← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

الاشتقاق، أما "جاستون فييت" فيقول إن مصدر العنبر الأصفر إنما هو فى إقليم البلطيق وليس فى بضائع وسلع المحيط الهندى. وينقل "فيدمان" عن النويرى إشاراته إلى أن العنبر كان يستورد من الامبراطورية البيزنطية ويقصد بذلك من أسواق بيزنطة التجارية، على حين نرى أن "فيشيل" و"جوتيين" و"أشتور"، و"تورا" و"ميليو" و"دراج" و"سوبليه" وكاهن من ناحية أخرى يركزون اهتمامهم على تقدم جماعات الكارمية أكثر من اهتمامهم بأصل الكلمة الذى اشتقت منه. ويتضح لنا من الوثائق العربية أن كلمة "الكارم" كانت تستعمل ويقصد بها "الأسطول" ولا سيما الأسطول التجارى، وتشير وثائق الجنيزة إلى ما يشبه هذا المعنى. ومهما يكن الأمر فإن لفظ "الكارم" ورد لأول مرة فى نص نقله القلقشندى حيث يذكر أن الفاطميين أنشأوا أسطولا خاصًا (كان مؤلفا فى البداية من خمس سفن ثم صار ثلاثًا) وكانت مهمة هذا الأسطول حماية سفن الكارمية (فى رحلاتها ما بين عيذاب وسواكن) من هجوم قراصنة الجزائر المجاورة ولا سيما قراصنة "دَهْلَك" وكانوا يعهدون بقيادة الأسطول إلى والى قوص وأحيانًا إلى أمير يكون اتصاله مباشرة بالحكومة فى القاهرة، وقد أظهر صلاح الدين اهتمامًا متزايدًا بتجارة الكارم التى كانت الضرائب المفروضة عليها قدر دخلًا كبيرًا لبيت المال، ويذكر المقريزى أن صلاح الدين طالب تجار الكارم فى سنة ٥٧٧ هـ (= ١١٨١ م) بأن يدفعوا إليه ضرائب أربع سنوات مقدمًا وذلك حين قدموا فى ذلك العام، ومما يستحق الانتباه أن المقريزى يتكلم عن "التجار" وليس عن "الكارم". ولقد صادف تجار الكارم بعد ذلك بسنة واحدة فقط (أعنى سنة ٥٧٨ هـ) أشد صعوبة لاقوها تمثلت فى محاولة الصليبيين تثبيت أقدامهم فى البحر الأحمر، وكان ذلك العمل من جانبهم ينطوى على خطر بالغ على الإسلام, لأن معناه هو تهديدهم للأماكن المقدسة بالحجاز، غير أن أعظم ما كان يشغل بال

стр. 8367

صلاح الدين هو أن تظل مصر محتكرة حركة الملاحة فى البحر الأحمر، على أن انتصار صلاح الدين على رينودى شاتيون (ارناط) ساعده على أن تظل القوي الفرنجية والتجار الفرنجيون بعيدين عن طريق هذه التجارة الهامة الحيوية بين الغرب والشرق الأقصى وعمل فى الوقت ذاته على زيادة التوسع فى نشاط التجار الكارمية. وقام تقى الدين عمر (ابن أخى صلاح الدين ونائبه بمصر) فى سنة ٥٧٩ هـ (= ١١٨٣ م) ببناء "فندق الكارم" الشهير فى الفسطاط التى هى ميناء القاهرة التجارى وتخلّى فى هذا الوقت كل من التجار اليهود والأقباط عن نشاطاتهم فى البحر الأحمر وحل محلهم التجار المسلمون ولا سيما "الكارمية". قد يكون من الصعب كتابة تاريخ الكارمية خلال العصر الأيوبى بعد موت صلاح الدين وذلك بسبب عدم وجود مصادر فى أيدينا بهذا الصدد، أما السلاطين المماليك فيمكن القول إنهم مارسوا نفس سياسة اسلافهم التجارية ومن ثم عملوا على نشاط وتوسيع تجارة الكارم. ولقد صحب انتقال الحكم من الأيوبيين إلى المماليك مشكلات كبيرة فى الداخل والخارج من ذلك حملة القديس لويس وتقدم المغول من ناحية، وثورات القبائل العربية المستقرة فى مصر من ناحية أخرى، وفى خلال هذه الأزمة رأى الكارمية وغيرهم من تجار الحملة أن من الخير لهم أن يقللوا حجم ما يجلبونه إلى مصر، وظهر ذلك على وجه الخصوص حين قام الملك المظفر قطز بفرض الضرائب الباهظة على تجار مصر حتى لقد فقدوا فى هذه الأثناء ثلث ثروتهم وكان الدافع لقطز على هذا العمل سداد نفقات حملاته، فلما تولى بيبرس السلطة ألغى هذه الأجراءات وأمر واليه فى قوص وفى عيذاب بحسن معاملة التجار وبذلك لم يتوقف ورود السفن من الموانئ اليمنية إلى عيذاب، ويشير ابن واصل إلى أنه لم يقع على أحد منهم ما يضايقه ولم يتعرضوا هم ولا ممتلكاتهم لآية خسارة. ولقد فتح نشاط الكارمية فصل جديدًا فى تاريخ تقدم رأس المال

стр. 8368

المصرى والموارد المالية من التجارة، وإذا كان رأس مال الكارمى المسلم أو الذمى فى مصر كان قبل الكارمية يتراوح بين عشرة آلاف وثلاثين ألف دينار فإنه ارتفع حتى بلغ مليون دينار أو أكثر، ولقد أدى هذا بالتاجر الكارمى نصر الدين محمد بن مسلم البالسى (المتوفى سنة ٧٦٦ هـ) إلى أن يمد نشاطه التجارى إلى ما وراء حدود التعامل المصرى التجارى، فتعامل معه تجار مسلمون من الهند ممن يتاجرون فى مصر, وتجار من مكة وعدن، كما أن التاجر الكارمى تاج الدين المعروف بالدماميتى (المتوفى سنة ٧٣١ هـ = ١٣٣١ م) خلف بعد موته مائة ألف دينار وهو مبلغ كان يزيد فى قدره عما خلفه البالسى، أما فيما يتعلق بثروات تجار الهند من أهل "دولتاباد" فيذكر ابن بطوطة "أنهم كانوا يشبهون تجار الكارمية فى مصر". كانت أرباح تجار الكارم أكثر من الثلث المسموح به فى الإسلام (*) وكانوا يدمنون الرشاوى بنقود سائلة أو على صورة صكوك، والواقع أنه من خلال شبكة أسواقهم وتبادلاتهم المالية كانوا يؤلفون ما يكاد يشبه منظمات مصرفية كان أكبر عملائها السلاطين والأمراء حيث يمدهم الكارمية بالأموال ويزوّدونهم بالجند والسلاح، ولم يقتصر الأمر على السلطان المملوكى فى استدانته من الكارمية، بل إن صاحب اليمن مدّ إليهم يده حين وجد نفسه وقد أحاطت به الأزمات المالية، بل إن "مَنْسا موسى" ملك مالى صاحب مناجم الذهب فى غريب السودان استعار الأموال من أحد تجار الكارم قبل مغادرته مكة عائدًا إلى بلاده. وكانت بيوت الكارمية التجارية شبه شركات تمتلكها أسراتهم، يتوارثها ذرياتهم والذين يتعلمون فيها كل ما يتعلق بالتجارة، حتى قيل إن أحد تجار الكارم أرسل "عبيده" ممثلين له إلى أسواق المحيط الهندى وأسواق السودان الغربى للتعامل باسمه، ويقال إنه لم يمت قط أحد من عبيد الكارمى نصر الدين محمد بن مسلم فى الغربة أثناء

стр. 8369

متاجرتهم باسمه فى الهند أو اليمن أو اثيوبيا أو مالى أو بلاد التكرور، وبذلك لم تصب تجارته بأية خسارة. وقد بلغ عدد تجار الكارم زمن السلطان الناصر محمد بن قلاوون مائتى تاجر وعندهم ما لا يقل عن مائتى عبد موكلين بالقيام بعملياتهم التجارية الهامة. ولم يكن ابن قاضى شهبة الأسدى مبالغًا حين قال إن نشاط تجار الكارم امتد من المغرب إلى الصين، وكان بعضهم فى ثرائهم كالملوك بما يملكون من القوافل المسلحة والحراس والوكلاء والشركات والعبيد والخدم، وكان يدق على أبوابهم "بالكوسات" التى جرت العادة ألّا تدق إلّا على أبواب كبار رجال الدولة. كانت هناك كميات كبيرة من البضائع يجلبها التجار الكارمية وغيرهم من الشرق وتنقل من اليمن إلى الحجاز والشام، وإن كان الجانب الأعظم منها يصل إلى القاهرة وإلى الإسكندرية ودمياط وهما أكبر وأهم الموانئ المصرية المطلة على البحر المتوسط حيث يأتى إليها تجار الفرنجة لاسيما البنادقة، وكان التاجر المصرى يعتبر هؤلاء الايطاليين خصومًا له كرجال أعمال أو أصحاب رؤوس أموال، والواقع أن البنادقة حاولوا بسط نشاطهم التجارى وقدراتهم المالية على أوربا والامبراطورية البيزنطية، ولكنهم تركوا آسيا وافريقية للكارمية، ومع ذلك فإن العلاقات الودية بين الامبراطورية المغولية والشرق ساعدت الإيطاليين لما يقرب من قرن من الزمان (١٢٥٠ - ١٣٥٠ م) على أن يتوغلوا آمنين فى آسيا ويذهبوا بعيدًا حتى الصين، ولكن كان يوجد فى هذه النواحى التجار الكارمية فالتقى الجانبان بعضهما ببعض فى تلك النواحى. وكان هناك تجارة القوافل سواء منها البرية أو البحرية عبر المحيط الهندى والبحر الأحمر التى لم تفقد أهميتها أو مكانتها خلال عصر "السلام

стр. 8370

المغولى". وأصبح ملقى على عاتق التجار الفرنجة والكارمية حلّ مشكلة القرصنة، وصار على الأولين معالجتها فى البحر والمحيط الهندى وكذلك مواجهتهم مثل هذه الصعوبات فى الطرق الصحراوية فى إفريقية وآسيا، ثم كانت مشكلات المدن، فمدن الغرب المسيحى فى هذه العصور الوسطى كانت تناضل من أجل تحرير نفسها من اللوردات الإقطاعيين على حين أن المدن الإسلامية فى الشرق كانت خلال هذه الفترة ذاتها واقعة تحت سيطرة السلطات المركزية وفى قبضة حكامها، ومن هنا فإنه من الصعب مقارنة دور التاجر الكارمى السياسى بدور منافسه الأوروبى. وكان التجار الكارمية خلال العصر الصليبى أعظم تجار الجملة، وكان أبرزهم فى النواحى السياسية والاقتصادية والدينية يطلق عليه لقب "كبير" أو "رئيس تجار الكارم" ويعامل باحترام كبير فى جميع الأقطار التابعة لمصر وكذلك فى مجلس السلطان، وعلى الرغم من أن المصادر المعاصرة لا تساعدنا على تقرير الطريقة التى يختار "الرئيس" أو "كبير الكارمية" على أساسها ولا تمدنا بكيفية ممارسته لسلطانه إلا أننا نستطيع تكوين فكرة عامة من قصة ذكرها ابن حجر العسقلانى فى كتابه "إنباء الغمر" من أن التاجر الكارمى الكبير زكى الدين الحزّوبى -فى عودته من الحجاز إلى مصر سنة ٧٨٦ هـ (= ١٣٨٤ م) أهدى هدايا كثيرة، فيقول ابن حجر: قدم زكى الدين الحزّوبى من المجاورة فأهدى للسلطان هدايا جليلة ولغيره من الأمراء، ووقع بينه وبين شهاب الدين الفارقى -أحد أعيان التجار اليمنيين- وهو أخو شرف الدين وزير صاحب اليمن- فترافعا إلى السلطان، فنسب الفارقىّ زكى الدين إلى أمور معضلة، فأخرج الحزّوبى كتاب الأشراف صاحب اليمن إليه وضمنه كتاب من الفارقى يقول فيه: "إن مصر آل أمرها

