← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.

стр. 8646

ومعاهدتى سان ريمون (٢٥ أبريل ١٩٢٠) ولوزان (٢٤ يوليو ١٩٢٣ م) التى أنهت الإمبراطورية العثمانية من الناحية الرسمية، فإن مجلس عصبة الأمم بقراراته فى ٢٤/ ٧/ ١٩٢٣، و ٢٩/ ٩/ ١٩٢٣، وضع لبنان تحت الانتداب الفرنسى. وفى ٢٦/ ١١/ ١٩٤١ م، اعترف الجنرال كارو Carreaux بتفويض من فرنسا الحرة، بأن لبنان "دولة مستقلة ذات سيادة" وفى أكتوبر ١٩٤٣ م، عقب انتخابات بشارة الخورى المسيحى المارونى لرئاسة الجمهورية، وتعيين رياض الصلح السنى المسلم، رئيسا لمجلس الوزراء، ظهر التشكيل الوزارى للحكومة الجديدة، وأصبحت لبنان عضوا بالجامعة العربية بعد تأسيسها عام ١٩٤٥ م. وكان اسم لبنان الكبرى قد تغير ليصبح الجمهورية اللبنانية عام ١٩٢٦ م، وأنشأ الدستور نظاما برلمانيا وليبراليًا. وعندما اجتمعت للحكومة اللبنانية مقدراتها، أكدت على هذه النظم من خلال الميثاق الوطنى، وعلى ذلك عهد برئاسة الجمهورية للمسيحيين المارونيين، ورئاسة مجلس الوزراء إلى المسلمين السنيين، ورئاسة مجلس النواب للمسلمين الشيعة. وهنا يكمن لب المشكلة ففى ظل الأخذ بنظام تشريعى، حثت عليه الجمهورية الفرنسية الثالثة، جرى تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية اللبنانية، تبعا للتقسيم الطائفى. وتفرض الثقافة الاجتماعية على لبنان مبادئها، وهى تضرب بجذورها فى الماضى البعيد؛ فالمسيحيون يقدمون مبررات تاريخية كثيرة. أنهم يوظفون التاريخ الفينيقى وغيره لتأصيل الوجه المسيحى للبنان، أما المسلمون فيتحدثون دائما عن حضارة واحدة. كان الساحل اللبنانى الذى احتضن الموانى النشطة، مأهولا بالسكان منذ فجر التاريخ، والذى وردت أسماء موانئه بشكل مضطرب فى نصوص العهد القديم، والتى كشف عنها علم الآثار المعاصر، عن مراحل ومستويات السكنى، كتلك التى امتدت لأكثر من ثلاثة آلاف سنة، من الانتصارات والكوارث، فى موقع جبيل الفريد. وفى ظل السيادة الرومانية، وظهور حركة النقل عبر البحر المتوسط المصاحبة لها، أنشئ المضمار (ميدان السباق الكبير)

стр. 8647

فى صور، وكان يتسع لـ ٣٠٠٠٠ مشاهد، والذى كشفت عنه عمليات التنقيب التى بدأت فى الستينيات. وقد شهدت أيضا جبال لبنان التى تكسوها الغابات، وتمتد صخورها فوق الشريط الساحلى الضيق، ظهور الإنسان فى مرحلة مبكرة جدا، كما تدل عليه أسماؤها الكنعانية والآرامية؛ ويحتمل أن كان سكانه مشتتين حتى نهاية الفترة القديمة، وكان يتمثل نشاطهم فى استغلال الأخشاب ونقلها، واجتذبت مدن الساحل أيضا، التى كانت مثوى للآلهة، حجاجا لزيارة الأضرحة المجاورة لآثار المعابد، التى شيدت فى العصر الرومانى. وقد أدى الفتح العربى -بتغييره لطبيعة القوى وموازينها- إلى ظهور طرائق مختلفة عن ذى قبل -لاستثمار موارد لبنان، ففى حين كانت سهوله الساحلية الضيقة المؤدية للبحر عاملا مسهلا ومشجعا لكل المغامرين القادمين من الغرب مما جعلها -أى هذه السهول- غير ملائمة تماما لحياة الاستقرار والرخاء فإن سلسلة جباله أصبحت ساحات للمواجهات بين البيزنطيين والمسلمين، وربما كانت تتم هذه المواجهات من خلال السكان النزاعين للقتال وعلاوة على ذلك، كان الاستقلال الذاتى الفعلى الذى تمتع به هؤلاء السكان، مشجعا على استمرار ونمو الهرطقة، وعلى ظهور نزعات الأقليات الدينية. وفى المنحدر الغربى من جبل شديد التحذر، بين جرفه الأول الذى تجزئه الاختناقات العميقة وسهوله الجيرية فى الشمال، أو تلاله الجنوبية، كانت الظروف ملائمة للزراعة والاستقرار البشرى فوق المرتفعات الواقعة ما بين ٩٠٠ و ١٥٠٠ متر، حيث كشفت عوامل التعرية عن تربة خصبة. وشكلت الأحجار الرملية والرمل والطين وصخر البازلت تضاريس مفتوحة، وتوفر فيها المناخ المعتدل والهواء صحى والمياه الغزيرة. وبلغ معدل سقوط الأمطار السنوى عند هذا الارتفاع ما بين ١٠٠٠ و ١٥٠٠ مم، وكانت معظم الأمطار تسقط فى الفترة من نوفمبر إلى مارس، وأثناء فصل الصيف، تحتفظ التربة بالمياه التى تمتصها فى فصل

