الإمبراطورية العثمانية ثراء بالأحداث والتى تتفق والنصف الثانى من حكم "أحمد الثالث" (١٧٠٣ - ١٧٣٠ م)، أو بمعنى أدق، الثلاث عشرة سنة لوزارة "إبراهيم باشا" وزهرة التيوليب الذى خلع اسمها على هذا العصر جرى تصديره من تركيا إلى النمسا عن طريق "وجير جيسلان" Ogier Ghislain سفير "فرديناند الأول" من الهابسبورج (١٥٠٣ - ١٥٦٤ م) فى بلاط السلطان ولكن هذه الزهرة تطورت زراعتها فى هولندا بجهود عالم النبات شارلز دى ليكلوز Chanles de L'echuse، الذى كان يشغل كرسى علم النبات فى جامعة ليدن- وانتشرت الرغبة من أجل الحصول على هذه الزهرة سريعا فى أوروبا، ولكن الهوس بها اتخذ أكثر الأشكال فى تركيا. فقد أصبحت هذه الزهرة موضع حماس شديد ولهفة، بعد أن استوردها مرة أخرى من هولندا إلى تركيا فى القرن السابع عشر السفير النمساوى "شميد زوم شفا رزينهورن" Schmid zum Schwarzenhorn فى عصر أحمد الثالث. وتولد عن شكل (طراز) التيوليب فن للعمارة، أصدق مثال له "مسجد لالى" جامع الرائع فى استانبول؛ أما بالنسبة للفن فقد تولد عنه "فن الباروك" العثمانى، المستوحى من "الروكوكو" الفرنسى؛ ويمثل الشاعر "نديم" النمودج المتأثر بجمال التيوليب فيما يتعلق بالجانب الأدبى.
وقد تعهد هذا الطراز وروّج له الصدر الأعظم إبراهيم باشا -من "ينفشهر" زوج ابنة السلطان فعندما وصل إلى السلطة فى بداية عام ١٧١٨ م، أبدى مهارة دبلوماسية عظيمة أنهت حالة الحرب المستمرة التى قوضت البنية الاقتصادية للإمبراطورية، ودمرت مناطقها الريفية. وبعد المعاهدة، كرس الصدر الأعظم نفسه لهدف السلام، بسبب الحملات المظفرة فى إيران، التى كانت حينئذ فى حالة من الفوضى بسبب غزو الأفغان. وقد كان أحمد الثالث لطيفا ومحبا للسلام بطبعه، ولكنه كان يميل بقوة إلى المتعة وقد كان رجلًا مثقفًا وشاعرًا، وخطاطًا، كما كان نهمًا بشكل مفرط. وكان إبراهيم باشا مهذبًا ومثقفًا، وشخصية منبسطة ومحبًا للسلام والسرور، وهكذا، ومع هذه الأذواق
стр. 8577
المتماثلة، كان كل منهما يتناسب مع الآخر.
وإن كان السلطان قد ترك المسئولية لوزيره الذى أحاط نفسه بالأقرباء المقربين، وأبعد عن بلاطه كل العناصر المناوئة. وحتى عام ١٧٣٠ م، كانت إدارة الدولة كلها تحت سيطرته، كما أن كل المناصب المهمة كانت فى أيدى من يقوم بتعيينهم؛ وقد أدت هذه المحسوبية إلى الكثير من الحنق والغضب وأكسبته أعداء كثيرين.
الاتجاه إلى الغرب:
كان الصدر الأعظم رجلًا يميل إلى التنوير، وقد تميزت سنى وزارته بعديد من محاولات التقرب إلى الغرب فلأول مرة فى تاريخ الإمبراطورية العثمانية تبذل المحاولات للإفادة من الهياكل السياسية والاقتصادية والثقافية فى أوروبا؛ فتعززت العلاقات الدبلوماسية وبالأخص مع فرنسا. وتم تعيين سفير فى بلاط لويس الخامس عشر وهو "بيرميسيكيز جلبزاده محمد أفندى، وصدرت إليه التعليمات بدراسة تلك المؤسسات الفرنسية التى يمكن أن تتواءم مع متطلبات البلاد العثمانية (١٧١٩ م)؛ ونمت العلاقات التجارية مع فرنسا: وكانت هناك خمسمائة سفينة تجارية تعمل كل عام بين فرنسا وتركيا.
سياسات التقدم والبناء والابتكار:
وفى عام ١٧٢٤ م تم تركيب أول مطبعة فى استانبول عن طريق المساعى الحميدة لمجرى اعتنق الإسلام هو إبراهيم موتيفريكا Matiferrika وكان يساعده ابن سفير السلطان فى بلاط لويس الخامس والذى كان يرافق أبيه فى باريس. كما تم استدعاء ضابط فرنسى "من المهندسين" يدعى "دى روشفورت" De Roclefort لإعداد الخطط لإصلاح الجيش على النمط الغربى، على حين كان هناك فرنسى آخر اعتنق الإسلام هو (خمباراجى أحمد Khumbaradji باشا) قام بتنظيم سلاح المدفعية وثمة فرنسى آخر، اعتنق الإسلام، هو "جيرجيك Grcek داود، كان مسئولًا عن تكوين أول فريق للإطفاء. ولأن الوزير الأعظم كان محبًا للفنون والأدب فقد
стр. 8578
أحاط نفسه بالشعراء والموسيقيين والفنانين، ومنع تصدير (إخراج) المخطوطات النادرة، وأنشأ جمعية لترجمة النصوص العربية والفارسية. وأقام خمس مكتبات، بالإضافة إلى مكتبة السلطان، كان أمينها الشاعر نديم. كما أعطى دفعة جديدة لصناعة الصينى والخزف، مستعيدًا ورش "ازميد" و"كوتايهة" (كوتاهية)، ومنشئًا لورشة جديدة فى استانبول وهى ورشة" تيفكورسارايى" Tefkir Sarayi، كما أقام مصنعا للنسيج - وأنشا خزانا لجلب المياه من غابة بلجراد إلى العاصمة. وبنى الطرق، وأقام المنشآت الخاصة بالموانى وتجهيزاتها. وكان يشرف بنفسه على الأسواق وينظم بيع الخبز واستيراد البن. وشجع على تقدم الطب والدواء. وتذكر ليدى "مارى وورتلى مونتاجو" زوجة السفير البريطانى فى بلاط السلطان فى "رسائلها" أنه كان هناك بعض الأدواء تعالج فى تركيا بأفضل مما يحدث فى أمكنة أخرى. وكان السلطان متحمسًا كذلك للمشروعات مثل النافورات والمساجد والأضرحة والقصور والحدائق وأماكن الترفيه وأثر القصور هو قصر "سعد أباد" والذى شيد عند قاعدة القرن الذهبى فى "كاغيتان" حسب المشروعات والرسوم التى جاءت من فرنسا وقد أهدى السفير الفرنسى، "ماركيز دى بوناك" السلطان أربعين من أشجار البرتقال كانت تزين واجهة القصر. وقد أقيم أول حفل فى الحادى والثلاثين من يولية ١٧٢٢ م، ولقد كان عصر التيوليب عصر تقدم واهتمام متزايد بالثقافة والشعر والموسيقى. وفى الشعر كان نديم مبدعا إذ أدخل الموسيقى فى النظم، وخلع الطابع الشرقى على القصائد القصصية.
وعندما شعر السلطان أحمد الثالث بالإجهاد والتعب من شئون الحكم، خلد إلى الراحة والترفيه؛ وعلى مدى ثلاث عشرة سنة أحاطه إبراهيم باشا بجو من الحفلات المتواصلة، رمزها زهرة التيوليب التى توفرت منها نوعيات مختلفة تصل إلى ٨٣٩ نوعا فى عام ١٧٢٦ م. وأصبحت بصلاتها غالية الثمن حتى اضطرت الحكومة إلى أن تحدد الأسعار منعا للتلاعب (فرمان المحرم ١١٤٠ هـ/ سبتمبر ١٧٢٢ م).
стр. 8579
وكانت الحفلات الخاصة بزهرة التيوليب تقام ليلًا ونهارًا. يحضرها الشعراء والموسيقيون وأبناء الشعب، وتقام الموائد التى تقدم فيها أشهى الأطعمة والشراب. وبجانب حفلات التيوليب هذه كانت حفلات لا تنقطع ترتبط بختان وزواج الأمراء والأميرات وعددهم واحد وثلاثون -أبناء أحمد الثالث.
ومع مرور الوقت زاد الإسراف والبذخ -وامتلأ قصر السلطان بأزهار التيوليب والقرنفل، وأقفاص العصافير المغردة. وكانت المتعة والسرور غاية العيش وكتب السلطان والوزير، -وكلاهما شاعر وخطاط- قصائد حب كل فى الآخر. وبتأثير ما يحدث فى القصر تغيرت أخلاقيات الشعب. وأصبح حب الرفاهية والسعى إلى المتعة شيئا ملحوظا، مما جعل زوجة السفير البريطانى -التى جاء ذكرها من قبل- تقول إن المرأة التركية أكثر تحررًا من نظيراتها الإنجليزية- وشعر نديم ينبئ عن ذلك كثيرًا، ومضت الطبقة المتوسطة أيضًا فى مشروعات من الإسراف المتهور، مما قوض بيوتا كثيرة. وحتى يوقف هذا السرف أصدر الوزير الأكبر قانونًا ينظم ارتداء الملابس حسب الطبقة الاجتماعية وخصوصا بالنسبة للملابس المزخرفة التى ترتديها النساء. ولكن أساء الانحلال الأخلاقى إلى العامة -فكان السلطان قد أقام "مراجيح" (أراجيح - جمع أرجوحة) لتسلية الشعب وكان منظر النسوة اللاتى يركبنها والشباب يدفعهن، إهانة للرأى العام، بل إن الاتهامات كذلك وجهت إلى عدد من النبلاء إلى الوزير الأعظم نفسه.
نهاية الاحتفالات:
وقد أدى هذا كله إلى تزايد السخط بين الشعب وخصوصا من علماء الدين- فبالرغم من جهود الوزير الأعظم تجاه نشر الثقافة، إلا أنه لم يفعل شيئا لمواجهة تعصب العلماء وجهل الجماهير كما أن الإنكشارية -الجهلة المتعصبين- والذين كان دخلهم يعتمد على النهب والسلب فى أثناء الحرب، شعروا بان الإصلاحات العسكرية تهددهم. كما أن الوزير الأعظم فرض ضرائب جديدة على التجارة زادت من السخط بين الحرفيين وبين الإنكشارية كذلك، الذين
стр. 8580
كانوا يشغلون أنفسهم فى وقت فراغهم بالتجارة على نطاق ضيق وأخذ العلماء على أنفسهم أن يثيروا هذه المظالم والآلام ومع ذلك فقد اندلعت الثورة لأسباب وعوامل سياسية.
