Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.
стр. 8471
كثيرًا من الممتلكات كما استولت على دخول الأوقاف لدفع رواتب العسكر، وكان أبو القاسم ميرزا قد أتاح لجنده أن يرتكبوا كل ما شاؤوه من الآثام، ولقد ظلت الفوضى ضاربة بأجرانها فى كرمان حتى نجح أق قوينلو فى حكم البلاد، ثم تولى حكم كرمان فترة من الوقت "زينل" ثالث أولاد "اوزون حسن" وآلت الولاية فى سنة ٩٠٩ هـ (= ١٥٠٣ م) إلى يد شاه إسماعيل، ثم غزاها بعد ست سنين من ذلك الأبكيون وكابدت البلاد منهم متاعب شتى، وإذا أخذنا بما يذكره المؤرخ "وزيرى" فإن أول وال لكرمان من الصفويين هو محمد خان استاجْلو، كما أن الولاية ظلت من سنة ٩٣٠ حتى ١٠٠٠ هـ (= ١٥٢٤ - ١٥٩٢ م) يحكمها ولاة من قبيلة "الأفشر"، وأصبحت كرمان تعد الولاية الثالثة عشرة من ولايات الصفوين وهذا ما يقرره كتاب تذكرة الملوك وكتاب دستور الملوك، وبقيت كرمان من ١٠٠٥ حتى ١٠٣١ هـ (= ١٥٩٦ - ١٦٢١ م) تحت حكومة "جنج على خان" رغم أنه كان كثير التغيب عن الولاية لوجوده على رأس جيش كرمان فى حملاته إلى جانب الشاه، على أنه تمكن فى خلال ولايته من بناء عدد كبير من الخانات والأسواق فى مدينة كرمان ذاتها وفى غيرها من الأماكن.
ولقد كابد الكرمانيون خلال حكم شاه سلطان حسين كثيرًا من الهجمات التى شنها عليهم "البلوشيون"، مما حمل الكرمانيين على طلب النجدة من محمود الأفغانى فلبى استغاثتهم وجاء إلى المدينة وأقام بها تسعة أشهر وذلك سنة ١١٣٣ هـ ولم يحمله على العودة إلى "قندهار" إلا اضطراب الأمور بها، لكنه عاد فى العام التالى غير أن الأهالى لم يرحبوا بمجيئه هذه المرة وتمثل ذلك فى رفضهم السماح له بدخول البلد فحاصر قلعتها فسقطت فى يده، فاسرف فى النهب ثم واصل زحفه إلى أصفهان، وتمكن ميرزا سيد أحمد (الذى كان من ذرية كبرى بنات شاه سليمان) من الاستيلاء على كرمان ولقب نفسه. بالشاه، ثم ذهب إلى فارس ولكنه أصيب بالهزيمة فعاد إلى كرمان وتابع زحفه إلى بندر عباس فاحتلها احتلالًا مؤقتًا، وانتهى به الأمر
стр. 8472
أخيرا إلى الوقوع فى أيدى الأفغان فقتلوه سنة ١١٤٠ هـ (= ١٧٢٨ م)، ثم غادر الأفغان كرمان بعد أن هزم نادر شاه الأشرف سنة ١١٤١ هـ عند اصفهان ثم استولى خدا مراد خان زند سنة ١١٧٢ هـ على كرمان التى نعمت فى أيام حكمه ببعض الراحة وتخلصت من بعض المتاعب التى كانت تلقاها زمن الأشرفيين، ولم تتأثر كرمان بالمنازعات التى حدثت بين أسرة زند والفاجاريين حتى إذا كانت سنة ١٢٠٥ هـ زحف "لطف على" آخر أسرة زند على كرمان التى قبل وإليها الرضوخ له لكنه رفض الذهاب إليه فى معسكره مما دفعه لحصار البلد إلا أن قلة الإمدادات وقلة ما بين يديه من المئونة أرغمه على رفع الحصار عنها، غير أن المعاونات التى أمدّه بها بعض خانات "نَدْماشير" أغرته بالعودة إلى كرمان فهاجمها واستولى عليها سنة ١٢٠٨ هـ، كما زحف عليها فى الوقت نفسه "آقا محمد" وحاصرها، وأرغمت المجاعة سكانها على الاستسلام له بعد بضعة شهور من محاصرته لها وفتحت له أبوابها يوم ٢٩ ربيع الأول ١٢٠٩ هـ (= ٢٤ أكتوبر ١٧٩٤ م) وتلى ذلك حدوث مذبحة مروّعة، وهرب "لطف على" لكن تمكن البعض من إمساكه وسلموه إلى "آقا محمد، على خان" ثم تولى حكومة كرمان "آقا محمد تقى بن آقا على" وظل فى ولايتها حتى وفاة "آقا محمد خان".
وجدّت أمور خاف منها الناس فولى أمر البلد حينذاك إبراهيم خان ظهير الدولة سنة ١٢١٨ هـ (١٨٠٢ م) وظل فى الحكم حتى مات سنة ١٢٤٠ هـ (١٨٢٤ م)، وكان إبراهيم هذا هو أول أمير من الفاجاريين يعيّن حاكمًا لكرمان ونعمت الولاية فى أيامه ولأول مرة بفترة من الأمان والطمانينة، وأصلح القنوات وشجع التجارة والزراعة، وعمل إلى إحياء حركة العلوم فاستقدم العلماء من البحرين وخراسان وفارس وغيرها من البلاد، كما شنَّ حملة ناجحة على "بلوشستان" إلا أنه لم يقدر لهذا الوضع الطيب أن يستمر طويلا فقد آن له أن ينتهى بموته، وتولى ولده عباس قُلى خان فشهدت
стр. 8473
البلاد كثيرا من الاضطرابات والمناوشات من جانب البلوشيين، ومن ثم جاء فى ديسمبر ١٨٣١ م عباس ميرزا إلى الولاية لإعادة الاستقرار وكان نجاحه نجاحًا مجزوءًا إذْ لم يكد يعود من حيث أتى حتى عادت الاضطرابات من جديد وكان السبب فيها راجعًا إلى الولاة ذاتهم، كما هاجم البلوشيون البلد، ثم تولى حكم قرمان "آقاخان محلّاتى" قائد الإسماعيليين فمنع إرسال الجباية إلى الحكومة التى بعثت إليه العسكر فلم يستطع المقاومة ولا الصمود وفر إلى "بام" سنة ١٨٣٧ م فحاصره فيروز ميرزا نصرت الدولة فاستسلم له فأرسله إلى طهران ثم أدنوا له بالعودة إلى كرمان سنة ١٨٤٠ م، وجدّد ثوراته ثم دارت الدائرة عليه ففرَّ إلى أفغانستان ثم إلى الهند حيث يقال إنه اتصل سرًا بأنصاره فى فارس الشرقية، وهاجم أخوه محمد باقر بلاد بلوشستان سنة ١٨٤٤ م التى أخذ ولاة كرمان فى إضعافها بالتدريج ولم يأت منتصف القرن التاسع عشر حتى كان لفارس السيطرة على النواحى الممتدة من "بمبور" إلى كرمان.
ونعمت كرمان بفترة من الهدوء والإدارة الحكومية الحكيمة منذ سنة ١٨٥٨ م وذلك منذ عهد "محمد إسماعيل خان نورى وكيل الملك" حيث كان نائبا للوالى ثم صار واليا على كرمان من ١٨٦٠ م حتى موته ١٨٦٧ م أما فى عهد ولده وخليفته "مُرتضى قِلى خان وكيل الملك" فقد سيطرت فارس على "شاه بَهاد"، وحدثت اضطرابات انتهت بتخلى "مرتضى قلى خان" عن الحكم وجاءت قوة من طهران لإعادة النظام، وتلى ذلك ظهور طلائع حركة إصلاحية بدأت منذ نهاية القرن التاسع وظهرت واضحة فى أوائل القرن التالى له وظهر رهط من المثقفين الكرمانيين ولاسيما "ميرزا آقا خان كرمانى" الذى أصبح رئيس تحرير صحيفة "اخطار" الفارسية التى تطبع فى إستانبول، و"ناظم الإسلام" الذى قام بدور خطير فى حركة الانفتاح.
المصادر: وردت فى المتن.
مروان حسن حبشى [أ. ك. س. لامبتون A. K. S. Lampton]
стр. 8474
كرمان شاه
كرمان شاه اسم يطلق على موضعين أحدهما بلدة وثانيهما ولاية فى الغرب من فارس، أما الولاية فإنها توجد فى شرق وشمال العراق ومنطقة لورستان كوجك، وأيضا إلى الجنوب وغرب كردستان وأسداباد.
وقد قسمت الولاية فى مستهل القرن العشرين الميلادى إلى تسعة عشر ناحية. أما مدينة كرمان شاه التى قد يقال لها أيضًا "كرمان شاهان" (وهو الاسم الذى كان شائع الاستعمال فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) فتقع عند خط عرض ٣٤.١٩ شمالًا وخط طول ٤٧.٥ شرقًا، وترتفع ١٣٢٢ مترا عن نهر "قره سوه" الذى يجرى شمال شرقى البلد فى اتجاه يميل إلى الجنوب الغربى حتى يتصل بنهر "جاما سياب" الذى يعرف أيضًا بنهر صَيْمره ويصب فى نهر "كرْخه" وهناك سلسلة من الجبال تمتد من الشمال الغربى إلى الجنوب الشرقى مخترقة الولاية، تتخللها سهول ووديان منها ما هو للرعى ومنها ما يصلح للزراعة.
وأغلب سكان الولاية من الأكراد من البدو سواء منهم الرحل أو المستقرون على السواء ويعرفون فى مصطلحهم "باللور" ولمعظم القبائل منتجاتها الصيفية والشتوية أما عدد السكان فكانوا قرابة ستين ألف أسرة ويقدر تعداد أفرادها بثلاثمائة ألف نسمة منهم جماعة "الكلهور" وعددهم اثنا عشر ألف أسرة ما بين حضر مستقرين وبدو رحل، وتمتاز هذه المناطق بكثرة سهولها الخصبة الموجودة على الخصوص فى "ماهيداشت" وجيلان وقلعة شاهين، وقد اشترى شيوخ الكلهور هذين المكانين الأخيرين من ملاكهما الأتراك عند مطلع القرن التاسع عشر الميلادى (انظر تقرير وزارة الخارجية البريطانية سنة ١٩٠٣ م) كما أن هناك من القبائل التى توجد فى "كرمان شاه" جماعات "الجوران" وبعضهم مستقرون كما أن بعضهم الآخر بدو رحل، ويتراوح عددهم ما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف أسرة، ثم "السنخابيون" وعددهم أربعة ألاف أسرة "والكلاعى" وأغلبهم
стр. 8475
مستقرون فى سنقر، إلى جانب أربعة آلاف آخرين من جماعات "الزنجانة" وهم يقيمون فى الغالب فى "ماهيداشت" (انظر Gazetteer of persia, P ٣٣٩) إذا نحينا جانبا بعض القبائل السنية التى تعيش على مقربة من تخوم العراق فإن معظم قبائل كرمان شاه من الشيعة، وفيهم أعداد ضخمة من الجماعات العلولوهية (انظر بستان السياحة لزين العابدين شيرواة، Gazetteer of persia ٣٥٦) وتنطق مدينة كرمان شاه "بصور شتى منها (كرماشن، وقَرِماسين وقرَمَشين) أما الجغرافيون العرب الأوائل فقد سموها بقرميسين ويقولون إنها بنيت فى عهد الساسانيين وينسب حَمْد اللَّه مستوفى تشييدها إلى بهرام الرابع (٣٨٨ - ٣٩٩ م) الذى لقب، "بكرمان شاه" باعتباره حاكمًا لولاية كرمان، والأرجح أن هذه البلدة التى هى من إنشاء بهرام كانت هى ذاتها بلدة كرمان شاه الصغيرة الواقعة بين يزدوكرمان (انظر الطبرى فى Noeldeke: Gesch. des perses Arabes ٧١) وهناك رواية أخرى تعزو تأسيس كرمان شاه إلى "كواذ بن فيروز" (٤٨٨ - ٣٥١ م) (راجع المقدسى ص ٢٥٧ وما بعدها) واتخذها ملوك بنى ساسان فى أغلب أوقاتهم المكان الذى يقيمون به، ونسج على منوالهم بين آونة وأخرى من جاء بعدهم من الحكام ولاسيما الخليفة هارون الرشيد والسلطان البويهى عضد الدولة الذى شيد بها قصرًا لنفسه (المقدسى)، ويلاحظ أن الولاية حافلة بالآثار التى ترجع إلى زمن الأخاميين والساسانيين مثل تماثيل "تقى بستان" التى تبعد ثلاثة أميال شرقى كرمان شاه ومثل نقوش "بيستون" الحجرية وغير هذه وتلك من الآثار التى لا تزال أطلالها باقية فى "كنجوار" ولم يحدث قتل ولا قتال عند استيلاء العرب على كرمان شاه وكان هذا الاستيلاء عليها بعد فتحهم "حلوان" سنة ٢١ هـ (٦٤٠ م) (انظر فتوح البلدان للبلاذرى ص ٣٠١، ولما تم للعرب فتحها أصبحت جزءًا من اقليم الجبل وصارت تعرف هى و"ديناور" باسم "ماه الكوفة".