стр. 8371

إلى الفساد، وليس بها صاحب له قيمة، فلا ترسل بعد هذه السنة هدية فإن صاحبها اليوم أقل المماليك وأرذلهم" فأمر السلطان برقوق بالقبض على الفارقى وبقطع لسانه وبمصادرة أملاكه [ثم شفع فى لسانه فأطلق] وخلع على زكى الدين خلعة معظّمة واستقر كبير التجار. [إنباء الغمر ١/ ٢٢٨ تحقيق حسن حبشى] وتدلنا هذه القطعة عن الشروط التى يحتاج إليها ليلقب الواحد بهذا اللقب. وكانت سياسة الحكومة تشجع التجار الكارميين، فكان "ناظر البهار والكارم"، مسئولًا عن الحفاظ على مصالح الكارمية فى البحر الأحمر ومصر، وعن جمع الجمارك والضرائب منهم، وقد بلغ من أهمية هذا المنصب أن كان يعهد به فى بعض الأحيان إلى الوزير أو ناظر الخاصة وكان الرأى الأخير للسلطان طالما أن الأموال المجباة من تجارة الكارم كانت تؤول إلى خزانة السلطان المؤيد شيخ محمود وأصبحت هذه الوظيفة تصدر بقرار من السلطان حفظه لنا ابن حِجّى الحموى وفيه وكلت هذه الوظيفة إلى الفقيه الشَّافعى كمال الدين البارزى. ولما كان الصعيد قد ظل لأمد طويل هو الطريق المألوف لهذه التجارة الشرقية فهناك خطاب آخر يؤكد على والى مصر العليا "والى ولاة الصعيد" بذل الجهد والعناية الخاصة إلى ما تفرضه عليه وظيفته من الاهتمام بالجوانب الاقتصادية باعتبار الصعيد "بوابة اليمن والحجاز"، كما أن هناك مرسومًا ثالثًا يبين أهمية الأنشطة الكارمية فى مصر العليا وأن مهمة الوالي الكبرى هى حسن معاملة هؤلاء التجار ومراعاة مصالحهم. ولما كانت سنة ٨٣٢ هـ (= ١٤٢٩ م) احتكر السلطان برسباى تجارة الفلفل والتوابل وفرض رقابة صارمة على سوقه فكان يشترى الفلفل الأسود وأنواع التوابل فى "جدة" لحسابه الخاص، ويمنع جميع التجار من

стр. 8372

التصرف فيها قبل أن يأخذ منها لنفسه ما يشاء، كما أنه حدّ من سلطان الفرنجة فى الإسكندرية فى تجارة الكارم بشتى أنواعه بتقرير ثمن لها وأصيب تجار الفرنجة بضربة شديدة حين قرروا أن يشتروه بما يقرب من خمسين دينارًا زيادة عن سعره المعتاد مما أرغمهم على الحدّ من مشترياتهم منه، وكثيرًا ما كانوا يعودون إلى ديارهم من غير بيع أو شراء، كذلك أصيب التجار المصريون بخسائر فادحة، ذلك أنه حين أراد الكارمية منهم التعامل مع الفرنجة فى السر هددهم سنة ٨٣٣ هـ (= ١٤٣٠ م) بمنعهم نهائيًا من المتاجرة فى التوابل، ثم أمرهم بعد عامين من ذلك التاريخ بألا يتعاملوا فى آية سلعة مع الغرب إلا بإذن منه هو شخصيا، ثم قام فى سنة ٨٣٨ هـ (= ١٤٣٥ م) باحتكار تجارة الكارم فى جدة وحدّد سعرًا معينًا لبيعه للغرب، ولقد زاد من شدة دفع هذه الصعاب بين مصر والتجار الغربيين ما كان يقوم به قراصنة الكتلان والترك. ثم جاء السلطان جقمق (٨٤١ - ٨٥٦ هـ = ١٤٣٨ - ١٤٥٣ م) فحَدّد مدة إقامة تجار الفرنجة فى الموانئ المصرية فلم تكن تزيد عن ستة أشهر على الأكثر. ويلاحظ أن تدهور موقف التجار الكارمية خلال القرن التاسع الهجرى (= الخامس عشر الميلادى) لم يكن راجعا فحسب إلى سياسة السلاطين المماليك بل وإلى تفاقم الأزمة الاقتصادية فى مصر أيضًا وإلى سياسة صاحب اليمن الملك الناصر أحمد الذى أراد أن يبسط نفوذه على الحجاز وأن يحرم مصر من مكانتها الممتازة هناك، هذا إلى جانب ما اتسم به عهده من نشر الرعب مما حمل تجار الكارم على الهروب إلى الهند أو إلى جدَّة تاركين بعض تجارتهم فى عدن. كذلك أصيب تجار الصين ونواخذة السفن الصينية بخسائر فادحة، فقد حدث فى سنة ٨٢٣ هـ (= ١٤٢١ م) أن

стр. 8373

أرسل ملك الصين هدية فتعرض لها اليمنيون فأرسل الملك احتجاجًا عنيفًا إلى صاحب اليمن وكان من الرسوليين، كما أن الحكومة فى مصر حاولت صرف التجارة وربابنة سفن الكارم عن عدن إلى جدَّة. وإذا نظرنا إلى الحدود الشمالية للأملاك السلطانية المملوكية نجد أن الموقف هناك كان شديد التوتر خلال القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) مما استدعى إرسال حملات مصرية على الدوام مما أدَّى إلى إرهاق ميزانية السلطنة المملوكية. ولما جاء عهد قايتباى وقد زادت أسعار السلع المحتكرة قام السلطان وجهز ست عشرة حملة حربية كلفته ثمانية ملايين دينار إلى جانب نفقة العسكر، ولما كانت مالية القطر واقتصاده لا يستطيعان سداد هذه النفقات فقد تطلب الوضع فرض ضرائب على التجارة مما أرهق كاهل التجار الكارمية فأخذوا منذ ذلك الحين يفقدون تجارتهم المربحة ودخل الكثيرون منهم فى خدمة السلطان وأصبحوا تجار مصر وحدهم، كما هاجر البعض الآخر منهم إلى الهند وخاصة إلى "كاليكوت" و"كمبايا"، وانصرف غير هؤلاء وهؤلاء إلى المضاربات المالية وهى وإن لم تكن تعود عليهم بالربح الجزيل إلا أنه ترتب عليها صعوبات كثيرة للدولة، فأخذوا فى تصدير كثير من العملة النحاسية مما حمل السلطان فى سنة ٨٣٢ هـ (= ١٤٢٩ م) على أن يمنع تصديرها إلى جدة منعًا باتًا، ثم صدر الأمر بالمنع مرة ثانية سنة ٨٣٩ هـ (= ١٤٣٧ م)، ومما يدل على سوء حال التجار زمن السلطان برسباى هو أن أحد التجار أراد اقتراض مبلغ من المال لتغطية نفقاته فى الوقت الذى كان له فيه من البضائع المخزونة ما يقدر بعشرة آلاف دينار. أما تجار البحر الأحمر فقد أرادوا تأكيد حقوقهم عند السلطان وكانوا بذلك مخالفين لرفاقهم تجار القاهرة كل

стр. 8374

المخالفة، حتى أن شاه رخ نفسه السلطان التيمورى ساهم فى هذا الصراع، فندد بفرض الضرائب فى جدّة بحجة أنها مخالفة للشريعة، ونادى الفقهاء وأهل الفتوى فى القاهرة للمعارضة، كما حاول شاه رخ زيادة التوتر بين السلطان المملوكى وبين التجار الشرقيين ولكنه لم ينجح فى حمل السلطان على التخلى عن سياسته الاحتكارية أو إرغامه على اتباع أوامر القرآن فيما يتعلق بجمع الضرائب، ولم يستطع دخول السفن الصينية إلى سواحل إفريقية الشرقية ووصولها إلى عدن فى العقود الأولى من القرن الخامس عشر الميلادى أن يساعد الكارمية فى التخلص من أحكام السلطان الإجبارية، كما لم يستطع قيام العلاقات القوية بين إثيوبيا وأوربا من أن تغير سياسة سلطان مصر المملوكية تجاه التجار الكارميين، بل لقد أُلقِى القبض على نور الدين على التوريزى (ابن أحد تجار الكارم) وكان من أصل فارسي بتهمة الخيانة العظمى وأنه يبيع السلاح والأقمشة الأوربية فى الحبشة، كما أُتهم بالذهاب إلى أوربا عبر المغرب بأمر من النَّجاشى لتحريض الفونسو ملك أرغونه ضد المسلمين، وحوكم وأعدم بالقاهرة سنة ٨٣٢ هـ (١٤٢٩ م) ودافع ابن حجر العسقلانى وتلميذه السخاوى عنه وندّدا بشرعية محاكمته: وكان من رأيهما أن التوريزى كان يسعى لإعلاء كلمة الإسلام فى الحبشة. [أما موقف ابن حجر من هذه فقد ترجم عنه بقلمه]. على أية حال جاء سفراء من النجاشى إسحاق ملك الحبشة إلى بلاط الفونسو الخامس (راجع de la Rouciere La decouverte de l'afrique ou moyen age ١١, P. ١١٦ ووافق الفونسو على عقد تحالف مع الحبشة، التى أراد نجاشيها الشروع فى المتاجرة فى البحر الأحمر حتى تحل سواكن محل جدة، ومع ذلك فقد حاول برسباى أن يحتكر الموقف كله فأمر السفن القادمة (من الهند وعدن أن تتجه مباشرة إلى ميناء عيذاب، وأخمد فتنة

стр. 8375

أضرمتها القبائل المحلية التى تحول أهلها إلى قراصنة، وخرّب البلد سنة ٨٢٩ هـ, ويقدر الحسن الوزان (ليو الافريقى) عدد الهلكى من الأهالى بأربعة آلاف من أهلها، مما حمل البقية على الهروب إلى دنقلة وسواكن التى هى ميناء الحبشة ومدّ السلاطين المماليك نفوذهم على مصوّع وبسطوا سلطانهم على سواكن التى أصبح صاحبها تابعًا للسلطان وتسلم براءة التعيين من بلاط القاهرة. ونستفيد مما ذكره ابن تغرى بردى أنه لم يعد أثر فى سنة ٨٥٩ هـ (= ١٤٥٥ م) للتجار الكارميين فى الأسواق المصرية، فلم نعد نرى ذكرًا لهم فى المصادر المعاصرة منذ سنة ٨٨٩ هـ (= ١٤٨٤ م)، ولا نعرف من الكارمية سوى اثنين كانا آخر من نسمع عنهم هما على بن محمد بن يوسف القليوبى وعلى بن بدر الدين حسن بن عليبة المتوفى سنة ٨٩٧ هـ (= ١٤٩١/ ١٤٩٢ م). ولم يكن التجار الكارمية هم وحدهم, الذين فقدوا مكانتهم بل شاركهم أيضًا جميع التجار، حتى أننا لنرى اثنين من الجزارين فى مصر يعملان كممثلين لطبقة التجار قبل استيلاء العثمانيين على مصر، كما فقد تجار الجملة المصريون علاقاتهم الدولية واتصالاتهم بالخارج ولم يستردوها إلا أخيرًا فى القرن التاسع عشر. إنه من الثابت المؤكد أن كثيرًا من المماليك منذ القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) وما بعده راحوا يبيعون "اقطاعاتهم" وبذلك مكنوا التجار من الاستحواذ على الأراضى رغم المعارضة من جانب الفقهاء والحكومة لمثل هذا العمل، حتى إنه ليقال إن التاجر الكارمى ناصر الدين ابن مسلم أصبح يملك ٣٤٣٨ فدانا كان يدفع ضريبة عليها تقدر بعشرة آلاف دينار، ولقد أثر هذا الوضع فى نظام الاقطاع المصرى، ولكن لم يكن فى الامكان أن يقال عنه حسب تعبير الكارمية Willeyire maeht، ذلك أن التاجر الكارمى وغيره من الناس الذين أصبحوا يملكون الإقطاعات لم يتمكنوا

стр. 8376

أبدًا من التدخل فى دائرة قوة المماليك السياسية أو الحربية بل خضعوا لهم وإن أدّى هذا الخضوع فى النهاية إلى نهايتهم هم أنفسهم. المصادر: توجد كتب ومؤلفات وأبحاث كثيرة فى هذا الموضوع، ونكتفى بالاشارة منها إلى: (١) ابن حجر: أنباء الغمر (تحقيق حسن حبشى). (٢) صبحى لبيب: التجار الكارمية فى مجلة الجمعية التاريخية المصرية ١٩٥٢ م. (٣) E. Ashtor: The Karimi merelichaits ١٩٥٢ (٤) Fischel: The Spice Trade en mamluk Egypt (١٩٥٨); Sgoitein New light on the beginnings of korim mserehavts (٥) Lane: Mediterranean Spice Trader د. حسن حبشى [د. صبحى لبيب Sobhi Labib] كافور كافور هو أبو المسك كافور الإخشيدى، الذى نعته المتنبى باللابى إشارة إلى أن أصله من "لاب"، فى بلاد النوبة وقد أصبح الشخصية المسيطرة فى الدولة الاخشيدية بمصر، وكان قد بيع لمؤسس هذه الدولة محمد بن طُغْج الإخشيد الذى بلغ من إعجابه به أن والاه بتأييده ورعايته حتى بلغ أسمى المراتب الكبرى ذات الأثر فى مجريات الأمور السياسية والحربية، ولقد شارك كافور فى الحملة المصرية على بلاد الشام عام ٣٣٣ هـ (٩٤٥ م)، كما كان له ضلع فى المفاوضات الدبلوماسية مع خليفة بغداد العباسى، وكان اختياره للإشراف على تعليم ولدى الإخشيد ذا أهمية عظمى. ولما مات ابن طُغْج قام كافور برعاية مصالح أسرة مولاه وسعى حتى حصل على تأييد رسمى [من الخليفة العباسى] بأن تكون ولاية مصر للأمير أبى القاسم أنوجور (سنة ٣٣٤ هـ = ٩٤٦ م) ثم من بعده لعلى بن الإخشيد.