لقد كانت السياسة الخارجية لإبراهيم باشا تقوم على أساس تجنب الحروب، ومع ذلك، فقد شهد عصر التيوليب امتدادا مؤقتا للسيادة العثمانية على حساب غزو الأفغان لإيران، ففى ظل حالات الفوضى التى سادت، ظهر تنافس جديد دفع بالأتراك والروس إلى المواجهة العسكرية فى أقاليم القوقاز ولكن وساطة السفير الفرنسى -"ماركيز دى يوناك"- أدت إلى تسوية النزاع وعقد معاهدة بين الروس والأتراك فى ٢٣ يونيه ١٧٢٤ م، قسمت بمقتضاها المغانم الإيرانية بين الجانبين فاحتل الأتراك تفليس و"ايريفان" و"تبريز" والأراضى التى تقع إلى الغرب من خط يصل بين "اردابيل" و"همدان". على حين استولى الروس على "ديربند" و"باكو" و"داغستان". وعادت الاحتفالات وتبودلت الهدايا بين الأتراك والروس والفرنسيين. وكانت مقاليد الأمور قد وضعت فى أيدى ولاة الأقاليم الحدودية. ولكن سرعان ما تطور الوضع فى إيران. فقد نجح "نادر شاه" فى الاستيلاء على السلطة بعد الإحاطة بالأسرة الأفغانية، وفى عام ١٧٣٠ م أجبر الأتراك على إعادة الأراضى الإيرانية التى احتلوها. وسرت أنباء عن احتلال همدان وذبح حاميتها التركية. وحاول الوزير الأكبر أن يتكتم الأمر ولكن نادر شاه رفض التفاوض. ولكى يخمد القلق العام كان من الضرورى أن يعد حملة. وفى ١٧ يولية قام الجيش التركى باستعراض فى "اسكودار". ووصل السلطان وسار فى موكب مهيب وانتهى الأمر عند هذا الحد وعاد الجنود إلى بيوتهم بعد العرض. وفى الثانى عشر من أغسطس استولى الإيرانيون على تبريز وذبحوا بوحشية من كان فيها من الأتراك. وحاول إبراهيم باشا تكتم الأمر مرة ثانية ولكن الانكشارية العائدين من الحدود أذاعوا كل الأخبار. وزاد السخط وأثار العلماء والانكشارية تعصب الحرفيين. وفى تقرير للسفير الفرنسى "ماركيز
стр. 8581
دى فيلينيف" فى السابع عشر من سبتمبر ١٧٣٠ م يتحدث عن تردد بلاط السلطان فى اتخاذ أى إجراء. وكان هذا التردد حاسما فى نجاح الثورة التى اندلعت فى الثامن والعشرين من سبتمبر. وكان جميع المسئولين فى عطلة، يمارس متعته وتسليته، مما أتاح الحرية الكاملة للمتمردين، الذين كان يتزعمهم "خليل" الألبانى الذى كان يعمل على يخت السلطان، وكان بين الخامسة والثلاثين، والأربعين -والتف حول- الكثيرون من التجار والحرفيين والانكشارية حتى وصل عددهم إلى ألفى شخص؛ وهكذا كانت الثورة من عمل حفنة من الحرفين الجهلاء. ولكن كان يديرها اثنان من طبقة العلماء هما واعظ "أياصوفيا" "اسبرى زاده أحمد أفندى" وقاضى استانبول الألبانى "زولالى حسن أفندى" وكان يكره الوزير الأعظم لأسباب شخصية (وردت قبل ذلك) ولم يعد البلاط إلى استانبول حتى ليلة التاسع والعشرين من سبتمبر (وردت قبل ذلك) ولم يعد البلاط إلى إستانبول حتى ليلة التاسع والعشرين من سبتمبر أى بعد يومين من اندلاع الثورة. . وفى اليوم الثانى -٣٠ سبتمبر- حاول السلطان التفاوض مع الثوار، ولكنهم -من موقع القوة- طالبوا بتسليمهم الوزير الأعظم وصهريه وحاول السلطان إنقاذ "حبيبه" عبثا، وأخيرا، وخوفًا على حياته أمر بشنق الوزير الأعظم وصهريه - ولكن الثوار أصروا على أن يتنازل السلطان عن الحكم. وفى ليلة الثانى من أكتوبر، بعد أن تلقى ضمانًا بالإبقاء على حياته وحياة أبنائه، تنازل لابن أخيه محمود الذى اعتلى العرش على الفور. وبعد ذلك أمر محمود الأول بشنق قادة الثورة.
وانتهى عصر الاحتفالات ودمرت بساتين التوليب والقصور وأماكن الترفيه وذبلت أزهار التوليب. وتركت ذكريات وفيرة ولكنها مأسوية.
المصادر:
(١) أحمد رفيق التوناى: لالى ديفرى - ديوان الشاعر نديم
(٢) Cronzenac: Histore de la dermniere revolution arriue dans l'Enpire ottoman
стр. 8582
(٣) Lady Mary Wortley Montagu: The Complete letters
(٤) Abdi: ١٧٣٠ patrana ihilali hakkondabir esir: Abdi tarihi, ed Faik Resit unat, Ankara ١٩٤٣
(٥) Ahmeat Repik Altauny: Lale devri, Isanbul ١٩٣٢, repr. Aakara ١٩٧٣
بهجت عبد الفتاح عبده [أ. ميليكوف I.Melikoff]
لباس
لِبَاسْ (وجمعها لَبوُس وألْبِسَة) وهى مثل نظائرها فى معظم اللغات السامية الأكاديه، والعبرية، والآرامية، والسيريالية، المصطلح العام فى اللغة العربية الذى يعبر عن الملابس وما شابهها. وفى القواميس اللغوية نجد تعريف هذا المصطلح "أنه ما يخفى أو يغطى العورة". وهذا التعريف ورد فى القرآن الكريم فى الآية ٢٦ من سورة الأعراف ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ. . .﴾. وفى القاموس ورد تعريف الملابس "أنها للتجميل الشخصى والزينة وحماية من الحر والبرد. وبالإضافة إلى المصطلح "لباس" نجد أيضا كلمات لبس، ملبس، ملبوس، لَبُوس، ولبوسة تدل على نفس المعنى.
وتاريخ الملابس الإسلامية ما زال فى حاجة إلى أن يكتب بشكل أكثر تفصيلا، وفيما عدا كتاب R. P. Dozy بعنوان Dictionnaire detaille des noms des vetements الذى نشر فى أمستردام ١٨٤٥ م. لم ينشر أى كتاب شامل يغطى هذا الموضوع على مستوى العالم العربى. فضلا عن العالم الإسلامى، ولقد اعتمد كتاب دوزى فقط على المصادر الأدبية التى وردت فى المخطوطات. وقام ر. ليفى Rlevy فى بحثه الذى نشره فى مجلة جمعية الدراسات الآسيوية الملكية Jras سنة ١٩٣٥ م بعنوان Notes on Costumes From Arabic Sources بشرح مصادر دوزى الأدبية. أما البحث الذى كتبه ر. ب. سرجنت R. B. Serjeant بعنوان Islamic textiles, material for a history up to the Mongol Conquest ونشر فى بيروت سنة ١٩٧٢ م، فعلى الرغم من أنه لا يتعلق بالأزياء بشكل خاص، إلا أنه قدم لنا قدرًا جيدًا من المعلومات
стр. 8583
المرتبطة بالموضوع. ونشر ل. أ. ماير. L. A. Mayer كتابه عن الملابس المملوكية فى جنيف ١٩٥٢ م (*) متضمنًا صورًا للملابس على التحف الإسلامية وأيضًا للأزياء الإسلامية التى تخلفت عن بعض العصور. وفى بحث منشور بجامعة بنسلفانيا بفيلادلفيا سنة ١٩٧٢ م تناول Y. K. Stillman " ملابس النساء فى مصر فى العصور الوسطى" واستمد مادته من وثائق الجنيزا القاهرية.
وسوف نقتصر هنا على دراسة عامة تتناول تاريخ الأزياء العربية فى العصور الوسطى، وتتضمن هذه الرسالة ملاحظات مختصرة عن ملابس عصر ما قبل الإسلام وأيضا عن العصر الحديث.
أ- بلدان العالم العربى الوسطى والشرقية:
١ - ملابس العرب قبل الإسلام:
على الرغم من المصادر العديدة التاريخية والجغرافية للعرب فى العصور الكلاسيكية، فإننا نعثر فيها على معلومات متناثرة وضئيلة عن ملابسهم. ويذكر المؤرخ اليونانى هيرودوت أن العرب كانوا يرتدون رداءً يُعرف باسم زيرا Zeira وهو رداء طويل فضفاض يربط عليه من الوسط بحزام. وما ذكره هيرودوت هو بالتأكيد الـ إزار، ويُكتب أيضا أزر Azr ومئزر Mi'zar، كما يكتب فى النصوص العربية والدارجة فى العصور الوسطى إزار Izar. والإزار رداء يشبه الملاءة الكبيرة يُلبس كما تلبس العباءة لتغطية الجسم، أو يلف حول الخاصرة. ويؤكد ذلك ما ذكره المؤرخ سترابو عن العرب الأنباط من أنهم كانوا لا يرتدون المعطف، ويربطون الحزام حول الخاصرة، ويرتدون النعال فى أقدامهم. إن طريقة ارتداء الحجاج المسلمين للإزار عند الإحرام توضح لنا جيدًا الطريقة القديمة لارتداء الإزار.
إن أقدم دليل للملابس التى كان يرتديها العرب القدماء هى الرسوم الصخرية فى شبه الجزيرة العربية خلال القرنين الثانى والأول قبل الميلاد. وهذه الرسوم تبين الرجال فى ملابس
стр. 8584
قليلة نسبيًا لا يقتصر لبسها على الرجال وحدهم، كما نرى تنوعا فى أغطية الرأس. وقد جاء ذكر ذلك فى كتاب من تأليف E. Anati عن الرسوم الصخرية فى وسط الجزيرة العربية ونشر فى لوفان سنة ١٩٦٨ م. وقد ظهرت صور بعض السيدات فى هذه الفترة المبكرة وقد لُفتْ أجسامهن تمامًا بالملابس. ونرى فى هذه الرسوم أنواعا من النعال والصنادل يرتديها الرجال والنساء.
وهؤلاء العرب الذين عاشوا فى نطاق المحيط الثقافى لإحدى الحضارات العظمى قد تأثروا فى الواقع بأزياء هذه الحضارات، فالملابس هى مظهر من مظاهر الثقافة وليس فقط الفنون والآداب والعمارة. وهكذا فإننا نرى تماثيل ملوك العرب فى الحَضَر فى بلاد العراق مصورة فى ملابس على الطراز البارثى (١). كما تظهر بعض التماثيل فى عباءة باكمام طويلة، تماثيل أخرى فى بنطلون فارسى وحبل الفستون العسكرى. أما العرب الذين عاشوا فى المدن المنتشرة فى صحراء الشام فقد ارتدوا ملابس على الطراز الهيللينستى الشرقى.
أما البدو فقد احتفظوا بتقاليدهم الثابتة فى طرز الملابس منذ فترة ما قبل الإسلام حتى الوقت الحالى. وعلى امتداد العالم الإسلامى كله كانت الملابس الفضفاضة هى السمة الشائعة جدًا فى أزياء الرجال والنساء. وذكر ابن خلدون فى المقدمة أن الدثار الذى يلف الجسم كان هو الزى المفضل لدى سكان القرى. وما ذكره ابن خلدون يحتاج إلى بعض التوضيح. فمن الثابت أن سكان المدن كانوا يرتدون الدثار أيضا وكان يزين بالزخارف المنسوجة ويلبس فوق ملابس ضيقة. وكان البدو دائما يفضلون ارتداء الملابس السوداء. وقد ورد فى التلمود البابلى ذِكْر الملابس السوداء العربية بلونها الأزرق
стр. 8585
الضارب إلى السواد. وفى الشعر الجاهلى ورد ذكر الملابس من آن لآخر وخاصة الأزياء الخارجية مثل البُرْدَة والإزار والرداء والشملة. ويذكر المؤرخ Tertullian أن النساء العربيات كن يظهرن فى الأماكن العامة داخل عباءات تغطى الجسم تماما بحيث تظهر عين واحدة فقط من عينى المرأة، وهذا التقليد استمر فى بعض الأماكن مثل إيران وجنوب الجزائر والمغرب. أما ارتداء النعال لدى العرب فإنه يرجع إلى عصور ما قبل التاريخ، وكان ارتداء النعال ضرورى بسبب طبيعة الأرض القاسية. وظهرت كثير من رسوم الأشخاص فى النقوش الصخرية ترتدى أنواعا متميزة من النعال أو الصنادل تبدو محبوكة حول القدم.