стр. 8476
على أن كرمان شاه صارت فيما بعد هى وهمدان والرى واصفهان من أعظم مدن إقليم الجبال، على الرغم من أنها لم تَرْقَ فى الأهمية إلى المكانة التى تكون فيها منافسة للثلاث الأخريات.
ولقد زادت أهمية كرمان شاه من الناحيتين التجارية والاستراتيجية فى القرن التاسع عشر الميلادى، وأصبحت عاصمة كردستان الفارسية التى كانت ولاية منفصلة عن "أردلان" (التى كانت تعرف أيضًا باسم كردستان) وعاصمتها "سنا"، ولقد لاحظ سيرجون مالكولم فى سنة ١٨٠٠ م أهمية كرمان شاه كسوق تجارى يربط كلًا من فارس وتركيا بالأخرى (انظر Issawi: The economic hist. of Iran, ١٨٠٠ - ١٩١٤
كما يقرر "سير جون ماكدونالد كنير" أنها كانت بلدة عامرة مزدهرة سنة ١٨٠١ م وفيها ما يقرب من اثنى عشر ألف بيت (انظر Geographical memoir of the Persian Empire, London., ١٨١٣, p. ١٣١ وقدر عدد سكانها بستين ألف نسمة.
عين فتح على شاه أكبر أولاده محمد على ميرزا حاكما على كردستان ولورستان حوالى سنة ١٨٠٦ م وأصبحت كردستان واحدة من أزهى ولايات فارس، وكان تحت يد على شاه جيش ضخم معظمه من الفرسان وقوامه الكرد وقام بتدريبه ضباط فرنسيون وصارت كرمان شاه خط دفاع قوى يقف حائلًا دون تقدم العثمانيين، وبسبب المنافسة التى كانت بينه وبين أخيه عباس ميرزا ولى العهد والحاكم العام لأذريبجان وما يتوقعه من صراع بينه فإذا ما مات "فتح على شاه" فإنه شعر بحاجته الملحة لجذب الأهالى إلى جانبه وتأييدهم له، ويقرر فيرييه Ferrier أنه ساس أمور حكومته سياسة كريمة حتى أن عطاياه أثرت البلد والناس الذين أصبحوا يتقلبون فى رغد من العيش (انظر Garavan Jaurney, ٢٤)، وكذلك يعلق زين العابدين على توسع البلد زمن محمد على ميرزا فيقرر أن عدد عمائرها جاوز عدد عمائر معظم المدن فى فارس (راجع بستان
стр. 8477
السياحة، ص ٤٩٢) ولقد أحاط محمد على ميرزا البلد بالأسوار، وزودها بالأبراج ذات الفتحات للرمى منها وحفر حولها خندقا يدور حولها طول ثلاثة أميال.
وكانت حدود كرمان شاه الجنوبية الغربية (فيما قبل حرب ١٨٢١ م التركية الفارسية) تبعد حوالى سبعة أميال إلى الغرب من "سرى ميل" فشرع محمد على فى القيام بعمليات ضد العثمانيين تكللت بالنجاح إذ ضم "زهاب" وزحف على بغداد ولكن تفشى وباء الكوليرا أرغمه على ترك هذا الزحف بل إنه هو نفسه مات فى هذا الوباء، ولكن الحرب استمرت موصولة بين الطرفين حتى سنة ١٨٢٣ م حين عقدت معاهدة اتفق بمقتضاها على أن يرد كل جانب إلى الآخر جميع الأراضى التى كان قد استولى عليها أثناء حربهما بعضهما لبعض، وأن تعود الحدود الفاصلة بينهما إلى ما كانت عليه زمن الصفويين، وعلى الرغم من تمسك الباب العالى "بزهاب" إلا أنها ظلت جزءًا من ولاية كرمان شاه، وبعد موت محمد على ميرزا أخذت مدينة كرمان شاه فى التدهور نتيجة لابتزاز الولاه الذين جاءوا من بعده وشدة عسفهم بالأهالى واسرافهم فى الظلم، ويكتب زين العابدين فى سنة ١٨٣٢ م فيذكر أنه لم يعد فى كرمان شاه أكثر من عشرة آلاف بيت، على حين يكتب "فرييه" سنة ١٨٤٥ م فيذكر أن أسواقها العظيمة أصبحت مهجورة وأغلقت تسعة أعشار حوانيتها أبوابها، وهاجر منها ثلاثة أرباع سكانها، فأما من كان منهم من الحضر ففروا إلى أذربيجان، وأما البدو فقد فروا إلى تركيا، حتى إذا أطل القرن العشرون كانت جميع التحصينات التى أقامها محمد على قد زالت ولم يعد لها ثم وجود وزاد من بلاء البلد ما اجتاحه من الكوليرا والمجاعة والطاعون لاسيما وباء ١٨٣٠ م الذى يقال إنه أهلك جميع سكانها إلا اثنتى عشرة ألف نسمة كما اكتسحت فيضانات ١٨٣٢ م ما يقرب من خمس النواحى الآهلة بالسكان
стр. 8478
وكانت الخسائر فى الأرواح فادحة وقد أدت هذه النكبات مع جشع الحكام إلى دفع الولاية للسقوط فى هوة سحيقة، وقد جاء فى مذكرات القنصل أبوت Clbbott التى دونها سنة ١٨٤٩ - ١٨٥٠ م أنه لم يعد هناك أكثر من خمسة آلاف دار مسكونة، ومعنى هذا أن سكان البلد أصبحوا لا يجاوزون خمسة وعشرين ألف نسمة ثم هناك تقرير آخر مؤرخ بسنة ١٨٦٨ م يحدد عدد السكان بثلاثين ألف نسمة، ويشبه هذا الرقم الرقم الذى أورده سير مكدنالد منذ أكثر من قرن.
وبعد وفاة محمد على ميرزا تولى حكومة كرمان شاه أمراء مختلفون من البيت "القاجارى" أولهم ولده "محمد حسين ميرزا حشمت الدولة" الذى حكم مدة تناهز عشر سنوات، وهناك واحد آخر من أولاده اسمه "إمام قلى ميرزا عماد الدولة" طالت مدة حكمه حتى بلغت احدى وعشرين سنة فى عهدى محمد شاه وناصر الدين شاه، ثم تازمت العلاقات مع تركيا سنة ١٨٤٢ م وتألفت لجنة مشتركة من الجانبين لرسم الحدود بين الدولتين ولكن هذه المشكلة استمرت دون الوصول إلى حل حتى سنة ١٩١٤ م (انظر C.J.Edmonds: Kurds, Turks and Arabs, London ١٩٥٧
وحدث فى أثناء مرور "ناصر الدين شاه" بالولاية وهو فى طريقه إلى كربلاء أن رفع الناس إليه التماسًا ضخما يشكون إليه من ظلم الحاكم واستبداده بهم. ولقد دخلت الولاية فى نطاق حكم "زبل السلطان" من ١٨٨١ م حتى وهو حاكم أصفهان ولما انتزعت منه كل حكوماته ما عدا أصفهان تم فصل جميع عماله فى كرمان شاه وكردستان واستمرت حكومة كرمان شاه عدة سنوات وهى تساق لمن يدفع أكبر مبلغ من المال مما ترتب عليه فداحة الظلم الذى قاساه الأهالى.
ولقد زاد معدل التجارة المارة بكرمان شاه فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادى، فلما فتحت قناة السويس سنة ١٨٦٩ م وتم استعمال البواخر البخارية فى دجلة أصبحت كرمان ميناء تتدفق عليه جميع البضائع الواصلة إلى فارس من بغداد والقادمة
стр. 8479
من إنجلترا والهند عبر الخليج ودجلة، حتى إذا كان ختام القرن التاسع عشر الميلادى أصبحت الولاية تضاهى -أن لم تفق- أى ولاية أخرى فى وضعها العام، ولذلك نرى الكولونيل بريس Preece يكتب سنة ١٨٩٩ م فيقول "لا يوجد غير قلة من المدن فى فارس تظهر عليها امارات الرخاء من وجهة نظر التجارة مثلما تظهر فى كرمان شاه على الرغم من تعسف الحاكم المحلى وسوء حال الطرق الخارجة منها وعدم استتباب الأمن بها".
وكان يوجد بكرمان شاه محطة رسوم جمركية، وبلغ الدخل المدفوع من الرسوم فى سنة ١٨٨١ م هو ٢٠.٠٠٠ كران؛ ثم ارتفع المبلغ فى السنة المنتهية يوم ٢٠ مارس ١٨٩٧ م إلى ٤٨٠.٠٠٠ وفى سنة ١٨٩٩ م صار ٧٦٠.٠٠٠، وفى الحادى والعشرين من مارس ١٨٩٩ م تسلم البلجيكيون الجمارك.
كذلك انتفعت كرمان شاه انتفاعا كبيرًا من مواسم الحج وذلك نظرا لوقوعها على الطريق المؤدى إلى النجف وكربلاء ويتراوح عدد حجاج هذه البقاع وغيرها من المعالم الإسلامية فى نهاية القرن التاسع عشر الميلادى ومستهل القرن العشرين الميلادى ما بين مائة وخمسين ومائتى ألف حاج كانوا يمرون سنويًا عبر كرمان شاه، وكانوا يجلبون الأموال أو يحاولون تيسير طريقهم ببيع بعض أشيائهم التى يجلبونها معهم مما أدى إلى زيادة رخاء البلد.
ولما كانت سنة ١٩١٤ م هناك ما يقرب من مائتى تاجر فى كرمان شاه يتعاملون أكثر ما يتعاملون فى بضائع مانشستر التى يحصلون عليها مباشرة من مانشستر عن طريق بغداد، كما يتعاملون فى السكر المجلوب من مارسيليا وفى الخشخاش واللبان وجلود الماعز والبط والسجاجيد والصوف، ويصدرون كل ذلك إلى بغداد وانجلترا، وكان من أبرز هؤلاء التجار حاجى عبد الرحيم وكيل الدولة الذى احترف المتاجرة والصيرفة واركاب المسافرين السفن وكان هناك ما يقرب من عشرين يهوديا عثمانيا يملكون الجانب الأكبر من التجارة الخارجية وتجارة الصادر وكان التجار
стр. 8480
الكاشانيون يحملون من كاشان الطباق والبضائع الحريرية الوطنية والآلات النحاسية وكان تقدير ذلك يقرب من مائة ألف تومان كما اشتغل تجار "يزد بجلب الحناء وحرير يزد بما يقدر بعشرين ألف تومان ويصدرون إلى يزد من البضائع الأجنبية ما يساوى هذا القدر من المال. أما تجار أصفهان فيجلبون الأقمشة الوطنية الملونة والقطنية مثل الألحفة والعبى إلخ. . وكانوا يُوَرِدون إلى اصفهان الأقمشة المجلوبة من مانشستر وكذلك الحديد والشاى والجلد الخام والتوابل والرصاص وزجاج النوافذ، وكانت الصادرات تفوق الواردات، واشتغل بعض تجار همدان كسماسرة لإخراج البضائع من مخازن أصحابها وتوصيلها إلى همدان، هذا إلى جانب نفر قليل من اليهود الفرس الذين كانوا يعيشون على التجارة البسيطة وتجارة الصقور إلى جانبهم أيضًا عدد قليل جدا من نصارى خلقدونية الذين يتخذ بعضهم التجارة حرفة يتعيشون من ورائها ويقوم البعض الآخر بالعمل فى صناعة نبيذ التمر المعروف بالعرق.
