← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

ذائع الصيت من القبيلة نفسها (٢٧، ٣٧، انظر Orins، ٧، ٣٠٢) والراجح أن ذلك حدث فى أوائل العشرينيات. وقد كان الأعشى نصرانيا كما يتبين من الأشعار ١، ٧، ٣، ٣٢، ٥٤، ٥، ٦٢ - ٦٤، ١٣، ٦٩، ٣٤، ١٣. وقد تعلم الأعشى فى الحيرة حيث كان المأثور من الأساطير والشعر أوسع نطاقًا من مأثور أى قبيلة أخرى بالذات، وأسلوبه بلاغى، وفى بعض الأحيان متكلف (وخاصة فى القصيدة رقم ١)، ويتصل بهذا إثاره لوقع اللفظ وللكلمات الدخيلة (الفارسية) الطنانة، وكذلك حبه للخواتيم المؤثرة فى النفس، ونجده أحيانا يتناول موضوعات القصيدة التقليدية تناول المتحكم الذى لا يبالى. وهو شغوف بضروب مختلفة من التورية، مثال ذلك أنه فى عبارة "حريرة ودع" ١، ٩) يهئ الأذهان لتكرار الموضوع فى قصيدة ٦ باللجوء إلى إدخال الشعار فيها وحسب. وثناؤه على مكة ومدحه زعماء غطفان (٢٠، ٢٧ - ٣٧) اللذان لا يحملان أى معنى فيما يظهر إذا تجاوز هذا الغرض، يدلان على تنقلات الأعشى الذى كانت لديه فى الحالين أسباب وجيهة لتحاشى موطنه. وتفصح الأبيات الأولى من المكان الذى تصادم فيه مع جهنام، وتكشف الأبيات الثانية عن عزمه على المضى فى خصومة زبان الذى اسقطه من مديحه فى زعماء غطفان. والظاهر أن الأثر المباشر للشاعر قد اقتصر على تلاميذه (النصارى) ومزيفى شعره المجهولين الذين كانوا يعولون على الحصول على رعاية الأشعث. وتشمل آثارهم جل الجزء الثانى من ديوانه (رقم ٥٢ - ٨٢) وإن كان الجزء الأول أيضا يشمل كثيرًا من الأشعار المشكوك فى صحة نسبتها إليه. المصادر: (١) ديوان الأعشى، طبعة Geyger (سلسة التذكارية، المجموعة الجديدة، جـ ٦) لندن سنة ١٩٢٨ م. (٢) بروكلمان، ٣٧ G، رقم ١، ص ٦٥ - ٦٧. (٣) محمد بن سلام: الطبقات، ص ١٨. (٤) , Oriens: Caskel ٧، ص ٣٠٢. خورشيد [كاسكل W.Caskel]

стр. 877

أعيان جمع "عين" بمعنى "السيّد"؛ وتستعمل فى كثير من الأحيان بمعنى الشخص البارز فى عهد الخلافة وفى عهد غيرها من النظم الإسلامية (انظر الكتاب المشهور "وفيات الأعيان " لابن خَلَّكان). ونشأ من استعمال "أعيان" أول الأمر بمدلول يقتصر على أبرز السكان فى مركز من المراكز أو حى من أحياء مدينة أن هذا المصطلح الذى غلب استعماله بالمفرد قد اكتسب فى عهد الحكم العثمانى معنى أكثر تحديدًا، فقد أصبح يطلق فى القرن الثامن عشر الميلادى على أولئك الأفراد من الأعيان الذين كانوا يمارسون لأول مرة نفوذًا سياسيا وكان لهم كيان وظيفى. وثمة عامل من عوامل تسنم هؤلاء لهذا النفوذ هو استحداث الباب العالى فى القرن السابع عشر الميلادى لمزارع "المالكانه" الالتزامية أى المزارع التى تؤجر لملتزميها مدى حياتهم، ذلك أن كثيرًا من هذه المزارع قد التزم بها مثل هؤلاء الأعيان المحليين الذين لم تقتصر فائدتهم منها على انتعاش حالتهم المالية بل تجاوزت هذه الفائدة إلى حد السيطرة الفعلية على المراكز التى تنتسب إليها هذه المزارع. وأثناء الحرب بين الروس والعثمانيين سنة ١٧٦٧ - ١٧٧٤ كان معظم اعتماد الباب العالى على الأعيان فى جميع أرجاء البلاد فى رصد الاعتمادات للجيش وتزويده بالمجندين. وقد اعترف بهم رسميًا فى حينه ممثلين مختارين للشعب أمام الحكومة، وزوّدهم ولاة الأقاليم بوثائق عرفت باسم "أعيانلق بيوريلديسى" لقاء أداء رسم هو الـ "أعيانيه ". وقد نقل هذا الاختصاص فى التعيين من الولاة إلى الصدر الأعظم سنة ١٧٧٩، وكان الولاة قد أساءوا استخدام هذا الحق. وتقرر سنة ١٧٨٦ إلغاء نظام الـ "أعيانلق" إلغاء تامًا. فلما شبت الحرب مرة أخرى فى السنة التالية، ألفى الباب العالى نفسه عاجزًا -كما حدث من قبل- عن الاستغناء عن عون هؤلاء الأعيان المحليين. ومن ثم أحييت "الأعيانلق" فى

стр. 878

حينه. وقد ظهر كثير من الأعيان فى الروملّى والأناضول إبان حكم سليم الثالث ومصطفى الرابع ومحمود الثانى، وكان لهم شأن فى شئون الدولة العثمانية يشبه كل الشبه شان الديره بكيه ذلك أنهم كانوا يتحدّون الباب العالى مددًا طويلة ويحكمون المراكز التى بسطوا عليها سلطانهم حكما مستقلا فى الواقع، ولو أنهم كانوا فى كثير من الأحيان يزودون الجيش العثمانى بالمجندين فى حالة الحرب. وربما كان أشهر هؤلاء باسوان اوغلى (وقد كان ابن عين من الأعيان وإن لم يكن هو نفسه من الأعيان بالمعنى الدقيق للفظ) والبيرقدار مصطفى باشا (وكان قد أصبح من الأعيان فى مستهل حياته العملية) واسماعيل بك السيروزى وكان جل هم السلطان محمود الثانى فى النصف الأول من حكمه منصرفًا إلى فل نفوذ الأعيان وبكوات ديره فى الولايات. المصادر: (١) إسلام أنسيكلوبيدياسى، هذه المادة بقلم أ. حقى أوزون جارشيلى. (٢) Tableau de: Mouradiea d' ohsson l'Empire Ottoman جـ ٧، ص ٢٨٦. (٣) أحمد جودت: تاريخ، جـ ١٠، ص ٨٧، ١١٦ - ١١٨، ١٤٧ و ١٩١، ١٩٤، ١٩٧، ٢٠٩، ٢١٦. (٤) لطفى: تاريخ، جـ ١ ص ١١ - ١٢. (٥) مصطفى نورى: نتائج الوقوعات، جـ ٣، ص ٧٤؛ جـ ٤، ص ٣٥ - ٣٦، ٤٢، ٧١ - ٧٢، ٩٨ - ٩٩. (٦) أحمد راسم: عثمانلى تاريخى، جـ ٣، ص ١٠٢٩؛ جـ ٤، ص ١٦٦٣ - ١٦٦٤، ١٧١٤. (٧) عثمان نورى: مجلة أمور بلديَّة، جـ ١، إستانبول سنة ١٩٢٢، ص ١٦٥٤ وما بعدها. (٨) Moustafa Pasha: A.F.Miller Bayraktar. (٩) -Ottomans - Kaya Imperia v Na chale XIX vxeka موسكو سنة ١٩٤٧، ص ٣٦٣ - ٣٦٥. (١٠) أ. حقى أوزون جارشيلى: عالمدار مصطفى باشا، إستانبول سنة ١٩٤٢، ص ٢ - ٧.

стр. 879

(١١) Islam-: H.A.R Gibb & H.Bowen is Society and the West . أكسفورد سنة ١٩٥٠، جـ ١، الفهرس خورشيد [بووِن H. Bowen] أغا ومعناها فى اللغة التركية الشرقية الأخ الأكبر، وعند قبيلة ياقوت "أكا" معناها أب (Jnxcrintinac de: V. Thomsen dechifrees I'Orkhon ص ٩٨ س ١٧ - ١٨، أكا) ومنها كيبلكر أغاسى ومعناها الجد أو العم، وفى لهجة الجواش معناها الأخت الكبرى. ومعنى أغا فى التركية العثمانية الرئيس أو الشيخ أو السيد، ويحمل هذا اللقب الآن صغار الضباط إلى رتبة نقيب وكذلك يطلق لقب أغا على خصيان القصر السلطانى. وكان يمنح فيما سبق للضباط العظام. وكان عدد الـ "ركاب أغالرى" -وهم الضباط الذين يسيرون فى ركاب السلطان- ستة وهم: "بستانجى باشى"، ورئيس الإصطبلات، ورئيس الحجاب .. الخ. وكان أغا قره قولاق -وهو من ضباط الحرس- فى خدمة أغا الإنكشارية، وكان يراقب من برج مرتفع أحياء الآستانة المختلفة، ففى حالة شبوب النار مثلا فى جهة من الجهات يسرع باستطلاع الخبر ثم يبادر بإبلاغه إلى السلطان. وكان أغوات القصر ينقسمون إلى سود يطلق عليهم "قره أغالر" وبيض يطلق عليهم "آق اغالر"، ولا وجود الآن إلا للأغوات السود ويسمى رئيسهم "قيزلر" أغاسى ومعناها "أغا البنات " ويلقب بصاحب السعادة ورتبته تلى الصدر الأعظم، وشيخ الإسلام. وكان رئيس الأغوات البيض يسمى فيما مضى "قيواغا". أما أغا الإنكشارية "يكى جرى أغاسى" فكان قائد هذا الجيش، وكانت له الأسبقية على جميع الضباط وكذلك على وزراء الدولة. وفى عهد المغول أطلق هذا اللقب أيضا على أميرات البيت المالك (Hist. des Mongols: Quatrembre ص ٣٠٩، ص ٤٠) ويكتب الفرس هذه الكلمة "آقا" وينطقونها عادة "آغا" كما

стр. 880

كان يفعل الأتراك العثمانيون (Seyyid Ali-Mohammed: A.L.M Nicalas dit le Rab. باريس سنة ١٩٠٥، ص ١٦١, تعليق ١٢٥). المصادر: (١) Versuch eines Wor-: W. Radloff terb . جـ ١، ص ١٣٤. (٢) Etymolog Worterb.: H.Vambery d.turko - tatar Sprachen، ص ٦. (٣) Diction.: Barbier de Meynard turc Francais، جـ ١، ص ٧٤. (٤) Tableau de l,empire: D,Ohsson Ottoman جـ ٧، ص ١٤ وما بعدها، ص ٥٤ وما بعدها، ص ٣١٣ - ٣٥٣ [إيوار Cl. Huart] + أغا: كلمة استعملت بعامة فى اللغة التركية الشرقية بمعنى "الأخ الأكبر" وهى تقابل فى بعض الأحيان "إينى" أى "الأخ الأصغر". ولكن "آكا" فى لهجة قبيلة ياقوت تدل على "الأب " (انظر V.Thomsen: -In Dechifreec l.Orkhon scriptions de، ص ٩٨ "آقا")، وفى كيبل كرأغاسى تدل على الأب والعم؛ وفى لغة الجواش بمعنى الأخت الكبرى. أما عند المغول فقد ظهرت هذه الكلمة من قبل مستعملة لقبا من ألقاب التشريف، وذلك أن أميرات الأسرة الإمبراطورية كن يلقبن بها (انظر Histoire des Mon-: Quatreme gols، ٣٩ - ٤١) . وأغا فى التركية العثمانية "وتنطق عادة "آئا" بل "آ") معناها "الرئيس" و"السيد" وتدل فى بعض الأحيان على (مالك الأرض)؛ وهى تطلق أيضا على رئيس الخدم فى منزل وترد مقرونة بكثير من الكلمات مثل: "جارشى أغاسى" (مفتش السوق) و"خان أغاسى" (رب الخان) و"كوى أغاسى" (شيخ القرية) و"أغا بك" (الأخ الأكبر -انظر ما سبق- أو الأكبر مقامًا أو سنًا). وأغا، من حيث هى لقب، ظلت تطلق حتى عهد الإصلاح -بل بعد ذلك فى بعض الأحيان- على أشخاص كثيرين

