← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.

стр. 8401

الاستيلاء العثمانى الثانى على جورجيا (١١٣٥ - ١١٤٧ هـ/ ١٧٢٣ - ١٧٣٤ م): حسَّنت المشاكل فى فارس وعند الروس الحال فى تركيا المضطربة. وفى رمضان ١١٣٥ هـ/ يونيو ١٧٢٣ م نصَّب السر عسكر إبراهيم باشا، الذى تفاوض مع فاختانح, فنصَّب باكار ابن الأخير حاكما على تفليس. فى نفس الوقت فإن المعاهدة الروسية - الفارسية التى تمت فى ١٢ سبتمبر ١٧٢٣ م، آلت بمقتضاها المقاطعات الواقعة على بحر قزوين لروسيا. ومن ناحية أخرى فإن هنالك معاهدة روسية - تركية وقعت فى ١٢ يونيو ١٧٢٤ م: احتفظت فيها روسيا بداغستان، وأخذت تركيا القوقاز بما فيها جورجيا. وذهب الملك المخلوع فاختانج إلى روسيا مع حاشية من ١٤٠٠ رجل (أغسطس ١٧٢٤ م). وحين ضم الأتراك كارتلى لهم، قاموا بإحصاء رسمى للسكان وفرضوا ضرائب عليهم. ولقد اختير اسحق باشا سنة ١٧٢٧ م حاكمًا لكل جورجيا. وفى سنة ١٧٢٨ م قام بتقسيم كارتلى بين الأمراء الإقطاعيين. نادرشاه وجورجيا: فى سنة ١١٤٣ هـ/ ١٧٣٠ م، أحرز الشاه طهماسب نصرًا محدودًا اعترف بنهر الرس (الآراس) كخط حدودى بين فارس وتركيا لكن نادرشاه, لم يكن مقتنعا بذلك، فخلع طهماسب واستأنف غزو القوقاز. وحين كان يقوم بعملياته العسكرية ضد داغستان (١١٤٧ هـ/ ١٧٣٤ م) خرج إسحاق باشا بجيش لمساعدة جاذجا التى هاجمتها القوات الفارسية وقد قام تعيموراز، ابن نزار على خان، وابن أخيه على ميرزا بمهاجمة إسحاق باشا وأجبروه على الهرب بنفسه فى قلعة تفليس وكافأ نادرشاه هذين الأميرين على شجاعتهما. وعند حصار الفرس

стр. 8402

لجانديا، أمر نادر صافى خان بأن يحاصر تفليس بمساعدة النبلاء الجورجان (الكرج). وحين هُزم عبد اللَّه باشا عند (باغاوارد) بالقرب من إروان، تنازل إسحاق باشا عن قلعة تفليس فى ١٢ ربيع الأول ١١٤٧ هـ/ ١٧ سبتمبر ١٧٣٤ م. واستدعى نادر نبلاء كارتلى وكاخيتى ومن بينهم طاهموراث الذى كانت له المكانة الكبرى فى بلاده وقد عين نادرشاه على ميرزا واليًا على كارتلى وكاخيتى مكافأة له لأنه كان مسلمًا كما أن أخاه سقط قتيلا فى معركة ضد عثمان باشا، وسمح طاهموراث بالذهاب إلى كاخيتى لإحضار أسرته إلى تفليس. وأصبح آنذاك: "رجل السيف والقرار السريع"؛ لكنه فر إلى جبال قراقا لخان (غرب جورى). وأرسل نادر قواته فى أعقابه بل لقد وصل نادرشاه نفسه تفليس فى ٢٩ جمادى الأولى، فعاقب من يستحق العقاب وكافأ من يستحق المكافأة وأرسلت ٦.٠٠٠ عائلة جورجانية ورحلت إلى خراسان. وفى سنة ١١٤٩ هـ/ ١٧٣٦ م قام صافى خان بالقبض على تيموراز وأرسله لفارس. وفى سنة ١١٥٨ هـ/ ١٧٤٥ م فرض نادر ٥٠.٠٠٠ تومان على جورجيا وذهب تيموراز ليطلب تخفيض المبلغ، ولكن عند وصوله تبريز سمع بوفاة نادر وخلف نادر فى الحكم على قُلى خان، زوج ختيفان، ابنة تيموراز. باجريت كاخيتى: ولقد ضمنت فترة الاضطرابات بعد موت نادر (١١٦٢ هـ/ ١٧٤٩ م) وحكم كريم خان، فترة راحة لجورجيا. وهى فرصة استثمرها بمهارة كل من تيموراز (ملك كارتلى ١٧٤٤ - ١٧٦١ م) وابنه إريكل أو إيراكلى الثانى (ملك كاخيتى ١٨٤٤ - ١٨٦١ م)؛ ولقد كان حكم هذين الملكين المسيحيين فترة من أسعد الفترات فى تاريخ جورجيا ولقد قاموا بحملات عديدة على ما وراء القوقاز، كذلك صدوا بنجاح ما تعرضت

стр. 8403

له بلادهم من حملات وهجمات. لكن برغم هذا النجاح، فإن الوضع فى جورجيا كان غير مستقر، وفى سنة ١٧٦٠ م ذهب تيموراز إلى روسيا يطلب المساعدة. ولكن وصوله لروسيا كان بعد أيام قليلة من وفاة الأمبراطورة اليزابيث، كما أنه هو نفسه توفى فى بطرسبرج فى الثامن من يناير ١٧٦٢ م. وعندما أصبح إريكل ملكًا للمملكة المتحدة، واصل سياسة التقارب مع روسيا. وفى بداية الحرب الروسية - التركية، وصلت قوة روسية تحت قيادة الجنرال توتليبين إلى جورجيا (فى سنة ١٧٦٩ م) وسارت مع إريكل تجاه أخال - تسيخى. لكن هذا التحالف لم يستمر وعادت القوات الروسية إلى روسيا سنة ١٧٧٢ م. لكن إريكل، بعد أن صار بمفرده، حقق نجاحا ملحوظا عند أسبيندزا، وقام مع سولمون حاكم أميريتى، بحصار أخال - كالاكى، لكن سليمان باشا حاكم هذه المدينة سرعان ما رد الإهانة. ولم تُحدث المعاهدة الروسية - التركية سنة ١٧٧٤ م أى تغييرات حدودية فى أرض جورجيا. وتعهدت روسيا لإريكل بحماية أراضيه وتركت له الحرية الكاملة فى إدارة سياسته الداخلية، لكن السياسة الخارجية كانت تحكمها توجيهات روسيا التى أرسلت قوة إلى تفليس، لكنها استدعتها سنة ١٧٨٧ م. القاجار: خلال هذه الفترة حل القاجار محل الزَّند. ففى سنة ١٧٩٥ م حاصر الأغا محمد قاجار شوشة فى القرباغ، ثم اتجه إلى تفليس، التى استولى عليها فى ١١ سبتمبر ١٧٩٥ م ونهبها بشكل مخيف. وقد تبع الغزو الفارسى غزو من قبل الداغستانيين. وفى سنة ١٧٩٥ م وصلت كتيبتان روسيتان إلى جورجيا، وفى مارس ١٧٩٦ م، أعلنت روسيا الحرب على فارس. لكن فى نوفمبر ماتت كاترين الثانية وسحب خليفتها ابنها بول الأول فجأة قواته

стр. 8404

الروسية من جورجيا. وشرع الأغا محمد قاجار ثانية فى غزو ما وراء القوقاز، لكنه أُغتيل بالقرب من شوشه (١٥ يونيو ١٧٩٧ م). والملك المُسِن إريكل فى ١٢ يناير ١٧٩٨ م. وخلفه ابنه جيورجى الثانى عشر. وكان فتح على قاجار مشغولًا مع منافسيه على الحكم. ومن كارس، أرسل جيورجى قوة قوامها ٢٠٠٠ رجل تحت قيادة ابنيه؛ لكن المكائد ومشاكل الحكم فى العائلة المالكة جعلت موقفه غاية فى الصعوبة. وفى سنة ١٧٩٩ م أرسل سفارة إلى سان بطرسبرج وكان هدفها كالتالى: أن جورجيا سوف لا توضع تحت الحماية، ولكن تحت سيطرة الإمبراطور الكاملة مثل باقى المقاطعات الروسية. فى مقابل أن يكون العرش منحة للعائلة المالكة. وفى ١٨ ديسمبر ١٨٠٠ م، وقع الأمبراطور بول الأول البيان الرسمى بضم جورجيا، والذى أُعلن يوم ١٨ يناير ١٨٠١ م بعد وفاة جيورجى وتوفى بول الأول يوم ١١ مارس. وفى أبريل أرسل الجورجان استعطافًا للإمبراطور الكسندر الأول ليختار لهم أميرًا حاكمًا بلقب قائم المقام الامبراطورى وملك جورجيا. وفى يوم ١٢ سبتمبر ١٨٠١ م صدَّق بول الأول على أن كارتلى - كاخيتى أصبحت منذ ذالك فصاعدًا جزءًا مكملًا للأراضى الإمبراطورية الروسية. أما بقايا افراد البيوتات الجورجية الحاكمة فقد تم إبعادهم إلى روسيا. جورجيا تحت الحكم الروسى: لقد سهَّل تملك روسيا لجورجيا توسع قواتها العسكرية فيما وراء القوقاز. وكان على قائد الفرق العسكرية الروسية فى القوقاز آنذاك الأمير تسيتسيانوف Tsitsianov, أن يحتفظ بالمكاسب الروسية الأخيرة ضد عدة أعداء صرحاء، بما فيهم قبائل داغستان المسلمة والخانات المسلمين لكل من باكو وشاكى وجانجا فى آذربيجان الذين كانوا يتبعون فارس

стр. 8405

من الناحية الاسمية، فقام بإعلان الحرب على أعدائه ففى يناير ١٨٠٤ م استولى على جانجا، وقتل حاكمها جواد خان الذى كان قد ساعد قاجار أغا محمد على غزو جورجيا وسلب تفليس سنة ١٧٩٥ م. وتحول جانجا إلى اليزافتبول نسبة لزوجة القيصر اسكندر الأول إليزابث لكن تسيتسيانوف حين ذهب إلى باكو فى يناير ١٨٠٦ م، قُتل فى معركة خاضها ضد القوات الفارسية المحلية، إلا أن حملة أخرى أُرسلت بعد ذلك فى نفس العام أدت إلى الاستيلاء على كل من باكو ودارباند Darband. وقد مارس الروس أيضًا ضغطًا على العثمانيين، فاحتلوا بوتى على البحر الأسود سنة ١٨٠٩ م، كما احتلوا مدينة سوخوم قلعة فى أبخازيا (أفخازيا) سنة ١٨١٠ م كما احتلوا المركز الاستراتيجى لأبخازيا (أفخازيا) جنوب شرقى جورجيا سنة ١٨١١ م، ولم يستسلم أمير أميريتى للروس إلا فى سنة ١٨١٠ م بعد قتال عنيف. وفى غضون ذلك، أصبح حكم الروس فى جورجيا بسرعة مكروهًا، ووقعت ثورات جورجانية كثيرة ضده فى سنة ١٨١٢ م، حين أُعلن الأمير الباجراتى ملكًا على جورجيا، قبل قمع الثائرين تمامًا عليها. على أنه تم توقيع صلح عام بين الأطراف المتحاربة فيما وراء القوقاز وأعادت معاهدة بوخارست فى سنة ١٨١٢ م بوتى وأخالتلاكى Akhaltalki للعثمانيين. ولم يعد للمعاهدة التى عقدت سنة ١٨٠٧ فى فينكينشتين، والتى اعترف فيها الإمبراطور نابليون بونابورت بحقوق فارس على جورجيا، أى تأثير عملى، وفى معاهدة جوليستان سنة ١٨١٣ م أكدت روسيا ملكيتها لجورجيا، مع داغستان وخانيات المسلمين: قراباخ وجانجا وشاكى وشروان ودارباند وباكو وقوبا. وبالطبع لم يكن الفرس راضين عن هذه الخسائر الكبيرة التى فقدوها فى مقاطعات شرق القوقاز التى كانت تابعة لهم منذ زمن طويل، وفى سنة ١٨٢٦ م، انتهزوا فرصة وفاة الكسندر الأول ومؤامرة ديسمبر فى