стр. 8648

الشتاء فى صورة ثلوج. وتروى سلسلة الجبال اللبنانية عند ارتفاع تندر فيه المياه، لأنها تمنع تيارات الهواء الرطب القادمة من الغرب، وتكون حاجزا بين البحر والسهل. وخلف الواجهة الشرقية الشديدة الانحدار، يصبح منخفض سهل البقاع الداخلى اكثر جفافا؛ فالتغيرات المناخية واضحة تماما؛ وتحل محل منطقة البحر المتوسط الساحلية، السهول السورية الممتدة وراء الجبال الشرقية. وكان وادى البقاع من مناطق زراعة القمح، وقد قدم إليه مواطنو الجبل من أجل البحث عن احتياجاتهم من الحبوب. وعندما انتهت المخاطر التى فرضها الفرنجة والمغول، كان الغزو العثمانى لسوريا فى عام ١٥١٦ م لحظة فاصلة لهذا الإقليم الجبلى فلم يعد منطقة متنازع عليها؛ حيث أصبح مركزا للانطلاق، نظرا لأنه، كان واقعا فى نقطة تلاقى اتصالات الطرق الملاحية والبرية الواسعة فى الدولة العثمانية الشاسعة. واستطاع سكانه أن يطوروا أنشطتهم، ويؤكدوا أصالتهم. وشجع النظام العثمانى على توسيع الشبكة الاقليمية لنقل التجارة للمسافات البعيدة؛ وعلى ذلك أصبح فى مقدور سكان الجبل الحصول على فائدة متميزة من مصاطبهم المزروعة، التى تنتج العنب والزيت وخصوصا الحرير فى المناطق الوسطى، والقطن والتبغ فى الجنوب. وكانت أسواقهم فى البداية، مراكز محلية للصناعة والاستهلاك، وكانت دمشق وحلب من عملائها الرئيسيين. وانتشرت تجارة ضخمة فى أطراف هذه المناطق الداخلية وعلى كل الطرق الداخلية والموانئ الساحلية بطرابلس وبيروت وصيدا، وجعلتهم حلقة اتصال بطرق مرور الملاحة الساحلية، التى تذرع جيئة وذهابا بين فلسطين والأناضول ومع مصر، والمغرب وموانئ أوروبا المسيحية، مرسيليا على وجه الخصوص، التى اتصل تجارها وعملاؤها وقناصلها، لممارسة أنشطتهم التجارية فى ظل نظام الامتيازات. وكتدعيم لنفوذ السلطان الذى تأكد من خلال سيطرته على المدن والسهول،

