصب فى الخزانات بعد مرورها بقصره فى
стр. 8331
صبرة. وازدادت مساحة المدينة فى ذلك الوقت وأصبح يقطعها ١٥ دربا كما ازداد عدد سكانها.
ثم أصيبت القيروان بعد ذلك (مثلها مثل باقى إفريقية) بحالة من الجمود وهو الأمر الذى أدى فى النهاية إلى تدهورها. إن انتقال الخلافة الفاطمية إلى القاهرة (فى سنة ٣٦١ هـ/ ٩٧٢ م) كان ضربة قاضية لإفريقية حيث حمل الفاطميون معهم كنوزهم المعدنية الثمينة إلى مصر كما فقدت القيروان للأبد دورها كعاصمة وتعرضت القيروان بعد ذلك ببضعة عقود وبالتحديد فى سنة ٣٩٥ هـ/ ١٠٠٤ - ١٠٠٥ م إلى المجاعة والوباء المدمر وما ترتب على ذلك من هجر السكان للمدينة وإصابتها بالشلل واتجه البعض منهم إلى صقلية.
وأجبر التجار بعد ذلك ببضعة سنوات وبالتحديد فى سنة ٤٠٥ هـ/ ١٠١٤ - ١٠١٥ م على نقل تجارتهم إلى صبرة كما تقلصت مساحة المدينة ورجعت إلى ما كانت عليه فى زمن عقبة ابن نافع.
وإذا كانت المعلومات المتوفرة بمصادرنا صحيحة فإن مساحة المدينة قد انكمشت إلى ثلث ما كانت عليه وقت ازدهارها، وإن كان ذلك لم يمنع ظهور بعض الأسماء اللامعة فى شتى المجالات مثل ابن أبى زيد القيروانى (توفى ٣٨٦ هـ/ ٩٩٦ م) والقابسى (توفى ٤٠٣ هـ/ ١٠١٢ م) فى مجال الفقه المالكى والطبيب ابن الجزار (توفى حوالى ٣٩٥ هـ/ ١٠٠٤ م) والمؤرخ ابن الرقيق (توفى بعد ٤١٨ هـ/ ١٠٢٨ م) والفلكى ابن أبى الرجال (توفى حوالى ٤٢٦ هـ/ ١٠٣٤ - ١٠٣٥ م) والذى ترجم كتابه "أحكام النجوم" إلى اللاتينية والعبرية وغير ذلك.
كما ظهر من الشعراء ابن رشيق القيروانى (توفى ٤٥٦ هـ/ ١٠٦٤ م) وابن الشريف (توفى ٤٦٠ هـ/ ١٠٦٧ م) وآخرون غيرهم، ولكنهم كانوا آخر الشموع المضيئة فى مدينة تحتضر.
وكانت آخر الضربات التى وجهت للمدينة من قبل الهلاليين الذين استقروا
стр. 8332
فى المهدية وقاهوا بنهب القيروان وذلك فى غرة رمضان ٤٤٩ هـ/ أول نوفمبر ١٠٥٧ م أى بعد يومين من مغادرة المعز لمدينة صبرة.
ويمثل منتصف القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى نقطة تحول فى تاريخ ليس فقط القيروان ولكن كل إفريقية أيضا حيث يحدد هذا التاريخ نهاية فترة مزدهرة تماما من جهة وبداية فترة أقل ازدهارًا من جهة أخرى، فقد سيطر البدو على مقاليد الأمور فى البلاد حتى القرن التاسع عشر الميلادى وتحولت القيروان فى ظل هذا المناخ العام من مدينة رئيسية كبرى إلى مدينة فقيرة، كما استمرت هجرة أهلها وأخذت مساحتها فى التقلص والانكماش، ويذكر الإدريسى (من منتصف القرن السادس الهجرى) أنه لم يتبق من القيروان سوى أطلال عبارة عن أسوار غير كاملة من الطوب تحيط بها، كما قام البدو (العرب الرحل) بفرض ضرائب باهظة على الأهالى الذين لم يكن لهم حول ولا قوة، كذلك اختفت كل من رقادة وصبرة تماما، وعموما فقد أصبحت المدينة فى أسوأ حالاتها.