стр. 8406

سان بطرسبرج، وقاموا بغزو جورجيا وقراباخ. ورغم ذلك استطاع الجنرال باسكيفتش Paskevich درء أخطار هذا الهجوم وبمعاهدة تركمانسى سنة ١٨٢٨ م، وتثبيت الحدود الروسية مكانها واستُبعد النفوذ الفارسى عن القوقاز نهائيًا. ومن النتائج المهمة لذلك أن فارس قد حُرمت تمامًا من الاتصال المباشر مع مسلمى داغستان. ووجه باسكيفيتش بعد ذلك اهتمامه للجبهة التركية فى الغرب، آملًا فى الاستحواذ على المقاطعة الجورجانية السابقة سامتسخى، وتوغلت القوات الروسية حتى إرزروم (أرض روم)؛ ولقد قدَّمت معاهدة أدريانوبل سنة ١٨٢٩ م سامتسخى لروسيا كذلك موانئ البحر الأسود بوتى وأنابا، وبذلك انقطع على العثمانيين خط عملياتهم المباشرة مع قرقيسيا Circassiq وشمال غرب القوقاز. ولقد إنزعج المسلمون من توغل روسيا فى القوقاز، وتجلى ذلك فى الثورة التى قامت سنة ١٨٢٩ م فى شرق القوقاز التى عُرفت بحركة "المريد" بقيادة القاضى الإمام المُلا شامل الذى أصبح بعد ذلك الإمام "شامل"، الذى نجح فى احتجاز أعداد كبيرة من قوات الروس تحت يده لمدة ربع قرن. كذلك اندلعت ثورات أخرى ضد روسيا فى غرب القوقاز، فى قرقيسيا، بتشجيع تركى وإنجليزى. وخلال حرب القرم (١٨٥٤ - ١٨٥٦ م)، كانت جورجيا اعدة الهجمات على تركيا، وقد نجحت القوات التركية فى احتلال قارص سنة ١٨٥٥ م؛ وفى نفس الوقت تقدم جيش تركى تحت قيادة عمر باشا ونزل فى أبخازيا وغزى منجريليا. وقد أصاب الركود جورجيا فى العقود الأولى للحكم الروسى، وقد كان السبب الرئيسى للاستياء منع استقلال الكنيسة الجورجية سنة ١٨١١ م كمركز إشعاع الولاء للقومية الجورجانية، وتحدى ضمانات المعاهدة الروسية. الجورجية لسنة ١٧٨٣ م، التى نصت على دمج الكنيسة الجورجية بالقوة مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، مع إبعاد البطريرك الكاثوليكى أنطونى

стр. 8407

الثانى إلى سان بطرسبرج. وقوّضت الإدارة الروسية الحقوق الإقطاعية لنبلاء جورجيا، واستاء أهل جورجيا من كثرة الضرائب. وفى سنة ١٨٣٠ - ١٨٣٢ م تجمع الجورجان، حول بعض الأشخاص المهمين مثل الأمير الكسندر باجراش، المُبعد إلى فارس، وقاموا أخيرًا بمحاولة دحر الحكم الروسى فى جورجيا؛ ولكن حين فشلت هذه المحاولة، انتهت كل آمال أسرة باجرات فى العودة إلى الحكم، وغرقت جورجيا فيما أطلق عليه د. م. لانج "حالة إذعان مخدَّرة" وخلال فترة تولى الكونت ميشيل فورونتشوف نيابة الملك فى جورجيا (١٨٤٥ - ١٨٥٤ م) تمتعت جورجيا أخيرًا لعقدين أو ثلاثة بقدر من الرخاء، مع تشجيع تعليمى وثقافى وتوسع تجارى، مع بدايات التصنيع فى إقليم تفليس كجزء من الثورة الصناعية البارزة فى روسيا ككل خلال حكم الإمبراطور نيقولا الأول (١٨٢٥ - ١٨٥٥ م). وفى عهد حكم فورنتسوف زار جورجيا عميد الدراسات الجورجية فى الغرب "بروسيت" (١٨٠٢ - ١٨٨٠ م) واشتغل هنالك تحت رعايته وتشجيعه. ولقد عانت طبقة النبلاء الجرجانية القديمة من حالة تدهور عام فى هذه الفترة الانتقالية، وصاحبتها حالة نفور متزايد من جانب الفلاحين. وأصبحت أطراف جورجيا النائية، التى كانت قد استبقت لنفسها بعض الحكم الذاتى، الآن تحت الحكم الإمبراطورى المباشر. وفى سنة ١٨٥٧ م، أُستبعدت نائبة الملك، كاترين داديانى وعُزلت، وفى سنة ١٨٦٧ م أجبرت وريثها الشاب، نيقولا دادايانى أن يتنازل عن حقوقه فى الحكم لروسيا. وفى أبخازيا (أفخازيا)، المنطقة التى نصف سكانها مسلمون والنصف الآخر مسيحيون، حيث يتطلع المسلمون فيها لمساعدة العثمانيين، أُجبر أميرها ميشيل شارقا شيدز أن يتنازل عن الحكم بقوة السلاح سنة ١٨٦٤ م، مما قاد سريعًا

стр. 8408

للاستعباد الأخير القائم حتى اليوم للجراكسة (الشراكس) وهجرة حوالى ٦٠٠.٠٠٠ شركسى مسلم إلى الأراضى العثمانية بدلًا من العيش تحت الحكم الروسى. وفى سنة ١٨٦٤ و ١٨٦٥ م حُرر الرقيق فى جورجيا، وفى منجريليا وأبخازيا وسفانيتى. وهنالك فترة أخرى لحكم مستنير هى فترة حكم الدوق الأعظم ميشيل، أخو الكسندر الثانى، حاكم القوقاز (١٨٦٢ - ١٨٨٢ م)، الذى استطاعت روسيا بفضل قوة إقطاعه أن تستعيد خلال الحرب مع تركيا ١٨٧٧ - ١٨٧٨ م مناطق جوهرية لمقاطعة جورجيا القديمة التى كانت تحت السيطرة العثمانية منذ القرن السادس عشر. وبمقتضى إتفاق سان ستيفانو العقيم ومؤتمر برلين (١٨٧٨ م)، حصلت روسيا على ميناء باطوم، وواصلت حملاتها على قلعة قارص المهمة وأردهان، مُشرفة على الطرق فى شرق الأناضول، (لم تستعد تركيا هذين الإقليمين الأخيرين تمامًا حتى سنوات ١٩٢٠ و ١٩٢١ م). ولقد تميزت سنوات الحكم الأخيرة للدوق برسوخ الشعور بالرابطة السلافية التى ميزت السياسة الإمبراطورية فى ذلك الوقت والتى كانت نذير شؤم للأقليات غير الروسية فى الإمبراطورية، والتى شوهدت على سبيل المثال فى الخطر المفروض على استخدام الجورجيين للتدريس فى معهد تفليس اللاهوتى، المركز الرئيسى لتدريب الجورجيين على الكهنوت ومركز الإشعاع للقومية الجورجانية والمعاداة للروسية (وقد كان جوزيف جقاشقيلى ممن درس فيه فيما بعد وهو المعروف فيما بعد بستالين). ولقد كان ظهور حركات الفوضوية والشعبية فى جورجيا شكلًا من أشكال رد الفعل الثقافى والصحوة فى تلك الأيام من سنة ١٨٧٠ م فصاعدًا كذلك مع حركة الماركسية، المعروفة باسم "المجموعة الثالثة"، التى كان أحد قادتها

стр. 8409

نوى زوردانيا، رئيس جمهورية جورجيا المستقلة (١٩١٨ - ١٩٢١ م) ولقد كانت نهاية الرق وقيام الملكيات الإقطاعية فى جورجيا، وتوسعة الطرق وصناعات إنتاج الزيت فيما وراء القوقاز أماكن مثل باكو وباطوم وتفليس وكوتيسى، مما خلق ظروفا موافقة لانتشار هذه الحركات، التى استهدفت فى المقام الأول الحكومة الروسية الملكية. ولقد تلت ثورة ١٩٠٥ م الثورة الكبرى التى سبقتها سنة ١٩٠٢ م وقام بها المزارعون الكادحون فى جوريا فى جنوب جورجيا، وفى سنة ١٩٠٥ م نفسها، نظم الجورجيون الماركسيون إضرابات ولجان ثورية. ولقد لفت القمع الروسى وقوات الكوساك نظر الغرب لمطالب الجورجان كأمة، وشوهد ذلك مثلًا فى بريطانيا بتأسيس لجمعيات من خلال مجهودات العلماء الجورجان أوليفر ومارجورى واردروب لجمعية أصدقاء جورجيا التى عملت فى خط موازٍ لجمعيات ى. ج. بروان الدستورية الفارسية. وخلال الحرب العالمية الأولى، تمركز الجورجيون المهاجرون فى وسط أوربا، تحت رعاية الألمان، وفى سنة ١٩١٥ م تكوَّن الفيلق الجورجانى ليحارب على الجبهة الساحلية للبحر الأسود. وفى الحرب الروسية - التركية فى غرب القوقاز، حارب المسلمون الجورجان إلى جانب العثمانيين، فى حين انضم الأرمن للروس. وبسقوط حكومة تساريست فى أبريل ١٩١٧ م، اكتسب المنشفيك القوة، ولكن تحطم الجيش الملكى سمح لتركيا بأن تستعيد مستعمراتها فى شرق الأناضول وأن تتقدم إلى ما وراء القوقاز، منتقمة من الأرمن مقابل سبق قتل الأرمن للمسلمين. ولقد رفض المسلمون فى آذربيجان أن يواصلوا القتال ضد تركيا وبعد أن انفصلوا عن روسيا نفسها أعلن مسلمو آذربيجان مع بلاد ما وراء القوقاز من ١٢ أبريل ١٩١٨ م أعلنوا أنفسهم جمهورية فيدرالية مستقلة، شاملة جورجيا المسيحية وأرمينيا وآذربيجان الإسلامية. ولقد ضغط العثمانيون لرد مقاطعة فى

стр. 8410

جورجيا كانت قد فقدتها لصالح روسيا، وانتقمت لذلك باحتلال باطوم. ولقد تسببت قوى خارجة آنذاك فى تقسيم جمهورية ما وراء القوقاز إلى ثلاثة أقسام أساسية، وفى ٢٦ مايو ١٩١٨ م قامت جمهورية جورجيا المستقلة، تحت الحماية الألمانية؛ ووقع الصلح بين جورجيا وتركيا فى يونيو، مع استرداد تركيا لباطوم وقارص وأدرهان وأخالتسيخى وأخالكالاكى. ومنذ عام ١٩١٨ م حتى ١٩٢١ م كان الحكم فى جورجيا اشتراكى ديمقراطى ورأس الحكومة زوردانيا، وفى هذه الفترة زاد بتلور القومية الجورجية، (وفُتحت أول جامعة جورجية فى تفليس سنة ١٩١٨ م). وفى هذه السنة، حلت القوات البريطانية فى جورجيا محل القوات الألمانية، على أن يُصبح أوليفر واردروب المندوب البريطانى فى جمهوريات ما وراء القوقاز الثلاث، على أن تكون قاعدته تفليس. وفى ٢٧ يناير ١٩٢١ م، اعترفت فرنسا وبريطانيا بجورجيا دبلوماسيًا كدولة مستقلة. على أن الدولة الجديدة كانت مهددة، فكان عليها أن تحارب ادعاءات الأرمن فى أراضى جورجيا، وأن تحارب القوات التركية فى الجنوب، وفوق كل ذلك، أن تحارب البلشفيك (الروس الشيوعيين). وفى سنة ١٩٢١ كان البلشفيك يهددون تفليس نفسها, ولقد سقطت بعد مقاومة بطولية فى ٢٥ فبراير وتعرضت لنهب مخيف على يد الجيش الأحمر، ولقد هرب زوردانيا مع حكومته بالبحر إلى استانبول. ولقد قاست جورجيا تحت حكم السوفيت الحتمى من تجدد النعرة القومية لروسيا العظمى وللامبريالية. وللعقدين التاليين أو أكثر، وحتى سنة ١٩٥٣ م، رزحت جورجيا تحت قهرستالين وتابعه بيريا، الذى كان نفسه من منجريليا والذى مارس سلطات دكتاتورية فيما وراء القوقاز سنة ١٩٣٢ - ٣٨. وحتى سنة ١٩٣٦ م، كانت جورجيا محرومة من استقلالها

