مبارك لها ضد القوات التركية فى جنوبى العراق، وأكدت للشيخ بأنها اعترفت بالكويت كحكومة مستقلة تحت الحماية البريطانية.
ولم تكن السلطات العثمانية هى التهديد الوحيد لاستقلال الكويت فى نهاية القرن التاسع عشر.
وفى سنة ١٩١٣ م نجح عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود فى طرد الأتراك من الإحساء، وفى الحصول على منفذ بالخليج. وقد عنى ذلك أن الكويت صارت مطوقة الآن إلى الغرب وإلى الجنوب بأراضى آل سعود. وفى ديسمبر سنة ١٩١٥ م، وقعت السلطات البريطانية معاهدة فى "العقير" مع عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، كان من بين بنودها تعهد بألا يهاجم الكويت. وقبل فترة وجيزة من توقيع هذه الوثيقة، توفى الشيخ مبارك، وتجددت المنافسة الأسرية حول حق تولى الحكم وأصبح جابر أكبر أبناء مبارك شيخًا للكويت. ولكنه توفى فى سنة ١٩١٧ م، وخلفه سالم الابن الثانى لمبارك. وكان سالم متبصرًا بالعواقب مثلما كان أبوه فى علاقاته، سواء مع البريطانيين، أو مع آل سعود. وسمح بأن يستخدم ميناء الكويت فى نقل الإمدادات للجيش التركى، ومن فبراير سنة ١٩١٨ م، ضربت سفن البحرية البريطانية حصارًا على الميناء. وقد رفع هذا الحصار فى الخريف بعد توقف الأعمال العدوانية بين قوات الحلفاء والدولة العثمانية.
وقد أدى الافتقار إلى حدود محددة إلى انعدام السلاسة والانسجام فى العلاقات بين آل الصباح وآل سعود، ولكن أنشطة الإخوان السلفيين المعروفين خطأ باسم الوهابيين، وبخاصة إقامتهم (لهَجَر) فى قرية العلياء، زادت الأمر سوءًا. وفى سنة ١٩٢٠ م فرض عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود حظرًا على التجارة مع الكويت، واستمر هذا الحظر حتى سنة ١٩٣٧ م وأنزل هذا الإجراء بازدهار الكويت أضرارًا وخيمة. وقد عجل الخوف من هجوم للإخوان السلفيين ببناء سور دفاعى حول المدينة، وفى أكتوبر سنة ١٩٢٠ م، هاجمت قوة من الإخوان السلفيين، بقيادة فيصل بن سلطان الدويش زعيم
стр. 8542
قبيلة مطير، واحة قريبة من الجهراء. ولم ينجح هذا الهجوم لكن غارات الإخوان ظلت بمثابة تهديد لأمن هذا الجزء من الشمال الشرقى لشبه الجزيرة العربية حتى قمع عبد العزيز ابن عبد الرحمن آل سعود هذه الحركة آخر الأمر فى سنة ١٩٣٠ م، بعد أن تمردت على سلطته.
وتوفى الشيخ سالم فى فبراير سنة ١٩٢١ م، وخلفه أحمد بن جابر، الابن الأكبر للحاكم السابق. وقد حاول الشيخ أحمد أن يحسن العلاقات مع آل سعود، وفى ديسمبر سنة ١٩٢٢ م وقعت اتفاقية فى العقير، رسمت فيها حدود ثابتة بين الدولتين. وكانت أراضى الكويت الجديدة أصغر كثيرًا من تلك التى كانت قد خصصت لها فى مشروع الاتفاقية الانجليزية - العثمانية لسنة ١٩١٣ م، واعتقد الشيخ أحمد أن السلطات البريطانية لم تؤيد مطالبه مقابل مطالب عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، بقوة كما كان يجب. وكان هذا الاعتقاد عاملًا مهما فى كراهية الشيخ أحمد لمنح حق امتياز مقصور على الشركة الانجليزية - الإيرانية للبترول دون غيرها وقوى عزمه فيما بعد بالحصول على مشاركة شركة أمريكية فى تنمية مصادر بترول الكويت.
وفى سنة ١٩٢٠ م، حصلت بريطانيا على حق الانتداب على العراق من عصبة الأمم، وفى إبريل سنة ١٩٢٣ م، اعترف المندوب السامى البريطانى للعراق، بالحدود بين الكويت والعراق، على أنها الحدود التى رسمت فى مشروع الاتفاقية الانجليزية - العثمانية لسنة ١٩١٣ م. ولكن، كان هناك نزاعات حول الحدود. وقد وقع أشدها خطرًا فى شهر يونيو سنة ١٩٦١ م حين انتهى اتفاق سنة بين بريطانيا والكويت وأصبحت الكويت دولة مستقلة استقلالًا تامًا. وسرعان ما زعمت حكومة العراق أن الكويت من الناحية القانونية، كانت جزءا لا يتجزأ من العراق. وإزاء ذلك، التمس الشيخ عبد اللَّه بن سالم (الذى خلف الشيخ أحمد فى سنة ١٩٥٠ م) المساعدة العسكرية من بريطانيا التى
стр. 8543
لبت طلبه. وقد عرض النزاع على مجلس الأمن بمنظمة الأمم المتحدة، ونوقش فيه وفى ٢٠ يوليو، انضمت الكويت إلى جامعة الدول العربية، وصممت هذه الجامعة على المحافظة على استقلال الكويت العضو الجديد بها. وفى سنة ١٩٦٣ م، أصبحت الكويت عضوًا فى منظمة الأمم المتحدة.
وفى نوفمبر سنة ١٩٦٢ م، صدر دستور جديد، وجرت انتخابات لاختيار ٥٠ عضوًا، للمجلس التشريعى فى شهر يناير سنة ١٩٦٣ م. وقد عطل الدستور فى أغسطس سنة ١٩٧٧ م نتيجة لمصاعب سياسية داخلية.
المصادر:
(أ) أعمال باللغة العربية
١ - أمين الريحانى: ملوك العرب، بيروت سنة ١٩٢٥ - ١٩٢٤ م، وما تلاها من طبعات.
٢ - عبد العزيز الرُّشيّد: تأريخ الكويت، بغداد سنة ١٩٢٦ م، وما تلاها من طبعات.
٣ - فؤاد حمزة: قلب جزيرة العرب، القاهرة سنة ١٩٣٣ م.
٤ - حافظ وهبة: جزيرة العرب، القاهرة سنة ١٩٣٥ م.
٥ - عيسى القناعى: صفحات من تاريخ الكويت القاهرة سنة ١٩٤٦ م.
٦ - خليفة بن حمد البنهانى: التحفه النبهانية: القاهرة بتواريخ متباينة وبخاصة المجلد رقم ١٢، سنة ١٩٤٩ م.
٧ - سيف مرزوق الشملان: من تاريخ الكويت القاهرة سنة ١٩٠٩ م.
٨ - أ. أبو حاكيمة: تاريخ الكويت، الكويت سنة ١٩٦٧ م.
(ب) أعمال فى لغات غربية:
١ - C.Niebuht: Beschreibung von Arabien، كوبنهاجن سنة ١٧٧٢ م، والتراجم التى تمت بعد هذا التاريخ.
٢ - E.lves: A Voiyage from England to India in the year MDccliv، لندن سنة ١٧٧٣ م.
٣ - J.Capper: Observations on the passage to India، لندن سنة ١٧٨٣ م، والطبعات الانجليزية والفرنسية بعد هذا التاريخ.
стр. 8544
٤ - L.Lockhart: Outline of the History of Kuwait، فى Journal of the Royal central Asian society، المجلد ٣٤ (سنة ١٩٤٧ م).
٥ - H.R.P. Dickson: The Arab of the desert، لندن سنة ١٩٤٩ م، وما تلاها من طبعات؛ والمؤلف نفسه: Kuwait and her neighbours، لندن سنة ١٩٥٦ م، وما تلاها من طبعات.
٦ - B.C. Busch: Britain and the Persian Gulf ١٨٩٤ - ١٩١٤، بركلى، ولوس انجلوس سنة ١٩٦٧ م؛ والمؤلف نفسه: Britain and the status of Kuwait فى Middle East Journal، مجلد ٢١ (سنة ١٩٦٧ م)؛ وللمؤلف نفسه: Britain India and the Arabs ١٩١٤ - ١٩٢١، بركلى، ولوس انجلوس، ولندن سنة ١٩٧١ م.
٧ - V.Dickson: Fourty years in Kuwait لندن سنة ١٩٧١ م.
ويمكن الحصول على مزيد من المعلومات الببليوجرافية من كتاب S.M. Kabeel: Selected bihliography on Kuwait and the Arabian Gulf, الكويت سنة ١٩٦٩.
حسن شكرى [ر. م. بيريل R.M. Buttell]
كيقباد
كيقباد اسم يطلق على ثلاثة من سلاطين سلاجقة الروم، أشهرهم علاء الدين وهو كيقباد الأول الذى خلع أخاه "كيكاؤوس"، من سدة الحكم وتولى بدلا منه سنة ٦١٨ هـ (= ١٢٢٠ م)، وقد أفضت سياسته الخارجية إلى أن تجعل من أسرته واحدة من أقوى الأسر فى عصره، إذ ما كاد يتولى الحكم حتى بسط نفوذه على قسم كبير من طوروس الكليليكية Cilican Tauras وأنزل بها جماعات من التركمان، وعمل على مد حدوده الحربية ولاسيما بغزو "كالون أوروس" التى سماها العلائية، وجعلها مشتاه ووضع بها خزائن بيت ماله، ثم بسط الحماية السلجوقية على ميناء "صغداق".
أما فى الشرق فقد استغل النزاع القائم بين الأيوبيين، واستطاع عن طريق أحدهم وهو السلطان الأشرف أن يضم إلى نفسه الأملاك الأرطقية الموجودة على الشاطئ الأيمن للفرات،
стр. 8545
كما ضم إليه أيضًا إمارة ارزنجان وأقطعها أكبر أولاد كيْخسرو.
وكان الخوارزميون قد فتحوا لأميرهم جلال الدين منجوبرتى امبراطورية واهية ضعيفة الحدود داخل إيران وجورجيا لكنهم اتجهوا بأنظارهم شطر الناحية الغربية يلتمسون فيها ملاذا لهم خوفا من ضغط المغول الذى كان يتزايد يوما بعد يوم، وكانوا قد اغتصبوا من يد الأشرف الأيوبى مدينة أخلاط وهى مفتاح الطريق إلى آسيا الصغرى ثم أوشكوا على مهاجمة الإقليم كله. ولم يكتف كيقباد بأن يرى الضعف يدب فى أوصال منافسيه بل استدعى إليه لمساعدته أعداءه السالفين وأصدقاءه على حد سواء، وجاءه الأشرف للنجدة بجنده الشاميين، لكن الدائرة دارت على الخوارزميين فى معركة عرفت بمعركة "ياسى شومين" الواقعة غربى ارزنجان، وضاعت ولاية أرزوروم من يد أميرها جيهان شاه الذى كان قد انضم إلى جانب جلال الدين. وقد استطاع كيقباد بالحيلة أن يأخذ عدة قلاع واقعة على الحدود من أيدى أهل جورجيا الذين خطب كيقباد الأميرة وريثة عرشهم وبذلك احتل "أخلاط" التى لم يعد للأشراف آية رغبة فى امتلاكها، وهكذا أصبحت بلاد الترك تتاخم حدود الامبراطورية البيزنطية فى القرن الحادى عشر.