стр. 8377

وعلى الرغم من أن كافور كان فى هذه الآونة يجمع فى يده كل السلطة التنفيذية إلا أنه وجد أن الأجدى عليه هو أن يتخذ من البيت الإخشيدى واجهة يعمل من خلفها، وظل على هذا المنوال حتى كانت سنة ٣٣٥ هـ (٩٦٦ م) حين مات على، فجاهر كافور بأنه هو وحده صاحب الأمر والنهى فى مصر، وقد زكاه فى هذا البيان أن الشخص الذى كان متوقعا أن يلى الحكم وهو أحمد بن علىّ كان طفلًا حَدثًا، كما أنه حصل على عهد بولاية مصر من خليفة بغداد، وقد حل اسم كافور منذ ذلك الحين محل أسماء الأخشيديين فى خُطْبة الجمعة بمصر أى منذ الحادى والعشرين من جمادى الأولى ٣٥٧ هـ (٢٣ إبريل ٩٦٨ م). وكان لقبه الرسمى هو "الأستاذ" ولكن ليس هناك شاهد على أن وضعه السياسى الرفيع قد أباح له أن يضرب اسمه على العملة. على أن أهمية كافور الكبرى فى التاريخ الإسلامى تتركز فى نجاحه فى أنه استطاع -خلال الأعوام الثانية والعشرين من حكمه- أن يحافظ على وجود البيت الإخشيدى فى مواجهة الأخطار الخارجية (ممثلة فى الفاطميين والقرامطة والنوبة والحمدانيين)، وأمكنه التغلب على كل هذه الأخطار رغم الاضطرابات السياسية الداخلية (مثل فتنة غلبون سنة ٣٣٥ - ٣٣٦ هـ (٩٤٧ - ٩٤٨ م) وكحركة أنوجور الانقلابية الفاشلة سنة ٣٤٣ هـ (٩٥٤ م) وانتشار الدعوة الإسماعيلية الهدامة، هذا إلى جانب الانتكاسات الحادة التى أثرت فى الحياة الاقتصادية بالفسطاط مثل الحريق الذى التهم حى العمل سنة ٣٤٣ هـ والزلزال العنيف الذى ضرب مصر فى العام التالى (٣٤٤ هـ) والمجاعات المتكررة التى أصابت البلاد، وارتفاع أثمان الطعام ارتفاعًا فاحشًا، والفتن الأهلية التى أخذ بعضها بِعُجُز البعض الآخر فى سنوات ٣٣٨, ٣٤١, ٣٤٣, ٣٥٢, ٣٥٧ (٩٤٩, ٩٥٢, ٩٥٥, ٩٦٣, ٩٦٨)، على أن إجراءاته الحربية والدبلوماسية الفعالة

стр. 8378

ساعدت على وصوله إلى اتفاق مع الحمدانيين سنة ٣٣٥ هـ فيما يتعلق، بسيطرة الاخشيديين على دمشق، كما استطاع فوق ذلك كله أن يؤجل دخول الفاطميين إلى مصر، حتى لقد قال دعاة الإسماعيلية الفاشلة فى مصر للخليفة الفاطمى فى المغرب -وقد حبطت مساعيهم- (إن الحجر الأسود وكان يقصد به كافورًا الإخشيدى) هو الذى بيننا وبينك (راجع الحنفا، ص ١٤٧). وعلى الرغم من المشكلات الاقتصادية ونفقات الحكومة الباهظة إلا أن إدارة كافور لم تعمد قط إلى ابتزاز الأموال ب المصادر ة، فقد أظهرت عملتها الذهبية -رغم تذبذب وزنها- ثباتًا ملحوظًا إذا ما قسمت إلى نسبة الذهب الحر فيها، ويجب أن ننسب إنجازاته الداخلية إلى كفاءته فى استعمال الأكفاء، أمثال يعقوب بن كلّس. كذلك ذاعت شهرة كافور فى العالم الإسلامى لرعايته الأدباء والكتاب، وأشهر هؤلاء الشاعر الكبير المتنبى الذى خلد اسم الحاكم "الأسود" فى عدد من قصائده التى نظمها ما بين مدح وقدح فيه، غير أنه يجب أن نقر بفضله فى إنشاء عدد كبير من القصور الفخمة الرائعة، وتشييده الجامعين الكبيرين فى الجيزة والمقطم، وإقامته البيمارستان وزرعه البساتين التى عرفت بالكافورية فى العاصمة، لكن لم يُكتشف حتى الآن ما يدل على إنجازاته العمرانية. المصادر: (١) ابن سعيد: كتاب المغرب فى حلى المغرب. (٢) ابن خلكان: كتاب وفيات الأعيان، ترجمته De Slane باريس ١٨٤٢ - ١٨٧١ م. ٢/ ٥٢٤ - ٥٢٨. (٣) ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة جـ ٣ ص ٢١٩، جـ ٤ ص ١ - ١٨. (٤) المقريزى: الخطط. (٥) د. حسن إبراهيم حسن: حوليات جامعة فؤاد (١٩٤٢) ٢٣ - ٤٦.

стр. 8379

(٦) د. سيدة إسماعيل كاشف ود. حسن محمود: مصر فى عصر الطولونيين والإخشيديين. مروان حسن حبشى [اهرنكرويتز A. S. Ehrenkreutz] كبريت مصطلح عربى مأخوذ من كلمة كبريتو الأكادية عن طريق اللفظ الآرامى كوابهرينا، وقد عُرف كل من الكبريت الرسوبى والبركانى. وفى كتاب المرشد لمحمد بن أحمد التميمى الذى لا يزال مخطوطا بالمكتبة الوطنية بباريس إشارة إلى موضع يوجد به النوع الرسوبى الأبيض، وهو واقع على ساحل البحر الميت بجوار القدس (انظر أيضًا المقدسى، ص ١٨٤) والواقع أن كميات من النوع الرسوبى موجودة فى الصلصال مختلطة بالجبس وكبريت الكالسيوم على الشاطئ الأيمن لنهر الأردن على بعد ميل من البحر الميت -ويشير أبو دلف الخزرجى فى كتابه الرسالة الثانية التى طبعها مينورسكى بالقاهرة سنة ١٩٥٥ م إلى وجود نبع كبريت على جبل "دماوند" وقد تبلورت حوله الرسوبيات، ونستفيد مما ذكره ياقوت: معجم البلدان، جـ ٢ ص ٦١٩ أن نفس المؤلف يعرف منابع سلفر (كبريت دورق) فى خورستان. وعلى العموم فهناك أربعة أنواع من النوع الرسوبى يختلف كل منها عن الآخر فى اللون ما بين أصفر وأبيض وأسود وأحمر، بل إن محمد بن زكريا الرازى يفرق فى كتابه الأسرار فيعدد منها أنواعا، النوع الأول الرسوبى النقى الضخم، والنوع الثانى هو الرسوبى النقى المحبب (أى على شكل حبيبات)، والنوع الثالث هو الأبيض العاجى اللون، والنوع الرابع الرسوبى المختلط بالتراب، والنوع الخامس الرسوبى الأسود الموجود بالأحجار، والنوع السادس الرسوبى الأحمر، وكذلك تختلف الأسماء من حيث صفته، فهناك الكبريت القانى والكبريت الذهبى وكبريت الذكر

стр. 8380

وكبريت بحرى وكبريت نهرى. . . الخ مسمياته وأوصافه. والكبريت الأحمر (كما يقول أرسطو وابن البيطار فى كتاب الجامع) يضيئ ليلًا ويرى ضوؤه على بعد فراسخ عدة طالما ظل فى موضعه، ويذهب آخرون للقول بأن الكبريت الأحمر إنما هو معدن يوجد فى وادى النمل الذى سار فيه سليمان ﵇ (راجع ابن البيطار فى شرحه)، وقد عرف الرازى (كتاب الأسرار) أن الكبريت الأحمر لا يوجد على شكل معدن، ويقرر الجاحظ فى كتابه "رسالة فى الجد والهزل" ندرة هذا النوع من الكبريت حتى أنه ليقول إن الخليفة المعتضد (٢٧٩ - ٢٨٩ هـ) قال إن هناك شيئين لا يوجدان إلا بالاسم، أما أحدهما فعنقاء المغرب وأما الآخر فالكبريت الأحمر، وبهذا المعنى فهم ما ورد فى كتاب الأمثال" للميدانى من قول القائل "أغلى من الكبريت الأحمر". وجاء فى كتاب "فردوس الحكمة" لعلى بن ربان الطبرى وفى كتاب "الأدوية الموجودة فى كل مكان" لابن البيطار، وفى كتاب "الوصفات الطبية" ليعقوب بن إسحاق الكندى وابن سينا والعلوى أن الكبريت كعلاج يشفى من الكحة والتقيحات، ويلصق بالصدر لعلاج الربو، وإذا بُخرّت المرأة بالكبريت يتم اجهاضها، ويعالج الجذام وأمراض الجلد بالكبريت، ولو خلط بالنطرون أفاد فى علاج الجرب، ويستعمل ضد لسعة الحيوانات السامة، وضد اليرقان، والبرد والعرق والنقرس وآلام الأذن والصمم والتيتانوس. وفى كتاب "الحاوى" للرازى أن الكبريت يشفى الفالج وداء الفيل. وقد امتدح خاصية الشفاء بالتداوى بالمياه الكبريتية أبو دلف الخزرجى الذى أشار إلى العيون الكبريتية وكيف أنها تشفى كثيرًا من الأمراض (انظر ياقوت الحموى معجم البلدان جـ ٢ ص ٣١٧). ولعب الكبريت دورا هاما فى الكيمياء، وكان يظن أنه جزء أساسى فى كل المعادن وأن المواد تتكون من الزئبق والكبريت واستعاروا له اسمًا.