стр. 8411

وأصبحت جزءًا من اتحاد ما وراء القوقاز الفيدرالى فى داخل الاتحاد السوفيتى، الذى كانت تفليس عاصمته، ثم صارت جورجيا جزءًا من الجمهوريات السوفيتية التى يتكون منها الاتحاد السوفيتى (المنحل). ووفقًا لإحصائيات ١٩٧٠ م، فإن مجموع سكان جورجيا ٤.٦٨٦.٠٠٠, ٤٨ % منهم يسكنون المدن، و ٥٢ % منهم فلًاحون، والمدن الرئيسية بها هى: تفليس (عدد سكانها ٩٠٧.٠٠٠) وأصغر مراكزها فى كويتسى، وروستافى، وسوخوم وياطوم. وعرقيًا، يتكون ٦٧ % من السكان من الجورجان الأصليين، لكن هنالك أقليات أرمينية، وروسية، وآذربيجانية، وأوستيانية وأبخازية (أفخازية) ونسبة المسلمين من جميع هؤلاء غير واضحة لكن فى سنة ١٩٢١ م كان فى العاصمة تفليس عدد لا بأس به من الأتراك، وفى سنة ١٩٢٢ م تحت الحكم السوفيتى، كانت تصدر هنالك جريدة تركية محلية؛ لكن الإحصاء السكانى لسنة ١٩٢٢ م أحصى فقط ٣.٢٥٥ آذربيجانى تركى فى جورجيا، و ٣.٩٨٧ إيرانى، وبالطبع كلهم مسلمون. أما الأتراك الآذربيجانيون فى جورجيا فإننا نجدهم بالطبع أساسًا فى امتداد سهل آذربيجان إلى الشرق والجنوب الشرقى لتفليس. المصادر: (١) Brosset: Histoire de la Geirgie, st. Petr. ١٨٤٩ - ٥٧ (٢) D. M. Lang: Catalogue of Georgian and other Caucasian, London ١٩٦٢ (٣) D. Barrett: Catalogue of the Wardrop collection, Oxford ١٩٧٣ (٤) W.E.D. Allen: A history of Georgian pepole, London ١٩٣٢ (٥) A. Manvelichvili: Histoire de Georgie, Paris ١٩٥١ (٦) Encyclopaedia of Jslam, V

стр. 8412

الكرخ الكرخ كلمة أرامية الأصل مشتقة من "كركة" الأرمنية ومعناها "المدينة" أو (المدينة الحصينة) ولكنها أطلقت على عدة مدن فى مختلف العصور الإسلامية، وكانت موجودة فى مناطق ذات ثقافة آرامية قبل الفتح الإسلامى، وتتميز كل بلد منها عن الأخرى بإضافة أسمها إليها كقولهم "كرخ" بغداد وكرخ سامراء (انظر المشترك لياقوت ٣٦٨, ٣٧٠ المعجم جـ ٤ ص ٢٥٤ - ٢٥٧). أما فى بغداد فكانت تشير إلى ناحية معينة هى المعروفة بباب الكرخ، ثم عممت فأطلقت على الجانب، الغربى بأكمله وهو الواقع حول ما يعرف بالمدينة المدورة: مدينة الخليفة المنصور مؤسس بغداد (انظر الإصطخرى ٨٤، وإبن حوقل طبعة كرايمرز (٢٤١ - ٢٤٢) وإذا رجعنا إلى اليعقوبى الذى يصور لنا أحوال القرن الثانى للهجرة (الثامن الميلادى) فإن حدود الكرخ فى الطول كانت قصر وضاح من الناحية الشمالية وسوق الثلاث من الجنوب، أما حدودها من ناحية العرض فكانت أرض الربيع (غربًا) ودجلة (راجع البلدان ٢٤٦ وبغداد، والخرائط الواردة فى بغداد للمسترانج رقم ٣, ٤, ٧). ويستدل من الاسم الآرامى أن منطقة الكرخ كانت موجودة حتى قبل تأسيس المنصور لبغداد سنة ١٤٥ هـ (= ٧٦٤ م) ولكن على هيئة كورة مستقلة يقال إنها من إنشاء شاهبور الثانى الساسانى (٣٠٩ - ٣٧٩ م)، وليس من شك فى أن شأنها كان شأن المحلات الصغيرة التى كانت موجودة فى البقعة التى صارت فى المستقبل عاصمة الخلفاء حيث كان أغلب سكانها من الآراميين المسيحيين. وكان السوق القديم للشطر الغربى (الذى عرف بسوق بغداد) يقع فى الكرخ، وهناك كثير من الأدلة التى تحمل على الاعتقاد أن أسواق الكرخ إستمرت تؤدى خدماتها لسكان تلك الناحية الكثيرين وذلك حين بنيت المدينة

стр. 8413

المدوَّرة (انظر الطبرى تاريخ الرسل والملوك جـ ٢ ص ٩١٠, ٩١٤) واعتزم المنصور قرب نهاية عهده أن يطوّر المناطق التجارية الواقعة جنوبى المدينة المدوَّرة وأن ينقل بعضًا من الأسواق التى كانت موجودة هناك، ومن أجل تحقيق هذه النية ساعدت الدولة بأموالها المقاولين المختلفين تدفعها ليبنوا محلاتهم فى الكرخ، كما قامت الحكومة من جانبها بتوسيع شبكة أعمال الطرق والمسالك المؤدية إلى داخل المنطقة أو الخارجة منها (راجع الخطيب البغدادى "طبعة القاهرة" جـ ١ ص ٧٩ - ٨٢، تاريخ الطبرى جـ ٣ ص ٣٢٣ - ٣٢٤, ومعجم البلدان لليعقوبى ٢٤١). وكانت أرض الكرخ تُرْوى بالمياه التى يمدها بها نهر عيسى الذى يعتبر رافدًا كبيرًا للفرات حيث يقع فى أقصى شماله وعلى فرعيه "الصرات" و"الكرخايه" التى تعرف أيضًا باسم قناة الكرخية التى تخرج من نهر عيسى أسفل بلدة المحول الصغيرة الواقعة على مقربة من قرية "البراثا" (انظر ياقوت معجم البلدان جـ ١ ص ٦٦٥) والتى تمدّ الجزء الجنوبى من النصف الغربى من بغداد أعنى بذلك الحى التجارى وما حوله بما يحتاجه من الماء الوارد إلى هناك من القنوات المائية التى تجرى تحت الأرض فى بعض النواحى، ومن فوقها كثير من الجسور المزدحمة بحركة المرور، أما فيما يتعلق "بالكرخاية" ونظام قنواتها فراجع ما كتبه لى سترانج فى جريدة الجمعية الملكية الآسيوية لسنة ١٨٩٥/ ص ١٧ - ٢٦, ٢٨٦, ٢٨٨, ٢٩٢ - ٢٩٣. والعجائب لسهراب، والخطيب البغدادى جـ ١ ص ٧٩ - ٨٢ وياقوت: المعجم جـ ٢ ص ٢٥٢، ولى سترانج بغداد ٥٢ - ٥٦, ٦٣ - ٨٠، ويرجع الفضل فى ازدهار منطقة الكرخ تجاريا إلى هذه الشبكة المتعددة الفروع من القنوات التى كان أهمها قناة الصرات التى تمتاز بسعتها سعة كبيرة تسمح بمرور القوارب الكبيرة بها والتى تربط الفرات بدجلة أكبر أنهار العراق. أما الضاحية التى كان مسجدها الخاص هو مسجد الجمعة فكان لها كيانها الخاص، ولدينا أوصاف مفصلة

стр. 8414

لشتى نواحى الكرخ خلَّفها لنا الخطيب البغدادى واليعقوبى وابن الفقيه ومخطوطة المشهد التى لم تطبع بعد، على أن أعظم عرض لهذا الجانب إنما هو لسهراب فى كتاب العجائب الذى جمع فيه كل القنوات والمجارى المائية. وكان الشيعة يؤلفون الغالبية العظمى من سكان الكرخ، فلما كان مطلع القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) كثرت المناوشات بين الشيعة والسنة لاسيما فى المنطقة الممتدة من الأحياء المجاورة لباب البصرة وباب المحوّل، وكان الخراب والدمار اللذان ألَمّا بالناحية شديدين شدة مفزعة وذلك خلال فترة تدهور سلطان البويهيين وزمن السلاجقة الذين جاءوا بعدهم ولم تجد الحكومة عندها ميلا لفتح الأسواق كما لم تتوفر عندها الأموال اللازمة لذلك. ولقد زادت الصراعات والمصادمات حدة بين شيعة العاصمة وأهل السنة زمن البويهيين أصحاب الميول العلوية ثم تفاقم خطر هذه الصراعات فتحول إلى قتال دموى فى الشوارع بين الطائفتين المتنازعتين وأصبح ذلك أمرا مألوفا غير مستغرب عند أحد، وصار القتل سمة تتسم بها الحياة اليومية هناك، مع ما يصحب ذلك من النهب والسلب والحريق، وكانت الكرخ فى بؤرة هذا النضال الشديد ولا ترى سكانها إلا وهم مشرعون خناجرهم ضد السنة من أهل الأحياء المجاورة (مثل باب البصرة وغيره) حتى أن جلال الدولة (٤١٦ - ٤٣٥ هـ = ١٠٢٤ - ١٠٤٤ م) الذى بلغ الوضع فى أيامه ذروة الخطورة اضطر فى إحدى المرات (فى سنة ٤٢٢ هـ = ١٠٣١ م) للفرار إلى الكرخ مع رفاق له من الشيعة، ثم إنه فى سنة ٤٤٥ هـ = ١٠٥٣ م) أدت هذه الفتن إلى تحويل جزء كبير من الكرخ إلى هشيم كما حدث من قبل زمن الخليفة الواثق (٢٢٧ - ٢٣٣ هـ = ٨٤٢ - ٨٤٧ م) حيث شب حريق هائل بالكرخ دمرّها وخرب عامرها فصارت يبابًا، لكن سرعان ما أمكن التغلب على آثار هذا الدمار، وقد لاحظ الخطيب البغدادى (وهو من أهل القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى) أن معظم قنوات الرى فى

стр. 8415

يومه قد طغى عليها الطمى وطُمست معالمها، ولقد تضاءلت هذه الضاحية فى العصر الحديث حتى صارت ضاحية جدباء غامرة على شاطئ النهر بعد أن كانت فى يوم من الأيام السالفة منطقة كبيرة عامرة. على أنه بمرور السنين ازدحمت الكرخ بكثير من المساجد والمزارات واتسعت رقعتها حتى أصبحت تشمل كل النصف الجنوبى الواقع غربى نهر دجلة، وكان من أشهر مزاراتها مزار شيخها وابن محلتها معروف القيزران الكرخى المتوفى سنة ٢٠٠ هـ (= ٨١٦ م) كما يوجد بها قبر يزعمون أنه قبر زبيدة زوجة هارون الرشيد ولا يبعد عن سابقه أكثر من ثلاثمائة ياردة وهو إلى الجنوب منه، ولقد جدّد القبرَ والضريحَ الخليفةُ الناصر (٥٧٥ - ٦٢٢ هـ/ ١١٨٠ - ١٢٢٥) ثم كثرت عمليات الترميم فيهما منذ ذلك الحين. وكان قبر الكرخى منذ مطلع القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) واحدا من أشهر أماكن الحج فى بغداد وهو يقع وسط جبانة رائعة كما كان الشأن زمن بنى العباس، أما فيما يتعلق بالقبر الذى يقال له قبر زبيدة (راجع لى سترانج وماسينون وهيرتسفلد، وأما عن غير هذين من المشاهد الموجودة فى الجانب الغربى من بغداد فانظر ماسينون، شرحه ٦٤ وما بعدها، ٩٤ وما بعدها). لم تكن الكرخ أكبر أحياء النصف الغربى من بغداد فقط بل كانت أيضا أطولها حياة. وذلك أنه لما أخذ الخراب يعم كافة النواحى يوما بعد يوم بقيت الكرخ وحدها بمعزل عن ذلك الدمار، بل أنها حتى زمن ياقوت (بدءًا من القرن السابع الهجرى = الثالث عشر الميلادى)، كانت أشبه ما تكون ببلدة قائمة بذاتها مثل ما كانت عليه فى السنوات الأولى التالية لبناء بغداد، وكانت على بعد ميل تقريبًا من منطقة باب البصرة التى كانت لا تزال آهلة بالسكان (وهذه المنطقة الأخيرة أعنى منطقة باب البصرة تقع فى الجنوب الشرقى من مدينة المنصور القديمة المعروفة بالمدينة المدوَّرة) ولما تقدمت السنون وجاءت العصور الوسطى

стр. 8416

المتأخرة أصبح من النادر إطلاق اسم "حىّ باب البصرة" على جميع أحياء بغداد الغربية (نستفيد هذا -على سبيل المثال- مما ذكره ابن بطوطة -وهو من رجال القرن الثامن الهجرى الرابع عشر الميلادى)، على أنه يجب ملاحظة أن طبوغرافية الكرخ وما جاورها كما هى واردة فى ياقوت ليست مطابقة تمام المطابقة لوصفها الوارد فى غيره من المصادر، ويبدو أن معلومات صاحب معجم البلدان فى الوقت الذى ألف فيه معجمه الجغرافى لم تكن من المعلومات التى يمكن الاعتماد عليها، فقد زال كثير من المواضع ولم يبق من معالمها أثر يدل عليها، وقد استمر هذا الوضع فى العصور الحديثة بالكرخ التى لم يبق منها سوى قليل من كرخ العصور الوسطى. وهناك كرخ أخرى هامة هى المعروفة بكرخ سامرا نسبة إلى مدينة سامراء (أو سر من رأى) وهى التى صارت العاصمة الثانية بعد بغداد والتى شيدها الخليفة المعتصم سنة ٨٣٦ م على بعد ستين ميلا تقريبًا من عاصمة المنصور، وإذا كانت قد عرفت بكرخ "سامرا" فإنها عرفت أيضًا بكرخ جُدّان (انظر: ياقوت الحموى معجم البلدان، جـ ٤ ص ٢٥٥ - ٢٥٦) التى هى أقدم من سامرا وهى لا تبعد عن منطقة القصر كثيرا، غير أنه لما أخذت المدينة فى الاتساع نحو المتوكلية امتدت ما يقرب من عشرين ميلا على طول جبهة النهر، وأصبحت كرخ سامراء معسكرًا حربيا ليس فيه سوى غلمان الخليفة الأتراك بقيادة أشناس (انظر البلدان لليعقوبى ٢٥٨ - ٢٥٩ والمعجم لياقوت جـ ٤ ص - ٢٥٦) وصارت كرخ سامراء بذلك تختلف عن الكرخ الأصلية وعن بغداد ذاتها التى كانت بأكملها ناحية تجارية خالية تماما من أى أثر للجند، وزيادة على ذلك فإن الجند الأتراك كانوا يعيشون بمعزل تماما عن الأهالى ولم يكونوا أحرارا فى الزواج بمن يريدون ولكنهم يتزوجون اللائى يُخْتَرْن لهم، كما لم يكن يسمح بوجود

