Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.
стр. 8436
ثم بمساعدة ٥٠٠٠ كردى مسلح (من العمادية)، نجح الأكراد فى استخلاص ديار بكر وأخذوا ماردين، ما عدا قلعتها التى ظلت فى أيدى الفرس، وقد قام عندئذ القائد الفارسى بتحول ناجح من بغداد وكركوك؛ وقام أهل ماردين بطرد الأكراد ودعوة الفرس لإعادة احتلال المدينة. والتقى الجيشان على طريق نصيبين - أورفه، وهزم الجيش الفارسى، وأجبر بيقلى سليمان خان، الذى كان ما زال فى ماردين، على الاستسلام.
وتبع ذلك إحتلال نصيبين، ودارا، وميافارقين، وديار بكر وسنجار، وأكمل إدريس ترتيب (السنجق). وقد وضعت فى ديار بكر ١١ سنجقًا تحت الإدارة التركية وثمانية سناجق تحت الإدارة الكردية. وطبق نظام ماثل مؤخرًا فى كردستان من ملطية إلى بايزيد وشهرزور. ولم يتبق للفرس سوى إقليم كرماشاه. ولقد كوفئ إدريس بسخاء من قبل الخليفة وأرسلت له فرمانات التقليد.
فى سنة ٩٣٦ هـ/ ١٥٣٠ م استعاد الشاه "طهماسب" بغداد من (ذو الفقار)، الكردى من قبيلة موصولو. وبدأت سلسلة طويلة من الحروب مرة ثانية.
وقال السلطان سليمان جيوشه ضد فارس سنوات ١٥٣٣, ١٥٣٤, ١٥٤٨، ١٥٥٣, ١٥٥٤ م. وفى هذه السنة الأخيرة هزمت قوات بغداد كراد بلقاس وشهرزور بينما كان الفرس مشغولين فى جورجيا.
ووفقا لصلح سنة ٩٩٩ هـ/ ١٥٩٠ م أعاد عباس الأول للأتراك المقاطعات الغربية، شاملة آذربيجان وشهررزور ولورستان، لكن الحرب استؤنفت ثانية بينهما سنة ١٠١٠ هـ/ ١٦٠١ م، وبصلح سنه ١٠٢١ هـ/ ١٦١٢ م استعادت فارس ممتلكاتها التى فقدتها عدا شهرزور.
وقرب نهاية حكم الشاه عباس، تركزت الجهود التركية على بغداد. ولقد احتوات حملة حافظ باشا الأولى (١٠١٣ هـ/ ١٦٢٣ م) على قوات كردية، وحارب الأكراد ببسالة، ولما هزم
стр. 8437
الفرس المهاجمين أرسلوا فرقا تأديبية إلى ماردين. وبعد موت الشاه عباس، اتجه الصدر الأعظم خسرو باشا إلى بغداد سنة ١٠٩٣ هـ/ ١٦٢٩ م. ولقد انضم إلى جانب خسرو باشا كل من سيد خان حاكم العمادية، وميرابك سوهران وقبيلة باجيلان الكردية العربية، بينما هدد أحمد خان أردلان الجيش التركى. وظلت بغداد صامدة حتى استولى عليها فى النهاية مراد الرابع سنة ١٠٤٨ هـ/ ١٦٣٨ م، وفى العام التالى وقعت معاهدة الصلح مع فارس التى حددت الحدود التركية الفارسية حتى القرن التاسع عشر. وأصبحت فارس، بمقتضى هذه المعاهدة خلف جبال زاجروس تمامًا.
ولقد جعلت الحرب بين الصفويين والعثمانيين الأكراد واعين ومدركين لأهميتهم السياسية. ولقد احتفظت لنا "الشرفنامه". بصورة دقيقة لحياة قبائل الأكراد الإقطاعية وإماراتها فى أقصى ارتقاء لها حوالى عام ١٠٠٥ هـ/ ١٥٩٦ م.
كردستان من سنة ١٦٥٠ إلى ١٧٣٠ م:
تقلصت "كردستان الكبرى"، كما وصفها شرف الدين، إلى ما هى عليه الآن لتصبح سلسلة من المشيخات القبلية ذات الحكم الذاتى، بتدخل الحكم التركى فى سنجقيات دياركر وفان. ولم تقتصر معاهدة سنة ١٠٤٩ هـ/ ١٦٣٩ م على إنهاء التوسع الفارسى غربا، لكن الأتراك نجحوا أيضًا فى إعادة احتلال المقاطعات الغربية فى فارس الصفوية وكذلك مقاطعات ما وراء القوقاز، وعمليًا، فإن كل الأكراد بهذه الطريقة قد توحدوا تحت الحكم العثمانى. ولما لم يعد هنالك سبب للخوف من الفرس، فقد تعهد الترك بفرض التمركز على الأكراد بطريقة منتظمة.
ومع بداية عهد حكم السلطان مراد الرابع وقع الاختيار على مالك أحمد باشا، ليكون حاكما عاما لديار بكر فى سنة ١٠٤٨ هـ/ ١٦٣٨ م، ويقوم بحملة ضد اليزيديين فى سنجار. ومؤخرًا (١٠٦٥ هـ/ ١٦٥٥ م) نجد هذا الباشا
стр. 8438
بعد إنتقاله إلى فان يتغلب على كل الأكراد فى هذه المنطقة.
وفى عهد حكم الشاه حسين، حاصر أكراد العراق همدان سنة ١١٣١ هـ/ ١٧١٩ م وامتدت غزواتهم إلى العاصمة نفسها. وفى سنة ١١٣٤ هـ/ ١٧٢٢ م وبأمر من الشاه طهماسب الثانى جرت محاولة لاستعادة أصفهان، والتى كان الأفغان قد احتلوها وقد قاد هذه المحاولة الرئيس الكرد "فاندون"، ولكنها فى النهاية اقتصرت على مهاجمة أحد أقسام أرمينيا. ولقد طرد الأفغان فاندون فعاد إلى بلاده وخضع للأتراك. ولقد حذا حذوه مشايخ جوانرود، ودرنه، وجاف وهاوسين وأخيرًا (السبهسلار) على ماردان البختيارى.
الأفغان:
وخلال فترة حكم الأفغان الدموية والانتقالية لأصفهان، هزم أشرف الأتراك (فى معركة أنجيدان سنة ١١٣٨ هـ/ ١٧٢٦ م)، الذين كان يحارب فى صفوفهم ٢٠.٠٠٠ كردى تحت قيادة بيبك سليمان أوغلو (سليمان بابان). ولقد ألقى الأتراك تبعية هزيمتهم على سلوك الأكراد؛ ذلك لأن عددًا من قواتهم انسحب من الجيش التركى ذاهبًا للأفغان، مقابل وعود وعهدهم أشرف بها. وبرغم انتصاره الأول، فإن أشرف فى العام التالى ١١٤٠ هـ/ ١٧٢٧ م بدأ يساوم الأتراك على بقائه فى الحكم مقابل تنازله للترك عن كل غرب فارس بما فيها أقاليم اللور والأكراد.
نادر شاه:
بدأت الأمور تتغير تقريبًا. عند نهاية عهد السلطان أحمد الثالث. فبمقتضى معاهدة سنة ١١٤٤ هـ/ ١٧٣٢ م استعاد الفرس المقاطعات الغربية، وسرعان ما غزا نادر الأراضى العثمانية وتقدمت قواته إلى أبواب بغداد. وحاول الأتراك دون جدوى وقف تقدمه بقوات كردية حتى سنة ١١٤٦ هـ/ ١٧٣٣ م حيث ظهر على المسرح تويال عثمان باشا مع تعزيزات كردية أقام بها فى الموصل. وهزم نادر وفى سنة ١١٤٧ هـ/ ١٧٣٤ م، قام بعملية حربية فى القوقاز واستولى على
стр. 8439
تفليس، التى كان بها حامية مؤلفة من ٦٠٠٠ كردى. وبصلح عام ١١٤٩ هـ/ ١٧٣٦ م استيعدت حدود عام ١٠٤٩ هـ/ ١٦٣٩ م القديمة.
وفى سنة ١٧٣٤ م، غزا نادر الأراضى التركية ثانية، ولكن برغم المساعدة الكردية والعربية فقد تقهقر إلى سينا حيث هزم بعد ذلك.
ولم يكن نادر محبوبا من الأكراد، وقد اغتيل سنة ١١٦٠ هـ/ ١٧٤٧ م، وهو فى طريقه لقمع ثورة كردية قاموا بها فى خراسان. ولقد لعب الأكراد دورًا فى الفوضى التى أعقبت وفاة نادر.
البيت الزندى:
بعد موت نادر شاه، حكم كريم خان زند، وهو أحد أفضل حكام فارس، القسم الأكبر من البلاد، ولقد كان الزند قبيلة كردية قليلة الخطورة، تسكن ما بين همدان وملاير فى إقليم كان يعرف فيما مضى باسم إغار. وتحت حكم نادر نُقلوا إلى خراسان، ولكن بعد موته عادوا ثانية إلى موطنهم الأصلى. وبموت لُطف على خان فى سنة ١٢٠٩ هـ/ ١٧٩٤ م، انتهى البيت الزندى. ولقد كانت قبيلة الزند ضعيفة للغاية مما لا يسمح لها بمساندة بيتها الحاكم، لكن كريم خان، مثل سابقيه، كان قد أحضر عدة قبائل كردية استقدمها من كردستان لتقيم فى شيراز.
القاجار:
عند موت الأغا محمد شاه قجار (١٢١١ هـ/ ١٧٩٧ م)، استولى صادق خان على التاج المرصع وحاول لبعض الوقت أن يعتلى العرش. وفى سنة ١٢٢١ هـ/ ١٨٠٥ م تدخل الفرس بالقوة لحساب عبد الرحمن باشا حاكم السليمانية. وفى سنة ١٢٣٦ هـ/ ١٨٢١ م، نتيجة للاضطرابات التى سببتها قبائل أكراد حيدرانلو وسيبكان، غزا الفرس الأراضى التركية حتى بدليس وموش، وفى نفس الوقت تقدموا حتى شرابان بالقرب من بغداد عن طريق كرمانشاه ولقد أعاد صلح سنة ١٢٣٨ هـ/ ١٨٢٣ م الذى وقع فى إزروم (أرض روم) حدود سنة ١٠٤٩ هـ/ ١٦٣٩ م, لكن الفرس رفضوا
стр. 8440
أن يخلوا إقليم زوهاب المسكون بالأكراد. وقد ظل مصير السليمانية مُعلقًا. وحرب جديدة كانت على وشك الاندلاع فى سنة ١٨٤٢ م حين تدخلت بريطانيا وروسيا للصلح، وفى سنة ١٢٤٦ هـ/ ١٨٤٧ م وقعت معاهدة جديدة فى إرزروم (أرض روم) قسمت زوهاب بمقتضاها إلى قسمين، بينما توقفت فرس عن كل ادعاءاتها فى السليمانية لصالح الأتراك.
تركيا فى القرن التاسع عشر:
فى سنة ١٨٢٦ م، كلف رشيد محمد باشا بمهمة إشباع رغبة الأكراد وتعيين حكاما أتراكًا فى كردستان. وحوالى سنة ١٨٣٠ م انفجرت ثورة كردية كبرى فى مناطق عدة. وكان قادة هذه الثورة: بدرخان وسعيد بك، وإسماعيل بك، محمد باشا الراوندى. وحوالى سنة ١٨٢٠ م أعلن استقلاله وهاجم قبائل الخُشنو والرانية. وفى السنوات التالية مد سيطرته نحو الموصل؛ وعند القوش قام بقتل ١٧٢ مسيحيًا. ثم أخذت بعد ذلك عكره وزبار والعمادية. وفى سنة ١٨٣٣ م انتشرت القوات الراوندية حتى زاخو والجزيرة لإعادة تمكين قوة بدرخان هناك. ولقد عوقب اليزيديون بقسوة فى مناسبات عديدة. وقد أبُعد رئيسهم على الذى رفض اعتناق الإسلام، كذلك قتل العديد من اليزيديين على تل قوينجيك. وفى سنة ١٨٣٥ م أرسلت قوات عثمانية ضد رشيد محمد باشا من بغداد والموصل وسيواس وفى سنة ١٨٤٣ م بدأت ثورة نور اللَّه بك الهكارى وبدرخان فى الجزيرة. ولقد جأر نساطرة الهكارية بشكواهم فى الموصل من عسف نور اللَّه بك. وردًا على ذلك، قام نور اللَّه بتدمير ولاية النساطرة فى بروارى. واستمرت المذابح لعدة سنين وقد قيل إن عدد الضحايا بلغ ١٠.٠٠٠ وفى سنة ١٨٤٧ م هاجم جيش كبير الأكراد بقيادة عثمان باشا.
ولقد هزم بدرخان ونور اللَّه فى عدة معارك فاستسلموا وأبعدوا عن كردستان.