٢ - عصر النبى محمد ﵊ وفجر الإسلام:
تعتبر تقاليد ارتداء الملابس فى العصر الإسلامى المبكر عموما امتدادًا للعصر السابق على الإسلام مع حدوث بعض التغييرات التى تناسب أخلاقيات الإسلام. ونلاحظ هنا أن الملابس التى كان يرتديها الرسول ﵊ ومعاصروه استمرت عدة قرون وكانت هى الملابس الأساسية لسكان الريف والبدو وكانت تتميز بالبساطة والواقعية وتناسب ظروف البيئة. أما أهل الحضر، فعلى الرغم من أنهم ربما كانوا أكثر إدراكا لتعاليم السنة من أهل الريف والبدو، فإنهم كانوا وبشكل مستمر يبدلون فى طرز وأساليب ملابسهم، ولكن الشكل العام الأساسى لأسلوب الأزياء الإسلامية بقى ثابتا بشكل ملحوظ حتى فى المدن.
وفى عصر الرسول ﵊ كانت مفردات الملابس الأساسية للرجال والنساء تتألف من رداء داخلى وقميص، رداء طويل، جبة أو عبايه، لباس للقدم يتألف من حذاء أو صندل، ولباس للرأس. وكان الرجل يستطيع أن يرتدى عددًا من الملابس أو لباسًا واحدًا فقط حسب الظروف المختلفة مثل حالة الجو، والمناسبات، والحالة الاقتصادية. وكانت قطع
стр. 8586
الملابس التى يرتديها الرجال والنساء تكاد تكون متشابهة، وفى الواقع فإن الكثير من مفردات الملابس كانت قطعا كبيرة وبسيطة من القماش تغطى جسم الذى يرتديها تماما وتلتف حوله. أما ما كان يميز الرجل عن المرأة فى كثير من الأحيان فهو طريقة ارتداء الملابس ومعدات الزينة مثل الحلى ولباس الرأس والقدم واستخدام النقاب، بالإضافة إلى ألوان الملابس وأنواع الأقمشة وأسلوب زخرفتها.
وكان من أهم الملابس الداخلية الإزار، وكان يطلق عليه أحيانا حَقْو Hoqw ويرجع استخدامه فى الأصل إلى عصور ما قبل التاريخ، وبالرغم من وجود خلاف حول نظرة التقاليد الإسلامية نحو استخدام السراويل التحتية القصيرة فإنه من المحتمل جدًا أن تكون السراويل قد استخدمت بالفعل فى هذا الوقت قبل الفتح الإسلامى لبلاد فارس. لقد بدأت التأثيرات الثقافية الفارسية تتسرب إلى الجزيرة العربية عن طريق المملكة اللّخْمية فى الحيرة، وربما تسربت أيضًا عن طريق اليمن. وهناك أحاديث نبوية بعضها يؤيد أن الرسول ﵊ قد ارتدى السروال وبعضها ينفى ذلك. ونعرف من بعض الأحاديث عن النساء المتسرولات أى اللائى يرتدين السروال فى هذه الفترة المبكرة من العصر الإسلامى. وهناك رواية معروفة مؤداها أن الرسول ﵊ قد حَوّل بَصَرَه تحرجًا عن امرأة سقطت من على دابتها ولكنها كانت ترتدى السروال. ولا نعرف على وجه اليقين كيف كان شكل السروال فى صدر الإسلام، إلا أنه فى العصور الإسلامية المتأخرة اختلف شكل السروال كثيرا من بلدٍ إلى بلد آخر، فكان على شكل البنطلون، أو بنطلون قصير يصل إلى الركبة، أو شورت طويل أو بنطلون محبوك حول البدن. ولقد رُوِى أن الرجال الذين حملوا هودج السيدة عائشة أم المؤمنين عندما كانت تؤدى فريضة الحج كانوا يرتدون الطبان وهو سروال صغير. وطبقا
стр. 8587
للعديد من الأحاديث النبوية فقد حُرّم على الرجال الذين لا يرتدون لباسا تحتانيا أن يجلسوا القرفصاء فى مكان عام، أو أن يُحَزِّموا ملابسهم أثناء العمل.
وكان القميص هو الرداء الرئيسى، كان يلبسه الرجال والنساء، ومن المعتقد أن الرسول ﵊ غطى عمه العباس بقميص عندما وقع فى الأسر عاريا فى غزوة بدر. ويلبس فوق القميص أنواع مختلفة من الملابس منها الثوب الذى هو فى الواقع رداء أو جلباب، وجمع كلمة ثوب ثياب وأثواب من القماش، وكان الكثير من الملابس مجرد قطعة كبيرة من القماش يطلق عليها اسم شِقّة Shiqqa. ومن الملابس التى كانت تُلبس فوق القميص الجبة وهى عباءة من الصوف بأكمام ضيقة إلى حد ما، وكانت تستورد فى عصر الرسول ﵊ من الشام وربما كانت تستورد من أماكن أخرى فى الإمبراطورية البيزنطية.
أما الحُلة فهى معطف فضفاض طويل كان الرسول ﵊ يرتديها عند خروجه، وقد رُوى أنه كان يرتدى حلة حمراء جميلة فى المناسبات.
والقُبَعة رداء فخم بأكمام مفتوح من الأمام بأزرار كان يصنع من الديباج، ومن الواضح أنه رداء فارسى الأصل.
والفَرّوج رداء يشبه القبعة ولكنه مفتوح من الخلف، وقد رُوِى أن الرسول ﵊ تلقى هدية فَرُوج من الحرير فلبسه وأدى فيه الصلاة، ولكنه نزعه عنه كارها له وقال إن هذا الرداء لا يناسب أهل التقوى.
إن عادة ارتداء طبقات متعددة من الملابس فوق بعضها البعض استمرت حتى العصور الوسطى، كما بقيت فى بعض البلاد حتى اليوم. ففى بلاد المغرب على سبيل المثال نرى أحيانا بعض الأفراد يرتدون جلبابين أو ثلاث فوق قميصين أو أكثر.
أما الشكل العام لملابس الحرب فكان قميصا من الزرد ذكر نولدكه أنه
стр. 8588
حبشى المنشأ، فى حين أرجعه بوسورث إلى بلاد فارس. وقد ورد فى المصادر القديمة باسم جُبّة من الحديد أو رداء من الزرد.
وكانت عادة ارتداء الملابس العربية تقتضى أن يلبس الرجال والنساء عباءة فوق الملابس التحتانية عند السير فى الأماكن العامة. وفى أبسط الأحوال كانت العباءة فقط أو الرداء الخارجى تلبس فقط فوق التحتانية، ولدينا العديد من الأحاديث النبوية التى تشير إلى الرجال الذين يؤدون الصلاة فى نوع واحد من الملابس. وهنا يبرز الإزار وهو الرداء الأساسى للرجال والنساء.
وكانت الشّمْلة من الملابس الأساسية أيضا، وهى مثل الإزار كان الجسم يُلف بها. وكانت الشملة عادة لونها أبيض أو ذات ألوان فاتحة.
والخميصة كان لونها أسود ذات حواش مزخرفة تسمى الأعلام. ويُروى فى حديث نبوى أن الرسول ﵊ وجد أن زخارف الخميصة تكاد تُلهيه عن صلاته فقال اذهبوا بخميصتى إلى أبى جهم -وهو من الصحابة. وطلب أن يأتوا له برداء بسيط من الصوف اسمه إنبجانية. وكانت الانبجانية تلبس أثناء النوم أيضا.
وكان الرداء هو ملبس الرجال من ذوى الشأن والشهرة كما ورد فى شعر السموءل فى العصر الجاهلى.
ومن أزياء النساء الجلباب والخمار والمِرْط، على الرغم من أنه ورد فى حديث نبوى ذكره الترمذى ومسلم وأبو داود أن الرسول [ ﷺ ] ارتدى المِرْط الأسود، فى حين ذكرت جميع المصادر الأخرى أن المرط كان من ملابس النساء فقط (١)، وقد ورد ذلك
стр. 8589
فى معلقة امرؤ القيس وفى صحيح البخارى.
وفى ذلك الزمان، كما هو الآن، كان يوجد العديد من التسميات للدثر والعباءات، وكان أساس تعدد التسميات هو تعدد اللهجات المحلية. ويؤيد تعدد المصطلحات والتسميات ما ورد فى حديث نبوى من أن إحدى النساء أهدت إلى الرسول ﵊ بردة منسوجة الحواشى وقالت إنها نسجتها بيديها، ثم سألت الناس فى مجلس الرسول ما إذا كانوا يعرفون ما هى البردة فأجابوا أنها الشملة. وروى أن الرسول اتخذها إزارا له ثم أعطاها لرجل كان فى مجلسه طلبها منه لتكون كفنه عند وفاته.
وكان العديد من الدثر والعباءات من نوع قماشها وزخرفتها.
ولدينا النَمِيرة وهى زى للرجال بخطوط ملونة بشكل جلد النمر ومن هنا جاء هذا الاسم، والملبدة كساء من اللباد. أما البردة أو البرد فكان دثار من قماش الصوف المخطط ينتج فى بلاد اليمن. وقد ارتدى الرسول ﵊ البرد النجرانى ذو الحاشية العريضة. وقد أعطى بردا من هذا النوع إلى الشاعر الشهير كعب بن زهير. وكانت الـ حَبَرة رداء من قماش مخطط وتشبه البُرد، وقد ذكر أنس أن الحَبَرة كانت لباسا مفضلا عند الرسول. وعن أم المؤمنين عائشة رُوى أن الرسول ﵊ عند وفاته لُف جثمانه الطاهر فى برد من قماش
стр. 8590
الحَبَرة (سُجى فى برد حبرة -بكسر الحاء وفتح الباء) (١).
أما الـ سيرا فكانت عباءة تنسج من الحرير الهندى أو الصينى أو من القماش. . والسيرا مصطلح مشتق من كلمة Seres اليونانية. ومن هنا نجد فى المصادر: حُلّة سيرا، وبُرْد سيرا، وقميص حرير سيرا.
ولا نعرف على وجه الدقه كيف كانت هذه الأزياء والأزياء الأخرى المتعددة التى ورد ذكرها فى الأحاديث المنقولة تلبس، ولكن من الواضح تماما من خلال المصادر التاريخية أن أساليب اللبس كانت متعددة. ويؤكد ذلك حقيقة أن بلاد العالم الإسلامى التى ما زالت تستخدم الدثار والعباءة تباين فيها طرز اللبس من بلد إلى آخر. وقد اجمعت الأحاديث النبوية المتفق عليها على تحريم ارتداء الملابس الفخمة المزركشة التى تطول حتى تصل إلى الأرض لأنها تعبر عن الكبر والخيلاء. وكانت الأزياء التى تصل إلى رسغ القدم شرعية فى صدر الإسلام. وفيما بعد صارت الملابس القصيرة رمزا للتقشف، والملابس التى تطول إلى الأرض رمزا للتحرر والفجور.
وفى زمن الرسول ﵊ أصبحت عادة تغطية الرأس للرجال والنساء رمزا للتواضع والاحترام وهى عادة كانت معروفة فى أقاليم الشرق الأدنى منذ القدم. ولهذا السبب اعتاد المسلمون واليهود أيضا على تغطية رؤوسهم أثناء تادية الصلاة. وقد ورد فى سورة العلق الآيتان ١٥ - ١٦ ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾. أى أن المكذب بالدين الإسلامى سوف يجر من شعره إلى نار جهنم.