ولقد كان دور كرمان شاه فى الثورة الدستورية صغيرا جدًّا، على إنه فى سنة ١٩١١ م دخل "سالار الدولة" كرمان شاه باسم الشاه السابق محمد على، ثم زحف فى السنة التالية على طهران على رأس عسكر من القلهاريبين السنجانيين وغيرهم من العشائر الكردية ولكنه كُسِر قرج همدان وعادت قوات الحكومة فاستردت كرمان شاه وظلت العمليات الحربية مستمرة حتى الخريف، ولما قامت الحرب العالمية الأولى كانت كرمان شاه مركزًا من مراكز حركة "المهاجرة" وتكونت لجنة محلية للدفاع الوطنى عرفت باسم "كميته دفاعى مللى" أى "جماعة الدفاع عن الملة" وفى ديسمبر ١٩١٥ م قامت اللجنة المركزية التى كانت قد عادت من طهران إلى "قُمْ" وأصفهان ثم انسحبت إلى كرمان شاه ولم تكد تقوم حكومة اقليمية حتى أخلى "المهاجرون" فى كرمان شاه وذلك فى مارس ١٩١٦ م أمام
стр. 8481
الزحف الروسى ثم احتلت القوات التوكية البلد بعدئذ ولكنها اضطرت للجلاء عنها سنة ١٩١٧ م.
المصادر: وردت بالمتن.
مها سيد معبد [لامبتون A. K. S. Lambton]
الكرمانى
الكرمانى: أوحد الدين حامد بن أبى الفخر) كان من أبرز الصوفية الفارسيين، ويجب عدم الخلط بينه وبين ركن الدين أوحد المراغى الذى هو من أهل أذربيجان والذى كان هو الآخر يدعى بأوحد الدين الأصفهانى المتوفى سنة ٧٣٨ هـ = ١٣٣٧ م).
كان أوحد الدين حامد بن أبى الفخر تلميذا لركن الدين السيجاسى (أو السنجانى) أحد مريدى قطب الدين الابهرى وأبى نجيب السهروردى، ولقد قام الكرمانى بعدة أسفار جاء فى احداها إلى دمشق حيت تعرف بمحيى الدين بن العربى الذى ذكره فى كتابه "الفتوحات المكية" وتأثر بأفكاره تأثرًا كبيرًا، كما أن أوحد الدين تعرف بشمس الدين تبريزى وربما قابل أيضًا جلال الدين الرومى وعثمان رومى وصدر الدين القونوى وفخر الدين العراقى، ولقد أمضى الفترة الأخيرة من حياته فى حى مجاور لبغداد حيث عرفه الناس صوفيا يعلم الصوفية وأكرمه الخليفة العباسى المستنصر سنة ٦٣٢ هـ (= ١٢٣٤ م)، ومات يوم الثالث من شعبان سنة ٦٣٥ هـ = (٢١ مارس ١٢٣٨ م).
وتدور فلسفته الصوفية حول محورين هما المظهر الخارجى ويسميه بالصورة، والمحتوى الداخلى ويسميه "المعنى" وهو ما يعادل "الظاهر" و"الباطن" عند ابن عربى. وقد تنسب إليه القصيدة الشهيرة المسماة بمصباح الأرواح والتى يرجح أن ناظمها هو شمس الدين محمد البودسيرى الكرمانى.
أما تراثه الشعرى فيتمثل فى مقطوعات قصيرة وقليل من أشعار الغزل، ومجموعة من "الرباعيات" تبلغ اثنتى عشرة رباعية وهى ذات طابع صوفى كلها فى تمجيد اللَّه والتعريف
стр. 8482
بوحدانيته.
على أن الرباعيات (التى ربما كان بعضها متأثرا فى روحه برباعيات عمر الخيام) ليست على الدوام مما يمكن نعت أسلوبها بالأسلوب الأدبى الرفيع، ولكنها على وجه العموم ذات تفكير صوفى عميق وتجربة عميقة، ومثل هذا الاتجاه نجده فى أشعار جلال الدين الرومى، وأحمد الغزالى، وعين القضاة الهمذانى وفخر الدين العراقى.
المصادر:
انظر عن الكرمانى كتاب مناقب أوحد الدين حامد بن أبى الفخر الكرمانى (طهران ١٣٤٧).
مها سيد معبد [ب. م. فايشر B. M. Fischer]
الكسائى "الشاعر "
الكسائى مجد الدين أبو الحسن [على] شاعر وفيلسوف من رجال النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) وتكتبه بعض المصادر المتأخرة باسم إسحاق وتشير إليه دمية القصر للباخرزى بالمجتهد أبى الحسن على بن محمد الكسائى من أهل مرو (راجع كتاب ترجمان البلاغة ص ٩٧ وما بعدها)، أما نعته بالكسائى فهو كما يقول العوفى نسبة إلى حياة الزهد التى اتبعها هذا الشاعر وإن كان يمكن نسبته إلى الاشتغال بصناعة الكساء، وقد وصفوه منذ وقت بعيد "بالحكيم" وهى صفة ارتبطت باسمه، وتؤكد لنا المصادر القديمة أن أصله من مرو وأنه قضى فيها فترة من حياته منكبا على نظم الشعر، ونراه فى قصيدة يبكى فيها شبابه الذى ولى ويعتب على شيخوخته، ويحدّد فيها تاريخ مولده بالأربعاء السادس والعشرين من شوال (٣٤١ هـ/ ١٦ مارس ٩٦٣ م) وقد عاش حتى بلغ الخمسين من عمره، وأما وفاته فكانت فى سنة ٣٩١ هـ أو بعدها بقليل.
كان ديوان الكسائى لا يزال موجودًا فى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) ثم يبدو أنه فقد، فلم نعد نعثر له على أثر بعد
стр. 8483
هذا التاريخ كما أننا لم نعد نعثر له على قصيدة تامة، أما المقطعات من نظمه التى بين أيدينا والتى أمكن (لمّ شتاتها) فقد جمعت من مصادر شديدة التنوع وكثيرة ولا تتجاوز الواحدة منها بضعة أسطر، ومن ثم فإنه من الصعب أن نصل إلى تقدير صحيح للحقائق المتعلقة بطبيعة عمله، وإن كان هذا الأمر قد حاوله الكتاب القدماء ويحاوله المحدثون أيضًا، على أنه من الثابت المؤكد أن الكسائى كان يتمتع فى حياته وخلال القرنين التاليين لوفاته بشهرة مدوية باعتباره شاعرًا دينيًا، ويصفه "عوفى" بأن أكثر ما نظم إنما كان فى الزهد والوعظ، كما أنه يقتبس أمثلة -وإن كانت قليلة- من مراثيه فى آل بيت النبى [ ﷺ ] كما يشيد بمناقبهم، وإن كتاب النقض "للشيعة" الإمامية الذى كتبه صاحبه فى منتصف القرن السادس الهجرى والثانى عشر الميلادى يذهب إلى أن الكسائى كان من شعراء الشيعة.
ونرى أن الشاعر الإسماعيلى ناصرى خسرو المتوفى حوالى سنة ٤٦٥ هـ - ١٠٧٢ م يقر بما فى عنقه من دين لسلفه الكسائى.
وإن ندرة المصادر الأساسية التى يمكن الحصول عليها الآن لا تسمح لنا بأن نقدر إلى أى مدى أمكن للكسائى أن يصرف عنايته للشعر الدينى، كما يستحيل علينا أيضًا أن نحدد الطبقات الاجتماعية التى كانت محور اهتمامه فى هذه القصائد كما أنه من ناحية أخرى نراه لم يقف بمعزل تام عن ممارسة الشعر العادى الذى يتناول جوانب الحياة العامة، ولقد وجد الكسائى تشجيعًا وعطفًا من جانب أحد الوزراء السامانيين وهو الأمير نوح بن منصور، كما أنه كتب فى أخريات أيام حياته أكثر من قصيدة فى مدح السلطان محمود الغزنوى والثناء عليه، كما أن العوفى يشيد بصفات الكسائى ويقتبس عديدًا من الأشعار التى تبين أن
стр. 8484
الكسائى نظم فى جميع فنون الشعر التى كانت جارية فى عصره.
وهناك مجموعة نشرت سنة ١٨٧٤ م تضمنت لأول مرة مقطعات من شعر الكسائى وهذه المجموعة مستمدة من مخطوطات أصبح معظمها اليوم قديما، وهناك مادة أكبر من هذه ظهرت للضوء وهى مأخودة من مصادر أخرى مثل المعاجم والمجموعات الخطية كما طبعت مجموعات جديدة ولاسيما تلك التى طبعت فى طهران سنة ١٩٧٢ م. على أن أهم المصادر الخاصة بحياة الكسائى وعمله هى لناصر الدين القزوينى ممثلة فى كتاب الثقفى [تحقيق جلال الدين محمد المطبوع فى طهران سنة ١٩٥٢ م وكتاب ترجمان البلاغة لمحمد بن عمر المطبوع فى استانبول ١٩٤٩ هـ وكتاب اللباب الذى طبعه براون ومجمع الفصحاء لرضا قول خان المطبوع بطهران سنة ١٢٩٥ م].
المصادر: وردت فى المتن.
بدرية الدخاخنى [كريمر، دى بروين J.H.Kramer & J.T.P.De Bruijn]
كسرى
هو الرسم العربى للكلمة الفارسية "خسراو"، المشتقة من الكلمة السريانية "كسرو" أو "كرسرو" إبان القرن السادس الميلادى. وقد تغيرت مواضع الحروف الساكنة والمتحركة لأن الحرف (ج) كان رمزا لكل من (الكاف والخاء) فى اللغة السريانية واستخدم هنا رمزا (للخاء) الفارسية التى تحولت إلى (كاف) فى العربية ويقول مؤلفو المعاجم العربية إنه لا توجد كلمة عربية تنتهى بالواو المضمومة بعد أول حرف ساكن ولذلك رسمت "خسرو" على وزن فعْلة والخاء أصبحت كافا للدلالة على تعريبها وعلى الرغم من وجود الاسم خسرو فى العربية إلا أن "كِسْرَى" كانت تستخدم كاسم علم ويطلق بصفة خاصة على اثنين من الحكام الساسانيين هما كسرى أنوشروان
стр. 8485
(٥٣١ هـ - ٥٧٩ م) كسرى أبرويز (٥٩١ هـ - ٦٢٨ م) ونظرًا لأن هذين الحاكمين قد هيمنا على الأسرة الساسانية فى الحقبة الأخيرة وفاضت بهما ذكريات العرب لذلك ظل اسماهما علما على الأسرة بأسرها. وكان العرب يعدون اسم كسرى عنوانا لمذهب فى الحكم ولقبا لملوك فارس، وأطلقوا على الأسرة الساسانية وصف آل كسر وعلى بلاد التاج فى العراق وصف "أرض كسرى" أما النساء فى العائلة المالكة فيطلق عليهن وصف "بنات كسرى" وبحلول القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى ظهرت كلمة "الأكاسرة" وهى جمع تكسير من المفرد "كسرى" وذلك للدلالة على الحكام الساسانيين. وهناك صور أخرى لهذا الجمع ولكنها أقل شيوعًا مثل "كساسرة"، "أكاسر"، "كسور" لكنها على غير قياس.
لقد كان العرب ينظرون إلى كسرى بوصفه الشخص الذى تجسدت فيه أسرة آل ساسان الملكية، كما رأوا فيه تجسيدًا لخليط من مشاعر الحسد والرهبة والخوف، وكانوا يتحدثون عن "مدائن كسرى" و"إيوان كسرى"، و"خندق كسرى" و"تاج كسرى" وخزائنه وأبسطته وسيفه ودرعه، وكان مرتبطًا فى أذهانهم بآداب السلوك الراقى وكرم الضيافة وألوان الطعام الراقية، وأدوات المائدة الذهبية، والسلطة الغاشمة.
إلا أنه مما يتنافى مع قيم الإسلام الروحية ما نجده عند كسرى من تمسك بزخرف الحياة الدنيا، فأحاديث النبى محمد [ ﷺ ] تؤكد عدم تمسكه بالمظاهر، وتجنبه ارتداء الأزياء الملكية -وكان كسرى قد مزق كتاب النبى محمد [ ﷺ ] الذى يدعوه فيه للإسلام. وجاء فى حديث الرسول [ ﷺ ] ما يبشر بزوال مُلْك كسرى وقيصر ومآل كنوزهم للمسلمين للإنفاق منها.