الحروب الروسية - التركية:
فى عام ١٨٠٤ - ١٨٠٥ م، إحتك الروس بالأكراد وسرعان ما فرض هذا
стр. 8441
العامل الجديد نفسه ولقد كان للحروب التركية - الروسية التى وقعت سنوات ١٨٢٨ - ٢٩, ١٨٥٣ - ١٨٥٨ م تأثيرها البعيد على كردستان. ومع بدايات عام ١٨٢٩ م أنشا الروس آلايًا كرديًا (فرقة عسكرية). ونتيجة لاغتراب المسيحيين، بدأ الأكراد بعد الحرب فى الانتشار بشكل كبير إلى أقصى الشمال والغرب. وخلال حرب القرم، أنشأ الروس حاميتين كرديتين. وعلى الجانب الآخر، وحين اتجهت القوات التركية نحو الشمال- حدثت ثورة كبيرة فى بوهتان بقيادة يزدان شير، ابن أخ الثائر السابق بدرخان.
واستتبعت حرب سنة ١٨٧٧ - ١٨٧٨ م ثورة بين أكراد باهدينان وبوهتان الهكارية بقيادة أبناء بدرخان ثم ثورة بقيادة الشيخ عبيد اللَّه شيخ الطريقة النقشبندية.
ولقد اكتسحت غزوات الأكراد سنة ١٨٨٠ م الأقاليم الفارسية لأرومية، وسوج بولاق، ومياندواب والمراغة وهددت تبريز نفسها. ولقد كان الشيعة هم الضحايا الرئيسيين فى هذه الغزوات. ولقد أرسلت روسيا كتيبة من قواتها لحماية حدودها. وحشدت فارس قوات مماثلة على حدودها. وبذلت تركيا، التى كانت بالكاد وقد أنهت حربها مع روسيا، جهودًا لتجنب مضاعفات التدخل. وفى النهاية عاد الشيخ إلى شامدينان، حيث أرسل إلى إستانبول. وسرعان ما هرب من العاصمة وعاد إلى شامدينان عن طريق القوقاز، ولكنه قبض عليه للمرة الثانية وتوفى سنة ١٨٨٣ م فى مكة (المكرمة).
القوات الحميدية:
لقد ضمن ضعف تركيا بعد سنة ١٨٧٨ م، الإصلاحات الأرمينية وتأمين الأرمن من خطر الأكراد والشركس. وقد تسبب رد فعل الحكومة العثمانية العنيف ضد الإصلاحات، وتطور حركات الثورات الأرمينية منذ سنة ١٨٨٥ م وتشعباتها فى روسيا وسويسرا ولندن، فى تعقيدات العلاقة الكردية الأرمينية التى كانت لا تزال آمنة حتى ذلك الوقت والتى تمثلت فى
стр. 8442
خضوع الأرض لسلطات رؤساء الإقطاع الأكراد. وحوالى سنة ١٨٩١ م، عهد شاكر باشا مؤخرًا على نفسه بتطبيق الإصلاح فى الأناضول، واستوحى فكرة تكوين فرق عسكرية كردية غير نظامية، مثل فرق القوزاق الروسية. وكان الهدف من الإصلاح ترويض الأكراد وربطهم بالحكومة العثمانية. ولم تكن المحاولة مقنعة؛ لأن القوات الحميدية المجندة قد تغير شكلها مؤخرًا إلى قوات نظامية مدربة (خفيف سوارى). فتكوين فرق الحميدية، قد أدى إلى جانب الدور الذى أعطى للأكراد والطموحات التى تطلعوا إليها، بأى حال من الأحوال إلى إثارة كبرى كما أدت إلى وقوع مذابح بين القبائل.
العلاقات الأرمينية - الكردية:
وفى نفس الوقت، تغيرت العلاقات بين الأرمن والأكراد إلى الأسوأ. ولقد يتميز صيف ١٨٩٤ م بمعارك دموية بينهما عند صاصون انتهت بتدمير خمس قرى وكل إقليم تالورى (دالفورينخ) الذى يسكنه الأرمن. ولقد كانت أحداث صاصون أول حلقات سلسلة طويلة من استعراض القوة العسكرية والقمع الدموى، الذى ساهم الأكراد فيه بنصيب فعال. وفى سنة ١٨٩٥ م جرت محاولة للقيام بثورة بين الأكراد الهكارية، ولكنها سريعا ما أخمدت؛ ولم تكن هذه الثورة موجهة ضد المسيحيين. وبداية من القرن العشرين حتى الحرب العالمية الأولى، بدت العلاقة بين الأرمن والأكراد كما لو كانت إلى حد ما هادئة.
القرن العشرون:
مع بداية القرن العشرين ظهرت فى أفق الأكراد شخصية بارزة خارج المراكز المعتادة للحركات الكردية. وهى شخصية إبراهيم باشا بن محمود بن تيماوى بن أيوب، رئيس قبيلة ميللى فى ولاية شاريوران (ما بين ديار بكر وحلب). وقد جعل إبراهيم باشا لنفسه تقريبًا. مركزًا مستقلًا. وحين أعلن دستور ١٩٠٨ م، أعلن الثورة وانسحب إلى جبال عبد العزيز حيث قتل هناك.
ولقد ثأر الأكراد بعنف حين أعيد فتح مسألة الحدود التركية - الفارسية.
стр. 8443
وبعد تراجع الروس فى الشرق الأقصى (فى الحرب الروسية اليابانية)، احتلت تركيا سنة ١٩٠٥ م المناطق المتنازع عليها فى أرميا وسواج بولاق التى يسكنها الأكراد. ولقد استدرج الأكراد إلى لعبة سياسية معقدة للغاية. فقد توقف الاحتلال التركى مع بداية حرب البلقان (فى أكتوبر ١٩١٢ م)، ليفسح المكان للقوات الروسية التى أرسلت إلى أقاليم خوى وأرميا. وسافرت سلالات من عائلات كردية أصيلة إلى روسيا. وفى ١٧ نوفمبر ١٩١٣ م وقع بروتوكول تخطيط الحدود فى استانبول، وقبل اندلاع الحرب العالمية مباشرة، نجحت لجنة القوى الأربع الكبرى (تركيا، فارس، بريطانيا وروسيا) فى إقرار الحدود المتنازع عليها.
الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ - ١٩١٨ م:
لقد كان الأكراد خلال الحرب من ١٩١٤ حتى ١٩١٨ م بين نارين. لكن الموقف تغير تغيرًا جوهريًا بعد سنوات ١٩١٧ - ١٩١٨ م، فلقد تكونت الجمعيات الكردية فى كل مكان وقد تقلد شرف باشا دور ممثل الأكراد فى باريس، وقد أبرز فى مؤتمر السلام فى باريس يوم ٢٢ مارس ١٩١٩ م والأول من مارس سنة ١٩٢٠ م مذكرتين بمطالب الأكراد مع خريطة "الكردستان المكتملة" فى نفس الوقت، فى ٢٠ ديسمبر ١٩١٩ م، حدثت ترتيبات بين شريف باشا والممثلين الأرمن، وأعلن الطرفان الاتفاق فيما بينهما. ولقد نصت معاهدة "سيفرسن" فى العاشر من أغسطس ١٩٢٠ م على فصل أرمينيا - عن الأربع ولايات الكردية (ترابيزون، إرزروم (أرض روم)، فان وبدليس)، وإعطاء حكم ذاتى للأراضى التى يسود فيها العنصر الكردى، والتى تقع شرقى الفرات، إلى الجنوب من حدود أرمينيا وإلى الشام من حدود تركيا مع سوريا وأرض الرافدين.
وقد أبدى الممثلون الأتراك للمؤتمر رأيهم من أن "الأكراد لا يختلفون عن الأتراك فى شئ وبرغم التكلم بلغات مختلفة، فهذان الشعبان يكونان كتلة
стр. 8444
واحدة بخصوص الجنس والعقيدة والعادات (مؤتمر لوزان، خطبة إسماعيل باشا فى اجتماع يوم ٢٣ يناير ١٩٢٣ م). وبمقتضى قرار مجلس عصبة الأمم فى ١٦ ديسمبر ١٩٢٥ م، خصصت ولاية الموصل للعراق، لكن بالاتفاق على الاحتفاظ للأكراد بتحقيق رغباتهم، وبخاصة من يختار الموظفين من الجنس الكردى لحكومة بلدهم فى إدارة العدالة والتعليم فى المدارس وأن تكون اللغة الكردية لغة رسمية فى هذه المصالح".
وخلال المداولات الطويلة بخصوص الموصل، انفجرت مشاكل خطيرة فى إقليم خربوط وديار بكر نتيجة لتمرد الشيخ سعيد النقشبندى. ولقد قبض على الشيخ سعيد فى ١٦ أبريل سنة ١٩٢٥ م وأعدم فى ديار بكر.
من سنة ١٩٢٠ م حتى الوقت الحاضر:
أن الحرب العالمية الأولى (١٩١٤/ ١٩١٨ م) إلى حدوث فورانات سياسية فى الشرقين الأدنى والأوسط. فقد انفصلت الأقطار العربية (سوريا، لبنان، فلسطين، الأردن والعراق) عن الامبراطورية العثمانية، وألغيت السلطنة سنة ١٩٢٢ م، وأعلنت الجمهورية فى تركيا يوم ٢٣ أكتوبر وألغيت الخلافة يوم ٣ مارس ١٩٢٤. وأخيرًا، خصص مجلس عصبة الأمم للعراق ولاية الموصل فى ٢٦ ديسمبر ١٩٢٥ م.
من جانبه، فإن الجنرال رضا خان أطاح فى إيران بالعائلة القاجارية الحاكمة وأسس العائلة البهلوية الحاكمة فى ٢٣ أكتوبر ١٩٢٥ م. وبالحكم على هذه التصميمات الحدودية التى نتجت نجد أنها جعلت موقف الأكراد يظل أكثر تعقيدًا، فهم بدلًا من أن يعيشوا مثلما كانوا فى ظل حكومتين فقط وهما الإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية الفارسية، وجدوا أنفسهم مقسمين بين خمسة دول مختلفة هى: تركيا، وإيران، والعراق، مع وقوع بعض الأقليات الهامة فى سوريا ووقوع عدة مستوطنات لهم فى أرض ما وراء القوقاز السوفيتية: فى أرمينيا
стр. 8445
وجورجيا وآذربيحان. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، فإن مصير الأكراد سوف يكون مصيرًا متباينا، وذلك وفقا لتباين الدول المختلفة التى أظلتهم بظلها.
وفى تركيا، بعد الحرب العالمية الأولى وخلال المداولات الطويلة بخصوص الموصل، أثار الاضطرابات بعض الوطنيين الأكراد الذين أزاحوا الوهم عنهم واستيقظوا لحقيقة ما حدث لما رأوا تلاشى آمالهم فى استقلال كردستان بعد أن ألغت معاهدة لوزان (٢٤ يونيو ١٩٢٣ م) ما أقرته معاهدة سيفس لكردستان (١٠ أغسطس ١٩٢٠ م).
وقد قاد الشيخ سعيد النّقشبندى البيرانى الثورة فى أقاليم أورفا وسيفريك وديار بكر، إما تعصبًا واحترامًا للخلافة وغيرة عليها أو (كما ادعى مصطفى كمال) بتحريض مزعوم من بريطانيا. وسرعان ما قبض على الشيخ وزج به فى السجن، وحوكم (فى أبريل - يونيو ١٩٢٥ م) وحكم عليه بالاعدام وأعدم فى ديار بكر مع ٥٣ ثائرًا آخر. ولقد تابعت جريدة (فاكيت) التركية كل وقائع المحاكمة، من ٢٠ إبريل ١٩٢٥ م إلى ٢٨ يونيو، مشددة على الطابع الوطنى للحركة. ولقد أجير فشل هذه الثورة القواد الذين هربوا إلى البحث لهم عن ملجأ فى الخارج.
وفى ٣ أكتوبر ١٩٢٧ م، تأسست عصبة الأكراد الوطنية "هويبون" (الاستقلال) التى اندمجت فيها كل الجمعيات والاتحادات القديمة. ولقد اختير حسان نورى باشا حاكم بتليس قائدًا عامًا وتأسست إدارة مدنية.
ولقد تمت بعض المحادثات مع ممثلى الحكومة التركية فى سبتمبر ١٩٢٨ م عند شيخى كوبر ومع وعد بالعفو العام عن أولئك الذين أدينوا. لكن العدد القليل عن الأكراد الذى استجاب لذلك قتلوا. وبعد ذلك، وقعت ثورة أغرى بك فى ربيع سنة ١٩٣٠ م. ولقد أحرزت القوات الكردية، بعد أن سلمت تسليمًا جيدًا، بعض الانتصارات المذهلة وبفضل مساعدة القبائل فى إقليم ديار بكر، لكن
стр. 8446
هذه القوات انتهى أمرها بالاستسلام تحت ضربات الجيش التركى.
ولقد قام الأكراد بثورة كبرى سنة ١٩٣٧ - ١٩٣٨ م، وكان مركزها منطقة جبال دارسيم، التى يسكنها أكراد زازا. (ظاظا) وقد قاد هذه الثورة سعيد رضا، شيخ الجمعية النقشبندية. ونجح الأتراك فى إخمادها وبعد إعدام الشيخ وعشرة من رفاقه فى بلدة العزيز يوم ١٥ نوفمبر ١٩٣٧ م، قام الأتراك بإزالة درسيم وسموها تُنسيلى. وظل الأقليم تحت قانون حالة طوارئ الحرب حتى سنة ١٩٤٦ م.