стр. 8649

وضع المجتمع السنى جذوره الأولى، من خلال الإشعاع الدينى، والعدل، والسلطة. وفى المنطقة المدروسة هنا، كان يقيم السنيون أساسا فى الموانئ، والسهول الساحلية ووادى البقاع، وأقام أصحاب المقام الرفيع فى صيدا مع نظرائهم المقيمين بدمشق مبادلات كثيرة فى صورة بضائع، وزيجات وأخوة روحية، بينما كان للمغاربة سجل من الأنساب مع العائلات البيروتية. وشاركت الجماعات المسيحية فى تطوير لبنان العثمانى وبين جبل لبنان فى الشمال وجبل الشوف فى الجنوب، حولت حركة السكان المارونيين نحو جنوب الجبل، هذه المنطقة إلى بؤرة دينية بشكل فعال، وجعلت منها منطقة زراعية منفتحة للتجارة، وأنشأت مقاطعات حكمتها عائلات الشيوخ المارونيين واهتم المسيحيون اللبنانيون باللغة العربية وأصبحت أديرة الرهبان مراكز للتعمق فى علوم العربية تماما كما هى مراكز لدراسة الطقوس الدينية. وارتقى بعض أعيان العرق المارونى القديم، فى درجات التسلسل الهرمى الأكليركى، بينما اكتسب البعض الآخر لقب القنصل الفخرى فى تعاملاتهم مع ممثلى فرنسا، لكنهم استمدوا احتفاظهم بقوتهم من خلال دورهم الفعال فى النظام العثمانى وبعد غزو العثمانيين لسوريا فى عام ١٥١٦ م، أبقوا على التقسيمات الإدارية لمنطقة الجبل، متبعين فى ذلك نهج أسلافهم المماليك على أساس التوزيع العرقى حيث خضع الشمال لولاية طرابلس وخضع الوسط والجنوب لدمشق حيث كانت تهيمن على المنطقة حكومة الدروز. وفى عام ١٦٦٠ م، وعلى أثر الحملات العسكرية التى قام بها الباب العالى، من أجل قمع حركات تمرد الأمراء الدروز من عائلة معن. قاموا بإنشاء بشلق جديد وأقام حاكمه عند صيدا للسيطرة على الدروز والمارونيين. وكان يضم البشلق الذى انفصل عن دمشق، الجزء الأوسط والجنوبى من سلسلة الجبال اللبنانية وشمالى فلسطين؛ ومع ذلك

стр. 8650

فقد احتفظ الباشا فى دمشق بالسيادة على طرابلس وصيدا. ولم تبد الأخيرة أية محاولة فى ممارسة السلطة المباشرة على نطاق الجبل، الذى كان من الصعب الوصول إليه، وكانت تقيم فيه جماعات منظمة تنظيما جيدا وعلى غرار الممارسة المعتادة للحكم العثمانى، اعتمد الباشا على الزعماء المحليين فى جباية الضرائب وفرض الأتاوة، وهى من أكثر المظاهر الدالة على قوة السلطان. كانت الضريبة الأساسية، الميرى مرتبطة بأهمية الانتاج الزراعى؛ وعلى ذلك كانت تحصل عند جمع المحصول. وكانت الأراضى تؤجر، وكان المستأجر يقدم إيجارا سنويا، وكان الأمير (أو أحيانا اثنان أو ثلاثة أمراء فى آن واحد) يتعهد بهذا الدور الذى ارتبط بعائلة معن منذ زمن الغزو العثمانى وحتى الربع الأخير من القرن السابع عشر، ثم انتقل بعد ذلك لعائلة شهاب. وكان منح هذه السلطة يؤدى بالتالى إلى تفوق إحدى العائلات على الأخرى، وإلى تفوق أحد الأمراء على أقرانه؛ وكان توريد الأمير لما التزم بجمعه للباب العالى هو طريقه للاحتفاظ بمنصبه وتبعا للمبالغ الكلية التى يحددها الباب العالى والتى يطلبها الباشا، فقد كان لزاما عليه كل سنة أن يقسم المبالغ التى جباها بين المقاطعجية المسئولين عن جمع الضريبة من المقاطعة الخاضعة له. كان الأمير الكبير، يلقب أيضا بالحارم، لتأكيد سلطته على حرم جبل الشوف وكسروان. وعلى غرار العائلة الحاكمة، كان أفراد العائلات الكبيرة التى مارست السلطة على العائلات الأخرى، من ملاك الأراضى المهمين، الذين تعهدوا بمسئولية جمع الايجارات فى المقاطعة، وبذلك كانوا يضمنون سيطرتهم الاجتماعية والاقطاعية، بينما كان المقاطعجية يرهقون أنفسهم بالمنافسات الداخلية، فى محاولة فرضهم واحتفاظهم بسيطرتهم، والتى كان من أحد نتائجها المباشرة، تقسيم المجتمع إلى مجموعات متجاورة ومجموعات معارضة، والتى ساعد على إحياء مكائدها وطموحاتها، ممثلو السلطان ونتيجة لذلك، ففى عام ١٧١١ م، بالقرب