ولما مات جلال الدين وهربت جيوشه أمام جحافل المغول رأى كيقبماد أن الوقت قد حان للدفاع عن ممتلكاته الآخذة فى الاتساع وذلك بإسكانه الخوارزميين فيها غير أن هزيمتهم شجعت الأخيرين على تشديد قبضتهم على القسم الأعلى من أرض الجزيرة، وهكذا أصبحت القوتان المتنافستان تواجه كل منهما الأخرى دون أن يكون بينهما دولة حاجزة. وشجع أهل الشام الملك الكامل الأيوبى على القتال فهاجم أسيا الصغرى ولكن دارت الدائرة على جيشه لتخلى القوات التى كانت تعارض خروج الحملة عنه وكان ذلك فى ممرات طوروس الجبلية وحينذاك رأى كيقباد الفرصة مواتية لأن ينهج سياسة التدخل فى إقليم أعالى الفرات، لكنه مات سنة ٦٣٤ هـ (= ١٢٣٧ م) قبل أن
стр. 8546
يرى بعينيه كثيرا من الحملات المغولية تتوغل فى آسيا الصغرى. وليس بين أيدينا قدر كبير عن سياسته الداخلية ولكن يمكن أن نقول فى ثقة إنه استطاع أن حمل أمراء دولته الكبار على طاعته. كما امتاز عهده بتشييد كثير من العمائر وحفر الخنادق وبناء الخانات وتشييد المساجد والمدارس. وقد كشفت الحفريات ولا تزال تكشف عن بعض قصوره فى قياداباد وكيقبادية. ويقال عن السلطان نفسه إنه كان شخصية موهوبة جسمانيًا وعقليا.
أما كيقباد الثانى فأحد أولاد كيخسرو الأول.
وأما الثالث من الذين سموا بكيقباد فكان أبوه عز الدين كيكاؤوس الثانى الذى حاول سنة ١٢٨٢ م استعادة عرش أبيه فى آسيا الصغرى فلم يفلح فالتجأ إلى كيليكية ولكنه عاد للظهور ثانية سنة ١٢٩٧ م حيث استطاع بمساعدة ايلخان غازان له أن يحتل سلطنة الروم حتى جاء المغول سنة ٧٠٢ هـ (= ١٣٠٣ م) فقتلوه فى تلك السنة.
د. حسن حبشى [كلود كوهين Cl. Cohen]
كيقباد (سلطان دهلى)
كيقباد معز الدين سلطان دهلى (٦٨٦ - ٦٨٩ هـ = ١٢٨٧ - ١٢٩٠ م) خلف جده غياث الدين بلبان، أما أبوه فناصر الدين بغراخان بن بلبان الصغير وقد كان متغيبا فى البنجال وقت وفاة والده، أما جده لأمه فهو السلطان ناصر الدين محمود (٦٤٤ - ٦٦٥ هـ = ١٢٤٦ - ١٢٦٧ م).
وقد درس كيقباد تحت إشراف جده بلبان، لكنه حين اعتلى العرش (وكان فى السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره)، أطلق لنفسه عنان شهواتها فسلك مسلكًا مشينًا، كما أنه لم يكن فى تصريفه لأمور الدولة. إلا منفذا لما يشير به عليه "ملك نظام الدين أميرى داد" ابن أخى قُطْوال دهلى وزوج ابنته، فلما كانت سنة ٦٨٧ هـ (= ١٢٨٨ م) خرج كيقباد من دهلى متجها نحو الشرق ليقابل أباه "ناصر الدين بُغرا خان" الذى كان قد اغتصب السلطة فى البنجال وكان اللقاء بين الأب والابن على شواطى الفَغْرا وكان لقاءً سلميا حفظه لنا بالتفصيل أمير خسرو دهلوى
стр. 8547
فى كتابه مثنوى قدان السعدين، وينسب برانى المؤرخ إلى الأب أنه فى هذه المناسبة أجرى مشاورات مع ولده ونصحه فأطال النصح، لكن لم يؤد ذلك إلى تحسن دائم فى أخلاقيات السلطان الصغير وسلوكه إلا أنها شجعته على التخلص من وزيره نظام الدين بدسّه السم له، وقد حدث هذا بعد بضعة أشهر من رجوعه إلى دهلى.
أن نفور السلطان من الحكم أدى إلى ظهور فرق قائمة على عصبيات عرقية تفشت بين أمراء بلاطه وملوكه.
وقد حدثت فى مستهل حكمه هجمة ترتب عليها وقوع مذبحة بين صفوف الأمراء المغول الذى أسلموا منذ قريب، وهم المغول المسمون "نَوْ مسلمان" كما أن التنازع على السلطة أصبح بين الجماعة القديمة الأصول التى تسمى بالملوك وبين الطائفة الخلجية التى يتزعمها "تاج الممالك جلال الدين فيروز" (الذى صار سلطانًا من سنة ٦٨٩ هـ حتى ٦٩٥ هـ)، ولقد مرض كيقباد وأصيب بالشلل الذى يرجح أنه كان بسبب إسرافه فى شهواته، أو حينذاك نصب الترك ابنه الطفل شمس الدين سلطانًا وأجلسوه على العرش، غير أن جلال الدين فيروز تمكن من السيطرة على كل من السلطان الصغير والعاصمة معًا وما لبث إلا قليلا حتى استحوذ على العرش لنفسه، وكان كيقباد فى هذه الأثناء وهو يصارع الأيام قد هاجمه أولا أمير تركى كان قد أمر بقتل أبيهم فقتل ثأرًا لأبيهم ودثَّروه فى دثار خشن وألقوا به فى مياه نهر جَمُنا فغرق.
بدرية الدخاخنى [التحرير]
الكيمياء
اشتقت الكلمة من الكلمة السريانية "كيميا" والتى ترجع بدورها إلى المصطلح اليونانى "خوميا خيميا" التى تعنى "صب المعادن وسبكها" وثمة كلمات كانت تستخدم كمرادف للكيمياء منها "الصنعة"، "الصنعة الإلهية" و"علم الصناعة".
ولقد عرّف العرب الكيمياء عدة تعريفات، فهم يرون أن مهمتها صناعة الذهب والفضة من غير خاماتها كما
стр. 8548
يقول ابن النديم. ومهمتها إضفاء الألوان على المعادن التى تخلو منها أصلا كما يرى جابر بن حيان، وأن تعمل على تغيير خواص المعادن بحيث يمكن الحصول على الذهب والفضة من خلال حيل (الغزالى). وبفضل الكيمياء يمكن تجنب الأذى والفقر (إخوان الصفا). ولذلك كان موضوع الكيمياء هو تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة. ومن هنا لابد من رسم حدود لا تتعداها: فعلم المعادن لا يدخل فى نطاق الكيمياء بمعناها الدقيق وإن كان يتحتم على الكيميائى -بطبيعة الحال- أن يكون على معرفة وثيقة بالمعادن (معرفة أيضًا بالحيوان والنبات)، ولا يدخل فى نطاقها صناعة الزجاج وتزييف الأحجار الكريمة كما لا تدخل فيها الأنشطة التعدينية مثل استخراج الحديد والذهب والفضة من خاماتها على نحو ما وصفه الهمدانى (كتاب الجوهرتين) بدقة تدعو للإعجاب، ولا يدخل فى مجالها المواد الكيماوية التى يستخدمها الصناع والحرفيون فى صناعة الأصباغ والألوان والعطور. أما عنوان "كيمياء العطر" الذى وصفه الكندى لكتاب له عن دحض العطور فهو ذو معنى مجازى شأنه شأن "كيمياء السعادة" التى يطلقها الصوفية على كتاباتهم. وأخيرًا ينبغى ملاحظة أن فكرة "كيمياء المستحضرات الطبية" لم يكن لها وجود فى العصور الوسطى الإسلامية. أما الأدوية المركبة فكان يعدها الطبيب أو الصيدلى طبقا لما جاء فى كتاب جالينوس "تركيب الأدوية" أو طبقًا للأقرباذينيات التى وضعها العرب. ولاشك أنه كانت توجد نقاط التقاء بين المهن المختلفة؛ فخبراء المعادن وصانعو العطور يعملون بنفس الأدوات والأجهزة التى يستخدمها الكيميائيون، بل إن بعض الكيميائيين قد مهر فى العلوم المتعلقة بها مثل محمد بن زكريا الرازى الذى صنف المعادن. ومهما يكن من أمر فإن فن تحويل المعادن يجب إخراجه من دائرة تلك المهن التى تعد أقرب ما تكون إلى الطابع العملى وذلك نظرًا لما تنطوى عليه من أسس نظرية.
لقد بدأت الكيمياء عند الإغريق. ولابد من ملاحظة أن الكتاب الرابع من "الآثار العلوية" لأرسطو -المشكوك فى
стр. 8549
صحته- لا يعد كتابا عن الكيمياء بمعناها الحديث ولا يعد بداية للكيمياء القديمة. بل هو يتناول الكيفيات الأولى بوصفها عللا لكل تغيير يحدث فى الطبيعة. وفى حوالى عام ٢٢٠ ق. م عرف بولس المندى بعض الطرائق الفنية للتلوين، ويبدو أن مثل هذه الطرائق إلى جانب أفكار الأفلاطونية الجديدة والغنوصية والسحر قد هيأت للكيمياء القديمة أن تؤكد وجودها فى مصر القديمة. وهناك عدد من الكتابات المتناثرة يرجع تاريخها إلى ما بين القرن الثانى والقرن الثالث الميلاديين وتحمل أسماء هرمس وتوت وغيرهما، وفى بداية القرن الرابع الميلادى انضمت إليها كتابات ذوسيموس [من "بانوبوليس" (أخميم)]، وفى القرن السادس الميلادى كانت للفيلسوف الأفلاطونى الجديد "أليميودوروس" والإمبراطور هيراقليوس كتابات أيضًا عن الكيمياء. . وقد ترجم إلى العربية عدد كبير من هذه الكتابات. ويبدو أن أول ما ترجم منها كان فى نهاية القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى. أما الجزء الأكبر فقد تمت ترجمته إلى العربية فى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى. وهناك احتمال أن تكون ثمة ترجمات وسيطة باللغة السريانية ولكن ليس من الواضح ما إذا كان حنين بن اسحق وتلامذته قد شاركوا فى هذه الترجمات.
وكثير جدًا من المخطوطات العربية فى الكيمياء قد حفظت لنا من عوادى الزمن. ولكن لم يكشف النقاب إلا عن جزء صغير للغاية من محتوياتها سواء فى صورة فهارس أو قوائم منشورة. وبالتالى فمن غير الممكن حتى الآن وضع تاريخ للكيمياء العربية. فلا زالت بدايات هذا العلم -وبصفة خاصة- فى القرنين الثانى والثالث الهجريين (الثامن والتاسع الميلاديين) يلفها الظلام إلى حد بعيد. إلا أنه يمكن القول إن الفترة ما بين (نهاية القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى وبداية القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى) -حيث جمعت الكتابات الرئيسية لكل من جابر بن حيان ومحمد بن زكريا الرازى- هذه الفترة لابد أنها شهدت ظهور مكتبة هامة عن الكيمياء قوامها كتابات كتبها يونانيون
стр. 8550
ومصريون ويهود ومسيحيون وفرس وهنود وحكماء وفلاسفة.
وبذلك أصبح فى حوزتنا عدد كبير من الكتابات العربية والشذرات والاقتباسات تظهر فيها أسماء تلفت نظرنا مثل: فيثاغورس وأرخيلاوس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وبورفيريوس وجالينوس وديمقريطس وذوسيموس وآخرون كثيرون. لقد شكلت الكتابات والمذاهب المنسوبة لهذه الشخصيات الأساس الذى تقوم عليه مجموعتان كبيرتان ورئيسيتان من الكتابات الكيميائية ظهرتا فى (نهاية القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى وبداية الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى)، وهما كتابات كل من جابر بن حيان، والرازى. ويعد جابر بن حيان (ولعله توفى حوالى ١٩٦ هـ/ ٨١٢ م) صاحب أول مؤلف فى الكيمياء. وفى (القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى) كان محمد بن أُمَيْل مبرزا بكتاباته ذات الطابع السحرى المجازى، وتبعه فى ذلك محمد بن عبد الملك الكاثى الملقب بالمجريطى فى (القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى) بكتاب "رتبة الحكيم"، ومحمد بن يشْرون. وكان أهم الكيميائيين فى (القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى) الشاعر ورجل الدولة حسين على الطُّغرائى، وواعظ فاس على بن موسى والملقب بابن أرفع رأس. وحول (منتصف القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى أبو القاسم السيماوى الذى عمل فى العراق، وفى (القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى) ألّف المصرى أيدمر بن على الجِلْدكى عددًا لم يسبق له مثيل من الكتب تناول فيها بالتلخيص أو الشرح كل ما كتب قبله فى الكيمياء والسحر، وفى الفترة التالية على ذلك توالى ظهور عدد من المؤلفين على جانب من الأهمية إما لأنهم جامعو معلومات أو لأنهم ألفوا كتابات موجزة من نتاجهم، وفى النصف الثانى من القرن (الحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى) حاول صالح بن نصر اللَّه بن سلّوم وهو طبيب لدى بلاط السلطان محمد الرابع (١٠٥٨ - ١٠٩٩ هـ/ ١٦٤٨ - ١٦٨٧ م) أن يُدخل إلى الطب العربى المفاهيم الكيميائية التى وضعها باراسيلسوس وهى
стр. 8551
المفاهيم التى منحت الكيميائيين القدامى فرصة الشروع فى نهج أساليب جديدة إلا أنهم لم يستفيدوا من هذه المفاهيم بل على العكس من ذلك واصلوا بحثهم العقيم -وحتى وقت قريب- عن حجر الفلاسفة.