بعد ذلك، لم تقم هنالك أى ثورة كردية مسلحة فى تركيا، وظلت كردستان هادئة خلال الحرب العالمية الثانية.
ثم تلى ذلك بعض التخفيف فى طريقة الحكم للأقاليم الكردية.
ولقد صدر فى ٢٧ مايو ١٩٦٠ م القانون العسكرى بخصوص كردستان وتبعه صدور المزيد من التنظيمات الليبرالية الجديدة.
وبرغم صدور بعض التصريحات من كبار الشخصيات الإدارية، فقد ظهرت بعض المقالات عن كردستان وعن الأكراد فى الصحافة التركية. وبين سنوات ١٩٦٥ و ١٩٦٨ م ظهرت صحف كردية - تركية.
فى إيران، ظل وضع الأكراد على الدوام مختلفًا عما وقع لهم فى تركيا. وبالطبع، فقد أصرف الحكومة الإيرانية فى الغالب على عامل القرابة، كذلك عامل الجنس والتاريخ, الذى يوحد بين الشعبين. لكن ذلك لم يمنع ظهور بعض الإزعاج الاجتماعى من وقت لآخر، كذلك حدوث بعض الثورات التى غالبا ما كانت تُقْمع بطريقة دموية. ولقد سببت حركات الجيوش التركية أو الروسية اضطرابات لإقليم آذربيخان فى السابق خلال الحرب العالمية. ولقد استفاد الشيخ الرئيس إسماعيل أغا سيمكو من هذه الاضطرابات وحاول أن يقتطع لنفسه ولاية كردية صغيرة عزم على تقلد قيادتها, ولقد نجح أيضًا فى توحيد القبائل الكردية بشمال الإقليم تحت قيادته، وبإحرازه عدة انتصارات
стр. 8447
على الأتراك وعلى القوات الأشورية والإيرانية، غيَّر محلته حسب الظروف. ولقد أصبح أيضًا السلطة الوحيدة فى المنطقة، إلى الغرب من بحيرة أرومية، ولكن فى النهاية اغتاله الإيرانيون عند أُشنو فى ٢١ يونيو ١٩٣٠ م. ولقد ثار سلار الدولة قاجار فى جنوب كردستان لكن ثورته انتهت بالفشل.
لكن الحرب العالمية الثانية أثرت تأثيرها الكبير على القومية الكردية فى إيران. وبالطبع، فإن احتلال السوفييت والقوات البريطانية (٢٥ أغسطس ١٩٤٢ م) للأقاليم الشمالية والغربية للبلاد، وما تبعه من تنازل رضا شاه عن العرش (١٦ سبتمبر ١٩٤١ م) قد ساعد حركات التحرر لعدة شهور، لكن الجيش الإيرانى قمع بشدة هذه الحركات التى قادها هامارشيد خان والذى تلقى مساعدات عديدة ممن جاوره من القبائل، وكان قد أعلن نفسه سيد، على منطقة سرداشت ماريفان سنة ١٩٤٢ م. ولكن ذلك كان مجرد استهلال لحركة استقلال حقيقية. وفى المقام الأول، استفاد الأكراد من الوضع فى إقامة منظمة "بعث كردستان"، وقد تكونت من مفكرى المدن الكردية وصغار البرجوازيين من مهاباد، وقدامى ساوج - بولاق، ورجال الدين وشيوخ القبائل. وسرعان ما انضم إليها القاضى محمد وهو من عائلة غنية عريقة (أكتوبر ١٩٤٤ م) وبعد إنتهاء الحرب، حكم كل هؤلاء بأن الفرصة سانحة وأعلنوا فى ٢٢ يناير ١٩٤٦ م جمهورية مهاباد الكردية، فى قلب حكومة أذربيجان الاستقلالية، التى قامت فى تبريز وفى الحقيقة، فإن القاضى محمد لم يرغب فى أكثر من استقلال داخل إطار الإمبراطورية الإيرانية. هذه الدولة الصغيرة، بمساحتها المحدودة غرب وجنوب بحيرة آرميا، نظُمت تمامًا؛ ففتحت فيها المدارس والمستشفيات، ونشرت الكتب القديمة ومجلات النقد باللغة الكردية، وجرت محاولات التطور الزراعى والتجارى والصناعى والصحى. وتأسس جيش صغير من العناصر القبلية به أربعة قواد، من بينهم المُلا مصطفى البرزانى، الذى جاء من العراق مع فرقة من جنوده المسلحين تسليحًا
стр. 8448
جيدًا. لكن حكومة طهران استطاعت أن تستعيد شمل البلاد.
واستسلم القاضى محمد، لكن أُعدم شنقا فى فجر يوم ٣١ مارس ١٩٤٧ م مع عدد آخر من الرؤساء. وقد ظلت جمهورية مهاباد الكردية لمدة أحد عشر شهرًا. ولكن الحادث كانت له انعكاساته بين كل الأكراد. وبعد ذلك حدث فى سبتمبر ١٩٥٠ م وفبراير ١٩٥٦ م، لأسباب اقتصادية، أن قوات المشاة سخرت قبيلة جافانرودى لعمل ما وقمُعت بعنف، بحجة أنها رفضت دفع ما عليها من ضرائب، فجردت من سلاحها فكرست نفسها لزراعة الحشيش. وبعد ذلك حاولت إيران، إصدار إصلاحات اجتماعية فى محاولة لأن تكسب تعاطف ومعونة الشعب الكردى الكبير. فنشرف فى طهران من مايو ١٩٥٩ م إلى مايو ١٩٦٣ م، مجلة "كردستان الأسبوعية" التى عالجت موضوعات أدبية ودينية وعلمية وتاريخية وأيضًا موضوعات سياسية. ومؤخرًا فقد اتهمت الحكومة العراقية مساعدة طهران، ماديًا ومعنويًا للأكراد فى حركة التمرد الكردية فى العراق. ولكن هذا الموقف السياسى لم يغير أصلًا من حالة ريبة السلطات الإيرانية حيال أكرادها.
وفى العراق، شهدت الفترة من نهاية الحرب العالمية الأولى حتى ثورة ١٩٥٨ م تأسيس دولة العراق الجديد وقيام الحكم الملكى الهاشمى. ولقد عُهد للبريطانيين، الذين تسلموا من عصبة الأمم، فى سان ريمول (أول مايو ١٩٢٠ م) صك انتداب على العراق وفلسطين، بتنظيم أموال البلاد التى كان قد سبق أن احتلوها عسكريا. وكان القليل منهم من يعرفون الأكراد ومشاكلهم، مما صعب عليهم مهمتهم.
وفى ديسمبر ١٩١٨ م، أقام "الميجور نوبيل" Magar Noel محمود البرزانى (١٨٨٠ - ١٩٥٦ م) حكمدرًا على الليمانية، وأن تمتد سلطته على القبائل الكردية الواقعة ما بين نهر الزاب الأكبر والديالة. وبعد نهاية ستة أشهر، طالب الشيخ محمود باستقلال كردستان (نهاية مايو ١٩١٩ م)، وكان على الجيش البريطانى أن يتدخل بالقوة
стр. 8449
للتغلب عليه. وبعد أن جرح محمود فى معركة باذيان (١٧ يونيو ١٩١٩ م)، أخذ للسجن وحكم عليه بالإعدام، لكن الحكم خفف بالنفى إلى الهند، وفى نفس الوقت، تم اغتيال عدد من الضباط البريطانيين فى زاخو والعمادية وعقره. وحكم "الميجور سويين" Magor soaneo محل الشيخ البرزانى، وسرعان ما عاد الهدوء إلى البلاد. وثارت المشاكل بتنصيب الأمير فيصل، الأمير الحجازى كملك على بغداد (٢٣ أغسطس ١٩٢١ م)، وكان هذا الأمير قد أبعده الفرنسيون من دمشق، وكان القصد من هذا إلحاق ولاية الموصل بالتاج العراقى، وهو المطلب الذى واصل الأتراك المطالبة به وأراد الأكراد تنظيمه لمصلحتهم. ولقد اعترفت معاهدة سيفرس الحديثة (١٠ أغسطس ١٩٢٠ م) السارية المفعول بحق الأكراد فى الاستقلال. وبسبب استمرار المقاومة وشمولها لكل كردستان، أعيد استدعاء الشيخ محمود البرزانى إلى السليمانية (سبتمبر ١٩٢٢ م) واقتنع بلقب "الحكمدار"، لكنه أعلن نفسه ملكًا على كل كردستان (فى نوفمبر). وأقام له حكومة من ثمانية أعضاء، ونظم البريد وأصدر طوابع بريد، وسن الضرائب على الدخان وأصدر جريدة "روجى كردستان" (شمس كردستان) التى أعطتنا تفصيلات كثيرة عن هذه الأحداث.
ولم يساعد العهد الحاكم بعد سنة ١٩٣٠ م (وهو العام الذى شهد نهاية الانتداب البريطانى فى العراق) وضع أكراد العراق؛ لأن الحكومة العراقية أرادت على الفور سحب الموظفين الأكراد المحليين من المناطق الكردية لتحل محلهم موظفين عربا ووقف تدريس اللغة الكردية فى الإدارات الشمالية. لذلك دفعهم هذا إلى الانزعاج الذى تحول إلى ثورة علنية فى السليمانية حين فتح الجنود العراقيون النار على أهلها المدنيين (٦ سبتمبر ١٩٣٠ م). ولقد قاد الشيخ محمود على الفور هذه الحركة. ولم يستطع الجيش العراقى أن يقضى عليها (سبتمبر ١٩٣٠ - أبريل ١٩٣١ م)، لكن قبض على محمود وحددت إقامته فى بيت من بيوت بغداد. وفى سنة ١٩٣١ م، اختلف
стр. 8450
الشيخ أحمد البرزانى مع جيرانه من رؤساء الأكراد. ومن أجل إعادة الهدوء، قامت الحكومة بحملة شتوية تطلبت تدخل سلاح الجو الملكى. وقامت ثورة جديدة أخرى سنة ١٩٣٣ - ١٩٣٤ م، واضطر الشيخ أحمد وأخوه الأصغر الملا مصطفى البرزانى، الذى ساعده عسكريا، للإقامة فى كركوك ثم فى السليمانية. وفى سنة ١٩٤٣ م، نجح الملا مصطفى البرزانى فى الهرب إلى بلدته برزان، مصطحبا معه الشيخ لطيف ابن الشيخ محمود، واتخذها قاعدة لثورته. وتدخل ماجد مصطفى الكردى، المعروف بوزير الدولة، لإقرار الأمور بين البرزانى والحكومة العراقية. ووافق البرزانى على شروط الاتفاق ومن بينها تحسين ظروف الأقاليم الكردية وأن لا يرسل إليها سوى الموظفين الأكراد لا العرب، وأن تفتح المدارس والمستشفيات فى كردستان.
ولقد قبل هذه الشروط رئيس الوزراء نورى السعيد، الذى تطلع إلى تأسيس لواء كردى كامل، ولما لم يوافقه عليه نائب الملك عبد الإله، انفجرت الثورة الكردية بعنف فى ربيع ١٩٤٥ م. وكان الأمر جاد، وخطيرًا هذه المرة. فلقد أحرز الأكراد عدة انتصارات واضحة، بينما خسر الجيش العراقى خسائر ثقيلة. وللمرة الثانية تدخل سلاح الجو الملكى ليلعب دوره فى إنقاذ العراق والمملكة الهاشمية. ومع نهاية أغسطس، انتهت العملية وانسحب الملا مصطفى البرزانى إلى إيران مع عدد من قواته وأسلابه. ولقد حوكم أربعة من كبار قواده، وهم: مصطفى خُشنافى، وعزت عبد العزيز، ومحمد محمود، وخير اللَّه عبد الكريم، وأعدموه فى ١٩ يونيو ١٩٤٧ م.
بعد هذه الأحداث المفروضة بالقوة، لم يتبق لأكراد العراق الوطنيين سوى العمل فى السر والاختباء، وهذا ما حدث. فأسسوا حزب كردستان الديمقراطى باتجاهاته اليسارية، وأصدروا مجلتين: "ازادى" (الحرية) و"رزجارى" (التحرير) وعلى أى حال فقد عاد الهدوء، واستفاد الأكراد من الحرية التى تركتهم يعملون بحرارة زائدة فى المجال الثقافى. وشهدت
стр. 8451
مجلاتهم فى العلوم والآداب النور. ونشرت مجموعات أشعار ومقالات عن تاريخ كردستان ومشاهير الأكراد. وأصبحت السليمانية من أكثر المراكز الثقافية نشاطا ومقرًا نشيطًا للأكراد.