стр. 8651

من قرية عين دارا، حطم جماعة الكيسى التابعين للأمير حيدر شهاب جماعة اليمنى؛ ومن أجل تأكيد تفوق الشهابيين، بدأ الأمير حيدر، فى ذلك الوقت فى إجراء تقسيم جديد للمقاطعات بين العائلات القوية، مقويا بعضهم ومضعفا البعض الآخر. وكان الباب العالى قادرا دائما على طرد الأمراء. والكتب المدرسية اللبنانية تتحدث عن تاريخ شخصيتين على قدر كبير من الأهمية وهما الأمير فخر الدين المعن الثانى، والأمير بشير شهاب الثانى، اللذين كانت لهما رؤية موحدة نحو استقلال بلادهم، تسمو على الانقسامات والمصالح الأقليمية فكلاهما -أولهما فى بداية القرن السابع عشر، وثانيها فى بداية القرن التاسع عشر- قد مارسا سلطة واسعة، ففى حين استغلا ضعف وتنافس الحكام الأتراك، فقد بحثا أيضا عن دعم من الدول الواقعة فى حوض البحر المتوسط، واستعانا بالقوى الجديدة فى أوروبا. ولكن فى كل مرة، كان الباب العالى ينجح فى إجهاض طموحاتهما. فعندما أقدم فخر الدين وابنه على خطوات لتوسيع إمارته، واستعادة استقلالها الذاتى، قاومه العثمانيون بنفس الإصرار الذى أظهروه للشيعة عند رفضهم الدخول فى امبراطوريتهم، وفى محاربة الصفويين الفرس فى جبهتهم الشرقية واضطر فخر الدين للجوء إلى بلاط دوق توسكاتيا فى عام ١٦١٢ م، ثم عاد فى عام ١٦١٨ م، لكنه أسر فى النهاية وأرسل إلى استانبول حيث حكم عليه بالاعدام فى عام ١٦٣٥ م. وفى ظروف تاريخية أخرى، مات الأمير بشير الثانى شهاب أيضا فى استانبول فى عام ١٨٥٠ م، بسبب كبر سنه، بعد أن أجبر على التنازل عن سلطته عام ١٨٤٠ م، عندما قامت الحكومة العثمانية باتباع برنامج للاصلاح السياسى، ودفعت بالقوات المصرية من سوريا، ورفضت تجديد تعيينه. ما الموقف الذى اكتشفه الباب العالى، عندما أعاد تنظيم سلطته بمساعدة التجريدة العسكرية

стр. 8652

البريطانية، وأعاد تشكيلها من خلال سياسة التنظيمات؟ منذ بداية الحكم العثمانى، انتقل المركز النشط لسوريا، من الشرق إلى الغرب، ثم انفتح اللبنانيون على أوربا البحر المتوسط، ونجح النمو الديموجرافى الذى ساعد المارونيين على الانتشار من الشمال إلى جنوب الجبل فى تحقيق هذا التوجه وقد استفادوا منه ومع ذلك، فإن الإطار الدينى والبشرى، وزراعة الأشجار، وإنتاج الأخشاب بكميات ضخمة، قد تطور بدرجة كبيرة على حساب إنتاج الحبوب، وفى بداية القرن التاسع عشر، كانت الحبوب التى يزرعها سكان الجبل فى أراضيهم لا تكفيهم لبضعة أشهر فى السنة، وكان عليهم شراء الباقى وعلى ذلك اضطروا إلى الاعتماد على الحكام الأتراك الذين كانوا يسيطرون على السهول الخصبة، وبالرغم من أن الأمراء حاولوا معالجة هذه المشكلة، من خلال توسيع نفوذهم على البقاع، إلا أن جهودهم ذهبت سدى ومن ناحية أخرى، حولت المبادلات التجارية منطقة الجبل إلى منطقة للتدوال النقدى، وقد أثر تطورها الاقتصادى بدرجة إيجابية على نمو سكانها، ولكن فى نهاية القرن الثامن عشر وخلال الأربعة عقود الأولى من القرن التاسع عشر. وفرض الباب العالى نظاما إداريا جديدا، من خلال قوانين, عامى ١٨٤٢ و ١٨٤٥ م، حيث منح شروطا تفضيلية للسكان المسيحيين، بينما احتفظ بتقسيم الجبل، وعهد بالجزء الشمالى لقائمقام مسيحى والجزء الجنوبى لقائمقام درزى ووضع كلا الموظفين تحت سلطة الحاكم التركى، الذى كان يقيم فى ذلك الوقت فى بيروت، وكان يساعده فى مهمته مستشار. وكان التجديد الذى فرضته التغيرات فى أوربا، واضحا وراء هذه التعديلات، ووراء الصور الجديدة من تدخل ممثلى القوى الأوربية فى لبنان، خصوصا وراء أنشطة قناصل فرنسا وبريطانيا، الذين تمركزوا فى بيروت وكانت المراكب البخارية تزور هذا الميناء بانتظام بعد عام ١٨٣٥ م، بالرغم من أن المدن الرئيسية فى الداخل واجهت أزمات فى أنشطتها، إلا أنها كانت المستفيدة الرئيسية من التوسع فى