стр. 8417

محلات تجارية إلا لتلك التى تخصص لمنفذ توزيع مواد الإعاشة والأكل، على أنه لما تدهورت "سامراء" هاجر الناس كثيرا من النواحى فى الوقت الذى استمرت فيه الكرخ آهلة بالسكان. المصادر: وردت فى المتن. بدرية الدخناخنى [م شترن، ج لاستر S. M. Stern, Laster] كردستان (الأكراد) الأكراد، شعب من شعوب الشرق الأدنى، وهو يعايش الشيعة عند منطقة التقاء تركيا العلمانية وإيران الشيعية، والعراق العربى السُنى وشمال سوريا العربية السنية أيضًا، وما وراء القوقاز السوفيتى. ولكردستان أهمية اقتصادية واستراتيجية لا يمكن إنكارها. ومنذ نهاية الحرب العالمية الأولى، عانى الشعب الكردى، مثل باقى جيرانه، من تحول ملحوظ فى النظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى. ولقد نُشرت أعمال كثيرة عن الأكراد فى كل الأقطار. ولفظة "كرد" العرقية لفظة قديمة الاستعمال، فهى معروفة منذ الفتح العربى إذا لم نرغب الرجوع لفترات أقدم من ذلك، ويبدو أن اسم كردستان أو "أرض الأكراد" يرجع تاريخه إلى عصر السلطان سنجر (ت ٥٥٢ هـ/ ١١٥٧ م)، آخر سلاطين السلاجقة العظام، الذى أقام مقاطعة تدعى "بهار" إلى الشمال الشرقى من همدان. وكانت هذه المقاطعة، بين أذربيجان ولورستان، وكانت تضم مناطق همدان، والدينور، وكرمانشاه وسِنّا، إلى الشرق من جبال زاجروس وإلى الغرب من شهرزور وخفتيان، على نهر الزاب. ولقد أحصى حمد اللَّه المستوفى (ت ٧٥٠ هـ/ ١٣٤٩ م) هذه الأقسام الستة عشر فى كتابه "نزهة القلوب". على أن الامتداد البدوى لكردستان قد تغير خلال القرون. ولم يتردد "شرف الدين" فى كتابه "شرفنامه" من ضم إقليم اللور (الجبال) لكردستان، كما فعل كل المؤرخين العرب. ولقد عدَّد الرحالة التركى "أولياء شلبى" فى كتابه "سياسة نامه" تسع ولايات فى أيامه

стр. 8418

كانت تتكون كردستان منها هى: إرزروم (أرض روم)، فان، هكارى، دياربكر، الجزيرة، العمارية، الموصل، شهرزور، وأردلان والتى تحتاج ١٧ يوما لعبورها. لكن المنافسة بين سلاطين العثمانيين وشاهات فارس حطمت هذه الوحدة. ولم تغط الإدارة التركية أكثر من ثلاثة لواءات (لإيالة) كردستان وهى: دار سليم، وموش، ودياربكر. وبنفس الطريقة، ففى إيران فى القرن ١٦، اقتطعت همدان لورستان من كردستان واقتصر اسم كردستان على إقليم أردلان مع سنّا كعاصمة لها. واليوم فإن إيران تعترف بمقاطعة باسم كردستان. وفى أى مكان آخر فإن لفظة "كردستان" قد استبعدت من لغة الإدارة ومن الأطالس الجغرافية. ففى تركيا يعرف الجزء الكردستانى بشرق الأناضول، وفى العراق يعرف بأقاليم الشمال؛ وفى سوريا باسم إقليم الجزيرة. وتختلف أعداد الأكراد من إحصاء لآخر، ولقد أجريت إحصاءات تقديرية للأكراد فى الدول المختلفة وتمثل أعدادها تناقصًا مختلفًا، أجرى الأول نيكيتين سنة ١٩٥٦، والثانى بروك سنة ١٩٥٨، والثالث قاسملو سنة ١٩٦٥ والرابع فانلى سنة ١٩٧٠, والخامس إدموندز سنة ١٩٧١، وها هو جدول يبين أعداد الأكراد وفقا لهذه الاحصاءات، والأرقام الواردة تشير إلى عددهم بالآلاف. ١ تقدير نيكيتين ... ٢ تقدير بروك ... ٣ تقدير قاسملو ... ٤ تقدير فانلى ... ٥ تقدير إدموندز تركيا ... ٤.٥٠٠ ... ٢.٥٠٠ ... ٤.٩٠٠ ... ٦.٦٠٠ ... ٣.٢٠٠ إيران ... ١.٥٠٠ ... ١.٨٠٠ ... ٣.٣٠٠ ... ٤.٢٥٠ ... ١.٨٠٠ العراق ... ٥٠٠ ... ٩٠٠ ... ١.٥٥٠ ... ٢٠٠٠ ... ١.٥٥٠ سوريا ... ٥٠٠ ... ٣٠٠ ... ٢٥٠ ... ٥٠٠ ... ٣٢٠ ما وراء القوقاز ... ٢٥٠ ... - ... ١٦٠ ... ١٥٠ ... ٨٠ المجموع ... ٧.٢٥٠ ... ٥.٥٠٠ ... ١٠.١٦٠ ... ١٣.٥٠٠ ... ٦.٩٥٠ سنة التقدير الإحصائى ... ١٩٥٦ ... ١٩٥٨ ... ١٩٦٥ ... ١٩٧٠ ... ١٩٧١ ولم تساعدنا المصادر الإسلامية والروايات الكردية فى حل مشكلة معرفة أصل الأكراد. فالمسعودى، ينقل عن رواية وردت فى "الشاهنامه"، أنهم ينتسبون إلى الفرس الذين هربوا من بطش الضحاك. وفى سنة ١٨١٢ م يذكر موريير Morier (فى رحلته

стр. 8419

الثانية) احتفالًا وقع فى مدينة (داماواند) "يوم ٣١ أغسطس" بمناسبة خلاص الفرس من بطش الضحاك، وقد عرف هذا العيد "بالعيد الكردى" وعلى الجانب الآخر، ينسب الأكراد أنفسهم إلى أنساب عربية. فبعضهم يدعى أنهم من نسل ربيعة بن نزار بن معد وتسمت باسمهم ديار ربيعة (الموصل)، والآخرون يدّعون أنهم من نسل مضر ابن نزار وقد تسمت باسمهم ديار فضر (الرقة). وقد قالوا بأن الأكراد قد انفصلوا عن الأصل العربى نتيجة للعداء بينهم وبين عرب الغساسنة وأنهم انسحبوا إلى الجبال، واختلطوا هنالك مع الأغراب واندمجوا معهم وفقدوا نتيجة ذلك لغتهم العربية الأصيلة، اللغة الأم. ومن المثير حقا أن نجد فى سلسلة نسب أسلافهم أسماء عربية مثل: "كرد بن مرد بن صعصعة ابن حرب بن هوازن" (المسعودى: التنبيه والإشراف، ص ٨٨ - ٩، "وكرد ابن اسفنديار بن منوشهر بن حوقل" ص ١٨٥ - ١٨٧)، و"كرد بن مرد بن عمرو". وربما كانت الحقائق فى سلسلة النسب العربية هذه قليلة. تاريخ الفترة الإسلامية حتى عام ١٩٢٠ م لدينا معلومات تفصيلية عن الأكراد من أيام الفتح العربى فصاعدًا وخلال القرون الهجرية الخمسة الأولى لشعب الأكراد فى أكثر الأحيان دورًا ملحوظًا فى الأحداث وأخذوا روح المبادرة فيها. ولقد قامت بعض الأسرات الكردية الحاكمة فى هذه الفترة. ويبدو أن أمواجًا من الترك والمغول قد غمروا الأكراد بغزوات متلاحقة من القرن السادس الميلادى إلى القرن العاشر. لكن فترة الحروب بين سلاطين العثمانيين وشاهات الصفويين قد أتاحت للأكراد فرصة صالحة لنمو النظام الاقطاعى، الذى أعطت (الشرفنامه) عنه صورة صادقة (١٠٠٣ هـ - ١٥٩٦ م). ولقد استقرت الحدود التركية - الفارسية تدريجيًا، وتراجع الفرس خلف جبال زاجروس وشعابها

стр. 8420

الشمالية. ثم بدأت تركيا فى تدعيم سيطرتها داخل الأقاليم الشرقية. وعند نهاية القرن التاسع عشر الميلادى ضُمت الإمارات الكردية (هكارى، وبدليس، والسليمانية) إلى الأراضى التركية بينما ضمت أردلان إلى فارس. لكن القبائل الكردية الكبيرة ظلت باقية. محافظة على العنصر الكردى بخصوصياته الاجتماعية والعرقية. ولقد قام الأكراد بثورات عديدة فى القرن التاسع عشر، ومع بداية القرن العشرين أضافت حركة كردية عنصرًا جديدًا لعناصر الإثارات القومية فى الإمبراطورية التركية. ولقد جرّت ثورة ١٩٠٨ م الأكراد لعالم السياسة؛ وبدأت الصحف والمجلات والجمعيات الكردية فى التكاثر والازدياد. وخلال الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ - ١٩١٨ م أثيرت فكرة حكومة استقلالية لكردستان من جانب القوى الغربية، لكن الخطة تحققت إلى الآن بشكل جزئى وذلك بإلحاق الولاية القديمة للموصل بدولة العراق. كردستان بعد الفتح العربى: سنجد أنه من المفيد أن نبدأ بجمع المعلومات التى قدمَّها لنا المؤرخون العرب بصدد توزيع القبائل الكردية. ولم يكن لفظ كردستان معروفًا فى المصادر العربية قبل عصر حكم السلاجقة، وعادةً ما نجد المعلومات عن الأكراد عند المؤرخين العرب تحت عناوين مثل: زوزان، خلاط، أرمينيا، آذربيجان، الجبال، فارس، وغيرها. و"المسعودى" "حوالى" ٣٣٢ هـ/ ٩٤٣ م) و"الاصطخرى" (٣٤٠ هـ/ ٩٥١ م) هما أول المؤرخين الذين أعطونا معلومات مرتبة عن الأكراد. وفى "مروج الذهب" (جـ ٣، ص ٢٥٣) يُعدد المسعودى القبائل التالية: قبيلة الشوهجان فى الدينور وهمدان؛ والماجوردان فى كانجاوور؛ والهاجبانى والسادرات فى آذربيجان؛ والشادانجان فى إقليم الجبال، وغيرها. وقد فعل الإصطخرى الشئ نفسه.