стр. 881

متفاوتى الشأن فى خدمة الحكومة، وكان هؤلاء فى الغالب يشغلون وظائف ذات صبغة عسكرية أو قل إنهم كانوا على الأقل فى وظائف غير وظائف أمناء السر، فيقابلون بذلك الأفندى خاصة. وكان أشهر الأغوات من هذا القبيل هم أغوات الإنكشارية "يكى جرى أغاسى" ومعظم ضباط الجيش القائم الذى يقابله الجيش الإقطاعى؛ والأوزنكى أو الر كاب أغالرى، وأغلبية الضباط العاملين فى خدمة القصر السلطانى فى داخله وفى خارجه. على أن كخيا (كتخدا) الصدر الأعظم كان يلقب أيضًا بلقب أغا، دهان كانت واجباته إدارية وكتابية بحتة، ومن ثم فإن كلمة أفندى كانت تضاف فى حالته عادة إلى لقب أغا فكان يسمى "أغا أفنديمز". وهكذا كان شأن رؤساء الخصيان العاملين فى القصر السلطانى فكان يطلق عليهم "باب السعادت أغاسى". أو"قابى أغاسى" (أى الأغوات البيض)، و"دار السعادت أغاسى" أو"قيزلر أغاسى" (أى) الأغوات السود"، وكذلك الأغوات الذين فى خدمة "والدة سلطان" وأميرات البيت المالك. ومن ثم جرت الحال بأن يعرف الخصيان الذين يستخدمهم عمال الدولة أو أهل اليسار باسم "حريم أو خادم أغالرى" حتى أصبحت كلمة أغا وحدها تدل فى بعض الأحيان على "الخصى". ولما أبطل نظام الإنكشارية وأنشأ السلطان محمود الثانى "العساكر المنصورة"، جرت العادة بأن يلقب بلقب "أغا" الضباط الأميون حتى رتبة القائمقام وأن يلقب الضباط المتعلمون الذين يساوونهم فى الرتبة بلقب أفندى. وظل هذا العرف جاريا بين الناس حتى زوال الحكم العثمانى. وكان يوجد حتى إقامة الدستور رتبة عسكرية بين اليوزباشى والبكباشى تسمى "قول أغاسى (أى قائد جناح). وأغا -التى ترسم فى كثير من الأحيان "آقا"- تستعمل أيضا فى الفارسية، وهنا تعود الكلمة فى بعض الأحيان إلى مدلولها "الخصى" كما فى حالة أول ملوك القاجار بخاصة آغا محمد شاه.

стр. 882

المصادر: (١) Versuch eines War-: Radloff " terbuch d.Turko - Tatar Sprachen , جـ ١، ص ٥ - ٦. (٢) Etymologisches: H. Vambery Worterbusd.٠.Turko ' Tatar sprachen (٣) Dictionnaire: Pavetede Courteille Turec - Oriental، ٢٤. (٤) A Trkish and English: Redhouse Lexicon، سنة ١٩٢١، ١٤٦. (٥) عطا: تاريخ، فى مواضع مختلفة، وخاصة الاقسام المبتدئة بصفحة ٧، ٣٠، ٧٢، ١٣٨، ١٥٧، ١٨٢، ٢٠٥، ٢٠٩، ٢٥٧، ٢٩٠. (٦) Tableau de l'Em-: M. d' Ohsson pire Ottoman جـ ٧، وانظر الفهرس. (٧) إسلام أنسيكلوبيدياسى، مادة أغا. (٨) Gibb & Bowen: Islamic Society، and the West جـ ١، ١، الفهرس خورشيد [بووِن H. Bowen] أفغانستان * (١) جغرافيتها، (٢) أجناسها، (٣) لغاتها، (٤) دينها، (٥) تاريخها.

стр. 883

(١) جغرافيتها القطر الذى يعرف الآن بأفغانستان لم يحمل هذا الاسم إلا منذ منتصف القرن الثامن عشر حين استتبت السيادة فيه للجنس الأفغانى؛ وكان من قبل أقاليم مختلفة تحمل تسميات متمايزة، ولكن القطر لم يكن وحدة سياسية محددة، كما أن أجزاءه لم تكن ترتبط فيما بينها بأى رباط يميزها من حيث الجنس واللغة. وكان المعنى الأول للاسم لا يتعدى مدلوله "بلاد الأفغان"، وهى رقعة من الأرض محدودة لم تكن تضم كثيرًا من أجزاء الدولة الحالية، وإن كانت تشمل أقاليم كبيرة تتمتع الآن باستقلالها أو تدخل فى حدود باكستان. وأفغانستان، فى تكوينها الحالى تحت حكم ملوك من الباركزائى (أمراء فيما سبق)، تتكون من صقع غير منتظم الشكل بين خطى عرض ٢٩ ْ ٣٠ َ و ٣٨ ْ ٣٠ َ درجة شمالا، وبين خطى طول ٦١ ْ و ٧٥ ْ درجة (أو ٧١ ْ ٣٠ َ درجة شرقًا إذا اسقطنا للك الشقة الطويلة من الأرض المعروفة باسم "وَخان").

стр. 884

التكوين الجيولوجى: هذا القطر هو الجزء الشمالى الشرقى من الهضبة الإيرانية الكبيرة (ويحده من الشمال الغور الأسيوى الأوسط، والى الشرق منه تمتد سهول السند والولاية الشمالية الشرقية الباكستان القائمة على الحدود، ويهبط القطر إلى الجنوب والغرب منحدرًا حتى يندمج فى الصقع المنخفض الذى يشغل الجزء الأسط من الهضبة، وهو يتصل من جانبه الجنوبى الشرقى بمجموعة جبال بلوجستان. والحاجز الشمالى من الهضاب هو سلسلة الجبال التى تمتد غربًا من البامير بما فيها حافتها البارزة "بند تركستان " التى يمتد فيها وراءها بسيط من الرمال ورواسب الطمى حتى يبلغ نهر جيحون. وفى الشرق ينحدر القطر انحدارًا فجائيًا نحو نهر السند. ومن ثم فلسوف نرى أن القطر كله، باستثناء سهل التركستان المكون من رواسب الطمى، ينتسب إلى الهضبة، التى هى فى ذاتها تكوين جيولوجى متأخر من العصر الثلاثى قوامه الحجر الرملى والحجر الجيرى. وكان الجزء الشمالى الشرقى من الهضبة فيماسبق جزءًا من محيط كبير يصل غور بحر قزوين بسهول باكستان. والثوران الذى رفع الأرض لا يزال يعمل عمله، ويرى هولدخ أن الخوانق العجيبة فى مبلغ عمقها ترجع إلى أن فعل التآكل فى الأنهار أبطأ من أن يتمشى مع حركة الثوران التى ترفع الأرض. التقسيم السياسى: يتبع التقسيم السياسى للقطر التقسيم الطبيعى. كابل: تشمل ولاية كابل الأودية المرتفعة الخصيبة حول المجارى العليا لأنهار كابل ولو غَر وتكاو ونهر غزنة، كما تشمل الجزء الأسفل من وادى كابل قرب جلال آباد؛ وكانت غزنة (انظر هذه المادة) فيما سبق أهم مدينة فى هذه المنطقة، ولكن كابل حلت محلها فى الأربعمائة السنة الماضية. وقد اعترف بكابل مقرًا للحكم فى عهد أباطرة المغل، واتخذها الملوك الدرّانية قصبة لهم بدلا من قندهار. ومنافستها القديمة يشاور هى المركز الطبيعى للقبائل التى تعيش فى السهول القريبة من نهر السند، ولكنها اقتطعت من أفغانستان منذ أن

стр. 885

انتزعها السيخ سنة ١٨٣٤ م، وأصبحت من سنة ١٨٤٨ م إلى سنة ١٩٤٨ م جزءًا من الهند البريطانية. قندهار: تشمل قندهار الولاية القديمة زمين داور، كما تشمل الوديان السفلى لأنهار هلمند، وترنك، وأرغنداب، وأرغسان، التى هى أهم مواطن الدرّانية. وكانت المدينة الحديثة قندهار القائمة على نهر أرغنداب قصبة الولاية منذ القرن الرابع عشر الميلادى، وقد حلت محل مدن قديمة مثل كرشك وبست. سيستان: هى الكورة الحارة الخصبة الواقعة حول هامون؛ على أن جزءًا كبيرًا منها يتبع فارس؛ وهى لا تشمل على مدن كبيرة. هراة: وتشمل ولاية هراة وادى هرى رود الخصيب والاقليم المكشوف الممتد بين جبال هزاره وحد فارس، كما تشمل جزءًا كبيرًا من هذه الجبال تسكنها قبيلتا هزارة وجهار أيماق. وقصبة الولاية مدينة هراة التى هى من اهم المدائن فى تاريخ الشرق. وبالرغم من أن هذه المدينة قد فقدت مجدها القديم فإنها لا تزال مكانًا هامًا ويجب أن يكون هذا شأنها، ولاشك أنها سوف تنمو نموًا عظيمًا بفضل الأمن وتحسن أسباب المواصلات. وسبزوار أيضًا مدينة مزدهرة فى جنوبى الولاية. هزارستان: هى اقليم قبيلتى هزاره" و"جهار أيماق" الذى يقوم فى الكتلة الجبلية التى يحدها من ناحية الشمال كوه بابا، ويحدها من الغرب إقليم هراة؛ ومن الشرق والجنوب وادى هلمند. وهى البلاد التى عرفت قديمًا باسم غور، والراجح أن خرائب مدينة غور تحدد موقع القصبة القديمة فيروزكوه حيث كان الملوك الغورية يحكمون فى القرن الثانى عشر الميلادى؛ وليس فيها الآن مدينة ذات شأن. تركستان: تعرف البلاد التى تمتد شمال كوه بابا حتى نهر جيحون بالتركستان، وقصبتها القديمة بَلْخ قد فقدت شأنها القديم، أما المراكز الحالية للإدارة فهى مزار شرف و"طاش قورغان" و"ميمنة". بذخشان: يعرف ببَذخْشان الإقليم الذى يقوم شمالى هندوكُش وشرقى

стр. 886

التركستان بمحاذاة الضفة اليسرى لنهر جيحون، ويروى هذا الإقليم نهر "قُنْدز" وروافده. وخان: يقوم أقصى من ذلك شرقًا الوادى الجبلى الطويل المعروف بوَخَان وهو يمتد حتى جبال بامير. نورستان: منطقة جبلية من هندوكش تقوم شمالى وادى كابل وغربى كونر ويسكنها الكافرية، وقد عرفت هذه المنطقة بكافرستان، ولكن اسمها تعدل إلى نورستان بعد غزوة عبدالرحمن خان سنة ١٨٩٧ م. (٢) أجناسها ينقسم سكان أفغانستان إلى المجموعات الرئيسية التالية: (١) الأفغان، (٢) التاجيك والإيرانيين، (٣) المغول الترك، (٤) سكان هندوكش الهنديين الآريين. (١) الأفغان: انظر المادة السابقة. (٢) التاجيك: وهو الاسم العام لسكان أفغانستان الذين يتحدثون باللغة الفارسية، ويطلق عليهم أيضًا "الدهكانية"و"الدهوارية" فى الشرق والجنوب، وهم قرويون؛ وكذلك يتكلم الفارسية سكان معظم المدن. وليس للتاجيك نظام قبلى، إلا فى بعض أصقاع قاصية، والتاجيك فى القرى مستأجرون للأرض مسالمون. وهم فى هراة وسجستان امتداد مباشر لفرس بلاد فارس، أما فى شمالى أفغانستان (من مَيْمَنَة إلى بَذَخْشان) فإنهم يتصلون بتاجيك الاتحاد السوفيتى. ويشغلون فى جنوبى شرق أفغانستان بعضًا من أخصب الكور الزراعية حول منطقة غزنة وفى إقليم كابل (كوه دامن وبنجشير وغيرهما). وهم من حيث علم الجنس الإنسانى مختلطون أشد الاختلاط، على أن تاجيك بذخشان من سكان التلال وتاجيك شمالى أفغانستان هم بصفة عامة من الجنس الألبى. والراجح أن كثيرًا من التاجيك جنوبى هندوكش ينتمون إلى الجنس الإيرانى الأفغانى. ومع ذلك فإن بعض تاجيك بذخشان من سكان التلال لا يزالون يحتفظون بلغاتهم الإيرانية القديمة. ويصدق هذا على البراجية شمالى كابل والأورْمُرِئة فى وادى لوكر. وقد انحدر