ولقد شهد أكراد العراق منذ إعلان الجمهورية العراقية (١٤ يوليو ١٩٥٨ م) حتى سنة ١٩٧٠ م تقلبات وتغيرات عديدة. ولقد أثارت هذه الجمهورية حماس الأكراد، الذين شاركوا، مع الأحزاب السياسية الأخرى، فى الإطاحة بالحكم الملكى الهاشمى. وللمرة الأولى فى التاريخ أعلن دستور الدولة واقع أن: "العرب والأكراد شركاء فى هذه الأمة" ولقد أمن الدستور للأكراد حقوقهم القومية داخل قلب الكيان العراقى. ومن جانبه أعاد اللواء عبد الكريم قاسم الموظفين الأكراد المفصولين عام ١٩٤٧ م إلى مناصبهم وأذن (فى ٢ سبتمبر ١٩٥٨ م) للمُلا مصطفى البرزانى، الذى كان قد التجأ إلى الاتحاد السوفيتى حتى ذلك التاريخ, بالعودة إلى العراق. ولقد قام باستقباله هنالك بالحفاوة يوم السابع من أكتوبر ١٩٥٨ م بينما عاد رفاقه فى المنفى فى أبريل ١٩٥٩ م. وخصص قاسم له حرسًا خاصًا وبيتًا خاصًا فى بغداد ولبعض الوقت، جعله مستشاره الخصوصى.
ولقد آن للحزب الكردى الديمقراطى، الذى كان يعد نفسه سرًا لليوم العظيم، وقام بإصدار جريدته الأسبوعية "إكزيبات" (النضال)، آن له أن يظهر. ولم تعد المجلات الأدبية والعلمية الكردية والجرائد الناجحة، من ذلك الوقت فصاعدًا قاصرة على الآداب فحسب بل صار لها اتجاها سياسيا. لكن حالة النشاط هذه لم تستمر طويلًا، وتفجر ثانية صراع الأكراد واستمر لعشر سنوات، تخللتها الاعتقالات والمزيد من أعمال القمع الرهيبة. ومن الممكن يتميز أربع فترات هاهنا:
ويحتاج حل المشاكل فى الخارج والداخل "للقائد المخلص" ولقد إنتهت سياسة "قاسم" المتأرجحة بإنقلاب الجميع ضده. والأكراد أنفسهم، وقد ضاقوا ذرعًا بالوفاء بوعوده التى وعدها لهم، وانتهوا برفع السلاح ضد
стр. 8452
الحكم الدكتاتورى. وطبيعى، أن يترأس الملا مصطفى البرزانى الحركة (٩ سبتمبر ١٩٦١ م). ولم تكن هذه الانتفاضة باى حال انتفاضة قبلية، ولكنها كانت بحق ثورة كل أكراد العراق، فلاحين وسكان المدن، علماء وإقطاعيين، الذين كونوا كتلة ضد قاسم. ولقد كان الرد الانتقامى مخيفا وبمجرد أن أحست حكومة حزب البعث بقوتها، قامت بسجن المندوبين الأكراد، وأصدرت إنذارًا (١٠ يونيو ١٩٦٣ م) وفى فترة التوقف، تقلد حزب البعث السلطة فى دمشق، وقدم السوريون المساعدة لأصدقائهم العراقيين بإرسال طائرات لهم ولواء اليرموك. فطرد عبد السلام عارف حزب البعث وجمع كل السلطات فى يديه (١٨ نوفمبر ١٩٣٦ م). وتوقفت الأعمال الحربية.
ورغبة فى إنهاء المشكلة الكردية، تفاوض المشير عارف فى وقف القتال (١٠ فبراير ١٩٦٤ م) الذى تقبله الملا مصطفى البرزانى دون استشارة المكتب السياسى للحركة الكردية. لكن خلافا وقع ما بين البرزانى والمكتب السياسى، الذى اتهمه بخيانة مبادئ الثورة. ووقعت معارك دموية عند (موات)، يوم ١٧ يوليو بين الجماعات المتخاصمة. وفى المؤتمر السادس للحزب، أبعد ١٤ عضوا من ١٧ عضوا من المكتب السياسى من الحزب، ومن بينهم إبراهيم أحمد وجلال الطالبانى، اللذان التجآ إلى إيران. وسرعان ما تبدد التباس الوضع بين الأكراد والعراقيين. ففى ١٠ مايو ١٩٦٤ م، أعلنت الحكومة العراقية دستورًا مؤقتا جديدًا بدون ذكر لحقوق الأكراد وخصوصًا تلك التى وردت فى المادة الثالثة لدستور ١٩٥٨ م. ولم يوافق ذلك الأكراد، الذين لم يجردوا قواتهم من أسلحتها. ولقد بدأ شن الهجوم فى الربيع ٤ مارس ١٩٦٥ م بواسطة كل الجيش العراقى فى الغالب (المشاة، والمدرعات والطيران) بقيادة اللواء عبد الرحمن عارف، أخو رئيس الجمهورية. وبدأ بإحراز بعض الانتصارات المحلية (مارس - مايو)، ولكن فى الصيف (يونيو - سبتمبر) وقعت بعض معارك دموية فى سلسلة جبال سافين. ولقد
стр. 8453
استعاد العراقيون مدينة بنجويين الصغيرة بعد تدميرها.
وقد قام عارف بزيارة البرزانى فى (٢٨ أكتوبر) محاولًا الوصول معه على اتفاق. وثانية، تعطلت الأمور لوقت طويل. لكن حرب يونيو ١٩٦٧ م كان لها تأثيرها على عدة بلاد عربية، كما كان لها تأثيرها على العراق، حيث وقع انقلاب جديد (١٧ يوليو ١٩٦٧ م) جاء باللواء أحمد حسن البكر رئيسًا للجمهورية، أعقبه انقلاب آخر (٣٠ يوليو ١٩٦٨ م) جمع فيه البكر لكل السلطات وأعاد دكتاتورية حكم البعث، خلال ذلك الوقت قام الأكراد بافتتاح ٣٠٠ مدرسة سنة ١٩٦٨ م، وقامت الحكومة بافتتاح جامعة السليمانية (التدريس فيها بالعربية).
وقد فتح حزب البعث باب التفاوض مع البرزانى والمكتب التنفيذى. وذهب وفد كردى، برئاسة الدكتور محمود عثمان إلى بغداد وفى ١١ مارس، وقع اتفاق من ١٥ بندا فى نوبردان بكردستان، بين الجانبين، وضع نهاية لحرب التسع سنوات. وحصل الأكراد بمقتضى هذا الاتفاق على حكم ذاتى وعلى نيابة رئاسة الجمهورية. وأصبحت اللغة الكردية هى اللغة الرسمية الثانية فى العراق. ولقد اختير خمسة من الأكراد وزراء، وأعلن العفو العام لكلا الطرفين. وأعقبت الحدث احتفالات كبيرة وبرغم ذلك فإن معظم المشاكل لم تحل، فجرت محاولة لاغتيال المُلا مصطفى البرزانى (٢٩ سبتمبر ١٩٧١ م)، ووقعت اضطرابات فى سنجار (صيف ١٩٧٢ م)، ونزاعات حول اختصاص مقاطعات كركوك بعد تأميم شركة البترول العالمية (أول يونيو ١٩٧٢ م). وفى يونيو ١٩٧٣ م، صدر عن الأمم المتحدة وإفريقيا السوداء نداء لصالح كردستان العراق بتطبيق اتفاق ١١ مارس ١٩٧٠ م لصالح الأكراد.
ولقد احتفظ أكراد سوريا ولبنان، بصرف النظر عن وجود بعض العائلات الكبيرة بينهم وتبعيتهم العربية الكلية،
стр. 8454
مثل عائلة جنبلاط الدرزية، بسمتهم الأصلية، برغم أن منهم من استقر هناك لعدة قرون قبل قيام الانتداب الفرنسى.
المجتمع الكردى
بنيت الحياة الاجتماعية والاقتصادية لكردستان على أساس قوى ومتين.
وإذا كان لا يزال جزء صغير من الشعب الكردى يحيى حياة بدوية، إلا أن غالبيته الآن تستقر فى قرى عديدة ولكن المجتمع الكردى "ظل فى الريف"، كما أنه اليوم فى أساسه مجتمع قبلى"، لكن فى القرى الخاضعة لنظام مجموعة من المجموعات تخضع لنظام الحكومة الإدارى، ولقيادة ملاك الأرض ورجال الدين. وذلك قد أدى إلى عديد من التغييرات البنيوية الأساسية التى ظهرت بوضوح فى المجتمع الكردى؛ فى العائلة والقبيلة وملكية الأرض.
التنظيم القبلى
القبيلة هى العنصر الأساسى للمجتمع الكردى دون منازع. ونحن لدينا اليوم تسمية لكل القبائل الكردية. ولقد قام ليرش Lerch فى سنة ١٨٢٦ م بعمل ملخص لأكراد تركيا وأكراد المقاطعات الروسية وأكراد إيران. ولقد قام جابا jaba (١٨٦٠ م) بتعداد عدد منهم. ولقد نشرت خريطة لتوزيع الأكراد فيما وراء القوقاز فى تفليس سنوات ١٨٩٦, ١٨٩٧ م. وفى سنة ١٩٠٨ م أحصى سيرمارك سايكس Sykes ٣٠٥ أسماء لقبائل أكراد الدولة العثمانية وأضاف إليها ريفر Driver قبائل جنوب كردستان الكردية (العراق) وأولئك الذين ظلوا خارج كردستان حتى بعد الحرب العالمية الأولى. لكن الأحداث السياسية المختلفة التى وقعت حتى ذلك التاريخ أدت إلى تغيرات كثيرة فى توزيع ووضع القبائل الكردية. وفى الطبعة الكردية لكتاب م. أ. زكى "تاريخ كردستان" أورد جدولًا كاملًا لكل القبائل الكردية. وفى سنة ١٩٣٠, ١٩٣٩ م تم إحصاء كامل لقبائل سوريا الكردية.
وقد تحالف الأكراد فى بعض الأحيان مع أهل السنة، وتحالفوا فى
стр. 8455
بعض أحيان الأخرى مع الخوارج الخارجين على الدولة. وانتهى الأمر بالأكراد بحشد قواهم جملة للدين الجديد. ولما صاروا مسلمين متمسكين بالسنة اتبع الأكراد فى الغالب المذهب الشافعى، كما أفاد كتاب شرفنامه بذلك كذلك المؤرخ أوليا شلبى.
وعبر التاريخ أظهر رؤساء المجتمع الكردى غيرة دينية رفيعة دون فرض التدخل فى شئون الآخرين، بداية بصلاح الدين (١١٣٧ - ١١٩٣ م). ولقد خلدوا ذكراهم ببناء المساجد والمدارس، والمستشفيات والأسبلة. ولقد ضم جامع الأزهر الشهير بالقاهرة عددًا كبيرًا من الأكراد كمدرسين لأصول الدين. وتضم مقبرة أيوب فى إستانبول ومقبرة سكوتارى بين جنباتها قبورا عديدة لأكراد تولوا فى الفترة العثمانية وظيفة شيخ الإسلام. ومن القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى فصاعدًا دخلت الصوفية كردستان وازدهرت. واليوم فإن الطريقة القادرية هى أقوى وأهم الطرق الصوفية بين الأكراد ويتبع أفرادها الشيخ عبد القادر الجيلانى (١٠٧٨ هـ - ١١٦٦ م)، الذى توفى فى بغداد وكان هو نفسه كرديًا، كذلك الطريقة النقشبندية، التى تنتمى إلى الشيخ بهاء الدين البخارى (١٣١٧ - ١٣٨٩ م)، وهى طريقة واسعة الانتشار فى العالم الإسلامى وبخاصة فى الهند ويمتد تأثيرها حتى الصين.
ولقد عرف أكراد العراق هذه الطريقة مع نهاية القرن التاسع عشر على يد مولانا خالد بعد رحلة قام بها إلى دهلى. ومولانا خالد كردى من قبيلة الجعف، ولد فى كاراداغ سنة ١٧٧٩ م وتوفى فى دمشق سنة ١٨٢٦ م. وقد واجه معارضة قوية من جانب شيوخ القادرية، لكنها انتهت باستئصال بعضٍ منهم. ويطلق على أتباع الطريقة القادرية فى جنوب كردستان الدراويش بينما يطلق على النقشبنديين لقب الصوفيين. وتعقد اجتماعات إخوة الطريقة فى محل شيخ الطريقة فى الخانقاه أو التكية.
وتظهر يد الشيوخ وخبراهم خاصة النقشبنديين فى كثير من الثورات فى
стр. 8456
تركيا وفى العراق مع ردود فعل الحكومة الدموية التى تتبعها، وعلى سبيل المثال حركة الشيخ عبيد اللَّه النهرى (١٨٨٠ م) وحركة الشيخ سعيد البيرانى (١٩٢٥ م)، التى أدت إلى إغلاق كل التكايا فى تركيا كذلك عصيان الشيخ محمود البارز نجاوى المسلح (١٩١٩ و ١٩٢٢ م). لكن، برغم تطرف هذه الطرق الصوفية وكل مشاركاتها السياسية، فإنها تعتبر على الدوام كأجزاء متممة للحكومة والعقيدة الإسلامية. ولم يكن ذلك نفس الحال بالنسبة لبعض أصحاب الفرق الذين تطرفوا فى نظرياتهم إلى الحد الأقصى. وتركوا سُنة الإسلام مثل اليزيديين، المنبثقة من العدوية نسبة للشيخ عدى ابن مسافر (١٠٧٣ هـ - ١١٦٢ م)، وانحرفت روحانيتهم واعتقادهم تماما عنها إلى الحد الذى نسوا فيه أصولهم. كذلك تتواجد بين الأكراد بعض الجماعات الصغيرة، فى العراق، مثل جماعة (السارليين)، وحول الموصل جماعة (الشباكيين)، وجماعة البكتاشيين، الذين كانوا فيما مضى جماعة لها قوتها فى تركيا.