لقد تُرْجِمَتْ المؤلفات العربية إلى اللاتينية فى العصور الوسطى. ولم تكن المؤلفات اليونانية -بل هذه المؤلفات العربية- هى التى مهدت الطريق نحو قيام كيمياء غربية -وهكذا أدخلت قدرا من التطور مرَّ عبر "أرنالد الفيلانوفى" -جابر اللاتينى- وبارسلوس إلى أن وصل إلى روبرت بويل (١٦٢٧ - ١٦٩١ م) وجوزيف بلاك (١٧٢٨ - ١٧٩٩ م). وجوزيف بريستلى (١٧٤٣ - ١٧٩٤ م) ولافوازييه (١٧٤٣ - ١٧٩٤ م)، كما أدى فى نهاية المطاف إلى معجزة الكيمياء الحديثة. بل إن هذه المؤلفات العربية أعطت دفعة هامة للتاريخ الثقافى الأوربى، ويكفى أن نذكر "ياكوب بومة" وجمعية الروزيكروش ونوفاليس وجوته.
يوضح هذا المسح التاريخى الموجز أن الكيمياء العربية تحتل موقعًا رئيسيًا فى تطور الفكر الكيميائى ككل -إلا أنها- وعلى النقيض الصارخ من أهميتها- ظلت للأسف مهملة من الباحثين. ومعظم ما كتبه مؤرخو العلم عن الكيميائيين العرب يعد من الكتابات التى لا تستند إلى المصادر الأصلية، بل تقوم على كتابات عفى عليها الزمن وشوهتها الأخطاء الفادحة. إن هناك مجالًا ضخمًا أمام البحث وإن كان الولوج إليه ليس بالسهل الميسور. إن الكيمياء ظاهرة معقدة تعقيدًا غير عادى إذ تضم اتجاهات عديدة ومختلفة. كما أدخل المؤلفون العرب فى نسيج فكرهم تأملات فى السحر والحساب والتنجيم والبيولوجيا. وتميزت الكتابات السحرية وكتابات ابن أُمَيل بالغنوصية، بينما تميزت كتابات أخرى بصوفية عميقة. ومن هنا نفهم ما يعنيه ابن العربى (فى الفتوحات) حين يشير إلى الكيمياء بوصفها "علم طبيعى روحانى إلهى" وبصفة عامة لم تكن المهمة الملقاة على عاتق الفلسفة الطبيعية مقصورة على
стр. 8552
معرفة كيفية تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة بل تهدف أيضًا إلى إقامة الصلة الشاملة مع العالم؛ ففى رأى كثير من العلماء أن عملية تنقية المادة لا تنفصل عن تنقية الروح، ولقد كشف الكيميائيون القدامى عن نفاذ بصيرتهم فى المقالات النظرية، والقصص المجازية، والأساطير والرؤى والقصائد. ولكى يحموا أنفسهم ضد اتهامات المتشددين أو المنافسين، كانوا يستخدمون أسماء مستعارة وعملوا على الاستفادة من التعابير الملتبسة والرمزية. وكل هذا جعل كتاباتهم مبهمة ويصعب فهمها، لذلك كان طبيعيا أن يرى "التنويرى" فى تاريخ الكيمياء جزءًا من "تاريخ الحماقة الإنسانية"، بل إن فى الطبعة الأولى من دائرة المعارف الإسلامية أبدى أ. فيدمان ملحوظة مؤداها أنه "لا يمكن تصور أن كائنات عاقلة قد كتبت مثل هذه الأشياء"، ولم يمهد الطريق نحو تفسير ذى دلالة وله ما يبرره للكيمياء القديمة سوى علم دراسة الدين وعلم دراسة أعماق النفس. (إن ج. إيفولا، ك. ج. يونج، م. إلياد) هؤلاء بصفة خاصة، قد أوضحوا -بحق- كيف هيمنت على الكيمياء القديمة طرائق فى التفكير أسطورية وصوفية وغنوصية. وهنا تكمن مهمة فك رموز النصوص العربية من خلال دراسات دقيقة تستعين بالتاريخ وفقه اللغة، وبذلك يتم إرساء الأسس التى تمنع الانزلاق نحو إصدار أحكام متسرعة أو اقتراحات تقريبية.
حتى الآن لم يكن بوسعنا قول الكثير عن الأسس النظرية للكيمياء العربية، بل إن هذا القليل الذى قلناه قد جاء عرضًا. فطريقة بناء النظريات تختلف اختلافا بينا من مؤلف لآخر بل إن الأعمال الكاملة التى تحمل اسم "جابر بن حيان" -وبالتالى فثمة افتراض بوجود وحدة فيما بينها- هذه الأعمال تكشف عن مفاهيم تختلف فيما بينها اختلافًا شديدًا، ومن ثم [حسبما يرى البعض] فلن تقدم هنا سوى عدد قليل من المفاهيم الأساسية وهى لا تحمل صفة العمومية فى التطبيق.
فتحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة أمر ممكن لأن أنواع
стр. 8553
المعادن تشكل جنسًا واحدا، ولا يختلف أحدها عن الآخر سوى فى الأعراض وهذه الأعراض قد تكون ذاتية (جوهرية) أو عرضية. إلا أن الأعراض ليست ثابتة بل متغيرة وهو ما نشاهده فى الطبيعة. والواقع أن المعادن تنمو فى باطن الأرض عبر فترات طويلة.
وهى تتغير -من خلال عملية تعد نوعا من الإنضاج- من معادن خسيسة إلى معادن ثمينة ثم إلى ذهب فى نهاية الأمر. وهذا التحول كما يراه بعض العلماء يحدث تحت تأثير النجوم. وفى مقدور الكيميائى القديم أن يسرع بهذه العملية بواسطة أنابيقه، وبوسعه -بفضل مهارته- أن ينجز فى يوم واحد ما تتطلب الطبيعة لإتمامه آلاف السنين. وتقدم لنا الكتابات الكيميائية مئات بل آلاف الوصفات لعمل الذهب، من هذه توجد ثلاث طرق رئيسية:
١ - تقوم الطريقة الأولى على نظرية الزئبق - الكبريت؛ فالزئبق يحتوى على الماء والأرض، والكبريت يحتوى على النار والهواء، وبذلك تكون المادتان معا قد احتوتا على العناصر الأربعة. فإذا تمازجت واختلطت اتحدت أجزاء الكبريت والزئبق، والحرارة دائمة فى نضجها وطبخها فتنعقد عند ذلك ضروب الجواهر المعدنية المختلفة، فإذا كان الزئبق صافيا والكبريت نقيا، وكانت مقاديرهما على النسبة الأفضل، والحرارة فى درجة الاعتدال فعندئذ ينعقد الذهب الإبريز. وإن عَرَض لحرارة المعدن -فى طبخها- البرد قبل النضج انعقدت وصارت فضة بيضاء، وإن عَرَض لها اليبس من فرط الحرارة وزيادة الأجزاء الأرضية، انعقدت فصارت نحاسًا أحمر يابسًا، وإن عرض لها البرد قبل أن تتحد أجزاء الكبريت والزئبق قبل النضج انعقد منها رصاص قَلْعى (أى قصدير شديد البياض) وإن عرض لها البرد قبل النضج وكانت الأجزاء الترابية أكثر، صارت حديدًا أسود، وإن كان الزئبق أكثر والكبريت أقل، والحرارة ضعيفة انعقد منها الأُسْرُب (الرصاص الأسود الردئُ) وإن انفرطت الحرارة فأحرقته صار كُحْلًا، وعلى هذا القياس تختلف الجواهر المعدنية بأسباب عارضة خارجة عن الاعتدال وعن النسبة
стр. 8554
الأفضل، وزيادة الكبريت والزئبق ونقصانهما، وإفراط الحرارة أو نقصانها، أو برد المعدن قبل نضجها أو خروجها من الاعتدال، فعلى هذا القياس حُكْم الجواهر المعدنية الترابية. (إخوان الصفاء، جزء ثان، القزوينى: عجائب). كان الكيميائى إذن يحاول أن يحاكى الطبيعة، فهو يحاول أن يكتشف مقدار الكبريت ومقدار الزئبق اللذين يحتويهما الذهب، وأى درجة من الحرارة تلزم لاتمام عملية الإنضاج. فإذا نجح فى توفير هذه الظروف يكون فى مقدوره عندئذ الوصول إلى مركب الذهب. وربما كان علينا أن نضيف إلى ذلك أن "الزئبق" و"الكبريت" لا يعنيان بالضرورة ما يقصده الكيميائيون حاليًا بهذين العنصرين، بل يفهم من هذين المصطلحين المبادئ الأساسية للسيولة والاحتراق (فهم يتحدثون عن "الزئبق الرجراج" و"الكبريت المحترق").
٢ - والطريقة الثانية تقوم على "علم الموازين" الذى نادت به "أعمال جابر بن حيان" فالكيميائى يحاول إقامة علاقة متبادلة بين المعادن حسب الحجم والوزن. وأن يؤسس بناء على هذه المعلومات جسمًا له حجم ووزن متجاوبان.
٣ - إلا أن أهم طريقة يوصون باتباعها هى تعريض الاكسير. ويتكون الاكسير من مواد معدنية ونباتية وحيوانية. يوضع هذا الاكسير على معدن خسيس ثم ينقل ليوضع فى ظروف خالية عن آية كيفية، فالاكسير يتخلل هذا المعدن كما تتخلل الخميرة العجين، ويحوله إلى ذهب وهو أعلى قيمة من معدن الذهب.
لقد أقيمت كل هذه النظريات بناء على مقدمات لا يمكن البرهنة عليها أو تكذيبها. ومن هنا لم يكن جدال العلماء المسلمين حول إمكانات الكيمياء ليحقق أى تقدم حقيقى. واعترف الكيميائيون بصعوبة مهمتهم ولكنهم يؤكدون أنه لابد وأن يكون فى الإمكان الكشف من جديد عن سر صناعة الذهب التى كان يعرفها ولا شك الحكماء القدامى. لقد كان الجدال يجرى بينهم على المستوى
стр. 8555
النظرى أساسا. إذ تُطْرَحْ الأدلة الفلسفية والكلامية ومنها تستنبط -فى أغلب الأحوال- النتائج بناء على مقارنة بين الحالات.
وموقف الجاحظ إزاء الكيمياء لم يكن واضحا تمامًا؛ فهو يتشكك فى جدواها، ولكنه يطرح سؤالًا عما إذا كان من الممكن خلال خمسة آلاف عام صنع الذهب عندما تتوافق العوامل المختلفة من نوعية العناصر والفترة الزمنية المناسبة والوضع الصحيح للنجوم. . إلخ (كتاب الحيوان). وكان يرى أنه من المفارقات أن يكون فى الإمكان صنع الزجاج من الرمال. فى حين أنه من غير الممكن تحويل النحاس والزئبق إلى ذهب وفضة على الرغم من أن حالة الشبه بين الزئبق والفضة الذاتية أشد منها بين الرمل والزجاج الفرعونى. وقد ألّف يعقوب بن إسحق الكندى كتاب "إبطال دعوى المدَّعين صناعة الذهب والفضة من غير معادنها". وهو بمثابة تكذيب لأولئك الذين يدّعون قدرتهم على الحصول على الذهب والفضة من غير خاماتهما. إذ يقول إن البشرية غير قادرة على القيام بأعمال هى مقصورة على الطبيعة. وقد رد على هذا الكتاب على الفور محمد بن زكريا الرازى.