وكان من الطبيعى أن يسحب الرجل أو المرأة العباءة الطويلة أو الدثار الفضفاض فوق الرأس. وهذه العادة كانت ومازالت شائعة بين النساء حتى مع ارتداء النقاب. ويُروى أن الرسول ﵊ زار أبا بكر
стр. 8591
الصديق وكان يضع حاشية البرد فوق رأسه الملفوف بعصابة سوداء. وفى خطبته الأخيرة قبل وفاته كان الرسول [ ﷺ ] يرتدى الملحفة فوق رأسه وتشبه الإزار وكانت مثبتة على الرأس بعصابة سوداء.
وقد ارتدى العرب العمامة من فترة سابقة على الإسلام. وكلمة Turban وتعنى العمامة مشتقة من الكلمة الفارسية dulband وأصلها تركى من كلمة tulbant. والعمامة فى العصر الجاهلى وصدر الإسلام لم تكن هى لباس الرأس المركب الذى عرف فى العصور الوسطى والعصر الحديث وتتألف من غطاء أو اثنين (طاقية أو عراقية وقلنسوة أو طربوش) ورباط يلف حلو الرأس، ولكنها كانت شريط من القماش فقط يلف حول الرأس. ويعتقد ج. جاكوب أن العمامة فى العصر المتأخر كانت فى الواقع توليفة عربية فارسية. ولم يكن للعمامة فى صدر الإسلام مغزاها الدينى الذى ارتبط بها فيما بعد وهو أنها أصبحت سمة للدين الإسلامى، وعلامة للتقوى والإيمان. وهناك مثال ما زال يتردد حتى الآن فى بلاد المغرب وهو أن العمامة تاج العرب. إن الأحاديث الكثيرة التى أمدتنا بتفاصيل عن عمامة الرسول ﵊ غير متسلسلة تاريخيا. لقد عرف عن الرسول بين الأجيال التالية أنه صاحب العمامة وكانت عمامته تسمى السحَاب. ويقول الشيعة أنه أوصى بعمامته لعلى بن أبى طالب.
ومن الحقائق التى تعرف عن العمامة فى صدر الإسلام أن لبسها كان محرم على المسلم وهو فى حالة الإحرام. . وأنها كانت تتألف من شريط طويل جدا من القماش حيث كانت تلف حول الرأس.
أما القبعات التى كان يرتديها المسلمون فى عصر الرسول فكان من بينها الطيلسان وكان يرتديه أيضا يهود خيبر. وارتدى المسلمون القلنسوة، والبرنس وهو نوع مرتفع من أغطية الرأس. ويُروى أن قاتل عمر بن الخطاب قد مُنع من الهرب عندما ألقى
стр. 8592
عليه أحد المسلمين برنسه. أما القلنسوة فإنها قد تعنى قبعة أو طرطور أو غطاء للرأس عموما حيث ورد ذكرها جنبا إلى جنب مع العمامة والتى يمكن للرجل المسلم أن يفرشها على الأرض عند الصلاة. أما غطاء الرأس المرتفع والذى يعرف بالطرطور فإن اسمه لم يرد فى المصادر التاريخية المبكرة، فإنه يظهر بالفعل فى بردية من القرن السابع. ويعتقد الرحالة بيلون من القرن السادس عشر الميلادى أن هناك ارتباطا بين الطرطور وغطاء الرأس الفرعونى القديم، وأطلق عليه كتاب اللاتين Turritum Capitis Omamentum، ذكره دوزى فى قاموسه ص ٢٦٣. ويعتقد س. فرانكل أن كلمة طرطور مشتقة من اللغة الآرامية، وهو اعتقاد يبدو أكثر احتمالا حيث كان الطرطور يستخدم فى المناطق الناطقة بالآرامية فى الفترة التى سبقت ظهور الإسلام. وقد ظهرت الطراطير مصورة فى الرسوم الجدارية التى اكتشفت فى دورا أوربوس فى الشام وفى أماكن أخرى كما ذكر ريتشارد أتنجهاوزن وماير.
وفى الحملات العسكرية كان الرجال يلبسون المغفر أو الغفارة وهى غطاء للرأس من الزرد ويلبس فوقه قلنسوة أو خوذة تسمى البيضة، وقد سميت البيضة لأنها تشبه بيضة النعامة. وكان الرسول ﵊ يرتدى المغفر يوم فتح مكة.
وكانت النساء فى العصر الإسلامى المبكر يغطين الرأس والوجه بالنقاب عند ظهورهن فى الأماكن العامة، وبالإضافة إلى ذلك فإنهن كن عادة يغطين أجسامهن تماما بجلباب كبير (متسع) من الرأس حتى الأقدام وكشف عين واحدة فقط للرؤية.
وكان النقاب الشائع الذى يغطى الوجه يسمى المنديل وهى كلمة مشتقة من اللفظ اللاتينى mantellun، وكانت كلمة منديل تعنى أيضا فى ذلك الوقت منديل اليد. وقد أورد فراتر روزنتال شرحا مفصلا للمنديل فى كتابه "أربع مقالات فى الفن"، وذكرها ماير فى كتابه "دراسات تذكارية". وقد شاع استخدام نوعين من النقاب لتغطية
стр. 8593
الوجه وهما الـ لثام وهو قطعة مستطيلة من القماش تغطى الأنف والجزء الأسفل من الوجه. والثانى هو الـ بُرقع وهو يشبه غطاء وجه الخيل يتألف من قطعة من القماش تعلق فى منتصف عصابة الرأس من الأمام بحيث تغطى الوجه، وكانت الأجناب السفلية من البرقع توصل بأجناب عصابة الرأس بواسطة خيط بحيث كان البرقع يتحول إلى ما يشبه القناع على الوجه. ومازالت سيدات البدو المتزوجات يرتدين البرقع فى شبه جزيرة سيناء. ويروى أن أم المؤمنين السيدة عائشة لم ترتد اللثام ولا البرقع عندما كانت فى حالة الإحرام. وكان هناك نوع آخر من غطاء الوجه تستعمله النساء فى ذلك الوقت وهو النقاب. ولم يرد لنا أى ذكر عن ارتداء النساء لأى نوع من القبعات أو أغطية الرأس فى العصر الإسلامى المبكر.
وكان الرجال يتنقبون بتغطية الوجه فى بعض المناسبات بارتداء الإزار أو الرداء أو البرد أو الملحفة بحيث تغطى الوجه والرأس معا، وقد روى أن الرسول ﵊ كان يتقنع فى أكثر من مناسبة، ولم يكن ذلك يعنى بالضرورة أنه كان يرتدى القناع على وجهه. وكان الشبان شديدو الوسامة يرتدون النقاب على وجوههم أحيانا وبصفة خاصة فى مناسبات الأعياد وفى الأسواق وذلك لكى يمنعون الحسد عن أنفسهم. وكان الطرف الطويل الممتد للعمامة يستخدم أحيانا كغطاء للوجه لحماية الفارس من الأتربة المتصاعدة عند عدوه بفرسه. ويُروى أن الحجاج بن يوسف عندما دخل جامع الكوفة صعد المنبر كشف وجهه وبدأ خطابه الشهير بمقولته المعروفة "أنا ابن جلا وطلاع الثنايا إذا خلعت العمامة تعرفونى".
وفيما يتعلق بلباس القدمين للرجال والنساء فإننا نجد نوعين: النعل أو الصندل الذى كان يصنع من ألياف النخيل أو الجلد الناعم، أو الجلد المغطى بشعر الحيوان، والخُف وهو نوع من الأحذية وكان يصنع من الجلد. أما الأنواع المختلفة من الشباشب التى كانت شائعة الاستعمال فى العالم
стр. 8594
الإسلامى فتحمل أسماء مختلفة مثل البَابُوج، والتّاسُومة، والسَّرْموجَة، والبَلْغَة.
٣ - القوانين والأعراف المتعلقة بالملابس فى صدر الإسلام:
لم تكن طبيعة الحياة الصارمة فى مجتمع المدينة فى صدر الإسلام تسمح بالترف من أى نوع. وقد ورد فى القرآن الكريم أن اللَّه وعد المؤمنين بلباس من حرير فى الجنة، ولكن الرسول [ ﷺ ] شعر أن الملابس المترفة لا تناسب الرجال. ولم يكن الأمر كذلك بالنسبة للنساء. وحسب ما ورد فى أحد الأحاديث فقد حرّم الرسول [ ﷺ ] على المسلمين استخدام سبعة أشياء: أوانى الفضة، وخواتم الذهب، والملابس المنسوجة من الحرير، والديباج المطرز، والقاسى فهو نوع من القماش المخطط المنسوج بالحرير كان يستورد من مصرة والإستبرق، والمياثر الحمر (وهو الجلد المدبوغ).
ومع تعاظم ونمو قوة الدولة الإسلامية، وظهور الطبقة المترفة ذات الثروة. صاحبها إباحة ارتداء ملابس الحرير، والأقمشة الفخمة.
والكثير من تقاليد الملبس الإسلامى وأقدمها تتعلق بالإحرام وقضايا عدم الطهارة بسبب أحوال الطمث والعلاقات الجنسية وعلاقتها بإقامة الفرائض. ويروى أن كل زوجة من زوجات الرسول [ ﷺ ] كان لها ملابس خاصة ترتديها أثناء فترة الحيض. وكان من المعتاد أن الملابس التى لوثها الحيض تغسل فقط ثم تلبس وتؤدى فيها الصلاة (انظر باب الجنابة، الغسل، الحيض، الوضوء). وليس من المعروف على وجه اليقين أن النساء فى صدر الإسلام كن يرتدين ملابس خاصة للحداد، ولكن من المعروف أن المرأة فى العصر الجاهلى كانت تلبس أردأ ملابسها فى حالة الحداد. وقد حرّم الرسول [ ﷺ ] على النساء فى حالة الحداد ارتداء الملابس المصبوغة باستثناء الملابس اليمنية التى كانت خيوطها تصبغ قبل نسجها. واصطلاح ملابس الحداد ظهر فقط فى مسند ابن حنبل وهو يشير إلى الملابس التى تم صبغها باللون الأسود.
стр. 8595
وقد لاحظنا عموما أن الكثير من أنواع الملابس فى صدر الإسلام كان يرتديها الرجال والنساء وخاصة العباءات والدثر.
إن الملابس دائما فى منطقة الشرق الأوسط كانت من الأشياء ذات القيمة المادية الهامة. وكانت تعتبر من المنح والعطايا الغالية، وكانت تعتبر من غنائم الحرب الهامة. وكانت الملابس تستخدم أيضا فى دفع قيمة الزكاة. وكان الرسول [ ﷺ ] يغدق على رجاله من الصحابة العطايا من الملابس الغالية كنوع من التكريم.
إن الكثير من العادات كانت مرتبطة بشكل ونوع الملابس. فتقديم التهانى والتمنيات فى المناسبات الدينية كان مرتبطا بالملابس الجديدة. ويروى أن الرسول [ ﷺ ] قدم خميصة من القماش الأسود إلى أم خالد قائلا: "أبليه ثم أبدليه" أى البسيه حتى يبلى ثم غيريه. وكان الرسول [ ﷺ ] يلبس رداءه مقلوبا عند قيامه بأداء صلاة الاستسقاء ولكنه لم يكن يقلب رداءه عند أداء هذه الصلاة فى يوم الجمعة -ومن الواضح أن عادة قلب الملابس كان أساسها الرغبة فى تغيير حالة الطقس. وقد ظلت هذه العادة مستخدمة حتى نهاية القرن ١٩ م فى تونس. وربما ترجع عادة تعرية الرأس عند أداء صلاة الاستسقاء إلى العصر الجاهلى أيضًا.
