صبرة. وازدادت مساحة المدينة فى ذلك الوقت وأصبح يقطعها ١٥ دربا كما ازداد عدد سكانها.
ثم أصيبت القيروان بعد ذلك (مثلها مثل باقى إفريقية) بحالة من الجمود وهو الأمر الذى أدى فى النهاية إلى تدهورها. إن انتقال الخلافة الفاطمية إلى القاهرة (فى سنة ٣٦١ هـ/ ٩٧٢ م) كان ضربة قاضية لإفريقية حيث حمل الفاطميون معهم كنوزهم المعدنية الثمينة إلى مصر كما فقدت القيروان للأبد دورها كعاصمة وتعرضت القيروان بعد ذلك ببضعة عقود وبالتحديد فى سنة ٣٩٥ هـ/ ١٠٠٤ - ١٠٠٥ م إلى المجاعة والوباء المدمر وما ترتب على ذلك من هجر السكان للمدينة وإصابتها بالشلل واتجه البعض منهم إلى صقلية.
وأجبر التجار بعد ذلك ببضعة سنوات وبالتحديد فى سنة ٤٠٥ هـ/ ١٠١٤ - ١٠١٥ م على نقل تجارتهم إلى صبرة كما تقلصت مساحة المدينة ورجعت إلى ما كانت عليه فى زمن عقبة ابن نافع.
وإذا كانت المعلومات المتوفرة بمصادرنا صحيحة فإن مساحة المدينة قد انكمشت إلى ثلث ما كانت عليه وقت ازدهارها، وإن كان ذلك لم يمنع ظهور بعض الأسماء اللامعة فى شتى المجالات مثل ابن أبى زيد القيروانى (توفى ٣٨٦ هـ/ ٩٩٦ م) والقابسى (توفى ٤٠٣ هـ/ ١٠١٢ م) فى مجال الفقه المالكى والطبيب ابن الجزار (توفى حوالى ٣٩٥ هـ/ ١٠٠٤ م) والمؤرخ ابن الرقيق (توفى بعد ٤١٨ هـ/ ١٠٢٨ م) والفلكى ابن أبى الرجال (توفى حوالى ٤٢٦ هـ/ ١٠٣٤ - ١٠٣٥ م) والذى ترجم كتابه "أحكام النجوم" إلى اللاتينية والعبرية وغير ذلك.
كما ظهر من الشعراء ابن رشيق القيروانى (توفى ٤٥٦ هـ/ ١٠٦٤ م) وابن الشريف (توفى ٤٦٠ هـ/ ١٠٦٧ م) وآخرون غيرهم، ولكنهم كانوا آخر الشموع المضيئة فى مدينة تحتضر.
وكانت آخر الضربات التى وجهت للمدينة من قبل الهلاليين الذين استقروا
стр. 8332
فى المهدية وقاهوا بنهب القيروان وذلك فى غرة رمضان ٤٤٩ هـ/ أول نوفمبر ١٠٥٧ م أى بعد يومين من مغادرة المعز لمدينة صبرة.
ويمثل منتصف القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى نقطة تحول فى تاريخ ليس فقط القيروان ولكن كل إفريقية أيضا حيث يحدد هذا التاريخ نهاية فترة مزدهرة تماما من جهة وبداية فترة أقل ازدهارًا من جهة أخرى، فقد سيطر البدو على مقاليد الأمور فى البلاد حتى القرن التاسع عشر الميلادى وتحولت القيروان فى ظل هذا المناخ العام من مدينة رئيسية كبرى إلى مدينة فقيرة، كما استمرت هجرة أهلها وأخذت مساحتها فى التقلص والانكماش، ويذكر الإدريسى (من منتصف القرن السادس الهجرى) أنه لم يتبق من القيروان سوى أطلال عبارة عن أسوار غير كاملة من الطوب تحيط بها، كما قام البدو (العرب الرحل) بفرض ضرائب باهظة على الأهالى الذين لم يكن لهم حول ولا قوة، كذلك اختفت كل من رقادة وصبرة تماما، وعموما فقد أصبحت المدينة فى أسوأ حالاتها.
وسرعان ما تمتعت المدينة بفترة السلام النسبى خلال عهد الموحدين وبصفة خاصة خلال عهد خلفائهم من الحفصيين مما أتاح للمدينة أن تنتعش قليلا.
ودعمت بأسوار أفضل فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى. ومع بزوغ حركة المرابطين بدأت المدينة تمتلئ بالزوايا، وقد شكلت العناصر البدوية النسبة الكبرى من سكان المدينة ولكنهم لم يكونوا على درجة كبيرة من التحضر.
والحق أنه بدأت فى القيروان حياة جديدة وإن اتصفت بمستوى شديد التواضع إذا ما قورن بعظمتها السابقة. وأصبحت القيروان سوقا ومركزا تجاريا للبدو، وبالرغم من تواضع أسواقها إلا أنها استمرت فى عرض المنتجات الهامة مثل الجلود والملابس والمعادن.
стр. 8333
وقد وصفها (ليو الإفريقى) الذى زارها فى يناير ١٥١٦ م، أى فى أواخر العصر الحفصى، واحتلت القيروان فى بداية عهد الحسنيين المكانة الثانية فى البلاد، وكتب الوزير السراج (توفى ١١٤٩ هـ/ ١٧٣٦ - ١٧٣٧ م) فى بداية القرن ١٨ م أنها من أكبر المدن المعروفة فى إفريقية بعد تونس، وزار المدينة ديسفوتيان فى يناير ١٧٨٤ م وذكر "أنها ثانى أكبر مدن المملكة بعد تونس كما أنها أنظف منها ومبنية بطريقة أفضل، وتعتبر تجارة جلود الحيوانات هى التجارة الرئيسية بها كما يقوم السكان بعمل الأقمشة الصوفية، والناس هناك أسعد حالا من غيرهم حيث تم إعفائهم من الضرائب نظير الخدمات التى قدموها لجد البك الحالى".
وقد ذكر الجميع أن المدينة التى أسسها سيدى عقبة، بالرغم من الخراب الذى حل بها، إلا أنها حتى وقت إعلان الحماية الفرنسية كانت أكثر انتعاشا من المدن الأخرى التى كانت تتمتع بمواقع أفضل.
وظلت القيروان حتى منتصف القرن التاسع عشر الميلادى العاصمة الروحية للبلاد كما حافظت على مكانتها الدينية، حيث اعتبرت حتى ذلك الوقت مدينة مقدسة وحرم على غير المسلمين دخولها، وهى الآن لا تتمتع بهذه المكانة المقدسة وللسياح حرية التنقل بين معالمها الدينية.
وأما من حيث عدد سكانها فهى تحتل المرتبة الخامسة على مستوى البلاد، وما تزال القيروان قادرة على جذب صفوة الزائرين.
وعند التحدث عن توحيد دول المغرب، فإن هناك من يرى أن القيروان يجب أن تكون عاصمة هذا الاتجاه الفيدرالى للدول المستقلة لكونها العاصمة الروحية للمسلمين منذ عدة قرون وبذلك تكون رمزًا مناسبا لاستعادة عظمة العالم الإسلامى الماضية.
د. محمد حمزة الحداد [م. طالبى M. Talbi]
стр. 8334
قيس
قيس جزيرة صغيرة فى الخليج العربى فى ذلك الجزء الذى يسميه الجغرافيون العرب فى العصور الوسطى (بحر عمان) عند خط طول ٥٤ شرقا، وعند خط عرض ٣٠ و ٥٦ شمالا، وقيس التى تلى قشم يمكن أن تعتبر من أهم جزر الخليج العربى، وتبلغ حوالى عشرة أميال طولا وخمسة عرضا، ويفصلها عن البر الرئيسى مضيق عرضه حوالى ١٢ ميلا وهو ممر آمن، وبغض النظر عن بعض المواضع الصخرية، فالجزيرة -عموما- مستوية تماما وتربتها قابلة للزراعة أكثر من تربة أية جزيرة خليجية أخرى، وقد ذكرها الجغرافيون الفرس والعرب فى العصور الوسطى مشيرين لوفرة نخيلها وحدائقها وخزانات المياه بها، وإلى جانب ثروتها الزراعية ونشاطها التجارى والملاحى كان سكان الجزيرة الكثير عددهم يعملون فى صيد اللؤلؤ، تلك الحرفة الشاقة (انظر ما كتبه ابن خرداذبة وياقوت والدمشقى وابن بطوطة).
واسم قيس مقرب من الاسم الفارسى قس أو كيش (والكلمة قاس موجودة أيضا، وقد أوردها الدمشقى) ونجد أن المؤلفين البرتغاليين والهولنديين فى القرن الخامس عشر والسادس عشر للميلاد يطلقون على الجزيرة أسماء أخرى مثل كويكس Quixi وكويز Queis وكيز Kaez وكويش Queche وكاس Qas وجيس Guess . . . الخ، ويذكر ياقوت الحموى أن أميرا عربيا يسمى قيس بن عميرة امتلك جزيرة كيش هذه، ومنذ امتلاكه لها سميت جزيرة قيس بن عميرة أو جزيرة بنى عميرة، وهذا الاسم يرجع لما قبل الإسلام لأننا نجد كيش مذكورة فعلا فى الفترة الساسانية كواحدة من الأبرشيات السبع باقليم بيرسيس Persis، وهناك إشارات إلى كيش حوالى منتصف القرن السادس فى الأدب السريانية. وقد ورد ذكر هذه الجزيرة مرتين فقط فى التراث الأدبى والهندى باسم كارين Karain كما وردت فى كتابات بلينى باسم أفروديسيا Aphrodisia وربما
стр. 8335
كانت كارين هى الشكل الأول الذى انقلبت عنه كاش أو كيش. وبعد الإسلام كانت قيس تابعة لولاية أردشير خورا فى فارس، وفى أواخر القرون الوسطى -فقط- أصبح للجزيرة أهمية كبرى عندما -كما ذكرنا آنفا- استولى عليها أمير يعود أصله إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، وبدأ هذا الأمير فى بناء أسطول وراح يمد نفوذه بالتدريج فاستولى على سيراف التى كانت تتمتع برخاء عظيم باعتبارها المركز الرئيسى للتجارة الهندية والصينية، أصبحت قيس مركزا إداريا مهما، وفى عهد بنى بويه ارتفع شأن أسرة قيس العربية كقوة تسيطر على الخليج العربى كله أما سيراف التى كانت غالبا ما تعتبر -خطأ- مدينة على الساحل قرب جزيرة قيس فقد أصبحت تدريجيا مهجورة لأن أمراء قيس حولوا التجارة إلى الجزيرة نفسها، كما مدوا سلطانهم إلى عدة مناطق فى البر الرئيسى المواجه لجزيرة قيس، وكان أسلافهم قد نجحوا فى السيطرة على هذا الشريط البرى المواجه لجزيرة قبيلة عربية جنوبية أيضا هم بنو عمارة، لذا فقد كان هذا الشريط يسمى سيف عمارة أو ساحل عمارة، وكما امتد حكم أسرة قيس إلى الساحل الشرقى للخليج امتد أيضا إلى الساحل الغربى (اقليم عمان) لذلك يسمى ياقوت والدمشقى أمراء قيس اسم شيوخ عمان.
وكانت رحلة بنيامين الرِّبى الطليطلى أثناء فترة رخاء قيس (النصف الثانى من القرن الثانى عشر) ولاحظ بإعجاب أن سوق المدينة كان عامرا، وأن تجارتها الرئيسية كانت فى المصنوعات الهندية والفارسية.