стр. 8381

وقد اكتشف الكيمائيون أنواعا كثيرة منه واطلقوا عليها مسميات جمّة مثل العروس الصفراء، والسر الإلهى والزعفران والخناق وقيد العابق. المصادر: وردت بالمتن. د. محمد أحمد سليمان [م. أولمن M. Ulmen] كثير عزة هو كثير بن عبد الرحمن الشهير بكثير عزة، وأحيانًا يدعى بإسم الملاحى نسبة إلى مليح من بطون خزاعة أو ابن جمعة على اسم جده لأمه. وهو شاعر ينتمى إلى مدرسة الشعر العذرى زمن الأمويين. وكسائر الشعراء العذريين، كانت حياة كثير مجالًا خصبا لخيال القصاصين. وفى مثل هذه الحالات، تلعب الأسطورة دورا فى تشويه التاريخ إلى الحد الذى يصبح فى الغالب من المستحيل للدراسات النقدية اللاحقة أن تفصل الأسطورة عن التاريخ الحقيقى وقد صيغت الأساطير للدلالة على القصائد المخالفة للتاريخ، وبعض الأشعار نظمت لتناسب طبيعة العاشق المثالى. وهناك عوامل أخرى سياسية ومذهبية يسرت للرواة أن يحجبوا شخصية كُثير بطبقات سميكة من الأساطير ولا يوجد تناقض بين الشعر وبين شخصية كاتب هذا الشعر كما هو الحال مع كثير. ينتمى والدا كثير إلى خزاعة، وعاشا فى المدينة أو ربما فى التلال المجاورة من الشرق وإذا ما أخذنا بما قاله المرزبانى بأن الشاعر عاش ما يقرب من ٨١ أو ٨٢ عامًا، ويرى البعض أنه ولد عام ٢٣ أو ٢٤ هـ/ ٦٤١ أو ٦٤٣ م (وما لا يدعو مجالًا للشك أنه مات عام ١٠٥ هـ/ ٧٢٣ م). ويبدو هذا التاريخ مبكر إذا ما أخذنا فى الاعتبار أنه لا يوجد أى رصد لنشاطه الشعرى قبل سنة ٦٠ هـ/ ٦٧٩ م). وهذه الحقيقة تجعلنا نجزم باستحالة مولده قبل عام ٤٠ هـ/ ٦٦٠ م ورغم موت والد كثير وهو لازال بحاجة إلى ولى أمر إلا أنه متهم بالعقوق (ويحتمل أن تكون

стр. 8382

هذه التهمة انعكاسا للتحامل المذهبى على كثير). وعندما أصيب والد كثير فى إصبعه، رأى كثير ذلك عقابًا من اللَّه لوالده الذى اعتاد رفع نفس هذا الإِصبع عند الشهادة الزور. ويلاحظ هنا تجاهل التفسير الدينى ويتم التركيز على دلالة جحود الابن. وأصبح عم كثير وصيًا عليه وأرسله إلى أطراف المدينة ليرعى قطيعا من الإبل بهدف إبعاده عن آثام الحياة الحضرية. وفى هذه المرحلة كما تقول الأسطورة، ظهر لكثير شكل معدنى أمره بقرض الشعر. وبالتالى ظهر له شيطان الإلهام فى فترة مبكرة من حياته، ونحن نرى أنه ليس شيطان الإلهام ولكن مؤلف الأسطورة هو الذى حول الإبل إلى أغنام، أخذ كثير إلى "الجار" على البحر الأحمر ليقابل كوكبة من النساء ومن بينهن اقتربت فتاة صغيرة لتشترى شاة، أعطاها إياها، هذا الفتى الذى اشتهر فى فترة كهولته بعدم اكتراثه بالمال (الجاحظ، البخلاء، القاهرة، ١٩٤٨ م، ص ١٦٥) ورفض أن يقبض الثمن. كانت هذه الفتاة هى عزة ابنة جميل من قبيلة ذمرة، وقد استحوذ جمالها على عقل كثير. وكانت عزة جميلة عذبة الحديث. وفيما يبدو أن أسرتها زوجتها لأول رجل طلب يدها بعد أن أزعجتهم أشعار كثير فيها. وقد وصف كثير هذا الزوج فى شعره بأنه كهل وغيور وأنه استخدم سلطته كزوج لإجبار زوجته على توبيخ حبيبها وتجريحه ويحتمل أن هجرة عزة وزوجها لمصر لم تكن بسبب القحط الذى أصاب الحجاز فحسب ولكن لتجنب الحرج. إلا أن كثير لم يهتم كثيرًا بمشاعر غريمه، ووجد فى السفر إلى مصر فرصته ليرى عزة وصديقه عبد العزيز بن مروان، والى مصر الذى ساهم فى توطيد علاقة كثير بخلفاء وأمراء بنى أمية وهى العلاقة التى امتدت حتى وفاته. وتردد أنه فى وقت سابق لهذه السفريات التقى كثير برجل أقنعه بمعتقدات الكيسانى وفى مراحلها المبكرة، كانت الكيسانية تدعو لحق محمد بن الحنفية ولد على بن أبى طالب فى الإمامة خلفًا لأخيه الحسين. وتعد علاقة الشاعر بابن الحنفية حقيقة

стр. 8383

تاريخية تبرهن عليها أشعار كثير نفسه. وسجن ابن الحنفية على يد عبد اللَّه بن الزبير الذى ثار على الخلافة الأموية، وقد استنكر كثير سجن ابن الحنفية بشدة (ديوان، بيروت ١٩٧١ م، ص ٢٢٤). أما فيما يتعلق بمعتقدات الكيسانية الأخرى مثل احتجاب ابن الحنفية بجبل الرضوى بالقرب من المدينة ورجعته الأخيرة أو تناسخٍ الأرواح فلم يأت لها ذكر فى شعر كثير صراحة أو ضمنا. إلا أنه فيما بعد تم الخلط بين شاعرنا وبين الشاعر الكيسانى المتطرف السيد الحميرى (ت: ١٧٩ هـ/ ٧٨٩ م) حيث نسبت بعض قصائد الحميرى لكثير. وما روى عن معتقدات كثير الكيسانية بالكاد لا تتفق مع تعاليم الكيسانية المعروفة. وقد يسرت بعض الصفات الشخصية لكثير أن تنسب إليه سلوكيات سخيفة كأن قامته قصيرة ومظهره قبيح ووجهه مشرئب بالحمرة، وكانت رقبته طويلة، ورأسه كبير، كما كان نحيفًا وذهب البعض إلى محاولة استنتاج ذلك من شعره ففى إحدى قصائده يتهكم كثير على تعليق عزة الساخر بأنه أصبح شاحبًا ونحيلا، ويتهمها بأنها تسخر منه فقط إرضاءًا لزوجها (ديوان، ص ٣٧٩) ومع ذلك، فى نفس القصيدة يعترف صراحة بأنه أصبح ظل رجل مثل بقايا حبل. وقد وصف بالجنون، وهذا أمر لا يتفق مع الواقع، إذ إنه لا يمكن لشخص مجنون أن يحظى ولأمد طويل بالاحترام والتقدير من قبل خلفاء وأمراء بنى أمية أو يكتسب حب أهل المدينة. واتهم كثّير بعدم الإخلاص فى حبه على اعتبار أنه عاشق عذرى عندما انجذب إلى امرأة أخرى تدعى ظلامة والقصص المنسوبة إليه التى تذكر عدم وفائه مجرد مبالغات لأنه يميل إلى الاتزان فى تعبيره عن الهجر. والحب عند كثير يرتبط بالصداقة ويختلف لديه عن سائر الشعراء العذريين أمثال مجنون ليلى أو حتى منافسه جميل فى أنه لم يحصر نفسه فى أشعار الحب والغزل ويتجلى ذلك فى مرثياته

стр. 8384

وهجائيته لقبيلة محبوبته وهى أشعار لا تقل فى قوتها عن أشعاره الغزلية. كان كثير غزير الانتاج، وخلال عمره المديد لم يتوقف عن قرض الشعر وكتابته إلا لفترة معينة بعد موت عزة وعبد العزيز (٨٦ - ٩٩ هـ/ ٧٠٥ - ٧١٧ م) وأسلوب شعره المباشر والبسيط ساعده على كثرة الانتاج. وعن كتابته للغزل أو المدح والجمع بينهما فإن وصفه الحى للمشاهد فى الحجاز أو تلك التى على طريق مصر أو سوريا يطيل من القصيدة. وقيل إن كثير كتب ٣٠ قصيدة من اللاميات تتسم بالطول الشديد، وللأسف، فكل ما وصل إلينا منه وتناثر فى المصادر المتاحة لم يزد عن ألفى سطر. المصادر: ١ - ابن سلام: الطبقات, القاهرة ١٩٥٢ م، ص ٤٥٧. ٢ - ابن قتيبة: الشعر والشعراء، بيروت ١٩٦٤ م، ص ٤١٠ وائل البشير [إحسان عباس Ihsan Abas] الكرابيسى الكرابيسى (معناه تاجر الملابس) ولكنه اسم عرف به عدة أشخاص من أبرزهم من يلى: ١ - أحمد بن عمر عالم الرياضيات وليس من أحد يعرف متى ولد، ومن مؤلفاته -وإن كان مفقودًا- تعليق له على ترجمة إقليدس، وكان هذا الكتاب من الكتب الذائعة الصيت فى يومه. أما كتابه الوحيد الذى لا يزال موجودًا فهو كتاب "مساحة الحلق" (بفتح الحاء واللام) وتوجد نسخة منه فى أكسفورد، مكتبة بودليان رقم ٩١٣, كما توجد أخرى منه فى مكتبة القاهرة (انظر فهرست الكتب العربية فى الكتبخانه الخديوية، جـ ٥ ص ٢٠٤) وانظر عنه أيضًا الفهرست ٢٦٥, ٢٨٢, وابن القفطى: تاريخ الحكماء، القاهرة ١٣٢٦ هـ، ص ٢٥٧). ٢ - أبو علىّ الحسين بن علىّ بن يزيد المهلبى الفقيه المحدث، وكان فى بداية أمره معدودا من "أهل الرأى" ثم انضم إلى حلقة الشافعية بعد وصول الشافعى إلى بغداد، وعلى الرغم من

стр. 8385

ذلك فقد كان من أكبر المجاهرين بتأييده لفكرة "الجبر". على أنه لا يوجد بين أيدينا كتاب له سواء كتبه فى النقد أو الفقه. وقد مات سنة ٢٤٥ هـ = (٨٥٩ م) وإن قال البعض إنه مات سنة ٢٤٨ هـ (= ٨٦٢ م) راجع فى ذلك الفهرست لفلوجل ١٨١. والسمعانى والأنساب تحقيق مرجليوث، ٤٧٦ وابن خلكان وفيات الأعيان، (طبعة فوستنفلد) رقم ١٨٠ وطبعة القاهرة ١٢٩٩, جـ ١ ص ١٨١، والملل والنحل للشهرستانى ص ٩٦، والتهذيب للنووى (طبعة فستنفلد) ٧٧٤ والطبقات للسبكى (القاهرة ١٣٣٤) ص ٢٥١ - ٢٥٦، والكامل لابن الأثير ٣١٠٣ جـ ٧ ص ٢٩ وتاريخ أبى الفداء (إستانبول ١٢٨٧) جـ ٢ ص ٤٣٩ وابن تغرى بردى (طبعة جينبول) جـ ١ ص ٧٥٣, ٧٦٣. ٣ - أسعد بن محمد الكرابيسى الفقيه الحنفى المتوفى سنة ٧٥٠ هـ (١١٧٤ م)، وله كتاب الفروق فى الفروع وتوجد نسخته بالقاهرة (الفهرست، جـ ٣ ص ٩٦) وإن كان حاجى خليفة قد خلط بينه وبين كتاب تلقيح العقول للمحبى، وانظر بروكلمان ١/ ٤٧٣ رقم ٣٤. المصادر: وردت فى المتن. د. حسن حبشى [بروكلمان Brocklemann] كربغا كربغا (وهو أصح من قولهم كربقة)، ومعناه "الثور أو الفحل القوى العنيف" وقد تسمى به أبو سعيد قوام الدولة صاحب الموصل أحد القادة الأتراك فى العصر السلجوقى، وفى أثناء الحرب التى شنها تتش بن ألب أرسلان (عم بركياروق) ضد الواليين المتمردين عليه، أق سنقر وبوزان والتى انتهت بإلقاء القبض عليهما وقتلهما، أرسل بركياروق الأمير كربغا لمساعدتهما فوقع هو الآخر فى الأسر ولم يطلق سراحه إلا بعد سقوط "تتش" فى صفر سنة ٤٨٨ هـ (= فبراير ١٠٩٥ م) فتم تحرير كربغا على يد ولده رضوان، ومن ثم فإنه قام مع أخيه "التنتاش" بجمع طائفة من الجند المرتزقة واحتل بهم حران،