إن الكثير من عادات ارتداء الملابس ترجع جذورها إلى بلدان الشرق الأوسط القديم والتى توجد أيضا فى التلمود واستمرت حتى صدر الإسلام ومنها على سبيل المثال أن المسلمين يجب عليهم ارتداء حذاء القدم اليمنى أولا قبل اليسرى كما يجب عليهم عدم قلب الحذاء بحيث يكون نعله إلى أعلا.
٤ - الأمويون والعباسيون وأسلوب الطراز:
حسب ما ورد فى المصادر استمر استخدام معظم ملابس فترة صدر الإسلام خلال العصر الأموى بالرغم من أن بعض أنواع الملابس انحسر استخدامها واقتصر على البدو فقط مثل المِرْط.
стр. 8596
إن التغير ذو الأهمية العظمى والذى واكب قيام الامبراطورية الإسلامية هو استخدام ملابس مصنوعة من أقمشة فاخرة بواسطة خلفاء الدولة الأموية ورجال البلاط. وقد ذكر المقريزى أن الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان كان يرتدى الملابس المطرزة. وورد فى مروج الذهب للمسعودى أن الخليفة الأموى سليمان بن عبد الملك ورجال حاشيته كانوا يرتدون ملابس من الحرير المدبج (الموَشَّى) منها الجبة، الرداء، السروال، والعمامة، والقلنسوة. وقد ورد فى كتاب الأغانى للأصفهانى ذكر "ملابس الخليفة". وكانت ملابس الخليفة بيضاء.
وفى العصر العباسى كان الخليفة يرتدى ملابس رسمية خاصة بحواشى مطرزة. وكانت الملابس الرسمية للخلفاء العباسيين عادة لونها أسود. وقد ورد فى تاريخ الأمم والملوك للطبرى أن الخليفة العباسى المنصور هو الذى أستن ارتداء الملابس السوداء فى المناسبات الرسمية، وقد توقفت هذه العادة لفترة قصيرة فى عصر المأمون. إن اثنتين من أهم ظواهر الأزياء الإسلامية نشأت خلال العصر الأموى وهما قوانين الإنفاق المتعلقة بتخصيص ملابس متميزة لرعايا الدولة الإسلامية من غير المسلمين، وإنتاج ملابس ملكية من أقمشة مطرزة.
وقوانين التفرقة فى الملابس من المحتمل جدا أنها لا ترجع إلى خلافة عمر بن الخطاب حيث إنه فى تلك الفترة المبكرة من الإسلام كان العرب وأهل الذمة لا يرتدون نفس الملابس. إن هذه القوانين يمكن تناولها بشكل أكثر دقة فى القرون التى تلت صدر الإسلام فهى على الأقل ترجع عموما فى الشكل العام والروح إلى ولاية الخليفة عمر بن عبد العزيز. ففى هذا العصر حُرّم على أهل الذمة ارتداء لباس الرأس العربى ومنها العمامة، العصب، والطيلسان، والملابس العسكرية العربية، والأردية الخاصة مثل القبعة، وكان عليهم أن يرتدوا حزاما متميزًا يسمى المنْطَق وأحيانا الزُنّار. وهذه التشريعات كانت تطبق فى أول الأمر على المسيحيين
стр. 8597
فقط. وفى خلافة هارون الرشيد عدلت التشريعات المنظمة لملابس أهل الذمة، كما ورد فى كتاب الخراج لأبى يوسف. ولمزيد من المعلومات عن قوانين ملابس أهل الذمة فى الإسلام يمكن الرجوع إلى كتاب A. S. Tritton بعنوان: الخلفاء والرعايا غير المسلمين.
إن إنتاج ملابس خاصة من أقمشة مطرزة فى المناسج الملكية بدأ فى عصر الدولة الأموية، وأصبح ذلك من خصائص الفن الإسلامى فى العصور الوسطى. وأصبحت الأقمشة تُعْرف باسم "الطراز" وهى تعنى فى مفهومها الضيق فن التطريز فى أشرطة زخرفية تحتوى على كتابات، أما فى مفهومها العام فكانت تشير إلى الأثواب المطرزة بأسلوب دقيق والخاصة بالخليفة ورجال بلاطه. وكانت الملابس المطرزة تمنح كعطية من الخليفة كدليل على الحظوة الملكية، وكانت أيضا تمنح للسفارات الأجنبية والحكام الأجانب لتدعيم السياسة الخارجية. وقد ذكر كل من أرنست كونل وبيللينجر فى كتاب بعنوان: Catalogue of Dated tiraz Fabrics أنهم أخذوا هذه الصناعة عن البيزنطيين وطوروها بحيث تلائم احتياجاتهم وأذواقهم. ويعتقد معظم المؤرخين العرب فى العصور الوسطى أن إنتاج ملابس الطراز مستمد فى الأصل من بلاد فارس وأن هناك أدلة على أن الأزياء ذات الرنوك الملكية كانت للبس فى العصر الساسانى. والحقيقة تؤكد أن أصل أسلوب ملابس الطراز يرجع إلى كل من الفن البيزنطى والفن الساسانى.
وكما ورد فى كتاب الوزراء والكتاب للجهشيارى فإن أول خليفة أموى أسس مصانع نسيج الطراز هو هشام ابن عبد الملك. وعلى كل حال، فإنه من المؤكد أنه بنهاية العصر الأموى انتشر أسلوب ملابس الطراز وازدهر فى العصر العباسى وتحت حكم البويهيين والسلاجقه. ولقد كان إنتاج هذا النوع من الملابس الفاخرة صناعة مربحة جدًا وكانت خاضعة لرقابة الخليفة بشكل دقيق ومباشر.
стр. 8598
لقد كانت ملابس الطراز بالنسبة للطبقة المتوسطة فى الشرق فى العصور الوسطى رمزا للمركز الاجتماعى كما كانت تعد من الممتلكات الثمينة ومن مكونات ثروة كل أسرة يتوارثها الأبناء عن الآباء، كما كان يمكن بيعها والاستفادة من ثمنها النقدى عند الضرورة. وكانت الملابس عنصر هام فى ثروة البلاد. وقد ذكر الجهشيارى فى كتابه الوزراء والكتاب أن آلاف من قطع الملابس كانت تسجل فى قوائم سنوية أيام الخليفة هارون الرشيد. وإلى جانب الأهمية الاجتماعية والاقتصادية لملابس الطراز فقد كان لها أهمية اجتماعية سياسية، وكان خلفاء الدولة العباسية ومن أتى بعدهم من الحكام المسلمين يقومون بمنح ما يعرف "بخلعة الشرف" من الملابس إلى رعاياهم من المسلمين وغير المسلمين من الرجال والنساء الذين يقدمون خدمات هامة للخليفة. ولم تكن الخلعة ثوبا واحدًا وإنما كانت طاقما كاملا من الملابس. وكانت تتألف من حليتين أو أكثر. وذكر هلال الصابى فى كتابه تاريخ الوزراء إن الوزير حامد بن العباس المتوفى سنة ٣١١ هـ/ ٩٢٣ م تلقى طاقمين من ملابس الطراز كل منهما يتألف من معطف مبطن، ودرّاعة بأكمام، وقميص، وسروال، وعمامة.
ومع نمو الطبقة المتوسطة فى العصر العباسى، وظهور طبقة الكتاب الفرس ظهرت أنواع كثيرة من الملابس، واختفت الكراهية لاستخدام قماش الحرير والساتان، وصار الجميع يستخدمونهما باستثناء القليل من المتقشفين والفقراء الذين كانوا يرتدون رداء من الصوف الخشن يعرف باسم الخرقة. وكان الفقراء جدا من الناس يلبسون رداء من الصوف بأكمام طويلة يسمى المدرعة. ومن ناحية أخرى، كان علية القوم من الرجال والنساء يهتمون كثيرا بمظهرهم. وكان الرجل العصرى فى ملابسه يرتدى عدة طبقات من الملابس تبدأ بقميص تحتانى دقيق يسمى الغلالة وفوقه رداء أثقل وهو قميص مبطن. وكل من الغلالة والمبطن يجب أن يكونا من قماش الكتان الرقيق مثل قماش الدبيقى أو الجنّابى وكان
стр. 8599
ينسج فى مصر وفارس. وفوق القميصين يلبس رداء يسمى الدراعه أو الجبة من الكتان أو الحرير، أو قماش المُلْحَم وهو نوع من القماش كانت السداة فيه تنسج من الحرير، واللحمة من خيوط أخرى متنوعة، وعند الخروج إلى مكان عام كان الرجل يرتدى فوق الملابس السابقة الرداء أو معطفا يسمى المُطْرف أطراف حواشيه مزخرفة، ويغطى رأسه بالطيلسان الذى كان فى ذلك الوقت يشبه القلنسوة، وكان حسن المظهر يقضى بعدم ارتداء ملابس متنافرة الألوان، أو غير نظيفة، وعدم استخدام عطور من نوع عطور الإماء.
أما الأحذية والصنادل فكانت تصنع من أنواع عديدة من الجلود ذات ألوان وأشكال مختلفة، فكان يمكن ارتداء أحذية بالألوان الأسود والأحمر، والأسود والأصفر. وقد عُرف أيضا استخدام الجوارب وهى من أصل فارسى.
وليس لدينا تفاصيل كافية عن ملابس النساء فى هذه الفترة، وكانت الملابس الداخلية للمرأة العصرية تتألف من غلالة وسروال. وكانت الملابس البيضاء فيما عدا السروال تعتبر من ملابس الرجال فقط لا ترتديها النساء. وليس من المعروف على وجه الدقة أنواع الملابس التى كانت تلبس فوق الملابس التحتانية فى هذا العصر. وتذكر بعض المصادر أنها قد تكون ملابس بأكمام واسعة (أكمام مفتوحة) وأن ياقة الرقبة كان لها خيط يسحب لغلقها. وكانت امرأة ترتدى لباسا يلف جسدها من النوع الرشيدى أو الطبرى نسبة إلى رشيد وطبرستان. وكانت تلف نفسها تماما فى إزار خراسانى أو مُلْحَم، وتغطى رأسها بغطاء رأس أسود يسمى معجر وهو بالنسبة للمرأة يشبه عمامة الرجل فى الشكل والاستخدام. وكان اللون الأسود من الألوان الأنيقة والعصرية فى ذلك الوقت. وكان المعجر يلبس مع لثام الوجه وكان يعرف باسم المِقْنع. والمعجر أصله فارسى من نيسابور.
وفى العصر العباسى ازدادت تأثيرات الثقافة الواردة من فارس،
стр. 8600
فبالإضافة إلى الألبسة ذات الأصل الفارسى والتى سبق أن ذكرناها وعلى الأخص السروال والجورب، انتشر استخدام غطاء الرأس الفارسى المتميز بطوله وشكله المخروطى والذى عرف باسم "القلنسوة الطويلة"، أو "الطويلة" فقط. وهذه القلنسوة عرفت أيضا باسم دنيَّة وذلك لأنها تشبه فى شكلها إناء الخمر الدن. وذكر المسعودى فى مروج الذهب أن قمة القلنسوة الطويلة كانت مدببة، وأشير إليها أيضا بأنها "المحدودة". وتتألف هذه القلنسوة من إطار من الأغصان المجدولة أو الخشب المغطى بقماش من الحرير. ويعتقد د. ليفى أنها كانت على شكل مخروط ناقص من أعلى. وهذا الاعتقاد لم يستمده ليفى من المخطوطات المصورة. وفى مقامات الحريرى نجد أن "أبو زيد" يظهر أحيانا مرتديا القلنسوة الطويلة المدببة. ويذكر الطبرى فى تاريخ الأمم والملوك أن الخليفة العباسى هارون الرشيد كان يرتدى مثل هذه القلنسوة وكان مكتوبا على أحد جانبيها كلمة حج وعلى الجانب الآخر كلمة غازٍ دلالة على فرائض الحج التى أداها وحروبه ضد بيزنطة.