стр. 8421

الأكراد تحت حكم الخلفاء والبويهيين: لقد جاء اتصال العرب المسلمين بالأكراد بعد فتح العرب تكريت وحلوان سنة ١٦ هـ/ ٦٣٧ م. ولقد سار سعد ابن أبى وقاص إلى الموصل، وفتح المناطق الكردية فى هذه الأنحاء. ثم أتم عياض بن غَنم وعتبة فتح الإقليم، وتم إقرار بطريق الزوزان سنة ١٩ هـ/ ٦٤٠ م فى منصبه على أن يدفع الخراج. وفى سُسيانا حارب العرب الأكراد الذين غضبوا لمقتل الهرمزان، حاكم الأهواز الفارسى. ولقد أرسل الخليفة عمر عدة حملات إلى أكراد الأهواز. ونجح العرب الفاتحون سنة ٢٢ هـ/ ٦٤٣ م، بعد قتال عنيف -فى الاستيلاء على شهر زور، ودربانج والصمغان، وفى الجنوب كان على والى البصرة "أبو موسى الأشعرى" أن يقضى على ثورات الأكراد فى بيروض وبلسجان سنة ٢٥ هـ/ ٦٤٥ م، لكن الأكراد تحولوا آنذاك إلى الإسلام. وفى خلافة على شارك الأكراد الفرس والمسيحيين فى الثورة التى نشبت فى الخريت al-khirrit بالقرب من الأهواز وفى فارس. ولقد عُين المختار بن أبى عبيد (الثقفى)، الذى كان قد حاصر أرمينيا وآذربيجان فى عهد حكم الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان، حاكما على حلوان سنة ٦٦ هـ/ ٦٨٥ م، الذى كان عليه أن يحارب الأكراد، ولكن موته أى المختار حال دون تنفيذ ذلك. وتحالف الثائر عبد الرحمن بن الأشعث فى عهد هذا الخليفة الأموى سنة ٨٣ هـ/ ٧٠٢ م مع أكراد سابور فى فارس. وفى سنة ٩٠ هـ/ ٧٠٨ م قام الأكراد بنهب فارس وعاقبهم الحجاج (الثقفى) على ذلك. وفى سنة ١٢٩ هـ/ ٧٤٦ م قاوم خوارج سابور تحالف سليمان الخارجى الذى ثار ضد الخليفة مروان الثانى وحاصر سابور. ولقد كان الخليفة مروان نفسه ابنا لجارية كردية ورث عنها العيون الزرقاء والمظهر العام الوسيم. وفى عهد الخليفة العباسى "المنصور"، أسفر غزو الخزر لأرمينيا سنة ١٤٧ هـ/ ٧٦٤ م عن العديد من

стр. 8422

الثورات. وبعد سنوات قليلة ذكر انتشار الأكراد متصلًا بالثورة فى الموصل وبأصدائها فى همدان. ولقد كان جعفر بن المنصور، ابنا لجارية كردية (الطبرى). وفى عهد المستعصم، تحدثت المصادر عن قيام ثورة كردية فى الموصل بقيادة جعفر بن فهارجيز وهو سليل عائلة كردية أصيلة. ولما هزم جعفر بن فهادجيز، لجأ إلى جبال دازين، وتحصن بها وتمكن من هزيمة قوات الخليفة. ولقد أرسل جيش آخر بقيادة القائد التركى "إيتاخ" نجح فى وضع حد لهذه الثورة والقضاء عليها. واندلعت ثورة كردية أخرى سنة ٢٣١ هـ/ ٨٤٥ م فى أقاليم أصفهان، والجبل وفارس، ولكن سرعان ما قضى عليها القائد التركى "وصيف". ولقد انضم أكراد الموصل للخارجى "مساور" الذى استولى على الموصل. وفى سنة ٢٦٢ هـ/ ٨٧٥ م لشعب الأكراد دورًا مهما فى ثورة الزنج، التى قادها على بن محمد، الذى عرف بعلى الخبيث، وفى ثورة يعقوب الصَّفار مؤسس الدولة الصفارية. وفى الأهواز، اختار يعقوب بنفسه قائدًا كرديًا، هو محمد عبيد اللَّه بن هازارمارد، الذى أجرى سرًا اتصالات مع على الخبيث. وبتعزيزات أرسلها له الخبيث، سار محمد إلى سوس، ولكنه هزم على يد أحمد بن الليثويا، وهو كردى أيضًا وقائدًا للحامية الكردية كان الخليفة قد أرسله للقضاء على ثورة يعقوب. ولقد أنهى موت يعقوب والخبيث هذه الأعمال. وحوالى سنة ٢٨١ هـ/ ٨٩٤ م كان الأكراد من بين الموالين لحمدان بن حمدون حين ثبت نفسه فى حكم الموصل. وقد قام الأكراد بثورة سنة ٢٨٤ هـ/ ٨٩٧ م بقيادة أبو ليلى لكن هذه الثورة لم تستمر طويلًا. وفى سنة ٢٩٣ هـ/ ٩٠٦ م قام أكراد هذبانى بثورة بقيادة رئيسهم محمد بن بلال فى نينوى. وقد تبعهم عبد اللَّه بن حمدان، حاكم الموصل الجديد، وبفضل الإمدادات التى أرسلها الخليفة له استعاد فى العام التالى ولاء خمسة

стр. 8423

آلاف عائلة كردية هذبانية، واضطر أكراد هذبان للاستسلام. وفى عهد الخليفة المقتدر، قام الأكراد بنهب ضواحى الموصل لكن عبد اللَّه بن حمدان عاقبهم على ذلك. وفى سنة ٣٣٧ هـ/ ٩٤٨ م، حدثنا ابن مسكويه فى كتابه "تجارب الأمم" عن حملة حسين الحمدانى على آذربيجان. وحوالى ذلك الوقت ظهر على مسرح الأحداث "ديْسم بن إبراهيم" ارتبطت حياته المتسمة بالمغامرة بالتاريخ الكردى. وقد كان ابنًا لرجل عربى من جارية كردية. وكان أتباعه من الأكراد باستثناء قلة قليلة من الديلم. ولقد كان ديسم خارجيًا. استولى على آذربيجان بعد يوسف بن أبى الساج وفى سنة ٣٢٧ هـ/ ٩٣٨ م استخدم الأكراد التابعين له لإبعاد لشكارى بن مردى، وهو أحد قواد وشمكير. لكن المرزبان، وهو شيعى شهير، نجح فى الاستيلاء على آذربيجان من ديْسم الذى التجأ عند صديقه حاجك بن الديرانى. وفى سنة ٣٣٧ هـ/ ٩٤٨ - ٩٤٩ م أسر ركن الدولة البويهى المرزبان. ولقد فكّر واهسودان، أخو المرزبان فى الاستعانة بديْسم الذى ظل رجاله الأكراد مخلصين له، وأرسله إلى نائب ركن الدولة. ولكن ديْسم هُزم، فالتجأ إلى أرمينيا ثم إلى بغداد، حيث عامله هنالك مُعز الدولة البويهى معاملة كريمة. ولمَّا ألح عليه أصدقاؤه فى العودة إلى آذربيجان، ذهب إلى الحمدانيين فى الموصل وسوريا لطلب المساعدة. وفى غياب المرزبان، عاد ديْسم إلى سالماس سنة ٣٤٤ هـ/ ٩٥٥ م، حيث قرأ الخطبة لسيف الدولة الحمدانى. وبعد أن طرد المرزبان للمرة الثانية فكر ديْسم فى اللجوء إلى أصدقائه الأرمن، لكن ابن الديرانى قام بتسليمه إلى المرزبان. ولقد أصيب ديْسم بالعمى ومات فى السجن سنة ٣٤٥ هـ/ ٩٥٦ - ٩٥٧ م. خلال أسر المرزبان، فى الرى، نصَّب بعض الحكام المستقلين أنفسهم حكاما فى شمال غرب فارس. وقد كان محمد شداد بن قرطو من قبيلة روادى أحد هؤلاء الحكام، وقبيلة روَّادى هى القبيلة التى انبثقت منها الأسرة الأيوبية.

стр. 8424

وكانت الإقطاعات الرئيسية لبنى شدَّاد فى الديبل وجانجًا. وقد كان بنو شداد محالفين للبيزنطيين وللسلاجقة. وفى سنة ٤٦٥ هـ/ ١٠٧٢ م اشترى أبو سوار "آنى" لابنه الأصغر منُوس. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، انقسمت الأسرة إلى فرعين: فرع جانب وفرع آنى. وفى سنة ١١٢٤ م استولى الجورجان على آنى ولكن ما بين سنتى ٥٢٠ هـ/ ١١٢٦ م و ٥٥٧ هـ/ ١١٦١ م وسنتى ١١٦٥ و ١١٧٤ م، احتفظ بنو شداد بآنى ولقد كان بنو شداد أمراء مستنيرين وخلَّفُوا وراءهم أبنية شهيرة. وفى حوالى سنة ٣٤٨/ ٩٥٩ م، قام بيت كردى حاكم ثانٍ فى إقليم الجبال أسسه "حسنويه بن حسان"، شيخ قبيلة البارز كانى (البزانى)، الذى كان قد ساعد ركن الدولة البويهى فى حملته على خراسان. ولقد أبدى ركن الدولة تسامحًا كبيرًا مع الأكراد، فقد اعتاد الرد على كل من يشكو له من إفراط الكرد بالقول "حتى الأكراد لابد أن يعيشوا". ولقد امتدح ابن الأثير شخصية حسنويه الجليلة، ، وامتدح سياسته الحكيمة وأخلاقه الحميدة. وحين توفى حسنويه سنة ٣٦٩ هـ/ ٩٧٩ م، فى عاصمة سارماج استولى عضد الدولة على ممتلكاته (همدان, والدينور، ونهاوند) وأخضعها لسلطته، ولكن فى النهاية منح تقليدًا لبدر بن حسنويه (٣٦٩ - ٤٠٥ هـ/ ٩٧٩ - ١٠١٤ م)، الذى ظل مخلصا لعضد الدولة وحارب ضد إخوته الذين أخذوا جانب ثورة فخر الدولة. ولقد منح الخليفة بدر، لقب ناصر الدين والدولة. وحكم زاهر (طاهر؟ ) خليفة بدر لمدة عام واحد وفى سنة ٤٠٦ هـ/ ١٠١٥ م أطاح به شمس الدولة البويهى. ولقد تُوفى ونداد عم حسنويه سنة ٣٤٩ هـ/ ٩٦٠ م وتُوفى أخوه أبو الغنائم سنة ٣٥٠ هـ/ ٩٦١ م، وبعد ذلك بقليل جُرد أبو سليم ديسام، آخر أفراد هذا الفرع من قلاعه (قسنان وغانم أباد, وغيرها). ولقد تعامل عضد الدولة البويهى مع الأكراد فى مناسبات عديدة، ولكنه كان أشد قسوة معهم من أبيه ركن الدولة. وفى سنة ٣٦٨ هـ/ ٩٧٨ م أصبح ابن بادويا الكردى بمساعدة "أبو تغلب

стр. 8425

الحمدانى" حاكمًا مستقلًا فى أرامُشت (بالقرب من جبل الجودى)، ولكنه انخدع بوعود عضد الدولة. ففى سنة ٣٦٩ هـ/ ٩٧٩ م أرسل عضد الدولة حملة ضد أكراد "شهر زور" الذين كانوا يرغبون فى الانفصال عن بنى شيبان البدو، الذين كانت لهم معهم معاملات وروابط مصاهرة. واحتُلت مدينة شهر زور، وارتحل العرب عنها إلى الصحراء. وأرسلت حملة أخرى فى سنة ٣٧٠ هـ/ ٩٨٠ م ضد هكارى الكردية، التى حوصرت واستسلمت، اعتمادًا على وعد بحفظ أرواح أهلها. لكن قائد الحملة قام بصلبهم على طول الطريق (مسافة خمسة فراسخ) بين ملطية والموصل (ابن الأثير: الكامل، جـ ٨، ص ٥٢١). وفى سنة ٣٨٠ - ٣٩٠ هـ/ ٩٩٠ - ١٠٠٠ م، قام صمصام الدولة بمحاولة لتحسين موقفه ولهذا السبب عقد تحالفًا مع فولاد بن منذر، الذى كان يستند على قوة فرسان الأكراد المحتشدة فى شيراز. وبعد فشل المشروع طلب اللجوء للأكراد، لكن الأكراد خانوه فالتجأ إلى فخر الدولة، الذى كان يشتهر بكراهيته للأكراد. أسرة الأكراد المروانيين الحاكمة: ارتبطت هذه الأسرة بباذ، وتنتسب لابن مروان أبى على بن دستاق ابن أخت باذ الذى مكّن لنفسه فى دياربكر بعد سلسلة من الأحداث، ولقد حكم المروانيون فى ديار بكر من ٣٨٠ - ٤٨٩ هـ/ ٩٩٠ - ١٠٩٦ م وامتدت سلطتهم إلى آرمد، وأرزان، وميافارقين وحصن كيفا، بل ولخلاط وملاذكرد (الاسم الحديث: منزيكرت وهو محرف عن ماوذ كرد) وأرجيش والولاية شمال شرقى بحيرة فان فى تركيا الحالية. وفى الغرب تملكوا أورفة لبعض الوقت. ولقد غزا أبو على حسن سوريا سنة ٣٨١ هـ/ ٩٩١ م واستردها من الإمبراطور البيزنطى بازل الثانى basil II ولقد قتل أبو على حسن فى ثورة قام بها ضده أهل دياربكر سنة ٣٨٧ هـ/ ٩٩٧ م. وحكم من بعده أخوه أبو منصور مُمَهد الدولة حتى سنة