стр. 8386

وحينذاك التمس منه محمد بن مسلم بن قريش والى نصيبين أن يعينه على أخيه الذى كان تتش قد استعمله على الموصل وحينذاك تحالف كربغا مع محمد ولكنه ما لبث أن اغتاله بعد قليل بعد احتلاله نصيبين، ونهض لقتال الموصل التى تمكن على من اخضاعها بعد فرضه الحصار عليها مدة طويلة من الزمن (ذو القعدة ٤٨٩ هـ = اكتوبر نوفمبر ١٠٩٦ م) ولما تم له الاستيلاء على الموصل خلع أخاه المشاكس "التنتاش" واحتل "الرحلة" فلما كانت سنة ٤٩١ هـ (= ١٠٩٨ م) أرسله بركيا روق على رأس عسكر كثيف لاسترداد أنطاكية التى كان المسيحيون قد احتلوها منذ فترة قريبة. وفى خلال زحفه هذا قام بمحاصرة الرها التى كان النصارى قد اغتصبوها من أيدى المسلمين، لكنه اضطر لرفع الحصار عنها ثم ظهر بعد قليل أمام انطاكية. ولما قام المسيحيون بهجوم عنيف على محاصريهم أنزل بهم كربغا هزيمة نكراء على الرغم من تفوقهم العددى فى العسكر على من معه من الجند. ويقال إن مسلك كربغا أسهم فى الخسارة التى لحقت به، فقد كرَّه قواده فيه تعاليه وغطرسته وراحوا يتطلعون إلى فرصة للتخلى عنه. وحدث فى أثناء المعركة بين بركياروق وأخيه محمد التى وقعت فى رجب ٤٩٢ هـ (= مايو/ يونيو ١١٠٠ م) والتى انتهت بهزيمة الأول أن كان كربغا على ميسرة بركياروق. فلما كانت السنة التالية ذهب إلى آذربيجان حيث تم له فتح معظم نواحيها, لكن حدث على مشارف مدينة خُوى Khoi أن مرض مرضا حال بينه وبين متابعة القتال، فمات فى ذى القعدة سنة ٤٩٢ (اغسطس/ سبتمبر ١١٠٢ م) بعد أن اختار "سنقرجه" خليفة له من بعده. المصادر: (١) تاريخ أبى الفداء. (٢) M. F. Sanaullah: The Decline of the Saljugid empire (Calcutta, ١٩٤٨), Basworth (in) Cab. Hist. of Iran د. حسن حبشى [ى. ف. تسترشتين K. V. Zettersteen]

стр. 8387

الكرج كوجستان (أو بجيم غير معطشة بديلا عن الكاف أو بكاف فارسية)، وبلاد الكرج، هما مسميان لمقاطعة جورجيا فى غربى القوقاز فى المصادر الإسلامية. وتتضمن جورجيا أربعة أقاليم مختلفة: منجريليا Mingrelia وإميريتى Imerlti فى الشمال الغربى؛ وسمتسخا Samtaskhe فى الجنوب الغربى (متضمنة منطقة لازيستان Lazistan على ساحل البحر الأسود التى يقطنها أناس ينتسبون للجورجيين)؛ وكارتلى Kartli فى الشمال، مع العاصمة تفليس (سلبيسى) وكاختى Kakheti الشرق. ومن الناحية الطوبوغرافية، فإن غالب جورجيا جبال وتلال وهضاب ولا توجد السهول إلا على السهل الساحلى للبحر الأسود وفى أودية نهر ريونى Rioni وروافده، التى تنحدر غربا لتصب فى البحر الأسود، ونهر كورا (الكور) وروافده، التى تنحدر شرقًا وتصب فى بحر قزوين. وشعب الجرجان (يسمون أنفسهم كارتفل أبى Kartvel-ebi ويسمون بلادهم سا - كارتفل- أو Sa-Kartvelo، وجدهم الأعلى- وفقا لأساطيرهم هو كارتلوس المقدس، إرتبط مع سفان شمال مِنجريليا والمنجزيلو - لاز فيما يسمى بونتو زاجروس "مجموعة من شعوب القوقاز، برغم اختلاط دمائهم منذ أكثر من ألف عام بالشعوب التى غزت إقليمهم أو مرت عليها. ومن الناحية اللغوية، فإن لغة الجورجان تكون مع لغة السافانيين والمنجريلولازيين Mingvelo-las Svanetians لغات المجموعة الايبرو قوقازية أو القوقازية الجنوبية. وتكتب لغتهم بأبجدية صوتية محكمة تُعتبر من واقع تراثهم من إنشاء القديس ميسروب Mesrop, منشئ الأبجدية الآرمنية. الفتح الإسلامى: ولقد اكتسح العرب أرمينيا وجورجيا, ونفذت الحملات العربية داخل القوقاز فى حكم الخلفاء المسلمين الأول. ووفقا لقول الطبرى (جـ ١، ص ٢٦٦). فإن "سراقة" عقد صلحًا" سنة ٢٢ هـ/ ٦٤٣ م مع شهربراز (ملك

стр. 8388

باب الأبواب)، وأرسل حبيب بن مسلمة لفتح تفليس. وأورد الطبرى صلحًا مع أهل هذه البلدة يرجع تاريخه إلى نفس العام، لكن الصلح الفعلى تم سنة ٢٥ هـ/ ٦٤٥ م فى عهد خلافة عثمان بن عفان، وبعد أن فتح حبيب بن مسلمة أرمينيا وجَّه نظره إلى جورجيا, ولقد امتثل أمامة المبعوث الجورجانى وأخبره بأن بطريق الجرزان وشعبه قد دخلوا فى الطاعة. ولقد وجه حبيب رسالة إلى سكان تفليس فى رستاق منجاليس فى الجرزان يؤمنهم على دينهم، ولكنه أرسل إلى تفليس العالم عبد الرحمن بن جازع لشرح شرع الإسلام، وبالطبع فقد تحول أهالى المدينة سريعًا إلى الإسلام. وبعد فتح تفليس مد حبيب حملاته ومعاهداته مع مناطق أخرى يسكنها الجورجان وجيرانهم. ومن عهد حملة حبيب إلى عهد المتوكل (٢٥ - ٢٣٢ هـ/ ٦٤٥ - ٨٤٦ م) دفع الجورزان والأفخاذ (الجورجان الشرقيون والغربيون) الجزية والخراج للقائد العسكرى المسلم فى تفليس. ومنذ عهد يزيد الثانى (١٠١ - ١٠٥ هـ/ ٧٢٠ - ٧٢٤ م) لدينا خطاب يؤكد فيه جراح بن عبد اللَّه للجرزان الضمانات التى أعطاها لهم حبيب بن مسلمة، وهنالك درهم لعبد الملك بن مروان اشتُهر بأنه ضُرب فى تفليس سنة ٨٥/ ٧٠٤ م. العباسيون وجورجيا: فى سنة ١٤١ هـ/ ٧٥٨ م قام الخزر تحت قيادة رأس طرخان بغزو أرمينيا، ويقول الطبرى (جـ ٣، ص ٣٢٨) متحدثًا عن نفس الواقعة فى حوادث سنة ١٤٧ هـ/ ٧٦٤ م، إنه خلال غزو أستارخان الخوارزمى، وقع فى الأسر كثير من المسلمين والذميين ودخل الأتراك تفليس. ووقعت غزوة ثانية للخزر فى سنة ١٨٣ هـ/ ٧٩٩ م, لكن المؤرخين العرب لم يذكروا أنه استولى على تفليس. ومن الحكام الذين أرسلهم هارون الرشيد إلى أرمينيا: القائد خزيمة بن

стр. 8389

خازم، وكان الجورجان والصنارية قد ثاروا ضد الحكم العباسى آنذاك فهزمهم خزيمة وقضى على ثورتهم، واستعاد تفليس. وفى خلافة المأمون (١٩٨ - ٢١٨ هـ/ ٨١٣ - ٨٣٣ م) وطدَّ محمد بن عتَّاب أقدامه فى أرمينيا، وفى سنة ٢١٤ هـ/ ٨٢٩ م فتح أرض الجرزان وانضم إليه الصنارية. ونسمع فى أرمينيا فى عهد خلافة المأمون عن الأمير إسحاق بن إسماعيل وكان قد استقر بها منذ خلافة الأمين، وقد قام إسحاق بدحر القوات البيزنطية التى هاجمت أرمينيا آنذاك بقيادة يثوفيل (٨٢٩ - ٨٤٢ م) عند "واناند". وبسبب هذا الانتصار الذى أحرزه إسحاق اعترف به الخليفة الواثق حاكمًا على أرمينيا. لكن ذلك لم يدم طويلًا لأن محمد بن خالد قام بهزيمة إسحاق وطرده من صناريا. وأرسل المتوكل القائد التركى بُغا الكبير إلى أرمينيا، فأمر النفّاطين بإحراق تفليس، ومات ٥٠.٠٠٠ من سكانها بسبب هذا الحريق، وأحرق قصر إسحاق وأسر ابنه عامر على يد العسكر الترك والمنجارية (فى القوة العباسية) وسبب هذه الحملة أن ولاة هذه المناطق كانوا لا يزالون على ولائهم للأمويين. وفى سنة ٣٣١ هـ/ ٩٤٢ م كان فى تفليس دار لسك الدراهم العباسية. الساجيون والسلاريون وآل شداد: وفى الوقت نفسه ظهرت قوى أخرى إلى جانب قوة بارجت Barget الأرمنى الذى ساعد الخليفة العباسى فى القضاء على بقايا حلفاء الأمويين (اسحاق) ومن هذه القوى بنولسَّاج إذ كانوا من أوائل الأسر الحاكمة الإسلامية التى حصلت على الاعتراف بسيادتها من بغداد (٢٧٦ - ٣١٧ هـ/ ٨٨٩ - ٩٢٩ م). ولقد قام أبو القاسم يوسف بمساعدة المسلمين المنعزلين فى الشمال. وفى سنة ٢٩٩ هـ/ ٩١٢ م جاء إلى تفليس، وكان أميرها انذاك يُدعى جعفر بن علىّ، واستولى على قلعة أوجارمو وبوكومرا. وتذكر المصادر حملة أخرى (ما بين ٣٠٥/ ٩١٨ م و ٣١١/ ٩٢٣ م)

стр. 8390

"لعربى مسلم يُدعى الساج"، فى الوقت الذى أخذت فيه متسخيتا. وغفلت المصادر العربية عن ذكر هذه الحملات. وبعد ذلك مباشرة تذكر المصادر ظهور آل المظفر أو السلاريون عند بردعة وفى آذربيجان. السلاجقة وجورجيا: فى سنة ٤٣٩ هـ/ ١٠٤٨ م ظهرت لأول مرة قوات إبراهيم ينال عند باسيام (فى أعالى نهر أركسيس). وفى سنة ٤٤٥ هـ/ ١٠٥٣ م أرسل السلاجقة حملة ضد جانديا، لكن حركة التفاف من قبل البيزنطيين، الذين كانوا حلفاء لباجرات الرابع، أنقذت المدينة. عندئذ دعى أهل تفليس باجرات مرة ثانية، ولكن نتيجة لدسائس "ليباديت" احتفظ البيزنطيون بباجرات سجينًا فى القسطنطينية لمدة ثلاث سنوات. ثم استعاد باجرات الجزء الأكبر من قلعته، حين غزا ألب أرسلان (٤٥٥ - ٤٦٥/ ١٠٦٣ - ٧٢ م) جورجيا فجأة، وفى العاشر من ديسمبر ١٠٦٨ م، سار ألب أرسلان مصطحبًا معه ملوك أرمينيا وكاخيتى وأمير تفليس إلى باجارات. واحتُلت كارتلى جميعها وقتل العديد من النصارى أو أُخِذوا أسارى وأعطيت "تفليس ورستاو" لفضلون الجنادى، "وآتى" لمنيصير بن أبى الأسوار. وفى ربيع ٤٦١ هـ/ ١٠٦٩ م عاد باجرات إلى "كارتلى". وعسكر فضلون عند "إيسان" وهاجم الإقليم بحوالى ٣٣٠٠٠ رجل. وهزم باجرات فضلون، الذى فر إلى كاخيتى، ولكنه وقع أسيرًا فى يد أغسارتعان. وثمنا للتنازل عن بعض القلاع على الأيورا، افتدى باجرات فضلون وتسلم منه تفليس. وفشل ألب أرسلان فى تحرير فضلون وفك أسره. وعاش جورجى الثانى، ابن باجرات، فى "كوتيس". وفى "كاخيت" استعاد أغاسارتعان ممتلكاته بعد اعتناقه الإسلام. ولقد حدث الانتعاش تحت حكم داويد الثانى (المصلح) الذى أخذ لقب ملك "كارتلى وأفخازيا" (١٠٨٩ - ١١٢٥ م). ولقد جلب داويد لجورجيا