وفى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى برز اسم كسرى (بوصفه شخصية من شخصيات
стр. 8486
الحكايات التى وضعت بهدف التعليم والتثقيف) شخصية تجرى على لسانها الأمثال، ويمكن إطلاق لقب "كسرى" على أى شخص يجيد رواية هذه الحكايات. وهناك مشتقات من هذا الاسم مثل "كِسْرَوى" "كِسْرِى"، "كِسْرَوانى"، أما "خَسَروانى" فهى مشتقة من الفارسية مباشرة.
المصادر:
(١) القزوينى: معجم مقاييس اللغة القاهرة ١٣٨٩ هـ/ ١٩٦٩ م - ٧٢ جـ ٤/ ١٧١.
(٢) الجوهرى: تاج اللغة وصحاح العربية، بولاق ١٢٨٢/ ١٨٦٥، جـ ١، ص ٣٩٤.
(٣) ابن الجواليقى: كتاب المعرب.
(٤) ابن الأثير: "النهاية فى غريب الحديث والأثر" - القاهرة ١٣١١ هـ/ ١٨٩٣ - ١٨٩٤ م، جـ ٤ ص ٢٠.
(٥) ابن منظور: "لسان العرب".
(٦) الفيروزآبادى: القاموس المحيط، كلكتا ١٨١٧ م، جـ ١، ٥١٢، ٦٤٨.
(٧) المرتضى الزبيدى: تاج العروس، الكويت ١٣٨٥/ ١٩٦٥ الجزء الثالث ١٦٧، ٤٧٩، ٥٢٢ - أ.
سعيد عبد المحسن [م. مورونى M. Morony]
كعب الأحبار
كعب الأحبار هو أبو اسحق كعب بن مانع بن ذى هجن الحميرى اليمانى، كان يهوديًا من أهل اليمن ثم أسلم وربما كان إسلامه سنة ١٧ هـ يقول الطبرى ١/ ٢٥١٤، ويُعتبر كعب الأحبار أقدم مصدر إخبارى من رواة الاسرائيليات، أما نعته بالحبر (بفتح الحاء وكسرها) فمشتق من كلمة "حابر" اليهودية، وهو النعت العلمى التالى مباشرة لكلمة "ربى" الشائع الاستعمال بين العلماء اليهود البابليين، ويرادفه فى العربية لفظ "عالم" (انظر الخوارزمى، مفاتيح العلوم ص ٣٥) وورد هذا النعت بصيغة الجمع فى تسميته بكعب "الأحبار" إشارة إلى تعظيم قدره. ويرى "ليذر بارسكى" أن
стр. 8487
كعب الأحبار كان يسمى فى الأصل بَعْقِيبا أو يعقوب، ولا يعرف عنه سوى النذر القليل من الأخبار، وإِلَّا أنه قدم المدينة زمن خلافة عمر بن الخطاب وأنه صاحَبَه إلى بيت المقدس سنة ١٥ هـ (= ٦٣٦ م) وقد توثقت المودة بينهما بعدما أسلم، كما إنه تنبأ بوفاة الفاروق قبل موته بثلاثة أيام، وقد سعى معاوية إلى جذبه إلى دمشق يستمع إلى رأيه، لكن الأمر الأكثر احتمالا أنه انسحب إلى حمص حيث مات بها سنة ٣٢ هـ (١١ - ٦٥٢ م) وإن أخّر الطبرى وفاته إلى سنة ٣٤ هـ. أما ابن العماد الحنبلى فقد أورده فى الشذرات بأنه مات سنة ٣٥ هـ. ويقرر الهروى فى كتابه الزيارات إنه مدفون بهذا البلد وإن بها مقامه، وإن قال ياقوت وابن بطوطة إن مشهده فى دمشق حيث يوجد بها حتى الآن لوحة تحمل اسمه. أما ابن جبير والمقريزى فيريان أن قبره بجيزة مصر. على حين يقرر الهروى أن بعض الناس يعتقدون بأنه مدفون فى المدينة. وأما القبر الذى بالجيزة فلواحد من أولاده. وعلى الرغم من الغموض الشديد الذى يطمس شخصيته الحقيقية ويجعله شبه أسطورة إلا أنه كان واسع الالمام بالكتاب المقدس وأخبار بلاد العرب الجنوبية كما كان يملك من الحكمة قدرًا عظيمًا لا يستطيع أحد أن يجحده. هذا إلى جانب روايته لكثير من الأحاديث الصحيحة الحسنة نقلًا عن عمر بن الخطاب ويعتبره الجاحظ فى كتابه الحيوان "حجة ثقة" ويدافع عنه فيذكر فى معرض كلامه عن الأسفار الخمسة فى العهد القديم إنه لا يقول "جاء فى التوراة" ولكنه يقول "يوجد ذلك فى كتب الأنبياء".
وقد وردت معلومات فى كعب الأحبار فى الطبقات لابن سعد. الفهرست لابن النديم. الكامل لابن الأثير. الإصابة لابن حجر. المعارف لابن قتيبة. تهذيب التهذيب لابن حجر. وغيرهم مصادر التاريخ الاسلامى.
د. حسن حبشى [م. سميتز M. Schmitz]
стр. 8488
كعب بن الأشرف
كعب بن الأشرف أحد خصوم النبى محمد [ ﷺ ] بالمدينة، وهو ينسب من ناحية أمه إلى بنى النضير، وإن كان أبوه عربيًا من نبهان أحد فروع طيئ، وقد تهود كعب تبعا لعادة يهودية ورثها من أمه من اعتناق الابن ملة والدته. وتنعته بعض القصائد بسيد الأحبار. وقد غضب أشد الغضب حين علم بهلاك الكثيرين من أشراف مكة وكبار شيوخها وأولى الأمر فيها فى وقعة بدر فنزح إلى مكة واستغل مواهبه الشعرية (وكان ينعت بالفحل الفصيح) فى تحريض قريش على قتال المسلمين، ولما عاد إلى المدينة نظم أبياتا فاضحة تغزل فيها ببعض النساء المسلمات، فلما سأل النبى [ ﷺ ] من يخلصه من هذا الرجل كعب بن الأشرف تقدم محمد بن مسلمة فجمع أربعة آخرين معه كان منهم أبو نائلة (سلكان) بن مسلمة -أخو كعب فى الرضاعة، وجاءوا إلى كعب وادعوا عنده أنهم قدموا مخاصمين محمدا [ ﷺ ] واستدرجوا ابن الأشرف خارج أطمة فى ليلة مقمرة وفتكوا به رغم مقاومته الشديدة لهم. ويؤرخ الواقدى مصرعه بالرابع والعشرين من ربيع الأول سنة ثلاث للهجرة (٤ سبتمبر ٦٢٤ م). ولا تزال أطلال أطم كعب باقية حتى اليوم بالمدينة (راجع حميد اللَّه، غزوات النبى محمد [ ﷺ ]).
المصادر:
(١) ابن هشام: السيرة تحقيق Wustenfeld جوتنجن ١٨٥٩ - ١٨٦٠ م.
(٢) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك تحقيق de Goeje ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١ م جـ ١.
د. حسن حبشى [مونتجمرى وات M. Watt]
كعب بن زهير
شاعر عربى معاصر للنبى [ ﷺ ] وهو ابن زهير بن أبى سلمى يبدو أنه أثبت موهبته الشعرية فى مرحلة مبكرة من عمره؛ ولو أنه ينتمى إلى مزينة. وكان يعيش مع الزبيان وانغمس فى حروب قبيلته ضد طيئ وقريش والخزرج. وقد تحول أخوه بجير عن دينه قبل السنة السابقة من الهجرة،
стр. 8489
ولكنه رفض بحماس أن يحذو حذوه وكتب بعض الأشعار يهاجم فيها محمدا [ ﷺ ] فأهدر الرسول دمه. ومنذ ذلك اليوم، ضاقت الأرض به فاعتزم التوبة. وقدم نفسه دون إنذار، فى السنة التاسعة، فى مسجد المدينة حيث كان محمد [ ﷺ ] حاضرا وتلا عليه قطعته الشهيرة المعروفة باسم بانت سعاد وأعجب به الرسول [ ﷺ ] عند سماع المدائح فطرح النبى [ ﷺ ] على كتفى الشاعر عباءته المقلمة من اليمن، "بردته"، التى جاء منها اسم البردة، وليس لبانت سعاد أى من المميزات للقصيدة الدينية؛ فهى تستمد إلهامها من مشاعر الشعر الوثنى، وهى تبدأ بملاحظة مألوفة تستخدم كثيرًا جدًا حتى أن حماد الراوية كان يفاخر بأنه يعرف ٧٠٠ قصيدة أخرى بنفس الافتتاحية. والمعلقون عليها كثيرون: أشهرهم ثعلب وابن دريد والتبريزى وابن هشام وابن حجة والسيوطى والباجورى (V. Brochelmann) وقد نشر لأول مرة بواسطة Leiden ١٧٤٨ Lette) ثم أنتج فيما بعد فى طبقات متعددة، وبخاصة بواسطة G. fraytag (مع ترجمة لاتينية ١٨٢٣) و T.Noldeke, Delectus Berlin ١١٠ - ٤/ ١٨٩٠، وقد استخرجت بالنسبة (الجزائر ١٩١٠) طبعة مصحوبة بترجمة فرنسية وتعليقين غير منشورين. وأخيرًا، تظهر فى ديوان لكعب الذى نشره ت. كوالسكى (كراكاو ١٩٥٠) محتويا على ٣٣ قصيدة وشذرات.
وتاريخ وفاة كعب غير معروف ولكن يبدو أنه عاش إلى سن متقدمة.
وداد عبد اللَّه السيد [ر. باسيه R. Basset]
كعب بن مالك
أبو عبد اللَّه أو أبو عبد الرحمن، أحد الشعراء المؤيدين لمحمد [ ﷺ ]، كان أنصاريا من عشيرة سليمة من قبيلة الخزرج (انظر الأنصار) ولابد أنه ولد فى ٦٠٠ م، حيث يقال إنه اشترك فى الحرب الداخلية فى المدينة قبل الهجرة، وإنه كان حاضرا فى العقبة الثانية عندما أقسم الولاء لمحمد [ ﷺ ] ولم يكن موجودا فى بدر ولكنه اشترك فى
стр. 8490
معظم الغزوات التالية بقيادة محمد [ ﷺ ]. وفى أحد تلقى عدة جروح وكان أول من أقر بمحمد بعد إشاعة أنه قتل.
ولسبب ليس واضحًا بقى فى المدينة إبان حملة تبوك فى خريف ٩ هـ/ ٦٣٠ م ويبدو أنه كانت تربطه علاقات بغسّان، وقد عرف فيما بعد بأنه مشايع لعثمان [-رضى اللَّه عنه-] يؤيده كخليفة ورثاه بعد موته. وطبقا لهذا الاتجاه رفض أن يبدى الولاء لعلى. وأصابه العمى وتوفى فى ٥٠ هـ/ ٦٧٠ م أو ٥٣ هـ/ ٦٧٣ م.
واشتهر كثير من أفراد أسرته بمواهبهم الشعرية. وقد أكد محمد [ ﷺ ] أهمية الشعراء فى تكوين رأى عام، وباتباع الشورى (انظر الطبرى تفسير) واعتبر كعب كأحد الشعراء مع حسان بن ثابت وعبد اللَّه بن رواحة المدافعين عن الإسلام ونبيّه ويوجد معظم شعر كعب فى السيرة لابن هشام.
وتعالج قصائده بدرًا وأحدًا وبير مئونة والخندق وخيبر ومؤتة والغزوات الأخرى (انظر ديوان طبعة سامى م. المعانى بغداد ١٩٦٦ وسيرة ابن هشام).
وداد عبد اللَّه [التحرير]
كلاب بن ربيعة
كلاب بن ربيعة، هى قبيلة عربية تنتمى إلى مجموعة قبائل تسمى عامر بن صعصعة. ولقبيلة كلاب عشرة فروع رئيسية، سادها لفترة فرع جعفر بن كلاب وهو الفرع الذى انحدر عنه قادة عامر بأكملها.