ومن الأزياء ذات الأصل الفارسى والتى شاع استخدامها جدا فى ذلك العصر فى العالم العربى: القفطان وهو رداء رقيق باكمام وأزرار فى المقدمة من أسفل. ويذكر دوزى فى قاموسه أن الخليفة العباسى المقتدر ارتدى قفطانا من الحرير إلى تُسْتُرى المطرز بالفضة عندما خرج فى حربه المصيرية ضد أحد الخارجين عليه وهو مؤنس سنة ٣٢٠ هـ/ ٩٣٢ م. وفى العصور التالية شاع استخدام القفطان فى معظم البلاد العربية على يد الأتراك.
وفى العصر العباسى جلبت الأزياء الجميلة إلى بغداد من كل بلدان العالم الإسلامى وأيضا من البلدان الخارجية. فمن الهند جلبت الفوطة وهى مقطع طويل من القماش يشبه السارى الهندى وكان لها استخدامات عديدة، فكانت تلف حول الوسط، وتستخدم على شكل مريله وغطاء يلف به الرأس. ويذكر الثعالبى فى كتابه لطايف المعارف أن
стр. 8601
العباسيين استوردوا من الصين قماش المشمع المضاد للمطر وأطلق عليه الثعالبى اسم الممطرة.
وكانت ملابس الرجال فى العراق فى العصر العباسى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى يتراوح ثمنها بين خمسة دنانير وثلاثين دينارًا وأكثر من ذلك. وكما ورد فى كتابات بعض المؤرخين العرب مثل المسعودى فى مروج الذهب وصلت أسعار الأزياء النادرة إلى أسعار خيالية حيث ذكر أن الخيزران دفعت مبلغ (٥٠.٠٠٠) خمسين ألف دينار لمقطع من قماش الواشى.
ومن واقع المصادر الأدبية والوثائقية نرى أن الملابس والأزياء فى العصور الوسطى كانت مكلفة جدا بالمقارنة بمستلزمات الحياة اليومية الأخرى.
٥ - الفاطميون:
لم يصل عصر من العصور الإسلامية مثلما وصل إليه الفاطميون فى ملابسهم وأزيائهم. وقد فاقت احتفالات الفاطميين ومواكبهم كل شئ كان يحدث فى مناسبات العباسيين فى بغداد. ولعبت ملابس الفاطميين وأزيائهم دورا بارزا فى حياتهم.
وقد أسس أول خلفاء الدولة الفاطمية فى مصر المعز لدين اللَّه (المتوفى ٣٦٥ هـ/ ٩٧٥ م) منسجا ملكيا خاصا لإنتاج الملابس عرف باسم دار الكسوة أو خزانة الكسوة، وأنفق على إنشائها (٦٠٠.٠٠٠) ألف دينار. وكانت دار الكسوة خاضعة لإشراف الديوان الذى يراجع إنتاجها ومخزونها وتوزيع الملابس التى تنتجها. وكان الخليفة وجميع رجال البلاط يلبسون من إنتاج دار الكسوة أو طراز الخاصة. وكان كل فرد من رجال البلاط يمنح حلة تُسمى البدلة الموكبية تلبس فى المواكب والمناسبات العامة.
ويذكر المقريزى فى خططه، والذى يعد أحسن المصادر التى تناولت أزياء الفاطميين، أن كل شخص كان يمنح طاقما كاملا من الملابس من العمامة إلى السروال، وكانت خزانة الكسوة تنتج
стр. 8602
ملابس الصيف والشتاء. وكانت البدلة الكاملة تتألف من أكثر من اثنى عشرة قطعة من الملابس ذكرنا معظمها فيما سبق.
وكان من الطبيعى أن تنسج ملابس التشريفة من الأقمشة الثمينة غالية الثمن. كان أكثر الأقمشة استخداما فى صنع ملابس التشريفة هى الحرير، وأيضا أقمشة السوسى، والدبيقى، والشراب، والدمياطى وهى أقمشة من الكتان. والخسروانى وهو قماش مطرز، والسيجلاتون. وكانت معظم ملابس التشريفة الفاطمية لونها أبيض مطرزة بخيوط الذهب والفضة. وكان اختيار ملابس الخليفة يتم من خلال طقوس احتفالية تتم قبل يوم الموكب.
وفى العصر الفاطمى كان لكل طائفة أو وظيفة ملكية ملابس متميزة. وكان من أبرز القطع فى ملابس الخليفة عمامته الضخمة التى كانت تتألف من الشاشية التى يلف حولها المنديل بطريقة فريدة يتميز بها الحاكم على شكل ثمرة الأبلج الهندى. وهذه الطريقة الخاصة فى ربط عمامة الخليفة كانت تسمى "شَدّةُ الوَقَار". وكانت العمامة تزين بالمجوهرات. وعلى منتصف جبهة الخليفة وفوق عصابة من الحرير كانت توضع حلية من جوهرة فريدة تسمى "اليتيمة" وكان يطلق على عمامة الخليفة كاملة "التاج الشريف".
أما باقى رجال البلاط الملكى فكانوا يرتدون أنواعا مختلفة من أغطية الرأس أقل فخامة من عمامة الخليفة. وكان رؤساء الطواشية من رجال البلاط وهم فى الواقع أمراء القصر جميعا يلبسون عمائم تلتف حول الذقن بطريقة متميزة وكانت هذه الطريقة تسمى تحنيك العمامة أو التحنيك فقط، وهكذا فقد كان هؤلاء الطواشية من رجال القصر يُسَمّون "الأستاذون المحنكون".
وكان الخليفة الفاطمى العزيز أول من ظهر بعمامة الحنك وتبعه الوزير والأمراء. وهذه الطريقة فى إعداد العمام وارتدائها نقلها الفاطميون إلى المشرق العربى من المغرب، حيث ما زال تستخدم خاصة فى جنوب الجزائر والمغرب.
стр. 8603
وقد ورد فى خطط المقريزى وصبح الأعشى للقلقشندى أن نوعا آخر من أغطية الرأس استخدم فى هذا العصر وهو الكالوتا. وقد أصبحت الكالوتا من أغطية الرأس الشائعة فى العصرين الأيوبى والمملوكى.
إن الدراسات الحديثة التى تناولت الاحتفالات الفاطمية اعتمدت بشكل أساسى على خطط المقريزى، وبشكل أقل على صبح الأعشى للقلقشندى، وعلى النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى وقد اعتمد الثلاثة بدورهم على مصنف ابن الطوير المفقود.
٦ - الجنيزا كمصدر للملابس الإسلامية فى العصور الوسطى:
تعد مخطوطات الجنيزا القاهرية وحتى وقت قريب مصدرا هاما لتاريخ الأزياء الفاطمية والأيوبية وإلى درجة أقل بالنسبة للملابس المملوكية. إن قوائم الزواج الخاصة بجهاز العرائس فى شوارهن التى يصل عددها إلى ٧٥٠ قائمة من مخطوطات الجنيزا تعتبر ثروة من المعلومات عن ملابس النساء اليهوديات فى مصر فى العصور الوسطى، وأيضا ملابس النساء المسلمات. أما الوثائق التجارية فقد امدتنا بمعلومات جيدة عن أزياء الرجال.
وهناك حقيقة واحدة مؤداها أن النساء المسلمات واليهوديات كن يستخدمن نفس الملابس فى العصرين الفاطمى والأيوبى. وتشير قوائم الجنيزا الخاصة بالزواج إلى أن القوانين المقيدة لغيار الملابس لم تكن ملزمة. وقد وردت فى قوائم الجنيزا نفس أسماء الملابس التى وردت فى المصادر العربية. ولم يكن فى قوائم الجنيزا تحديد لدرجات ألوان الملابس أنواع الأقمشة. وكانت النساء اليهوديات مثلهن مثل النساء المسلمات والأقباط أيضا يستخدمن النقاب على وجوههن أثناء خروجهن من بيوتهن.
وتبين وثائق الجنيزا أن الطبقة الوسطى حاولت بقصد أو بدون قصد تقليد أزياء وألبسة الطبقة الحاكمة. فعلى سبيل المثال، كان التجار يقومون بمنح الخلع وملابس الطراز لأقاربهم وأصدقائهم. وكان الأغنياء من الناس يلبسون الأقمشة الثمينة والتى عرفناها
стр. 8604
من المصادر التى وصفت الاحتفالات الفاطمية، وقد ورد بقوائم الجنيزا أكثر من ستين نوعا من الأقمشة، ومن بين هذه الأنواع ٤٦ نوعا عرفناها من خلال المصادر التاريخية التى جمعها Serjeant. وفى خلال العصرين الفاطمى والأيوبى استخدمت طبقة التجار أنواعا كثيرة من الألبسة. وقد ورد بقوائم الزواج بمخطوطات الجنيزا حوالى سبعين نوعا من الملابس للنساء فقط.
لقد كشفت وثائق الجنيزا عن أسماء أكثر من ٢٤ رداء لم تكن معروفة من قبل وورد ذكرها فى بعض المصادر الأدبية المتفرقة بدون أوصاف أو شروح. ومن بين هذه الملابس الجوكانية والمختومة وهى من الأردية الرقيقة، والقاجيجة وهو رداء ظهر لأول مرة فى قوائم الزواج فى أواخر العصر الأيوبى وانتشر استخدامه فى العصر المملوكى ثم اختفى بعد ذلك. كما حملت لنا المصادر أسماء العقبية، والعرضى، والمَكلّف والردَّا وهى أنواع من أغطية الرأس أو الشيلان، أما الوَسَط والخاصى فهى أحزمة.
وبالإضافة إلى الأسماء الجديدة للملابس والمنسوجات، زودتنا وثائق الجنيزا بمفردات جديدة تماما لزخارف الملابس والمنسوجات. وكثير من زخارف المنسوجات هذه يمكن مقارنتها بالزخارف التى نراها فى المخطوطات المصورة. وقد تناول هذا الموضوع Stillman فى مقالة بعنوان The importance of the Vairo Geniza Manuscripts For The History of Mediaevel Fema Atire
ولدينا أيضا معلومات جيدة عن أسماء لملابس منها على سبيل المثال الـ سَفّارى والـ بَركَان وهما من العباءات التى ورد ذكرها فى ملابس أهل المغرب من العصور الوسطى حتى العصر الحديث واستخدمت أيضا فى العصرين الفاطمى والأيوبى فى مصر. وبدون شك فإنهما جُلِبَا إلى مصر مع الفاطميين سنة ٩٦٩ م.
ومن أنواع الملابس التى استخدمت أيضا فى العصور الوسطى البَدَن وهو جلباب بدون أكمام كان يستخدمه الرجال والنساء فى شبه الجزيرة العربية وشاع استخدامه فى مصر كزى نسائى.
стр. 8605
٧ - الدويلات التركية المبكرة: السلاجقة، الأيوبيون، المماليك .
جلبت الدويلات التركية العسكرية التى سيطرت على أجزاء من العالم الإسلامى فى الشرق الأوسط منذ أواخر القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى وحتى أوائل القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى- معها كثيرا من طرز الملابس التى كانت مستخدمة فى وسط آسيا وبصفة خاصة الملابس العسكرية والملابس الاحتفالية (ملابس التشريفة). وبالطبع كانت هذه الملابس المتميزة هى ملابس الصفوة من رجال الحرب. وفى بداية الأمر كان تأثر ملابس عامة الناس بطرز الملابس الواردة ضئيلا. ولقد حاول M. V. Gorelik أن يصنف نوعين متراكبين من الأزياء والملابس الشائعة فى الشرق العربى، فذكر أن النوع الأول الغربى نشأ من انصهار طرز الملابس العربية مع الطرز الهيلينستية فى منطقة البحر المتوسط. والنوع الثانى الشرقى المتأثر بالطرز الإيرانية والتركية ووسط آسيا. فكانت سوريا والعراق فى هذه الفترة بصفة عامة [. . . .] (*) طراز النوع الثانى، فى حين أن طرز فى ملابس مصر باستثناء الملابس العسكرية، فى طراز النوع الأول.