стр. 8653

التجارة، خصوصا بعد عام ١٨٥٠ م، عندما نهجت شئونها التجارية نمط اتجاهات الاقتصاد الغربى، كما أن التغييرات فى قوانين الملكية التى أدخلت فى الإمبراطورية العثمانية، حفزت على تطوير المشروعات التجارية والمالية. وقد تزايد سكانها وتنوعوا، خصوصا عناصرها المسيحية وقام الفرنسيون فى منطقة الجبل، بمبادرات صناعية، وأنشأوا نظما جديدة لغزل الحرير؛ وامتنعوا عن تسليم الشرانق من أجل مصلحة مؤسساتهم، وبذلك كسروا الحلقات بين صغار الملاك والعائلات الكبيرة، وساهموا بالتالى إلى حد كبير فى تدهورها. فى حين ساعدت هذه التغييرات الاقتصادية على انعاش السكان الذين قاموا بدور الوساطة، وكان من بينهم الكثير من المسلمين، إلا أن هذه السياسة الاقتصادية جاءت بتأثير سيئ على الجماعات المتضررة، وأدت إلى تفاقم التوترات الاجتماعية والدينية. وفى عام ١٨٥٩ م، كان هناك تمرد متعلق بالأرض الزراعية، وشهد صراع الفلاحين مع الشيوخ فى كسروان المارونية. وعلى الرغم من ذلك، فقد استفاد المسيحيون جميعا من هذه التحولات، بينما حرم المسلمون والدروز جميعهم من أن يلعبوا أية أدوار؛ وعندما طالبوا "بالتساوى" الذى وعدت به الاصلاحات، أدى ذلك إلى تقوية وضع المسيحيين بتأييد من فرنسا وكنيسة روما، واستفادوا من التوسع الأوربى، الذى كان منافسا ومسيطرا على الاقتصاد التقليدى للشرق الأدنى وكان المسلمون يعتبرون كل هذه الأنشطة من جانب المسيحيين، جرائم ارتكبها أناس لم يتوقفوا أبدا عن الاستخفاف بهم، مخالفين بذلك تفوقهم فى الماضى ووجودهم الحالى. وقد وقعت حادثة فى مايو ١٨٦٠ م، فجرت الصراع بين الدروز والمسيحيين، وتبعتها اضطرابات فى "المناطق المختلطة" وفى دمشق ولتحجيم تدخل القوى الأوربية، أعاد الأتراك النظام بطريقة غاية فى الوحشية؛ وبرغم ذلك، فلم يمنع هذا من وصول قوة عسكرية فرنسية. كانت نتائج هذه الأحداث، ووجود القوات الفرنسية حتى يونيو ١٨٦١.