وكان غالبية السكان كانوا عربا وليسوا فرسا وكذلك كان الحال فى معظم الجزر، وقد أشار ماركوبولو إلى هذه الجزيرة باسم كيرسى (قيسى) كما كان ترسو فيه السفن المتجهه إلى الهند، أما سبب انهيار قيس فهو الازدهار التجارى لمملكة هرمن الصغيرة التى كانت تحت حكم أسرة
стр. 8336
عربية أيضا، وقد حاول حاكم قيس فى أواخر القرن السادس الهجرى أن يستولى على هرمن دون جدوى، وحوالى سنة ٧٠٠ هـ/ ١٣٠٠ م اشترى ملك هرمز وقتئذ من نعيم قيس جزيرة جرون التى تقع فى مواجهة عاصمته، وبعد ذلك بسنوات قليلة نقل عاصمته إلى هذه الجزيرة التى قدمت له حماية أكثر وأصبحت بمثابة هرمز الجديدة وازدادت أهميتها بحكم موقعها الملائم قرب أضيق جزء من الخليج، ونافست جزيرة قيس وجذبت شيئا فشيئا تجارة الهند، وقد أدى هذا إلى حروب طويلة وصراع بين المملكتين فى وقت من الأوقات أصبحت قيس -بالفعل- تحت سيطرة هرمز، وفى النهاية فقدت قيس أهميتها كأهم سوق فى الخليج وبدءًا من القرن العاشر الميلادى لم يعد لها إلا قيمة ثانوية إلى أن استولى شاه عباس الأول عليها سنة ١٦٢٢ م فارتبطت مكانتها ببندر عباس ثم ارتفع شأن بوشهر بعد منتصف القرن الثامن عشر الميلادى.
وداد عبد اللَّه [التحرير]
قيس عيلان
واحدة من أقوى الجماعات القبلية فى شمال شبه الجزيرة العربية فى العصور القديمة، ويرد الاسم مرة قيس عيلان ومرة قيس بن عيلان وفى الغالب قيس وحدها، ونجد فى الشعر أحيانا إشارة لها باسم عيلان بدون قيس، وقد ظهر الاسم قيس كذلك عيلانى نسبة إليها. ومن الصعب أن نفهم المقصود بعيلان فبعض علماء الأنساب يرون فيه أبا لقيس بل ويذكرون أنه ابن لمضر ومن ثم فهو أخ لإلياس بن مضر، وأمهما هى خندف، ويقولون إن اسمه الحقيقى كان هو الناس فاسمه إذن هو قيس الناس، ويتفق ابن خلدون مع هذه الآراء، وهناك من يعتبر عيلان اسم لحصان شهير لقيس فسمى باسم حصان، وجرت محاولة للتمييز بين قيس عيلان وقيس بن الغوث الذى كان -بدوره- يمتلك حصانا مشهورا يسمى كبّه، ومن
стр. 8337
ثم فقد كان يسمى قيس كبه، وقد تعنى عيلان اسم قوس وقد يعنى اسم عبد، وكان قيس عيلان فى الأصل يستقرون فى الأرض الواطئة تهامة، ويقال إن عيلان اسم جبل يقال إن قيسًا وُلد فوقه، ويقال إن عيلان صفة بمعنى المحتاج، وأميل إلى أن عيلان اسم حقيقى لا يحتاج إلى تفسير، وقد كون قيس عيلان وزوجته خندف (وإن كان علماء الأنساب يجعلون من خندف زوجة لإلياس) كل مُضر، وكان بين الجماعتين نزاع قديم، ومن القبائل التى صح نسبها لقيس عيلان غطفان التى انحدر منها عبس وذبيان وقد تفرع عنهما فروع أهمها فزارة ومرّة وأشجع هوزان مع ثقيف (١).
وقيس عيلان -طبقًا للروايات- كانوا مستقرين فى الأصل فى الأراضى الواطئة من تهامة، وفى زمن محمد ﷺ وقبيله انتشروا على مساحات واسعة من شبه الجزيرة العربية الوسطى والشمالية.
وإلى الشمال الشرقى والجنوب الشرقى من مكة وفى المدينة وفى أماكن أخرى من الحجاز، وكان لقيس عيلان أيامهم المشهورة قبل الإسلام، وقد دخلت قيس عيلان الإسلام بعد مقاومة لكن بعد موت الرسول ﷺ وجدنا أنهم جميعا قد أصبحوا على الإسلام رغم أنهم اشتركوا ضده فى حروب الردّه، لكن ردتهم لم تطل، فقد عادوا للاسلام بمجرد هزيمتهم، وقد ساهموا فى حركة الفتوح بوضوح، وقد لعب النزاع أو المنافسة بين القبائل القيسية واليمنية دورا واضحا فى الخلافتين الأموية والعباسية، ومن الشعراء القيسيين المشهورين: النابغة ولبيد وعامر بن طفيل والشماخ والخنساء وعروة بن الورد.
مها سيد سعيد [أ. فيشر A. Fisher]
стр. 8338
القيسارية
قيسارية وقد يقال لها أيضا "قيصارية"، وجمعها قياسر وهو لفظ يطلق على ضرب من المبانى العامة تكون على شكل أروقة حولها حوانيت ومصانع ومستودعات وكذلك حجرات معيشة، ويقرر دى ساسى فى كتابه Relations de l,Egypte pan Abde cillatif الذى نشر فى سنة ١٨١٠ م (ص ٣٠٣ - ٣٠٤) أن القيسارية كانت تختلف فى الأصل عن السوق باتساعها الشاسع وكثرة ما بها من الدهاليز المسقفة التى تؤدى إلى ساحة مكشوفة. أما فى وقتنا الحاضر فلفظ، "قيسارية" لا يطابق تمام المطابقة فى معناه ولا مبناه الكلمة الفارسية "كاروان سراى" التى استعملت لأول مرة فى غربى آسيا فى القرن السادس عشر الميلادى وتداولتها الألسن كما أنها لا تماثل الأسماء الحدبتة المشابهة لها فى المعنى كالخان والوكالة والفندق والبزستان.
وليس من شك فى أن أصل كلمة " القيسارية" إغريقى وهو مختصر للكلمة الدالة على السوق الإمبراطورى، ولقد أوضح "تيرش" أن الفناء المربع القديم الذى قد تحوطه -أو لا تحوطه- حجيرات هو الذى أدى إلى وجود القيسارية التى كانت تستعمل من ناحية لتخزين البضائع، ومن ناحية أخرى تكون غرفا للسكن، وأن التعبير اليونانى القديم يؤكد لنا الحقيقة القائلة إن أقدم هذه المبانى العامة كانت مبانى إمبراطورية والمقصود بذلك أنها كانت مؤسسات ملكا للدولة بينما كانت فى العصر الإسلامى من الممتلكات الخاصة أى كانت ملكا لتجار أثرياء أو أفراد من الأسر المالكة أو لكبار الموظفين، ويظن تيرش فى كتابه Pharon: Antike Islam und occident, (leipzig, ١٩٠٩) p. ٢٣٣ أن الاسكندرية كانت المكان الذى ظهرت فيه هذه المبانى أول ما ظهرت شأنها فى ذلك شأن غيرها من المؤسسات فى العصر الإسلامى الجديد فقد كانت الاسكندرية مشهورة بكثرة أماكنها وقاعاتها المسقوفة. على أنه ليس لنا أن
стр. 8339
نأخذ بما ذهب إليه "فولرز" من أن الأصل لما يسمى بالقيسارية هو الكلمة اليونانية المعروفة بالـ Caesareurn أى هيكل قيصر بالإسكندرية الذى كان ملحقا به موضع للسوق والمخازن وإن كان دى ساسى يحاول أن يؤكد أن لفظ قيسارية مشتق من المدينة الفلسطينية "قيصارية" وهذا رأى لا يستطيع الصمود أمام الحجج الدامغة لنقضه، ذلك أن الكلمة على أية حال كانت مقصورة فى الاستعمال أصلا على البلاد التى كانت تحت حكم بيزنطة مثل بلاد الشام وفلسطين وبعض أجزاء من أفريقية ثم انتقلت الفكرة إلى أماكن أخرى لا سيما أسبانيا والشرق فنطالع فى الأسبانية كلمة "الكيسارية" Ceayceria, Caesceria وفى البرتغالية alcacarias ولكنها كلها كلمات دخيلة فى هاتين اللغتين، راجع Ilasscure de mots Dozy- Englanann et Portugais: espagnol derive de L, Arade, Leiden. ١٨٦٩
أما فيما يتعلق باستعمال الكلمة فى العالم الإسلامى فيمكن الإشارة إلى أنه بين أيدينا دليلا ثابتا لا يرقى إليه الشك فى أن الكلمة استعملت كثيرا بمصر بدليل ما يورده "المقريزى" من وجود أعداد كثيرة من القيساريات بالقاهرة فى معرض وصفه لها (راجع الخطط للمقريزى، طبعة بولاق ١٢٧٠) جـ ٢ ص ٩١ - ٩٩). ثم أخذت كلمة "وكالة" تحل بالتدريج محل كلمة "قيسارية" التى لم تعد أيام "نيبور" سنة ١٧٦١ م) تدل إلا على موضع واحد هو السوق القائم فى ناحية بولاق حيث كان يسمى بلفظ Kissarie. أما فى فاس فكان إذا قيل "قيسارية" انصرف ذهن سامعها إلى السوق المركزى الذى تباع فيه الأقمشة والسجاجيد والجواهر. . إلخ وتكون له بوابات إذا أغلقت قطعت كل ما بينه وبين جميع نواحى المدينة الأخرى، وإذا جن الليل لم يبق بها أحد سوى الحارس انظر: V Tourneau: op. cit. II. ٤٣٢, R. Le Fes ٣٧٤ - ٥ وزيادة على ذلك فقد جرت العادة فى المغرب على أنه إذا قيلت كلمة "قيسارية" فقد
стр. 8340
قصد قائلها بها الباحات (سواء كانت مسقوفة أم غير مسقوفة) التى تحيط بها الحوانيت التى تكون السلعة الرئيسية فيها هى الأقمشة. أما فى الأندلس فنجد الحال عندهم -كما هو بالمغرب- إذ يطلقون كلمة "قيسارية على المركز الذى يتاجر فى مواد الترف الغالية والأقمشة (انظر فهرست ليفى بروفنسال فى تاريخه عن أسبانيا الإسلامية).
أما فى سورية ولبنان فلدينا البينة على أنهم يطلقون كلمة "قيسارية" على حوانيت تجار الجملة كما هو الحال فى بيروت ودمشق (انظر رحلة ابن جبير، و Niebihr II, ٤٦٩ وياقوت معجم البلدان، جـ ٢، ص ٣٠٧، وابن بطوطة الرحلة جـ ١، ص ١٥١ و Sauvaget: alep. pp.٧٩ - ٨٠ أما فى إمارة الاحساء الواقعة فى القسم الشرقى من بلاد العرب فإنهم يطلقون كلمة "جيصارية" على حى البلد الموجود به الحوانيت (انظر Der Islam IIII, ٣٢) أما فى العراق فنجد ميدانا يعرف بالقيسارية فى كل من الموصل (ابن جبير ٢٣٥) والسليمانية التى على مقربة منها، (ياقوت معجم البلدان، جـ ٣، ص ١١١) وأربيل (ياقوت جـ ١، ص ١٨٧) وبغداد كما يقول ماسنيون. غير أن موضع السوق المركزى قد انتقل إلى كربلاء كما يقول ماسينيون.