اللغة
تنقسم اللغة الكردية إلى ثلاث لهجات رئيسية، وتأتى الفروق بين هذه اللهجات نتيجة بعد الأماكن التى يسكنونها عن بعضها وتأثر هذه الأماكن بلغات المناطق التابعين لها. والمجموعة الشمالية من هذه اللهجات يتحدثون بها فى جمهورية تركيا وأرمينيا وآذربيجان والاتحاد السوفيتى ولواء الموصل فى العراق، والمستعمرات الكردية فى خراسان وتركمان الاتحاد السوفيتى وتعرف هذه المجموعة باسم الكرُمانجى (الكرِمانجى) ويعرف المتكلمون بها باسم الكُرمانجيين. والمجموعة الوسطى من هذه اللهجات يتحدثون بها فى أربيل والسليمانية وكركوك فى لواء العراق والمناطق المجاورة لكردستان فارس وهى مهاباد وسنانداج (سنا) وهذه اللهجات تعرف جميعها باسم (السورانى) ومن اسم مؤسسها الأول (سوران). ولقد اكتسبت لهجات السليمانية وسنانداج على وجه الخصوص، تفوقها كلغات
стр. 8457
أدبية. أما اللهجات الكردية المتبقية، المجموعة المتغايرة العناصر والتى يتكلم بها فى المناطق جنوب وشرق السورانى، وأهمها الكرمانشاهى، فيمكن أن تشكل فى اتحادها المجموعة الجنوبية. وهنالك ما بين المجموعات الوسطى الكردية والمجموعات الجنوبية جزيرة من الكلام غير الكردى، مع خليط من اللهجات على شطآنها كونتها المساحة التى يحتلها الجوران. وهنالك لهجات كردية أخرى تتحدث بها مستعمرات الأكراد المعزولة والمبعثرة داخل إيران.
الفولكلور والأدب
(أ) الأدب الشعبى:
الأدب الشفاهى عند الأكراد أدب غزير، شأنهم فى ذلك شأن الشعوب قليلة الرقى الثقافى. ولقد جمع المستشرقون الأجانب كمًا كبيرًا من الوثائق وقاموا بنشرها عن هذا الفولكلور، ويتمثل غنى هذا الفولكلور، أولًا، فى الأمثال والأقوال الشعبية الألغاز أو الأحجيات ويحب الكردى أن يزين محادثته بجمل مسجوعة وموزونة كما يظهر وعيه الحقيقى وقوة ملاحظته. والأمثال أيضا تزودنا بملخص لاذع لحكمة عملية. ولقد نشر الآلاف من هذه الأمثال. وتتنوع الأغانى فى عددها وأشكالها: فهنالك أغانى الرقص (ديلوك) وأغانى الحب (لاوك)، أو الحرب (سر أو دلال)، كذلك أغانى الحداد (سن أو كويل) ولقد ازدادت القصص والحكايات (النوادر) وامتلأت بالخيال. وتستطيع قصص المعجزات والعجائب أن تجعل المرء ينسى مشاكل الحياة؛ وتمتلئ الحكايات والنوادر بالفكاهة؛ ولا تتردد الحكايات التقريعية عن انتقاد أخطاء الأفراد، والقبائل المتنافسة، ورجال الدين، بروح أساطير العصور الوسطى، وفوق كل ذلك، فإن الأكراد مغرمون بقصص الحيوان التى دائما ما تحتوى على فضيلة أخلاقية.
(ب) الأدب الراقى المدون
إلى جانب عدد الأميين الكبير يوجد بين الأكراد أيضًا صفوة مثقفة للغاية ولقد ذكر المؤرخ ابن الأثير الكردى
стр. 8458
(ت ٦٣٠ هـ/ ١٢٣٣ م) هذه الحقيقة فى السابق فى كتابه الكامل وترددت مرات كثيرة فى الشرفنامه وأيضًا ذكرها بعض الشهود من أمثال حاجى خليفة (١٦٥٨ م)، أو الرحالة أوليا شلبى فى كتاب رحلته (١٦٨٢ م). ولسوء الحظ فإن هؤلاء الكتاب المثقفين قد كتبوا كتبهم بالعربية لغة العلم فى ذلك الوقت، ولغة القرآن، وإذا كانت هذه الكتابة تتصل بموضوعات التشريع والدين أو التاريخ, كما فعل ابن خلكان صاحب كتاب الوفيات الشهير، أو أبو الفدا المؤرخ الجغرافى، أو بالفارسية كما فعل شريف خان البدليسى فى كتابه تاريخ الأكراد أو شرفنامه (١٠٥٥ هـ/ ١٥٩٦ - ٩٧ م)، كما فعل إدريس حاكم بتليس (ت ٩٢٦ هـ/ ١٥٢٠ م) الذى كتب أول تاريخ للإمبراطورية العثمانية (هاشت بيهشت) "الجنان الثمانية". ولقد كان الشاعر الكبير فضولى (ت ٩٦٣ هـ/ ١٥٥٦ م) شاعر اللغة التركية كرديًا. وهنالك حتى اليوم الكثير من الشعراء الأكراد الذين كتبوا شعرهم بالعربية مثل أمير الشعراء أحمد شوقى (١٨٦٨, ت ١٩٣٢ م)، والرصافى (١٨٧٥, ت ١٩٤٥ م)، وعالم الاجتماع قاسم أمين (١٨٦٥, ت ١٩٠٨ م)، والروائى عباس العقاد (١٨٨٩, ت ١٩٦٤ م)، ومحمود تيمور (١٨٩٢, ت ١٩٢١ م) وأخوه محمد، جميعهم من أصل كردى. وهنالك عدد من المؤرخين الأكراد الذين كتبوا بالفارسية مثل: محمد مردوخ الكردستانى، ورشيد ياسيمى وإحسان نورى. أو الذين كتبوا بالتركية أمثال: محمد الدرسيملى وأحمد يمولكى. وإذا كان هؤلاء الكتاب القدامى الكبار قد كتبوا بالعربية والفارسية والتركية عن لغتهم الأم الكردية فإن الكتَّاب الشباب اليوم يكتبون باللغات الأوربية. الانجليزية والفرنسية والألمانية وحتى بالروسية، وخاصة فى أرمينيا، حيث أضافوا إلى هذه اللغات كتاباتهم بالأرمينية. حقيقة فإن الأكراد كانوا فى كل الأوقات يتكلمون لغات عدة، ولقد ظهرت موهبة الموهوبين منهم فى الشعر والتاريخ وفى العلوم الطبيعية والإنسانية والصحافة.
د. عطية القوصى [ث. بويس Th. Boith ف. مينورسكى V. Minoresky]
стр. 8459
الكرك
حصن واقع شرقى البحر الميت فى منطقة مؤاب القديمة، على ارتفاع يبلغ قرابة ثلاثة آلاف قدم فوق سطح البحر، والاسم مأخوذ من كلمة "كرخا" الآرامية وتعنى مدينة التى وردت أيضا فى كتابات بطلميوس.
ولما كان الحصن واقعا على بروز شديد الانحدار مفصول عن الجبل بخندق ضيق عميق عملت فيه يد الإنسان فزادته عمقا وازداد الحصن مناعة. ومن الأمور الملحوظة أننا لا نسمع عنه شيئا فيما ورد من أخبار الفتوح الإسلامية للباود الواقعة شرقى نهر الأردن ولا فى القرون التالية لها، ولكننا سمعنا به لأول مرة زمن الصليبيين سنة ١١٤٢ م حين قام بايين ساقى الملك فولك فحصنه، وأخذ الحصن منذ ذلك الوقت يلعب دورًا بالغ الأهمية فى الأحداث. ولما كانت معلومات فرنجة ذلك الوقت شديدة الضحالة فقد التمسوا أن يجدوا مكان البتراء القديمة هناك وأطلقوا عليه اسم Peha Deserta, وكان هذا الحصن المنيع مصدر متاعب للمسلمين بسبب إشرافه على طريق الحجاج من دمشق وعلى طريق القوافل بين مصر والشام، كما شكل تهديدا خطيرا للبلاد الإسلامية فى أثناء الفترة الممتدة من ١١٧٦ م حتى ١١٨٧ م حين كان فى يد "رينو دى شاتيون (المعروف فى المراجع العربية باسم ارناط) الذى جهز فى هذا الوقت حملة كان يقصد بها الإغارة جنوبا حيث شبه الجزيرة العربية، وعلى الرغم من فشل هذه الحملة إلا أنها أحدثت قلقا عظيمًا للمسلمين الذين عدوها هجومًا على الأماكن المقدسة فى الحجاز، على حين أنها لم تكن أكثر من عمل له دوافعه الاقتصادية.
على أنه بدءًا من سنة ٥٦٥ هـ (= ١١٧٠ م) أخذ الحصن يعانى من حصار نور الدين محمود بن عماد الدين زنكى وصلاح الدين الأيوبى (اللذان كانا يرميان إلى إعادة النفوذ الإسلامى فى منطقة الكرك) لكن لم يقدر النجاح لهذه المحاولة إلا بعد فرض المجاعة وحينذاك استسلمت الحامية وذلك سنة ٥٨٤ هـ (٨٨٨ م) للملك
стр. 8460
العادل أخى صلاح الدين، كما أنه آل للملك العادل مرة أخرى حيث أصبح فى دائرة أملاكه عقب وفاة صلاح الدين، ثم انتقل إلى أيداى كثير من أعضاء البيت الأيوبى، حتى أنه بهذا الاختفاء التدريجى للإمارات الأيوبية المختلفة ظل فى حوزة الأمير مغيث الدين عمر بعد استقراره بالكرك حتى أمسكه بيبرس وقتله غدرًا وذلك سنة ٦٦١ هـ (= ١٢٦٢ م). ولقد وجد السلطان المملوكى الناصر الحماية لنفسه خلف أسوار الحصن المنيعة حين فر إليه سنة ٧٠٨ هـ (= ١٣٠٩ م) من القاهرة ليدعم سلطانه فقد كان الكرك حينذاك أحد الأماكن الآمنة فى الممالك التى انقسمت إليها الشام وفلسطين. ونستشف من الأوصاف التى وصفه بها المؤرخون العرب مدى ما كان عليه هذا الحصن من قوة ومناعة فى ذلك الوقت وكان بعض سكانه المحليين لا يزالون على النصرانية.
على أن قلعة الكرك فقدت أهميتها أيام الحكم العثمانى فقد احتلها إبراهيم باشا سنة ١٨٤٠ م وأمر بهدم بعض تحصيناتها ثم عاود العثمانيون احتلالها مرة ثانية وزادوا فيها عام ١٨٩٣ م ثلاثة مبان مختلفة. ولما كان الكرك مركز إقليم إدارى فقد بلغ تعداد سكانه عام ١٩٧٣ م ما يقرب من عشرة آلاف نسمة، وأصبح من الصعب فى بعض الأوقات أن نفرق (فى كل من البلد والقلعة المجاورة) بين الآثار الصليبية والعمائر التى شيدت جميعها على أطلال المبانى الملحقة، ومع ذلك فمن المؤكد أن البرج الكبير والسور الخارجى المحيط بالفناء الأسفل إنما هما أثران إسلاميان يرجعان إلى زمن السلطان الظاهر بيبرس.
المصادر:
(١) ياقوت الحموى: معجم البلدان تحقيق F. Wustenfeld، لينبرج، ١٨٦٦ - ١٨٧٣ م.
(٢) الكامل تحقيق C. J. Tornberg ليدن ١٨٥١ - ١٨٧٦ م.
(٣) مفرج الكروب لابن واصل.
(٤) رحلة ابن بطوطة، باريس ١٨٥٣ - ١٨٥٨ م.
د. حسن حبشى [د. سورديل D. Sourdel]
стр. 8461
كرك نوح
كرك نوح قرية من قرى إقليم البقاع اللبنانى، وتقع عند سفح جبل لبنان على مقربة من رحلة على الطريق المؤدى إلى بعلبك ويسميها كتّاب العصر الأموى بالكرك فقط، ثم عاد المؤرخون فى العصر المملوكى فأطلقوا عليها اسم "كرك نوح"، والواقع أنها تعتبر الموضع الذى به قبر نوح الذى لا يزال ظاهرًا والذى ذكره المقدسى جغرافى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) ويتميز المبنى الذى يعتبر أنه يحتوى على الشاهد الحجرى التذكارى لنوح بطوله طولا ليس بالمألوف، ويتصل بمصلى له ثلاثة مداخل، كما توجد على الجدران والأعمدة نقوش مملوكية عدة ترجع إلى نهاية القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) وهذه النقوش تشير إلى عمارة أجريت على القبر كما أن عليها مراسيم بإسقاط الضرائب، ويمكن تفسير وجود هذه النقوش الأخيرة بأن "كرك نوح" كان فى العصر المملوكى قاعدة إقليم.