стр. 8654

والمفاوضات التى عقدت بين الباب العالى وفرنسا وبريطانيا العظمى والنمسا وبروسيا وروسيا، من أجل خلق إقليم جبل لبنان أن فرضت الوحدة الإدارية بالقانون وأقرت المعاهدة التى وقعت فى بيرة فى التاسع من يونيو عام ١٨٦١ م، بأن لبنان سوف يحكمه حاكم مسيحى، يعينه الباب العالى ويكون مسئولا مباشرة عنها وأكد الباب العالى على شرط أن الحاكم المسيحى، يجب أن يختار من بين غير اللبنانيين التابعين للسلطان وكان يتم حفظ النظام بواسطة قوة شرطته الخاصة، وكان المسيحيون هم المستفيدون من نظام أميرى خاص؛ ولم تنضم بيروت ولا طرابلس، ولا صيدا لهذا الإقليم، فى حين تطورت روابطه مع بيروت بشكل مستمر بسبب غناها المتبادل فى الأوضاع الاقتصادية والبشرية وبالرغم من وضع جبل لبنان المستقل ذاتيا نسبيا، فقد كان مضمونا من خلال توقيع خمس دول أوربية وكان الانفتاح الاقتصادى الذى أدخله الغرب بارزا، من خلال تطور إنتاج الحرير الخام تحت إدارة مدينة ليون، الفرنسية وكانت فرنسا تساهم مع الشركات التى تكونت من أجل إنشاء طريق للنقل من بيروت إلى دمشق (١٨٦٣ م)، والذى أصبح فيما بعد خط سكة حديد (١٨٩٥ م)، وتوسيع ميناء بيروت، والتحسين المعمارى لهذه المدينة، وتأسيس البنوك وبيوت التجارة وأدت الزيادة السكانية والضغط الاجتماعى، إلى موجات من الهجرة إلى مصر والأمريكتين وعبرت النهضة الأدبية العربية عن نفسها فى هذه الظروف؛ فبجانب التعليم الذى قدمته الكلية البروتستنتية السورية، كانت هناك جامعة يسوع (١٨٨١ م)، والأنشطة الأدبية. وقاد العديد من الكتاب الآخرين، والصحفيون والعلماء حركات فكرية تهدف إلى بلورة الوعى وتأكيد الهوية اللبنانية. قدمت الحرب وهزيمة العثمانيين فى عام ١٩١٨ م، دافعا للتطور اللبنانى. وحضر ثلاثة من المفاوضين اللبنانيين، أحدهم من قبل البطريرك المارونى، مؤتمر السلام، وطالبوا من خلاله بالحفاظ على أراضيهم وتوسيعها وأدى

стр. 8655

تدخل الجيش الفرنسى فى عام ١٩٢٠ م، ضد الحكومة العربية بقيادة الأمير فيصل، إلى إنشاء دولة لبنان الكبرى، والتى وضعت تحت الانتداب الفرنسى وتأسست هذه الدولة من نواة مسيحية أساسها المارونيين، على الرغم من أن كل المناطق الأخرى ذات الثقافة العربية، كان أغلب سكانها من المسلمين فى حين أن الإقليم السابق لجبل لبنان قد اتسع بالإضافة إلى بيروت وصيدا وطرابلس وعاكار والبقاع ووادى التيم وجبل عميل، حيث وجد المسلمون الشيعة والسنة بأعداد كبيرة. ونشأ من هذا الوضع موقفان أساسيان: من ناحية، لم يكن لدى المسيحيين استعداد لقبول دخلاء فى جمهورية اعتبروا أنفسهم منشئوها؛ ومن ناحية أخرى فكر المسلمون فيما يصير إليه وضعهم فى كيان سياسى لا يتوافق مع طموحاتهم. ولعبت عوامل عديدة دورها فى هذا السياق، على وجه الخصوص: طبيعة المجموعات والعلاقات داخل إطار الجماعة أو الأحزاب السياسية؛ حيث كان المسلمون يتزايدون بشكل أكبر، لذا فقد أحسوا أن حقوقهم مهضومة فحدث تمرد عام ١٩٢٥ م. ومع ذلك، فقد ابتكرت تسوية، كان أحد مدبريها الأساسيين، رياض الصلح؛ ففى ١٩٣٦ م، تم الاتفاق بعد المفاوضات الفرنسية السورية اللبنانية على أن لبنان ستستمر فى وجودها داخل حدودها الحالية، وسوف تحتفظ بتمثيل الجماعات، الذى أقره دستورها النيابى. وفى مارس ١٩٤٥ م، أصبحت لبنان من بين الدول المؤسسة للجامعة العربية. وفى ظل كل رؤساء الجمهوريات الذين تعاقبوا الواحد تلو الآخر، منذ الاستقلال، كانت كل أزمة خطيرة، تجدد من انقسام الجماعات، فى حين أنها كشفت أيضا، عن نمو الوعى اللبنانى بين غالبية السكان، الذين أصبحوا متكيفين فى المعيشة فى إطار الدولة اللبنانية. وفى فبراير ١٩٥٨ م، رحب العديد من المسلمين بحماس بالغ بأخبار تأسيس الجمهورية العربية المتحدة؛ ولكن أثناء الاضطراب الدموى المدنى، الذى ساد البلاد فى الفترة من مايو إلى سبتمبر من نفس العام، والذى