ونجد مثل ذلك فى أصفهان بفارس وتبريز وخوارزم (راجع ابن بطوطة الرحلة جـ ٣، جـ ٤). ونلاحظ زيادة عما سبق بناء على عبارة واردة فى "نيبور" أنه قامت فى منتصف القرن الثانى عشر الميلادى مبان عامة فى بلاد البربر يطلق عليها اسم "كاسيرى" ونسمع فى الجزائر كلمة "قيسارية" ولكن يقصد بها ثكنات الجيش (انظر دوزى، شرحه) ثم أصبح اللفظ بعد النصف الأول من القرن السابع عشر الميلادى يقصد به ثكنات الإنكشارية، راجع Pere Dane. Hist. de Barbari et ses eorsairs
أما اليوم فإن الناس فى مدن حوران التى صارت أطلالا يطلقون
стр. 8341
كلمة "قيسارية" على القصور التى كان ينزلها الولاة الرومان أو البيزنطيين. ومجمل القول إنه يظهر لنا أن كلمة "قيسارية" فى العصور الحديثة قد تخلت إلى حد بعيد عما كانت تعنيه من أنها مكان للسوق لتحل محلها كلمات جديدة مثل الخان والوكالة والفندق والبزستان.
راجع فى ذلك بلدان الخلافة الشرقية إلى سترانج.
د. حسن حبشى [م. شتريك M. Shtreck]
قيصر
فى العصور الإسلامية الأولى:
قيصر هو الاسم العربى المتعارف عليه الذى يطلقه العرب على الإمبراطور البيزنطى، وأصل الكلمة آرامى ولابد أن العرب استعملوها منذ زمن بعيد حيث تظهر الكلمة فى السريانية برسم "قصر" (بكسر القاف وفتح الصاد)، وكانت للعرب قبل الإسلام بقرون طويلة علاقات كثيرة بالرومان ثم زادت هذه العلاقات زمن الأباطرة البيزنطيين، وحتى أنه فى سنة ٢٤٤ ق. م. تولى الحكم عربى من حوران لمدة خمس سنوات باسم "داريوس يوليوس فيليتيوس"، وكذلك نرى فيه الشام (فى مستهل القرن السادس للميلاد) أن الغساسنة حلوا محل بنى صالح كحلفاء عرب وأحيط الأمير الغسانى بكل مظاهر الاحترام والتعظيم ولقب بالبطريق إجلالا له، وأذن بوضع تاج على رأسه كملك تابع للأمبراطور البيزنطى الذى كان الغساسنة وجميع سكان شمالى الجزيرة العربية يعتبرونه أعظم الحكام قاطبة، وكان يماثله الغساسنة فى هذه النظرة (اللخميون وجمع سكان شمال غربى بلاد العرب وقد وردت الإدارة أكثر من مرة فى شعر امرئ القيس إلى قيصر الذى لعب دورا خطيرا فى حياة هذا الشاعر) الذى راح اليه ملتمسا أن يعينه للثأر ممن قتلوا أباه وكان فى نظرته إليه يعتبر نفسه صاحب حق فى ملك فقده، أبوه ظلما إذ يقول له:
ولو أننى أسعى لأدنى معيشة ... كفانى ولم أطلب قليلا من المال
стр. 8342
ولكننى أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالى
كذلك يرد اسم "قيصر الروم" وكسرى فارس فى شعر الشعراء الذين جاءوا بعد هذا وكان ورود هذين الاسمين يوحى بالسطوة والغنى.
على أنه لم ترد كلمة "قيصر" فى القرآن الكريم ولكنها كثيرة الورود فى السيرة النبوية وفى الأحاديث النبوية والتفاسير الكثيرة للقرآن الكريم وفى ثنايا المؤلفات التاريخية عامة. وتستعمل الكلمة من غير زيادة التعريف كاسم علم فأبو بكر وعمر بن الخطاب يسميان الامبراطور هرقل البيزنطى الشهير فى زمن محمد ﷺ بهرقل أو قيصر: عظيم الروم أو ملكهم، وجرى العرف عادة على إسقاط كلمة قيصر فى معرض الحديث عن ملوك الرومان والبيزنطيين فيكتفى بتسمية الواحد منهم بملك الروم ذلك ابتداء من "زوجتوس" وانتهاء بهرقل. انظر الطبرى تاريخ. .، جـ ١ ص ١٧٤١ - ١٧٤٤)، ومثال ذلك أنه لما استولى العرب على عمورية عام ٨٣٨ م ينعت الطبرى "ثيوفيل بن ميخائيل بصاحب الهرم" وحينئذ يعلق ابن الأثير على وقعة ملاذكرد منزيكرت عام ١٠٧١ م فيقول:
"أرامانوس ملك الروم" قاصدا بذلك رومانوس نيوجين ويقرر ابن سعد أن هشاما بن عبد مناف الجد الأكبر للنبى ﷺ تلقى من قيصر خطاب أمان للتجار الوافدين إلى الشام من مكة، وهناك عدد كبير من النصوص تشير إلى الرسالة التى يقال إن محمدا ﵊ أرسلها على يد لحية الكلبى إلى حاكم بصرى كى يوصلها إلى الإمبراطور هرقل.
وتتوارد أخبار جمة تشير إلى سؤال الإمبراطور لأبى سفيان عن النبى الجديد [ ﷺ ] ويبدو منه أن "قيصر" كان على العكس من "كسرى" فارس ميالا إلى الإسلام وأنه لا يمنعه من التصريح بهذا سوى خوفه من رعيته، كما يبين عمر بن الخطاب الفارق بين حياة الرسول [ ﷺ ] المتقشفة ويين
стр. 8343
حياة كسرى وقيصر المترفتين، ونرى عروة بن مسعود أثناء الحديبية (وقد زار النبى [ ﷺ ] فى معسكره) يتحدث إلى رفاقه المكيين فيقول إنه رغم كثرة زياراته للملوك ولقيصر وكسرى والنجاشى إلا أنه لم ير أحدا يحبه أصحابه حب أصحاب محمد [ ﷺ ] له، ولقد أخبر الرسول [ ﷺ ] بزوال ملك كسرى وأنه إن مات قيصر فلن يكون هناك قيصر بعده، (راجع فى ذلك صحيح البخارى والواقدى والسيرة لابن هشام والطبقات الكبرى لابن سعد وتاريخ الطبرى وكتاب الأموال لأبى عبيد القاسم بن سلام واليعقوبى والكامل لابن الأثير والمختصر فى تاريخ البشر لأبى الفداء).
د. حسن حبشى [ر. باريث R. Barith]
قيصر التاريخ الإسلامى
كان تعاطف محمد ﵊ فى الفترة المكية مع هرقل ضد كسرى فى الصراع الذى كان بين الطرفين وورد ذكره فى القرآن الكريم ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾، غير أن هذا الميل انقلب إلى ضده فى الفترة المدنية، ويرجع هذا التغيير إلى أسباب دينية، إذ أنه لما كان الإسلام هو الدين الحق والصراط المستقيم وأن دعواه عالمية فإن كلا من بيزنطة وقيصرها خصم للإسلام وللدولة الإسلامية التى لابد لها من الانتصار والاستيلاء على القسطنطينية ذاتها ومن ثم تغير المفهوم الاسلامى لقيصر فبلاده "دار حرب" وهو كافر، ومحاربته ضرب من "الجهاد". وشجع على ذلك الاتجاه انتصارات العرب على البيزنطيين. وهكذا اختفت فى القرن الأول للهجرة الأسس الحربية والدينية التى كان يقوم عليها -قبل الإسلام- احترام العرب لقيصر، وأصبح "قيصر" طاغية حتى لينعت بكلمة الروم "وهو تعبير استعمله قيصر هارون الرشيد فى مخاطبته نقفور فوكلس" الواقع أن الرشيد لم يكن البادئ فى الهجوم بل كان نقفور ذاته إذ ولى العرش البيزنطى بعد إيرين
стр. 8344
التى هادنت الخليفة العباسى المسلم لقاء جزية تدفعها للمسلمين ليكفوا عن محاربة الروم فلما تولى نقفور بعد خلع إيرين أراد الرجوع عما أبرمته الامبراطورة البيزنطية السالفة مع الرشيد ومن ثم كتب إلى الرشيد كتابا يقول فيه إن إيرين أقامت الخليفة مقام الرخ وأقامت نفسها مكان البيدق، وأنها حملت من المال ما كان الرشيد قمينا بحمله إليها، ثم ختمه بقوله: قرأت كتابى فأردد ما حصل من قبلك من أموالها، وافتد نفسك بما يقع به المصادرة لك وإلا فالسيف بيننا وبينك فغضب الرشيد أن يخاطبه نقفور بلهجة فيها استعلاء وعنجهية، وفيها ازدراء بهيبة الخلافة وإهانه لها، فرد عليه ردا مختصرا نعته فيه بالعبارة السالفة).
إن صورة قيصر عند العرب فى القرون الأربعة التالية لمعركة اليرموك التى وقعت سنة ١٥ هـ (٦٣٦ م) كانت تتأثر سلبا وإيجابا بما تصيبه كل من الدولتين الرومية والإسلامية ففى الفترة الأولى (أعنى زمن الأمويين وأوائل أيام العباسيين) كان النصر أكثر ما يكون للعرب، غير أن الوضع تبدل فصار ميزان القوى ضد العرب بتولى الأسرة المقدونية عرش بيزنطة.
فلما جاء العصر التركى بدأ فصل جديد فى العلاقات بين الروم والإسلام، واستمر هذا الفصل أربعة قرون منذ انتصار المسلمين فى كلازكرة سنة ٤٦٣ هـ (١٠٧١ م) حتى استيلائهم: على القسطنطينية عام (٨٧٥ هـ) ٤٥٣ م (وأدت انتصارات الترك الحربية إلى رجوع صورة قيصر بيزنطة إلى ما كانت عليه قبل الدولة المقدونية، وكان العامل الأساسى هو فتح الأراضى البيزنطية فى الأناضول وصبغها بالصبغة التركية وتضاؤل أملاك القياصرة، فقد أنزل "ألب أرسلان" الهزيمة الساحقة بالامبراطور رومانس نيوجين فى منزيكرت وأسره فى سنة ٣٦٣ هـ (١٠٧١ م) مما أدى إلى نظرة الإزدراء بقياصرة آل كومنين وأنجيل و (مالذكرد).
ثم جاء العثمانيون فبلغوا الذروة فى إذلال "قيصر" وعادت النظرة القديمة التى ساعد عليها انتصاراتهم الرائعة
стр. 8345
فى البلقان، وقد قدر للسلطان محمد الفاتح (بفتحه القسطنطينية وانتصاره على آخر سلالة بين باليولوجس وهو قسطنطين الحادى عشر) أن يكتب آخر فصل فى مأساة الصراع البيزنطى الإسلامى استمر فى التاريخ ثمانية قرون، وأدى فتح عاصمة الروم إلى أن يضيف محمد الفاتح إلى لقبيه الغازى والخان لأنه لم يكن خليفة بل سلطانًا فقط.
ولقد منحه اللقب نفعا فى تحقيق مشاريعه فى استرداد الأراضى البيزنطية التى كانت قد ضاعت من أيدى القياصرة فى كل من أوربا وآسيا.
راجع فى ذلك السيرة لابن هشام، والمسالك لابن خرداذبة.