стр. 887

القزلباش من الترك الفرس الذين أسكنهم نادر كابل وهراة. (٣) القبائل التركية والمغولية: تكوّن القبائل التركية فى شمالى أفغانستان فريقًا هامًا - أو قل مسيطرًا - من السكان؛ وقد استقر معظم الأوزبكية فى القرى والمدن، وقد قدّر جارنك - Jar ring عددهم بخمسمائة ألف نسمة تقريبًا. وإلى الغرب منهم، بين أندخوى وبالا مرغاب، نجد البدو التركمان وخاصة إلى "إرسرّية" (ويرتفع عددهم فيما يقدر إلى ٢٠٠.٠٠٠ نسمة). ويعيش فى يامير الأفغانية حوالى ٣٠٠.٠٠٠ نسمة من البدو القرغيز. وتمثل بعض القبائل التركية الأخرى أيضًا فى أفغانستان. وأغلب الظن أن الأتراك النازلين فى كوهستان [فوهستان] وكوه دامن شمالى كابل قد تخلوا الآن عن لغتهم القومية. وفى الكتلة الجبلية الوسطى -من غزنة إلى هراة ومن شمالى باميان إلى منتصف هلمند- تسكن قبائل من أصل أو جنس مغولى أو تركى مختلط، وتنتشر هذه القبئل حتى تدخل فى فارس أيضا. والجزء الشرقى من هذا الصقع هو موطن الهزارية أو "البربرية". وهم يتشعبون عدة قبائل: الداى -كُندى، والداى- زنكى، والجاغُرِى وغيرها. وقد استقر الهزارية فى القرَى، وسكن زعماؤهم السابقون ذوو السلطان العظيم فى قلاع النبلاء؛ وهم شيعيون، وكانوا يحتفظون بما يشبه الاستقلال حتى عهد الأمير عبد الرحمن، وقد اتهمهم جيرانهم السنيون بممارسة شعائر "إطفاء المصابيح " المخزية والتسهل فى الآداب الجنسية بصفة عامة. فلما أخضعهم الأمير الأفغانى آخر الأمر سعى كثير منهم إل الالتجاء إلى كَوَطَّة وغيرها من الأماكن خارج أفغانستان. ويشتغل عدد كبير من الهزارية عمالا فى كابل وغيرها من المدن. وفيهم بلا شك سمات من الجنس المغولى ولكنهم فى العادة يتميزون عن الأوزبكية الذين تزداد وجوههم فلطحة عن الهزارية. وأقصى من ذلك غربًا، على جانبى هرى رود، نجد الجهار أيماق، ومعنى الاسم: القبائل الأربع السنيين، وهو مصطلح يستخدم فيما يظهر بشئ من التساهل

стр. 888

ولكنه يشمل عادة التَيْمَنِيَّة (جنوبى هرى رود) والفيروز كوهية (شمالى هذا النهر) والجمشيدية (كوشك) والتيمورية (غربى هراة فى فارس) والهزارية (قلعة نو)، والراجح أنهم لا يلتبسون بالهزارية الشرقيين؛ ويظن فى كثير من الأحوال أن الهزارية انحدروا من جنود جنكيز خان، على أن الاحتمال الأرجح أن عناصر مغولية، وتركية إلى حد ما، قد احتلت شيئًا فشيئًا الأراضى التى خربها هو وخلفاؤه (انظر Bacon: المصدر المذكور). (٤) الهنود الآريون والكافرية: وأهم القبائل الهندية الأوروبية "الدردية" فى أفغانستان هم البشائية (ويعرفون محليًا أيضًا بالدهكانية) فى كوهستان كابل ولَغْمان ووادى كونر الأسفل. وهم بقايا سكان كابشه ونكرهاره الهنود والبوذيين القدماء. وهناك أيضًا بعض جماعات صغرى من أصل هندى آرى فى إقليم كونر. ويسكن نورستان (كافرستان فيما سبق) عدد من القبائل تتميز لغويًا من الهنود الأوروبيين الأقحاح وقد غزا هؤلاء آخر الأمر عبد الرحمن سنة ١٨٩٦ م، وأدخلوا فى الأسلام، وظل بعض القبائل الدردية أيضا على الوثنية حتى عهود حديثة بعض الحداثة. ويسمى الكافرية الآن النورستانية أو الجديدية أى الداخلون الجدد فى الإسلام. وكانت ديانتهم القديمة شِرْكًا من طراز هندى، وعبادة مجموعة من الآلهة تختلف من قبيلة إلى قبيلة. وليس بين أيدينا شاهد على أنهم من أصل إغريقى كما يقال على سبيل التأكيد فى بعض الأحيان. وكان جيرانهم يقسمونهم إلى "سياه بوش" أى ذوى الأردية السواء (الكاتبة والكامبة) و"سعيد بوش، أى ذوى الأردية البيضاء (الوايكلية والأشكونية والبرسونية والبرونيوية). ويضم الكافرية من حيث الجنس عناصر شرقية ودينارية وشمالية علاوة على جنس قصير ذى رؤوس مستطيلة له صلة بسكان غربى الهمالايا. ونسبة أصحاب الدم الأشقر مرتفعة بين بعض القبائل. وثمة بعض الجاط فى أفغانستان، ويوجد قليل من الكوجرية فى وادى

стр. 889

كونر. أما الهندوس فقد استقروا تجارا ومسلفى نقود فى كابل ومدن أخرى، وزراع حدائق فى كوه دامن شمالى كابل. (٣) اللغات يذكر بابر إحدى عشرة لغة يتحدث بها القوم فى إقليم كابل، وعدد اللغات الحقيقى فى قطر أفغانستان كله أكبر من هذا بكثير. ويتحدث معظم السكان باليشتو أو بالفارسية، وكل منهما لغة إيرانية. اللغات الإيرانية الأخرى: معظم اللهجات الفارسية التى يتحدث بها فى أفغانستان من الشعبة الشرقية التى تحتفظ بالتفرقة بين خاصة المجهول: e و o والمعروف i و u . وتندمج هذه اللهجات بإقليم هراة فى الشعبة الغربية، وتتسم لهجة الهزارية بسمات خاصة بها. أما لهجة البلوجى فهى تجاوز -أو تكاد- الحد إلى الصحراوات الجنوبية. والأورمرية فى وادى لوغر جنوبى كابل فى طريقها إلى الاندثار، ولكن القوم لا يزالون يتحدثون بها فى كانكرام بوزيرستان. وفى شمالى هندوكش بجبال بذخشان، بقيت اللغات المعروفة بلغات يامير أو غلجه على أن من المرجح أنها تنكمش وتحل محلها بالتدرج الفارسية التاجيكية. وهذه اللغات تشمل المُنْجى التى يتحدث بها "يِدْغَه " فى جترال) ولغة وهى التى عفى عليها الزمن فى وَخان (وهى تمتد إلى كلكت وجترال)، والسنكليجى والزيباكى، والإشكاشمى عند ثنية نهر جيحون وفى وادى وردوج الأعلى؛ والشُغْنى، والروشانى فى وادى جيحون شمالى "إشْكاشم". الهندية الآرية والكافرية: ونحن نجد، إلى جانب اللهندا التى يتحدث بها الهنود، عددًا من اللغات واللهجات الهندية الآرية على مشارف نورستان فى شمالى شرق أفغانستان؛ وهى تنتسب إلى الشعبة الدردية من الهندية الآرية، وأهمها البشائى التى لها عدة لهجات تختلف فيما بينها اختلافا واسعا، وهى غنية فى ميدان الشعر الشعبى، ففى وادى كونر لصق حد جترال، يتحدث القوم بالكاور باتى. أما اللغات الكافرية (كاتى، ووايكلى،

стр. 890

وأشكون، وبرسون) فلها مكانة مستقلة بعض الاستقلال، ولاشك أنها انشعبت من الهندية الآرية فيما قبل العهود الفيدية، ولكن هذه اللغات تكتظ الآن بعناصر هندية آرية خالصة. لغات ليست هندية آرية: يتحدث باللهجات التركية الأوزبكية التركمانُ والقرغيزُ فى شمالى أفغانستان. وقد تخلى معظم الهزارية الآن عن لغتهم القديمة، والراجح أن هذا هو الحال بالنسبة للجهار أيماقية. ولكن ماكنزى F. Mackenzie كان لا يزال قادرًا (استنادًا إلى اتصال شخصى) سنة ١٩٥١ م على أن يجمع قوائم بكلمات تشمل كثيرًا من الألفاظ المغولية الأصل من بين الهزارية فى بيهسود والمغول فى شمالى ميمنة. ويقال إن بعض البدو غربى مزار شريف لا يزالون يتحدثون بالعربية، ويصدق هذا أيضًا على بعض العرب فى تاجيكستان. (٤) الدين منذ دخول الكافرية فى الإسلام أصبح جميع سكان أفغانستان تقريبًا من المسلمين، وأغلبيتهم العظمى من أهل السُّنة. أما الشيعة فهم الهزارية والقزلباش وكيانية سيستان (سجستان) وهراة، وقليل من القبائل البطهانية على الحدود (التورية، وبعض بطون من الأوركزائى وبنكش إلى جانب أشراف تراه) وبعض الكوهستانية والبذخشية. والاسماعيلية من هؤلاء هم سكان بذخشان (ويدخل فيها شُغْنان ووَخان وغيرهما) وكثير من بشائية لغمان والوديان المتاخمة، ويطلق البذخشية على أنفسهم لقب الملّائية وعرف البشائية بالعلى إلهية (انظر Guide to Ism: Ivanow، ص ٩). وقد يكون بين البطهانية الشيعة بعدُ أتباع فى الخفاء للزنديق الكبير بايزيد أنصارى. والإسلام على مذهب أهل السنُّة ثابت مكين فى أفغانستان، والشريعة الإسلامية فيها مرعية. ويؤخذ الهنود والشيعة بالتسامح، أما الأحمدية فلا يسمح لهم بدخول البلاد، كما أن بعثات التبشير انمسيحية محرمة، ويقدس الناس أولياء أفغانستان وقبورهم. وكثيرا ما كان للملاوات بين القبائل

стр. 891

البطهانية على الحدود شأن هام فى السياسة المحلية وفى إعلان الجهاد. خورشيد [موركنستيرن G. Morgenstierne] (٥) التاريخ ١ - ما قبل الإسلام إن البقاع التى تعرف الآن بأفغانستان كانت تسكنها قبائل إيرانية أثناء الهجرات الآرية فى الألف الأول والألف الثانى قبل الميلاد، وقد أدخلها قورش فى الإمبراطورية الأكمينية وتنازعها بعد غزوات الإسكندر (انظر Alexander the Great: W. W. Tarn, كمبردج سنة ١٩٤٨ م) أهل بلخ (Bactri) المتأغرقون والفرثيون (انظر The Greeks in Bac-: W. W. Tarn tria and India، كمبردج سنة ١٩٥٢ م). وفى القرن الأول قبل الميلاد حدث تدفق جديد للقبائل الإيرانية تحت زعامة قبيلة يوه تشى الكوشية. والامبراطورية الكوشية - التى بلغت أوج عزها بزعامة كوجولا كادفيسس فى القرن الأول الميلادى وبزعامة كانشكا فى القرن الثانى (انظر- ln History of Cambridge dia، سنة ١٩٣٥ م؛ R .Ghirshman Begram. Recherches archeologiques et historique sur les Kouchans القاهرة سنة ١٩٤٦ م) قد سقطت آخر الأمر فى يد الساسانيين وعلى رأسهم شابور الثانى (سابور)، والراجح أن ذلك حدث فى منتصف القرن الرابع الميلادى. وحدث بُعيد سنة ٣٥٠ م أن وقع ضغط من العناصر المغولية التركية من ناحية الشرق على قبائل يوه تشى التى بقيت فى كاشغريا، فدفع هذه القبائل الى الظهور فى بكتريا (بلخ) يعاونها حلف من قبائل من اصل متقارب تعرف بالجيونية (انظر Les Chi-: R. Ghirshman onites-hephtalites، القاهرة سنة ١٩٤٨ م ص ٦٩ وما بعدها). وسار سابور لملاقاة الغزاة على الرغم من الحرب التى كانت قائمة بينه وبين رومة، ولكنه اضطر إلى التصالح معهم وإسكانهم فى بكتريا وأقاليمها الخارجية لقاء معاونتهم له على الرومان. ولم يلبث كِدَرا ملك يوه تشى - أو "الكوشانيين الصغار" أن مد فتوحه الى جنوبى هندوكش. وضم باروبا ميساد وكندهاره. وإلى وقت هذا التوسع يجب