وقد اندلعت أخطر حروب "الفجار" قاطبة عند مقتل "عروة الرحال" من كلاب على يد البراد بن قيس الكنانى. وتقلبت البطون داخل القبيلة، ما بين معاداة المسلمين ومصادقتهم. واشترك رجلان من "كلاب" فى مهاجمة المسلمين عند "بئر معونة"، إلا أن الضحاك بن سفيان دخل الإسلام، ودعا هو ورفيقه قبيلته للدخول فيه، وأغارا على الرافضين منها.
стр. 8491
مصطفى محمود محمد [مونتجمرى M. Watt]
كلب بن وبرة
كلب بن وبرة هو الجدّ الأعلى لبنى كلب أقوى قبائل قضاعة، وتعرف أمه بأمّ الأسبع لتسمية أبنائها جميعا بأسماء السباع الفترسة، ويرجع كلب (كما يرى الكلبى فى كتابه جمهرة الإنسان) إلى أصل يمنى، وإن كان الكلبيون ينسبون أنفسهم فى بعض الأحيان إلى عرب الشمال بل وإلى قريش ذاتها، وهم يفعلون ذلك لدوافع سياسية، كما يشير الأصفهانى فى كتابه الأغانى وابن قتيبة (طبعة دى غويه ص ٢٣٣) إلى أنهم من ذرية زهير بن جناب الذى كان مطاع الكلمة بين قبائل الشمال، كما يقال إن أبرهة (وهو غير أبرهة صاحب الفيل) أرسله لمراقبة البكريين والتغالبة، وقد أحصى الأغانى (ص ١٠٢ وما بعدها) من جاءوا من زهير هذا فكانوا جمعًا غفيرًا عاصر واحد منهم يزيد بن المهلّب، كما اعتبر زهير هذا من المعمرين وقد ترك شعرًا يبكى فيه على شبابه الراحل.
وتقع مراعى كلب فى الأرض الواقعة بين الشام والعراق فيما يعرف بسماوة كلب، وكانت مراكزهم هى الواحات الواقعة فى وادى "الخبت" الذى يتألق من الجوف ومن وادى سرحان الذى انطلقوا منه إلى الشام قبل أن يفتحه المسلمون بزمن طويل ومن ثم كان استقرارهم فى سلمية ودمشق (لاسيما فى الغوطة والمزّة) وفى الجولان والسويداء وإقليم حَرَّان، كما وجدت أعداد قليلة منهم فى حمص وحلب وحماة ومنبج، كذلك نزلوا فى فدك ودومة الجندل وتيماء والحيرة، ويذكر القلقشندى فى قلائد العقيان (ص ٤٧) وابن خلدون (فى العبر ٢/ ٥٢١ هـ) أن كثيرين منهم كانوا فى "الخليج القسطنطينى" وفى شيراز بفارس ومنفلوط بمصر، كما أن البيزنطيين جعلوهم تحت إمرة حلفائهم الغساسنة للدفاع عن الحدود الشامية ضد الساسانيين والحيرة، وبهذا تمرّس الكلبيون بالنظام الحربى واتبعوا
стр. 8492
القانون وتشبهوا بالغساسنة فاعتنقوا المسيحية على المذهب المونوفستى.
وكان أول صدام بين الكلبيين والمسلمين حين أرسل النبى [ ﷺ ] حملة إلى دومة الجندل انتهت بإسلام الأصبغ بن عمر مع عقد معاهدة بين الجانبين (راجع ابن سعد، ١/ ٢/ ٣٦) وكان رهط من الكلبيين ممن يعيشون فى مكة قد أسلموا، وكان من هذا الرهط زيد بن حارثة الذى تبناه النبى [ ﷺ ]، ومنهم دحية الكلبى، كما جاء وفد منهم إلى النبى [ ﷺ ] عام الوفود يبايعونه على الطاعة (راجع فى ذلك الطبرى والمسعودى وابن الأثير وابن دريد وكتاب (الاشتقاق) والأغانى والعقد لابن عبد ربه والهمدانى والبكرى وياقوت ونقائض جرير والفرزدق والكامل للمبرد وجمهرة النسبى.
بدرية الدخاخنى [ج. و. فك J. W. FUCK]
الكلبيون فى الإسلام: أما فى الإسلام فترجع علاقتهم بالأمويين إلى زمن الخليفة عثمان بن عفان وإلى زواج معاوية بن أبى سفيان من ميسون بنت أنيف، وكان معاوية يرمى من وراء هذا الزواج إلى دعم موقفه والاعتماد عليهم فى محاربته للإمام على بن أبى طالب، ومن هنا كان اليمنيون (لاسيما الكلبيون) أكثر القبائل نفوذًا فى الشام زمن معاوية وولده يزيد الذى تزوج هو الآخر امرأة من بنى كلب .
ولقد وقف الكلبيون إلى جانب الأمويين يؤيدونهم، على حين أخذ القيسيون يشدون أرز بن الزبير، ويشير المسعودى فى كتابه مروج الذهب (جـ ٥ ص ٢٠٠) إلى أن اليمنيين بزعامة حسان بن مالك بن بحدل الكلبى اشترطوا على مروان قبل أن يؤيدوه كل التأييد أن يكون لهم من الامتيازات ما كان لهم زمن معاوية ويزيد ومعاوية الثانى فيجرى على كل واحد منهم سنويا ما كان من قبل من دفع ألفى درهم فإذا مات الواحد منهم حل ولده أو ابن عمه محله فى تناول هذا القدر من المال، واشترطوا أن تكون لهم
стр. 8493
الصدارة فى البلاط وأن يستشاروا فى كل أمر من الأمور فقبل مروان شروطهم هذه كلها ومن ثم لم يكن من المستغرب أن ترمى قيس بكل ثقلها فى وقعة مرج راهط (٦٤ هـ) إلى جانب ابن الزبير، على حين وقف الكلبيون وبقية اليمن إلى جانب مروان ومع ذلك فقد انتهت هذه المعركة بهزيمة ساحقة للقيسيين وهى هزيمة لم ينسوا أبدا مرارتها بل زادت حدة الصراع بينهم وبين الكلبيين زمن عبد الملك بن مروان إذ رأى القيسيون فى الاضطرابات السائدة زمن استخلافه فرصة لأخذ ثأرهم، وجاءت هذه الفرصة فى المعركة التى وقعت على نهر الخازر سنة ٦٧ هـ (= ٦٨٦ م) حين انسحب عمر بن الحباب السلمى بمن معه من القيسيين من ساحة القتال مما أدّى إلى انتصار العراقيين، ولقد أخذ كل من ظُفر وعمير فى شن سلسلة من الهجمات على هؤلاء الكلبيين الذين كانوا يعيشون فى بادية السماوة (الواقعة فى سورية والعراق)، ورد عليها الكلبيون بقيادة حميد بن حريث بن بحدل.
كانت هذه المعارك فاتحة سلسلة من الوقائع أشهرها معركة "بنات قين" التى انتصر فيها القيسيون، وإن كانت بنات قين هذه آخر المعارك بين الجانبين بفضل تدخل عبد الملك بن مروان وحكمته، فلما شب الصراع الحربى بين العباسيين والأمويين (سنة ١٣٢ هـ - ٧٥٠ م) جاء من الكلبيين ألفان لمعاونة مسلم بن قتيبة والى البصرة الأموى، ووقفوا إلى جانب العباسيين وربما كان هذا التصرف هو الذى أدّى إلى اعتماد مروان الثانى على القيسيين اعتمادًا كليًا أو لأن الكلبيين أيقنوا أن الأمويين قد خسروا المعركة فأرادوا أن يكسبوا عطف النظام الجديد عليهم، ومع ذلك فقد قام الكلبيون فى نفس السنة مع آخرين من اليمن وشاركوا أبا الورد فى ثورته ضد الجيش العباسى الذى كان بقيادة عبد اللَّه بن على وربما كان تغير موفقهم هذا راجعا إلى عدم استرضاء النظام الجديد لهم، وشهدت دمشق زمن هارون الرشيد اضطرابات عنصرية بين اليمنيين والمضَريين، واستمرت هذه الاضطرابات زمن
стр. 8494
المأمون بالنسبة إلى اليمنيين فى مصر وجدت أحداث فى أخريات أيام بنى العباس.
وكان السبب الرئيسى لهذا النزاع القبلى هو ما كان من ميل قبائل عرب الشام إلى بنى أمية وساعد على توفر هذا الميل سياسات الحكام العباسيين الذين كانوا يحرضون كل قبيلة ضد الأخرى وظهر هذا التنازع مرة ثانية زمن المأمون (سنة ٣١٣ هـ/ ٨٢٨ م) فيما يتعلق باليمنيين الموجودين فى مصر.
فلما كان العصر العباسى المتأخر نجد أن تاريخ كلب أصبح أقل خطورة، واتخذ شكل مناوشات بدوية وهجمات على السلطات المركزية، وهذا بيان عن الأحداث الهامه التى كان أولها مساهمة الكلبيين (بقيادة عطيف بن نعمة) فى الثورة التى اضطرمت بحمص ضد حاكمها "الفضل بن قارن" فوثبوا عليه وقتلوه (سنة ٢٥٠ هـ/ ٨٨٤ م) ولكن استطاع موسى بن بغا الكبير قائد المستعين أن يقضى على المتمردين ويستولى على حمص، فلما كانت سنة ٢٩٤ هـ (٩٠٦ م) تعاون عرب كلب مع النمر بن قاسط ومع أسد وحاربوا حاكم الموصل الحسين بن همدان وطاردوه حتى أبواب حلب، غير أن ابن همدان هذا نجح فى السنة ذاتها فى التغلب على عرب كلب وطيئ وهزمهم ولكنه وقع أسيرا فى أيديهم فى نهاية الأمر كذلك شارك الكلبيون فى النزاع الذى شب بين والى دمشق وبين دبيس ابن صدقه وإلى حلب.
على أنه قد يكون من الطريف أن نشير إلى أن الدعوة للقرامطة وجدت استجابة لها بين بعض الجماعات من بنى كلب لاسيما بين بنى العليص بن ضمضم ومواليهم الذين كانوا يعيشون فى بادية السماوة! بل إنهم أعلنوا معاونتهم وطاعتهم ليحيى بن ذكرويه الداعية القرمطى ونعتوه "بالشيخ"، كما انضم إلى "الشيخ" بنو الإصبغ (وهم فرع آخر من كلب)، وأيدوه تأييدًا قويا حتى لقد نعتوا أنفسهم "بالفاطميين" فلما فاجأوا جيش المعتضد الذى كان يطاردهم ودبروا قتل قائده "سبوك الديلمى" ونجحا فيما دبروه ثم انطلقوا
стр. 8495
يخربون جميع القرى التى مروا بها كذلك هاجم ابن زكرويه وأتباعه طغج ابن جف والى دمشق وحاصروه هو ومدينته وظل القرامطة سادرين فى طغيانهم حتى بعثت مصر جيشًا بقيادة بدر الكبير وكان مولى لابن طولون فأنزل القرامطة الهزيمة بهذا الجيش وبشيخهم ابن زكرويه الذى مات قتيلًا على أيدى المصريين.
ومن المهم أن نشير إلى أن هناك رأيا يرجع ما لاقاه ابن زكرويه من مصير إلى سياسة المساواة التى تبناها نحو أنصاره الموالى.
أدى موت يحيى إلى قيام بنى العليس وبنى الاصبغ للسير فى ركاب أخيه الحسين بن زكرويه الذى تمكن من هزيمة المصريين وعسكر حمص وغيرها من عسكر الشام الذين وقفوا ضده، كذلك فإنه تمكن من فرض سيطرته حتى لقد خطب باسمه يوم الجمعة على المنابر مع تلقيبه بأمير المؤمنين فى جميع مساجد الشام وذلك سنة ٢٨٩ هـ (٩٠١ م) وعلى الرغم من ذلك إلا أن الخليفة المكتفى تمكن من القبض عليه واعدامه سنة ٢٩١ هـ (٩٠٣ م).
ولما مات الحسين بن زكرويه قام بنو العلبس وبنو الأصبغ وبنو زياد (وكلهم كلبيون) وانضموا إلى داعية قرمطى آخر يسمى بأبى غانم نصر الذى هاجم بهم بصرى وأذرعات ودمشق وطيدية ولما صار فى طبرية انضمت إليه قوات من دمشق اشتركت معه فى قتال إبراهيم بن "بوغامردى" نائب والى الأردن وهزموه وقتلوه مما اضطر معه الخليفة المكتفى لارسال جيش ضدهم بقيادة الحسين بن حمدان، ثم زحفوا بعد ذلك إلى السماوة وهِيت التى عاثوا فيها فسادًا وتدميرًا.