المصادر:
(١) (D. Sourdel: Inscriotions arabes de kavaknuh (in BED
د. حسن حبشى [د. سورديل D. Sourdel]
كرمان
كرمان اسم قديم يطلق على موضعين أحدهما ولاية "كرمان" الفارسية وثانيهما يطلق على عاصمتها، وقد ورد ذكرها عند "سترابو" باسم "كرمانيا" وذكرها "بطلميوس" فى جغرافيته فسماها "كرمان" وتبعه فى هذه التسمية الكثيرون ممن جاءوا بعده. وتقع الولاية جنوب غربى صحراء "فارس" الوسطى، ويحدها من الشمال إقليم "يَزد" و"خراسان" ومن الشرق "سيستان" و"مكران" (وهى المعروفة باسم "بلوشستان") التى يقدر "حميد اللَّه مستوفى" أنها كانت تدفع الخراج "لكرمان"، ويشير "ابن رُميّته" إلى أن إقليم "فهرج" كان من بين الأقاليم التى تدفع الضرائب "لكرمان"، ونطالع عند "الإصطخرى" أن كلا من "خواش" و"ريجان" كانت تابعة "لكرمان"، أما
стр. 8462
"الإدريسى" فيدرج "خواش" فى "سيستان" ونستدل مما هو وارد فى عقد العلا" "لأفضل الدين أبى حامد الكرمانى" أن كلا من "يَزْد" و"طبْس" كانت تابعة "لكرمان" زمن ملكها السجلوقى "أرسلان شاه" (٤٩٤ - ٥٣٦ هـ = ١١٠٠ - ١١٤١ م) ويقرر "ابن بلخى" أن "رودان" ضمت إلى "كرمان" زمن "ألب أرسلان"، أما "هرمز" فكانت حينا تابعة "لفارس", وحينا تابعة "لكرمان". وتمتد سلسلة من الجبال عبر الولاية التى يغلب عليها التصحر وإن كانت بها عدة نواح عالية الارتفاع ولكنها خصبة وفيها المراعى والأودية التى تكثر بها بساتين الكروم، ويشقها العديد من القنوات المائية، وبها أماكن مثل "سعد أباد" التى ترتفع ٥٦٠٠ قدم عن سطح البحر، و"بارْز" على ارتفاع سبعة آلاف قدم كما توجد بها مناطق جبلية جرداء عديمة المياه، وإن كانت المنطقة الصحراوية تقع فى الشمال وفى الشمال الشرقى على حدود "دشى لوط"، كما توجد المستنقعات والأراضى السبخة الملحية فى النواصى المنخفضة المنعزلة، ويلاحظ أن بعض مدن الولاية تفصل الواحدة منها عن الأخرى أراض جرداء عريضة حسب ما يذكر "الاصطَّخرى" و"ابن حوقل"، أما سلاسل الجبال فتمتد واحدة منها من قرب "يزد" إلى "خبيص" (التى عرفت حديثا باسم "شهداد") وتمتد أخرى من الجنوب الشرقى إلى نسرفستان أما الإقليم الذى يسميه الجغرافيون العرب "بجبال قُفص" فيقع شرقى إقليم "شاكرد" ويشرف على تخوم "مكران" و"رودْبار".
ويذكر "ابن رستة" أن "كرمان" فى أيامه كانت مقسمة إلى خمس كور هى "بردسير" و"سيرجان" و"نرماشير" و"جيرفت" و"هومز"، ويتفق "المقدسى" مع "ابن رستة" فى عدد الكور ولكنه يسقط منها "هرمز" ويثبت مكانها "بام" ثم تغير هذا التقسيم بمجئ القرن الثامن الهجرى، وقد حدثت تغيرات كثيرة بتغير القرون، حتى إذا كان عهد "رضا شاه" أصبحت الولاية مقسمة إلى ستة أقسام يسمى كل قسم منها "بشهر ستان".
стр. 8463
السكان: يرجع معظم السكان إلى أصل إيرانى وقد لاحظ "سترابو" أن عادات الأهالى فى كرمان ولغتهم كانت تشبه إلى حد بعيد عادات ولغات الميديين والفرس، ويصف الإدريسى سكان كرمان بسماحة النفس وحسن الطبع وأن تجارهم يمتازون باللطف فى المعاملة والصدق ولين العريكة أكثر من غيرهم، ولما شرع ستاك stack فى الكتابة بعده بعدة قرون استرعى انتباهه هدوء الناس وتمسكهم بالنظام وإن كان "بار فروشى" يندّد بالكرمانيين ويتهمهم بإثارة الفتن.
وكان يسكن كرمان حسب ما يذكره, جغرافيو القرنين الثالث والرابع للهجرة (التاسع والعاشر الميلاديين) - قبائل عدة منهم الكوشيون والبلوشستانيون وغيرهم، وحين يتكلم المسعودى عن "كُرد" الولاية فى الأرجح أنه يقصد البدو سكان الخيام أكثر مما يقصد الكرد المعروفين.
ويقول مسكويه إن أهل قفص وبلوص و"منوجان" انضموا إلى سلمان بن محمد بن إلياس حين حاول الاستيلاء على كرمان وانتزاعها من أيدى البويهيين ولكن قوة بويهية أنزلت به وبمن معه الهزيمة سنة ٦٣٠ هـ وكبدتهم خسائر فادحة ومع ذلك فلم يركن البلوصيون للهدوء طويلًا، بل ولّوا عليهم على بن محمد البارزى وراحوا يعيثون فسادًا فهب لتأديبهم عضد الدولة فارتدوا إلى جبال "بارز" ولكنهم هزموا مرة ثانية سنة ٣٦١ هـ. ويذكر مسكويه أن عضد الدولة نفى (من الجبال) من لم يكونوا فى عداد القتلى وأنزل مكانهم الفلاحين على أن يتقاسموا هم غلّة الأرض أو كما يقول مسكويه "يقاسمون المزارعين والمستورين من أجناد الرعية" ويلاحظ أنه لا يوجد ذكر لكتيبة من القفصيين فى جيش عضد الدولة سنة ٣٦٦ هـ. على أن عمليات عضد الدولة لم تؤد إلى انهيار تام لقوة القفصيين والبلوصيين، إذ نراهم فى مستهل العصر السلجوقى يسيطرون على المنطقة من جيرفت إلى خليج عُمان رغم أنهم يسكنون فى الواقع فى جبال بارز، ولا توجد ثمت إشارة إلى القفصيين فى العصور الوسطى المتأخرة وإن تكررت الإشارة إلى البلوشيين الذين استقروا فى مكران
стр. 8464
منذ القرن الخامس الهجرى ولقد ألقت الحكومة القبض على كبيرهم فتح على خان وصادرت كثيرًا، من أملاكه فى "أسفندقة" و"جيرفت" وتزعم إحدى الروايات أن قبائل المهينى، جاءت أصلًا من خراسان إلى اسفندقة زمن الصفويين. ويذكر الإصطخرى أن أهل جبال البارزى كانوا أشرَّ من لصوص القفصيين وأنهم لم يدخلوا فى الإسلام حتى زمن العباسيين، وأنهم استمروا رغم إسلامهم سادرين فى شرورهم، وقد تغلب على جموحهم يعقوب بن ليث وعمرو بن ليث وكانت لهم كما يقول الإصطخرى لهجة خاصة بهم.
وعلى الرغم مما يقرره نولدكه من أن هناك هجرات عربية إلى كرمان قبل الفتح الإسلامى إلا أنه لا يوجد من العرب كثيرون قد استقروا خلال الأيام الأولى للفتوحات الإسلامية ذلك لأن الجيوش العربية استمرت فى زحفها من كرمان إلى سيستان وخراسان أما من استقر من العرب وهم قلة فقد اندمجوا فى أهل البلاد، ويقول ياقوت إن هناك وجودًا لجماعات فى جيرفت يرجعون إلى الأزديين وبنى المهلب.
الفتح العربى:
لقد بدأ فتح العرب لكرمان حوالى سنة ١٧ هـ على يد "الربيع بن زياد" الذى أرسله أبو موسى الأشعرى والى البصرة حينذاك فغزا سرجان وعقد معاهدة مع سكان "بام" ثم قامت حملة عربية ثانية بقيادة عثمان بن أبى العاص الثقفى والى البحرين الذى قتل "مرزبان" كرمان لكن ذلك كله لم يؤد إلى فتح كرمان تمامًا، وحدث فى سنة ٢٩ هـ (= ٦٤٩ م) أن يزدجِرْد آخر ملوك بنى ساسان فرَّ من أصفهان إلى كرمان ثم إلى خراسان فطارده معظم الجيش العربى بقيادة "مجاشع بن مسعود السلمى"، لكن هلك هذا الجيش عن آخره فى الثلوج وكان مجاشع هذا قد استولى على كثير من المدن الكبرى حتى جبال قُفص، ثم كانت أحداث بين الجانبين الفارسى والعربى لا تُعرف على حقيقتها (انظر البلدان لليعقوبى) ولقد أصبحت كرمان زمن الأمويين مسرحا لعمليات الخوارج الحربية فقد فر الأزارقة إليها سنة ٦٨ هـ، ثم تجمعوا بعد خمس سنوات من ذلك
стр. 8465
التاريخ تحت قيادة قطرىّ بن الفجاءة واستولوا على فارس وكرمان وانضم إليهم جمع من الأهالى، وامتد خطرهم إلى العراق فهب المهلب بن أبى صفرة لقتالهم وهزمهم وقضى على جموعهم، ومع ذلك فقد ظلت كرمان بؤرة ساخنة تعج بالمتمردين وملجأ يحمى الثوار، فقد فرَّ إليها ابن الأشعث سنة ٨٢ أو ٨٣ هـ، ولما فشلت ثورة يزيد بن المهلب أحكم الأمويون قبضتهم على كرمان عن طريق والى خراسان الذى كان يحكم البلد عن طريق نائب له بها، حتى إذا كانت سنة ١٣٠ هـ وقام "محارب ابن موسى"، بعد إخراجه ولاة بنى أمية من كرمان وهاجمها لكن لم يُقَدر له النجاح فى الاستيلاء عليها، وفى سنة ١٣١ هـ خرج جيش أموى من كرمان لمعارضة بعض العباسيين ولكنه هزم قرب أصفهان.
وكان العباسيون الأوائل يعينون ولاة كرمان التى ظلت معظم الوقت تحت رقابة خراسان، وسَكّ العباسيون فى كرمان عملة تحمل اسمهم سنة ١٦٧ هـ، ولما كان زمن الرشيد احتل حمزة بن عبد اللَّه هرات ووصل نفوذه إلى فارس وكرمان التى كان لا يزال بها عدد غير قليل من الخوارج الذين يبدو أنهم نفضوا عنهم غبار الهزائم التى أصابتهم أواخر عصر بنى أمية.