د. حسن حبشى (هيئة التحرير)
قيصرية الأناضول
" قيصرية الأناضول" بلدة فى وسط إقليم الأناضول ترتفع عن البحر ثلاثة آلاف وثلاثمائة قدم، أما عن تاريخها فهى فى منطقة كانت قبل قيام الامبراطورية الحيثية مركزا تجاريا لجالية أشورية تسمى "كانيش" وأثرت من وراء التجارة، ثم صارت قيصرية الأسقفية الكبرى بين أسقفيات آسيا الصغرى المسيحية، وقد اجتاحها الساسانيون وعاثوا فيها تخريبا وتدميرا إلى أن أنقذها منهم الإمبراطور الرومانى البيزنطى هرقل عام ٦١١ م فعادت إلى سالف بهائها وغناها، وقد هاجمها المسلمون بقيادة مسلمة زمن الوليد بن عبد الملك الذى احتلها أمدا قصيرا، فلما كان القرن الخامس الميلادى هاجر إليها الأرمن والجريجوريون، وقد خربها التركمان عام ٤٥٩ هـ (١٠٦٧ م) وأصبح البلد بعد وقعه ملا زكرت (أو منزيكرت) جزءا من دولة الدانشمنديين ثم اغتصبها منهم قلج أرسلان الثانى سنة ٥٦٣ هـ (١١٦٧ م) وطالما اتخذها السلاجقة منتجعا ملوكيا لهم وعادت قيصرية مرة أخرى لتكون مركز التجارة والثقافة، فلما طرقتها جيوش المغول سنة ٦٤١ هـ (١٢٤٣ م) ونهبوا بيت المال وكثيرا من الدور والعمائر
стр. 8346
الفخمة، كما استولى عليها بيبرس عام ٦٧٥ هـ (دون أى مقاومة) لكنه انسحب إلى جنوب جبال طوروس حين أدرك أنه لم ينجح فى إثارة التركيان ضد حكامهم المغول الذين صبوا جام نقمتهم على المدينة ثم دخلت "قيصرية الأناضول" تحت حكم أسرة "أرتنا" وصارت قصبة ملكهم، ويقول ابن بطوطة عنها إنها كانت واحدة من أكبر المدن فى الأناضول غير أن واحدا من أبناء قيصرية الأناضول اسمه القاضى بهاء الدين أطاح بالأسرة الحاكمة واتخذ سيواس قاعدة لحكمه، فلما كانت سنة ٨٠٠ هـ (١٣٩٨ م) استولى عليها السلطان العثمانى "بايزيد" إلا أن هزيمته أمام تيمور لنك أدت إلى سقوط قيصرية فى يد القرمانيين، وظلت قيصرية مدى قرن من الزمان موضعا يتنازعه حربيا كل من تركمان القومان وأسرة ذى القادر فساعدا المماليك القادريين حتى استردوها لكن ذلك الاسترداد لم يغير من حالها كموضع نزاع بين القرمانيين وذى القادر حتى ردها إليهم السلطان محمد الثانى واستطاع العثمانيون أن يأخذوها أخيرا بعد استيلائهم على قره حصار سنة ٨٧٩ هـ (١٤٧٤ م) وظلت البلدة مطمع أنظار الممالبثا والصفويين حتى جاء السلطان سليم الأول فقضى على مطامع الجانببين معا.
ولما كان مستهل القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) اجتاح الثوار الجلاليون منطقة قيصرية وانتصر"قره يزبجى" على جيش عثمانى فى سهل قيصرية عام ١٠٠٨ هـ (١٦٠٠ م) وأصبحت نهبا للعصابات وقاسى السكان الأمرين حتى أن القرويين راحوا ما بين قتيل وهارب على وجهه، واضطرب نظام جباية الخراج، ويشير سيمون البولندى فى سنة ١٠٢٧ هـ (١٦١٨ م) إلى أنه وجد البلدة خرابا نظرا لما تسرب من الخوف إلى نفوس الجلاليين فحال بينهم وبين إعادة ما تهدم من مبانيها، غير أن أوليا جلبى لما زارها سنة ١٠٥٩ هـ. أى بعد ثلث قرن من تقرير (سيمون البولندى) وجدها عامرة ثم
стр. 8347
عادت قيصرية إلى النفوذ العثمانى المباشر عام ١٨١٤ م.
ولقد صارت قيصرية فى ظل الخلافة العثمانية لواء أو سنجقا تابعا لايالة قرمان، وظلت كذلك حتى عام ١٨٦٤ م حيث أصبحت تابعة لولاية أنقرة وصارت تركيا جمهورية وصارت مدينة "قيصرية الأناضول" ولاية.
التجارة والصناعة والزراعة:
تستمد قيصرية أهميتها كمركز تجارى من موقعها عند ملتقى طرق تجارية هامة تربط بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، وأهم من هذا أنها تقع فى ناحية مزدحمة بالسكان، حسنة الرى وخصبة، وتعتمد قيصرية فى رخائها الزراعى على القمح والشعير كما تتوفر بها زراعة الفاكهة والخضروات لحسن توزيع مياه الرى فتجود هذه الزراعات كلها على سفوح الجبال، ولقد كانت سيواس وقونية وقيصرية أيام سلاجقة الروم الزاهرة مراكز التجارة فى الأناضول وتشير دفاتر الضرائب المعروفة باسم الماشية والأغنام ومصانع لصنع البوظة والخمور والشموع وقَلَّ أن كانت ناحية من النواحى فى البلد تخلو من بساتين الكروم والعنب والفاكهة والحدائق المتناثرة هنا وهناك، كما كانت الحنطة والشعير يزرعان على أطرافها، هذا بالإضافة إلى أن القرى المجاورة لها كانت تنتج الحبوب وكثيرا من أنواع الفاكهة والخضروات لاسيما العنب بالذات الذى يستعمل فيه صناعة النبيذ كما يشمل منه الزبيب، كذلك يحتل القطن وعسل النحل مكانا مهما فى انتاجها وتكثر بها اشجار الجوز وتجود بها زراعة الأرز، ونرى أن كلا من سيمون البولندى وأوليا جلبى يثنى على بساتينها وقمحها وشعيرها وفاكهتها المتنوعة التى لا تضارعها أية فاكهة فى أى ناحية من نواحى الأناضول فى الوفرة وغزارة الإنتاج ويمتدح ذلك كله من باركلى وأنيزوورث وموردتمان.
وكان القطن والأقمشة القطنية من أهم منتجاتها منذ العصر السلجوقى
стр. 8348
فصاعدا، ويشير "كينر" إلى أنه وجد بها تجارا من جميع أرجاء الشام والأناضول ممن جاءوا فى طلب المنسوجات والقطن الخام، كما اشتهرت قيصرية بخيلها، واهتمت هى بتربية الماشية والأغنام والجاموس لصناعة البسطرمة التى ذاعت شهرتها بها ويشير أوليا جلبى إلى أنه شاهد فى أستانبول إقبالا كثيفا على هذه اللحوم ومصنعاتها حتى لم تعد قيصرية تجد كفايتها منها، وكان للجلود سوق فى شتى أرجاء الأمبراطورية لاسيما فى صناعة الأحذية، كما أن قيصرية لا تزال حتى اليوم تنتج كميات هائلة من أجمل وأحسن أنواع السجاد والأكلمة.
ويشير سيمون البولندى لكثرة الخانات والنزل والحوانيت والأسواق والصاغة والجوازجية، ويذكر الرحالة "أنسيات" ما فى أسواقها من سلع أستانبول والهند، ويسميها، "كينر" بسوق الأناضول والشام التجارى ويقرر "هاملتون" ما عليه أسواقها من الضخامة وأنها خاصة بالواردات التى تباع بأرخص الأثمان، ويشير "نردتمان" إلى أن التجارة بحوالى سنة ١٨٥٠ م كانت بأكملها فى أيدى المسيحيين الكابوتيين من أهل البلد، إلا أن ذلك لا يمنع من أن التجار المسلمين بها كانوا من أنشط الجماعات التجارية.
وكان للملح اهمية عظمى إذ توجد بها بحيرة مليحة إلى جانب مناجمه فى "حاجى بكتاش"، ويكثر بها الجص ونترات البوتاسيوم (ملح البارود) والكلس مما جعل مواد البناء رخيصة.
ولقد مد خط سكة حديد من أنقرة إلى قيصرية سنة ١٩٢٧ م وخرجت منه فروع إلى سامسون وغيرها من البلاد مما جعل قيصرية البلد مركز خطوط سكك حديدية، وتأسس بها عام ١٩٣٥ م مصنع حكومى للغزل والنسيج يعمل فيه ما يقرب من ألفين وخمسمائة عامل، وقد ساعد فى إنشائه قرض سوفييتى، كما أنها أصبحت ملتقى خطوط الطيران وأصبح بها فى سنة ١٩٦٥ م ستة عشر مصنعا (منها
стр. 8349
خمسة حكومية وأحد عشر برؤوس أموال خاصة). ومن الصناعات الهامة بها نسج الصوف والمصنوعات الجلدية والمعدنية وتكثر بها الأفران ومصانع بسترة الألبان، ولقد ترتب على ذلك كله ارتفاع مستوى معيشة الفرد بها ارتفاعا لم تبلغه معظم المدن التركية من الناحية الديموجرافية للسكان
يستفاد من مراجعة سجلات نفوسها أنه كان بها ٢٢٨٧ شخصا (أو نفرا كما هو وارد فى مصطلحهم) من الذكور ممن يدفعون الضرائب منهم ٨٦ % مسلمون ١٤ % ذميون، وقد ارتفع عدد غير المسلمين عام ١٥٠٠ من ١٤ % إلى ٢٢ % ارتفع عدد الأرمن من ٨٢ % إلى ٨٩ % سنة ١٥٨٣ م، وكانت الزيادة فى أعدادهم أكبر من الزيادة فى عدد أهلها من اليونان الذين يعيشون بها، ولا ترد الإشارة فى هذه السجلات الضرائبية المعروفة باسم دفترى خاقانى إلى أحد من اليهود وإن كان "أولياجلبى" يشير فى سنة ١٠٥٩ م إلى وجود معبد لليهود ولقد أدى زلزال ١٨٣٥ م الفظيع إلى تدمير كثير من الدور وبلغ عدد ضحايا ٦٦٥ نسمة، كما أفنت الكوليرا فى سنة ١٨٤٨ م ما يقرب من ثلاثة آلاف من أهل قيصرية، فلما كانت السنة التالية (١٨٤٩ م ذكر مورد تمان أن عدد سكانها هو ١٨٤١٣ ذكرا (منهم ١٢٣٤٤ من المسلمين و ٥٠٠٢ من المسيحيين التابعين للكنيسة الأرمنية، و ١١٠٦٧ من المسيحيين التابعين للكنيسة اليونانية ولقد عقد بقيصرية فى سنة ١٩٢٢ مؤتمر لمسيحيى الأناضول الأرثوذكس أكدوا فيه أنهم مسيحيون أناضوليون وترك فى قوميتهم ورفضوا كل صلة مذهبية باليونان وأسسوا لهم بطريكية تركية. وحدث بعد المذبحة الأرمنية وتبادل السكان اليونان أن تضاءل عدد سكان قيصرية كما يتضح ذلك من أول إحصاء جمهورى فقد بلغوا ٣٩٥٤٤ نسمة ولم يبق بالبلد سوى ألف ومائتين وسبع وسبعين أرمنيا على المذهب الكاثوليكى وستة فقط من الأغريق الأرثوذكس.
стр. 8350
الثقافة:
وتزخر قيصرية بالآثار المعمارية ولازال بها من آثار تلك العهود القلعة الداخلية وقسم كبير من السور الذى كان يحيط بها وكذلك عدة مدارس ومساجد ومقابر وخانات يرجع بعضها إلى العصر السلجوقى، ومن الآثار التى تشتهر بها قيصرية قبر "بطال غازى" وكذلك قبر سيدى برهان الدين شيخ جلال الدين الرومى، كما توجد بقيصرية سبع مدارس ترجع إلى زمن السلاجقة، وكان يوجد بالمدينة زمن السلطان سليمان القانونى ثلاثة مساجد كبيرة تقام بها صلاة الجمعة، إلى جانب عشرين مسجدا صغيرا، وعشر مدارس وسبع عشرة زاوية وثلاثة حمامات ومائة وسبعة حوانيت على أن بعض رحالة القرن التاسع عشر الميلادى يصفون مدينة قيصرية فى أيامهم بالقذارة لوجود السلخانة بها ومصنع تصنيع اللحوم وصناعة دبغ الجلود والصباغة.
واشتهر أهل قيصرية الأناضول بشدة تمسكهم بالإسلام السنى، ويزعم الرحالة "كابى نورى نيكولاس" أنه لا يمكن ليهودى أن يعيش أبدا فى قيصرية وتفسير ذلك عنده أن ما عليه أهلها من المهارة والجد لا يسمح بالتواجد والقول الشائع فى تركيا أن لأهل قيصرية ميلا قويا للعمل وأنهم أهل جد ودأب.