وقدم جيش آخر بقيادة محمد بن اسحق بن "كندا جيك" لقتالهم، فلما رأى الكلبيون أنهم غير قادرين على مواجهة هذا الجيش المشترك غدروا بصاحبهم القائد نصر القرمطى ووثبوا عليه فقتلوه وحملوا رأسه إلى الخليفة دليلا على طاعتهم له، وبذلك تجنبوا كل
стр. 8496
عمل قد يتخذه ضدهم.
كذلك كان الكلبيون أشد الناس حماسة ومعاونة لجميع الثوار السقانيين ومثال ذلك تأييدهم لثورات أبى الورد (١٣٢ = ٧٥٠ م) وفتنة على بن عبد اللَّه بن خالد بن يزيد بن معاوية (١٩٥ هـ - ٨١٠ م) انظر فى ذلك تاريخ خليفه بن خياط والمحبر والأنساب للبلاذرى وفتوح البلدان له، واليعقوبى والاشتقاق لابن دريد والوزراء والكتاب للجهشيارى ومروج الذهب للمسعودى والأغانى ومعجم الشعراء للمرزبانى وجمهرة أنساب العرب لابن حزم.
بدرية الدخاخنى [أ. أ. ديكسون A. A. Dexon]
الكلبيون فى الأندلس:
ضم جيش موسى بن نصير عناصر كلبية وقيسية ممن كانت ذكرى مرج راهط لا تزال حية متوقدة فى أذهانهم فأثارت حفيظتهم إثارة تجلت فى شمال أفريقية وخاصة فى الأندلس معظم القرن الثانى للهجرة (الثامن الميلادى) وكان الجند الذين أرسلهم هشام بن عبد الملك (لإخماد فتنة البربر التى أثارها ميسرة) يتألفون من الشاميين، وكان على مقدمتهم بلج الشريف القيسي قد لجأ إلى سبتة ينشد مساعدة حكم الأندلس عبد الملك بن قطن وكان من أهل المدينة المنورة الكارهين لأهل الشام فتوقف بن قطن فترة من الوقت عن تلبية استغاثة بلج ثم أذن له بالعبور إلى الأندلس ولكن بعد لأى، وكان البربر فى الأندلس فى ثورة هم أيضًا، وسرعان ما شب النزاع بين الكلبيين والقيسيين ونجح بلج فى زحزحة عبد الملك وعذبه، على أن سياسة بلج الممالئة للقيسيين أثارت الاضطرابات، كما أن خلفه أثار حنق السكان مما حمل الخليفة الأموى بدمشق على أن يرسل إلى قرطبة أبا الخطار الحسام بن ضرار الكلبى الذى حابى بنى جلدته محاباة جلب عليه عداء أحد شيوخ قيس وهو الضميل بن حاتم الذى لاقى كثيرًا من الصعوبات وأعلن خصومته للوالى حتى لقد ذهب فى هذه العداوة إلى حدّ محالفة بعض اليمنيين (من لخم وجذام) وأصبحوا يدًا واحدة
стр. 8497
ضد الكلبي ين، ونجحت الحملة التى قامت سنة (١٢٧ هـ - ٧٤٥ م) ودارت الدائرة فيها على أبى الخطار ووقع فى أسر العدو وحل محله ثعلبة بن سلمة الجذامى المتوفى سنة ١٢٩ هـ (= ٧٤٦ م) واختير يوسف بن عبد الرحمن الفهرى واليًا على الأندلس وفر أبو الخطار. وأما أعوانه الكلبيون فقد هزموا فى وقعة شقنده عام ١٣٠ هـ (= ٧٤٧ م) أمام القيسيين، ثم أخذت العواطف المثيرة فى البرود لاسيما وقد عمت المجاعة التى عملت على إيقاف التحركات العدائية، ثم تحالف اليمنيون مع البربر وهاجموا الصميل والى سرقطه إلا أن القيسيين نجحوا فى تخليصه من أيديهم سنة ١٣٧ هـ (= ٧٥٥ م) لاسيما بمعونة جاءتهم من سفراء عبد الرحمن (الذى سيعرف بالداخل) وقطعت المفاوضات ووقف الكلبيون وغيرهم من اليمنيين إلى جانب عبد الرحمن الأموى وساعدوه ليدخل إسبانيا ويقيم دولة لنفسه بها.
ثم أخذت العداوة التى بين القيسيين والكلبيين فى الضعف وأخذت الشخصية الأندلسية مظهرها وإن كانت بعض العصبيات لازالت تتقد من حين لآخر ومثالها تلك الحرب التى بدأت سنة ٢٠٧ هـ (٨٢٢ م) والتى استمرت سبع سنوات فى إقليم مرسيه.
المصادر: وردت فى المتن.
بدرية محمود الدخاخنى [التحرير].
الكلبى
الكلبى اسم اشتهرت به أسرة كوفية شارك منها إلى جانب على بن أبى طالب فى وقعة الجمل نفر منهم؛ بشر الذى كان مؤيدًا لمصعب بن الزبير وقتل فى وقعة دير الجاثليق سنة ٧١ هـ (= ٦٩٠ م) على يد ورقة النخعى فى القتال الذى دار بين مصعب بن الزبير والمختار ولعب دورًا مهمًا فى ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فى دير الجماجم (٨٢ هـ = ٧٠١ م) وإن كان الطبرى يجعل وفاته سنة ٦٧ هـ (= ٦٨٦ م). وأيا كانت حقيقة هذا الأمر فهو لم يقتل بصفين كما يقرر ابن حزم فى جمهرته (طبعة هارون، ١٩٦٢، ص ٤٥٩) فمحمد السائب وليس ابن
стр. 8498
مالك كما فى الفهرست (طبعة فلوجيل، ص ٩٥) لعب دورًا كبيرًا. وقد ترك هو لنا نفسه صورة فيها كثير من الفخر والمبالغة عن دوره، يتباهى فيها بانتصاره العظيم وعودته إلى أهله فى يوم واحد دون أن يترك وراءه سلاحًا واحدًا من أسلحته (الطبرى ٦/ ٣٤٩، ٣٥٠، ٣٦٤) وقد اشتهرت اسرة الكلبى بالعلم إلى جانب ما ذهبت به من الصيت العظيم فى مجال براعتها فى القتال حتى أنه قل أن ننظر فى كتاب من كتب العرب الأول إلا ونطالع إشارة إلى هذه الأسرة. ولعل أهم الكلبيين -وهم كثرة- من نختارهم فيما يلى:
١ - محمد بن السائب الكلبى الملقب بابى النضر المتوفى بالكوفة سنة ١٤٦ هـ (٧٦٣ م) وقد أربى على الثمانين من عمره كما ضرب بسهم وافر فى جميع فنون العلم المعروفة فى زمنه سواء منها ما فى التاريخ العام أو تاريخ الأديان وأيام الجاهلية أو تاريخ اليهودية (انظر الملل والنحل للشهرستانى ١٢٢٠ - ١٢٦٤) أو تاريخ المسيحية (العقد الفريد لابن عبد ربه جـ ١ ص ١٥٧) وكذلك فى الشعر (ابن خلكان وفيات الأعيان، جـ ٣ ص ٤٣٦) والأدب وفقه اللغة والأنساب والحديث والأساطير القديمة، واستعان بمعرفته الواسعة فى وضع تفسير للقرآن الكريم يعد من أطول التفاسير كما يقول الذهبى (العبر، الكويت جـ ١ ص ١٠٦) ولعل هذا هو الذى حمل سليمان بن على أيام ولايته البصرة (من ١٣٣ حتى ١٣٩ هـ) لاستقدامه إليها ليقرأ للناس فى التفسير. وقد وضع ابن السائب الكلبى تفسيرًا لم يجر فيه على المعتاد مما جلب عليه معارضة سامعيه وإن كان هذا التفسير يعتبر اليوم فى عداد الكتب المفقودة، وقد أثَّرت نزعته الشيعية فى كتاباته ولاسيما فى تفسيره للأحاديث (انظر تفسير الطبرى، القاهرة ف ١٣٧٤/ ٧٦، ٩١، ٢١٦ - ٢١٧) حتى لقد رمى فى بعض الأحيان بالهرطقة والرفض والسبعية والإرجاء، كما اتهم بالتزوير والكذب، بل إنه لم يسلم فى القرن العشرين من خصوم له من علماء الأزهر (انظر أحمد شاكر فى طبعته
стр. 8499
الآداب لأسامة بن منقذ، القاهرة ١٩٣٥ م ص ١٢٣ - ١٢٤ حاشية رقم ٥) ولا يزال هذا الكتاب مرجعا حتى أن مهاجميه قد اعتمدوا عليه وعدوه مصدرًا هامًا.
٢ - وأما ثانيهما فأبو المنذر هشام ابن محمد بن السائب الكلبى الذى تفرد من بين الجميع "بابن الكلبى" التى إن قيلت وحدها انصرفت الأذهان إليه هو دون غيره. وأغلب الظن أنه ولد بالكوفة حوالى سنة ٢٠٤ هـ (= ٨٣٧ م) ودرس ومات بها سنة ٨١٩ أو ٨٢١ م زمن خلافة المأمون الذى حزن لموته حزنًا أليمًا (ابن الخطيب البغدادى جـ ١٤ ص ٤٥ - ٤٦) لأسباب ليست واضحة تمامًا. وأقام ابن الكلبى زمن الخليفة المهدى ببغداد وكان مثل أبيه فى إتقانه فنون المعرفة الشائعة فى عصره، وترك مؤلفات كثيرة تربو على مائة وخمسين مؤلفًا كما يقول ابن النديم فى الفهرست. وقد اقتبس من هذه الكتب كثيرون من تلاميذه فى كتبهم أمثال الطبرى ومحمد بن حبيب وابن دريد وأبى الفرج الأصفهانى ولكنهم قل أن كانوا يشيرون إلى أخذهم منه.
على أن من مؤلفاته التى وصلت إلينا جمهرة النسب، وقد نشر له كل من "كاسكل وشترزك" كتابين كبيرين أما أحدهما فدراسة عن كل ما يتصّل عن قرب أو بعد بالأنساب عند العرب ومعروف باسم جمهره أنساب ابن الكلبى (ليدن ١٩٦٦ م) كتاب آخر الأصنام طبعه لأول مرة أحمد زكى باشا سنة ١٩١٢ م.
ثم ترجمه للألمانية "روزا روزنبرجر" وطبعته فى ليبزج سنة ١٩٤١ م، كما ترجمه إلى الانجليزية نبيه فارس وطبعه فى برنستون، وترجمه إلى الفرنسية مارمرجى سنة ١٩٢٦ م ونشره فى مجلد جـ ٥، ١٩٦٢ م، ص ٣٩٧ - ٤٢٠) ثم طبعه طبعة حديثة عطا اللَّه مع ترجمة وتعليقات عليه بالفرنسية سنة ١٩٦٩ م.
ويعتبر الكلبى مصدرًا أساسيًا لتاريخ عرب الجاهلية وقد اعتمد عليه الكثيرون أمثال ابن دريد والنجيرمى
стр. 8500
وياقوت وعبد القادر البغدادى إما بالإشارة إليه أو بالأخذ عنه.
وأما الكتاب الثالث له فهو أنساب الخيل (انظر ديلا فيدا، لندن ١٩٢٨ وقد اختلط بعض ما كتبه ابن الكلبى بما كتبه أبوه، فهو فى كلامه عن معركة دير الجماجم يقتبس من أبيه الذى فى هذه المعركة، ولكنه فى الوقت ذاته يرجع إلى رواة آخرين غير أبيه.
وقد رجع ابن الكلبى إلى العارفين بالدراسات الدينية الخاصة بكتب الإنجيل والتوراة وكان عارفًا فى الوقت ذاته بآخر ما وصلوا إليه من اكتشافات أثرية فى اليمن (انظر ابن دريد الاشتقاق، ص ٥٤٢، طبعة هارون، القاهرة ١٩٥٨ م). ويظهر أنه كان يستخدم رجلا اسمه "جبلة" كان يمده بما يترجمه له من البهلوية (الفهرست ص ٢٤٤) كما أنه كان يطالع بنفسه سجلات وألواح الجماعات النصرانية بالحيرة. أما فى مجال التاريخ فكان اعتماده فى الغالب على المصادر الشفهية فقط ويرجع إليه الفضل فى تدوينها ووصولها إلينا.