أما من الناحية المالية فقد بلغ خراج كرمان وعُمَان ٢.٦٠٠.٠٠٠ دينار وكان ولاة كرمان (منذ عهد المعتصم) من الترك حتى إذا كانت خلافة المهتدى ثار محمد بن واصل التميمى سنة ٢٥٠ هـ واستولى على فارس وكرمان، فبعث المعتمد -حين استخلف- ضد التميمى والتقى الجيشان قرب الأهواز وانتصر الخارجى، كما زحف فى الوقت ذاته يعقوب بن ليث على كرمان واستولى عليها ثم زحف على فارس واستولى عليها هى الأخرى سنة ٢٥٣ هـ وولى أمور كرمان أخوه عَمْرو الذى لم يكد يُهْزم أمام الموفق فى فارس سنة ٢٧٤ هـ حتى ارتد إلى سيستان غير أن الصلح تم بينه سنة ٢٨٠ هـ وبين المعتضد الذى استعمله ثانية على كرمان وفارس وسيستان، ثم خلفه حفيده طاهر الذى ظل فى ولايتها حتى انتزعها منه "السُّبْكرى" الذى هزمه جيش عباسىٌ سنة ٢٩٨ هـ، ومع كل هذه الاضطرابات نجد أن أبا جعفر أحمد ابن محمد بن خلف بن ليث الصفارى
стр. 8466
يجمع الخراج من كرمان لكن على يد عسكر أرسلهم إليها لهذا الغرض كانت الدولة السامانية تعانى فى هذا الوقت متاعب الفتنة فقد قام واحد من أمراء نصر بن أحمد واسمه "أبو على بن محمد الياس" واستولى على نيسابور فلما استردها منه نصر سنة ٣٢٠ هـ مضى "محمد بن إلياس" إلى كرمان واستولى عليها وتولى حكومتها غير أنه لم تكد تمضى سنتان حتى أخرجه منها "ماكان بن كاكى"، واستولى عليها باسم السامانيين، ثم ترك "ماكان" الولاية سنة ٣٢٣ هـ ليحارب فى "جُرْجان" واضطربت الأحوال فى مدى عام واحد اضطرابا شديدًا هناك وكان جذب وشد من بين أطراف شتى متنازعة متقاتلة انتهت بعودة محمد بن إلياس إلى كرمان واعترافه فى خطبة الجمعة بالسامانيين الذين بعثوا إليه برايتهم وبخلعة الولاية، وأيد ذلك الخليفة "المطيع"، على أن المنازعات شبت بين محمد بن إلياس وبين أولاده واضطر أخيرًا للتخلى عما بيده "لليسع"، وعاد عضد الدولة فاستولى على عمان وهاجم كرمان وسقطت "بردسير" وهرب اليسع إلى خراسان وأنعم الخليفة بولاية كرمان على عضد الدولة الذى ولاها من قبله لولده أبى الفوارس الذى عرف فيما بعد بشرف الدولة، وعاد عضد الدولة إلى شيراز، وجدّت أحداث ومنازعات بين أولاد ابن إلياس الذين كان عهدهم عهد اضطرابات وقلاقل وكان من نتائجها قَطْع الجباية والخراج عن الحكومة وبعد موت عضد الدولة سنة ٣٧٢ هـ أخذ أبناؤه يتقاتلون فيما بينهم واضطربت الأمور وتمكن السلاجقة بعد نصف قرن من الزمان من هزيمة مسعود فى وقعة "دندا نقان"، كما أرسل طغرل بك جيشًا لغزو كرمان ولكن رده على أعقابه "أبو كاليجار" سنة ٤٣٤ هـ ولقد اشتهر سلاجقة كرمان بالعدل والاهتمام بالرعية، كما عنى بعضهم بتأمين الطرق وسلامة المسافرين وإقامة صهاريج المياه، ويعد كل من "توران شاه بن قاوورد" وأرسلان شاه بن كرمان شاه وزوجته "زيتون خان" ومحمد بن أرسلان شاه من أعظم من اهتموا بالعمارة فقد أسس محمد بن أرسلان شاه مكتبة بجامع
стр. 8467
توران شاه كان بها خمسة آلاف كتاب فى شتى فنون المعرفة، كما كان بعض الحكام السلاجقة رعاة للعلوم الدينية حتى أن العلماء كانوا يأتون من شتى الأرجاء إلى كرمان فى عهد ارسلان شاه بن كرمان، وأجرى ولده محمد النفقة على الفقهاء حتى أن أرباب الحرف كانوا يرسلون أبناءهم إلى كرمان لدراسة الفقه، ولم يقصر بعض كبار رجال السلاجقة. فى تشجيع العلوم الدينية، فأنشأ الأتابك مؤيد الدين ريحان كثيرًا من المؤسسات لهذا الغرض وأوقف الأوقاف للصرف منها عليها، غير أنه يلاحظ أن سلاجقة كرمان كانوا يؤثرون الحياة إلى جانب قطعانهم الحيوانية خارج المدينة فيقضون سبعة أشهر من السنة معها فى مراعيها، وكان مركزهم المالى طيبًا حتى نهاية حكمهم، ولم تضطرب قيمة العملة، وربما ساعد على ذلك ازدهار التجارة وكانت "قمارين" حتى نهاية عهدهم موضعا يقصده الناس من الأناضول، وكان لبعض الوزراء والأمراء إقطاعيات واسعة وكان مؤيد الدين ريحان يمد التجار بأموال من عنده يتاجرون له بها، وكان معاش الجند و"حشم" الوالى يتبادلون رواتبهم من الحكومة المركزية كما يقول المؤرخ أفضل الدين فى تاريخه، وكان الجيش يتألف أساسًا من الترك وإلى جانبهم بعض الديلم.
ولم يكن عدد جند الحكام والأمراء كبيرا. ولما تولى توران شاه أمر كرمان سنة ٤٧٧ هـ، قام بشن حملة على فارس ثم خلفه ولده "إيران شاه" سنة ٤٩٠ هـ الذى أظهر الميل للإسماعيلية فأفتى شيخ الإسلام القاضى جمال الدين أبو المعالى بموته ففرّ ولكنهم أمسكوه وأعدموه وحل محله على العرش أرسلان شاه بن كرمان شاه سنة ٤٩٥ هـ مُؤيَّدًا من قبل الأمراء والقضاة، وامتد حكمه اثنتين وأربعين سنة، ووصلت الدولة فى عهده إلى حالة بلغت فيها الدولة أوج قوتها، وقد عين "شحنة" لحفظ عثمان وحاول مدّ نفوذه على فارس وشهدت أخريات حكم أرسلان شاه نزاعًا بينه وبين علاء الدولة والى يزد وتعقدت الأمور وانتهى الأمر أخيرًا بقيام محمد بن أرسلان شاه فى سنة ٥٣٧ هـ بتنحية أبيه
стр. 8468
متعللا بشيخوخته وحل هو مكانه رغم أنه كان هناك "ولى عهد" وهو أخوه "كرمان شاه" ومن ثم حاول الأخ الثالث سلجوق شاه الاستيلاء على المملكة فلم ينجح ففر إلى عُمان حيث ظل شوكة تقض جنب أخيه محمد.
وعلى أية حال فقد ازدهرت كرمان تحت حكم محمد بن أرسلان شاه الذى مدّ سلطانه خارج كرمان، وقد خلفه بعد موته ولده طغرل شاه الذى تدهورت الأخلاق فى عهده بيان ظلت كرمان تنعم بالأمان والرفاهية على أن مقاليد الأمور كانت فى الواقع فى أخريات عهد طغرل شاه فى أيدى الاتابك مؤيد الدين ريحان الذى ولىّ على العرش بهرام شاه عند موت أبيه طغرل شاه فعارضه أخوه أرسلان بتأييد من الأتابك قطب الدين "محمد بن بزكش"، واضطربت الأمور ومرت بكرمان فترة منازعات بين الأخوة شهدت بعضهم يقاتل بعضا ويلتمس التأييد من خارج البلد وظل الحال على هذا المنوال حتى سنة ٥٧٤ هـ حين أخرج سلطان شاه الغُز من سرخس وشبت الفتن بين الكثيرين وكان ظهور "الغز" على مسرح الأحداث مؤديا إلى مزيد من الأحداث الدامية والحروب الداخلية حتى لقد حاول بعضهم أن يقرأ فى خطبة الجمعة اسم الأميرة السلجوقية "خاتون كرمانى" ابنة طغرل، ولكن الأمير "ملك دينار" استطاع أن يؤكد الأمر لنفسه فى إقليم جيرُفت ويذكر اسمه فى الخطبة، وتحارب مع السلاجقة. وتميز عهد "الغز" بالتدهور والبؤس الذى أصاب أهل كرمان وظلت الأمور تزداد سوءًا يوما بعد يوم حتى استطاع الأميران قطب الدين مبارز ونظام الدين محمود أن يهزما "الغز" سنة ٥٧٩ هـ لكن ذلك لم يضع خاتمة للاضطرابات حتى ظهر آل زنكى (وهم غير بيت عماد الدين وابنه نور الدين محمود) فلم يكن عهدهم أحسن مِن عهد مَن سبقوهم وحاربهم بل كان تمهيدا لعصر المغول، وشهد النصف الثانى من القرن السابع الهجرى جلوس الأميرة "تِيرْكين خاتون" زوجة قطب الدين على عرش كرمان وكانت ترجع فى أمورها إلى هولاكو وطال حكمها مدة ربع قرن من الزمان نعمت فيها كرمان بالرخاء وعاد إلى كرمان كثير ممن كان قد رحل عنها من علمائها وتجارها واطمأنت النفوس
стр. 8469
لكن نافسها أحدهم وحسدها فتعقدت الأمور من جديد وزادت هى من اتصالاتها بالبلاط المغولى وأرسلت من أجل ذلك ابن زوجها جلال الدين صرغتمش بن قطب الدين إلى معسكر "أبقا" التتارى الذى وضع اسمه بعد عودته من هذه الرسلية فى الخطبة إلى جانب اسمها وآل الأمر إلى تشكى كل منهما إلى البلاط المغولى مما أدّى إلى تدخله تدخلا راعى فيه مصلحته الذاتية، وأيّد صرغتمش فعاد إلى كرمان سنة ٦٨١ هـ ودخلها دون مقاومة، وترتب على ذلك اضطراب أحوال كرمان الداخلية بصورة مزعجة وبعد أحداث كثيرة لم يكن منها شئ فى صالح كرمان انتهى الأمر بدخول كرمان تحت حكم ولاة من المغول حتى سنة ٧٤٠ هـ حين استردها مبارز الدين محمد مظفر الذى كان متزوجًا من "قطلغ خان" ابنة شاه جهان بن صرغتمش، وحينذاك قام قطب الدين بن جلال الدين بن قطب بمحاولة فاشلة لانتزاعها من يد مبارز الدين وظلت "بام" فى هذا الصراع ثابتة بفضل واليها أبى سعيد مدة أربع سنوات خضعت بعدها، وكانت إمبراطورية الأيلخانات فى هذا الوقت قد مزقتها الحروب والصراعات الداخلية، وقام أبو اسحق بن محمود شاه والى أصفهان بمهاجمة مدينة سيرجان وتدميرها ولم يبق منها سوى قلعتها وبعد أن واصل زحفه على كرمان عاد إلى شيراز دون أن يشتبك فى القتال مع مبارز الدين وارتد إلى فاس، وحدث فى هذا الوقت أن عاث فسادًا فى جنوب الولاية جماعات من أصل مغولى، فخرج مبارز الدين يصدهم، فلم يوفق التوفيق الذى يرجوه، ولكنه نجح مما بسط نفوذه على فارس وعهد بولاية كرمان إلى ولده شجاع الدين على الرغم من أنه لم يكن دائم الإقامة فى الولاية بسبب مشاركته فى الحملات الحربية على فارس وعراق العجم، ثم عاد أبوه مظفر الدين إلى كرمان لفترة بسيطة لتأديب جماعات ممن يثيرون الاضطرابات فيها إلا أن وفاته سنة ٧٦٥ هـ (١٣٦٤ م) تلتها فترة صراع مرير فقد ثار فى كرمان الوالى "بهلوات أسد" الذى ارتد إلى داخل المدينة بعد قتال عنيف بينه وبين شاه
стр. 8470
شجاع الذى ظل مقيما على محاصرته له بضعة أشهر حتى أرغمه على الاستسلام (وذلك فى سنة ٧٧٦ هـ) ولما مات شاه شجاع سنة ٧٨٦ هـ ذهب ولده سلطان أحمد إلى كرمان واليا عليها فقرأ خطبة الجمعة باسم تيمور، كما وفد إلى معسكر سنة ٧٨٩ هـ فأكرم تيمور أخيرا فى التغلب على المظفرين فى كرمان وطردهم من البلاد وذلك سنة ٧٩٥ هـ (١٣٩٣ م) وولى واحدا من قبله على كرمان، لكن ذلك أدّى إلى انتشار الاضطرابات بها، ونجح أحدهم واسمه "ادجو بهادر برلاس" فى حكمها واعترف بشاه رخ بعد موت أبيه تيمورلنك سنة ٨٠٧ هـ (= ١٤٠٥ م) إلا أن الفوضى سادت كرمان بسبب المنازعات الناشبة بين الأمراء خلفاء تيمور مثل سعيد سلطان ابن ادجو وسلطان أديس وتدهورت الزراعة، ويشير كتابه زيرة التواريخ أنه ما من مكان مرَّ به جيش ميرزا اسكندر (المتوفى سنة ٨١٨ هـ) إلا وأصاب الدمار ما به من عمارة أو زرع، كما أن كتاب "الجغرافية" يذكر أن اسكندر ميرزا كان يخرب كل شئ فى طريقه فيهدم المبانى ويجتث الأشجار ويبعث بعسكره إلى شتى النواحى حتى لم يبق مكان ما فى كرمان وفيه حجر على حجر، ولما كانت سنة ٨١٩ هـ (= ١٤١٦ م) حاصر الجيش التيمورى أولبسا وشهدت السنة التالية مجاعة ضارية فى كرمان وأزهقت أرواح كثيرة وحينذاك أرسل شاه رخ واحدًا من عنده هو "سيد زين العابدين" لاصلاح الزراعة وبذل جهدا كبيرًا حتى أن غلة القمح فى السنة الأولى من وجوده أنتجت ٢٥٠.٠٠٠ طن، وخفّض كثيرًا من الضرائب وأسقط ما على الفلاحين من الديون، إلا أن الفوضى ما لبثت أن عمت ولاية كرمان عقب وفاة شاه رخ سنة ٨٥٠ هـ (= ١٤٤٧ م) مما حمل جهان شاه بن قره يوسف القرا قوينلى على إرسال ولده أبى الحسن قاسم ميرزا للاستيلاء على الولاية، لكن لم يؤد ذلك إلى تحسن كبير (انظر فى ذلك كتاب الديار البكرية لأبى بكر التهرانى)، وزاد الأمر سوءا فرض الضرائب الثقيلة على الغلات الصيفية والشتوية كما جبيت من الفلاحين ضرائب لا مبرر لها، واغتصبت الحكومة
стр. 8471
كثيرًا من الممتلكات كما استولت على دخول الأوقاف لدفع رواتب العسكر، وكان أبو القاسم ميرزا قد أتاح لجنده أن يرتكبوا كل ما شاؤوه من الآثام، ولقد ظلت الفوضى ضاربة بأجرانها فى كرمان حتى نجح أق قوينلو فى حكم البلاد، ثم تولى حكم كرمان فترة من الوقت "زينل" ثالث أولاد "اوزون حسن" وآلت الولاية فى سنة ٩٠٩ هـ (= ١٥٠٣ م) إلى يد شاه إسماعيل، ثم غزاها بعد ست سنين من ذلك الأبكيون وكابدت البلاد منهم متاعب شتى، وإذا أخذنا بما يذكره المؤرخ "وزيرى" فإن أول وال لكرمان من الصفويين هو محمد خان استاجْلو، كما أن الولاية ظلت من سنة ٩٣٠ حتى ١٠٠٠ هـ (= ١٥٢٤ - ١٥٩٢ م) يحكمها ولاة من قبيلة "الأفشر"، وأصبحت كرمان تعد الولاية الثالثة عشرة من ولايات الصفوين وهذا ما يقرره كتاب تذكرة الملوك وكتاب دستور الملوك، وبقيت كرمان من ١٠٠٥ حتى ١٠٣١ هـ (= ١٥٩٦ - ١٦٢١ م) تحت حكومة "جنج على خان" رغم أنه كان كثير التغيب عن الولاية لوجوده على رأس جيش كرمان فى حملاته إلى جانب الشاه، على أنه تمكن فى خلال ولايته من بناء عدد كبير من الخانات والأسواق فى مدينة كرمان ذاتها وفى غيرها من الأماكن.