د. حسن حبشى [ر. ريننجس R. Rennings]
قيصرية فلسطين
قيصرية (وقد يقال عنها قيسارية) وباللغات الأجنبية Caesarea وهو اسم كان يطلق أيام الأمبراطورين الرومانيين أوجستوس وطيبريوس على أكثر من هذه المواضع سوى مكانين فقط يحملان هذا الاسم (انظر ياقوت فى معجمه تحت كلمة قيسارية). أما الموضع الأول فبلدة على الساحل الفلسطينى كانت معروفة فى القديم باسم قيصرية البحرية Ma-Caesare ritima وهى تبعد عن حيفا من ناحية الجنوب قرابة خمسة وعشرين ميلا، وقد أنشاها جماعة من أهل صيدا فى
стр. 8351
القرن الرابع قبل الميلاد وسموها "برج سترابو". ثم جاء هيرودوس الكبير فبناها سنة ١٣ أو ١٠ ق. م. وسماها بقيصرية تمجيدا لمولاه أوجستوس [قيصر]، وسرعان ما اندثر الاسم القديم ونسيه الناس، وازدهرت هذه المدينة الجديدة ازدهارًا يرجع الفضل فى بعضه إلى ما تتمتع به من مرفأ لطيف يعتبر الميناء الأساسى لسبسطية وكانت معقلا للقوة الهيلينية الرومانية رغم -سكانها اليهود وما كانت تتمتع به من تعليم يهودى حتى أن جزءا من التلمود الفلسطينى كتب بها، وظلت حتى دخول العرب فيها تعتبر عاصمة ولاية فلسطين الرومانية ثم البيزنطية وعُدت مركزا هاما من مراكز تعليم التعاليم المسيحية بفضل أسقفيتها واعتبارها معقل الأسقفية كلها، فلما كان القرن الرابع الميلادى تولى أسقفيتها "بوسيبوس".
إن أخبار فتح قيصرية الواردة فى المصادر الإسلامية متأثرة بالحقيقة الثابتة إلا وهى أن هذه المدينة المنيعة الحصانة والتى تتمتع بقوة دفاع عظيمة كانت تعتبر فى عيون المسلمين جماع القوة المسيحية والبيزنطية فى فلسطين، وأنها آخر ما قد يمكن أن يقع من الأماكن فى أيدى العرب ولما سقطت فى أيديهم كان هذا السقوط ذروة النجاح الإسلامى فى فلسطين لذلك فإن ما ورد عنها من الأخبار فى هذه المصادر يفوق فى كمه وتفصيله الأخبار المتعلقة بالقدس، ولقد بولغ فى تقدير عدد المدافعين عنها تمجيدا لهذا الفتح، وحتى ليذهب خبر من الأخبار للقول بأن من حوصروا بها كانوا ٩٣٠٠٠٠ مقاتل إزاء سبعة عشر ألف مسلم (فتوح البلدان للبلاذرى ٣١، ولكن انظر بارهبريوس حيث يقدر عدد المدافعين عنها بسبعة ألاف رجل فقط) وقد ظل عمرو بن العاص قائما على حصارها حتى غادرها إلى مصر، وكان معه فى الحصار عياض بن غُنم.
وقد جاء فى أسد الغابة أنه هو الذى فتح الجزيرة وصالحه أهلها وهو أول من اجتاز الدروب، وقد مات سنة عشرين للهجرة وكان إسلامه قبل الحديبية وشهدها، وكان يسمى؛ زاد الركب.
стр. 8352
وقد تم الاستيلاء على المدينة فى شوال سنة ١٩ هـ (سبتمبر/ أكتوبر ٦٤٠ م) بعد حصار يبدو أنه دام سبعة أشهر، ولكن بولغ فيه فى كثير من المصادر العربية فجعلته سبع سنوات، ووقع فى أشر المسلمين يومذاك أربعة آلاف محارب (راجع الفتوح للبلاذرى ١٤٠ - ١٤١, ٢١٢ فتوح مصر لابن عبد الحكم ٥٧ - ٥٨، وتاريخ اليعقوبى ١٧٢ - ١٧٣ والعقد لابن عبد ربه جـ ١ ص ١٢٤, ومعجم البكرى ٧٥٧، وتاريخ ابن عساكر جـ ٤ ص ٣٩٥). ولقد اعتبر قيصرية الشام هذه مركز دفاع رئيسى تحول بين نزول البيزنطيين إلى الساحل، كما اغتنم الروم ثورة عبد اللَّه ابن الزبير وقاموا بمهاجمة كل من قيصرية وعسقلان وخربوهما، ولكن ما كاد عبد الملك بن مروان يجمع السلطة فى يده حتى رمم الموضعين وأعاد تحصينهما وتحصين مناطق أخرى ساحلية مثل عكا وصور (البلاذرى ص ١٤٢) غير أن عزوف العرب عن ركوب البحر [آنئذ] جعل من الصعوبة بمكان على الخلفاء الأمويين حمل المقاتلين العرب على الاستقرار فى المدن الساحلية.
ومرت قيصرية الشام بطور من التدهور زمن العباسيين الذين صرفوا عنايتهم إلى ولاياتهم الشرقية لعدم اهتمامهم الاهتمام الواجب ببلاد الشام وقام أحمد بن طولون (٢٥٤ - ٢٧٠ هـ/٨٦٧ - ٨٨٣ م) بتحصين الساحل الفلسطينى مرة ثانية، لكننا لا نجد أية إشارة إلى هذا الموضوع يتعلق بقيصرية التى كانت الرمال قد ملأت ساحلها يومذاك.
ويلاحظ أن جغرافيى العرب من أهل القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) وناصر خسرو (رحالة القرن الخامس الهجرى) يعبرون إلى خصوبة إقليم قيصرية الشام ووفرة منتجاتها الزراعية وإن كانوا قد أمسكوا عن الإشارة إلى مينائها (انظر المقدسى ٣٥، ١٥٤، وناصر خسرو فى سفر نامة ١٨، والإدريسى ولى سترانج فى فلسطين فى ظل الحكم الإسلامى)، غير أنه فى سنة ٣٦ هـ (٩٧٥ م) قام الأمبراطور
стр. 8353
البيزنطى حنا الشميشيق فاعتدى على الأراضى الإسلامية وتوغل جنوبا حتى بلغ مشارف قيصرية، ولكن ما لبث أن وافاه أجله، إلا أن الخطر القديم الذى كان يهدد رخاء المدينة إنما جاء هذه المرة من ناحية بدو بنى جراح وهم من قبائل طئ وكانوا بقيادة شيخهم "مفرج ابن دغفل" الذى اغتنم فرصة ما اتسمت به خاتمة حكم الإخشيديين من الاضطرابات فتمكن فى سنة ٣٦٠ هـ (٩٧١ م) فى دعم مركزه فى السهل الساحلى لاسيما حول الرملة. واستغل نفوذ هؤلاء البدو فى خلال نصف القرن الأول من حكم الفاطميين حتى لقد استطاع مفرج بن دغفل من محاصرة المدن الساحلية فيما بين عامى (٣٩٧ و ٤٠٤ هـ حاكما تابعا له ١٠١٤ و ١٠١٢ م) ثم ذهب أبعد من ذلك حين أقام من مدن فى فلسطين (راجع يحيى بن سعيد الأنطاكى، طبعة شيخو ص ١٦٠، ٢٠١)، فلما كانت سنة ٤١٤ هـ (١٠٢٤ م) عين الخليفة الظاهر والى قيصرية وهو منتخب الدولة عاملا على فلسطين وفوضه السلطة الكاملة فى القضاء على بلاد حسن بن مفرج الذى كان قد خلف أباه فى قيادة بنى جراح (انظر خطط المقريزى، طبعة القاهرة ١٢٧٠، جـ ١ ص ٣٥٤).
وعلى الرغم من أن قيصرية لم تشتهر بأنها مركز إسلامى للعلم إلا أننا نطالع فى المصادر أسماء بعض علمائها ممن عاشوا بها ودرسوا فيها (معجم البلدان لياقوت جـ ٤ ص ١٢٤، ٧٧٨, وابن تغرى بردى النجوم الزاهرة جـ ٢ ص ٢٠٤، وابن عساكر جـ ٤ ص ١٨٥، ٢٣٢، ٤٦٠).
لم تهدد الحرب الصليبية الأولى قيصرية تهديدا خطيرا إلا أنه فى عام ٤٩٤ هـ (= ١١٠١ م) قام الصليبيون بعد اعتلاء بلدوين الأول عرش القدس بمهاجمة المدينة يعاونهم فى هذا الهجوم أسطول جنوة، وبعد أن سقطت أرسوفيوم ٢٧ جمادى الثانية (٢٩ أبريل) حاصروا قيصرية وسقطت فى أيديهم يوم ١٧ مايو، ولقد كوفئ الجنوية لقاء مساهمتهم فى الغزو بأن
стр. 8354
صار لهم ثلث المدينة وأذن لهم بتسمية الكاتدرائية الثانية الموجودة فى المدينة بكاتدرائية راعية سان لورننزو (فيما يتعلق بالفتح راجع المبتدأ، ابن خلدون جـ ٥ ص ١٨٦)، وبعد أن تم فتح قيصرية استقلت بها أسرة "جارنييه" فكانت من الأسر الأولى التى تاسست فى هذا الإقليم، (انظر رنسمان الحروب الصليبية) وبنى الصليبيون فى قيصرية مرفأ صغيرا داخل حدود المدينة القديم الكبير، وزاد عدد سكانه اللاتين حتى بلغوا ما يقرب من خمسة آلاف نسمة، وهو عدد ضخم فيما يتعلق بسكان المدن الصليبية، وفى سنة ٥٨٣ هـ (١١٨٧ م) بعد وقعة حطين واحتلال عكا تيسر فتح قيصرية فلسطين على يد قائدين من قواد صلاح الدين هما بدر الدين دالدرم وغراس الدين خلج (انظر الروضتين لابن هامة ٢ ص ٣٥٦، وابن الأثير الكامل جـ ١١ ص ٣٥٦، والفتح القسى للكاتب الأصفهانى ص ٣٣). ولما أخذت طلائع جيوش الحرب الصليبية الثالثة فى الظهور وأدرك صلاح الدين ضعفه فى البحر، ولما كان شديد الحرص على ألا يتمكن الصليبيون من النزول إلى الساحل فقد أمر فى سنة ٥٨٦ هـ (١١٩٠ م) بهدم تحصينات قيصرية (انظر السلوك ١/ ١٠، ١٠٤ والأنس الجليل لمجير الدين ٣٢٤) ثم عاد ريتشارد قلب الأسد فاحتل قيصرية مرة ثانية فى العام التالى وأقيمت بها حامية قوية، ولقد ظلت تحصينات البلد مهدمة حتى جاءت سنة ٦١٥ هـ (١٢١٨ م) فأجمعوا العزم على إعادة بناء القلعة على المرفأ الجنوبى من الميناء، ولما كانت سنة ٦١٧ هـ (١٢٢٠ م) استعد الملك الأيوبى المعظم عيسى لاحتلال قيصرية فى الوقت الذى كانت فيه قوات الصليبيين الرئيسية تحاصر دمياط ولكن وجدها خالية تماما فقد أخلت البحرية الجنوبية القلعة من السكان (ابن تغرى بردى جـ ٦ ص ٢٣٩). وبقيت المدينة من الناحية الاسمية أو الشكلية فى أيدى المسلمين سنة ٦٥٦ هـ (١٢٢٨ م) حين
стр. 8355
سلمها الملك الكامل سلطان مصر إلى الإمبراطور فردريك الثانى هى والقدس وغيرهما من البلاد الفلسطينية، وبعد قدوم الملك لويس التاسع إلى الأراضى المقدسة سنة ٦٤٨ هـ (١٢٥٠ م) شرع فى إقامة تحصينات جديدة وتم له الفراغ منها فى إبريل أو مايو ١٢٥٢ م، وكان الترحيب بما أنجز عظيما باعتباره أعظم وأجمل مبنى فى فلسطين (انظر جوانفيل: القديس لويس) وكان العمل الذى تم فى هذا الوقت يتضمن بناء كل المدينة وإقامة حصن يحمى البلد من البر والبحر على السواء وكشفوا عن خندقها القديم وأزالوا ما به من تعديات وعمقوه، وبذلك أعطوا سور المدينة أقصى ما يمكن من الارتفاع إذ بلغ حوالى سبعين قدما (واثنين وعشرين مترا)، ولكن لم تستطع كل هذه التحصينات المنيعة إنقاذ قيصرية حين أجمع المماليك العزم على هدم كل ما بقى من المعاقل الصليبية على طول الساحل الشامى وذلك حين أمكنهم دحر الغزو المغولى سنة ٦٥٨ هـ (١٢٦٠ م) فلما كان بعد أربع سنوات من هذا التاريخ (٦٢٢ هـ - ١٢٦٤ م) كان أول هجوم للمماليك على نواحى قيصرية وعثليث بقيادة الأمير ناصر الدين القيصرى، إلا أن الحملة الأخيرة بقيادة بيبرس جرت عام ٦٦٣ هـ (١٢٦٥ م) حين شن المماليك هجوما ضاريا أرغم المدافعين على الارتداد إلى القلعة المسماة فى المصادر العربية باسم "الخضراء" كما اضطر الصليبيون تحت وطأة قصف منجنيق بيبرس إلى طلب التفاوض وتم رحيلهم يوم الخامس من مارس ١٢٦٥ م على ظهر السفن وأمر السلطان يومئذ بهدم الحصن، وكان احتلال المماليك لقيصرية مساعدا لهم على حرية التحرك كيفما شاؤوا فعرجوا جنوبا على يافا وأرسوف، وشمالا على عثليث وعكا (مرآة الزمان لليافعى جـ ٤ ص ١٦١، والسلوك جـ ١ ص ٥٢٦ - ٥٢٨ صبح الأعشى للقلقشندى جـ ٣ ص ٤٣٤، مفضل بن أبى الفضائل فى Patrolagia جـ ١٢ ص ١٣٢ - ١٣٣).