ولم يسلم ابن الكلبى من نقد لاذع من بعض الكتاب العرب، ولكن مرجع هذا النقد الجارح هو الغيرة أو بعض دوافع دينية، كما كان هناك معجبون به، فمن الفريق الأول من المحدثين جولد تسيهر فى نقله ما هوجم به ابن الكلبى قديمًا.
وهناك فريق آخر يمثله نولدكه لم يغال أو يسرف فى مهاجمة ابن الكلبى فتضاءلت منذ ذلك الحين حدة الهجوم عليه.
ومجمل القول أن ابن الكلبى لم يأخذ ما يستحقه من القدماء ولا من المحدثين ما هو جدير به، وإن كانت الأبحاث اليوم تؤكد أن دور ابن الكلبى كان عظيمًا فى تاريخ الأدب العربى.
٣ - أما ثالث الكلبيين فعباس بن هشام (وليس بأخيه كما يقول الكوفى (الفهرست لابن النديم ص ٩٥).
أما ابن الكلبى الذى يتكلم عنه ابن الخطيب البغدادى (١٦/ ٤٦) فالأغلب أنه حفيد محمد الكلبى، وقد ترك عباس بن هشام ذكرياته عن أبيه هشام، ولا نعرف عنه أى شئ أكثر من
стр. 8501
هذا. انظر الطبقات لابن سعد ٦/ ٣٥٨ - ٣٥٩، والمعارف لابن قتيبة، ووفيات الأعيان لابن خلكان ومعجم الأدباء لياقوت والميزان للذهبى.
المصادر: وردت فى المتن.
د. حسن حبشى [ف. عطا اللَّه F. Attallah]
كليلة ودمنة
هو اسم يطلق على [كتاب هندى به نوادر وحيل الحيوان، ويظهر خيالات الحيوان بصنوف الأصباغ والألوان ليكون أُنْسًا لقلوب الملوك، ويكون حرصهم عليه أشد للنزهة فى تلك الصور]، واشتق الاسم من تحريف لاسمين -باللغة السنسكريتية- لشخصيتين رئيسيتين فى الكتاب -هما ابنا آوى- كَرَطَكَة ودَمَنكَةَ (أما فى الترجمة السريانية القديمة فهما كِليلَج ودَمْنَج) وقد ترجم الكتاب من السنسكريتية إلى البهلوية ومن هذه إلى العربية وحظى بشهرة واسعة فى آداب كل من الإسلام والمسيحية.
١ - العمل الأصلى: الأصل الهندى ألّفه مجهول حوالى عام ٣٠٠ بعد الميلاد فى كشمير، وهو يتكون من مقدمة وخمسة كتب، كل منها يحمل العنوان "تَنْتَرةَ" أى "حادثة ذات مغزى" وكان الهدف من الكتاب إسداء النصح للأمراء فى مجال الحكم من خلال حكايات تروى على ألسنة الحيوان، ، وقد كتب بلغة سنسكريتية راقية، وانحدرت من هذا الكتاب فيما بعد عدة كتب حملت أسماء أخرى منها: "تَنْتَراخَيَاييكة" -وهو أقدمها- و"أنْيكَتَنْترة" و"بَنْتَستنترة".
٢ - الترجمة البهلوية: تمت بناء على أمر صادر من الملك الساسانى خسرو أنو شروان وتم ترجمة أحد هذه الأعمال من السنسكريتية إلى البهلوية وذلك على يد الطبيب برزويه الذى أرسله الملك إلى الهند خصيصًا لهذا الغرض، وزاد عليه ملحقا يضم حكايات مستمدة عن مصادر هندية أخرى.
٣ - الترجمة السريانية القديمة: ثم ضاعت ترجمة برزويه إلى البهلوية غير أنه كان قد تم ترجمتها بالفعل إلى اللغة
стр. 8502
السريانية حوالى عام ٥٧٠ م. ولم ينقذ هذه الترجمة سوى مخطوط وحيد كان محفوظًا فى دير مارون ومنه إلى مكتبة بطريركية الموصل انتقل فيما بعد إلى حوذة المونسينود "جرافان" فى باريس.
٤ - الترجمة العربية: بعد مرور قرنين تقريبًا ترجم عبد اللَّه بن المقفع إلى العربية ترجمة بروزيه البهلوية، وكتب مقدمة له. وجاءت ترجمة ابن المقفع فى أسلوب رفيع يخاطب به ذوَّاقة الأدب.
ولكن نظرا للمضمون الذى ينطوى عليه الكتاب أصبح رائجا للغاية، ومن هنا غدا عرضة للتحريف فى النقل عنه، فحتى ابن قتيبة الذى استشهد بمقتطفات عديدة منه فى كتاب "عيون الأخبار" لم ينقل النص الذى كتبه ابن المقفع كلمة كلمة، كما أن المخطوطات العديدة لهذا الكتاب يرجع نَسْخُها إلى تاريخ متأخر.
٥ - النظم شعرًا بالعربية: لقد صيغت ترجمة ابن المقفع شعرًا بالعربية ثلاث مرات. أما النظم الأول فقد تم على يد معاصره "أبان اللاحقى" وقد فقدت هذه النسخة، ثم جاء "ابنَ الهبَّارية" فى حوالى عام ١١٠٠ ليضع صياغة شعرية -استنادا إلى نص ابن المقفع مع الاستعانة بالنسخة السابق ذكرها- وذلك فى عشرة أيام وجاءت صياغته فى لغة راقية جزلة وسماها "نتائج الفطنة فى نظم كليلة ودمنة"، ثم صيغت شعرًا للمرة الثالثة بعنوان "دُرُّ الحِكَم فى أمثال الهنود والعجم"، على يد عبد المؤمن بن الحسين الصَّغانى الذى أتمها فى ٢٠ جمادى ٦٤٠ هـ/ ١٥ نوفمبر ١٢٤٢ م بعد ٨٠ يومًا من العمل وهى توجد حاليا فى مخطوطة واحدة فحسب فى فينا.
٦ - الترجمة السريانية اللاحقة: تولى رجل من رجال الدين السريانى فى القرن العاشر أو الحادى عشر الميلادى ترجمة نص ابن المقفع إلى اللغة السريانية مرة أخرى، وكانت قد غدت فى ذلك الوقت لغة ميتة لا تتداول إلا فى داخل الكنيسة، وقد حاول جاهدًا أن يضفى على الكتاب صبغة مسيحية، ولذلك عمل على تضخيم أشعار الأصل
стр. 8503
الهندى -التى كانت قد حرفت بالفعل فى الترجمة البهلوية تحريفًا شديدًا- بحيث أصبحت الأبيات الشعرية خطبًا أخلاقية مملة -، كما ارتكب سلسلة من الأخطاء فى الترجمة- ولكن نظرًا لأنه استخدم نصًا هو أقرب ما يكون للأصل دون باقى المخطوطات التى بين أيدينا، فإن هذه الترجمة تعد -رغم عيوبها- ذات قيمة كبيرة بالنسبة لدراسة نقد النصوص.
٧ - ترجمات فارسية نثرًا وشعرًا: طبقًا لما جاء فى الشاهنامة للفردوسى، فإن كتاب ابن المقفع قد ترجم إلى الفارسية فى عهد السامانى نصر بن أحمد (٣٠٢ - ٣٣١ هـ/ ٩١٤ - ٩٤٣ م) وذلك بأمر الوزير بلعمى، ولكن يبدو أن هذه الترجمة لم تتم أبدا. ثم تولى الشاعر رُذَكى (ت ٣٠٤ هـ/ ٩١٦ م) -بناء على أمر من نفس الحاكم- ترجمة الكتاب إلى الفارسية شعرًا، ولم يصلنا منها سوى ١٦ بيتًا على شكل شواهد وردت فى "لغتى فرس" للأسَدِى. والمرجح أنه قد تمت ترجمة كتاب ابن المقفع إلى الفارسية نثرًا بعد عام ٥٣٩ هـ/ ١١٤١ م على يد نظام الدين أبى المعالى نصر اللَّه بن محمد عبد الحميد الذى أهدى هذا العمل إلى "بَهْرام" شاه غزنة. وطبعت هذه الترجمة على الحجر فى طهران فى عام ١٢٨٢ هـ/ ١٨٦٤ م.
وتم نظم الكتاب شعرًا على يد أحمد ابن محمود الطوسى القانِعى وهو معاصر لجلال الدين الرومى فى قونية. والمرجح أنها تعتمد على ترجمة نصر اللَّه وإن لم يشر إلى ذلك إطلاقا. إلا أن هذه الترجمة توارت فى الظل تماما بعد أن تولى واعظ البلاط حسين واعظ كاشِفى (ت ٩١٠ هـ/ ١٥٠٤ م) مراجعة ترجمة نصر اللَّه وسماها "أنوادى سهيلى". ثم كلف الإمبراطور أكبر (١٥٥٦ هـ/ ١٥٧٨ م) وزيره أبا الفضل لإعداد نسخة جديدة من الكتاب وجاءت هذه تحت اسم "عيادى الدانش" فى عام ٩٩٦ هـ/ ١٥٧٨ م. ولم تنشر الترجمة.
٨ - ترجمات تركية: ترجم كتاب ابن المقفع مرتين إلى التركية الشرقية وذلك نقلا عن ترجمة نصر اللَّه فقد
стр. 8504
ترجمت نسخة نصر اللَّه إلى التركية العثمانية القديمة على يد مسعود وبطلب من عمر بك أمير "ايدين" (توفى ٧٤٨ هـ/ ١٣٤٧ م). وقد صيغت هذه الترجمة النثرية شعرا على يد مؤلف مجهول أهدى عمله هذا إلى السلطان مراد الأول (٧٦١ هـ/ ١٣٥٩ م - ٧٩٢ هـ/ ١٣٨٩ م) ولم يصلنا منها سوى نصفها تقريبًا. وتوجد ترجمة بالنثر العثمانى الحديث فى مخطوطة "بواليان" ولابد أنها أنجزت قبل عام ٩٥٥ هـ/ ١٥٤٨ م.
ثم تولى على بن صالح الملقب "بعلى" أو "على شلبى" ترجمة "أنوار سهيلى" إلى العثمانية فى نثر موزون وأهدى هذه الترجمة إلى السلطان سليمان الأول (١٥١٢ - ١٥٢٠ م) بعنوان "همايون نامة" وقد طبعت عدة مرات فى بولاق واستانبول. ومن بين الطبعات الأوربية المختلفة لهمايون نامة تعد الترجمة التى وضعها "جالان" أشهرها، وقد نشرت بعد وفاته (باريس ١٧٢٤) وطبعت عدة مرات. وترجمت إلى الألمانية والدانمركية والمجرية والسويسرية والمالاوية والجاوية (نثرا وشعرا). بل إن هذه الترجمة الجاوية -التى بلغت مستوى رفيعا من البلاغة جعلها تتفوق حتى على الأصل الفارسى- أغرت المفتى يحيى أفندى وعثمان زادة (ت ١١٣٩ هـ/ ١٧٢٠ م حين كان قاضيا بالقاهرة). بإعداد مقتطفات منها.
وترجم كتاب ابن المقفع من العربية إلى التركية قَزَن على يد عبد العلَّام قيظ خان أوغلو، وطبع عام ١٨٨٩ م.
٩ - الترجمة المنغولية: لم تصل إلينا الترجمة المنغولية التى أعدها فى قزوين هالك افتخار الدين محمد بن أبى نصر من ذرية محمد بكرى.
١٠ - الترجمة الأثيوبية: كذلك ضاعت ترجمة أثيوبية كان من المؤكد أنها وضعت لنص عربى بقلم ابن المقفع وذاع فى مصر.
١١ - ترجمة عبرية وترجمات أوربية قديمة: فى بداية القرن الثانى عشر الميلادى تولى شخص يدعى
стр. 8505
"دابى جوئيل" ترجمة نص ابن المقفع إلى اللغة العبرية، ثم نقل هذه الترجمة من العبرية إلى اللاتينية اليهودى جون كابوا من أجل الكاردينال أورسينوس بين عامى ١٢٩٣ - ١٢٧٨ م، وكل الترجمات إلى اللغات الأوربية الغربية التى جاءت فى وقت لاحق صدرت عن النص اللاتينى الذى وضعه جون كابوا، فيما عدا الترجمة إلى اللغة الإسبانية القديمة فقد صدرت عن النص الذى وضعه رابى جوئيل.