стр. 8426

٤٠٢ هـ/ ١٠١١ م. وخلفه من بعده أخوه أبو نصر أحمد من سنة ٤٠٢ هـ/ ١٠١١ م إلى ٤٥٣ هـ/ ١٠٦١ م. ولقد اكتسب أبو نصر شهرةً بأنه حاكم عادل ومستنير ومقتدر رغم ميله للملذات. وفى سنة ٤٤٢ هـ/ ١٠٥٠ م كان أبو على نصر يدين بالولاء للسلطان السلجوقى طغرلبك. ولقد قاسم ابنه وخليفته فى الحكم، أبو القاسم نصر (نظام الدولة) (٤٥٣ - ٤٧٢ هـ/ ١٠٦١ - ١٠٧٩ م) أخاه سعيد (توفى ٤٥٧ هـ/ ١٠٦٥ م) السلطة -وأضاف لممتلكاته مدن: حران، والسويداء، وغيرهما. وكان خليفته منصور بن سعيد الذى حكم تقريبًا. من سنة ٤٧٢ هـ حتى ٤٨٩ هـ (١٠٧٩ - ١٠٩٦ م) لكن القائد السلجوقى فخر الدولة بن جهير استولى على كل بلاده، التى ضمُت بالتالى لأتابكية الموصل. وفى حقبة الغزوات التركية، نجد إشارات عديدة لأعمال وتجريدات عسكرية كردية. وفى خلافة القادر (٣٨١ - ٤٢٤ هـ/ ١٠٣١ م)، يُسجل المؤرخون قيام أحمد بن الضحاك الكردى بقتل قائد الامبراطور البيزنطى العام باسيل الثانى، ونتيجة لذلك أوقف هجمات البيزنطيين. وما بين سنوات ٣٦٦ هـ/ ٩٧٦ م و ٣٨٨ هـ/ ٩٩٨ م لعب الأكراد دورًا هامًا إذ شاركوا فى الصراع بين البويهيين والزياديين لتملك جرجان. وبعد ذلك بسنين قليلة نجد محمود الغزنوى يستخدم الأكراد ضد القرخانيين. ولقد شارك الأكراد فى الحروب الأهلية للبويهيين، فى صراعهم مع بنى عُقيل للسيطرة على الموصل وغيرها. وفى سنة ٤١١ هـ/ ١٠٢٠ م حاربوا ضد القوات التركية التى تمردت فى همدان. وفى سنة ٤١٥ - ٤٢٠ هـ/ ١٠٢٤ - ١٠٢٩ م نجدهم يحاربون فى فارس وخوزستان ضد "أبو كاليجار البويهى". وهكذا فقد أرهق العنصر الكردى نفسه فى حرب دائمة حين وصلت الجموع التركية التى قُدر لها أن تغير الشكل العرقى للشرق الأدنى تغييرًا جوهريًا.

стр. 8427

الفتح التركى: فى سنة ٤٢٠ هـ/ ١٠٢٩ م حين وصلت طلائع الغز السلاجقة مدينة الرى ذهب قائد الغزنويين تاش فرعاش (فرّاش) التركى للقائهم مع ٣٠٠٠ فارس من بينهم عدد من الأكراد. ولمَّا قام الغُز بأسر قائد الأكراد، أرسل رسالة إلى رجاله بأن يوقفوا الحرب. ولقد سبب ذلك شغبًا انتهى بقتل تاش. وفى نفس العام وصل الغز إلى المراغة وقتلوا الكثير من الأكراد الهذبانية. وعقد الأكراد حلفًا مع حاكم آذربيجان واضطُر الغز للانسحاب. وعادت جماعة أخرى من الغز، بعد إغارتهم على أرمينيا، إلى أرُميا وأراضى أبو الهيجاء الهذبانى؛ وهاجم الأكراد الغز لكنهم منوا بالهزيمة. وفى سنة ٤٣٢ هـ/ ١٠٤١ م قام واشودان الثانى بقتل عدد كبير من الغز فى تبريز، فذهب غُز أرميا إلى هكارى، التابعة للموصل، واكتسحوا الإقليم ولكن بينما كان الغُز متورطين فى الجبال هاجمهم الأكراد، وقتلوا ١٥٠٠ من رجالهم وأخذوا اعدادًا كبيرة منهم أسرى مع كثير من الأسلاب. وعند اقتراب قوات طغرل بك أخذ الغُز زمام القتال وتقدموا إلى الأمام. ولقد قادهم الأدلاء الأكراد عبر الزوزان إلى الجزيرة. وظلت مجموعة من الغُز تحت قيادة منصور بن غزوغلى إلى الشرق من الجزيرة بينما سار الآخرون تحت قيادة بُغا إلى ديار بكر، مواصلين سلب ونهب أقاليم قاردو، وبازابدا، والحسينية (وهى مدينة بين الموصل والجزيرة)، وفيشابور. ولقد أقنع سليمان بن ناصر الدولة المروانى، حاكم الجزيرة الغز بأن ينتظروا حتى الربيع قبل اختراقهم أرض بلاده ليلحقوا بالغز الآخرين الذين أقاموا فى سوريا، وبعد ذلك -بالخديعة- قبض على منصور، وبمساعدة الباشناويين، أكراد فينيك، تعقب الغز. لكن الغز لم يوقفوا سلبهم ونهبهم، فقاموا بنهب إقليم دياربكر واستولوا على الموصل. فى نفس الوقت كان بيت حسنويه قد تلاشى وانتقلت السلطة فى الجبال

стр. 8428

إلى بيت جديد هو بنو عنّاز الذى غالبا ما كان يسمى ببين أبو الشوك. ومؤسس هذا البيت الكردى الحاكم هو أبو الفتح محمد بن عنّاز الذى حكم فى حلوان من سنة ٣٨٠ إلى ٤٠١ هـ/ ٩٩٠ - ١٠١١ م. ولقد قام ابنه أبو الشوك بالقضاء على آخر أفراد بيت حسنويه الحاكم، زاهر (طاهر) ٤٠٦ هـ/ ١٠١٥ - ١٠١٦ م. وشملت ممتلكات بنو عنَّاز بلاد: شهر زور، وكرمانشاه، وبلاوار، وداقوقا وخوفتيذ كان. وفى سنة ٤٣٧ هـ، أرسل طغرل بك أخاه إبراهيم ينال لإعادة الأمن فى الجبال. ونجح إبراهيم فى طرد جارشاب الكردى من همدان فالتجأ إلى أكراد الجوزكان. ولقد كانت فى كرمانشاه حامية لأبى الشوك مؤلفة من الديالمة وأكراد الشاهنجان. واحتُلت كرمانشاه ومات أبو الشوك سنة ٤٣٨ هـ/ ١٠٤٦ م عند سروان. وأخذ إبراهيم السامران وأخضع جُزقان. واستسلم سعيد بن أبى الشوك للسلاجقة. ولقد استمر بقاء الأسرة حتى سنة ٥٢٠ هـ/ ١١١٦ م. ولقد سلمت هزيمة الإمبراطور البيزنطى رومانوس الرابع فى معركة ملاذكرد (رمنذيكرت). ومؤخرًا، بعد موت صلاح الدين (٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م)، عزَّز الذنكيون وضعهم فى وسط كردستان. وفى سنة ٦٠٧ هـ/ ١٢١١ م تسلم عماد الدين، الابن الأصغر لأرسلان شاه زنكى مدينتى عُقر وشوش إقطاعًا له. وفى سنة ٦١٥ هـ/ ١٢١٨ م تسلم نفس الأمير العمادية و"بقايا قلاع هكارى وزوزن" التى سلمها له مظفر الدين كوكبورى حاكم أربيل. ويبدو أن هذه الأحداث هى التى تسببت فى طرد الهكاريين تجاه الأراضى التى عند منابع نهر الزاب الأكبر. ولقد وقع تصادم بين الأراتقة وأتابكة دياربكر مرات عديدة وبين الأكراد. وقد تحرر الخلفاء العباسيون من حماية حماتهم وتفاوضوا مع الأكراد وقصدوا إضعاف الأتراك. وفى سنة ٥٨١ هـ/ ١١٨٥ م، تحت حكم الخليفة الناصر، تسببت حادثة صغيرة

стр. 8429

فى حرب بين الأكراد والتركمان امتدت وشملت مساحة متسعة (سوريا، دياربكر، الجزيرة، الموصل، شهريزور، خلاط، وآذربيجان). وبعد عامين أوقف المتصارعون الحرب ليتحدوا أمام مسيحيى أرمينيا والعراق والشام، وكباديسيا Cappadocia ولكن عداوات جديدة سرعان ما اندلعت بين الأكراد والتركمان. وبعد معارك شرسة كثيرة، استعادوا مكانتهم فى قليقية. لكن الأتراك استأصلوا الأكراد بالفعل من قليقية وسوريا. ولما كان على الأكراد مغادرة مواطنهم (٤٦٣ هـ/ ١٠٧١ م آلت كل أرمينيا إلى أيدى السلطان السلجوقى ألب أرسلان. وفى عصر سلاطين السلاجقة العظام نهضت فى فارس أسرة الشبانكارا المشاغبة، ولكن هنالك شك كبير فى أن تكون هذه الأسرة أسرة كردية. وعلى الجانب الآخر. فإن الأسرات الكردية الصغيرة قد أزيلت بلا رحمة بأمر الأتراك. وفى سنة ٤٩٣ هـ/ ١١٠٠ م اختفى آخر المروانيين فى إقليم خلاط، حيث أسس سقمان الكتبى التركى بيت شاه أرمانز الحاكم الذى استمر يحكم هنالك لمدة قرن من الزمان حتى مجئ الأيوبيين. وفى أحداث سنة ٤٩٥ هـ/ ١١٠١ م يذكر ابن الأثير قتل ألفين من أكراد سرخاب بن بدر، من سلالة بنى عناز، على يد تركمان سلغور قارابولى. واستولى تركمان آخرون على كل أراضى سرخاب، عدا شهر زور، وداقوقا وخوقتيذكان. وبرغم هذه الضربات الساحقة، فغالبًا ما يُذكر الأكراد فى القرنين الخامس والسادس الهجريين/ الحادى عشر والثانى عشر الميلاديين كقوة لها وجود. وفى صراعه مع قاوُرد كرمان، استخدم السلطان السلجوقى ملكشاه القوات الكردية والعربية، التى كافأها بمنحها إقطاعات فى كرمان، حيث كانت هنالك -لا تزال- مستعمرات كردية. ولقد وقعت هجمات كردية على دُجيل وماردين وغيرهما فى سنوات ٤٩٦ و ٤٩٨ هـ/ ١١٠٣ - ١١٠٥ م، كذلك فى سنة ٥٠٣ هـ/ ١١٠٩ - ١١١٠ م فى عهد حكم محمد ابن ملكشاه أرسلت حملة على سوريا

стр. 8430

(٥٠٤ هـ/ ١١١٠ م) وشارك فيها حاكم المراغة أحمديل بن واشوذان الكردى من قبيلة روادى وشاه أرمينيا سُكمان. وخلال هذه الفترة غالبًا ما نجد ذكر الأكراد فى سوريا، الذين كانوا فى احتكاك مع الفرنج. وتحت حكم سنجار شكَّل إقليم كردستان الجزء الغربى من جبيل. ولقد أصبح سليمان ابن أخ سنجار حاكما له. وفى عهد سنجار أيضًا لعب الأكراد دورًا فى اضطرابات سنة ٥١٣ هـ/ ١١١٩ م. أتابكيات الموصل: لعبت الأتابكيات، الجارات المجاورات لوسط كردستان دورًا هاما هناك. فقد غزا عماد الدين زنكى مرات عديدة إقليم الأكراد. وفى سنة ٥٢٨ هـ/ ١١٣٤ م أخذ طنزا (على الضفة اليسرى للبختان). وفى سنة ٥٣٤ هـ/ ١١٣٩ م أخذ زنكى شهرزور من قفجانى بن أرسلان تاش التركمان. وفى سنة ٥٣٧ هـ/ ١١٤٢ م أرسل حملة جديدة إلى هكارى واستولى على قلعة شعبانى، التى أعاد بناءها. وفى سنة ٥٣٨ هـ/ ١١٤٣ م أخذت مدن إرون وخيزان. آخر حملات زنكى على إقليم الأكراد كانت على البشنويين فى فينيك، لكن الحصار على هذه المدينة رُفع عند وفاة الأتابك فى ٥٤١ هـ/ ١١٤٦ م. الأصلية فإنهم أمنوا جانب جيرانهم المسيحيين.، ولمَّا قام المسيحيون بالسماح لبعض الأكراد باللجوء إليهم، انقض الأتراك فى النهاية على المسيحيين فى تلموزين وأرابثيل (أرابجير). الأيوبيون: الأصول الكردية لهذه السلالة الحاكمة الشهيرة ثابتة تماما. والجد الأكبر لصلاح الدين شاذى بن مروان كردى من قبيلة روادى (أو راودى أو روندا) وهى بدورها فرع من كرد الهذبانى فى منطقة دوين Dwin كُرد الدوينى. والحقيقة الهامة أن أسرة شدَّاد قد جاءت من دوين، التى ما زالت ذكراها حية أيام شاذى أيوب وشيركوه ابن شاذى، اللذين ولدا فى الموطن