стр. 8656

ساعدت عليه البيئة العربية والدولية، ونزول القوات الأمريكية فى السابع عشر من يوليو، تطبيقا لمبدأ ايزنهاور، فإن برنامج الإصلاحات السياسية الذى أعد تحت رئاسة الجنرال فؤاد شهاب، كان يصاحبه حركة لبنانية إسلامية متفتحة. وفى نفس الوقت، راقت لكمال جنبلاط كدزى ارستقراطى فى منطقة الشوف، له دوره كقائد لحركة اجتماعية، فكرة وطنية لبنانية أساسية فى ظل جهوده لوضع البلاد فى قلب التضامن العربى. وأدى اختلال التركيب الديموجرافى المعروف إلى مزيد من الاضطراب، خاصة فى مجتمع يتكون من جماعات دينية، فقد زاد عدد الشيعة وأحسّوا بالتضرر، بالإضافة إلى الهجرة الداخلية من شرق وجنوب لبنان إلى بيروت للبحث عن عمل. وقد انعكس هذا على تصرفات الأحزاب السياسية اليسارية، التى بحثت أيضا بطريقة مشابهة، فى تصريف استياء فلاحى الشمال، الذين كانوا يوجهون ثورتهم منذ عام ١٩٧٠ م، ضد ملاك الأراضى الكبار، وأبدوا تشككهم فى سلطة الدولة. واكتسبوا أيضًا من خلال وضعهم القتالى الجديد، "مظهر المسلم" الأقوى. حدث هذا التطور فى فترة من النمو الاقتصادى، الذى لم يكن يحظى الجميع على قدم المساواة بفوائده. فمنذ عام ١٩٦٧ م، اتبع المنحنى الصاعد للاقتصاد اللبنانى، منحنى الثراء المتزايد للشرق الأدنى بصفة عامة؛ فقد تم استثمار أصول أموال البترول الدولارية "العربية"، التى كانت ملكا للمسلمين، فى البنوك اللبنانية، التى يملكها مسيحيون وفى نفس الوقت، لم تعتمد لبنان على الثروات التى تحصل عليها من "الخدمات" فقط، لكنها اعتمدت أيضا على الثروات التى تحصل عليها من الصناعة، التى شهدت نشاطا كبيرا فى ضواحى بيروت وطرابلس، حيث صدرت ٨٠ % من إنتاجها إلى الأسواق العربية بينما أخذ الفنيون اللبنانيون ورجال الأعمال، الذين يضمون مسيحيين على درجة عالية من التنظيم، فرصتهم فى العمل فى الدول العربية النامية، فإن العمالة المتعاقدة فى صناعة الإنشاءات فى بيروت كانت من