وفى معظم هذه الفترة كان الرداء النمطى الخارجى لأعضاء الطبقة الحاكمة هو الأقبية. وكان رداء القباء يُلبس فوق طبقة الملابس التحتانية، كان أكثر الملابس التحتانية هو القمجون وهو قميص كان من المعتاد ألا يظهر تحت الرداء الخارجى فيما عدا منطقة جنوب العراق حيث كان يبدو طويلا أسفل المعطف الخارجى.
وكان السلاجقة والأيوبيون يفضلون ارتداء المعاطف التركية التى تسمى الأقبية التركية وكانت حاشيتها تمر على الصدر فى شكل مائل من اليمين إلى اليسار. أما أمراء المماليك فكانوا يلبسون الأقبية التترية وكانت حاشيتها تمر على الصدر بشكل مائل من اليسار إلى اليمين، ويرتدون فوق الأقبية حزام من المعدن يسمى الحِيَاصَة يُمنْطق حول الوسط. وقد عَرّف المقريزى فى الجزء الثانى من الخطط بأن الحِيَاصَة تشبه المِنْطَقَة القديمة،
стр. 8606
ويقرر المقريزى بأنه كان يوجد فى القاهرة سوق خاصة تسمى سوق الحوائصيين تصنع وتباع فيها هذه الأحزمة. وقد ذكر "الحِيَاصَة" أيضا ماير فى كتابه عن الملابس المملوكية.
وبالنسبة لأفراد الطبقات العليا فى المجتمع كانت أكمام ملابسهم ترمز إلى مكانتهم ومركزهم الاجتماعى، فكلما كانت الأكمام طويلة واسعة كلما كان ذلك يدل على مركز صاحبها الراقى.
إن المخطوطات التى ترجع إلى هذه الفترة مثل المقامات والأغانى والترياق تثبت استخدام طرزا متنوعة لأغطية الرأس والعمائم. وكان لباس الرأس المعتاد لطبقة رجال الحرب طاقية (كاب) منتصب مثلث الشكل من الأمام. وكان فى بعض الأحيان يزين بالفراء ويطلق عليه اسم "الشربوش" وأبطل استخدامه فى عصر المماليك الجراكسة. وفى أحيان أخرى كانت تلف بعصابة من القماش لتصبح على شكل العمامة وكانت تسمى "التخفيفة". أما الطاقية التى كانت أكثر شيوعا فهى الـ كالوتا التى كان لونها أصفر عادة فى العصر الأيوبى (١٢٥٠ - ١٧١١ م) وكان لونها أصفر مع أحمر فى عصر المماليك البحرية (١٢٥٠ - ١٨٣١ م) ثم تحول لونها إلى الأحمر فقط بعد ذلك.
وقد ورد فى تاريخ ابن الأثير أن القباء والشربوش كانا من العلامات المميزه للفرسان المسلمين لدرجة أن فرسان الصيلبيين كانوا يلبسونها كإشارة للصداقة مع صلاح الدين الأيوبى.
وفى ظل حكم المماليك انتشر استخدام نوعين من المعاطف بأكمام قصيرة، الأول يسمى إلى "بُغْلوطاق" والثانى هو الـ "سلّلاريّة". وكانا ينسجان من أنواع مختلفة من الأقمشة ويتم تبطينهما بالفراء أحيانا. وكانا يلبسان أحيانا تحت رداء واسع يسمى الـ فَرَجِيَّة.
وفيما بعد، نجد أن بعض الملابس التى كانت قاصرة على الطبقة العسكرية الأرستقراطية قلدها وارتداها
стр. 8607
أفراد الطبقات المتوسطة. فنرى أن البُغْلُوطاق على سبيل المثال يرد عدة مرات فى وثائق الجنيزا القاهرية.
ويعتبر كتاب L.A. Mayer عن الأزياء المملوكية هو الدراسة الوحيدة الشاملة عن ملابس هذا العصر وألحق به ببليوجرافية شاملة.
٨ - العصر العثمانى إلى أوائل العصر الحديث:
يمثل الفتح العثمانى للمشرق العربى فى أوائل القرن السادس عشر الميلادى علامة استمرار لتاريخ الأزياء فى هذه الأقاليم ولم يكن التغيير فى تقاليد الملبس مفاجئا. فقد بقيت ملابس الحرب وملابس التشريفة تركية الطابع. وقد استعمل عِلْيةُ القوم من أفراد الطبقة المتحضرة الأزياء العثمانية، فارتدى الرجال منهم القفطان التركى وارتدت النساء الـ يَلك وهو رداء طويل محبوك. كما شاع استخدام الأزياء التركية جنبا إلى جنب الأزياء المحلية ولكنها لم تحل محلها. فاستخدم الـ شقشير والسروال، واستخدم اليشمك مع البرقع. ولكن على وجه العموم ساد استخدام طرز الملابس العربية ومصطلحاتها.
وبعيدا عن مراكز الحكم الحضارية الكبرى، ظهرت طرز إقليمية متميزة، وكانت هذه الطرز الإقليمية مختلفة قليلا فى أسلوب قصها؛ فى الأكمام مثلا، وفتحة الرقبة، والاتساع والطول، ولم تكن الاختلافات ملحوظة فى التفاصيل الزخرفية مثل أسلوب التطريز، واللون، والزركشه، والخياطة، أما أنواع الأردية ذاتها فظلت هى نفسها على وجه العموم. إننا نستطيع أن نرى التفاصيل الزخرفية الدقيقة للأزياء الأساسية فى أقاليم الشرق العثمانى خلال القرن الأخير فى الألبوم المصور الذى وضعه حمدى بك M. de Launay بعنوان Les Costumes Populaires de La Turque en ١٨٧٣ وطبع فى القسطنطينية سنة ١٨٧٣ م.
وكانت أوجه الاختلاف الإقليمية واضحة وملحوظة فى ملابس النساء.
стр. 8608
أما ملابس الرجال فكانت بشكل أو بأكثر زيا واحدا فى بلدان المشرق العربى خلال العصر العثمانى، وهذا يرجع بشكل جزئى إلى حقيقة أن الرجال كانوا بدنيا واجتماعيا أكثر تحركا من النساء وصارت ملابسهم عامة فى بلدان المشرق.
٩ - المائة سنة الأخيرة: تأثير الغرب على الملابس الشرق أوسطية .
كان للتزايد المستمر للنفوذ الغربى الاقتصادى والسياسى والثقافى وتغلغله فى الشرق الأوسط فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر الميلادى والنصف الأول من القرن العشرين الميلادى تأثيره الواضح فى طرز الملابس الشرقية، فنجد أنه فى خلال المائة سنة الأخيرة بدأ الناس يتَخلَّوْن بالتدريج عن الملابس الواسعة الفضفاضة ويتحولون إلى ارتداء الملابس الغربية جاهزة التفصيل. وكان التحول بطيئا فى أول الأمر ولم يحدث فى كل الأقاليم وبين شعوب المنطقة فى نفس الوقت.
إن أول الجاليات فى دول المشرق العربى، التى بدأت وبأعداد كبيرة تتحول عن الملابس الشرقية التقليدية هى الجاليات المسيحية واليهودية. كما أن حالة التحرر الاجتماعى لغير المسلمين خلال فترة التنظيمات، وانتشار المدارس والبعثات الدينية التبشيرية بالإضافة إلى تضخم المصالح الأوربية -كلها عوامل عجلت بالتغيير.
ولقد تخلت النساء المسيحيات واليهوديات عن ارتداء النقاب قبل النساء المسلمات بجيل كامل. وكان العامل الذى سهل للمسيحيات واليهوديات التخلى عن النقاب قبل المسلمات بمدة طويلة هو أن عادة احتجاب النساء فى المجتمعات غير المسلمة لم تكن صارمة كما كانت بالنسبة للمسلمين.
وبانتهاء القرن التاسع عشر الميلادى، أصبحت قضية سفور المرأة من القضايا الشائكة بالنسبة للإصلاحيين مثل قاسم أمين الذى أصدر كتابه "تحرير
стр. 8609
المرأة" فى القاهرة سنة ١٩٠١ م، كما أصبحت هذه القضية من القضايا الشائكة أيضا بالنسبة لحركات تحرير المرأة المصرية التى بدأت صغيرة ثم أخذت فى النمو باستمرار. ولقد كانت هدى شعراوى رائدة حركة التحرر النسائى فى مصر أول سيدة تخلت عن النقاب بعد عودتها من مؤتمر نسائى فى روما سنة ١٩٢٣ م. وكان هذا التصرف من هدى شعراوى رمزا للتحرر حيث تبعتها نساء الطبقة العليا والطبقة فوق المتوسطة من المجتمع المصرى، أما نساء الطبقات الدنيا فقد تمسكن بالنقاب فترة طويلة.
وكان رجال الشرق المسلمين أسرع من المرأة فى التخلى عن الملابس التقليدية، وهذا يرجع إلى طبيعة تكوين الرجل وحريته فى الحركة.
وكان أول من استخدم الزى الأوربى من الرجال هم أعضاء الطبقة الحاكمة والطبقة العليا الذين كانوا على اتصال مباشر بالغرب، والذين كانوا يزورون أوربا بكثرة. وكان يطلق على هذه الطبقات من الناس اسم "المتفرنجون". وكانوا قلة طوال القرن التاسع عشر الميلادى، ولكن بعد الحرب العالمية الأولى أخذ التحول إلى الزى الغربى يتم بسرعة فائقة.
ومن بين ملابس الرجال التقليدية التى قاومت التغيير كان هو لباس الرأس. فكان من المعتاد أن نرى الرجال فى ملابسهم الأوربية يرتدون الطاقية أو الطربوش أو الكافية. وهذا الأمر يرجع إلى الأهمية التقليدية لتغطية الرأس وإلى الحقيقة الراسخة وهى أن غطاء الرأس رمز من رموز الدين الإسلامى. أما الـ كافية، التى كانت خلال القرن الماضى شائعة بين البدو والفلاحين فى كثير من أنحاء الشرق الإسلامى، فكانت لها دلالة قومية بمقارنتها بالطربوش التركى. ومازالت العمامة التقليدية هى لباس الرأس الخاص بعلماء الدين فى المشرق الإسلامى (بالرغم من أنها فى بلدان المغرب الإسلامى وخاصة المغرب يرتديها الرجال العاديون وهم فى لباسهم الأوربى).
وبعيدا عن المدن الكبرى، ما زالت الملابس التقليدية شائعة الاستخدام، ولكنها بدأت تتضاءل فى كثير من
стр. 8610
الأماكن. وحتى فى المجتمعات البدوية بدأت الملابس الأوربية تحل محل الملابس التقليدية بالتدريج. أما المنطقة الوحيدة التى حافظت على الملابس والأزياء التقليدية وعلى كل المستويات فهى شبه الجزيرة العربية.
إن تتبع أنواع الأزياء والملابس فى كل بلد على حدة تلك التى ما زالت تلبس أو التى ظلت تلبس إلى عهد قريب فى المشرق العربى يعتبر خارج مجال هذه الدراسة. ولقد أمدنا الرحالة الغربيون خلال القرنين ونصف القرن الماضيين بأوصاف تفصيلية للملابس والأزياء المحلية، كما ظهرت فى السنوات الأخيرة مقالات وأبحاث كثيرة تناولت هذا الموضوع.