وسرعان ما تمتعت المدينة بفترة السلام النسبى خلال عهد الموحدين وبصفة خاصة خلال عهد خلفائهم من الحفصيين مما أتاح للمدينة أن تنتعش قليلا.
ودعمت بأسوار أفضل فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى. ومع بزوغ حركة المرابطين بدأت المدينة تمتلئ بالزوايا، وقد شكلت العناصر البدوية النسبة الكبرى من سكان المدينة ولكنهم لم يكونوا على درجة كبيرة من التحضر.
والحق أنه بدأت فى القيروان حياة جديدة وإن اتصفت بمستوى شديد التواضع إذا ما قورن بعظمتها السابقة. وأصبحت القيروان سوقا ومركزا تجاريا للبدو، وبالرغم من تواضع أسواقها إلا أنها استمرت فى عرض المنتجات الهامة مثل الجلود والملابس والمعادن.
стр. 8333
وقد وصفها (ليو الإفريقى) الذى زارها فى يناير ١٥١٦ م، أى فى أواخر العصر الحفصى، واحتلت القيروان فى بداية عهد الحسنيين المكانة الثانية فى البلاد، وكتب الوزير السراج (توفى ١١٤٩ هـ/ ١٧٣٦ - ١٧٣٧ م) فى بداية القرن ١٨ م أنها من أكبر المدن المعروفة فى إفريقية بعد تونس، وزار المدينة ديسفوتيان فى يناير ١٧٨٤ م وذكر "أنها ثانى أكبر مدن المملكة بعد تونس كما أنها أنظف منها ومبنية بطريقة أفضل، وتعتبر تجارة جلود الحيوانات هى التجارة الرئيسية بها كما يقوم السكان بعمل الأقمشة الصوفية، والناس هناك أسعد حالا من غيرهم حيث تم إعفائهم من الضرائب نظير الخدمات التى قدموها لجد البك الحالى".
وقد ذكر الجميع أن المدينة التى أسسها سيدى عقبة، بالرغم من الخراب الذى حل بها، إلا أنها حتى وقت إعلان الحماية الفرنسية كانت أكثر انتعاشا من المدن الأخرى التى كانت تتمتع بمواقع أفضل.
وظلت القيروان حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادى العاصمة الروحية للبلاد كما حافظت على مكانتها الدينية، حيث اعتبرت حتى ذلك الوقت مدينة مقدسة وحرم على غير المسلمين دخولها، وهى الآن لا تتمتع بهذه المكانة المقدسة وللسياح حرية التنقل بين معالمها الدينية.
وأما من حيث عدد سكانها فهى تحتل المرتبة الخامسة على مستوى البلاد، وما تزال القيروان قادرة على جذب صفوة الزائرين.
وعند التحدث عن توحيد دول المغرب، فإن هناك من يرى أن القيروان يجب أن تكون عاصمة هذا الاتجاه الفيدرالى للدول المستقلة لكونها العاصمة الروحية للمسلمين منذ عدة قرون وبذلك تكون رمزًا مناسبا لاستعادة عظمة العالم الإسلامى الماضية.
د. محمد حمزة الحداد [م. طالبى M. Talbi]
стр. 8334
قيس
قيس جزيرة صغيرة فى الخليج العربى فى ذلك الجزء الذى يسميه الجغرافيون العرب فى العصور الوسطى (بحر عمان) عند خط طول ٥٤ شرقا، وعند خط عرض ٣٠ و ٥٦ شمالا، وقيس التى تلى قشم يمكن أن تعتبر من أهم جزر الخليج العربى، وتبلغ حوالى عشرة أميال طولا وخمسة عرضا، ويفصلها عن البر الرئيسى مضيق عرضه حوالى ١٢ ميلا وهو ممر آمن، وبغض النظر عن بعض المواضع الصخرية، فالجزيرة -عموما- مستوية تماما وتربتها قابلة للزراعة أكثر من تربة أية جزيرة خليجية أخرى، وقد ذكرها الجغرافيون الفرس والعرب فى العصور الوسطى مشيرين لوفرة نخيلها وحدائقها وخزانات المياه بها، وإلى جانب ثروتها الزراعية ونشاطها التجارى والملاحى كان سكان الجزيرة الكثير عددهم يعملون فى صيد اللؤلؤ، تلك الحرفة الشاقة (انظر ما كتبه ابن خرداذبة وياقوت والدمشقى وابن بطوطة).