стр. 892

أن نُرجع قيام قبيلة من الجيونية والزابلية فى غزنة. وقد أدت الجهود التى بذلها كِدَرا لدعم استقلاله إلى صدام جديد مع سابور، وانحاز الجيونية فيه إلى سابور؛ وفقد كدرا مملكته، والراجح أنه فقد حياته. وانتقلت باكتريا إلى أيدى الجيونية المعروفين بالهياطلة نسبة إلى اسم بيتهم الحاكم. وحوالى سنة ٤٠٠ م كانت الأراضى التى إلى الشمال من هندوكش وجنوبيها فى حوزة الهياطلة الجيونية الذين شعبتهم سلسلة الجبال شعبتين، ولو أن الشعبة الجنوبية كانت تعترف بسيادة الشعبة الشمالية، ومع ذلك فقد ظلت الشعبتان على ولاتهما للساسانيين وبقيت هذه التبعية ما بقى البيت الحاكم الفارسى قويا، على أنه ما وافى مستهل القرن الخامس الميلادى حتى استغل الهياطلة المصاعب التى تعانيها فارس فى نضالها مع رومة وفى دفاعها عن ممرات القوقاز ضد الترابرة وحاولوا أن ينفضوا عن كاهلهم هذه التبعية ولم ينالوا من وراء ذلك إلا العودة إلى الخضوع على يد بهرام كور فى نفس الوقت الذى أوقف فيه ملوك كوبتا ضغطهم تجاه الهند. وكان منتصف القرن الخامس الميلادى نقطة تحول فى العلاقات بين فارس والهياطلة. ففى عهد فيروز أحرز الهياطلة سنة ٤٨٤ م نصراً كاد أن يحيلهم من أتباع لإيران إلى سادة لها، وظل الساسانيون يؤدون لهم جزية أكثر من نصف قرن. وإنما حدث حوالى سنة ٥٦٠ م أن ظهر على مسرح الحوادث فى أواسط آسية قوم جدد هم الأتراك الغربيون، فعقد تحالف بينهم وبين كسرى الأول أدى إلى زوال دولة الهياطلة الكبرى (انظر عن علاقاتها مع الساسانيين Christen L,LRAN SOUS: A, Les SasanIDES الطبعة الثانية ١٩٤٤ م). وحذت حذو الهياطلة مملكة زابل، أو مملكة الجيونية الجنوبيين. ففى نهاية القرن الخامس الميلادى حكمت أسرة جديدة البلاد التى إلى الجنوب من هندوكش. وقد قام ملكاها: تورامانا ومهراكولا (حوالى ٥١٥ - ٥٤٤ م) بغزوات واسعة النطاق فى الهند. وكان الملك الثانى منصرفاً إلى عبادة إله

стр. 893

شمسى هو مهره، وقد خلف وراءه ذكرى اضطهادات فظيعة استمرت حتى قضى عليه حلف وطنى هندى. وقد سبق اختفاء مملكة الجيونية الجنوبيين بسنوات قلائل القضاء على سيادة الهياطلة فى البقاع الشمالية. ولما تحطمت هاتان المملكتان ظلت أراضيهما فى يد عدد من الأمراء الصغار أصبح بعضهم أقيالا للساسانيين، وبعضهم أقيالا للأتراك. وقد تمثلت الحالة السياسية لشرقى أفغانستان حوالى منتصف القرن السابع الميلادى وفى وصف الرحلات التى قام بها الجوّاب الصينى هيوون تسانغ، فقد ورد فيه -لأول مرة فى مصدر تاريخى- شعب الأفغان بصيغة "بلاد أبئوكين" الواقعة فى الجزء الشمالى من جبال سليمان (انظر. A In Vieille route de I'Inde de: Foucher Bactres a Tariln جـ ٢، باريس سنة ١٩٤٧ م, ص ٢٣٥، ٢٥٢، تعليق ١٧). وبعد زيارة هيوون تسانغ لها بوقت قصير حطمت أسرة تانغ الحاكمة الصينية الأتراك الغربيين وبسطت سيادتها على الأراضى التى إلى الغرب من بامير. وانقضى قرن كامل (٦٥٩ - ٧٥١ م) ظلت فيه ست عشرة مملكة شمالى هندوكش وجنوبيها تعترف بسلطان الأمبراطور الصينى اعترافاً أقرب إلى الاعتراف الأسمى منه إلى الاعتراف الفعلى. أما الفاتحون العرب الذين اجتاحوا إيران بسرعة شديدة، فقد أوقفوا فى هذا الجزء من أفغانستان لما أبداه آخر الملوك الصغار الباقين من مقاومة عززتها الفق والخلافات التى نشبت بين القبائل الغازية، ولم يحرز الإسلام انتصاره الأخير جنوبى هندوكش إلا فى نهاية القرن التاسع الميلادى. ومهما يكن من شئ فإن عنصر الهياطلة لم يختف دون أن يترك آثارا فى التكوين السلالى لأفغانستان الحديثة، ولايزال يوجد فى بذخشان جماعة مهمة تحمل اسم "هَيطَل" أما عن التاريخ القديم فى جوهره فانظر أيضاً: M. McGovern w: Tge early empires of Central Asia , سنة ١٩٣٩ م. خورشيد [غرشمان R. Ghirshman]

стр. 894

ب - تاريخها الإسلامى حتى قيام الدولة الأفغانية الوطنية: حتى العصر المغولى: الأراضى التى تكون أفغانستان الحديثة كانت تتبع فى الألف السنة الأولى من التاريخ الإسلامى ولايات مختلفة، ومع أن هذه الولايات المجاورة قد جرت عليها فى كثير من الأحيان نفس التقلبات فإنها لم تكن فى أى وقت وحدة مستقلة. وكذلك لم يُقِم الأفغان دولة خاصة بهم حتى أيام ميرويس بعامة، وأيام أحمد شاه درانى بخاصة. وحسبنا هنا أن نلم إلماما وجيزاً بهذا القطر. فى أيام الفتوح الإسلامية لم تلبث الولايات التى كانت تابعة للإمبراطورية الساسانية أن اجتيحت، وقد اخترقت موجة من الفتح سجستان، ولكن المحاولات التى ظلت تبذل خلال القرون الثلاثة الأولى لغزو كابل من هذه القاعدة لم تؤد إلى نتائج باقية حتى قيام الدولة الصفَارية. وقد قاومت ولاية كابل الاصطباغ بالصبغة الإسلامية مدة أطول من سائر الولايات الإسلامية الشرقية، ولم يتحقق هذا تمام التحقيق إلا فى عهد الغزنويين، وفى منتصف القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) انتزع ألب تكين غزنة من حاكمها السابق لَويك، وغزا زابلستان وأقام امارة مستقلة ورثها ابنه إسحق ثم ورثها مولى له هو بلكاتكين، ثم ورثها مولى آخر هو سبكتكين مؤسس الدولة الغزنوية. وكان مقر هذه الدولة فى غزنة، ومن هذه المدينة خرج محمود أعظم الحكام الغزنويين، فى حملاته على بلاد فارس غربا والهند شرقاً. ومع أن الاسم "أفغان" قد ظهر لأول مرة عند المؤرخين حوالى هذا الوقت، فإن البيت الحاكم الغزنوى لم يكن بأى وجه بيتاً أفغانيا قوميا. والراجح أن الجيوش كان معظمها من الأتراك. ولما سار محمود إلى بلخ لقتال الحاكم القره خانى كان جيشه -فى رواية العتبى- يتألف من هنود وخلج وأفغان وغزنويين، والمقصود بالغزنويين بلاشك الإيرانيون التاجيك: فى ولاية غزنة. وفى سنة ٤١٤ هـ (١٠٢٣ م) هاجم محمود أفغانَ سليمان كوه ونهب منازلهم.

стр. 895

وما أشرفت حياة محمود على النهاية حتى كان يحكم ممتلكات واسعة تشمل غربى خراسان وجزءًا من بلاد الجبال وطبرستان. كما يشمل فى الشرق الينجاب كله. وكان نفوذه ناحية الشمال يمتد إلى ما وراء نهر جيحون، بينما يتألف مركز هذه الممتلكات من جميع البلاد التى تعرف حالياً بأفغانستان. وكان لشخصية هذا الفاتح العظيم أثر عميق، فقد أصبح بوجه من الوجوه بطلاً قومياً فى البلاد التى كانت قلب إمبراطوريته. وقد اضطر بهرام شاه (٥١١ - ٥٥٢ هـ = ١١١٨ - ١١٥٧ م) إلى الاعتراف بسيادة السلاجقة؛ ثم ازدادت قوة زعماء الغور شيئًا فشيئًا وطردوا الغزنويين بعد صراعات طويلة. والراجح أن البيت الحاكم الغورى كان من أصل تاجيكى. وقد وقفت الغزوات التى شنها الغز والخوارز مشاهية فى طريق تقدم هذه الأسرة، وبذلك فقد الغوريون سلطانهم فى موطنهم هم، ولكنهم نجحوا فى إقامة امبراطورية فى الهند ورثها مواليهم الأتراك. وقد اضطر جلال الدين منكوبرتى السليل الأخير لبيت الخوارز مشاهية أن ينسحب أمام المغول بقيادة جنكيز خان بعد مقاومة شديدة. المغول والكرت: غزا تولى بن جنكيز هراة وسيستان (سجستان)، وغزا أكداى أيضا بلاد الغور واتخذ منها قاعدة لحملاته فغزا جبال فيروز كوه وغرشستان، كما غزا سهول كرمسير وسيستان. وأطيح بالملوك الغوريين ودمرت فيروز كوه عن آخرها. وبذلك تولك وبعض المعاقل الجبلية بعض المقاومة ولكن بلا جدوى. وكان الأمير محمد الغرشستانى سليل الملوك الغوريين من ناحية الأم - بطلاً من أبطال المقاومة فى الغور. وقد قتل فى حصن أشْير سنة ٦٢٠ هـ (١٢٢٣ م). وكان مؤسسو بيت كرت الحاكم من سلالته، وأدمج الجزء الأكبر من أفغانستان فى الإمبراطورية المغولية. على أن زعيما تركيا فى الشرق هو سيف الدين حسن فرلغ حاول مدة من الزمن الاستيلاء على باميان وغزنة والغور، وربما كان هذا الزعيم تحالف من قبل مع جلال الدين منكوبرتى.

стр. 896

ولا شك انه قد مارس سلطانه سنة ٦٢٢ هـ (١٢٢٥ م) وهى السنة التى ضرب فيها السكة باسم الخليفة الظاهر. وفى سنة ٦٣٦ هـ (١٢٣٨ م) خضع سيف الدين هذا لأكداى ووضع تحت مراقبة "شحنة" مغولى. على أنه طرد عبر وادى كرم إلى الهند، وفى السند حكم هو وابنه ناصر عشرين سنة أخرى. وقد اتخذت غزنة ووادى كرم قاعدة شن منها المغول غاراتهم الأخرى على الهند. ولم نسمع عن الأفغان فى هذه الحركات، وربما كانوا لم يبلغوا بعد شمالا وادى كرم. ولما توفى أكداى قسمت إمبراطورية المغول ووقعت أفغانستان من نصيب إيلخانية فارس. وفى ظل سلطانهم تسنمت السلطة أسرة حاكمة تاجيكية هى الأسرة الكرتية وحكمت الجزء الأكبر من البلاد ما يقرب من مائتى سنة. وكان تيمور هو الذى قضى على دولة الكرت الذين كانوا يملكون آخر جهد بذله العنصر التاجيكى فى الغور وهراة لإقامة دولة مستقلة فى بلادهم. ومن هذا التاريخ حتى قيام الأفغان فى القرن الثامن عشر الميلادى لم تتولَّ الحكم فى أفغانستان أية أسرة وطنية. تيمور والتيمورية: وقد نكبت سجستان بتخريب مروع أثناء غزوة تيمور. ولم للبث كابل وقندهار -وكان قد بدأ يكون لهما شأن- أن أخضعتا وأصبحت البلاد كلها جزءاً من إمبراطورية تيمور. وفى سنة ٨٠٠ هـ (١٣٩٧ م) ولى تيمور وجهه ناحية الشرق وترك حفيده يير محمد والياً على كابل وغزنة وقندهار، وأقطع ابنه مملكة خراسان وقصبتها هراة. وهاجم يير محمد أفغانَ سليمان كوه ثم تقدم إلى الهند. ولما بلغ تيمور خبر المقاومة التى لقيها يير فى مُلْتان سار هو نفسه من أندراب مخترقاً جبال هندوكش ثم انثنى عند لغمان ليهاجم سياه بوش وكافرية كتور. وبعد هذه الحملة أغار على الأفغان المتمردين ثم عبر نهر السند. وقد مر تيمور بـ "بانو" فى سيره خارج البلاد وفى طريق عودته. ومن ثم فالراجح أنه اتخذ طريق "توجى" الذى يخط بلاد الغلزائى والوزيرى. ولم نسمع أن الأفغان كانوا يعملون فى جيشه، ولو أن هذا الجيش كان فيه تاجيك.