وكان الفارابى (توفى ٣٣٩ هـ/ ٩٥٠ م) يرى أن تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب أو فضة أمر ممكن طبقا لرأى أرسطو عن الأحجار، ذلك أن أنواع المعادن تنتمى إلى جنس واحد. ولكن من الصعب بمكان تحقيق هذا التحويل، إذ أنه يستلزم دراسة شاملة للمنطق والرياضيات والعلوم الطبيعية.
وكانت نصوص الكيمياء تتخفى وراء أسماء مستعارة ورموز، لأنه لو لم يكن الأمر كذلك لكان فى مقدور أى شخص أن يكتشف سر صناعة الذهب، وبذلك يصبح الذهب بلا فائدة كوسيلة لتسديد المستحقات. وهذه الحجة الاقتصادية كان يكررها المرة تلو المرة المؤلفون اللاحقون.
ولقد عمل الجغرافى الهمدانى (توفى ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م) بطريقة مشابهة ومستمدة من علم المعادن حيث كان
стр. 8556
على معرفة تامة بهذا العلم. فكما أن الحديد والصلب يمكن أن يصلا إلى درجات من الجودة والنقاء باستخدام علم المعادن -أى باستخدام مهارة الإنسان، فكذلك فى مقدور المرء أن يصطنع طرقا لصناعة الذهب ذلك المعدن الذى يتم إنضاجه بطريقة طبيعية فى باطن الأرض. غير أن الادعاء بقدرة الإنسان على محاكاة الطبيعة، هذا الادعاء ذاته كان موضع تفنيد شديد من أبى حيان التوحيدى وأبى على بن سينا. فالكيميائيون لا يستطيعون سوى عمل شئ يشبه فى الظاهر المعادن الثمينة، غير أن الحواس لا تدرك الفصول (الفروق النوعية) فى المعادن بعد إجراء العمليات الكيميائية، بل تدرك اللوازم والعوارض فحسب. أما جوهر المعدن الخسيس فيظل كما هو دون تغيير. وظل ابن سينا -بسبب أقواله هذه- هدفًا لمجادلات كل الكيميائيين الذين جاءوا بعده ولا سيما الحسين بن على الطُّغرائى وأيْدَمِرْ بن على الجِلْدَكى. ففى كتاب "حقائق الاستشهاد" الذى ألَّفه الطغرائى عام ٥٠٥ هـ/ ١١١٢ م كتب أهم دفاع عن الكيمياء؛ فهو يرد على اعتراض ابن سينا بقوله إن العمليات الكيميائية لا تخلق على الإطلاق فصلًا جديدًا (فَرْقا نوعيا) بل إن كل ما تفعله هو إعداد المادة لكى تتلقى هذا الفصل أو الفرق النوعى الذى يمنحه إياها اللَّه الخالق. والطُّغرائى بذلك يضع فى اعتباره جبهة علماء الكلام ونقدياتهم، وقد وجد هذا النقد لسان حال له فى كل من ابن حزم الأندلسى وابن تيمية وتلميذه ابن القيِّم الجوزية (ت ٧٥٠ هـ/ ١٣٤٩ م). فقد تضمن كتاب ابن القيِّم الجوزية "مفتاح دار السعادة" هجومًا -استغرق مائتى صفحة- ضد كل العلوم السرية وبوجه خاص التنجيم؛ فهو يرى -شأنه شأن ابن سينا- أن الكيميائيين لا يفلحون إلا فى إضفاء المظهر، ولكنهم غير قادرون على صنع ذهب حقيقى أو فضة حقيقية. وكذلك ابن خلدون كان خصما للكيمياء، ورأيه فيها أنها نوع من السحر. ولقد كانت الشروح النظرية
стр. 8557
للكيميائيين وتأملاتهم كاملة فى حد ذاتها من ناحية، ومكتملة بالتجارب المعملية من ناحية أخرى، ذلك أن الخبرة التى اكتسبت عبر هذه التجارب قد أدت بدورها إلى ظهور نوع جديد من الكتابة والنظريات.
وأغلب الظن أن للكيمياء دورًا أكبر فى تقدم العلم التجريبى منه فى الطب أو العقاقير أو الفيزياء أو الفلك. ولقد تم إنجاز تجريبى هام يتمثل فى أكسدة الزئبق حيث عرض هذا الزئبق لنيران هادئة جدا لمدة تزيد على أربعين يوما. وقد أورد "المجريطى" -وهذا اسم مستعار- وصفا لهذه العملية فى كتابه "رتبة الحكيم"، وأكد أن وزن المادة ظل كما هو -دون تغيير- قبل التجربة وبعدها. وصور لنا ابن شُهَيْد (٣٨٢ - ٤٢٦ هـ/ ٩٢٢ - ١٠٣٥ م) تجهيزات المعمل فى صورة تدعو للإعجاب. إذ كانت به أجهزة عديدة: "أُثَال" للتقطير والتصعيد، و"قَرْع" يوضع فوقه الأنبيق، وبوتقة لصهر المعادن وتنور (موقد كبير) لتوليد درجة حرارة عالية، وقنينة وقِدْر أو "طِنْجَر" و"سُكُرُّجة" وهاون. وكثير من الأجهزة أطلقت عليها أسماء من يقال أنهم مخترعوها، مثل "أتون فيثاغورس" و"بئر زوسم" و"حمام ماريا". وكانت التدابير -أى العمليات الكيميائية- تتم بواسطة مثل هذه الأجهزة والأوعية والأفران.
وكان إجراء هذه العمليات يسلك طرقا -هى فى جوهرها- نفس الطرق التى استخدمتها الكيمياء اليونانية. ومعظم المصطلحات الفنية العربية مترجم عن مفاهيم يونانية. وكان تحليل أى مادة يتم بالماء أو الأحماض أو القلويات، أما التعفين فهى عملية تفتيت الجزئيات مع الاستعانة بالماء. وهناك عمليات التقطير والتصعيد والتكليس، وهناك أيضًا التجميد والتعقيد لتقوية وتثبيت مادة ما. وعملية التبييض تعنى صنع الفضة، والتحمير صنع الذهب. إلا أن كثيرًا من الكيميائيين لا يستخدمون هذه المصطلحات أو غيرها من التعبيرات إلا استخدامًا رمزيا فحسب، أو بمعان مختلفة تمام الاختلاف خشية أن ينكشف سرهم، ولذلك كان فهم
стр. 8558
النصوص الكيميائية أمرا شاقًا لأبعد حد.
ولما كان الكيميائيون -منذ فجر التاريخ- مضطرين للاحتفاظ سرًا بمعارفهم المقصورة عليهم، استخدموا أسماء مستعارة لا حصر لها، لا لإطلاقها على العمليات الكيميائية فحسب بل لإطلاقها على المواد والأكاسير فكثيرًا ما كان يُشار إلى المادة الواحدة بأسماء عديدة، وبالعكس كان الاسم الواحد يطلق على عدة مواد مختلفة. ولهذه الأسماء المستعارة تراث إغريقى أيضًا، إذ كانت أسماء الكواكب تستخدم لإطلاقها على المعادن؛ فالشمس هى الذهب، والقمر هو الفضة، والمريخ هو الحديد. . إلخ. وبعض الكلمات تنطوى على خواص المادة؛ فالفَرّار هو الزئبق والأشقر هو النحاس. وكثيرًا ما كانت تستخدم أسماء الحيوانات، "فالعُقاب" قد يطلق على ملح النشادر، و"العقرب" و"عنق الحية" على الكبريت و"طاووس البرية" على النحاس. ويختلف معنى مثل هذه الأسماء المستعارة من مؤلف لآخر ومن معمل لآخر فليس لها مدلول عام واحد.
والعرب أنفسهم أخذوا على عاتقهم حل مشكلة معجم المصطلحات. فقد وضعوا القواميس أو أضافوا إلى الأعمال النظرية الكبيرة قوائم يشرحون فيها معنى هذه الأسماء المستعارة. ولكن قيمة هذه القوائم ضئيلة، إذ لن نتمكن من الترحال عبر هذا المجال الشائك سوى من خلال الطبعات المحققة بعناية وبروح نقدية مع مراجعة معجمية مقتدرة للمصادر. وإن كان المرجح أننا لن ننجح فى معرفة المعنى الأصلى للوصفات الكيميائية فى عدد غير قليل من النصوص.
المصادر:
(١) P.Kraus: Jabir ben-Hayyan, Contibutive a l'histoiwe des idees scilntifique dans I'Islam, Le Caire ١٩٤٢ - ٣
(٢) الفهرست: ابن النديم.
سعيد عبد المحسن [م. أولمان M. Ullman]
стр. 8559
كينيا (*)
كينيا: دولة فى شرق أفريقيا، يحدها من الشرق المحيط الهندى والصومال ومن الشمال إثيوبيا والسودان ومن الجنوب تنزانيا ومن الغرب أوغندا. مساحتها ٥٦٤ ألف كيلومتر مربع، وعدد سكانها (فى التسعينيات) ٢٤ مليون و ٨٧٢ ألف نسمة تقريبًا، معظمهم من المسيحيين (٦٦ %)، وأتباع الديانات المحلية (٢٦ %)، أما المسلمون فيشكلون حسب الإحصاءات الرسمية ٦ % من السكان، وإن قيل إنهم يمثلون ربع السكان. وتتفاوت نسبة المسلمين من قبيلة إلى أخرى، ففى قبيلة بوكومو يمثلون ٨٥ %، بينما لا تزيد نسبتهم عن ٢٥ % فى الدروما. وتتألف مجتمعات المسلمين من أعراق وقبائل شتى، تضم جميع المذاهب الإسلامية الرئيسية (السنة والشيعة الاثنا عشرية والإسماعيلية والبهرة. .)، وإن كانت الغلبة للمذهب السنى الشافعى.
وتمتد صلة المنطقة بالعرب إلى ما قبل الإسلام، حيث كان التجار العرب يفدون من جنوب غرب الجزيرة العربية إلى ساحل كينيا، ولكن من العسير أن نحدد متى وفد أول المسلمين إلى أرض الساحل؟ ومتى استقروا عليه؟ ورغم أن الروايات المحلية المتواترة وبعض كتب الحوليات المتأخرة ترجع هذا الاستقرار إلى عصر الخليفة عمر ابن الخطاب، وإن كانت تعوزنا الأدلة الأثرية أو غير الأثرية التى تؤيد ذلك الرأى. ويقول المسعودى (القرن الرابع الهجرى) وهو أقدم مصدر عربى هام عن تاريخ المنطقة، إن جزيرة
стр. 8560
كانبالو (بمبا أو زنجبار) كانت تحكمها أسرة مسلمة، وإن شعبها خليط من المسلمين وغير المسلمين.
وأظهرت الحفائر التى أجريت فى "جزيرة مندا" آثار مدينة عظيمة ترجع إلى ذلك التاريخ، ورغم أن الكثير من أبنيتها كانت من الطين والأعواد النباتية، لكن جدرانها المطلة على البحر من صخور مرجانية ضخمة، وكان وزن بعض قطعها يزيد على طن وأظهرت الحفائر كميات كبيرة من الفخار الإسلامى وبعض كسر البورسلين الصينى، مما يشير إلى صلاتها المباشرة ببعض الأقاليم الإسلامية. ولم تقتصر صلاتها التجارية على جنوب بلاد العرب فحسب، بل وامتدت إلى الخليج العربى وذلك فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى).