стр. 8356
لقد صمم بيبرس على إقامة خط دفاع جديد على امتداد سفوح الجبال فى الإقليم ذاته تقوم بالدفاع فيه قوات إسلامية وذلك من سلسلة التحصينات الساحلية التى تم تدميرها عن آخرها، ومن ثم أعيد بناء قلعة "قاقون" لتحل محل قيصرية وأرسوف (انظر السلوك جـ ١ ص ٥٥٧).
ولقد ظل موقع قيصرية مهجورا فترة من الزمن قاربت أربعة قرون (صبح الأعشى جـ ٣ ص ٢٣٧) حتى إذا كان القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) حاول جماعة من صيادى الأسماك الاستقرار هناك واستعملوا أنقاض البلد فى البناء لاسيما حين شيد الجزار باشا مسجده فى عكا فى نهاية القرن الثانى عشر الهجرى (الثامن عشر الميلادى) وفى سنة ١٨٨٤ م استقدمت الحكومة التركية من هناك الفارين وأسكنتهم قيصرية ولكن تفشى وباء الملاريا فيهم جعلهم فى أشد حالات البؤس.
ولقد كان أول مسح آثارى للموضع فى سنة ١٨٧٣ م وقد تم على يد Palestine expination Fund ولكن الحفريات المنتظمة كانت خلال الخمسينيات والستينيات بواسطة علماء الآثار الإسرائيليين والايطاليين، وأعيد بناء أجزاء من البلدة وتم ترميم جزء من السور الذى كان الصليبيون قد شيدوه، كما رمموا المسرح الرومانى الذى كان يستعمل للعروض الموسيقية.
د. حسن حبشى [م. شارون M. Sharon]
القين
القين مشتقة من "ق. ى. ن" التى تعنى فى الأصل الحداد، ثم اتسع معناها فأصبح يشمل "الصانع" هذا على الرغم من أن العادة قد جرت على أن يقصد به "الحداد"، انظر فى ذلك لسان العرب مادة "قين"، ولم ترد هذه الكلمة فى القرآن الكريم، ولكنها وردت -من ناحية أخرى- فى كثير من الأحاديث النبوية، ومؤنث "قين": "قينة" ويقصد بها "المغنية"، ولما كان العاملون فى مهنة الحدادة من أدنى طبقات
стр. 8357
المجتمع فقد أصبح لفظ "قين" تعبيرًا مستهجنا يطلق على "العبيد"، ونرى جريرا الشاعر فى قصائده التى يهجو فيها خصمه الفرزدق ينعته بعض الأحيان بابن القين، وكان هذا اللفظ ينظر إليه فى المجتمع الصحراوى كسبة بالغة حتى أن الأخطل -وقد أراد أن يرثى سماكا الأسدى- هجاه عن غير قصد -إذ أشار إلى أن واحدا من أسلافه كان حدادا.
ولقد استمرت هذه النظرة المستهجنة للصانع سارية بين البدو ونعرف ذلك مما ورد فى كتاب جزيرة العرب فى القرن العشرين لحافظ وهبة وفى قاموس العادات الأردنية للعزيزى، ذلك أنهم يعتبرون الصانع دخيلًا حتى ولو كان هو وأسرته قد عاشوا بينهم من أعقاب موغلة فى القدم، فالصانع لا يمكن قط أن يندمج فى القبيلة، ومحال لأى بدوى عربى -مهما كانت ضعة أصله ومولده- أن يرتبط بالصانع بروابط زواج، وقد أوضحت هذه الظاهرة الدراسة التى قام بها مونتان فى Vie Sacilre et Pabitique de l, Qralre du Nord (١٩٣٢), p ٧٤
أما الحدادون (جمع حداد)، فكانوا فى الأصل سكان الواحات وهذا ما يقرره مونتان مرة أخرى فى دراسته السابقة، وكان الحدادون ينتمون فى بعض الأحيان إلى تلك القبائل المنبوذة المشردة مثل جماعات النور أو الصلبة، والذين كانوا يؤلفون فيما بينهم طبقة منفصلة قائمة بذاتها ويعتبرون أنفسهم "بنى عم" (راجع فى ذلك Joussen latumes des Or abes au Pays du moab; Qaugbty: aralra Qeserta; musil mamers lgust ams of Rwala Bedouis وكان وصفهم الوضيع حاميا لهم من عواقب الغارات، ومن ثم فإنهم كانوا يتمتعون بحصانة تامة حيث يوجدون، فكانوا إذا أغارت قبيلة على القبيلة التى آثروا القين فى ظلها ووقفوا بمعزل عن القتال، لا يفعلون شيئا للدفاع عن أنفسهم أو عما يملكون اعتمادا على ما لهم من حق الحماية التى يتمتعون بها، فإن أخذت بضاعتهم وما يملكون
стр. 8358
بطريق الخطأ كانوا على تمام الثقة من استردادهم إياها سريعا. فكان لكل حداد فى قبيلة "أخ" فى القبيلة الأخرى يكون لزاما عليه أن يرد كل ما نهب خطأ.
ومن الأمور الجديرة بالملاحظة هو أن "القين" فى المجتمع السبئى حدَّ من أى انتقاص من قدره كما هو الحال فى شمال شبه الجزيرة العربية، ويظهر أنه كان من المتفق عليه أن معناه هنا هو "الشخص الذى يرتب شيئا" مما يتفق ومعناه الأصلى فى اللغة العربية، ومن هذا يظهر أن اللفظ كان يطلق على موظف كبير أو مشرف رفيع القدر أو مسئول تتعلق واجباته بالدين وكل ما هو مقدس، ويوجد ما يشير إلى هذا الإحساس بالعظمة فى آية من القرآن الكريم.
كما ينسب القرآن الكريم اختراع الزرد من الحديد وصناعتها إلى داود ﵇، ويُذكر الحديد فى كثير من الأحاديث النبوية، فقد ذكر ابن عمر أنه قال "إن اللَّه نزل للناس أربعة عناصر هى الحديد والنار والماء والملح"، (انظر فى ذلك الطبرى: مجمع البيان فى تفسير القرآن) ويزيد ابن عباس فى الشرح فيما يورده إذ يقول "إنه جاء مع آدم المطرقة والسندان والكير"، وأخيرا ففى الحديث الشريف الذى ينهى فيه الرسول ﵊ عن قطع الزرع الموجود فى حرم مكة يستثنى من ذلك "الاذخر" وهو نبات ذو رائحة عطرة يزينون به الدور والقبور ولكن يستعمله أيضا الحدادون، وقد ورد ذلك فى صحيح البخارى كتاب الجنائز، (وانظر لسان العرب مادة: قين) gaudefeay gem amlynes. le helerinage a la merre وهكذا يبدو وضع "القين" متضاربا، فبينما هو موضع الازدراء والاحتقار إذا بنا نراه فى الوقت ذاته يتمتع بميزات هامة حيث يرتبط بالشخصيات ذات السمو الدينى، وتذهب معتقدات قبيلة "رَوَله" إلى القول بأن اللَّه خلق أول حداد فى الوقت الذى خلق فيه أول بدوى، وأن الأمور التى تبعد الناس عنه والتى تحوطه لا
стр. 8359
تفسر فحسب على ضوء الازدراء الذى يظهره الناس للنشاط اليدوى الحرفى، بل هناك أمر آخر يجب أن يؤخذ فى التقدير وبعين الاعتبار ونعنى به الفزع الخرافى الذى لا مبرر له من أن قد يصيبهم مس من نجاسة الساحر الصانع -وأن له اتصالًا بهذه القوة الطاغية التى جعلت القين السبئى وسيطا بين الرجل وبين القوى الخفية.
ولنا أن نتساءل: هل كان عرب الجنوب هم الذين علموا عرب الشمال فن الحدادة حسبما يرى بعض المؤرخين كما يقول البلاذرى فى كتابه أنساب الأشراف؟ إن هذا التساؤل وذلك الافتراض ربما كان مقبولا وله ما يؤيده من أن الحداد اليوم لم يعد يعتبر كما كان الحال سابقا منبوذا أو مكروها بأى حال من الأحوال، بل إن الذين تُنظر إليهم هذه النظرة هم تلك الطبقة التى تسمى بطبقة العناديل (وتضم الحلاق والجزار والحجام).
المصادر:
يمكن أن نضيف إلى ما ورد منها فى المتن ما كتبه Cbelhad: le Mande mytlique arabe; l'ar ganis ati an sociale au Yemen
بدرية الدخاخنى [ج. شلهود G. Shellhood]
القين (قبيلة)
القين أو بنو القين اسم يطلق على أكثر من قبيلة عربية، وهم فرع من "قضاعة"، والقين هنا كنية النعمان بن جسر ومن ثم تعرف القبيلة بالقين بن جسر، أما القين فمعناها فى اللغة "الرجل الذى يعمل بالحديد، ويعمل بالكير، ولا يقال للصائغ ولا للنجار قين"، وقد يراد به السخرية بالمرء والازدراء به كما جاء فى نقائض جرير والفرزدق، ولا صلة أبدًا بين "بلقين بن جَسْر" و"الحداد". ولقد كان من بين القبائل التى حاربها بنو القين قبائل كلب أو الكلبيين وغطفان.