стр. 897

ولما توفى تيمور سنة ٨٠٧ هـ (١٤٠٥ م) كان بير محمد يحكم فى كابل. على لم ن خليلاً هو الذى استحوذ على عرش الامبراطورية. وقد انتهت الحرب التى لم عقبت ذلك بقتل بير محمد. ولم يلبث خليل أن أقصى عن العرش وأصبح شاهْرُخ هو الحاكم الأعلى - وكان عهد الذى دام أربعين سنة تقريبا عهد سلام استطاعت فيه البلاد أن تفيق من أعمال التخريب التى حلت بها فى السنوات الأخيرة. وخلف شاهرخ ألغ بك فعبد اللطيف فعبد الله فبابرميرزا، وحكم كل منهم مدة قصيرة، وفى سنة ٨٦١ هـ (١٤٥٦ م) اعتلى العرش أبو سعيد، ولكن مُلك خراسان وأفغانستان كان موضع نزاع بينه وبين حسين بيقرا. وقد هزم حسين سنة ٨٧٠ هـ (١٤٦٥ م)، ولكن أبا سعيد توفى بعد سنتين، ولم ينل خلفه سلطانُ أحمد خراسانَ بحال، وحكم حسين بيقرا بلا منازع من قصبته هراة، حكم خراسان وسيستان وغور وزمين داور. وقد بلغت هراة فى عهدى شاهرخ وحسين بيقرا الطويلين اوج شهرتها قاعدة للشعر والعلم والفن. وفى السنوات الأخيرة من عهد حسين بيقرا هدد حاكم من الشمال سلطان شيبانى وأزابكته النامى، على حين أظهرت الأجزاء الأخرى من أفغانستان ميلا إلى الانقسام إمارات قائمة بذاتها وان كان لا يحكمها امراء من أهلها. ومكن بابر لنفسه فى كابل، واتخذ لقب "بادشاه". وكانت كابل حتى ذلك الوقت تحت حكم أعضاء من البيت التيمورى يتفاوت حظهم من الاستقلال. وكان مقيم بن أرغون قد استولى عليها وشيكا حين ظهر بابر أمامها واحتلها سنة ٩٠١ هـ (١٥٠٥ م). وظلت كابل تحت حكم بابر وخلفائه أباطرة الهند أكثر من مائتى سنة حتى فتحها نادر شاه. بابر، أرغون، الأوزبكية، شاه إسماعيل: وكان قيام أسرة أرغون أعظم من ذلك خطراً على مملكة خراسان. ذلك أن مؤسسها ذا النون بك أرغون سليل الإيلخانية ووالى غور وسيستان قد تلقى أيضاً بعد هزيمة قبيلتى هزارة ونيكودارى إقليمى زابلستان وكومسير. واتخذ ذو النون قندها

стр. 898

رقصبة له واستقل بأمر نفسه وبسط حكمه بمعاونة ابنه شاه بك جنوبا حتى ممر بولان وسيوستان، بل لقد بلغ به الأمر أن غزا هراة سنة ٩٠٤ هـ (١٤٩٨ - ١٤٩٩ م) وجند جيشه من سكان غور وزمين داور وقندهار، ومن التاجيك والأفغان فيما يرجح. وغزا ابنه مقيم كابل كما بينَّا من قبل، وإن كانت غزوته لها لم تدم إلا مدة قصيرة. على أن غزوة شيبانى قد أثبتت زوال سلطان ذى النون بك، فقد قتل فى المعركة الأولى مع الأوزبكية، واحتل شيبلنى هراة سنة ٩١٣ هـ (١٥٩٧ م). وهنالك وقع ابنا ذى النون -شاه بك ومقيم- بين بابر وشيبانى. فقد ادعى بابر، ومعه بعض الحق، أنه وريث إمبراطورية تيمور وتقدم مغيراً على قندهار، على حين تحالف أمراء أرغون على هم القديم شيبانى. وهزمهم بابر واستولى على قندهار، وترك عليها واليا من قبله هو ابنه ناصر ميرزا الذى لم يلبث ان هاجم شيبانى. وكان بابر بشخصه فى طريقه إلى هراة لتنسيق إجراءات الدفاع ضد الأوزبكية مع سلطان حسين، وهنالك سمع بوفاة سلطان حسين، فانضم إلى أبناء سلطان فى حملتهم على المرغاب، ثم زار هراة وعاد شتاءً بالطريق الجبلى إلى كابل، وكانت هذه رحلة لقى فيها وهو وجنوده شدائد عظيمة. عاد بابر إلى كابل سنة ٩١٢ هـ (وائل سنة ١٥٠٧ م) فى غز الوقت المناسب للقضاء على مؤامرة خطيرة أفرخت بين أقربائه. ثم تابع حملته على قندهار فى الصيف، وما وافى شهر جمادى الأولى سنة (سبتمبر سنة ١٥٠٧) حتى كان قد رجع إلى كابل ليجهز لحملة على الهند، وما إن بدأها حتى أعاده على أعقابه الخبر بأن قندهار قد سقطت وأن الأرغوتيين قد أعادهم شيبانى إلى الحكم. وكان بابر عندما بلغه هذا الخبر مشتبكا بالفعل فى حرب مع قبائل جكدلك وننكرهار الأفغانية، وهى قبائل كانت قد استقرت حديثا فى وادى كابل. ولقى بابر مشقة عظيمة فى الثبات فى كابل نفسها، ذلك.

стр. 899

أن سلطانه كان مهددا بفتنة وعصيان. وكان شيبانى وقتذاك مستحوذا على خراسان، وسيداً على قندهار، ولكن سلطانه كان آخذا فى الاضمحلال. وعانت جيوشه بلاء شديدا أثناء حملة شتها على جبال غور, وقد هدده من الغرب ملك محارب آخر هو الشاه اسماعيل مؤسس المملكة الصفوية. وفى سنة ٩١٦ هـ (١٥١٠ م) غزا إسماعيل خراسان وهزم شيبانى وقتل بالقرب من مرو. وانتقلت هراة إلى حوزة إسماعيل وفرضت عليها مبادئ الشيعة باضطهاد شديد. وهنالك تحالف بابر مع إسماعيل واسترد إلى حين أملاكه الوراثية فى آسية الوسطى تاركا مملكة كابل لأخيه ناصر ميرزا. على أن هذا التحالف لم يقابل بالترحيب، وسخر منه الأوزبكية. ولقى بابر هزيمة منكرة بالقرب من غز دوان سنة ٩١٨ هـ (١٥١٢ م) نجا منها بجلده بشق النفس، ولم يجد آخر الأمر بدا من الارتداد منقلبا إلى كابل التى وجدها فى حالة اضطراب شديد، وكان عليه أن يجمد عدة فتن بين جنوده من المغل وبين القبائل الأفغانية، وكان اليوسفزالى قد هبطوا من الجبال إلى وادى بشاور وطردوا أسلافهم الدلازاكية من جبال باجَوْر وسوات. وقد أخمد بابر حركتهم بشدة واسترد باجور بمذبحة عظيمة. وقد اضطر بابر أيضا إلى إخماد فتن نشبت بين الهزارية. ثم صرف همه إلى قندهار حيث كان شاه بك أرغون لايزال مستتبا فى الحكم؛ وحاول عبثا أن يتفاهم مع الشاه إسماعيل واعتقل فى هراة ولكنه هرب من أسره ومضى من وقتها يحاول أن يقيم له مملكة فى السند، وكان قد غزاها بمساعدة بعض القبائل البلوجية سنة ٩١٧ هـ (١٥١١ م)، وقد بذل بابر محاولتين للاستيلاء على قندهار حتى نجح فى ذلك أخيرا سنة ٩٢٨ هـ (١٥٢٢ م)، وعند ذلك نقل شاه بك مقر قيادته إلى شال (كَوَطَّة) صيفا وسيبى شتاءً، ومضى يتابع تنفيذ خططه فى السند، على حين ظلت ولاية قندهار كلها فى يد بابر، وهنالك أحس

стр. 900

بابر بأنه من القوة بحيث يستطيع أن يشرع فى مجموعة من التدابير انتهت بالاطاحة بمملكة الأفغان اللودية فى الهند. وكان دائما يؤثر كابل على سهول الهند، وق دفن بغزنة حيث يقوم عمود شاهدا على قبره. أفغانستان بين إمبراطوريتى المغل والصفويين: ودخلت أفغانستان فى عهد أكثر استقرارا فى ظل سلطان امبراطوريتى الهند وفارس العظيمتين اللتين اقتسمتاها. وقد ظلت هراة وسجستان مع فارس ولو أن أحوالهما ظلت مدة تعكر صفوها الغارات الأوزبكية؛ وبقيت كابل جزءا من امبراطورية المغل على حين كانت قندهار تتبع حينا هذه الأمبراطورية وحينا للك. وأخذ سلطان أباطرة المغل يقتصر شيئاً فشيئاً على جنوبى هندوكش. وإلى الشمال منها استطاع سليمان ميرزا، الذى كان قد أقامه بابر واليا على بذخشان، أن يقيم ما يشبه البيت الحاكم المستقل، وظلت بقية البلاد فى يد الشيبانية، وتوفى إسماعيل سنة ٩٣٠ هـ (١٥٢٤ م) وبابر سنة ٩٣٧ هـ (١٥٣٠ م) وخلف بابر ابنُه همايون وتولى إخوته كامران وهندال وعسكرى أمر ولايات أخرى فقد اتحدت كابل وقندهار مع البنجاب تحت حكم كامران. أما بخصوص الجانب الفارسى فإن طهماسب خليفة اسماعيل كان قد أقام أخاه سام ميرزا واليا على هراة. وكان الصفويون يعدون قندهار اقطاعا ملحقا بمملكة خراسان التى كانت وقتئذ فى حوزتهم؛ ويعتبرون احتلال أباطرة المغل لها اغتصابا. وفى سنة ٩٣١ هـ (١٥٣٥ م) قام سام ميرزا بهجوم مفاجئ عليها، ولكنها قاومته بنجاح، وبعد ثمانية أشهر وصل كامران ورفع عنها الحصار. وفى غيبة سام غزا الأوزبكية بقيادة عبد الله خراسان، واستولى للمرة الثانية على هراة البائسة ونهبت؛ واستردها طهماسب وخلع سام وهاجم بنفسه قندهار وفتحها، ولكن كامران استردها. وفى هذه الأثناء فقد همايون عرشه فى الهند نتيجة لقيام الأفغان السور بقيادة شبرشاه، وفى سنة ٩٥٠ هـ (١٥٤٣ م) اتخذ طريقه من السند مخترقا الصحراء الممتدة جنوبى قندهار حتى بلغ سجستان وفارس

стр. 901

حيث أكرم وفادته الشاه طهماسب. وفى سنة ٩٥٢ هـ (١٥٤٥ م) استطاع بقيادة جيش فارسى أن يضرب الحصار حول قندهار التى كان يرده عنها أخوه عسكرى من قبل كامران، واستولى عليها بعد مقاومة طويلة. وقد نفذ همايون اتفاقه مع طهماسب فسلم المدينة للفرس، ولكن هذا الفعل منه أثار السخط بين أتباعه، فاسترد قندهار آخر الأمر من الفرس وعامل هذه الولاية معاملته جزءا من أملاكه فأغضب ذلك طهماسب غضبا شديدا. ولم يلبث همايون أن استولى على كابل واسترد ابنه الصغير أكبر الذى كان قد بلغ آنئذ الثالثة من عمره. ومضت الحرب بين الأخوة فى السنوات القليلة التالية بلا نتيجة حاسمة. فقد استرد كامران كابل مرتين ولكنه لم يستطع أن يستبقيها طويلا. ويقال إنه أبرز الأمير الصغير أكبر فى إحدى المناسبات مكشوفا على الحصون. ثم قضى بعض الوقت بين قبائل. مهمند وخليل الأفغانية وحرضها على سلب وادى كابل. ثم سلم آخر الأمر لهمايون سنة ٩٦١ هـ (١٥٥٣ م) فسلمت عيناه. وبذلك استولى همايون على مملكته وقندهار وأحس أنه بلغ من القوة ما يستطيع به أن يحاول معاودة غزو الهند، وانتهى ذلك بانتصاره عل ملوك سور ولكنه لم يلبث أن توفى سنة ٩٦٣ هـ (١٥٥٦ م) متأثراً بحادث: وبينما كان الملك الشاب أكبر مشغولاً بإتمام غزو الهند من جديد انتهز طهماسب الفرصة سنة ٩٦٥ هـ (١٥٥٨ م) واستولى قندهار، وظلت تحت الحكم الفارسى حتى سلمها الأمير مظفّر حسين لأكبر بعد ذلك بثمان وثلاثين سنة أى سنة ١٠٠٣ هـ (١٦٢١ م). واستردها الشاه عباس ولكن خلفه الشاه صفى الأول فقدها مرة أخرى، فقد سلمها واليها فى عهده على مروان خان لشاه جهان سنة ١٠٥٨ هـ (١٦٤٨ م) وكذلك أخذت كرشك بعد أن ضرب عليها حصار، واحتلت زمين داور. وفى سنة ١٠٥٨ هـ (١٦٤٨ م). قاد الملك الفارس الشاب عباس الثانى جيشاً وهاجم قندهار واستولى عليها، وكانت سنة إذ ذاك ست عشرة سنة فحسب، ولم تعد هذه المدينة قط جزءاً من أملاك الامبراطورية المغلية. وقد حاولت