стр. 8391

عبر ممر ألانز (دارايال) ٤٠.٠٠٠ بوليفتسى و ٥٠٠٠ مملوك اعتنقوا المسيحية وبرغم عنادهم، فإن هذه العناصر المولعة بالحرب مكنت داويد من التخلص من السيطرة السلجوقية. وتوقف عن دفع الخراج وأوقف هجرات الترك الموسمية إلى جورجيا. وزوَّج ابنته "تعامار" لشروان شاه الذى عامله كتابع له. إبادة الجيش السلجوقى فى تفليس سنة ٥١٥ هـ/ ١١٢١ م بسبب شكوى مسلمى تفليس، أرسل الملك السلجوقى محمود بن محمد (٥١١ - ٥٢٥ هـ/ ١١١٨ - ١١٣١ م) حملة إلى جورجيا -شارك فيها الأرتق نجم الدين غازى، والمزيدى دُبيس بن صدقة وأخو السلطان طغرل مع أتابكه كون توغديل. وفى ١٨ أغسطس ١١٢١ م دخل هذا الجيش تريالتى ومنجليس، لكن هذا الجيش أبيد على يد داويد ومماليكه، وبعد هذا النصر الذى حققه داويد (فى ٥١٥ هـ/ ١١٢١ - ١١٢٢ م). اقتحم تفليس، وتثبت بها حتى تكون المدينة "ترسانة وعاصمة لأبنائه إلى الأبد". واعترف "العينى" المؤرخ العربى، بأن تفليس أحرقت ونُهبت، وأكدت المصادر الأخرى الفظاعة والوحشية التى ارتكبها داويد، لكن العينى يقول إن الملك احترم مشاعر المسلمين. وقد قيل أيضًا إن داويد قد وعد بسك عملة بكتابات اسلامية عليها وتعرضت البلاد لسلسلة من الاضطرابات إلى أن حكمها باجرات الثالث Bagrat III (٩٨٠ - ١٠١٤ م) وفى عهده غزا بنو شداد وبنو فضلان أرمينيا وعاود السلاجقة شن الهجوم على البلاد. بنو جعفر وحكم جورجيا: ولقد خلف داويد بنى جعفر فى حكم تفليس، الذين لا نعرف إذا ما كانوا عربا أو من أصل جورجانى خالص. وفى الوقت الذى تُحدد فيه المصادر الجورجية الحكم الإسلامى لجورجيا بأربعمائة عام فإن العيْنى يقدر حكم بنى جعفر وحدهم بمائتى عام. ولقد عرفنا أن أمير تفليس الذى حكم سنة

стр. 8392

٣٠٠ هـ/ ٩١٢ م كان يسمى جعفر بن على. وسك خليفته عملة فى تفليس؛ وهو درهم، عليه اسم منصور بن جعفر ومؤرخ بعام ٣٤٢ و ٣٤٣ هـ (مع اسم الخليفة المطيع للَّه)، ودرهم عليه اسم جعفر بن منصور تاريخه ٣٦٤، ٣٦٦ هـ (مع اسم الخليفة الطائع للَّه). وفى عهد باجرات الرابع (١٠٢٧ - ١٠٧٢ م) كان أمير تفليس يُدعى جعفر. وخلال الأربعين سنة قبل غزو داويد لتفليس، حكم المدينة أفراد صغار من بنى جعفر، حكم كل منهم لمدة شهر. عصر الملوك الأقوياء فى جورجيا: أثناء حكم ديمترى (١١٢٥ - ١١٥٤ م) انشغلت البلاد فى حرب أهلية مع عائلة أوربليانى. وكان الحكام المسلمون المعاصرون لهم: فى آذربيجان، الأتابك إلدنيز أو إلدجوز، وفى آنى، سلائل بنى شداد، وفى خيلات؛ ظاهر الدين شاهى أرمان (٥٢٣ - ٥٧٩ هـ/ ١٢٢٨ - ١٢٨٣ م)؛ وفى إرزروم (أرض روم) الأمير سلتوك بن علىّ، الذى هزمه الجورجيون قرب آنى سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م (انظر ابن الآثير: الكامل، جـ ١١، ص ١٢٦ أحداث سنة ٥٤٨ هـ). لقد وصف الوضع فى تفليس مؤرخ ميافارقين ابن الأزرق، الذى زار تفليس سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م. فلقد قال بأن المسلمين كانوا موضع رعاية. وكل يوم جمعة كان ديمترى يأتى إلى المسجد ويجلس على دكة قبالة الخطيب. وتحت حكم جورجى الثالث (١١٥٦ - ١١٨٤ م)، ظلت الممالك الإسلامية حول جورجيا على حالها، وقاد هذا الملك حملات نشطة ضد إرزروم (ارضروم)، وآنى، ودوين، وتاخيسوان، وجانديا، وبردعة وبيلقان. حكم تامار: ولقد بلغ عهد حكم تامار (١١٨٤ - ١٢١١ م)، الذى يعد "شمس كارتلى" ذروته فى تاريخ جورجيا. ولعب تامار دورًا مهما فى خلق إمبراطورية كومنينوى فى طرابيزون. ولقد حكم بعد تامار ابنه جورجى الثالث، الذى حكم من ١٢١٢ حتى

стр. 8393

١٢٢٣ م وقد جبى الخراج من جانديا وناخيسوان وإرزروم (أرضروم) خلاط المغول الذين ظهروا على مسرح الأحداث آنذاك وأوقعوا هزائم عديدة بجيوش جورجيا. وتوفى جورجيس فجأة وانتقل العرش من بعده إلى أخته روسودان (١٢٢٣ - ١٢٤٧ م)، وكانت أميرة جميلة انغمست فى اللهو، وقد تقدم لخطبتها جيرانها المسلمون. وفى النهاية اختارت حاكم إرزروم، مغيث الدين طغرل السلجوقى والذى اعتنق المسيحية بناءً على أوامر والده. ولقد أشار ابن الأثير إلى ذلك الأمر فى كتابه (جـ ١٢، ص ٢٧٠) تحت عنوان "حادثة غريبة لم يحدث مثلها". وفى خطاب من روسودان إلى البابا إنوسنت الثالث، تحدثت فيه الملكة عن الغزو المغولى على أنه أمر ليس ذا بال، لكن كان هنالك عدو جديد على الأبواب، وهم الخوارزميون. جلال الدين خوارزمشاه: وكان خوارزمشاه جلال الدين قد هزم الجورجان عند "جارنى" فى شهر شعبان ٦٢٢ هـ/ أغسطس ١٢٢٥ م. وقد أخذ القائد الجورجانى "شلوا" أسيرًا. وأحتلت تفليس يوم ٩ مارس ١٢٢٦ م، ووفقًا لما رواه الجوينى، فإن جلال الدين أطلق سراح سكان المدينة وسمح لهم بالانسحاب إلى أفخازيا, ولكنه هدَّم كل أماكن العبادة المسيحية. وقد قال ابن الأثير بأن المدينة (أخذت عنوةً وقهرًا من غير أمان) وأن كل من لم يعتنق الإسلام قد قتل كذلك فإن النسوى قد أكد مذبحة الجورجان والأرمن فى تفليس. ولقد اختير الوزير شرف الملك حاكمًا على المدينة. وحين تركها ليقضى الشتاء فى جانديا، عاد الجورجان إلى تفليس وأحرقوا المدينة، بعد أن أدركوا أنه من الصعب عليهم الاحتفاظ، بها وقد قام جلال الدين باحتلال مكان آخر، ولم يعد إلى جورجيا حتى سنة ٦٢٥ هـ/ ١٢٢٨ م حين قام عند مندور، بالقرب من لورى، بتمزيق قوات القائد إيفانى، المشكلة من عناصر مختلفة: من الجورجان والآلان والأرمن وشعب السرير (آفارداغستان) واللاكز والقبجاق والشقان والأبخاز،

стр. 8394

ورجال من سوريا وآسيا الصغرى ويذكر كتاب تاريخ جورجيا أن جلال الدين ارتكب أعمالًا وحشية جديدة فى تفليس بعد إنتصاره عند بوليذس. واختفى جلال الدين خوارزمشاه من مسرح الأحداث فى شوال ٦٢٨ هـ/ أغسطس ١٢٣١ م، ولكن بقايا الخوارزميين أقلقوا الجزء الشرقى من جورجيا وجعلوا أمراء الاقطاع يلزمون قلاعهم. على أن تفليس ظلت فى يد روسودان، حين دخل مغول جُرماغان جورجيا عن طريق جانديا وحدث ذلك سنة ١٢٣٦ م. فغادرت روسودان تفليس إلى كوتيس، وأحرق حاكم تفليس المدينة "وهكذا كان خراب مدينة تفليس". ولقد قام المغول بتحطيم التنظيم السياسى للإقليم: وأُجبر الجورجيون على خدمة المغول (فشاركوا فى حملاتهم ضد سلاجقة الروم، وضد غياث الدين، وضد الإسماعيلية فى قلعة ألموت وضد بغداد، وغيرها). ولقد قسم القطر إلى ستة (تومان)، وأبعد عن البلاد وريث عرش داويد. وقد قام حكام المغول بعد ذلك بتولية وعزل عدد من ملوك جورجيا من بيت داويد. وواصل الجورجان المشاركة فى حملات المغول ضد أعدائهم. وقد قام الملك جيورجى الخامس، بعد موت ملك المغول أولجاتيو (٧١٧ هـ/ ١٣١٧ م)، وبعد توليه العرش (١٣١٦ - ١١٤٦ م)، مستفيدًا من الاضطرابات التى وقعت فى السنوات الأخيرة من حكم المغول الإيليخانية، قام بطرد المغول من بلاده. وتوجه بجيشه إلى إميريتى، ووحد تحت حكمه كل أراضى الجورجان حتى سبير (آلان إسبير) وكل أراضى نيكوفسيا (١٥ ميلًا من سوخوم على البحر الأسود) حتى دارباند. وظهر تيمورلنك على مسرح الأحداث أثناء حكم الملك باجرات الخامس (١٣٦٠ - ١٣٩٥ م) ملك جورجيا -واعتبر مؤرخه الرسمى حملاته على جورجيا أنها جهاد. وأغلق باجرات على نفسه قلعة تفليس، ثم استولت قوات تيمور على المدينة وتمكنت من أسر الملك والملكة.

стр. 8395

فى سنة ٨٠٤ هـ/ نهاية سنة ١٤٠١ م عاد تيمور إلى القوقاز عن طريق سيفاس -بغداد- تبريز. وذهب الجباه لجمع الخراج والجزية من جورجى، الذى أرسل أخاه مع الضريبة. وأعطى تيمور لجورجى أمانًا شريطة أن يزود بقوات من عنده وأن يعامل المسلمين معاملة حسنة. وفى صيف سنة ٨٠٤ هـ/ ١٤٠٢ م ذهب تيمور من قراباغ إلى منغوليا وأخذ قلعة تورتوم. وحين عاد تيمور سنة ٨٠٥ هـ/ ١٤٠٣ م إلى إرزروم، قرر أن يعاقب جيورجى لعدم حضوره لتهنئته على نصره على بايزيد العثمانى. فأرسل جيورجى هدايا جديدة، لكن تيمور رفضها وأصر على حضور جيورجى بنفسه إليه، وفى المحرم سنة ٨٠٦ هـ/ أغسطس ١٤٠٣ م قام تيمور بنفسه بمحاصرة قلاع كورنين الحصينة التى كان يدافع عنها نازال وأخذها فى تسعة أيام. وقد قامت قوات تيمور بتخريب الإقليم عند أطراف جورجيا حتى حدود أبخازيا: "وكانت النهاية لهذا الإقليم". فلقد دُمرت سبعمائة مدينة وقرية، وتحدث مؤرخ تيمور بإطناب عن تلك المذابح وهذا الامار. ولم يوقف تيمور ذلك إلا بإرسال العلماء الجورجان ألف دينار ذهب ضُربت باسم تيمور، وألف فرس، وياقوت أحمر يزن ١٨ مثقالًا، وغير ذلك. وأثناء مرور تيمور بتفليس قام بهدم كل الكنائس والأديرة التى كانت بها ثم ذهب إلى بَيْلَقَان (شتاء ٨٠٦ هـ/ ١٤٠٣ - ١٤٠٤ م). ولقد اعطى كل الإقليم من بيلقان إلى طرابيزون كإقطاع للأمير خليل ميرزا. فترة ما بعد تيمور: انعكس الخراب والدمار الذى أحدثه تيمور فى جورجيا فى مصادر تاريخها، التى أعطتنا روايات مقتضبة عن فترة ما بعد تيمور. ولقد تحدثت المصادر الإسلامية عن حملة قام بها الشيخ إبراهيم الشروانى، صديق للأسرة الجلايرية ضد قرة يوسف، ساهم فيها قستانديل، ملك جورجستان. ولكن هذه القوات هُزمت