стр. 8431

القديم (قرية أجدنكال). ولقد وُلد صلاح الدين فى تكريت، لكن التراث الكردى انتقل له من خلال والده وعمه وإن ثبات الأسماء الايرانية فى العائلة الأيوبية أمر واضح. وبرغم ذلك فإن مسرح الأحداث لأنشطة البيت الأيوبى الرئيسى كان فى مصر وسوريا. ولقد واصلت أسر أتابكة السلاجقة القديمة حكمها فى ديار بكر والموصل وأربيل حتى بعد أن أصبحوا تابعين للأيوبيين. وبمعاهدة ٥٨٥ هـ/ ١١٨٧ م مع عز الدين زنكى، استولى على حلب وشهرزور فقط. ولقد كان حكم الأيوبيين فى خلاط هو النطاق الوحيد المستقل الذى يُظهر تغلغلهم فى كردستان. ولقد فتح تقى الدين هذا الإقليم سنة ٥٨٧ هـ/ ١١٩١ م ولكن بعد وفاة صلاح الدين تقلد الحكم هنالك ابن أخيه الملك الأوحد نجم الدين أيوب سنة ٦٠٤ هـ/ ١٢٠٧ م. وبعد ذلك، آلت خلاط إلى أخيه الأشرف، الذى اتخذ لقب "شاه أرمان"، وأخيرًا آلت للأخ الثالث المظفر الذى حكم هناك حتى سنة ٦٤٢ هـ/ ١٢٤٤ م. لكن الغزو المغولى وغزوات شاهات خوارزم، وغزوات الجرجان قد هددت من هذه أرماة وغيرها فى هذه المنطقة. وتتكون القوات الأيوبية أساسًا من الأتراك، لكن العنصر الكردى لم يكن بالقطع شيئًا مهملًا فيها. وفى سنة ٥٨٣ هـ/ ١١٨٧ م استنفر صلاح الدين أكراد أعالى دجلة للجهاد. وسرحت قوات الجزيرة فى العراق سنة ٥٨٤ هـ/ ١١٨٨ م، لكن كتائب دياربكر وقبائلها كانت فى الغالب ذات أهمية. وكان هؤلاء الأكراد فى بعض الأحايين على عداء مع التركمانيين. وكما كانت خدمات الأكراد المدنية والعسكرية وافرة للأيوبيين، لكنهم كثير، ما كانوا يعملون ضد مصالح بيتهم الحاكم. فحين توفى شيركوه كان هنالك من الأكراد من عارض اختيار صلاح الدين خليفة له. ولقد قامت أسرة أبى الهيجاء بدور مهم وقد كان أبو الهيجاء الكردى رئيس أربيل بالوراثة، وقد قاد مقاومة حصار الصليبيين لعكا وأختير إسْفَهْسالار (قائدًا عامًا) للجيش وحاكما لبيت المقدس. وفى سنة ٥٩٢ هـ/ ١١٩٦ م

стр. 8432

نقل إلى بغداد. وقاد حملة ضد الحمدانيين وتُوفى فى دقوقة. ولقد بنى ابن عمه قطب الدين المدرسة القطبية فى القاهرة. ولقد خلف أبا الهيجاء فى حكم عكا، كردى آخر من قبيلة الهكَّارية، وهو سيف الدين بن أحمد المشطوب. ولقد كانت لسلالته سيرة مثيرة، وقد أنهى ابنه أحمد حياته فى سجن حران، وقد تآمر حفيده القاضى عماد الدين ضد الملك الكامل الأمر الذى أدى إلى نفيه. جلال الدين خوارزمشاه: فى سنة ٦١٤ هـ/ ١٢١٧ م أوقع أكراد جبال زاجروس هزيمة بقوات خوارزمية كان شاه خوارزم قد أرسلها من همدان إلى بغداد. وكانت حملات جلال الدين على خلاط قد أوقعت الاضطراب بهذا الإقليم، وعرضت سكانها الأكراد بسبب ذلك للمجاعة. ولمَّا هزم المغول جلال الدين وقاموا بتتبعه، التجأ جلال الدين مختبئا بين أكراد ديار بكر، لكنه قتل سنة ٦٢٨ هـ/ ١٢٣١ م، ومن المحتمل أن يكون قاتله من بينهم. وبعد موت جلال الدين، خرب المغول أراضى ديار بكر وخلاط. ونزل حشدٌ آخر مغولى من المراغة إلى أربيل تملك المنطقة التى تم غزوها ثلاث مرات. وفى سنة ٦٤٥ هـ/ ١٢٤٥ م خُربت شهرزور، وديار بكر فى سنة ٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م. الإيلخانيات المغولية: كان من النادر ذكر الأكراد تحت حكم إيلخانيات المغول. ولمَّا كان هؤلاء الحكام المغول -أول الأمر وثنيين وصاروا مؤخرًا مسلمين- فقد كانوا لذلك على وفاق مع المسيحيين، وقد كان لدى المسيحيين دواع كافية للشكوى من جيرانهم المسلمين وكان على الأكراد الذين تورطوا فى المشاركة فى حروب الأيوبيين أن يظلوا ملازمين لجبالهم آملين فى انتصار أعداء المغول. وبعد أن ترك هولاكو همدان سنة ٦٥٥ هـ/ ١٢٥٦ م، توجه إلى بغداد. وعند كرمانشاه بدأ المغول فى القتل والتخريب. وقبل الاستيلاء على بغداد، أرسل هولاكو قوات لأخذ أربيل. فاستسلم حاكم هذه المدينة الحصينة تاج الدين صلابة، لكن الحامية الكردية

стр. 8433

رفضت أن تحذو حذوه. وإن أدت تحالفات أتابك الموصل بدر الدين لؤلؤ مع المغول إلى سقوط أربيل. ولقد أدى سقوط بغداد إلى تشريد سكان شهرزور، وغادر سكانها الأكراد، وفقا لقول ابن فضل اللَّه العمرى، إلى سوريا ومصر. ونجد صدى لهذه الأحداث فى ظهور قبيلتين كرديتين فى الجزائر، وهما قبيلتى لاوين وبابين. وعند عودته إلى آذربيجان، ارتحل هولاكو إلى سوريا سنة ٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م. وفى إقليم الهكاريين، وضع المغول السيف فى كل من وجدوه هناك من الأكراد. ولقد استولى المغول بالتوالى على مدن: الجزيرة، وديار بكر، وميافارقين، وماردين. وبعد موت الأتابك بدر الدين لؤلؤ، الذى ظل مخلصا لهولاكو، ذهب ابنه صالح إلى جانب بيبرس، سلطان مصر، وتسلم موافقة منه بولايته. وانقض الأكراد حول الموصل فى الحال على المسيحيين. وكانت حامية الموصل تتألف من الأكراد والتركمان، الذين قاوموا المغول ببسالة. وفى سوريا أيضًا ألقى الأكراد بثقلهم مع المماليك. وفى خطاب لبيبرس أرسله للخان بيرك، نجده يفاخر بعدد قواته التى تتألف من الأترك والأكراد والعرب. وفى عهد أبقا، يخبرنا المؤرخ هايتون الأرمنى كيف أن الأكراد قد استولوا على ٥٠٠٠ بيت من بيوت أكراد شمال سوريا بعد دخول القوات المصرية. لكن بعد هزيمة المغول سنة ٦٨٠ هـ/ ١٢٨١ م، قامت مجموعة من القوات المسلمة المحاربة، مؤلفة من تركمانيين وأكراد بتخريب إقليم قليقية. ومن الحالات النادرة التى وجد الأكراد فيها يتحالفون مع المغول تلك التى كانت فى فارس. وتحت قيادة أولجايتو كان هنالك عدد من الأكراد بين القوات التى غزت جيلان سنة ٧٠٦ هـ/ ١٣٠٦ م. وبعد ذلك بقليل، قتل أولجايتو موسى الكودى الذى أعلن نفسه مهدى الشيعة المنتظر. وفى سنة ٧١٢ هـ/ ١٣١٢ م قاوم بدر الدين حاكم الرحبة المغول.

стр. 8434

ولقد حكمت المقاطعات الكردية من جانب أمراء المغول. ولقد كان الأقليم بين المراغة وأربيل بمثابة طريق عام للجيوش المغولية؛ وفى ذلك الوقت كان لازال الإقليم جنوب بحيرة أرومية أكثر المناطق التى تشغلها القوات المغولية. ولقد تحولت عاصمة إقليم "كردستان" فى عهد أولجايتو من بهار إلى سلطان أباد. ومن الممكن الحكم على صغر حجم المساحة التى صار عليها الإقليم آنذاك بما ورد على لسان حميد اللَّه المستوفى فى كتابه "نزهة القلوب"، من أن المساحة تقلصت إلى عشر ما كانت عليه أيام السلاجقة. وحين اختفت الإيلخانيات المغولية، تنافس على السلطة بيتان من بيوتات المغول الكبرى وهما من قبيلتى سُلدوز وجلابير، ولقد كان نصيب خوزستان وكردستان الفارسية لأبناء الأمير اكرانج (أكراشى). تيمور والبيوتات التركمانية: بعد المغول، بسطت البيوتات التركمانية المتنافسة سيطرتها على كردستان. ولقد كانت هذه الفترة التى لا يعرف عنها بدقة إلا القليل كانت فترة مهمة للأكراد. فقد نفذت عائلات القرة قوينلو، المغالية فى تشيعها، إلى قلب كردستان، وأغرقت القبائل الكردية فى نزاعات سياسية ودينية، وأثارت هيجانًا كبيرًا بين السكان. وكثير من أحداث تاريخ حصن كيفا والجزيرة فى الفترة ما بين سنوات ٧٩٦ - ٨٩٧ هـ/ ١٣٩٣ - ١٤٩١ م، قد سجلت فى "تاريخ سوريا"، ونشره بهنش Behnsch سنة ١٨٣٨ م. ولقد تعامل تيمور مع الأكراد فى حملاته التى قادها ضدهم سنة ٧٩٦ هـ/ ١٣٩٤ م وسنة ٨٠٣ هـ/ ١٤٠٠ - ١٤٠١ م. وبعد اجتياحه بغداد وديار بكر، هاجم تيمور إقليم الجزيرة وقام بتدميره. ثم عبر تيمور بعد ذلك الجبال فاصلًا ديار بكر عن موشى. وفى سنة ٨٠٣ هـ/ ١٤٠٠ - ١٤٠١ م

стр. 8435

عاد تيمور من بغداد إلى آذربيجان ولقد هاجمه الأكراد وهو فى طريقه إليها. بعد وفاة تيمور، عاد قره يوسف إلى كردستان، واستعاد سلطته هناك بمساعدة شمس الدين حاكم بدليس. وحين وصل شاه رخ، ابن تيمور سنة ٨٢٤ هـ/ ١٤٢١ م لاجئا إلى أرمينيا، اعترف الأكراد بحكمه ودانوا له بالولاء. شاهات الصفويين وسلاطين العثمانيين: بعد معركة شرور (٩٠٧ هـ/ ١٥٠٢ م) استحوذ الشاه إسماعيل الصفوى على كل الإقليم ما بين بغداد ومرعش، ولم تتغير سياسة الشاه إسماعيل مع الأكراد إلا أنه تشدد مع الأكراد السنيين لكونه شيعيًا متطرفا. وحين جاءه أحد عشر شيخ قبيلة منهم ليقدموا ولاءهم له عند خوىْ، قام إسماعيل باعتقالهم وحبسهم واختار مكانهم حكاما من قبائل القزيلباش. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، أصبحت كردستان منطقة صراع بين سلاطين العثمانيين وشاهات فارس. ولقد كانت هزيمة معركة تشالديران (جالديران) (٩٢٠ هـ/ ١٥١٤ م) ضربة قاسية للأسرة الفارسية الجديدة الحاكمة. وبرغم النجاحات المؤقتة لخلفاء الشاه إسماعيل، فإن حملاتهم لم تصل أبدًا إلى أهمية انتصاراته الأولى. ولقد أثرت معركة تشالديران (جلديران) تأثيرًا عميقا فى كردستان. فلقد استحوذ الملك خليل، المغتصب لحصن كيف على ورد وحاول استعادة إقطاعه الموروث. وحارب محمد بك الصاصونى ضد الفرس. وأعلن كل من أحمد بك ميافارقين، وقاسم بك حاكم عقيل، وجمشيد بك حاكم بالو ولاءهم للعثمانيين. ونجح حاكم إقليم الجزيرة فى رد الفرس عن الموصل. وأخذ سعيد بك سوهران أربيل وكركوك. ولقد استقدم إدريس إلى حلْفه الجنود الأكراد وهزم كُردبك، الحاكم السابق لكردستان. وقاوم أكراد ديار بكر الهجوم الفارسى حتى وصلهم العون بيقلى محمد باشا. والتقى بيقلى وإدريس فى حصن كيفا وهزما الفرس.