стр. 902

جيوش شاه جهان عبثاً أن تستردها. وشن كل من الأميرين المتنافسين أورنكزيب ودارا شكوه حملة عليها، ولكنهما باءا هما الاثنان بالخيبة، وبفشل الحملة الأخيرة سنة ١٠٦٢ هـ (١٦٥٢ م) لم تبذل فى سبيل استعادتها أية حملات أخرى. وإذا انستثنينا التقلبات التى مرت بقندهار، فليس أمامنا من تاريخ أفغانستان أيام كانت مقسمة بين إمبراطورية المغل وإمبراطورية الصفويين إلا القليل. وكانت القبائل الأفغانية تزداد نفرا وسلطانا بإطراد، والراجح أن هذه الأيام كانت هى الفترة التى انتشر فيها الأبدالية والغلزائية من جبالهم إلى الأراضى الأكثر خصوبة فى وديان قندهار وزمين داور وترنك وأرغنداب. وبتدهور مكانة وسلطان الأجناس التاجيكية التى تحملت وطأة الغزوات المغولية واحتلال معاقلها الجبلية فى غور على يد شعب شبه مغولى تهيأت الفرصة أمام الجنس الأفغانى للبروز. ولم يتأثر الأفغان كثيرا فى جبالهم الشرقية بالغزاة الذين كان همهم الأول شق طريقهم عابرين الممرات لسلب الهند، كما أن حاجة السكان المعهودة إلى منفذ لعددهم المتزايد -مما حملهم على الانتشار فى سهول الهند من ناحية الشرق- قد أدت أيضا بالقبائل الرعوية إلى الانتشار غرباً. وظلت القبائل الجبلية تمارس حياة تكاد تخلو من أى نظام؛ وكانت الحكومة المغلية فى كابل تحكم بالاسم فحسب، ولكن سلطانها الفعلى انحصر فى الوديان المكشوفة، مثال ذلك ما حدث سنة ٩٩٤ هـ (١٦٨٦ م) إذ منى جيش أكبر بهزيمة منكرة على يد يوسفزائية سوات وباجور، ولقى القائد راجا بيريل مصرعه. ثم هزم رابا مان سنغ من بعد الجبليين ولكنهم لم يغزوا فى الحق قط، وكانوا فى كثير من الأحيان يغيرون على السهول وينحازون فى بعض الأحيان إلى هذا الجانب أو ذاك من بيوت الحكم المتنازعة، مثال ذلك انتصار اليوسفزائية لقضية الأمير شجاع المطالب بالعرش فى نزاعه مع أورنكزيب. وعندما كان شاه عالم الأول قبل جلوسه على العرش عامل أورنكزيب على كابل سنة ١١١٤ هـ (١٠٧٢ م) حدث أن أحد

стр. 903

قواده -وهو بُرْدِل خان، وكان أفغانياً- قد قمر هو وجميع جنده أثناء محاولته المرور من خوست إلى كابل، فاضطر أورنكزيب إلى أن يرشو القبائل ليظل الطريق مفتوحا بين كابل ويشاور. الأبدالية والغلزائية ونادر شاه: وقد بذر تقلب الحكم المستمر فى قندهار بين الهند وفارس بذور الفرقة والتآمر ومكّن القبائل القوية أن تضرب إحداهما بالأخرى، ومن ثم نجح الأبدالية قرب قندهار فى الحصول على امتيازات من الشاه عباس الأكبر واعترف بزعامة "سدو" أصبحت أسرته السدوزائية هى الأسرة الحاكمة، غير أن سوء مسلكهم أدى إلى إجلاء بعض هذه القبيلة إلى ولاية هراة. وقد أدى هذا الإبعاد إلى بسط قبيلة غلزائى نفوذها بالقرب من قندهار، وظل سلطانها يزداد حتى اعتلاء الامبراطور شاه عالم الأول العرش، وهنالك بدأ غلزائية قندهار يتآمرون معه على الحكومة الفارسية. وانكشفت المؤامرة، وأنفذ كوركين خان الزعيم الكرجى إلى قندهار على رأس جيش، وأسر ميرويس الزعيم الغلزائى. على أن ميرويس استطاع، وهو فى الأسر، أن يكتسب ثقة ملك الفرس الشاه حسين، فسمح له بالعودة إلى قبيلته. وسرعان ما غدر بكوركين خان بأن دعاه إلى مأدبة وقتله واستولى على قندهار وأحبط كل المحاولات التى بذلت لإخضاعه وتوفى بعد ذلك بقليل وخلفه أخوه عبد العزيز إلا أنه أظهر ميلاً إلى الخضوع لفارس فقتله محمود بن ميرويس وأقام نفسه حاكماً. وفى هذا الوقت نفسه أصبح ذلك الفريق من قبيلة أبدالى الذى يقطن ولاية هراة سيدا عليها فى الواقع، وهزم هؤلاء الأبدالية جيشاً قوياً سير عليهم بقيادة صفى قلى خان وظلوا صامدين حتى أيام نادر شاه، بل استطاعوا أن ينتزعوا فراه من الغلزائية بعد أن غزا هؤلاء فارس. وبينما كان محمود الغلزائى يقاتل فى فارس، انتشر الابدالية فى خراسان وضربوا الحصار على مشهد. ولم تكن الدولة الغلزائية بحال مهيأة لحكم بلاد كفارس، ولم تكن وراءهم قوات كافية لمواجهة أية حركة قومية حقة، بل هم كانوا قد فقدوا عون ولاية قندهار عندما

стр. 904

خلف أشرف ابن عمه محمودا الذى كان أخوه قادرا على الاحتفاظ بقندهار. وكذلك ظل الأبدالية مستقلين فى هراة. ولذلك فإن نادراً لما أقام نفسه زعيما لحركة قومية لم تلبث حكومة أشرف أن انهارت، ولم ينجح من الغلزائية ليبلغ وطنه إلا العدد القليل. وقتل أشرف وهو هائم على وجهه فى بلوجستان سنة ١١٤٢ هـ (١٧٢٩ م)؛ وهنالك وجه نادر قوته إلى الأبدالية يتزعمهم ملك محمود خان الذى كان مستحوذاً على مشهد سنة ١١٤٢ هـ ١٧٢٨ م) وهزمهم هزيمة منكرة وأسر منهم عددا كبيرا. على أنه قدر مواهبهم الحربية وضمن تأييدهم بردهم إلى موطنهم القديم قرب قندهار الذى أقصى منه الغلزائية عندما سنحت له الفرصة فنفاهم إلى ولاية هراة، ولكن لم يستقر فيها منهم إلا العدد القليل إن يكن قد استقر فيها أحد على الاطلاق، ولا نجد أثراً لهم الآن هناك. ولما نادى نادر شاه بنفسه ملكا على فارس ضرب الحصار على قندهار فقاومته سنة ثم سقطت آخر الأمر سنة ١١٥٠ هـ (١٧٣٨ م) وتحطم سلطان الغلزائية تماماً، ولكن نادر شاه اتخذ حيال القبائل الأفغانية عامة وحيال الأبدالية خاصة سياسة التراضى وجند أعداداً كبيرة منهم فى جيشه: والتجأ كثير من الغلزانية إلى ولاية كابل من ولايات الامبراطورية الهندية، ولم يتلق نادر شاه أى رد على احتجاجاته فسار نحو كابل فسقطت فى يده لتوها سنة ١١٥١ هـ (١٧٣٨ م)، ومن ثم اقتطعت آخر الأمر من إمبراطورية المغل. وآخر تاريخ معروف لأية سكة ضربها الامبراطور محمود شاه فيها هو سنة ١١٣٨ هـ (١٧٢٥ م). والظاهر أن نادر شاه لم يستعمل سكة كابل، بل ضرب سكة فى قندهار سنة ١١٥٠ هـ (١٧٣٧ م) وهى سنة غزوته، كما أن ثمة سكة أخرى ضربت فى نادر آباد (شيدت اثناء الحصار. خارج قندهار) تشير بلا شك إلى مدة الحصارو، هنالك اصبحت افغانستان كلها فى قبضته وأتاحت له القاعدة اللازمة لغزوته للهند سنة (١١٥٢ هـ) (١٧٣٩ م). وبانتصاره على محمود شاه آلت إليه جميع الأراضى المغلية الواقعة غربى نهر السند بما فيها بشاور وديره جات

стр. 905

وأصبحت له السيادة على "الكلهور" -أى الحكام العباسيين للسند- والسيطرة على ولاية كابل. ولما عاد من دلهى سنة ١١٥٢ هـ (١٧٤٠ م) عبر نهر السند أول الأمر عند "أتك" وهاجم اليوسفزائية الذين كانوا يثيرون الاضطراب ثم مضى إلى كابل، ومنها انحدر عن طريق وادى كرم وإقليم بنكش واخترق ديره جات إلى السند، ثم عاد مخترقا ممر بولان إلى قندهار ومنها إلى هراة. وظل بقية حياته يعتمد اعتمادا كبيراً على جنود. الأفغان ولم يعتمد إلا قليلا على جنوده الفارسية الذين كان يزْوَرَ عنهم بحكم أنه كان سنى المذهب. وكان للأبدالية بنوع خاص الحظوة عنده، وارتقى زعيمهم الشاب إلى رتبة رفيعة فى جيشه. وتقول الروايات أن نادراً نفسه تنبأ بأن أحمد سوف يصبح ملكاً بعده. ولما اغتال الفرس والقزلباش نادر شاه كان أحمد شاه فى فرقة قوية من الأبدالية على مقربة من مكان الحادث، فاغتصب قافلة محملة بالأموال ثم سار إلى قندهار حيث نادى بنفسه ملكاً. (٣) الدولة الأفغانية الوطنية: (أ) البيت السدوزائى الحاكم: أقام أحمد شاه نفسه ملكاً على قندهار واستولى على الجانب الشرقى كله من امبراطورية نادر حتى نهر السند، وسرعان ما سقطت هراة، وفى الفترة الهامة التى تقوضت فيها دعائم المملكة الفارسية، بسط أحمد شاه حمايته على شاهرخ حفيد نادر شاه الذى كان أعداؤه قد سملوا عينيه، وأقام له إمارة فى خراسان. وكانت هذه الولاية فى الواقع جزءاً من أملاك أحمد شاه وابنه تيمور شاه اللذين ضرب كل منهما السكة باسمه من حين إلى حين فى مشهد، ولكن شاهرخ ظل يحكم بالاسم حتى اعتقل على يد آغا محمد قاجار بعد وفاة تيمور شاه. على أن هراة عوملت معاملة الجزء القائم بنفسه من المملكة الدرانية، وظلت مملكة خراسان القديمة مقسمة بين فارس وأفغانستان. وجعل أحمد شاه قندهار قصبة لملكه وسماها أحمد شاهى، وهو الاسم الذى ضربه هو وخلفاؤه على سكتهم؛ واتخذ لنفسه لقب "در دُرَان"، وأصبحت قبيلته

стр. 906

الأبدالية تعرف باسم "درّانى". وكانت أسرته منذ أمد طويل محط الأنظار، فاستطاع بفضل هذا وبفضل ما كان عليه من كياسة وعلو همة أن يوطد سلطانه، فقد عامل القبائل برفق، واعتمد فى موارده على الحروب الخارجية أكثر من اعتماده على الضرائب. وكان الدرّانية يفخرون به ويتبعونه عن رضا، ولكنهم لم يكونوا بالقوم الذين يسهل قيادهم، ولذلك فإن ابنه تيمور شاه نقل قصبته إلى كابل التى كان معظم سكانها من التاجيك. ولم ينافس أحمد شاه فى فتوحاته الهندية نادر شاه، فحسب بل بزه فيها أيضا، ومد أملاكه إلى ما وراء نهر السند بكثير، وضم إليها ولايات كشمير ولاهور وملتان، أى أنه ضم الجزء الأكبر من الينجاب وبسط سلطانه على الداودبوتراوية فى بهاولبور. ولقد فتح أحمد الهند عدة مرات، واحتل دلهى أكثر من مرة، وكانت هزيمته للمراطها فى بانيبت سنة ١١٧٤ هـ (١٧٦١ م) نقطة تحول فى تاريخ الهند، ولكنه لم يضم إلى أملاكه أية ولايات تقع فيما وراء البنجاب. وكانت حروبه مع السيخ متصلة لا تنقطع وقد انتهت بفقد ولاية البنجاب، وكذلك أعلن خان كلات ناصر خان البراهوئى -وكان من أمراء أحمد المقطعين- استقلاله سنة ١١٧٢ هـ (١٧٥٨ م)؛ وحاصر أحمد شاه كلات فلم يظفر منها بطائل، فلما دعى إلى الهند قنع بخضوعها له خضوعا اسميا بحتاً. على أن ناصر خان عاون أحمد شاه في حروبه بخراسان، وأسهم بقدر كبير فى انتصاره على كريم خان زند سنة ١١٨٢ هـ (١٧٦٨ م). وفى هذه الحرب انضم الأمير الأفشارى الضرير إلى كريم خان وآواه فى مشهد التى قهرها أحمد بضرب الحصار عليها. ومن شاء زيادة فى التفصيل فليرجع إلى مادة "أحمد شاه درّانى" وتوفى أحمد فى مرغاب بالتلال القريبة من قندهار سنة ١١٨٧ هـ (١٧٧٣ م) تاركاً لخلفه إمبراطورية مترامية الأطراف غير مأمونة. وكان تيمور شاه قد تولى فى حياة أبيه مناصب ذات خطر مثل "نظام" لاهور وملتان، وهو منصب تدل عليه