стр. 8396

شمال نهر آراس (٨١٥ هـ/ ١٤١٢ - ١٤١٣ م)، وقتل فى هذه المعركة عدد من نبلاء الجورجان والأرمن. ولقد حكم جورجيا الملك اسكندر (١٤١٣ - ١٤٤٣ م). وحين قام الملك المغولى شاه رخ بزيارة جورجيا قام اسكندر بتقديم الهدايا له سنة ٨٤١ هـ/ ١٤٣٧ م. تقسيم جورجيا: ولقد تقسمت جورجيا بعد ذلك، ومنذ عهد حكم قسطنطين الثالث (١٤٦٩ - ١٥٠٥ م) إلى ثلاث ممالك رئيسية. مملكة كارتلى، وعاصمتها تفليس؛ ومملكة إميريتى، وعاصمتها كوتيس، ومملكة كاخيتى، وعاصمتها جريمى ثم بعد ذلك: تعيلاف. بالإضافة إلى ذلك، ثار أتابك سامتسخى وأسس إمارة سانتاباجو المستقلة، التى منذ حكم المنصور الثالث اعتنق حكامها الإسلام. كذلك فإن عددًا من الأمراء المحليين قد استقلوا عن مملكة إميريتى. وفى كارتلى أيضًا، اضطرب حكم قنسطنطين الثالث بسبب غزو باجرات الثانى ملك إميريتى. الآق فويونلو: فى هذه الفترة ظهر أُذُن حسن على مسرح الأحداث. ولقد ذهب إلى جورجيا لأول مرة سنة ٨٧١ هـ/ ١٤٦٦ م, حين قام بتخليص المساجين المسلمين من حبسهم واستولى على قلعة شيماقار. ولقد منعته بعض التعقيدات المدنية من أخذ أخال - تسيخى، ولكنه عاود الهجوم سنة ٨٧٧ هـ/ ١٤٧٢ م. وقد قهر الملك باكراتى وأخذ ٣٠.٠٠٠ سجين من جورجيا. ولقد استسلمت تفليس لأذن حسن وسلمها له قنسطنطين، وذلك ليمنع باجرات من الاستيلاء عليها. وترك أُذُن حسن حامية فى تفليس لكنه ترك حكومتها لقنسطنطين. لكن الجورجان استعادوا المدينة سنة ٨٨٢ هـ/ ١٤٧٨ م. وقام السلطان يعقوب آق - فويونلو بغزو سامتسخى فى خريف ٨٩١ هـ/ ١٤٨٦ م ليعاقب الأتابك قفارقفير. وفى العام التالى، أرسل يعقوب صوفى خليل بيج لفتح

стр. 8397

جورجيا. فانسحب قستانديل (قنسطنطين الثالث) من تفليس، وبدأ صوفى خليل الحصار بمساعدة التعزيزات التى وصلته فى الشتاء؛ فاستولى أولًا على قلعة كودير (كوديورى، جنوب تفليس). وقد قاسى المسلمون كثيرًا فى القتال حول تفليس ولكن فى النهاية استولى والى أغا على المدينة. الصفويون وجورجيا: فى سنة ٩٠٧ هـ/ ١٥٠١ م قامت فصيلة عسكرية من قوات الاسماعيلية تحت قيادة خادم - بيج بغزو جورجيا. ولقد توقفت غزوة ديو سلطان سنة ٩٢٦ هـ/ ١٥٢٠ م بسبب سفارة راماز، ابن داويد الثالث، إلى إسماعيل الأول. وفى سنة ٩٢٩ هـ/ ١٥٢٢ - ١٥٢٣ م استولى مؤسس الأسرة الصفوية على "أغديا قلعة" وببذله بعض الوعود استسلمت له قلعة تفليس. وقد بنى مسجدًا "على ناصية الجسر" (ولا يزال المسجد قائمًا على الضفة اليمنى للنهر). ويذكر أسكندر مُنشى أربع حملات عسكرية كبرى أُرسلت ضد جورجيا من قبل شاه طهماسب. وفى سنة ٩٤٧ هـ/ ١٥٤٠ م استولى طهماسب على تفليس، ثم على قلعة بارتيس. والمرة الثانية فى سنة ٩٥٣ هـ/ ١٥٤٦ م حين جاء أمير جورجيا ليقدم ولاءه وطاعته لطهماسب عند شُراجيل. والحملة الثالثة فى سنة ٩٥٨ هـ/ ١٥٥١ م أُرسلت من شاكى بناء على طلب الأتابك كى خسرو، ابن قُرقره الذى اشتكى من الضرر الذى وقع عليه من قبل لوارساب. والحملة الرابعة كانت ضد لوارساب الذى كان يواصل التضييق على تفليس. وقد احتلت قوات طهماسب مدن جورى وأتنى وقُتل الملك لوارساب نفسه فى المعركة. وحكم بعد لوراساب فى جورجيا ابنه الملك سويمون الأول (١٥٥٨ - ١٦٠٠ م)، الذى شهد عهده اضطرابات كثيرة. وقد هزمه الفرس وأحلوا مكانه أخاه داويد (داودخان)، الذى تحول للإسلام لكن سويمون سُجن فى قلعة ألموت، وقد أطلق إسماعيل الثانى سراحه من هناك

стр. 8398

(٩٨٤ هـ/ ١٥٧٦ - ١٥٧٧ م) ليحد من نشاط العثمانيين. السيادة العثمانية (٩٨٦ - ١٠١١ هـ/ ١٥٧٨ - ١٦٠٣ م): فى سنة ٩٨٦ هـ/ ١٥٧٨ م، خلال حكم الشاه الضعيف خُدابندا، توغل العثمانيون تحت قيادة مصطفى لالا باشا فى جورجيا عن طريق سامتسخى، وفى شهر أغسطس استولوا على تفليس، التى كان داودخان قد هرب منها. وقد وضع الأترك فى تفليس حامية تتكون من ٢٠٠ رجل مع ١٠٠ بندقية. ولقد مُنح محمد بن فرهاد باشا سنجقية (أو باشوية) تفليس. وحُولت كنيستان إلى مسجدين. وفى أكتوبر، استقبلت جورى حامية تركية. ومُنح سويمون هذه المدينة كسنجقية له، وعندما عاد مصطفى باشا إلى (أرض روم) قام إمام قولى خان ابن شمخال باعدام أزدمر باشا فحاصر سويمون تفليس. ولكن إمدادات جاءت للحامية التركية فى تفليس بقيادة حسن قولى خان ابن شمخال لكن الصراع حول المدينة استمر. وفى سنة ١٥٨٠ م وصل السر عسكر الجديد سنان باشا إلى تفليس واختار ابن لوراساب الذى اعتنق الإسلام وتسمى باسم يوسف حاكما لتفليس. وقدَّم سويمون تنازلات للأتراك لكنها لم تُقبل. وفى رجب ٩٩٠ هـ/ أغسطس ١٥٨٢ م غادر محمد بك إرزروم (أرض روم) ليحضر إمدادات لتفليس، ولكنه هُزم عند جورى على يد الفرس والجورجان. ووضع فرهاد باشا نفسه على رأس حملة جديدة (ذو القعدة ٩٩٠ هـ/ ديسمبر ١٥٨٢ م) بقصد تقوية المدن التى فى يد العثمانيين. وفى سنة ٩٩٢ هـ/ ١٥٨٤ م، تحرك رضوان باشا إلى تفليس. وقد هاجم سويمون رضوان لكن دون تحقيق نجاح يُذكر. وبعد حملة سنة ٩٩٣ هـ/ ١٥٨٥ م على تبريز، تنازل الفرس للعثمانيين عن آذربيجان والقوقاز بما فيها جورجيا (معاهدة ٢٥ جمادى الأولى ٩٩٩ هـ/ ٢١ مارس

стр. 8399

١٥٩٠ م). وبعد أن تبوأ محمد الثالث حكم الدولة العثمانية (١٠٠٣ هـ - ١٥٩٥ م) قبض على سويمون فى مناوشة وأُرسل إلى إستانبول حيث توفى هنالك سنة ١٦٠٠ م. وقد استمر حكم العثمانيين لجورجيا، دون اضطراب، تقريبًا من ٩٩٩ هـ/ ١٥٩١ م حتى ١٥ جمادى الأولى ١٠١٢ هـ/ اكتوبر ١٦٠٣ م حين استولى الشاه عباس الأول على تفليس. وقد أقرت معاهدة سنة ١٠٢١ هـ/ ١٦١٢ م التركية الفارسية الوضع فى جورجيا كما كان الحال عليه تحت حكم السلطان سليم (٩١٨ - ٩٢٦ هـ/ ١٥١٢ - ١٥٢٠ م). الشاه عباس الأول والملوك المسلمون فى جورجيا: لقد وقعت أسوأ النوائب على جورجيا (خصوصًا على كاخيتى) فى عهد الشاه عباس الأول. وبرغم أن جورجى ملك كارتلى وأسكندر ملك كاخيتى قد حاربوا تحت لوائه عند حصار إريوان سنة ١٦٠٢ م، فإن عباس بعد إنتصاره استولى على لورى Lore من جورجيا. ولقد تزوج عباس من أخت لواراساب الثانى (١٦٠٥ - ١٦١٦ م) ولكنه أحضر الأخير إلى فارس وقتله فى قلعة جولاب. وفى سنة ١٠٢٥ هـ/ ١٦١٦ م وصل عباس بنفسه إلى جورجيا ومنح كارتلى لباجرات السادس المسلم (١٦١٦ - ١٦١٩ م). ثم قام بعد ذلك بمعاقبة كاخيتى. ويُقدر عدد من قُتل فى هذه المدينة، وفقا للتقارير الرسمية، على يديه من ٦٠ إلى ٧٠ نفس كما يقدر عدد السجناء من شباب كلا الجنسين بلغ من ١٠٠.٠٠٠ إلى ١٣٠.٠٠٠ شاب وشابة. "ومنذ بداية الإسلام لم تقع حوادث مثل هذه فى عهد حكم أى ملك". وفى سنة ١٠٣٣/ ١٦٢٣ م، استدعى كارسيقا خان لواءً يتكون من ١٠.٠٠٠ رجل من كاخيتى وبدلًا من أن يرسلهم ويقودهم ضد إميريتى أمر

стр. 8400

بذبحهم. وبرغم هذه الكوارث، أصبح الدور الذى لعبه الجورجان فى حياة فارس زائد الأهمية، ويدين الشاه صافى، خليفة عباس الأول، بعرشه لتأييد خسرو ميرزا، أخو الملك باجرات. وحين مات سويمون الثانى فى حرب أهلية (١٦٢٩ م) جاء تعيوراز الأول حاكم كاخيتى إلى كارتلى، حيث حكم من سنة ١٦٢٩ إلى ١٦٦٤ م، وبعد ذلك وصل كى خسو من فارس وأقام نفسه حاكمًا فى تفليس تحت اسم رستم (١٦٣٤ - ١٦٥٨ م). وفى سنة ١٠٤٥ هـ/ ١٦٣٩ م أخذ مراد الرابع إروان، وبمعاهدة ١٠٤٩/ ١٦٣٩ م عاودت فارس مطالبها فى قارس وأخال - تسيخى. فتسلم السلطان أميريتى وساتاباجو واحتفظ الشاه بكارتلى وكاخيتى. غزو الأفغان لفارس: حين بدأ البلوش والأفغان يهددون فارس، عهد الشاه حسين إلى الملك جيورجى الجرجانى بإقرار النظام فى المناطق الشرقية ونجح جيورجى فى إعادة النظام فى قندهار، ولكنه فى سنة ١١٢١ هـ/ ١٧٠٩ م اغتيل غدرًا بتدبير من ميرويز، الذى قام بهزيمة القوات الجروجانية الجديدة التى جاءت بقيادة خليفة جيورجى، كى خسرو. وقد مهدت هذه الأحداث الطريق للغزو الأفغانى لفارس. وبعد الانتصار الحاسم للأفغان على الفرس عند جُناباد، بالقرب من أصفهان (١١٣٤ هـ/ ١٧٢٢ م)، طلب الشاه حسين المساعدة من فاختانج حاكم كارتلى، لكن فى نوفمبر ١٧٢١ م عرض الأخير خدماته لروسيا. لكن بطرس الأكبر، الذى كان قد وصل إلى دارباند فى ٢٣ أغسطس ١٧٢٢ م كان عليه أن يعود فجأة إلى روسيا. وعلى الجانب الآخر، أخذ الملك محمد قلى خان ملك كاخيتى جانب لزجيس فى الحرب الثانية مع فاختانح وفى سنة ١٧٢٣ م استولى على تفليس، التى أبيحت ثلاثة أيام.