وفيما يلى قائمة بأسماء الملابس التى ما زال يستخدمها العرب فى المشرق فى القرن العشرين: -
عَبَاءَة: سترة، يرتديها الرجال والنساء فى الجزيرة العربية ومصر والعراق وسوريا وفلسطين.
عَقَالْ: حبل مجدول سميك يشبه الحلقة يلبس فوق غطاء الرأس. والعقال يلبسه الرجال فقط فى الحجاز والعراق وسوريا وفلسطين.
عَنْتَرى: صديرى مبطن، منه القصير ومنه الطويل الذى يصل حتى الركبة، وهو خاص بالنساء ويلبس فى مصر وسوريا وفلسطين.
عَرَاقية: طاقية مطرزة فى الغالب يلبسها الرجال والنساء منفردة أو تحت غطاء الرأس، وتلبس فى الجزيرة العربية ومصر وسوريا وفلسطين -وفى العراق تسمى عراقشين.
عَصْبَة: منديل ذو طيات ترتديه النساء فوق الرأس فى مصر وسوريا وفلسطين.
بَادُوجى - بَابُوش: شبشب شرقى من الجلد الرقيق يُلبس فى الجزيرة العربية ومصر والعراق وسوريا وفلسطين.
بَدَن: ثوب للرجال ينسج من الحرير أو القطن. يلبس فى الجزيرة العربية.
بنيش: رداء رجالى بأكمام واسعة. يلبس فى الجزيرة العربية وسوريا وفلسطين.
стр. 8611
بِشْتَ: عباءة أو جاكت يرتديه الرجال والنساء فى سوريا وفلسطين.
بريم: حبل مجدول على شكل دائرة يلبس فوق منديل الرأس وهو يرادف العقال فى سوريا وفلسطين، ويربط حول الوسط ويرادف الحقو فى الجزيرة العربية.
بُردْ - بُردا: ملحف من الصوف الثقيل يرتديه الرجال فقط فى الجزيرة العربية ومصر.
بُرْنُسْ: عباءة تغطى البدن والرأس تنسج من الصوف ويرتديها الرجال فقط. وكانت تستورد من بلاد المغرب وتلبس فى مصر.
برقع: نقاب لوجه المرأة، يلبس فى الجزيرة العربية ومصر وسوريا وفلسطين.
بوش: من أنواع العباءة تصنع فى شمال سوريا وتلبس فى سوريا وفلسطين.
بوشى: نقاب أسود لوجه المرأة يلبس فى العراق.
شَقْشِيْر: بنطلون على الطراز التركى يرتديه الرجال والنساء فى مصر وسوريا وفلسطين.
دَامِر: جاكت نسائى بأكمام قصيرة يرادف التقصيرة ويلبس فى سوريا وفلسطين.
دِفِّيَّة: ثوب شتوى ثقيل يرتديه الرجال فقط فى مصر.
دِلْق: رداء من رقع من القماش يرتديه الصوفية، كما يرتديه أيضا المهرجون. ويلبس فى مصر والعراق وسوريا وفلسطين.
جَلابيَّة: رداء فضفاض يلبسه الرجال وما زال شائع الاستعمال فى مصر.
جِلّلايَة: جُبّة مزخرفة بالتطريز، من ألبسة الزفاف وخاصة بالنساء فى سوريا وفلسطين، وترادف قفطان الزواج الخاص بالرجال فى اليمن.
جُبّة: رداء خارجى يشبه المعطف يلبسه الرجال والنساء فى الجزيرة العربية ومصر وسوريا وفلسطين.
стр. 8612
جوخ: جوخة: معطف بأكمام واسعة يرتديه الرجال فى سوريا وفلسطين.
دُرّاعَة: رداء خارجى للسيدات مفتوح من الأمام يشبه الجبة أحيانا يستخدم فى سوريا وفلسطين.
فَرَجِيّة: رداء للرجال بأكمام طويلة يلبس فى مصر.
فَرْمَلِيّة: رداء نسائى يلبس فى سوريا وفلسطين.
فَروديّة: منديل مربع يربط حول رباط الرأس تستعمله السيدات فى مصر.
فاس: طربوش تركى يشبه الطربوش الأحمر يُلبس فى الجزيرة العربية ومصر وسوريا وفلسطين.
فستان: رداء للسيدات يستعمل فى مصر وسوريا وفلسطين.
فوطة: مقطع من القماش المطرز يربط حول وسط الرجال. العراق.
غَبّانى - غَبَّانيَّة: منديل للرأس بزخرفة هندسية مطرزة من معينات يرتديه الرجال والنساء فى سوريا وفلسطين.
غُودْفَا: شال كبير للرأس خاص بالسيدات اليهوديات فى بعض المناطق فى سوريا وفلسطين.
حَبَرة: ملاءة خارجية يُلف بها جسم المرأة من الحرير الأسود تلبس فى الجزيرة العربية ومصر وسوريا وفلسطين.
حَقْو: رباط للوسط يستخدمه الرجال والنساء فى الجزيرة العربية.
حِيَاصَة: حزام من القماش فى منتصفه حلية من الفضة يرتديه الرجال فى سوريا وفلسطين.
حزام: يرتديه الرجال والنساء فى الجزيرة العربية ومصر والعراق والشام.
حُلَالْلّيه: ملاية سوداء كبيرة تلف حول الوسط مع سحب أطرافها العليا على الكتفين وتثبت بدبابيس، وتستخدم فى مصر.
إقدادة: كافية بيضاء تلبس فى الصيف فى سوريا وفلسطين.
стр. 8613
عِصَابة: رباط للرأس خاص بالسيدات فى الجزيرة العربية ومصر وسوريا وفلسطين.
إشْدَاد: حزام من الصوف يرتديه الرجال والنساء فى سوريا وفلسطين.
إتْب: ثوب واسع للسيدات فى الجزيرة العربية.
إزار: ملحفة كبيرة تلتف بها السيدات فى مصر وسوريا وفلسطين.
كِافيَّة - كُوفيّة: منديل للرأس يستخدمه الرجال والسيدات فى الجزيرة العربية، والعراق وسوريا وفلسطين.
قَفْطان - قُفْطان: رداء طويل واسع بأكمام طويلة وإزرار أسفل المقدمة يرتديه الرجال والنساء فى الجزيرة العربية ومصر والعراق والشام.
كَمَر: حزام عريض لونه أحمر فى الغالب يرتديه الرجال فى مصر والشام.
قميص - قميصة: يشبه الرداء يرتديه الرجال والنساء فى الجزيرة العربية ومصر والعراق وسوريا وفلسطين.
خَلَقَة: ثوب نسائى فى الجزيرة العربية والشام.
خَلْوَاتيّة: عباءة تصنع فى حصبايا بسوريا.
خِرْقَة: نقاب ومنديل للرأس ترتديه السيدات فى الشام ويشبه الدِلْك الذى يرتديه الصوفيون.
خُف: حذاء قصير برقبة أو جورب قصير من الجلد يستخدم فى الجزيرة العربية ومصر وإيران وسوريا وفلسطين.
خُمْر: حزام للرجال يستخدم فى العراق.
كِبْر: ثوب يستخدم فى سوريا وفلسطين.
كُبْران: جاكت بأكمام طويلة واسعة يرتديه الرجال والنساء فى الشام.
قُمْباز: رداء خارجى ينسج من الحرير المخطط يرتديه الجنسان فى الشام.
قُرْص - قِرص: طاقية أو تاج من المعدن يزين بالمجوهرات يُلبس فوق غطاء الرأس وهو خاص بالسيدات فى مصر والشام.
стр. 8614
لَفّه: عمامة من القماش للرجال فى العراق والشام.
لفائف: أشرطة طويلة من القماش تُوصَل بلباس الرأس ويلف عليها شعر السيدات وتستخدم فى سوريا وفلسطين.
لَاسَة: منديل شبكى لرأس السيدات من الحرير الأبيض أو القطن مزخرف بأشرطة معدنية. سوريا وفلسطين.
لِباس: سروال للرجال والسيدات. الجزيرة العربية، مصر، العراق، الشام.
لِبْدَه - لِبَّادَة: طاقية من اللباد خاصة بالرجال. مصر، سوريا، فلسطين.
مَدْرَقَة: ثوب ترتديه السيدات فى الأردن.
مَكْرُونَة: منديل للرأس تلبسه البدويات فى الجزيرة العربية.
مَنْديل: منديل للرأس ونقاب للسيدات فى سوريا وفلسطين. ويزخرف بالتطريز ويربطه الرجال حول الوسط فى العراق.
مَعْرقَه: يشبه العَرَقيّة. الجزيرة العربية.
مَرْكُوب: حذاء رجالى مدبب من الأمام مصنوع من الجلد الأحمر السميك، مصر.
مَشْلَة: عباءة تصنع فى بغداد وتلبس فى العراق.
مَسْت: شراب طويل من الجلد الناعم الأصفر يرتديه الرجال والنساء فى مصر وسوريا وفلسطين.
مَاسُومى: عباءة من الصوف الأبيض للرجال تصنع فى بغداد.
مَز - مَزدْ - مِزْ: يشبه المَسْت ويلبس فى مصر والشام.
مِلْحَفَة: ملاءة كبيرة تلتف بداخلها النساء. مصر، سوريا، فلسطين.
مِنْشَفَه: نقاب أبيض للرأس تلبسه النساء. سوريا وفلسطين.
مِنْتِيَان: جاكت يرتديه الرجال والنساء. سوريا وفلسطين.
مُدَربيَّة: جاكت للنساء من الفلاحات فى سوريا وفلسطين.
مُقْلَة: عمامة كبيرة جدا يلبسها العلماء. مصر.
مُلَاءَة: ملحفة كبيرة تلتف فيها النساء.
стр. 8615
مُسَيّحة: كافية من الحرير. سوريا وفلسطين.
نَعْل: كلمة عامة تعبر عن الحذاء تستخدم فى بلدان الشرق الأوسط.
سَبْلة: رداء فضفاض ترتديه السيدات شبيه للثوب. مصر.
صَفّة: غطاء صغير لرأس السيدات مزخرف بالتطريز يعلق على جوانبه قطع من العملة المعدنية. سوريا وفلسطين.
سَاكُو: معطف للسيدات من الصوف أو القطيفة. سوريا وفلسطين.
سَلْطَة: جاكت للرجال والنساء. سوريا وفلسطين.
شَبَابْلِكيَّه: عباءة تصنع فى حصبايا سوريا وفلسطين.
شَدّة: حزام من الجلد للسيدات. سوريا وفلسطين.
شَال: شال للسيدات ينسج عادة من الصوف. الجزيرة العربية، العراق، سوريا، فلسطين.
شَلْوَار: شبيه بالسروال. العراق.
شَمْبَر: نقاب كبير للسيدات كان يستخدم عادة فى المناطق اليهودية جنوب فلسطين.
شَعْرِيّة: نقاب أسود للوجه يصنع من صوف الماعز أو شعر الحصان وهو خاص بالسيدات. العراق، سوريا، فلسطين.
شَاش: مقطع من القماش يلف حول الرأس كعمامة. سوريا، فلسطين.
شَاشِيَّة: نوع من الطرابيش يُلبس فى مصر. وهو طاقية تُلبَس تحت الطربوش فى سوريا وفلسطين.
شَطْوة: قبعة ترتديها النساء المتزوجات.
شَوْدَر - شوْذَر: ملاءة خارجية سوداء تلتف بها النساء. الحجاز والعراق.
شِنْتِيَان: بنطلون نسائى. مصر. سوريا. فلسطين.
شُطْفَة: منديل للرأس ترتديه النساء البدويات. الجزيرة العربية. سوريا. فلسطين.
شُوَيْحى - شُوَيْحيَّة: حزام للنساء ينسج من شعر الماعز وهو فى الغالب