стр. 907

شواهد من مجموعة متمايزة من العملة. ولما توفى أحمد شاه كان تيمور شاه فى هراة، ولم يستطع أن يستولى على قندهار إلا بعد أن قبض على أخيه سليمان -الذى كان قد أقيم لمنافسته- وقتله. ولم يلبث أن نقل قصبته إلى كابل، وحكم عشرين عاماً خالية من الأحداث اضمحلت فيها قوة المملكة وتزعزع استقرارها، وإن كانت أطرافها لم تنتقص. وكان سلطان الحكومة المركزية على الولايات القائمة فى الأطراف واهية. وازدادت قوة السيخ واستولوا على ملتان سنة ١١٩٦ هـ (١٧٨١ م)، ولكن تيمور استردها فى السنة نفسها. وفى السند أطيح بشيوخ الإقطاع الكلهوراوية وحل محلهم أمراء بلوج من قبيلة تالْبُر (وغلب عليهم اسم التالبرية)، وقد شن هؤلاء الأمراء الحرب على جيوش تيمور شاه من سنة ١١٩٧ هـ إلى سنة ١٢٠١ هـ (١٧٨٢ - ١٧٨٦ م) وظلوا مستقلين على الرغم من خضوعهم له بالاسم. وهاجم تيمور أيضا أمير بخارى معصوم المنغيتى الذى كان يعتدى على ولاية التركستان وخاصة مرو، فخضع ليتمور بالاسم هو الآخر ولكنه احتفظ بجميع فتوحاته. وكانت قد شبت أيضا فتنة فى كشمير ثم أخمدت، وفى الداخل كان سلطان عشيرة باركزائى من الدرانية يتعاظم شيئا فشيئا. وتوفى تيمور شاه سنة ١٢٠٧ هـ (١٧٩٣ م) وخلفه ابنه زمان شاه الذى ظل فى الملك حتى خلعه أخوه محمود شاه عام ١٢١٥ هـ (١٨٠٠ م). وعلى قصر عهد زمان شاه فإنه استطاع أن يجمع فيه من الجرائم والحماقات ما هو كفيل بإغراق المملكة الدرانية. وكانت المنافسة بينه وبين أخويه محمود وشجاع الملك تضعف مركزه فى الداخل، وكان القاجار يهددون ملكه فى خراسان ويتهدره الشاه مراد المنغيتى فى الشمال، ويتحداه فى الجنوب خان كلات وأمراء السند، ومع ذلك لم يحجم عن استنفاد جهده فى محاولات حمقاء لمنافسة أحمد شاه فى فتوحاته بالهند والظهور بمظهر المدافع عن الاسلام ضد السيخ والمراطها. وأدى فعله هذا إلى الاصطدام بالإنكليز الذين كان سلطانهم ينمو بسرعة حتى أصبحوا القوة الغالبة فى شمالى الهند. وفى عام ١٢٠٩ هـ

стр. 908

(١٧٩٥ م) توقفت غزوته الأولى عند حسن أبدال عندما بلغه الخبر بأن آغا محمد قاجار قد استولى على مشهد وقتل الشيخ الضرير شاهرخ. وهدأت ثائرته عندما وصلت بعثة من قبل الملك الفارسى وبدأ يقوم بغزوته الثانية للهند، غير أن انتقاض محمود فى هراة قطع هذه الغزوة. وما إن أحمد هذه الفتنة حتى غزا الينجاب، ووصل فى هذه المرة إلى لاهور وخضع له السيخ خضوعا اسمياً وكان يتزعمهم آنذاك رنجيت سنغ، ولكن عدوان القاجار المتكرر فى خراسان حمله على الرجوع مرة أخرى. وفى هذه الأثناء كان محمود يتنقل فى البلاد يتآمر على أخيه مع الساخطين فى هراة وقندهار، وكان من بينهم زعيم عشيرة باركزائى "باينده خان" الملقب "سرفرازخان" الذى كان ينفس على الوزير وفاء دار خان السلطة التى يتمتع بها. واكتشفت المؤامرة فقتل باينده خان، وفر ابنه فتح خان لاجئا إلى محمود فى خراسان وأغراه بالارتماء فى أحضان قبيلة درانى استدراراً لعطفها لأنها كانت تكره زمان شاه (كانت أم زمان شاه من اليوسفزائية، أما أم محمود فكانت فوفلزائية من الدرّانية). وأثبتت النتيجة صحة هذه النصيحة؛ إذ استولى محمود على قندهار على حين كان المفتون زمان شاه يتجهز لحملة أخرى على الهند. وسار محمود إلى كابل ففر زمان شاه، ولكنه لم يلبث أن اعتقل وسملت عيناه سنة ١٢١٥ هـ (١٨٠٠ م). وبينما كان محمود يرقى عرش كابل كان شجاع الملك ينادى بنفسه ملكاً فى بشاور، وقد ساعده على ذلك فتنة أثارتها الغلزائى على محمود؛ وفي عام ١٢١٨ هـ (١٨٠٣ م) استولى شجاع الملك على كابل وسجن محمودا وأطلق سراح أخيه الشقيق زمان شاه الضرير. وظلت قندهار مدة من الزمن فى يد ابن محمود: كامران يؤيده فتح خان، ولكن فتح خان اصطلح مع شجاع على شروط مراعياً مصلحته هو وخضع له، غير أنه لم يرض بنصيبه ولم يلبث أن أقام ملكاً منافسا لشجاع فى شخص قيصره شاه بن زمان شاه. وانقضت السنوات القليلة التالية فى مؤامرات لا تنقطع، تقلب فيها فتح خان بسرعة فى نصرته

стр. 909

للطامعين فى الملك، فتارة يؤيد محموداً وكامران وتارة يؤيد قيصر، على حين التنفد شجاع الملك قوته فى إنفاذ الحملة تلو الحملة على السند وكشمير. وأخيراً هزم فتح خان -الذى كان يؤيد آنئذ محموداً- شجاع الملك عند "نِمْلة" سنة ١٢٢٤ هـ (١٨٠٩ م) ففر شجاع الملك إلى الهند وبذلك بدأ العهد الثانى لمحمود فى الحكم على أن محمودا كان يعتمد اعتمادا مطلقاً على فتح خان فاستفحل سلطانه، وتولى أخوه دوست محمد منصباً رفيعاً، وأصبح أخ ثان له هو محمد أعظم واليا على كشمير، وأخ ثالث يدعى "كوهَنْدل" والياً على قندهار. وكانت هراة قَد غدت مستقلة تحت حكم أمير آخر فأعاد فتح خان ودوست محمد فتحها سنة ١٢٣٢ هـ (١٨١٦ م). ولم يلبث دوست محمد أن استثار عداوة كامران الذى كان قد أصبح والياً من الولاة، ذلك أنه اقتحم حريم كامران وأهان أخته. وهنالك فر إلى كشمير وأنزل كامران انتقامه بفتح خان فسمل عينيه ثم قتله بموافقة محمود. على أن الأفغان كانوا يعجبون أشد الإعجاب بفتح خان على الرغم من غدره وعدم استقامته، فلم يجد أخوه دوست محمد أية صعوبة فى تجهيز جيش قوى هزم به محمودا شنة ١٢٣٥ هـ (١٨١٨ م) قرب كابل. وفقد محمود كابل ولم يستردها من بعد قط، واحتفظ لبهراة حتى توفى سنة ١٢٤٥ هـ (١٨٢٩ م) وظل كامران يحكم هناك حتى قتل سنة ١٢٥٨ هـ (١٨٤٢ م). [لونكويرث ديمر Dames M. Longworth] (ب) البيت الباركزائى (أو المحمدزائى): وتنتسب المحمدزائى -وهى فرع من باركزائى قندهار الدرانية- إلى محمد، وهو معاصر لملك سدو زعيم العشائر الأبدالية عاش معه بين قبيلته الصغيرة في أرغسان جنوبى شرق قندهار حوالى سنة ١٠٠٠ هـ (١٥٩١ م). واتخد أعقابه لقب الزعيم بين القبائل الباركزائية فى قندهار وبرزوا مع حاجى جمال خان ابن حاجى يوسف بن بارو بن محمد الذى عمل فى ظل أحمد شاه وتوفى سنة ١١٨٤ هـ (١٧٧٠ - ١٧٧١ م). وقد أدى ابنه ياينده

стр. 910

خان خدمات جليلة لتيمور شاه فى قمعه لحركات العصيان، ولكنه أعدم فى قندهار سنة ١٢١٤ هـ (١٨٠٠ م) للمؤامرات التى دبرها مع محمود لشاه زمان. وقد تر باينده عدداً من الأبناء أقيم أكبرهم فتح خان وزيراً ولقب بشاه دوست بمناسبة احتلال محمود لكابل سنة ١٢١٥ هـ (١٨٠٠ م). وبازدياد سلطان المحمدزائى تعارضت أطماعهم مع أسرة سدوزائى الحاكمة وأغرق ذلك أفغانستان فى نضال وإهراق للدماء حتى استطاع دوست محمد أن يطرد محموداً من كابل بعد قتل أخيه هو فتح خان سنة ١٢٣٤ هـ (١٨١٨ - ١٨١٩ م). وما وافى هذا الوقت حتى كان زعماء باركزائى قد سيطروا على معظم البلاد، فحكموا أول الأمر باسم ملوك شتى من أسرة سدوزائى كانوا العوبة فى يد غيرهم، ملر أيوب وسلطان على (اتخذ اسم سلطان محمود على سكته). وظلت الأمور تجرى على هذا المنوال حتى سنة ١٢٥٤ هـ (١٨٣٨ م) وهنالك اتخذ دوست محمد رسمياً لقب "أمير كابل". ولكن لم يلقب بالشاه أو الملك لا هو ولا أحد من خلفائه حتى جاء حبيب الله. وفى السنوات الأولى من حكمه فُقدت سريعا الولايات الخارجية للامبراطورية فقد استولى السيخ على ملتان سنة ١٢٣٣ هـ (١٨١٣ م)، وعلى كشمير سنة ١٢٣٥ هـ (١٨١٩ م)، وعلى ديره غازى خان فى السنة نفسها، وعلى ديره إسماعيل خان سنة ١٢٣٦ هـ (١٨٢١ م). وقاومتهم بشاور فى ظل سردار سلطان محمد -أخى دوست محمد- مدة طويلة ولكنها سقطت سنة ١٢٥٠ هـ (١٨٣٤ م). ومحا أمراء السند باستيلائهم على "شكاربور" آخر مظهر من مظاهر السيادة الأفغانية، وسقطت كذلك بلخ شمالى هندوكش. وبذلك أصبح دوست محمد حاكماً لمملكة أفغانية موحدة، وساعده على دعم سلطانه فقدان الولايات الخارجية التى كانت دائماً مصدر ضعف للملوك السدوزائية. وكان دوست محمد لا يأخذه إلّ ولا