وأراضى بنى القين كثيرة، فواحدة منها (واسمها تجْر) واقعة بين وادى القرى وتيماء، أما الأماكن الأخرى فأكثرها فى الشمال، ولعل من أدنى
стр. 8360
القبائل إليهم فى الجوار قبائل كلب وبَلى وعذرة، وقد كان فريق من بنى القين حلفاء للنبى ﵊ حيث التمس المسلمون منهم العون فى غزوة ذات السلاسل التى كانت فى السنة الثامنة للهجرة، ويقرر هذه الحقيقة الواقدى. على أن هناك رهطا من بنى بلقين قاتلوا المسلمين فى "مُؤتة" حوالى هذا الوقت، كما قاتلوهم فى اليرموك وربما فى "فحْل" أيضًا، وليس هناك بين الأخبار الإسلامية ما يشير إلى أنهم أرسلوا وفادة لمحالفة الرسول ﵊.
ولما كانت حرب ابن الزبير وقفوا إلى جانب مروان، وهذا ما نستفيده مما هو وارد فى كتاب التنبيه والإشراف للمسعودى، غير أنه لم يمض وقت طويل حتى وقف منهم عبد الملك بن مروان موقف العداء فى أثناء نزاع كان بينهم وبين الكلبيين حول مكان يسمى "بقراقر". ولما بعث الأمويون فى سنة ١١٩ هـ (= ٧٣٧ م) جيشا لمحاربة الخارجى بهلول انخرط من بنى القين فى هذا الجيش ستمائة رجل، وهذا ما يُجْمع عليه ويؤكده كل من الطبرى وابن الأثير، على أن آخر ما نسمعه عنهم هو مساهمتهم فى القتال القبائلى بدمشق سنة ١٧٦ هـ (= ٧٩٢ م)
ويقال إن أخوين من بنى القين هما مالك وعقيل كانا يعرفان بندمانى جذيمة بن الأبرش ملك الحيرة ولم يكونا يفارقانه أبدًا، يؤكد ذلك ما ورد فى المفضليات لابن الضبى، غير أن أشهر رجل من هذه القبيلة كان هو الشاعر "أبو الطمحان" الذى كان فى الجاهلية صديقا للزبير بن عبد المطلب ولعبد اللَّه بن جُدْعان.
مها سيد معبد [و. مونتجمرى وات W. M. Watt]
قينقاع، بنو
إحدى قبائل اليهود الثلاثة الكبيرة فى يثرب، وليس فى الاسم صلة ما بالعبرية، وليس ثم شئ مؤكد حول هجرتهم إلى يثرب، ولم يكن لهم أرض يملكونها ولكنهم كانوا يعيشون على التجارة والمتاجرة، وليس هناك من
стр. 8361
أسباب قوية للشك فى ما قد يكون لهم من أصل يهودى.
وكانوا يعيشون فى الجزء الجنوبى الغربى من يثرب، قرب "المصلى" وملاصقين فى مساكنهم للجسر الذى على وادى بطحان، حيث كان فى أيديهم اثنان من الأطم التى تختص بها هذه البلدة، وكان من بين الأعمال التى يشتغلون بها الصاغة فكانوا صاغة ذهب، وقد أشار إليهم البخارى مرتين فى موضعين من كتابه أحدهما فى باب الخمس والآخر فى المغازى، فنعتهم بأنهم "صاغة قينقاع"، ولما أخرجوا من المدينة تركوا وراءهم السلاح وأدوات الزراعة فقسمها النبى [ ﷺ ] بين المسلمين بعد أن استبقى الخمس، ويختلف الناس فى تقدير عدد محاربيهم فمنهم من يجعلونهم أربعمائة رجل ومنهم من يغالى فيقول بل كانوا سبعمائة وخمسين.
ولما انتقلت السلطة العليا فى مدينة يثرب القديمة من يد اليهود إلى بنى فَيلة تحالف بنو قينقاع مع الخزرج، ولما أعطى النبى محمد [ ﷺ ] العهد فى صورة العلاقات التى تكون بين المؤمنين وبين غيرهم من الطوائف التى تعيش فى المدينة لا نجد ذكرا بعدئذ لبنى قينقاع أكثر مما ورد ذكره عن بنى النضير وقريظة، ومن هنا جاز لنا أن نرجح -كما رجح وات فى كتابه: محمد فى المدينة -أن هذا العهد- فى صورته الحالية إنما كتب فى الفترة التى أعقبت التخلص من بنى قريظة وذلك فى نهاية السنة الخامسة للهجرة (= أبريل ٦٢٧ م).
ولقد اضطربت العلاقات بين النبى [ ﷺ ] واليهود بعد وقعة بدر التى جرت فى رمضان من السنة الثانية للهجرة (مارس ٦٢٤ م)، إذ اتخذ اليهود كجماعة اتجاها لا ينطوى على الود نحو الرسول [ ﷺ ] ذلك أنهم أصبحوا من وجهة النظر الدينية مصدر إزعاج للمسلمين، كما أنهم من الناحية السياسية صاروا خطرا شديدا باعتبارهم حينذاك طائفة أجنبية قوية داخل المدينة التى اهتدت منذ قريب،
стр. 8362
ولابد أن النبى محمد [ ﷺ ] قد أجمع العزم على إخراج أعدائه بعد أن أدرك ما بلغه موقفه من القوة والثبات بعد وقعة بدر، وإذ كان بنو قينقاع يعيشون فى المدينة ذاتها فقد كانوا أول طائفة تتطلع للتخلص منها، وعلى ضوء هذا الرأى يمكن تفسير هجومه [ ﷺ ] على بنى قينقاع ذلك الهجوم الذى وقع على الأرجح فى مستهل شوال من السنة الثانية للهجرة (= أبريل ٦٢٤ م)، وإن ما يسوقه الكتاب المسلمون من أسباب معينة للهجوم إنما هى أدخل فى باب الأخبار، وضمن ما قيل إن بنى قينقاع سلكوا سلوكا مستهجنا، كما يقال إن ما ورد فى سورة آل عمران الآية ١٢ فى قوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إنما فيه إشارة إلى هذه الأحداث. ونستفيد من الواقدى وابن سعد أن الآية ٥٨، ٥٩ من سورة الأنفال تشير إلى هذا الموضوع فى قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ كما أن الآية الثالثة عشرة من آل عمران ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ إنما تشير إلى نصر المسلمين ببدر لتكون لهم عبرة وتحذيرا، كما أن الآية الثامنة والخمسين من الأنفال (الواردة أعلاه) تتكلم عن الثأر من قوم يخشى غدرهم وخيانتهم.
أقام المسلمون على حصار بنى قينقاع أربعة عشر يوما استسلم بعدها بنو قينقاع دون أن يضربوا ضربة واحدة، وقيد الرجال إذ خافوا أن يقع بهم ما أشد وأنكى من ذلك، ولقد كان للتدخل الكبير من جانب عبد اللَّه بن أبىّ (كبير الخزرج وقائد المنافقين) من أجل بنى قينقاع أثر فى تحسين مصيرهم، واكتفى فى هذا الموقف
стр. 8363
بخروجهم أولا إلى الأماكن اليهودية فى وادى القرى بشمالى المدينة ثم مضوا منها شطر "أذرعات" ببلاد الشام.
إلا أنه لم يكن معنى ذلك هجرة بنى قينقاع عن آخرهم، فقد اعتنق رهط قليل منهم الإسلام، وربما كان ذلك بدافع من انتهاز الفرصة أكثر من أن يكون إسلاما عن نية صادقة، ومن ثم بقى هذا الرهط يعيش فى المدينة، ويشير ابن اسحاق فى سيرة ابن هشام إلى ثلاثين قينقاعيا من خصوم النبى ( ﷺ )، وربما كان هذا قبل إخراجهم، على أن أسماء خمسة أوستة من الأسماء التى ذكرها ابن هشام تظهر مرة ثانية فيما يذكره الواقدى من أنهم مشوا فى جنازة ابن أبىّ (وذلك فى السنة التاسعة للهجرة = ٦٣١ م) ويقول إنهم "من بنى قينقاع وآخرون" ممن تدافعوا إلى النعش وساروا به، وهناك قينقاعى آخر هو عبد اللَّه (الذى كان يسمى بالحصين) بن سلام (باللام المخففة) والموصوف بأنه "كبيرهم وأعلمهم" والذى يختم به ابن إسحاق قائمة هؤلاء القينقاعيين فإنه قد أسلم واهتدى فى أعقاب دخول محمد ( ﷺ ) المدينة مباشرة وذلك حسبما ترويه الأخبار، وإن كان "هوروفتس" يرى أن الأصح والأقرب إلى الواقع أن عبد اللَّه ابن سلام إنما كان إسلامه فى السنة الثامنة للهجرة، أى قبل عامين من وفاة الرسول ﵊، وذلك حسب ما يذكره ابن حجر فى الإصابة.
ولزيادة فى الوقوف على أخبار بنى قينقاع، انظر أيضا أنساب الأشراف للبلاذرى.
المصادر:
(١) للديار بكرى: تاريخ الخميس (طبعة القاهرة) ١٢٨، ص ٤٠٨ وما بعدها.
(٢) الحلبى: والسيرة (القاهرة) ١٣٨٤/ ٢، ٤٧٤ - ٤٧٨.
(٣) سيرة ابن هشام (تحقيق Wustenfeld جوتنجن ١٨٥٩ - ١٨٦٠) ص ٣٨٣، ٥٤٥ - ٥٤٧.
(٤) Watt: muhammad at me W.Mdine (oxford, ١٩٥٦), ١٨١, ١٩٢ - ٨, ٢٠٨ - ٢١٠, ٢١٦, ٢١٩
مروان حسن حبشى [فنسنك - باريه A.J. Wensinck, R. Pares]
стр. 8364
ك
стр. 8365
الكارمية
الكارمية اسم يطلق على مجموعة من التجار المسلمين ظهروا فى أيام الدولتين الأيوبية والمملوكية يشتغلون بتجارة التوابل بشتى أنواعها, ولم يوجد حتى الآن تعريف مقنع بالأصل الذى اشتقت منه كلمة "كارمى" أو "كارم" أو "أكارم"، ويميل "كاترمير" بناء على ما يذكره القلقشندى إلى أن الاسم مشتق من كلمة "كانم" وهو بلد فى السودان الغربى ثم تحوَّل إلى "كارم"، أما القلقشندى نفسه فيذكر أن الكلمة وردت بهذه الصورة فى وثائق "الديوان" وليس لها من معنى فى العربية، على حين أن ابن ماجد يشير إلى طريق تجارة الفلفل الأسود القديم من بلاد الكانم (فى السودان الغربى). ويذهب "ليتمان" إلى أنها مشتقة من أصل أمهرى وأنها من الكلمة "كرر ريمة" ويقصد بها نوع من التوابل أدخله "الكارمى" إلى الحبشة.
على أن الثابت المؤكد هو أن "الكارمية" بالدرجة الأولى كانوا تجارًا من المحيط الهندى والبحر الأحمر، ومن ثم تكون الفكرة صحيحة وهى التى أعلنها "ليتمان" من أن كلمة "الكارمى" قد تكون مرتبطة باسم نوع من التجارة، ويتضح من وصف المقريزى لأسواق القاهرة أن سوق العنبر (الكارم أو القهرمان) كانت سوقا رائجة، ولا يزال العنبر الأصفر يعرف فى مصر حتى اليوم باسم "الكارم"، وعلى هذا الأساس يمكن تفسير أصل لفظ "الكارمى"، ويؤيد "بلوشيه" هذا
стр. 8366
الاشتقاق، أما "جاستون فييت" فيقول إن مصدر العنبر الأصفر إنما هو فى إقليم البلطيق وليس فى بضائع وسلع المحيط الهندى. وينقل "فيدمان" عن النويرى إشاراته إلى أن العنبر كان يستورد من الامبراطورية البيزنطية ويقصد بذلك من أسواق بيزنطة التجارية، على حين نرى أن "فيشيل" و"جوتيين" و"أشتور"، و"تورا" و"ميليو" و"دراج" و"سوبليه" وكاهن من ناحية أخرى يركزون اهتمامهم على تقدم جماعات الكارمية أكثر من اهتمامهم بأصل الكلمة الذى اشتقت منه.