стр. 8401

الاستيلاء العثمانى الثانى على جورجيا (١١٣٥ - ١١٤٧ هـ/ ١٧٢٣ - ١٧٣٤ م): حسَّنت المشاكل فى فارس وعند الروس الحال فى تركيا المضطربة. وفى رمضان ١١٣٥ هـ/ يونيو ١٧٢٣ م نصَّب السر عسكر إبراهيم باشا، الذى تفاوض مع فاختانح, فنصَّب باكار ابن الأخير حاكما على تفليس. فى نفس الوقت فإن المعاهدة الروسية - الفارسية التى تمت فى ١٢ سبتمبر ١٧٢٣ م، آلت بمقتضاها المقاطعات الواقعة على بحر قزوين لروسيا. ومن ناحية أخرى فإن هنالك معاهدة روسية - تركية وقعت فى ١٢ يونيو ١٧٢٤ م: احتفظت فيها روسيا بداغستان، وأخذت تركيا القوقاز بما فيها جورجيا. وذهب الملك المخلوع فاختانج إلى روسيا مع حاشية من ١٤٠٠ رجل (أغسطس ١٧٢٤ م). وحين ضم الأتراك كارتلى لهم، قاموا بإحصاء رسمى للسكان وفرضوا ضرائب عليهم. ولقد اختير اسحق باشا سنة ١٧٢٧ م حاكمًا لكل جورجيا. وفى سنة ١٧٢٨ م قام بتقسيم كارتلى بين الأمراء الإقطاعيين. نادرشاه وجورجيا: فى سنة ١١٤٣ هـ/ ١٧٣٠ م، أحرز الشاه طهماسب نصرًا محدودًا اعترف بنهر الرس (الآراس) كخط حدودى بين فارس وتركيا لكن نادرشاه, لم يكن مقتنعا بذلك، فخلع طهماسب واستأنف غزو القوقاز. وحين كان يقوم بعملياته العسكرية ضد داغستان (١١٤٧ هـ/ ١٧٣٤ م) خرج إسحاق باشا بجيش لمساعدة جاذجا التى هاجمتها القوات الفارسية وقد قام تعيموراز، ابن نزار على خان، وابن أخيه على ميرزا بمهاجمة إسحاق باشا وأجبروه على الهرب بنفسه فى قلعة تفليس وكافأ نادرشاه هذين الأميرين على شجاعتهما. وعند حصار الفرس

стр. 8402

لجانديا، أمر نادر صافى خان بأن يحاصر تفليس بمساعدة النبلاء الجورجان (الكرج). وحين هُزم عبد اللَّه باشا عند (باغاوارد) بالقرب من إروان، تنازل إسحاق باشا عن قلعة تفليس فى ١٢ ربيع الأول ١١٤٧ هـ/ ١٧ سبتمبر ١٧٣٤ م. واستدعى نادر نبلاء كارتلى وكاخيتى ومن بينهم طاهموراث الذى كانت له المكانة الكبرى فى بلاده وقد عين نادرشاه على ميرزا واليًا على كارتلى وكاخيتى مكافأة له لأنه كان مسلمًا كما أن أخاه سقط قتيلا فى معركة ضد عثمان باشا، وسمح طاهموراث بالذهاب إلى كاخيتى لإحضار أسرته إلى تفليس. وأصبح آنذاك: "رجل السيف والقرار السريع"؛ لكنه فر إلى جبال قراقا لخان (غرب جورى). وأرسل نادر قواته فى أعقابه بل لقد وصل نادرشاه نفسه تفليس فى ٢٩ جمادى الأولى، فعاقب من يستحق العقاب وكافأ من يستحق المكافأة وأرسلت ٦.٠٠٠ عائلة جورجانية ورحلت إلى خراسان. وفى سنة ١١٤٩ هـ/ ١٧٣٦ م قام صافى خان بالقبض على تيموراز وأرسله لفارس. وفى سنة ١١٥٨ هـ/ ١٧٤٥ م فرض نادر ٥٠.٠٠٠ تومان على جورجيا وذهب تيموراز ليطلب تخفيض المبلغ، ولكن عند وصوله تبريز سمع بوفاة نادر وخلف نادر فى الحكم على قُلى خان، زوج ختيفان، ابنة تيموراز. باجريت كاخيتى: ولقد ضمنت فترة الاضطرابات بعد موت نادر (١١٦٢ هـ/ ١٧٤٩ م) وحكم كريم خان، فترة راحة لجورجيا. وهى فرصة استثمرها بمهارة كل من تيموراز (ملك كارتلى ١٧٤٤ - ١٧٦١ م) وابنه إريكل أو إيراكلى الثانى (ملك كاخيتى ١٨٤٤ - ١٨٦١ م)؛ ولقد كان حكم هذين الملكين المسيحيين فترة من أسعد الفترات فى تاريخ جورجيا ولقد قاموا بحملات عديدة على ما وراء القوقاز، كذلك صدوا بنجاح ما تعرضت

стр. 8403

له بلادهم من حملات وهجمات. لكن برغم هذا النجاح، فإن الوضع فى جورجيا كان غير مستقر، وفى سنة ١٧٦٠ م ذهب تيموراز إلى روسيا يطلب المساعدة. ولكن وصوله لروسيا كان بعد أيام قليلة من وفاة الأمبراطورة اليزابيث، كما أنه هو نفسه توفى فى بطرسبرج فى الثامن من يناير ١٧٦٢ م. وعندما أصبح إريكل ملكًا للمملكة المتحدة، واصل سياسة التقارب مع روسيا. وفى بداية الحرب الروسية - التركية، وصلت قوة روسية تحت قيادة الجنرال توتليبين إلى جورجيا (فى سنة ١٧٦٩ م) وسارت مع إريكل تجاه أخال - تسيخى. لكن هذا التحالف لم يستمر وعادت القوات الروسية إلى روسيا سنة ١٧٧٢ م. لكن إريكل، بعد أن صار بمفرده، حقق نجاحا ملحوظا عند أسبيندزا، وقام مع سولمون حاكم أميريتى، بحصار أخال - كالاكى، لكن سليمان باشا حاكم هذه المدينة سرعان ما رد الإهانة. ولم تُحدث المعاهدة الروسية - التركية سنة ١٧٧٤ م أى تغييرات حدودية فى أرض جورجيا. وتعهدت روسيا لإريكل بحماية أراضيه وتركت له الحرية الكاملة فى إدارة سياسته الداخلية، لكن السياسة الخارجية كانت تحكمها توجيهات روسيا التى أرسلت قوة إلى تفليس، لكنها استدعتها سنة ١٧٨٧ م. القاجار: خلال هذه الفترة حل القاجار محل الزَّند. ففى سنة ١٧٩٥ م حاصر الأغا محمد قاجار شوشة فى القرباغ، ثم اتجه إلى تفليس، التى استولى عليها فى ١١ سبتمبر ١٧٩٥ م ونهبها بشكل مخيف. وقد تبع الغزو الفارسى غزو من قبل الداغستانيين. وفى سنة ١٧٩٥ م وصلت كتيبتان روسيتان إلى جورجيا، وفى مارس ١٧٩٦ م، أعلنت روسيا الحرب على فارس. لكن فى نوفمبر ماتت كاترين الثانية وسحب خليفتها ابنها بول الأول فجأة قواته

стр. 8404

الروسية من جورجيا. وشرع الأغا محمد قاجار ثانية فى غزو ما وراء القوقاز، لكنه أُغتيل بالقرب من شوشه (١٥ يونيو ١٧٩٧ م). والملك المُسِن إريكل فى ١٢ يناير ١٧٩٨ م. وخلفه ابنه جيورجى الثانى عشر. وكان فتح على قاجار مشغولًا مع منافسيه على الحكم. ومن كارس، أرسل جيورجى قوة قوامها ٢٠٠٠ رجل تحت قيادة ابنيه؛ لكن المكائد ومشاكل الحكم فى العائلة المالكة جعلت موقفه غاية فى الصعوبة. وفى سنة ١٧٩٩ م أرسل سفارة إلى سان بطرسبرج وكان هدفها كالتالى: أن جورجيا سوف لا توضع تحت الحماية، ولكن تحت سيطرة الإمبراطور الكاملة مثل باقى المقاطعات الروسية. فى مقابل أن يكون العرش منحة للعائلة المالكة. وفى ١٨ ديسمبر ١٨٠٠ م، وقع الأمبراطور بول الأول البيان الرسمى بضم جورجيا، والذى أُعلن يوم ١٨ يناير ١٨٠١ م بعد وفاة جيورجى وتوفى بول الأول يوم ١١ مارس. وفى أبريل أرسل الجورجان استعطافًا للإمبراطور الكسندر الأول ليختار لهم أميرًا حاكمًا بلقب قائم المقام الامبراطورى وملك جورجيا. وفى يوم ١٢ سبتمبر ١٨٠١ م صدَّق بول الأول على أن كارتلى - كاخيتى أصبحت منذ ذالك فصاعدًا جزءًا مكملًا للأراضى الإمبراطورية الروسية. أما بقايا افراد البيوتات الجورجية الحاكمة فقد تم إبعادهم إلى روسيا. جورجيا تحت الحكم الروسى: لقد سهَّل تملك روسيا لجورجيا توسع قواتها العسكرية فيما وراء القوقاز. وكان على قائد الفرق العسكرية الروسية فى القوقاز آنذاك الأمير تسيتسيانوف Tsitsianov, أن يحتفظ بالمكاسب الروسية الأخيرة ضد عدة أعداء صرحاء، بما فيهم قبائل داغستان المسلمة والخانات المسلمين لكل من باكو وشاكى وجانجا فى آذربيجان الذين كانوا يتبعون فارس

стр. 8405

من الناحية الاسمية، فقام بإعلان الحرب على أعدائه ففى يناير ١٨٠٤ م استولى على جانجا، وقتل حاكمها جواد خان الذى كان قد ساعد قاجار أغا محمد على غزو جورجيا وسلب تفليس سنة ١٧٩٥ م. وتحول جانجا إلى اليزافتبول نسبة لزوجة القيصر اسكندر الأول إليزابث لكن تسيتسيانوف حين ذهب إلى باكو فى يناير ١٨٠٦ م، قُتل فى معركة خاضها ضد القوات الفارسية المحلية، إلا أن حملة أخرى أُرسلت بعد ذلك فى نفس العام أدت إلى الاستيلاء على كل من باكو ودارباند Darband. وقد مارس الروس أيضًا ضغطًا على العثمانيين، فاحتلوا بوتى على البحر الأسود سنة ١٨٠٩ م، كما احتلوا مدينة سوخوم قلعة فى أبخازيا (أفخازيا) سنة ١٨١٠ م كما احتلوا المركز الاستراتيجى لأبخازيا (أفخازيا) جنوب شرقى جورجيا سنة ١٨١١ م، ولم يستسلم أمير أميريتى للروس إلا فى سنة ١٨١٠ م بعد قتال عنيف. وفى غضون ذلك، أصبح حكم الروس فى جورجيا بسرعة مكروهًا، ووقعت ثورات جورجانية كثيرة ضده فى سنة ١٨١٢ م، حين أُعلن الأمير الباجراتى ملكًا على جورجيا، قبل قمع الثائرين تمامًا عليها. على أنه تم توقيع صلح عام بين الأطراف المتحاربة فيما وراء القوقاز وأعادت معاهدة بوخارست فى سنة ١٨١٢ م بوتى وأخالتلاكى Akhaltalki للعثمانيين. ولم يعد للمعاهدة التى عقدت سنة ١٨٠٧ فى فينكينشتين، والتى اعترف فيها الإمبراطور نابليون بونابورت بحقوق فارس على جورجيا، أى تأثير عملى، وفى معاهدة جوليستان سنة ١٨١٣ م أكدت روسيا ملكيتها لجورجيا، مع داغستان وخانيات المسلمين: قراباخ وجانجا وشاكى وشروان ودارباند وباكو وقوبا. وبالطبع لم يكن الفرس راضين عن هذه الخسائر الكبيرة التى فقدوها فى مقاطعات شرق القوقاز التى كانت تابعة لهم منذ زمن طويل، وفى سنة ١٨٢٦ م، انتهزوا فرصة وفاة الكسندر الأول ومؤامرة ديسمبر فى
следующие страницы →