стр. 911

رحمة فى سبيل بلوغ غايته، ومع ذلك فقد اشتهر بالعدل وكان محبوباً بين الأفغان. وقد عاقت نجاحه المنافسات المحتومة بينه وبين إخوته. وجعل دوستُ كابلَ قصبةً لمملكته، فى حين احتفظ كوهندل خان بقندهار وأحبط محاولة بذلها شجاع الملك السدوزائى لاستعادتها سنة ١٣٥٠ هـ (١٨٣٤ م). واستولى الفرس على هراة بعد قتل كامران بيد وزيره يار محمد خان سنة ١٢٥٨ هـ (١٨٤٢ م) ولم يستردها دوست محمد إلا سنة ١٢٨٠ هـ (١٨٦٣ م) قبيل وفاته. وبعد أن أخفق شجاع الملك فى قندهار حاول الاستعانة بالبريطانيين، وأدت الحوادث السياسية إلى حصوله عليها فى النهاية. وقد فشل بيرنز - Al exander BURNES فى مفاوضة دوست محمد لعقد معاهدة معه، وازداد نفوذ روسيا فحمل ذلك الحكومة الهندية على تأييد مطالب شجاع الملك. وفى ذلك الوقت، أى فى سنة ١٢٥٣ هـ (١٨٣٧ م) كان الفرس قد حاصروا هراة، ودار فى الأوهام أن عملياتهم الحربية كان يوجهها الروس فتولى ضابط بريطانى الإشراف على الدفاع عنها، وبذلك بلغت الأزمة غايتها، وتقدم جيش انكليزى هندى مخترقاً السند وممر بولان إلى قندهار فى نهاية سنة ١٢٥٤ هـ (فبراير سنة ١٨٣٨ م) واستولى على المدينة ثم سار إلى كابل. وهرب محمد إلى بخارى وأقيم شجاع الملك على عرش كابل فى غرة جمادى الآخرة سنة ١٢٥٥ هـ (١٧ أغسطس سنة ١٨٣٩ م). وقام دوست محمد ببعض العمليات الحربية الفاشلة فى الشمال، ثم سلم نفسه للبريطانيين فى السنة التالية وحمل إلى كلكتة. وكان عهد شجاع الملك عهد اضطراب وقلاقل. وانسحب الجيش البريطانى الهندى من كابل سنة ١٨٤١ م، وكاد أن يباد عن آخره فى انسحابه بممر "خرد كابل"، وكان يقود هذه العمليات الحربية محمد أكبر خان ابن دوست محمد. وظل البريطانيون يحتفظون بجلال آباد وقندهار، وعادوا

стр. 912

إلى احتلال كابل فى خريف عام ١٢٥٨ هـ (١٨٤٢ م). وقتل شجاع قبيل ذلك، ونادى الفوفلزائية بابنه فتح جنك وان كان الباركزائية عارضوهم فى ذلك. ولم يلبث البريطانيون أن تركوا أفغانستان وصحبهم فتح جنك ومعه زمان شاه الشيخ الضرير، وكان لايزال بعدُ على قيد الحياة، لأنه كان يعلم أنه لا يستطيع وحده الاحتفاظ بملكه فيها. وأعيد دوست محمد إلى أفغانستان لأنه كان الرجل الوحيد الذى يستطيع أن يقيم فيها حكومة وطيدة الأركان. وأعيد أبناؤه وإخوته إلى إماراتهم، ولكن الشقاقات ظلت تمزق من حين إلى حين وحدة العشيرة، بل إن أكبر خان -الذى أصبح آنئذ وزيراً -كان على علاقات سيئة بأبيه حتى وفاته سنة ١٢٦٦ هـ - (١٨٤٩ - ١٨٥٠ م). وحافظ دوست على علاقاته الطيبة بالبريطانيين، اللهم إلا فى الفترة التى حدثت فيها حرب السيخ عام ١٨٤٩ م، إذ جلبت الفرقة الأفغانية على نفسها السخرية من جراء فرارها السريع بعد معركة كجرات، زد على ذلك أو دوست محمد لم يؤيد البريطانيين أى تأييد أثناء عصيان الجيش الهندى سنة ١٨٥٧ م)، وصرف همه إلى تقوية بلاده ففتح ما بين سنتى ١٢٦٧ و ١٢٧٢ هـ (١٨٥٠ - ١٨٥٥ م) بَلْخ وخُلْم وقُنْدز وبذخشمان. وفى سنة ١٢٨٠ هـ (١٨٦٣ م) وفق إلى طرد الفرس من هراة، وتوفى هناك بعد استردادها مباشرة. وكان دوست ملكاً صالحاً على الرغم من أخطائه الواضحة. ولم يلبث خامس أبنائه شير على -وكان دوست قد عهد اليه- أن اشتبك فى فتنة بينه وبين أخويه الأكبرين محمد أعظم ومحمد أفضل ومع عبد الرحمن بن محمد أفضل القدير القوى العزم. وهزم شير على سنة ١٢٨٣ هـ (١٨٦٦ م). وفقد كابل أول الأمر ثم قندهار. وتولى الحكم أفضل ثم أعظم حتى سنة ١٢٨٥ هـ (١٨٦٨ م)، ولكنهما لم يستوليا قط على هراة، إذ خرج منها محمد يعقوب بن

стр. 913

شير على وتقدم فى هذ. السنة فاسترد لأبيه قندهار وكابل. وأصبح شير على آنئذ مسيطرا على أفغانستان كلها، واعترفت به الحكومة الهندية، وقابل نائب الملكة لورد مايو فى أمباله سنة ١٢٨٦ هـ (١٨٦٩ م). على أنه لم يرض عن المعاملة التى عومل بها، ذلك أنه لم يستطع الحصول على وعد محدد بتأييده على الدول الأخرى. وفى هذا الوقت اعتقل ابنه محمد يعقوب صاحب الأطماح واستاء من محاولة نائب الملكة التدخل لصالحه، وقبل أن يتولى ضابط من البريطانيين أمر التحكيم فى حدود سجستان التى كاند لنازعه فيها فارس. وانتهى هذا التحكيم سنة ١٢٩٠ هـ (١٨٧٣ م) بمنح فارس جزءًا كبيرا من أخصب الأراضى، وكان هذا سبباً آخر من أسباب استيائه. وأخيراً بدأ يفاوض الرس ورفض أن يستقبل سفارة بريطانية. وأدت هذه الأمور إلى قيام حرب السنوات ١٨٧٨ - ١٨٨٠ م. واستولى الجيش البريطانى على كابل، وهرب شير على إلى مزار شريف حيث توفى سنة ١٢٩٦ هـ (١٨٧٩ م؛ وقد هزم جيشه المنظم على النمط الأوربى اللورد روبرتس فى ممر بَيْوار. وأطلق سراح محمد يعقوب من سجنه ونودى به أميراً بعد فرار والده فى ربيع الأول سنة ١٢٩٦ هـ (فبراير - مارس سنة ١٨٧٩ م)، وقد لقى القوات البريطانية المتقدمة عند "كَنْدَ مَك". وعقد هناك معاهدة فى ٤ جمادى الآخرة (٢٦ مايو) نزل بمقتضاها للهند البريطانية عن أراض معينة بالقرب من ممر بولان ووادى كرم، ووافق على أن يستقبل بعثة بريطانية فى كابل. وبعد أشهر قلائل شبت فتنة فى كابل انتهت بذبح أعضاء هذه البعثة التى كان يرأسها السير لويس كافانيارى - Sir Louis Ca vagnan. وأدى ذلك إلى قيام الحرب من جديد، فاستولى روبرنس على كابل مرة أخرى، ولكن جيشاً قبلياً يقوده محمد جان والملآ مشك عالم حاصره فيها؟ وهزم هذا الجيش فخلع يعقوب خان ونفى من الهند، وعرض الحكم على عبد الرحمن فقامت فى قندهار حكومة مستقلة. وسار قسم من الجيش فى قندهار إلى كابل بقيادة ستيورات تمهيدا للجلاء عن البلاد. فلما اخترق منازل الغلزائى هاجمته قوة كبيرة من

стр. 914

أهل هذه القبيلة، ولم تنزل بها الهزيمة إلا بعد قتال مستيشى. وما إن نودى بعبد الرحمن أميراً حتى كان ابن من أبناء شير على هو أيوب قد استكمل جمع جيش فى هراة، وسار به إلى قندهار، وهزم قوة إنكليزية هندية صغيرة عند "مَيْوَند" وحاصر قندهار. فأسرع روبرتس من كابل وهزم أيوب. وبعد ذلك انسحب الجيش البريطانى وولى عبد الرحمن على البلاد كلها بما فيها قندهار سنة ١٢٩٧ هـ (١٨٨٠ م). وقد حافظ عبد الرحمن على وحدة أفغانستان واستقلالها على الرغم من المشاكل التى صادفته فى الداخل والخارج فلما أدركته المنية فى ١٥ جمادى الآخرة سنة ١٣١٩ هـ (أول أكتوبر سنة ١. ٩ ام) سلم ابنه حبيب الله سلطانا لا ينازعه فيه منازع. وبعد اعتلاء حبيب الله العرش بقليل عقدت معاهدة بين الروس والبريطانيين أزالت المخاوف من أن تضم دولة منهما أراضى من أفغانستان أو تتدخل فى شئونها. وفى سنة ١٣٢٣ هـ (١٩٠٥ م) أيد الأمير المعاهدة التى سبق أن عقدها أبوه مع حكومة الهند البريطانية، تلك المعاهدة التى كفلت لهذه الحكومة الإشراف على العلاقات الخارجية لأفغانستان نظير إعانة سنوية قدرها ثمانية عشر "لخّ" من الروبيات (١٦٠.٠٠٠ جنيه انكليزى). أما فى الداخل فلم يعكر شئ تقريبا صفو السلام والأمن، وحقق التعليم بعض التقدم. والتزمت أفغانستان أثناء الحرب العالمية الأولى سياسة الحياد. وفى ١٨ جمادى الأولى سنة ١٣٣٧ هـ (٢٠ فبراير سنة ١٩١٩ م) أطلق الرصاص على حبيب الله خان فى معسكره بقلعة كوش فى لغمان. ونادى أخوه نصر الله بنفسه خليفة له، ولكن الابن الثالث للأمير الراحل أمان الله اعتقله وسجنه، وكان أمان الله قد حصل على تأييد الجيش. ولم يلبث أمان الله خان أن فتح باب العداوات مع الهند البريطانية، ولكنه سعى بعد شهر فقط إلى عقد هدنة، واعترف رسمياً باستقلال أفغانستان فى معهدة راولبندى فى ١١ ذى القعدة سنة ١٣٣٧ هـ (٨ أغسطس سنة ١٩٩١٨ م)، وعقدت معاهدات جديدة مع

стр. 915

الاتحاد السوفيتى وبريطانيا العظمى سنة ١٩٩٢١ م، على أن التوتر استمر على الحد الشمالى حتى سنة ١٩٢٢ م، وعلى الحدود الجنوبية الشرقية حتى سنة ١٩٢٤ م. وفى سنة ١٩٢٢ م صدر دستور فى جمعية وطنية (لوه جركا) أعقبه سنة ١٩٢٤ م قانون ادارى، وتلت ذلك سنة ١٩٢٤ م إجراءات لتوفير التعليم العالى للمرأة. ولما شبت نار فتنة فى خوست بزعامة الملأ عبدالكريم ألغيت الإجراءات الأخيرة وعدلت قوانين التجنيد فى مجلس وطنى آخر (يولية سنة ١٩٢٤ م) وأخمدت الفتنة آخر الأمر. على أن الملك أمان الله الذى اتخذ لقب الملك فى ديسمبر سنة ١٩٢٦ م، قد دعا فى جمعية وطنية ثالثة بعد عودته من رحلة فى الهند وأوروبا والاتحاد السوفيتى وتركية (من ديسمبر سنة ١٩٩٢٧ م إلى يولية سنة ١٩٩٢٨ م)، إلى اصدار دستور آخر، وإعلان برنامج للإصلاحات الاجتماعية والتعليمية. ونشأ من ذلك قيام سلسلة من الفتن القبلية خرج خلالها قاطع طريق تاجيكى اسمه باججه سقاو -ثم لقب من بعد بحبيب الله خان- من كوه دامن واستولى على كابل فى يناير ١٩٢٩ م، وفر أمان الله إلى قندهار وباءت محاولاته لاستعادة كابل بالهزيمة على يد أنصار حبيب الله من الغلزائية فى أبريل - مايو سنة ١٩٢٩ م، وفى هذه الأثناء كانت هراة قد احتلها تاجيكى آخر يدعى عبد الرحمن. وهناك تبنى قضية المحمدزائية فرع بعيد من فروع القبيلة انحدر من باينده خان يتزعمه قائد جيش سابق كان يعيش فى الأسر وهو نادر خان (ابن محمد يوسف خان بن يحيى خان بن سلطان محمد خان أخى دوست محمد). واستطاع نادرخان بعد عدة محاولات فاشلة أن يجند سراً جيشاً من الوزيرية والمسحودية استولى بقيادة أخيه شاه ولى خان على مدينة كابل حيث تودى بنادر خان ملكاً ولقِّب بنادر شاه فى اليوم الثانى عشر من جمادى الأولى
следующие страницы →