ولقد كابد الكرمانيون خلال حكم شاه سلطان حسين كثيرًا من الهجمات التى شنها عليهم "البلوشيون"، مما حمل الكرمانيين على طلب النجدة من محمود الأفغانى فلبى استغاثتهم وجاء إلى المدينة وأقام بها تسعة أشهر وذلك سنة ١١٣٣ هـ ولم يحمله على العودة إلى "قندهار" إلا اضطراب الأمور بها، لكنه عاد فى العام التالى غير أن الأهالى لم يرحبوا بمجيئه هذه المرة وتمثل ذلك فى رفضهم السماح له بدخول البلد فحاصر قلعتها فسقطت فى يده، فاسرف فى النهب ثم واصل زحفه إلى أصفهان، وتمكن ميرزا سيد أحمد (الذى كان من ذرية كبرى بنات شاه سليمان) من الاستيلاء على كرمان ولقب نفسه. بالشاه، ثم ذهب إلى فارس ولكنه أصيب بالهزيمة فعاد إلى كرمان وتابع زحفه إلى بندر عباس فاحتلها احتلالًا مؤقتًا، وانتهى به الأمر
стр. 8472
أخيرا إلى الوقوع فى أيدى الأفغان فقتلوه سنة ١١٤٠ هـ (= ١٧٢٨ م)، ثم غادر الأفغان كرمان بعد أن هزم نادر شاه الأشرف سنة ١١٤١ هـ عند اصفهان ثم استولى خدا مراد خان زند سنة ١١٧٢ هـ على كرمان التى نعمت فى أيام حكمه ببعض الراحة وتخلصت من بعض المتاعب التى كانت تلقاها زمن الأشرفيين، ولم تتأثر كرمان بالمنازعات التى حدثت بين أسرة زند والفاجاريين حتى إذا كانت سنة ١٢٠٥ هـ زحف "لطف على" آخر أسرة زند على كرمان التى قبل وإليها الرضوخ له لكنه رفض الذهاب إليه فى معسكره مما دفعه لحصار البلد إلا أن قلة الإمدادات وقلة ما بين يديه من المئونة أرغمه على رفع الحصار عنها، غير أن المعاونات التى أمدّه بها بعض خانات "نَدْماشير" أغرته بالعودة إلى كرمان فهاجمها واستولى عليها سنة ١٢٠٨ هـ، كما زحف عليها فى الوقت نفسه "آقا محمد" وحاصرها، وأرغمت المجاعة سكانها على الاستسلام له بعد بضعة شهور من محاصرته لها وفتحت له أبوابها يوم ٢٩ ربيع الأول ١٢٠٩ هـ (= ٢٤ أكتوبر ١٧٩٤ م) وتلى ذلك حدوث مذبحة مروّعة، وهرب "لطف على" لكن تمكن البعض من إمساكه وسلموه إلى "آقا محمد، على خان" ثم تولى حكومة كرمان "آقا محمد تقى بن آقا على" وظل فى ولايتها حتى وفاة "آقا محمد خان".
وجدّت أمور خاف منها الناس فولى أمر البلد حينذاك إبراهيم خان ظهير الدولة سنة ١٢١٨ هـ (١٨٠٢ م) وظل فى الحكم حتى مات سنة ١٢٤٠ هـ (١٨٢٤ م)، وكان إبراهيم هذا هو أول أمير من الفاجاريين يعيّن حاكمًا لكرمان ونعمت الولاية فى أيامه ولأول مرة بفترة من الأمان والطمانينة، وأصلح القنوات وشجع التجارة والزراعة، وعمل إلى إحياء حركة العلوم فاستقدم العلماء من البحرين وخراسان وفارس وغيرها من البلاد، كما شنَّ حملة ناجحة على "بلوشستان" إلا أنه لم يقدر لهذا الوضع الطيب أن يستمر طويلا فقد آن له أن ينتهى بموته، وتولى ولده عباس قُلى خان فشهدت
стр. 8473
البلاد كثيرا من الاضطرابات والمناوشات من جانب البلوشيين، ومن ثم جاء فى ديسمبر ١٨٣١ م عباس ميرزا إلى الولاية لإعادة الاستقرار وكان نجاحه نجاحًا مجزوءًا إذْ لم يكد يعود من حيث أتى حتى عادت الاضطرابات من جديد وكان السبب فيها راجعًا إلى الولاة ذاتهم، كما هاجم البلوشيون البلد، ثم تولى حكم قرمان "آقاخان محلّاتى" قائد الإسماعيليين فمنع إرسال الجباية إلى الحكومة التى بعثت إليه العسكر فلم يستطع المقاومة ولا الصمود وفر إلى "بام" سنة ١٨٣٧ م فحاصره فيروز ميرزا نصرت الدولة فاستسلم له فأرسله إلى طهران ثم أدنوا له بالعودة إلى كرمان سنة ١٨٤٠ م، وجدّد ثوراته ثم دارت الدائرة عليه ففرَّ إلى أفغانستان ثم إلى الهند حيث يقال إنه اتصل سرًا بأنصاره فى فارس الشرقية، وهاجم أخوه محمد باقر بلاد بلوشستان سنة ١٨٤٤ م التى أخذ ولاة كرمان فى إضعافها بالتدريج ولم يأت منتصف القرن التاسع عشر حتى كان لفارس السيطرة على النواحى الممتدة من "بمبور" إلى كرمان.
ونعمت كرمان بفترة من الهدوء والإدارة الحكومية الحكيمة منذ سنة ١٨٥٨ م وذلك منذ عهد "محمد إسماعيل خان نورى وكيل الملك" حيث كان نائبا للوالى ثم صار واليا على كرمان من ١٨٦٠ م حتى موته ١٨٦٧ م أما فى عهد ولده وخليفته "مُرتضى قِلى خان وكيل الملك" فقد سيطرت فارس على "شاه بَهاد"، وحدثت اضطرابات انتهت بتخلى "مرتضى قلى خان" عن الحكم وجاءت قوة من طهران لإعادة النظام، وتلى ذلك ظهور طلائع حركة إصلاحية بدأت منذ نهاية القرن التاسع وظهرت واضحة فى أوائل القرن التالى له وظهر رهط من المثقفين الكرمانيين ولاسيما "ميرزا آقا خان كرمانى" الذى أصبح رئيس تحرير صحيفة "اخطار" الفارسية التى تطبع فى إستانبول، و"ناظم الإسلام" الذى قام بدور خطير فى حركة الانفتاح.
المصادر: وردت فى المتن.
مروان حسن حبشى [أ. ك. س. لامبتون A. K. S. Lampton]
стр. 8474
كرمان شاه
كرمان شاه اسم يطلق على موضعين أحدهما بلدة وثانيهما ولاية فى الغرب من فارس، أما الولاية فإنها توجد فى شرق وشمال العراق ومنطقة لورستان كوجك، وأيضا إلى الجنوب وغرب كردستان وأسداباد.
وقد قسمت الولاية فى مستهل القرن العشرين الميلادى إلى تسعة عشر ناحية. أما مدينة كرمان شاه التى قد يقال لها أيضًا "كرمان شاهان" (وهو الاسم الذى كان شائع الاستعمال فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) فتقع عند خط عرض ٣٤.١٩ شمالًا وخط طول ٤٧.٥ شرقًا، وترتفع ١٣٢٢ مترا عن نهر "قره سوه" الذى يجرى شمال شرقى البلد فى اتجاه يميل إلى الجنوب الغربى حتى يتصل بنهر "جاما سياب" الذى يعرف أيضًا بنهر صَيْمره ويصب فى نهر "كرْخه" وهناك سلسلة من الجبال تمتد من الشمال الغربى إلى الجنوب الشرقى مخترقة الولاية، تتخللها سهول ووديان منها ما هو للرعى ومنها ما يصلح للزراعة.
وأغلب سكان الولاية من الأكراد من البدو سواء منهم الرحل أو المستقرون على السواء ويعرفون فى مصطلحهم "باللور" ولمعظم القبائل منتجاتها الصيفية والشتوية أما عدد السكان فكانوا قرابة ستين ألف أسرة ويقدر تعداد أفرادها بثلاثمائة ألف نسمة منهم جماعة "الكلهور" وعددهم اثنا عشر ألف أسرة ما بين حضر مستقرين وبدو رحل، وتمتاز هذه المناطق بكثرة سهولها الخصبة الموجودة على الخصوص فى "ماهيداشت" وجيلان وقلعة شاهين، وقد اشترى شيوخ الكلهور هذين المكانين الأخيرين من ملاكهما الأتراك عند مطلع القرن التاسع عشر الميلادى (انظر تقرير وزارة الخارجية البريطانية سنة ١٩٠٣ م) كما أن هناك من القبائل التى توجد فى "كرمان شاه" جماعات "الجوران" وبعضهم مستقرون كما أن بعضهم الآخر بدو رحل، ويتراوح عددهم ما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف أسرة، ثم "السنخابيون" وعددهم أربعة ألاف أسرة "والكلاعى" وأغلبهم
стр. 8475
مستقرون فى سنقر، إلى جانب أربعة آلاف آخرين من جماعات "الزنجانة" وهم يقيمون فى الغالب فى "ماهيداشت" (انظر Gazetteer of persia, P ٣٣٩) إذا نحينا جانبا بعض القبائل السنية التى تعيش على مقربة من تخوم العراق فإن معظم قبائل كرمان شاه من الشيعة، وفيهم أعداد ضخمة من الجماعات العلولوهية (انظر بستان السياحة لزين العابدين شيرواة، Gazetteer of persia ٣٥٦) وتنطق مدينة كرمان شاه "بصور شتى منها (كرماشن، وقَرِماسين وقرَمَشين) أما الجغرافيون العرب الأوائل فقد سموها بقرميسين ويقولون إنها بنيت فى عهد الساسانيين وينسب حَمْد اللَّه مستوفى تشييدها إلى بهرام الرابع (٣٨٨ - ٣٩٩ م) الذى لقب، "بكرمان شاه" باعتباره حاكمًا لولاية كرمان، والأرجح أن هذه البلدة التى هى من إنشاء بهرام كانت هى ذاتها بلدة كرمان شاه الصغيرة الواقعة بين يزدوكرمان (انظر الطبرى فى Noeldeke: Gesch. des perses Arabes ٧١) وهناك رواية أخرى تعزو تأسيس كرمان شاه إلى "كواذ بن فيروز" (٤٨٨ - ٣٥١ م) (راجع المقدسى ص ٢٥٧ وما بعدها) واتخذها ملوك بنى ساسان فى أغلب أوقاتهم المكان الذى يقيمون به، ونسج على منوالهم بين آونة وأخرى من جاء بعدهم من الحكام ولاسيما الخليفة هارون الرشيد والسلطان البويهى عضد الدولة الذى شيد بها قصرًا لنفسه (المقدسى)، ويلاحظ أن الولاية حافلة بالآثار التى ترجع إلى زمن الأخاميين والساسانيين مثل تماثيل "تقى بستان" التى تبعد ثلاثة أميال شرقى كرمان شاه ومثل نقوش "بيستون" الحجرية وغير هذه وتلك من الآثار التى لا تزال أطلالها باقية فى "كنجوار" ولم يحدث قتل ولا قتال عند استيلاء العرب على كرمان شاه وكان هذا الاستيلاء عليها بعد فتحهم "حلوان" سنة ٢١ هـ (٦٤٠ م) (انظر فتوح البلدان للبلاذرى ص ٣٠١، ولما تم للعرب فتحها أصبحت جزءًا من اقليم الجبل وصارت تعرف هى و"ديناور" باسم "ماه الكوفة".
следующие страницы →