стр. 8436

ثم بمساعدة ٥٠٠٠ كردى مسلح (من العمادية)، نجح الأكراد فى استخلاص ديار بكر وأخذوا ماردين، ما عدا قلعتها التى ظلت فى أيدى الفرس، وقد قام عندئذ القائد الفارسى بتحول ناجح من بغداد وكركوك؛ وقام أهل ماردين بطرد الأكراد ودعوة الفرس لإعادة احتلال المدينة. والتقى الجيشان على طريق نصيبين - أورفه، وهزم الجيش الفارسى، وأجبر بيقلى سليمان خان، الذى كان ما زال فى ماردين، على الاستسلام. وتبع ذلك إحتلال نصيبين، ودارا، وميافارقين، وديار بكر وسنجار، وأكمل إدريس ترتيب (السنجق). وقد وضعت فى ديار بكر ١١ سنجقًا تحت الإدارة التركية وثمانية سناجق تحت الإدارة الكردية. وطبق نظام ماثل مؤخرًا فى كردستان من ملطية إلى بايزيد وشهرزور. ولم يتبق للفرس سوى إقليم كرماشاه. ولقد كوفئ إدريس بسخاء من قبل الخليفة وأرسلت له فرمانات التقليد. فى سنة ٩٣٦ هـ/ ١٥٣٠ م استعاد الشاه "طهماسب" بغداد من (ذو الفقار)، الكردى من قبيلة موصولو. وبدأت سلسلة طويلة من الحروب مرة ثانية. وقال السلطان سليمان جيوشه ضد فارس سنوات ١٥٣٣, ١٥٣٤, ١٥٤٨، ١٥٥٣, ١٥٥٤ م. وفى هذه السنة الأخيرة هزمت قوات بغداد كراد بلقاس وشهرزور بينما كان الفرس مشغولين فى جورجيا. ووفقا لصلح سنة ٩٩٩ هـ/ ١٥٩٠ م أعاد عباس الأول للأتراك المقاطعات الغربية، شاملة آذربيجان وشهررزور ولورستان، لكن الحرب استؤنفت ثانية بينهما سنة ١٠١٠ هـ/ ١٦٠١ م، وبصلح سنه ١٠٢١ هـ/ ١٦١٢ م استعادت فارس ممتلكاتها التى فقدتها عدا شهرزور. وقرب نهاية حكم الشاه عباس، تركزت الجهود التركية على بغداد. ولقد احتوات حملة حافظ باشا الأولى (١٠١٣ هـ/ ١٦٢٣ م) على قوات كردية، وحارب الأكراد ببسالة، ولما هزم

стр. 8437

الفرس المهاجمين أرسلوا فرقا تأديبية إلى ماردين. وبعد موت الشاه عباس، اتجه الصدر الأعظم خسرو باشا إلى بغداد سنة ١٠٩٣ هـ/ ١٦٢٩ م. ولقد انضم إلى جانب خسرو باشا كل من سيد خان حاكم العمادية، وميرابك سوهران وقبيلة باجيلان الكردية العربية، بينما هدد أحمد خان أردلان الجيش التركى. وظلت بغداد صامدة حتى استولى عليها فى النهاية مراد الرابع سنة ١٠٤٨ هـ/ ١٦٣٨ م، وفى العام التالى وقعت معاهدة الصلح مع فارس التى حددت الحدود التركية الفارسية حتى القرن التاسع عشر. وأصبحت فارس، بمقتضى هذه المعاهدة خلف جبال زاجروس تمامًا. ولقد جعلت الحرب بين الصفويين والعثمانيين الأكراد واعين ومدركين لأهميتهم السياسية. ولقد احتفظت لنا "الشرفنامه". بصورة دقيقة لحياة قبائل الأكراد الإقطاعية وإماراتها فى أقصى ارتقاء لها حوالى عام ١٠٠٥ هـ/ ١٥٩٦ م. كردستان من سنة ١٦٥٠ إلى ١٧٣٠ م: تقلصت "كردستان الكبرى"، كما وصفها شرف الدين، إلى ما هى عليه الآن لتصبح سلسلة من المشيخات القبلية ذات الحكم الذاتى، بتدخل الحكم التركى فى سنجقيات دياركر وفان. ولم تقتصر معاهدة سنة ١٠٤٩ هـ/ ١٦٣٩ م على إنهاء التوسع الفارسى غربا، لكن الأتراك نجحوا أيضًا فى إعادة احتلال المقاطعات الغربية فى فارس الصفوية وكذلك مقاطعات ما وراء القوقاز، وعمليًا، فإن كل الأكراد بهذه الطريقة قد توحدوا تحت الحكم العثمانى. ولما لم يعد هنالك سبب للخوف من الفرس، فقد تعهد الترك بفرض التمركز على الأكراد بطريقة منتظمة. ومع بداية عهد حكم السلطان مراد الرابع وقع الاختيار على مالك أحمد باشا، ليكون حاكما عاما لديار بكر فى سنة ١٠٤٨ هـ/ ١٦٣٨ م، ويقوم بحملة ضد اليزيديين فى سنجار. ومؤخرًا (١٠٦٥ هـ/ ١٦٥٥ م) نجد هذا الباشا

стр. 8438

بعد إنتقاله إلى فان يتغلب على كل الأكراد فى هذه المنطقة. وفى عهد حكم الشاه حسين، حاصر أكراد العراق همدان سنة ١١٣١ هـ/ ١٧١٩ م وامتدت غزواتهم إلى العاصمة نفسها. وفى سنة ١١٣٤ هـ/ ١٧٢٢ م وبأمر من الشاه طهماسب الثانى جرت محاولة لاستعادة أصفهان، والتى كان الأفغان قد احتلوها وقد قاد هذه المحاولة الرئيس الكرد "فاندون"، ولكنها فى النهاية اقتصرت على مهاجمة أحد أقسام أرمينيا. ولقد طرد الأفغان فاندون فعاد إلى بلاده وخضع للأتراك. ولقد حذا حذوه مشايخ جوانرود، ودرنه، وجاف وهاوسين وأخيرًا (السبهسلار) على ماردان البختيارى. الأفغان: وخلال فترة حكم الأفغان الدموية والانتقالية لأصفهان، هزم أشرف الأتراك (فى معركة أنجيدان سنة ١١٣٨ هـ/ ١٧٢٦ م)، الذين كان يحارب فى صفوفهم ٢٠.٠٠٠ كردى تحت قيادة بيبك سليمان أوغلو (سليمان بابان). ولقد ألقى الأتراك تبعية هزيمتهم على سلوك الأكراد؛ ذلك لأن عددًا من قواتهم انسحب من الجيش التركى ذاهبًا للأفغان، مقابل وعود وعهدهم أشرف بها. وبرغم انتصاره الأول، فإن أشرف فى العام التالى ١١٤٠ هـ/ ١٧٢٧ م بدأ يساوم الأتراك على بقائه فى الحكم مقابل تنازله للترك عن كل غرب فارس بما فيها أقاليم اللور والأكراد. نادر شاه: بدأت الأمور تتغير تقريبًا. عند نهاية عهد السلطان أحمد الثالث. فبمقتضى معاهدة سنة ١١٤٤ هـ/ ١٧٣٢ م استعاد الفرس المقاطعات الغربية، وسرعان ما غزا نادر الأراضى العثمانية وتقدمت قواته إلى أبواب بغداد. وحاول الأتراك دون جدوى وقف تقدمه بقوات كردية حتى سنة ١١٤٦ هـ/ ١٧٣٣ م حيث ظهر على المسرح تويال عثمان باشا مع تعزيزات كردية أقام بها فى الموصل. وهزم نادر وفى سنة ١١٤٧ هـ/ ١٧٣٤ م، قام بعملية حربية فى القوقاز واستولى على

стр. 8439

تفليس، التى كان بها حامية مؤلفة من ٦٠٠٠ كردى. وبصلح عام ١١٤٩ هـ/ ١٧٣٦ م استيعدت حدود عام ١٠٤٩ هـ/ ١٦٣٩ م القديمة. وفى سنة ١٧٣٤ م، غزا نادر الأراضى التركية ثانية، ولكن برغم المساعدة الكردية والعربية فقد تقهقر إلى سينا حيث هزم بعد ذلك. ولم يكن نادر محبوبا من الأكراد، وقد اغتيل سنة ١١٦٠ هـ/ ١٧٤٧ م، وهو فى طريقه لقمع ثورة كردية قاموا بها فى خراسان. ولقد لعب الأكراد دورًا فى الفوضى التى أعقبت وفاة نادر. البيت الزندى: بعد موت نادر شاه، حكم كريم خان زند، وهو أحد أفضل حكام فارس، القسم الأكبر من البلاد، ولقد كان الزند قبيلة كردية قليلة الخطورة، تسكن ما بين همدان وملاير فى إقليم كان يعرف فيما مضى باسم إغار. وتحت حكم نادر نُقلوا إلى خراسان، ولكن بعد موته عادوا ثانية إلى موطنهم الأصلى. وبموت لُطف على خان فى سنة ١٢٠٩ هـ/ ١٧٩٤ م، انتهى البيت الزندى. ولقد كانت قبيلة الزند ضعيفة للغاية مما لا يسمح لها بمساندة بيتها الحاكم، لكن كريم خان، مثل سابقيه، كان قد أحضر عدة قبائل كردية استقدمها من كردستان لتقيم فى شيراز. القاجار: عند موت الأغا محمد شاه قجار (١٢١١ هـ/ ١٧٩٧ م)، استولى صادق خان على التاج المرصع وحاول لبعض الوقت أن يعتلى العرش. وفى سنة ١٢٢١ هـ/ ١٨٠٥ م تدخل الفرس بالقوة لحساب عبد الرحمن باشا حاكم السليمانية. وفى سنة ١٢٣٦ هـ/ ١٨٢١ م، نتيجة للاضطرابات التى سببتها قبائل أكراد حيدرانلو وسيبكان، غزا الفرس الأراضى التركية حتى بدليس وموش، وفى نفس الوقت تقدموا حتى شرابان بالقرب من بغداد عن طريق كرمانشاه ولقد أعاد صلح سنة ١٢٣٨ هـ/ ١٨٢٣ م الذى وقع فى إزروم (أرض روم) حدود سنة ١٠٤٩ هـ/ ١٦٣٩ م, لكن الفرس رفضوا

стр. 8440

أن يخلوا إقليم زوهاب المسكون بالأكراد. وقد ظل مصير السليمانية مُعلقًا. وحرب جديدة كانت على وشك الاندلاع فى سنة ١٨٤٢ م حين تدخلت بريطانيا وروسيا للصلح، وفى سنة ١٢٤٦ هـ/ ١٨٤٧ م وقعت معاهدة جديدة فى إرزروم (أرض روم) قسمت زوهاب بمقتضاها إلى قسمين، بينما توقفت فرس عن كل ادعاءاتها فى السليمانية لصالح الأتراك. تركيا فى القرن التاسع عشر: فى سنة ١٨٢٦ م، كلف رشيد محمد باشا بمهمة إشباع رغبة الأكراد وتعيين حكاما أتراكًا فى كردستان. وحوالى سنة ١٨٣٠ م انفجرت ثورة كردية كبرى فى مناطق عدة. وكان قادة هذه الثورة: بدرخان وسعيد بك، وإسماعيل بك، محمد باشا الراوندى. وحوالى سنة ١٨٢٠ م أعلن استقلاله وهاجم قبائل الخُشنو والرانية. وفى السنوات التالية مد سيطرته نحو الموصل؛ وعند القوش قام بقتل ١٧٢ مسيحيًا. ثم أخذت بعد ذلك عكره وزبار والعمادية. وفى سنة ١٨٣٣ م انتشرت القوات الراوندية حتى زاخو والجزيرة لإعادة تمكين قوة بدرخان هناك. ولقد عوقب اليزيديون بقسوة فى مناسبات عديدة. وقد أبُعد رئيسهم على الذى رفض اعتناق الإسلام، كذلك قتل العديد من اليزيديين على تل قوينجيك. وفى سنة ١٨٣٥ م أرسلت قوات عثمانية ضد رشيد محمد باشا من بغداد والموصل وسيواس وفى سنة ١٨٤٣ م بدأت ثورة نور اللَّه بك الهكارى وبدرخان فى الجزيرة. ولقد جأر نساطرة الهكارية بشكواهم فى الموصل من عسف نور اللَّه بك. وردًا على ذلك، قام نور اللَّه بتدمير ولاية النساطرة فى بروارى. واستمرت المذابح لعدة سنين وقد قيل إن عدد الضحايا بلغ ١٠.٠٠٠ وفى سنة ١٨٤٧ م هاجم جيش كبير الأكراد بقيادة عثمان باشا. ولقد هزم بدرخان ونور اللَّه فى عدة معارك فاستسلموا وأبعدوا عن كردستان. الحروب الروسية - التركية: فى عام ١٨٠٤ - ١٨٠٥ م، إحتك الروس بالأكراد وسرعان ما فرض هذا
следующие страницы →