ويبدو كذلك أن بعض المهاجرين من فارس (إيران)، وكانوا يعرفون بالبنادر، جاءوا واستقروا فى مدن الساحل الصومالى وتزاوجوا مع السكان الأصليين الذين كانوا يتكلمون لغة البانتو، وأسهموا فى تاسيس مقديشيو التى أصبحت فى القرن السابع الهجرى أهم مدينة إسلامية على الساحل الشرقى لأفريقيا. ثم انتقلت إلى الجنوب هذه الأسر الفارسية الأفريقية أو الشيرازية كما باتت تدعى. وأقامت فى بعض المناطق فى كينيا مثل شنجا ومَندا ومُمبسة وتزاوجت مع الأهالى، وصار أفرادها جزءًا من الأسر الحاكمة فى ماليندى وغيرها. وترتب على ذلك تأسيس عدد من الدويلات أو السلطنات الصغيرة التى تحكمها أسر مسلمة، ومن ثم فلا يجوز وصف تلك الدويلات بأنها مستعمرات عربية، فالملمح الغالب فيها لم يكن العنصر العربى، بل العقيدة الإسلامية، وقد نعمت تلك الدويلات فى الفترة من القرن السابع حتى العاشر الهجرى أى عند وصول البرتغاليين، بازدهار ثقافى ورخاء مادى لم يقدر لها أن تنعم بهما قط فى العصور التالية، وكانت كل دويلة منها مستقلة عن الأخرى، مما ينفى فكرة وجود إمبراطورية الزنج المزعومة. وكثيرًا ما كانت الحروب تنشب بينها، ولكنها مع ذلك كانت تتمتع بقدر كبير من الترابط التجارى والثقافى.
وكان أهلها يمارسون زراعة الذرة
стр. 8561
العويجة والأرز والموز، وأكثر ما يزرعونه كان لاستعمالهم الجماعى، ولكنهم أثروا من التجارة فى العاج والعنبر والذهب والعبيد. كما كان ببعضها صناعات محلية، ومنها ما اشتهر بصناعة المنسوجات الملونة الفاخرة. ومجمل القول إن الدهشة استبدت بالبرتغاليين حين جاءوا إلى هذه البلاد مما وجدوه من ضروب الحضارة، وقد أدركوا أن أهلها مسلمون Moors * وكانت اتصالاتهم المريبة بالحكام المسلمين فى فمبسة وغيرها جزءًا من سياستهم الرامية إلى الالتفاف حول الإسلام وتطويقه.
وكان معظم الأهالى سنيين من أتباع المذهب الشافعى الذى تفشى بينهم تحت تأثير السادة أو الأشراف الحضارمة (حضرموت) الذى استقروا بينهم وتزاوجوا معهم فى القرنين الثامن والتاسع الهجريين.
وكان الطلاب يسافرون من شرق أفريقيا إلى الحجاز وحضرموت وأحيانًا مصر ليتعلموا فى مدارسها على أيدى فقهائها المشهورين، ثم يعودون إلى ديارهم ليعلموا الأهالى العربية ويفقهونهم فى الدين والشريعة فى المساجد أو فى دورهم. ومن هؤلاء المعلمين تكونت مجموعة قوية من العلماء كان يُختار من بينهم القضاة.
وكان الأطفال المسلمون يتعلمون فى الكتاتيب تلاوة القرآن، وكيف يكتبون بالحروف العربية، ولكنهم قلما كانوا يكتبون بهذه اللغة، وأدى ذلك إلى ظهور أجيال من المسلمين من سكان الساحل الذين يتكلمون اللغة السواحلية لا العربية. وأصبحت هذه اللغة التى استمدت الكثير من مفرداتها من العربية اللغة الأولى المتداولة فى المنطقة. ونشأ أدب سواحلى متأثر إلى حد بعيد بالثقافة واللغة العربية.
وقد استمر البرتغاليون سادة على المنطقة خلال القرنين التاليين حتى أزاحهم الأهالى بمعاونة إمام عمان الذى استنجدوا به. وأخفقت جهود البرتغاليين فى القضاء على الإسلام هناك، ورغم أن بعض مصادرهم تشير إلى تحول بعض الأهالى للمسيحية، لكن كل أثر للمسيحية اندثر عندما
стр. 8562
رحلوا، وكان على المبشرين فى القرن التاسع عشر الميلادى أن يبدءوا المسيرة والدعوة من جديد. وكان وجود البرتغاليين عاملًا هامًا فى التدهور الاقتصادى الذى أصاب تلك الدويلات الزاهرة، فقد أساءوا استغلالها، وأحرقوا مُمبسة على سبيل المثال مرتين.
وخلف العرب العُمانيون البرتغاليين فى الهيمنة على أرض الساحل، وتمتع الشيوخ المحليون بقدر كبير من الحكم الذاتى والسلطة الحقيقية على الأراضى الخاضعة لهم، وإن كانت السيادة الاسمية لأسرة بوسعيد، أئمة عُمان.
وكان العرب العمانيون من أصحاب مذهب الإباضية، أما أهل الساحل، فكانوا من الشافعية، يمكننا أن نعزو ذلك إلى أثر الأشراف الحضارمة الذين استقروا بأعداد كبيرة بالمناطق الساحلية القرنين الثامن والتاسع الهجريين.
ورغم وجود بعض الأدلة التى تشير إلى امتداد الثقافة السواحلية فى الأقاليم الداخلية قبل القرن التاسع عشر الميلادى، لكن الإسلام لم يتوغل إلى عمق كينيا إلا بعد أن نقل أئمة عُمان عاصمتهم إلى جزيرة زنجبار، وحملوا معهم الكثير من مواطنيهم ومن الهنود والحضارمة والبلوخيين (أو البلوشيين) واتخذوا منهم حاميات عسكرية وموظفين إداريين ومحصلين للمكوس. كما وفد آخرون لاستغلال الإمكانات التجارية للمنطقة. وكان الاتجار فى العاج وقرن الخرتيت وغيرهما من منتجات الجزيرة وكذلك العبيد من الأنشطة الرابحة، وفى ظل العهد الجديد وصل النشاط التجارى إلى ذروة جديدة غير مسبوقة. وأخذت القوافل تشق إلى عمق القارة لتقايض الملابس والخرز والسكاكين والفؤوس وغيرها من المصنوعات بعلك السلع المحلية المربحة. واستخدم العبيد كذلك فى الزراعة فى الجزيرة وعلى أرض الساحل المقابلة.
وشهدت المنطقة عصرًا جديدًا من الازدهار تجسده مدينة ماليندى، التى
стр. 8563
زارها أحد المبشرين فى عام ١٨٤٦ م فوجدها يبابًا مهجورة، ولكن بعد ثلاثين عامًا تحولت بفضل المستوطنين العرب والتطورات الزراعية التى أدخلوها إلى منطقة وصفت بأنها شونة الغلال التى تغذى الساحل وجزءًا من أرض الجزيرة العربية.
وأتى الكثير من الهنود المسلمين من مختلف الطوائف بأسرهم إلى المنطقة وأقاموا فى مُمبسة وماليندى ولامو وغيرها من المدن الكينية، ومارسوا العمل فى التجارة. وأقاموا لهم أحياءً خاصة بهم ومساجد مستقلة لكل طائفة، وجماعات دينية مستقلة. وتمتعت تلك المجتمعات الإسلامية بلون من الحكم الذاتى سمحت به إدارة السلطان أولًا ثم سلطات الاحتلال الغربية فيما بعد.
فكان لطائفة الإسماعيلية مثلًا التى تعتبر الأغاخان رئيسها الروحى، موظفون معينون مختصون بالإشراف على شؤونهم الروحية والاقتصادية والاجتماعية. وقد تعرض مجتمعهم لهزة فى منتصف القرن التاسع عشر الميلادى حول مسألة قداسة الأغاخان مما جعل بعض أبناء الطائفة ينشقون عليها وينضمون إلى طوائف الشيعة الأخرى ومنها الاثنا عشرية الذين بدأ وصولهم إلى المنطقة فى ذلك القرن.
وكانت ثانى أكبر طائفة من المسلمين المهاجرين إلى أفريقيا طائفة البهرة، وكان رئيسها يعرف بالداعية المطلق، وكان يعين ممثلين عنه للإشراف على شؤون الطائفة وتدبير أمورها.
وكان العامل الثانى لتوغل النفود الإسلامى داخل القارة التحركات القبلية، فمنذ القرن الثانى عشر الميلادى أخذت العشائر الصومالية فى منطقة القرن الأفريقى تضغط على القبائل الأفريقية وتزيحها جنوبًا، وفى القرن التاسع عشر وجه الصوماليون ضربة قاضية للجالا بعد أن عبروا نهر جوبا إلى منطقة تانا التى كانوا يسيطرون عليها، وأخضعوها لهم، وأدى الاحتكاك
стр. 8564
بين المسلمين وجيرانهم من القبائل الأفريقية إلى اعتناق تلك القبائل للإسلام تدريجيًا بصورة بطيئة، ومنها الرنديل والبوران والجالا نفسها، ويمثل المسلمون اليوم ٩٠ % من أبناء تلك القبائل.
وهكذا أصبح قسم كبير من أراضى شرق أفريقيا يؤلف دائرة نفوذ إسلامية ضخمة فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وكان قطب هذه الدائرة جزيرة زنجبار وقاعدتها التجارية، وأدى هذا إلى شيوع القول: "عندما يزمرون فى زنجبار يرقص الناس على شواطئ البحيرات الكبرى".
ولم يبد المسلمون انزعاجًا للنشاط التبشيرى فى المنطقة فى ذلك الحين، وأبدى التجار ترحيبًا بالمبشرين، وساعدوهم فى رحلاتهم إلى الداخل وعاونوهم فى إقامة إرسالياتهم، ولكن الترحيب انقلب إلى عداء عندما بدأ هؤلاء المبشرون يحاولون التدخل فى شؤون التجارة، خاصة تجارة العبيد. ففى يوجندا تفجر الصراع بين المسلمين والمسيحيين عندما بدأ المبشرون الكاثوليك والبروتستنت ينظرون إلى النفوذ الإسلامى فى بلاط الملك (الكاباكا) نظرة عدائية. وكان السعى إلى الهيمنة السياسية هو لب القضية: أى هل يجوز السماح للعرب المسلمين بالتفوق على القوة الأوربية المسيحية؟
فتح هذا الصراع بطبيعة الحال الباب أمام التدخل الأوربى السافر ففى ١٨٨٤ م وضعت ألمانيا عدة مناطق فى تنزانيا تحت حمايتها. وفى العام التالى، انتهزوا فرصة الصراعات السياسية المحلية والخلافات بين حكام المنطقة وأعلنوا حمايتهم على سلطنة واتو بناءً على طلب سلطانها الذى كان يرفض الاعتراف بسيادة سلطان زنجبار عليه.
وفى عام ١٨٨٦ م عقد الانجليز والألمان اتفاقية لتمزيق أوصال سلطنة زنجبار التى انحصر نفوذها بموجب هذه الاتفاقية على شريط عرضه عشرة
стр. 8565
أميال يمتد على الساحل فيما بين حدود موزمبيق وكيبينى فى كينيا، واقتسمت الدولتان الأوربيتان باقى الأراضى فيما بينهما، ويشمل ذلك كينيا وجنوب الصومال وتنزانيا الحالية. وقد أبدى العرب السواحليون مقاومة للنفوذ الأوربى الذى بدأ يهدد بضياع نفوذهم السياسى والتجارى، وأخذ يتدخل فى أعرافهم الإدارية والاجتماعية والثقافية والدينية. وأدت محاولات الألمان "لألمنة" الساحل التنزانى ومعاملته المهينة لممثلى السلطان إلى اشتعال الثورة فى عام ١٨٨٨ م.
ونظر الأهالى إلى الحصار البحرى الذى فرضته القوى الأوربية فى محاولتها للقضاء على الثورة باعتباره تحالفًا مسيحيًا ضدهم. ثم تجددت الثورة حينما تنازلت ألمانيا لانجلترا عن سلطنة واتو الخاضعة لحمايتها، فقد اعتبر سلطانها، فومو بكرى، هذا التنازل خيانة له، وأمر بعض المواطنين الألمان الذين كانوا يثقبون عن المعادن فى أراضيه بمغادرة البلاد، وعندما رفضوا، أرسل قوة لحملهم على الخروج وترتب على ذلك قتل تسعة منهم، وكان على انجلترا، السيد الجديد للمنطقة، أن ترسل حملة تأديبة للسلطان الذى تزعم رغم ذلك ثورتين تاليتين.