ويتضح لنا من الوثائق العربية أن كلمة "الكارم" كانت تستعمل ويقصد بها "الأسطول" ولا سيما الأسطول التجارى، وتشير وثائق الجنيزة إلى ما يشبه هذا المعنى.
ومهما يكن الأمر فإن لفظ "الكارم" ورد لأول مرة فى نص نقله القلقشندى حيث يذكر أن الفاطميين أنشأوا أسطولا خاصًا (كان مؤلفا فى البداية من خمس سفن ثم صار ثلاثًا) وكانت مهمة هذا الأسطول حماية سفن الكارمية (فى رحلاتها ما بين عيذاب وسواكن) من هجوم قراصنة الجزائر المجاورة ولا سيما قراصنة "دَهْلَك" وكانوا يعهدون بقيادة الأسطول إلى والى قوص وأحيانًا إلى أمير يكون اتصاله مباشرة بالحكومة فى القاهرة، وقد أظهر صلاح الدين اهتمامًا متزايدًا بتجارة الكارم التى كانت الضرائب المفروضة عليها قدر دخلًا كبيرًا لبيت المال، ويذكر المقريزى أن صلاح الدين طالب تجار الكارم فى سنة ٥٧٧ هـ (= ١١٨١ م) بأن يدفعوا إليه ضرائب أربع سنوات مقدمًا وذلك حين قدموا فى ذلك العام، ومما يستحق الانتباه أن المقريزى يتكلم عن "التجار" وليس عن "الكارم".
ولقد صادف تجار الكارم بعد ذلك بسنة واحدة فقط (أعنى سنة ٥٧٨ هـ) أشد صعوبة لاقوها تمثلت فى محاولة الصليبيين تثبيت أقدامهم فى البحر الأحمر، وكان ذلك العمل من جانبهم ينطوى على خطر بالغ على الإسلام, لأن معناه هو تهديدهم للأماكن المقدسة بالحجاز، غير أن أعظم ما كان يشغل بال
стр. 8367
صلاح الدين هو أن تظل مصر محتكرة حركة الملاحة فى البحر الأحمر، على أن انتصار صلاح الدين على رينودى شاتيون (ارناط) ساعده على أن تظل القوي الفرنجية والتجار الفرنجيون بعيدين عن طريق هذه التجارة الهامة الحيوية بين الغرب والشرق الأقصى وعمل فى الوقت ذاته على زيادة التوسع فى نشاط التجار الكارمية.
وقام تقى الدين عمر (ابن أخى صلاح الدين ونائبه بمصر) فى سنة ٥٧٩ هـ (= ١١٨٣ م) ببناء "فندق الكارم" الشهير فى الفسطاط التى هى ميناء القاهرة التجارى وتخلّى فى هذا الوقت كل من التجار اليهود والأقباط عن نشاطاتهم فى البحر الأحمر وحل محلهم التجار المسلمون ولا سيما "الكارمية".
قد يكون من الصعب كتابة تاريخ الكارمية خلال العصر الأيوبى بعد موت صلاح الدين وذلك بسبب عدم وجود مصادر فى أيدينا بهذا الصدد، أما السلاطين المماليك فيمكن القول إنهم مارسوا نفس سياسة اسلافهم التجارية ومن ثم عملوا على نشاط وتوسيع تجارة الكارم. ولقد صحب انتقال الحكم من الأيوبيين إلى المماليك مشكلات كبيرة فى الداخل والخارج من ذلك حملة القديس لويس وتقدم المغول من ناحية، وثورات القبائل العربية المستقرة فى مصر من ناحية أخرى، وفى خلال هذه الأزمة رأى الكارمية وغيرهم من تجار الحملة أن من الخير لهم أن يقللوا حجم ما يجلبونه إلى مصر، وظهر ذلك على وجه الخصوص حين قام الملك المظفر قطز بفرض الضرائب الباهظة على تجار مصر حتى لقد فقدوا فى هذه الأثناء ثلث ثروتهم وكان الدافع لقطز على هذا العمل سداد نفقات حملاته، فلما تولى بيبرس السلطة ألغى هذه الأجراءات وأمر واليه فى قوص وفى عيذاب بحسن معاملة التجار وبذلك لم يتوقف ورود السفن من الموانئ اليمنية إلى عيذاب، ويشير ابن واصل إلى أنه لم يقع على أحد منهم ما يضايقه ولم يتعرضوا هم ولا ممتلكاتهم لآية خسارة.
ولقد فتح نشاط الكارمية فصل جديدًا فى تاريخ تقدم رأس المال
стр. 8368
المصرى والموارد المالية من التجارة، وإذا كان رأس مال الكارمى المسلم أو الذمى فى مصر كان قبل الكارمية يتراوح بين عشرة آلاف وثلاثين ألف دينار فإنه ارتفع حتى بلغ مليون دينار أو أكثر، ولقد أدى هذا بالتاجر الكارمى نصر الدين محمد بن مسلم البالسى (المتوفى سنة ٧٦٦ هـ) إلى أن يمد نشاطه التجارى إلى ما وراء حدود التعامل المصرى التجارى، فتعامل معه تجار مسلمون من الهند ممن يتاجرون فى مصر, وتجار من مكة وعدن، كما أن التاجر الكارمى تاج الدين المعروف بالدماميتى (المتوفى سنة ٧٣١ هـ = ١٣٣١ م) خلف بعد موته مائة ألف دينار وهو مبلغ كان يزيد فى قدره عما خلفه البالسى، أما فيما يتعلق بثروات تجار الهند من أهل "دولتاباد" فيذكر ابن بطوطة "أنهم كانوا يشبهون تجار الكارمية فى مصر".
كانت أرباح تجار الكارم أكثر من الثلث المسموح به فى الإسلام (*) وكانوا يدمنون الرشاوى بنقود سائلة أو على صورة صكوك، والواقع أنه من خلال شبكة أسواقهم وتبادلاتهم المالية كانوا يؤلفون ما يكاد يشبه منظمات مصرفية كان أكبر عملائها السلاطين والأمراء حيث يمدهم الكارمية بالأموال ويزوّدونهم بالجند والسلاح، ولم يقتصر الأمر على السلطان المملوكى فى استدانته من الكارمية، بل إن صاحب اليمن مدّ إليهم يده حين وجد نفسه وقد أحاطت به الأزمات المالية، بل إن "مَنْسا موسى" ملك مالى صاحب مناجم الذهب فى غريب السودان استعار الأموال من أحد تجار الكارم قبل مغادرته مكة عائدًا إلى بلاده.
وكانت بيوت الكارمية التجارية شبه شركات تمتلكها أسراتهم، يتوارثها ذرياتهم والذين يتعلمون فيها كل ما يتعلق بالتجارة، حتى قيل إن أحد تجار الكارم أرسل "عبيده" ممثلين له إلى أسواق المحيط الهندى وأسواق السودان الغربى للتعامل باسمه، ويقال إنه لم يمت قط أحد من عبيد الكارمى نصر الدين محمد بن مسلم فى الغربة أثناء
стр. 8369
متاجرتهم باسمه فى الهند أو اليمن أو اثيوبيا أو مالى أو بلاد التكرور، وبذلك لم تصب تجارته بأية خسارة. وقد بلغ عدد تجار الكارم زمن السلطان الناصر محمد بن قلاوون مائتى تاجر وعندهم ما لا يقل عن مائتى عبد موكلين بالقيام بعملياتهم التجارية الهامة.
ولم يكن ابن قاضى شهبة الأسدى مبالغًا حين قال إن نشاط تجار الكارم امتد من المغرب إلى الصين، وكان بعضهم فى ثرائهم كالملوك بما يملكون من القوافل المسلحة والحراس والوكلاء والشركات والعبيد والخدم، وكان يدق على أبوابهم "بالكوسات" التى جرت العادة ألّا تدق إلّا على أبواب كبار رجال الدولة.
كانت هناك كميات كبيرة من البضائع يجلبها التجار الكارمية وغيرهم من الشرق وتنقل من اليمن إلى الحجاز والشام، وإن كان الجانب الأعظم منها يصل إلى القاهرة وإلى الإسكندرية ودمياط وهما أكبر وأهم الموانئ المصرية المطلة على البحر المتوسط حيث يأتى إليها تجار الفرنجة لاسيما البنادقة، وكان التاجر المصرى يعتبر هؤلاء الايطاليين خصومًا له كرجال أعمال أو أصحاب رؤوس أموال، والواقع أن البنادقة حاولوا بسط نشاطهم التجارى وقدراتهم المالية على أوربا والامبراطورية البيزنطية، ولكنهم تركوا آسيا وافريقية للكارمية، ومع ذلك فإن العلاقات الودية بين الامبراطورية المغولية والشرق ساعدت الإيطاليين لما يقرب من قرن من الزمان (١٢٥٠ - ١٣٥٠ م) على أن يتوغلوا آمنين فى آسيا ويذهبوا بعيدًا حتى الصين، ولكن كان يوجد فى هذه النواحى التجار الكارمية فالتقى الجانبان بعضهما ببعض فى تلك النواحى.
وكان هناك تجارة القوافل سواء منها البرية أو البحرية عبر المحيط الهندى والبحر الأحمر التى لم تفقد أهميتها أو مكانتها خلال عصر "السلام
стр. 8370
المغولى". وأصبح ملقى على عاتق التجار الفرنجة والكارمية حلّ مشكلة القرصنة، وصار على الأولين معالجتها فى البحر والمحيط الهندى وكذلك مواجهتهم مثل هذه الصعوبات فى الطرق الصحراوية فى إفريقية وآسيا، ثم كانت مشكلات المدن، فمدن الغرب المسيحى فى هذه العصور الوسطى كانت تناضل من أجل تحرير نفسها من اللوردات الإقطاعيين على حين أن المدن الإسلامية فى الشرق كانت خلال هذه الفترة ذاتها واقعة تحت سيطرة السلطات المركزية وفى قبضة حكامها، ومن هنا فإنه من الصعب مقارنة دور التاجر الكارمى السياسى بدور منافسه الأوروبى.
وكان التجار الكارمية خلال العصر الصليبى أعظم تجار الجملة، وكان أبرزهم فى النواحى السياسية والاقتصادية والدينية يطلق عليه لقب "كبير" أو "رئيس تجار الكارم" ويعامل باحترام كبير فى جميع الأقطار التابعة لمصر وكذلك فى مجلس السلطان، وعلى الرغم من أن المصادر المعاصرة لا تساعدنا على تقرير الطريقة التى يختار "الرئيس" أو "كبير الكارمية" على أساسها ولا تمدنا بكيفية ممارسته لسلطانه إلا أننا نستطيع تكوين فكرة عامة من قصة ذكرها ابن حجر العسقلانى فى كتابه "إنباء الغمر" من أن التاجر الكارمى الكبير زكى الدين الحزّوبى -فى عودته من الحجاز إلى مصر سنة ٧٨٦ هـ (= ١٣٨٤ م) أهدى هدايا كثيرة، فيقول ابن حجر: قدم زكى الدين الحزّوبى من المجاورة فأهدى للسلطان هدايا جليلة ولغيره من الأمراء، ووقع بينه وبين شهاب الدين الفارقى -أحد أعيان التجار اليمنيين- وهو أخو شرف الدين وزير صاحب اليمن- فترافعا إلى السلطان، فنسب الفارقىّ زكى الدين إلى أمور معضلة، فأخرج الحزّوبى كتاب الأشراف صاحب اليمن إليه وضمنه كتاب من الفارقى يقول فيه: "إن مصر آل أمرها