١٢ - الترجمة اليونانية: عندما شارف القرن الحادى عشر على نهايته ترجم سيميون -وهو ابن ست- نص ابن المقفع إلى اليونانية المرسلة ونقلت هذه الترجمة بدورها إلى اللاتينية والألمانية فضلا عن اللغات السلاية.
١٣ - الترجمة الفارسية: نقلت مرة أخرى إلى الفارسية تلك الترجمة الأخيرة التى ترجمت نص ابن المقفع إلى السنسكريتية، والمرجح أن يكون ذلك قد تم فى عهد "أكبر" على يد شخص يدعى تاج الدين وحملت عنوان "مفرح القلوب". وقد نقل هذا العمل إلى اللغة الهندوستانية على يد "رمير بَهَادور على حسين" المؤلف الهندوستانى المرموق (١٢١٧ هـ/ ١٨٠٢ م).
١٤ - الترجمة إلى الملاوية القديمة: تقوم هذه الترجمة على نص مختلط يجمع بين نص ابن المقفع والنص الهندوستانى لـ "بَنْتكِتنترا". وقد نقلت هذه الترجمة بعد ذلك إلى اللغة الجاوية والمدودية.
١٥ - ضروب من المحاكاة لكليلة ودمنة: إذا نحينا جانبا حكايات ألف ليلة وليلة فسوف نجد أن هناك ثلاث محاولات -فى الآداب الإسلامية- لمحاكاة نص ابن المقفع. فقد حذا حذوه فى طريقة النظم كل من ابن الهبارية فى كتابه "الصارح الباغم" (طبع فى القاهرة عام ١٢٩٤ م). ومحمد بن عبد اللَّه ابن ظَفَر الصقلى (ت ٥٦٥ هـ/ ١١٦٩ م أو ٥٦٨ هـ/ ١١٧٢ م) فى كتابه "سلوان المطاع" الذى كتبه أول الأمر
стр. 8506
فى ٥٤٥ هـ/ ١١٥٠ م ثم اهدى نسخة جديدة لقائد صقلية أبى عبد اللَّه محمد الكُرَشى بهدف أن يكون [أُنْسا للأمراء] على نحو ما كان كليلة ودمنة. واشتمل الكتاب على حكايات تاريخية إلى جانب الحكايات على ألسنة الحيوان. وقد طبع على الحجر فى القاهرة عام ١٢٧٨ م، وفى تونس عام ١٢٧٩، وفى بيروت عام ١٣٠٠، وترجمه إلى التركية، "قرا خليل زادة" (ت ١١٦٨ هـ/ ١٧٥٤ م) وطبع فى استانبول عام ١٢٨٥ وترجمه إلى الإيطالية "م. أمادى" حيث طبعت ترجمته عامى ١٨٥١، ١٨٨٢ م.
ثمة نص آخر ألفه "إذبَهْبذَ مرزُبات" أمير طبرستان بلغة فارسية عامية فى نهاية القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى. ولم يصلنا هذا النص ولكنه ترجم مرتين فى القرنين السادس الهجرى/ الثانى عشر م والسابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى وذلك فى بلاط سلجوق آسيا الصغرى "سليمان شاه" على يد وزيره محمود بن غازى من ملطيه وسماه "روضة العقول" وهو فى مخطوطين فى ليدن وباريس.
أما "مرزُبان نامة" لسعد الدين ابن ورادينى فقد وضعت بين عامى ٦٠٧ هـ/ ١٢١٠ م و ٦٢٢ هـ/ ١٢٢٥ م. وحظيت بشعبية أكبر. ثم ترجمت إلى التركية العثمانية على يد مؤلف مجهول، وقد نقلت هذه الترجمة إلى العربية مرة أخرى على يد مجهول أيضًا. وثمة ترجمة عربية أخرى صدرت عن هذه الترجمة التركية قام بها ابن عرب شاه وطبعت على الحجر فى القاهرة ١٢٧٨ وقد أعاد نفس المؤلف كتابة الكتاب بأسلوب نثرى متكلف بعنوان "فاكهة الخلفاء ومفاخرة الظرفاء" وأضاف إليه حكايات جديدة.
١٦ - كليلة ودمنة فى الفن الإسلامى: كان كتاب كليلة ودمنة من الكتب التى ألهمت الفنانين المسلمين سواء فى المدارس الإيرانية -قبل المغول وبعدهم- أو مدارس بغداد، وهناك رسالة علمية تناولت هذا الموضوع بالدراسة (غير منشورة) كتبها م. محرز - القاهرة عام ١٩٤٦ م.
المصادر: وردت فى المتن.
سعيد عبد المحسن [ك. بروكلمان C. Brockelmann]
стр. 8507
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«كنانة - الماء»
[الجزء الثامن والعشرين]
стр. 8508
كنانة
كنانة بن خزيمة، قبيلة عربية تنتمى إلى أسد بن خزيمة، كانت أرضها فيما حول مكة وتمتد من تهامة فى الجنوب الغربى من مساكن بنى هذيل إلى الشمال الشرقى حيث تشرف على أسد، وهناك ما لا يقل عن ست بطون لكنانة هى النضر (أو قيس) جد قريش التى كانت قبيلة مستقلة بذاتها، وبطن مالك وملكان وعامر وعمرو وعبد مناة، وقد انقسمت البطن الأخيرة إلى أفخاذ، وكان بكر بن عبد مناة من العشائر القديمة ومنها مدلج والدُّئيل وليث وضمرة التى تسمى أحيانًا بغفار بن عبد مناة، ثم هناك الحارث بن عبد مناة التى كانت القسم الرئيسى من الأحابيش الذين يرجح أنهم مجموعة من الأسرات الصغيرة ولكنها لا ترجع إلى جد مشترك (ومنهم عضل والقارة والديش وكلها من بنى الهون بن خزيمة وقد يجتمعون مع المصطلق الخزاعى وأحيانًا مع بنى لحيان الهذيليين.
تاريخ كنانة: كان فِهْر الجد الأكبر لكل قريش يعتبر شيخ كنانة حينما تغلبوا على إحدى الجماعات الحميرية، وقد وجد قصى معونة من كنانة له فى صراعه الذى انتهى بأن صار صاحب الأمر فى مكة، ثم تدعم مركزه بالتحكيم الذى أشرف عليه يعمر بن عوف الليثى على الرغم من أن معظم بنى بكر بن عبد مناة عارضوا قيسًا، وما نجم عن حرب الفجار ويوم نخلة الذى يرجع إلى قتل البراء بن قيس رجلًا من كلاب، وعلى أية حال فإن كنانة (ومعها بكر) وقفت إلى جانب قريش ضد هوازن، غير أن نفرًا من بكر استمروا فى معارضتهم لقريش لاسيما بعد مقتل شيخ بنى بكر فى الثأر لفتى من قريش، ولقد وقفت بكر إلى جانب محمد [ ﷺ ] ثم كانت الغارة البكرية على خزاعة وهم أنصار محمد التى أدت إلى فتح مكة سنة ٦٣٠ م، وكان رجال النبى [ ﷺ ] فى هذه المناسبة رجال من غفار وضمرة وليث، ثم لا نعود نسمع شيئًا بعد ذلك عن تحركات من جانب كنانة، إلا أننا نعرف رجلًا من أبرز رجال هذه القبيلة وهو أبو الأسود الدؤلى كان من أصحاب على بن أبى طالب وإن لم يكن من الصواب قولهم
стр. 8509
إنه واضع أسس النحو العربى، على أن الطبرى يشير فى سنة ٦٣٠ م إلى رجال من كنانة كانوا لا يزالون يعيشون قرب مكة، ولكن لم يكن لهم بأس ولا قوة. كذلك نرى رجالًا منهم فى حوران. حتى إذا كان القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) نراهم فى صعيد مصر وفى غربى الدلتا.
راجع فى ذلك ابن هشام وصبح الأعشى للقلقشندى، ونهاية الأرب له أيضًا ومعجم البلدان لياقوت.
المصادر: وردت فى المتن.
مها سيد معبد [و. م. واتخ Watkh]
كناية
مصطلح فى علم البيان يطلق على لفظ أريد به لازم معناه أى يُستبدل بلفظ آخر تربطه به علاقة منطقية من حيث الاشتقاق، ينطوى اللفظ على ضرب من الستر كما هو الشأن فى لفظ "كُنية" المشتقة من "كناية" فى رأى بعض النحويين ومنهم المبرد (الكامل ٦٧٧) والكناية ضرب من ضروب الاستعارة ولكنها تتميز عن "المجاز" فى أنه -أى المجاز- لا يفهم إلا من حيث هو تشبيه كقولنا رعينا الغَيْثَ (أى روينا بالمطر) فالغيث هنا لا تعنى سوى الحشائش التى نبتت بعد نزول المطر- ويرى بعض النحويين أن الكناية تشمل ضروبا مختلفة من تعريض وتلويح ورمز وإيماء وإشارة. ولكن هذا ليس صحيحًا لأنه يتعين على السامع حين يكون الجمع بين معنى الحرف الأصلى والمعنى المجازى واردا أن يبذل جهدا بخياله لفهم المعنى الحقيقى سواء أكان حرفيا أصليا أم مجازيا، وإلا أصم أذنيه عنه. وبصفة عامة يرى ابن الأثير أن الكناية عبارة عن لفظ أو مجموعة ألفاظ يمكن تفسير معناها حرفيا أو مجازيا وتحل محل كلمات أخرى لدواعى الأسلوب، إما مراعاة للاحتشام أو لتجنب ما يصدم الشعور أو ينذر بالشؤم. على أن تكون العلاقة لازمة بين المعنى الحرفى والمعنى المجازى أى بين الكناية والمكنى عنه -ونلاحظ أن السكّاكى يميز بين ثلاثة أنواع:
стр. 8510
١ - التمتيل كأن نقول "نقى الثوب" ونعنى نقاء مسلكه وبعده عن العيب.
٢ - الارداف أى أن نأتى بلفظ هو رِدْف اللفظ الأصلى وتابع له، كأن نقول طويل النجاد ونعنى بذلك أنه رفيع المقام -أو نقول "كثير الرماد" كثير القِرَى أو كريم الضيافة لأن كثرة الرماد تعنى ضمنا كثرة النار أى الخشب الذى أوقد وبالتالى كثرة عدد الضيوف.
٣ - المجاورة أو التداعى كأن نقول كأسا أو زجاجة ونعنى بذلك خمرا. وثمة دراسات وأبواب خصصت للكناية وهى حافلة بالاقتباسات من القرآن والحديث النبوى والتى يمكن تفسيرها على أنها كناية -فيقول القرآن ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (سورة المدثر - ٤) نجد أن كلمة ثياب قد تكون كناية عن النفس أو السلوك. . . الخ ولابد للفقهاء أن يأخذوا فى اعتبارهم تأويل الكناية عند تناوليهم آيات تتعلق بالشريعة، كما هو الحال فى قوله تعالى: ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فنرى الجاحظ فى كتابه البخلاء والحيوان يعتبر النعجة رمزًا للزوجة، أو فى قوله تعالى: ﴿. . . أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ. . .﴾، فالغائط تعنى المرحاض أو الغائط إذن يلزم الاغتسال. وكلمة لمس قد تعنى المعنى الحرفى لها وهى مس وقد تعنى مجازًا ممارسة الجنس، إن المقصود بالكناية هنا -على حد قول الثعالبى "تحسين القبيح" وهناك أمثلة أخرى تستخدم فيها الكناية بهدف الدقة فى التعبير.
راجع فى هذا (قدامة: نقد الشعر، والمبرد الكامل، ابن رشيق: العمدة).
سعيد عبد المحسن [ش. بيلات Ch. Pellai]
كندة
كندة من قبائل جنوب شبه الجزيرة العربية انتشرت هذه القبيلة فى كافة أرجاء بلاد العرب فى القرنين الخامس والسادس الميلاديين، ولعبت دورًا فعّالًا فى تاريخ شبه الجزيرة قبل ظهور الإسلام، وكان لها تأثيرها الحربى والسياسى والثقافى.
وفى ذلك العصر برز منها حُجر الملقب بآكل المرار الذى استطاع أن
следующие страницы →