واسم قيس مقرب من الاسم الفارسى قس أو كيش (والكلمة قاس موجودة أيضا، وقد أوردها الدمشقى) ونجد أن المؤلفين البرتغاليين والهولنديين فى القرن الخامس عشر والسادس عشر للميلاد يطلقون على الجزيرة أسماء أخرى مثل كويكس Quixi وكويز Queis وكيز Kaez وكويش Queche وكاس Qas وجيس Guess . . . الخ، ويذكر ياقوت الحموى أن أميرا عربيا يسمى قيس بن عميرة امتلك جزيرة كيش هذه، ومنذ امتلاكه لها سميت جزيرة قيس بن عميرة أو جزيرة بنى عميرة، وهذا الاسم يرجع لما قبل الإسلام لأننا نجد كيش مذكورة فعلا فى الفترة الساسانية كواحدة من الأبرشيات السبع باقليم بيرسيس Persis، وهناك إشارات إلى كيش حوالى منتصف القرن السادس فى الأدب السريانية. وقد ورد ذكر هذه الجزيرة مرتين فقط فى التراث الأدبى والهندى باسم كارين Karain كما وردت فى كتابات بلينى باسم أفروديسيا Aphrodisia وربما
стр. 8335
كانت كارين هى الشكل الأول الذى انقلبت عنه كاش أو كيش. وبعد الإسلام كانت قيس تابعة لولاية أردشير خورا فى فارس، وفى أواخر القرون الوسطى -فقط- أصبح للجزيرة أهمية كبرى عندما -كما ذكرنا آنفا- استولى عليها أمير يعود أصله إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وبدأ هذا الأمير فى بناء أسطول وراح يمد نفوذه بالتدريج فاستولى على سيراف التى كانت تتمتع برخاء عظيم باعتبارها المركز الرئيسى للتجارة الهندية والصينية، أصبحت قيس مركزا إداريا مهما، وفى عهد بنى بويه ارتفع شأن أسرة قيس العربية كقوة تسيطر على الخليج العربى كله أما سيراف التى كانت غالبا ما تعتبر -خطأ- مدينة على الساحل قرب جزيرة قيس فقد أصبحت تدريجيا مهجورة لأن أمراء قيس حولوا التجارة إلى الجزيرة نفسها، كما مدوا سلطانهم إلى عدة مناطق فى البر الرئيسى المواجه لجزيرة قيس، وكان أسلافهم قد نجحوا فى السيطرة على هذا الشريط البرى المواجه لجزيرة قبيلة عربية جنوبية أيضا هم بنو عمارة، لذا فقد كان هذا الشريط يسمى سيف عمارة أو ساحل عمارة، وكما امتد حكم أسرة قيس إلى الساحل الشرقى للخليج امتد أيضا إلى الساحل الغربى (اقليم عمان) لذلك يسمى ياقوت والدمشقى أمراء قيس اسم شيوخ عمان.
وكانت رحلة بنيامين الرِّبى الطليطلى أثناء فترة رخاء قيس (النصف الثانى من القرن الثانى عشر) ولاحظ بإعجاب أن سوق المدينة كان عامرا، وأن تجارتها الرئيسية كانت فى المصنوعات الهندية والفارسية.
وكان غالبية السكان كانوا عربا وليسوا فرسا وكذلك كان الحال فى معظم الجزر، وقد أشار ماركوبولو إلى هذه الجزيرة باسم كيرسى (قيسى) كما كان ترسو فيه السفن المتجهه إلى الهند، أما سبب انهيار قيس فهو الازدهار التجارى لمملكة هرمن الصغيرة التى كانت تحت حكم أسرة