فى عام ١٨٩٥ م، اندلعت ثورة فى تاكاونجو بقيادة مبارك المزروعى، وهو من أسرة المزروعى، حكام مُمبسة، وكان الانجليز قد تخطوا حقه فى وراثة منصب الوالى، واختاروا صنيعة لهم، وأعلن مبارك خروجه على السلطة البريطانية وساعده فى ثورته هذه عمه مبارك بن راشد، وانتشرت الثورة على طول الساحل الكينى من ماليندى حتى تنزانيا، واكتسبت تاييد الأفارقة من سكان الساحل وتعاطف الشيوخ السواحليون معها، واعتبرها أحد جهادًا فى سبيل اللَّه ورفع لواء الإسلام. ولكن الثورة قمعت فى النهاية، ولجأ زعماء الثورة إلى الأراضى
стр. 8566
الألمانية فى الجنوب. وكان فشل هذه الثورة نهاية لآمال السكان والمسلمين فى الاستقلال، لا فى كينيا وحدها، بل فى منطقة شرق أفريقيا بأسرها.
ومع هذا، فقد شارك العرب المسلمون فى إدارة شؤون البلاد فى كينيا وزنجبار وتنزانيا فى ظل الحماية البريطانية والألمانية، إذ كانت السلطات الاستعمارية بحاجة إليهم للعمل كموظفين لتوفر العناصر المتعلمة بينهم، فاختاروا منهم حكام الولايات والمديريات وقضاتها.
والواقع أن الإدارة الاستعمارية الجديدة ساعدت بصورة غير مباشرة فى انتشار الإسلام وذلك لجملة عوامل من بينها سهولة المواصاوت بفضل الطرق المعبدة والسكك الحديدية التى أنشئت، وبفضل الموظفين والجنود المسلمين الذين جلبتهم من السودان والصومال للعمل فى الحاميات والمدن البعيدة فى الأراضى الأفريقية، حيث تزاوج هؤلاء الجنود والموظفون مع السكان، ومنهم من اختار المقام فى تلك الأرض بعد انتهاء خدمته، كما أن عمل المسلمين فى الخدمة العسكرية والمدنية أكسبهم احترام الأهالى الذين أحسوا بالرفعة النسبية لمناصبهم، ومن ثم بدأ بعضهم ينظر بإعجاب للإسلام ومنهم من اتجه لاعتناقه.
وفى عام ١٩٢٤ م، دخل تدريس الديانة الإسلامية ضمن مناهج التعليم العام فى مدارس مُمبسة وماليندى، وشهد القرن العشرين بعض المحاولات الإصلاحية الإسلامية، ومنها تاسيس رابطة الإصلاح المحمدية والجمعية الأفروآسيوية التى كانت توجهاتها الأساسية سياسية، وكان أبرز زعماء الإصلاح فى هذا القرن الشيخ الأمين ابن على المزروعى الذى دعا لتأسيس هيئة للدفاع عن مصالح المسلمين. وفى عام ١٩٣٥ م، حاول بعض الدعاة الهنود الحد من النشاط التبشيرى المسيحى الذى انتشر فى ظل الإدارة
стр. 8567
الاستعمارية، فأرسلوا بعثة إسلامية لدعوة الكينيين للإسلام، ولكنها لم تحقق نجاحًا كبيرًا. وفيما عدا هذه البعثة ومحاولات أتباع الطريقة الحمدية الشاذلية لنشر الطريقة بين أبناء شرق أفريقيا على يد دعاتها، لم يظهر العالم الإسلامى اهتمافا كبيرًا بشأن المسلمين فى تلك المنطقة الحيوية.
ورغم جهود الدعاة والمصلحين، لكن المسلمين ارتضوا العيش كأقلية فى مجتمعات منعزلة دون روابط عضوية بين تجمعاتهم العربية والسواحلية والإفريقية والهندية، ولعل المسلمين الهنود هم أنشط تلك المجتمعات وأكثرها تنظيمًا وثراء.
المصادر:
(١) Chittick: ch. In Zamani a survey of East African History, ed Ogot, ١٩٧٣
(٢) R. Oliver: The missionary factor in East Africa; Ph. D. thesis, University of Nairobi, ١٩٧٤
د. محمد أبو العمائم [ف. ل. ميلانج F. L. Milang]
الكيا
الكِيّا الهراسى، شمس الإسلام عماد الدين أبو الحسن على بن محمد بن على الطبرى، المعروف خصوصا بالكيا، فقيه شافعى المذهب يعتقد اعتقاد الأشاعرة، والعالم بالمنطق والمعروف فى زمانه بإتقان فن المناظرة. (ولقبه الهريسى جاء نسبة إلى الهريسة، وهى طعام من قمح ولحم يخلطان ببعضهما ويطبخان). وهو زميل للغزالى وفى نفس سنة (وولد الاثنان فى ٤٥٠ هـ/ ١٠٥٨ م)، وتوفى الهراسى سنة ٥٠٤ هـ/ ١١١٠ - ١١١١ م، قبل وفاة الغزالى بعام.
درس أولا فى طبرستان، التى تركها فى سن العشرين ليدرس تحت إشراف إمام الحرمين الجوينى فى نيسابور، وكان واحدا من أنجح تلاميذه، وصار واحدا من أشهر مريديه. وتفوق فى ميدان الشريعة والفقه وأصول الفقه. ومن نيسابور ذهب الكيا إلى بيهق حيث درس الفقه الشافعى؛ وذلك بعد وفاة أستاذه الجوينى سنة ٤٧٨ هـ/
стр. 8568
١٠٨٥ م. ولقد ذهب زميله الغزالى إلى طوس إلى بلاط الوزيو السلجوقى نظام الملك. ومن بيهق توجه الكيا إلى بغداد ليتقلد كرسى الفقه الشافعى فى المدرسة النظامية، وهو منصب احتفظ به حتى وفاته سنة ٥٠٤ هـ/ ١١١٠ - ١١١١ م. ولقد درّس أيضا الحديث، وكان المحدث الثقة الشهير السلفى (٥٧٦ هـ/ ١١٨٠ - ١١٨١ م). واحدا من تلاميذه فى هذا الحقل.
اتُّهم الكيا بتعاطفه مع الإسماعيلية، وكان بسبب ذلك مهددا بفقد حياته، ولكنه أنقذ بسبب التماس عفو تقدم به علماء بغداد وكان من بينهم زميله القديم وشريكه فى المناظرة القاضى وعالم الدين ابن عقيل.
من بين أعماله المختصة بالمذهب الشافعى كتابه: المرشدين الذى اعتبره تاج الدين السُبكى واحدا من أعظم أعماله، ونقد مفردات الإمام أحمد، وبه نقاط يختلف فيها مع الإمام أحمد بن حنبل. كذلك فإن الكيا انتُقد بدوره من جانب العالم الحنبلى شمس الدين محمد بن قدامة المقدسى (٧٠٤ - ٤٤ هـ/ ١٣٠٤ - ٤٣ م)، فى كتابه الرد على الكيا الهراسى، وكذلك من جانب قاضى القضاة الحسن ابن عبد اللَّه، تلميذ ابن تيمية.
كذلك ينسب إليه كتّاب السِّير عملا فى أصول الفقه، عنوانه: "تعليق فى أصول الفقه".
المصادر:
(١) GAL, I, ٣٩٠, stndia Islamica, ٦٧ (bibiography cited)
(٢) G.Makdisi: Ibn Aqil et la resrgence de e'Islam tradirionalisre au xi e siecle (Ve siecle-de l' Hegire), Damascus ١٩٦٣, ٢١٦ and n. I (biliography cited), and index , iden, Muslim insitions of learning in eleventh-century, Baghdad, in Bsoas XXIV (١٩٦١), ٤١ and passim
د. عطية القوصى [ج. مقدسى G. Makdisi]
стр. 8569
ل
стр. 8570
لؤلؤ الجارحى
اسم كان يطلق غالبا على شخص ينتمى إلى أصل متواضع، أو أن يكون من الحرس أو كبير جماعة خاصة من الغلمان فى خدمة الأمير، وممن سمى بهذا الاسم غلام أحمد بن طولون؛ كان لؤلؤ رئيسا للشرطة فى بغداد عام ٣٢٤ هـ/ ٩٣٥ - ٩٣٦ م؛ كما كان هناك آخر يدعى بلؤلؤ، وكان أميرا لحمص نيابة عن كافور الإخشيدى، وهو الذى أسر المتنبى عندما ادعى النبوة وضم إليه جماعة من الموالى فى الصحراء السورية.
أما لؤلؤ الكبير الجارحى السيفى، فقد لعب دورا مهما فى بلاط الحمدانيين فى حلب، وتشير نسبة السيفى فى اسمه إلى أنه كان فى خدمة سيف الدولة الحمدانى، وكان قد برز فى أيامه لمشاركته مع غزاة خراسان فى تجريدة خرجت سنة ٣٥٥ هـ من أنطاكية لمهاجمة المصيصة، كما تدل نسبة الجارحى الواردة فى اسمه، إلى أنه قد خدم أيضا قبل الأمير الحمدانى، واحدا من أسرة الجرَّاح، قبل أن ينخرط فى خدمة الأمير الحمدانى، وإن سكت المؤرخون عن إيراد أى خبر عن هذه الناحية.
وعندما كان حاجب الحمدانى، أبو المعالى سعد الدولة على فراش موته ٣٨١ هـ/ ٩٩١ م، أوصى بأن يكون ابنه أبو الفضائل تحت رعايته، لذا فقد قام لؤلؤ -مع الغلمان- فى حمل الناس على الاعتراف بأبى الفضائل أميرا بعد أبى المعالى. وقد ازداد نفوذه عندما زوج ابنته لأبى الفضائل.
стр. 8571
واتبع لؤلؤ سياسة الحذر فى الموقف الصعب الذى واجهه أمير حلب إزاء التهديد الذى صادفه قائد معسكر الفاطميين بَنْجُوتكين (أو منجوتكين) ومن مطامع الفاطميين، إذ استرد الجنود الذين كان قد أرسلهم أبو الفضائل إلى الجنوب، ليتحاشى الصراع مع الفاطميين. وعندما وصل بنجوتكين فى ربيع الثانى ٣٨٣ هـ, وحاصر حلب، طلب سعيد الدولة ولؤلؤ النجدة من بيزنطة، التى كانت تفرض نوعا من الوصاية على إمارة حلب منذ معاهدة ٣٥٩ هجرية. وترامى الاثنان على أقدام البيزنطيين كما يقول يحيى ابن سعيد الأنطاكى، فاستجاب لهما الإمبراطور البيزنطى وبعث العسكر بقيادة "بوجى" حاكم أنطاكية، ولكن بنجوتكين ردهم على أعقابهم، واستمر فى محاصرة المدينة، حتى بداية عام ٩٥٥ م. واستنجد لؤلؤ بالإمبراطور فاسيل مرة ثانية فقدم بنفسه على رأس ١٣٠٠٠ رجل من قواته، وأجبر بنجوتكين على رفع الحصار، وأكرم الإمبراطور أبا الفضائل فأعفاه من دفع الجزية التى كانت تقدمها الإمارة للبيزنطيين منذ معاهدة ٣٥٩ هـ/ ٩٦٩ م. ولقد برهن لؤلؤ على أنه أشد صلابة من مولاه فى مواجهة بنجوتكين الذى كان أبو الفضائل مستعدا لتسليمه مدينة حلب.
ففى عام ٣٨٦ هـ, أقنع لؤلؤ سيده أبا الفضائل بالشدة فى معاملة والى معرة النعمان المتمرد، الذى سرعان ما انضم للفاطميين. وفى عام ٣٨٨ هـ، قام بمحاولة للاستيلاء على أفاهية، التى استنقذها دوق أنطاكية دميين دالاسينوس. فى صفر عام ٣٨٨ هـ، توفى سعيد الدولة أبو الفضائل، وتولى لؤلؤ القيام بكافة مهام السلطة، وقام باستبعاد ابنى سعيد الدولة، ونفيهما إلى مصر، ودمر بعض الحصون فى منطقة حلب لمنع أعدائه من توطيد أنفسهم هناك. وعلاوة على ذلك، أمر بحبس مغامر يدعى الأصفر، لكى يحتفظ بعلاقات طيبة مع بيزنطة، الذى كان يحلم بالجهاد ضدها، وكان هذا الجهاد أشد ما يقضن مضجع بيزنطة. وكان الأصفر هاربا فى أرض الجزيرة، ولكن الوثاب أمير هذه الإمارة، قام بتسليمه إلى لؤلؤ، وبذلك وضع حدا لنشاطاته. واستمر لؤلؤ فى دفع الجزية لبيزنطة وتوفى فى عام ٣٩٩ هـ ومارس السلطة فى حلب ابنه المنصور،
стр. 8572
الذى لم يكن يزيد عن كونه حاكما تحت سيطرة الفاطميين.
لقد جمعت شخصية لؤلؤبين ما هو مُرْض وما ليس بمرض، فقد استطاع بولائه وشجاعته أن ينقذ حياة سعيد الدولة فى المعركة التى اضطر فيها الأخير لمحاربة بكجور حاجبه المتمرد، الذى كانت لديه طموحات فى الاستيلاء على حلب. ولما حل محل الأمير سعيد الدولة فى حمل الراية وتحمل الضربات بدلا منه، فإنه ضمن النصر له. ولكن حسب رواية كمال الدين، فإن سعيد الدولة قد مات مسموما، عن طريق إحدى محظياته بتحريض من لؤلؤ، الذى قدم صورة الغلام، الذى نجح فى تسويد نفسه، بفضل نشاطه وكفاءته ومساعدة الأحداث الخارجية له، وعلى نحولا يمكن إنكاره. فالإمارة كانت من الإمارات الثانوية، ويمكن أن يقال إنه قام فى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى)، بالدور الذى سيلعبه كثير من المماليك فى مصر على نطاق كبير.
المصادر:
(١) ابن الأثير: الكامل G. J. Tornbrg ليدن uol - ١٩٧٦ م فى السنوات المبينة
(٢) كمال الدين بن العديم: تاريخ حلب.
(٣) Kamal El Din Ibn al Adim: Histoired d'Alep ed. Sami Dahan, Damascus ١٩٥٣, i
هاشم أحمد [كونراد M. Canrad]
لؤلؤ (جوهر)
كلمة لؤلؤ وجمعها لآلئ ولآلى (بحذف الهمزة الأخيرة) وتستعمل كلمة بؤلؤ فى الغالب مرادفة للدرر، ولا يمكن تحديد الاختلاف فى المعنى بين الاثنين بدقة أما فيما يتصل بالمرجان والكهرمان، فإن اللؤلؤ ينتمى إلى المنتجات العضوية والجواهر، كما يرتبط بالمعادن. إلا أن الاختلاف بين اللؤلؤ والمعادن الحقيقية، كان معروفا تماما: فالأول يتغير لونه بسرعة، لأنه من أصل حيوانى.
ويعدّد ابن ماسوية، فى كتابه الجواهر سبعة وعشرين نوعا من الأحجار النفيسة فى مقدمتها اللؤلؤ، ثم الياقوت فالزمرد فالماس، إلخ أما البيرونى فيؤكد أن هناك فى الأصل ثلاثة أحجار نفيسة فقط، هى الياقوت،
стр. 8573
والزمرد، واللؤلؤ. ثم يعود فى موضع آخر فيقول إن اللؤلؤ يتكون من نوعين أحدهما كبير ويسميه بالدر والآخر أصغر منه ويسميه بالمرجان. وبالمثل فإن التيفاشى الذى أضاف الجواهر، جمان والشذر، كمرادفات للؤلؤ بصفة عامة، فى حين أن الدر "والحب والخريدة" تدل على اللؤلؤ غير المثقوب، أما "اللؤلؤ" من غير همزة فى آخره فهو المثقوب ومع ذلك، فإن المصطلح متذبذب؛ ومن أجل مزيد من التفاصيل، انظر ثبت المراجع ويفصّل الكتّاب السابقون الأنواع المختلفة من اللؤلؤ تبعا للونه فمنه الأبيض والأصفر والرصاصى والعاجى وتبعا لشكله، ولمقاسه، وتركيبه، التضام، التماسك، الوزن والقيمة، وما يطرأ عليه من تغييرات بسبب التأثيرات الخارجية، وأخيرا أماكن اكتشافه وتجارته وللبيرونى فصل طريف عن أسباب وطرق استخلاصه ومدى صفائه ولكل صفة من صفات اللؤلؤ هذه تسمياتها الخاصة بها المبنية على الملاحظة الدقيقة. فحساب الوزن النوعى للؤلؤ، كان غاية فى الدقة وحتى تكوين اللؤلؤ، قد شرح بطريقة صحيحة، أى بواسطة تخلل الأجسام الغريبة الطفيلية، التى تحدث النمو الذى يتصلد فيما بعد إلى لآلئ. ومع ذلك، فى نفس الوقت، تعتقد الخرافة الغريبة الشائعة التى ينشأ تبعا لها اللؤلؤ فى المحارة من المطر: ففى كل سنة، يتأجج المحيط الهندى بعواصف شديدة، تجبر المحارة على أن تطفو فوق سطح الماء فتفتح شِقَّيْها وتستقبل المطر. وبعد ذلك، تطبق المحار نصفيها وتغوص إلى قاع البحر؛ ومن ماء المطر، ينمو حجر كريم نمو الجنين فى الرحم.
المصادر:
(١) يوحنا بن ماسويه: الجواهر وصفاتها، طبعة عماد عبد السلام رءوف، القاهرة ١٩٧٧ م، ص ٢٤ - ٤٠.
(٢) البيرونى: الجماهر فى معرفة الجواهر، حيدرآباد ١٣٥٥ هـ.
(٣) الدمشقى: نخبة الدهر: طبعة Mehaen، ص ٧٧ وما يتبعه.
هاشم أحمد [أ. ديتريتش A. Dietrich]
المنصور لاجين (لاشين)
الملك المنصور حسام الدين، المعروف بالشقير أو الأشقر. سلطان تركى من المماليك، كان مملوكا للملك المنصور على ابن أيبك، اشتراه قلاوون عام
стр. 8574
٦٥٨ هـ/ ١٢٥٩ م وعندما اعتلى قلاوون العرش رقاه إلى رتبة الأمير وأرسله إلى دمشق نائبا عليها، وأثار تعيينه فى ذلك المنصب ذعر نائب الشام سنقر فأعلن نفسه سلطانًا. وقامت حملة من مصر بإخماد هذا التمرد وعين لاجين نائبا على الشام. وقد جعله نجاحه فى هذا المنصب -فى الفترة التى تبعت من حكم السلطان قلاوون- من أقوى الشخصيات فى المملكة عند تولى الملك الأشرف خليل الحكم عام ٦٨٩ هـ/ ١٢٩٠ م، مما جعل كل منهما يرتاب فى صاحبه. قاد لاجين جيش دمشق فى حصار عكا، وفى أثناء الحصار قبض عليه وأرسل إلى صفد (جمادى الأولى عام ٦٩٠ هـ/ مايو ١٢٩١ م) ثم أفرج عنه ورد إليه اعتباره. وفى شوال ٦٩١ هـ/ سبتمبر ١٢٩٢ م خوفا من أن يقبض عليه مرة أخرى، فأمسك به بعض الأعراب وأرسل إلى القاهوة حيث سجن ثم أطلق سراحه. تآمر صع بيدرا المنصورى نائب السلطنة وباقى الأمراء الساخطين على السلطان وقتلوه فى رحلة صيد فى المحرم عام ٦٩٣ هـ/ ديسمبر ١٢٩٣ م). فشل المتآمرون فى تحقيق رغبتهم فى تولية بيدرا الحكم وقتل وهرب لاجين واختفى.
تولى الملك الناصر محمد، أخو الملك خليل السلطنة وهو لازال طفلا، على أن يكون نائب السلطنة كتبغا المنصورى هو الحاكم الفعلى للبلاد. فى رمضان/ أغسطس ظهر لاجين من مخبأه وحض كتبغا على تولى السلطنة (المحرم ٦٩٤ هـ/ ديسمبر ١٢٩٤ م) وعين لاجين نائبا للسلطان. وفى مدة حكم كتبغا القصيرة، حدثت مجاعة فى مصر وكثر الموت بها كما استقر فى فلسطين عدد كبير من المحاربين الأويرات Oirat مع عائلاتهم لاجئين من إيلخان غازان Ilkhan Ghazan بعد أن هزم بيدو Baydu، ولما كان كتبغا مغولى، فقد رأى الأمراء الأتراك والشراكسة أن هذه الهجرة تهدد نفوذهم، فقامت جماعة منهم بقيادة لاجين بعزل كتبغا وأقاموا لاجين سلطانًا فى المحرم عام ٦٩٧ هـ/ نوفمبر ١٢٩٦ م.
واجهت السلطان أزمات متكررة نتيجة للعداء المتأصل بين مماليكه ومماليك سلفه الذى حاول السلطان الجديد أن يحل مماليكه محلهم ليكافئهم وليوطد دعائم ملكه. وفى محاولة
стр. 8575
لحماية أنفسهم، أخذ زملاؤه فى التمرد عليه عهدا ألا يكون هناك تمييز بين مماليكه وبينهم وألا يعطى مماليكه سلطة عليهم، ولكن سرعان ما صار هذا الاتفاق أثرا بعد عين، وفى ذى القعدة عام ٦٩٦ هـ/ سبتمبر ١٢٩٧ م، عزل السلطان زميله فى التمرد قارا سنقر المنصورى من نيابة السلطنة وعين بدلا منه مملوكه مَنْكُوتُمر Mankutamur، وأثار سوء استخدام نائب السلطان الجديد لسطاته سخط الأمراء بالإضافة إلى الإصلاحات المالية التى قام بها السلطان حيث أعاد مسح الأرض كما أعاد توزيع الإقطاعيات فى مصر وذلك فى جمادى الأولى ورجب ٦٩٧ هـ/ مارس - إبريل ١٢٩٨ م للمرة الأولى منذ عصر صلاح الدين الأيوبى (٥٧٢ هـ/ ١١٧٦ م)، كما أعاد طوائف المنتفعين السابقة وهم الخاصة والأمراء والحلقة، ولكن فى الوقت الذى لم يتغير فيه التوزيع بالنسبة للخاصة، فقد دمج الفئتين الأخريين وأعطاهم نصيبا أقل، وبذلك حصل السلطان على فائض بعيدًا عن أنصبة الخاصية استخدمة فى زيادة جيشه، مما شكل تهديدا واضحا للأمراء، وفى خلال الأشهر التالية، وصل تذمرهم إلى حد التآمر، وفى ليلة ١١ من ربيع الثانى عام ٦٩٨ هـ/ مساء ١٦ يناير ١٢٩٩ م، اغتيل لاجين كما قتل منكوتمر، وبعد عدة أيام من الاضطرابات، أعيد الملك الناصر محمد إلى وضعه كسلطان اسمى.
المصادر:
(١) أبو الفدات المختصر فى أخبار البشر، القاهرة ١٣٢٥ هـ/ ١٩٠٧ م، جزء ٤.
(٢) ابن الدوادارى: كنز الدرر وجامع الغرر، جزء ٨، فريبررج Fribarg ١٩٧١ م صفحة ٣٦٥ - ٨٣.
(٣) المقريزى، السلوك لمعرفة دول الملوك جزء ١/ ٣، القاهرة ١٩٧١ م. (ب. م. هولت P.M. Holy)
(٤) ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة، جـ ٨، القاهرة.
حسين أحمد عيسى [هولت P. M. Holt]
لالى ديفرى
أو "عصر زهرة التيوليب"؛ ويطلق على واحدة من أكثر الفترات فى
стр. 8576
الإمبراطورية العثمانية ثراء بالأحداث والتى تتفق والنصف الثانى من حكم "أحمد الثالث" (١٧٠٣ - ١٧٣٠ م)، أو بمعنى أدق، الثلاث عشرة سنة لوزارة "إبراهيم باشا" وزهرة التيوليب الذى خلع اسمها على هذا العصر جرى تصديره من تركيا إلى النمسا عن طريق "وجير جيسلان" Ogier Ghislain سفير "فرديناند الأول" من الهابسبورج (١٥٠٣ - ١٥٦٤ م) فى بلاط السلطان ولكن هذه الزهرة تطورت زراعتها فى هولندا بجهود عالم النبات شارلز دى ليكلوز Chanles de L'echuse، الذى كان يشغل كرسى علم النبات فى جامعة ليدن- وانتشرت الرغبة من أجل الحصول على هذه الزهرة سريعا فى أوروبا، ولكن الهوس بها اتخذ أكثر الأشكال فى تركيا. فقد أصبحت هذه الزهرة موضع حماس شديد ولهفة، بعد أن استوردها مرة أخرى من هولندا إلى تركيا فى القرن السابع عشر السفير النمساوى "شميد زوم شفا رزينهورن" Schmid zum Schwarzenhorn فى عصر أحمد الثالث. وتولد عن شكل (طراز) التيوليب فن للعمارة، أصدق مثال له "مسجد لالى" جامع الرائع فى استانبول؛ أما بالنسبة للفن فقد تولد عنه "فن الباروك" العثمانى، المستوحى من "الروكوكو" الفرنسى؛ ويمثل الشاعر "نديم" النمودج المتأثر بجمال التيوليب فيما يتعلق بالجانب الأدبى.
وقد تعهد هذا الطراز وروّج له الصدر الأعظم إبراهيم باشا -من "ينفشهر" زوج ابنة السلطان فعندما وصل إلى السلطة فى بداية عام ١٧١٨ م، أبدى مهارة دبلوماسية عظيمة أنهت حالة الحرب المستمرة التى قوضت البنية الاقتصادية للإمبراطورية، ودمرت مناطقها الريفية. وبعد المعاهدة، كرس الصدر الأعظم نفسه لهدف السلام، بسبب الحملات المظفرة فى إيران، التى كانت حينئذ فى حالة من الفوضى بسبب غزو الأفغان. وقد كان أحمد الثالث لطيفا ومحبا للسلام بطبعه، ولكنه كان يميل بقوة إلى المتعة وقد كان رجلًا مثقفًا وشاعرًا، وخطاطًا، كما كان نهمًا بشكل مفرط. وكان إبراهيم باشا مهذبًا ومثقفًا، وشخصية منبسطة ومحبًا للسلام والسرور، وهكذا، ومع هذه الأذواق
стр. 8577
المتماثلة، كان كل منهما يتناسب مع الآخر.
وإن كان السلطان قد ترك المسئولية لوزيره الذى أحاط نفسه بالأقرباء المقربين، وأبعد عن بلاطه كل العناصر المناوئة. وحتى عام ١٧٣٠ م، كانت إدارة الدولة كلها تحت سيطرته، كما أن كل المناصب المهمة كانت فى أيدى من يقوم بتعيينهم؛ وقد أدت هذه المحسوبية إلى الكثير من الحنق والغضب وأكسبته أعداء كثيرين.
الاتجاه إلى الغرب:
كان الصدر الأعظم رجلًا يميل إلى التنوير، وقد تميزت سنى وزارته بعديد من محاولات التقرب إلى الغرب فلأول مرة فى تاريخ الإمبراطورية العثمانية تبذل المحاولات للإفادة من الهياكل السياسية والاقتصادية والثقافية فى أوروبا؛ فتعززت العلاقات الدبلوماسية وبالأخص مع فرنسا. وتم تعيين سفير فى بلاط لويس الخامس عشر وهو "بيرميسيكيز جلبزاده محمد أفندى، وصدرت إليه التعليمات بدراسة تلك المؤسسات الفرنسية التى يمكن أن تتواءم مع متطلبات البلاد العثمانية (١٧١٩ م)؛ ونمت العلاقات التجارية مع فرنسا: وكانت هناك خمسمائة سفينة تجارية تعمل كل عام بين فرنسا وتركيا.
سياسات التقدم والبناء والابتكار:
وفى عام ١٧٢٤ م تم تركيب أول مطبعة فى استانبول عن طريق المساعى الحميدة لمجرى اعتنق الإسلام هو إبراهيم موتيفريكا Matiferrika وكان يساعده ابن سفير السلطان فى بلاط لويس الخامس والذى كان يرافق أبيه فى باريس. كما تم استدعاء ضابط فرنسى "من المهندسين" يدعى "دى روشفورت" De Roclefort لإعداد الخطط لإصلاح الجيش على النمط الغربى، على حين كان هناك فرنسى آخر اعتنق الإسلام هو (خمباراجى أحمد Khumbaradji باشا) قام بتنظيم سلاح المدفعية وثمة فرنسى آخر، اعتنق الإسلام، هو "جيرجيك Grcek داود، كان مسئولًا عن تكوين أول فريق للإطفاء. ولأن الوزير الأعظم كان محبًا للفنون والأدب فقد
стр. 8578
أحاط نفسه بالشعراء والموسيقيين والفنانين، ومنع تصدير (إخراج) المخطوطات النادرة، وأنشأ جمعية لترجمة النصوص العربية والفارسية. وأقام خمس مكتبات، بالإضافة إلى مكتبة السلطان، كان أمينها الشاعر نديم. كما أعطى دفعة جديدة لصناعة الصينى والخزف، مستعيدًا ورش "ازميد" و"كوتايهة" (كوتاهية)، ومنشئًا لورشة جديدة فى استانبول وهى ورشة" تيفكورسارايى" Tefkir Sarayi، كما أقام مصنعا للنسيج - وأنشا خزانا لجلب المياه من غابة بلجراد إلى العاصمة. وبنى الطرق، وأقام المنشآت الخاصة بالموانى وتجهيزاتها. وكان يشرف بنفسه على الأسواق وينظم بيع الخبز واستيراد البن. وشجع على تقدم الطب والدواء. وتذكر ليدى "مارى وورتلى مونتاجو" زوجة السفير البريطانى فى بلاط السلطان فى "رسائلها" أنه كان هناك بعض الأدواء تعالج فى تركيا بأفضل مما يحدث فى أمكنة أخرى. وكان السلطان متحمسًا كذلك للمشروعات مثل النافورات والمساجد والأضرحة والقصور والحدائق وأماكن الترفيه وأثر القصور هو قصر "سعد أباد" والذى شيد عند قاعدة القرن الذهبى فى "كاغيتان" حسب المشروعات والرسوم التى جاءت من فرنسا وقد أهدى السفير الفرنسى، "ماركيز دى بوناك" السلطان أربعين من أشجار البرتقال كانت تزين واجهة القصر. وقد أقيم أول حفل فى الحادى والثلاثين من يولية ١٧٢٢ م، ولقد كان عصر التيوليب عصر تقدم واهتمام متزايد بالثقافة والشعر والموسيقى. وفى الشعر كان نديم مبدعا إذ أدخل الموسيقى فى النظم، وخلع الطابع الشرقى على القصائد القصصية.
وعندما شعر السلطان أحمد الثالث بالإجهاد والتعب من شئون الحكم، خلد إلى الراحة والترفيه؛ وعلى مدى ثلاث عشرة سنة أحاطه إبراهيم باشا بجو من الحفلات المتواصلة، رمزها زهرة التيوليب التى توفرت منها نوعيات مختلفة تصل إلى ٨٣٩ نوعا فى عام ١٧٢٦ م. وأصبحت بصلاتها غالية الثمن حتى اضطرت الحكومة إلى أن تحدد الأسعار منعا للتلاعب (فرمان المحرم ١١٤٠ هـ/ سبتمبر ١٧٢٢ م).
стр. 8579
وكانت الحفلات الخاصة بزهرة التيوليب تقام ليلًا ونهارًا. يحضرها الشعراء والموسيقيون وأبناء الشعب، وتقام الموائد التى تقدم فيها أشهى الأطعمة والشراب. وبجانب حفلات التيوليب هذه كانت حفلات لا تنقطع ترتبط بختان وزواج الأمراء والأميرات وعددهم واحد وثلاثون -أبناء أحمد الثالث.
ومع مرور الوقت زاد الإسراف والبذخ -وامتلأ قصر السلطان بأزهار التيوليب والقرنفل، وأقفاص العصافير المغردة. وكانت المتعة والسرور غاية العيش وكتب السلطان والوزير، -وكلاهما شاعر وخطاط- قصائد حب كل فى الآخر. وبتأثير ما يحدث فى القصر تغيرت أخلاقيات الشعب. وأصبح حب الرفاهية والسعى إلى المتعة شيئا ملحوظا، مما جعل زوجة السفير البريطانى -التى جاء ذكرها من قبل- تقول إن المرأة التركية أكثر تحررًا من نظيراتها الإنجليزية- وشعر نديم ينبئ عن ذلك كثيرًا، ومضت الطبقة المتوسطة أيضًا فى مشروعات من الإسراف المتهور، مما قوض بيوتا كثيرة. وحتى يوقف هذا السرف أصدر الوزير الأكبر قانونًا ينظم ارتداء الملابس حسب الطبقة الاجتماعية وخصوصا بالنسبة للملابس المزخرفة التى ترتديها النساء. ولكن أساء الانحلال الأخلاقى إلى العامة -فكان السلطان قد أقام "مراجيح" (أراجيح - جمع أرجوحة) لتسلية الشعب وكان منظر النسوة اللاتى يركبنها والشباب يدفعهن، إهانة للرأى العام، بل إن الاتهامات كذلك وجهت إلى عدد من النبلاء إلى الوزير الأعظم نفسه.
نهاية الاحتفالات:
وقد أدى هذا كله إلى تزايد السخط بين الشعب وخصوصا من علماء الدين- فبالرغم من جهود الوزير الأعظم تجاه نشر الثقافة، إلا أنه لم يفعل شيئا لمواجهة تعصب العلماء وجهل الجماهير كما أن الإنكشارية -الجهلة المتعصبين- والذين كان دخلهم يعتمد على النهب والسلب فى أثناء الحرب، شعروا بان الإصلاحات العسكرية تهددهم. كما أن الوزير الأعظم فرض ضرائب جديدة على التجارة زادت من السخط بين الحرفيين وبين الإنكشارية كذلك، الذين
стр. 8580
كانوا يشغلون أنفسهم فى وقت فراغهم بالتجارة على نطاق ضيق وأخذ العلماء على أنفسهم أن يثيروا هذه المظالم والآلام ومع ذلك فقد اندلعت الثورة لأسباب وعوامل سياسية.
لقد كانت السياسة الخارجية لإبراهيم باشا تقوم على أساس تجنب الحروب، ومع ذلك، فقد شهد عصر التيوليب امتدادا مؤقتا للسيادة العثمانية على حساب غزو الأفغان لإيران، ففى ظل حالات الفوضى التى سادت، ظهر تنافس جديد دفع بالأتراك والروس إلى المواجهة العسكرية فى أقاليم القوقاز ولكن وساطة السفير الفرنسى -"ماركيز دى يوناك"- أدت إلى تسوية النزاع وعقد معاهدة بين الروس والأتراك فى ٢٣ يونيه ١٧٢٤ م، قسمت بمقتضاها المغانم الإيرانية بين الجانبين فاحتل الأتراك تفليس و"ايريفان" و"تبريز" والأراضى التى تقع إلى الغرب من خط يصل بين "اردابيل" و"همدان". على حين استولى الروس على "ديربند" و"باكو" و"داغستان". وعادت الاحتفالات وتبودلت الهدايا بين الأتراك والروس والفرنسيين. وكانت مقاليد الأمور قد وضعت فى أيدى ولاة الأقاليم الحدودية. ولكن سرعان ما تطور الوضع فى إيران. فقد نجح "نادر شاه" فى الاستيلاء على السلطة بعد الإحاطة بالأسرة الأفغانية، وفى عام ١٧٣٠ م أجبر الأتراك على إعادة الأراضى الإيرانية التى احتلوها. وسرت أنباء عن احتلال همدان وذبح حاميتها التركية. وحاول الوزير الأكبر أن يتكتم الأمر ولكن نادر شاه رفض التفاوض. ولكى يخمد القلق العام كان من الضرورى أن يعد حملة. وفى ١٧ يولية قام الجيش التركى باستعراض فى "اسكودار". ووصل السلطان وسار فى موكب مهيب وانتهى الأمر عند هذا الحد وعاد الجنود إلى بيوتهم بعد العرض. وفى الثانى عشر من أغسطس استولى الإيرانيون على تبريز وذبحوا بوحشية من كان فيها من الأتراك. وحاول إبراهيم باشا تكتم الأمر مرة ثانية ولكن الانكشارية العائدين من الحدود أذاعوا كل الأخبار. وزاد السخط وأثار العلماء والانكشارية تعصب الحرفيين. وفى تقرير للسفير الفرنسى "ماركيز