стр. 8657

أصل سورى؛ وعلى ذلك، أصبحت لبنان من خلال تطورها الاقتصادى الحديث، الدولة الأكثر اندماجا فى حياة ومصير العالم العربى. يقدر أن يصل سكان لبنان إلى قرابة ثلاثة ملايين نسمة، فسواء كانوا مقيمين أو مهاجرين مؤقتين، فهم الذين ضمنوا الوجود لبلادهم. فعلى الرغم من أن كل من فى لبنان، لا يزال يشعر بأنه جزء من الأقلية بالنسبة إلى أبناء بلاده فإن التصاق غالبية اللبنانين بلبنان تتمثل فى الاحتفال بيوم العلم، ولكن على الرغم من أنهم متأكدون من انتمائهم لنفس الكيان ومصممون على الحفاظ عليه، إلا أنهم يشاركون فى نفس الرؤية الوطنية. المصادر: (١) H.Layouts: Remarque sur le expeditons du kasrawan sous les premiers Mamluks, in Bulletin Musee du Beyrouth iv ١٩٤٠ (٢) Herman: Haute Galilee hibanaise. Etude de geographie physique, paris ١٩٥٤ (٣) M.c.Hudson: The precarious republic. political mod ernization in Lebanon,New York ١٩٦٥ (٤) H. Ruppert: Beirut,Eine westlich gepragte State Des Orients, Frankische Georgraphische Gesellschaft, Erlangen ١٩٦٩ (٥) G. Corm: Contribution al'etude des societes multic onfessionnelles, Paris ١٩٧١ (٦) Edmond: Rabbath, La formation historique du Libyan Politique etconstitutionnel, Bitut ١٩٧٣ (٧) R.Owen (ed): Essays on the crisis, in Lebanon, London ١٩٧٦ (٨) J.P. Spagnol: France and Ottoman Lebanon, ١٨٦٠ - ١٩١٤. London ١٩٧٧ (٩) D.chevallier (ed): L'espacesocial de la ville arabe, Paris ١٩٧٩ (١٠) D.chevallier: La Societe du wont Libnan a l'epoque de la revolution industrielle en Europe, l'epoque de la revolutio idustrielle en Europe, Paris ١٩٧١ هاشم أحمد محمود [د. شيفاليه D. Chevaller]

стр. 8658

لبيد بن ربيعة لبيد بن ربيعة، أبو عقيل، شاعر عربى من المخضرمين، ينسب إلى بنى جعفر، بطن من كلاب ينتمى إلى بنى عامر بن صعصعة. توفى حوالى عام ٤١ هـ (٦٦١ م) بعد أن عمّر طويلا. وضعه إتقانه للغة فى مكانة مرموقة فى قبيلته، وكانت فصاحته سببا فى مساعدة قبيلته فى مناسبات متعددة. اعتنق الإسلام وهاجر إلى الكوفة حيث توفى هناك عن ابنة ورثت مواهبه. للبيد مكانة عظيمة بين شعراء العرب، فيعتبره النابغة أعظم شعراء العرب بسبب معلقته، ويضعه آخرون فى الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية. أتقن لبيد الهجاء والرثاء ولم يكن له شعر فى الغزل بقدر ما كان له فى وصف الأطلال. غلب الطابع الدينى على أشعاره بعد الإسلام كما كان فى الجاهلية، إلا أنه كان يستلهم القرآن الكريم. المصادر: (١) ابن سعد: الطبقات الكبرى، تحقيق Sacheau وآخرون، ليدن ١٩٠٥ - ١٩٤٠ م. (٢) ابن قتيبة: كتاب الشعر والشعراء، تحقيق Goeje ليدن ١٩٠٠ م. (٣) أبو الفرج الأصفهانى: الأغانى جزء ١٤ صفحة ٩٠ - ٩٨. (٤) ديوان لبيد العامرى برواية الطوسى (تحرير الخالدى جزء ١، فينا ١٢٩٧/ ١٨٨٠). حسين أحمد عيسى [س. بروكلمان C. Brockelmann] لثام نقاب لستر الفم (ينطق أحيانا لِفَام) وهو عند البدو قطعة نسيج تستر الجزء السفلى من الوجه والفم وأحيانا الأنف أو أرنبة الأنف وترتديه النساء. وهو يصلح للأغراض العملية أى لحماية أعضاء الجهاز التنفسى من الحرارة والبرد كما يحميها من تسرب التراب إليها وهو يساعد على إخفاء الوجه ويجعله غير معروف للغير، فيحمى صاحبه من أى انتقام دموى -ومن هنا كان بعضهم ممن لم يتعود ارتداء اللثام يلجأ إلى ارتدائه كنوع من القناع.

стр. 8659

ولذلك تجد فى "ألف ليلة وليلة" أن الأميرات يرتدين اللثام ويظهرن بمظهر الرجال، وقد يحدد العكس لنفس السبب. وثمة فعل مشتق من هذا اللفظ يعنى وضع اللثام وهو يستخدم مجازيا -وكلمة "تلثيمة" تعنى بصفة عامة "لثام المرأة". أما "تلثيمة البياض" فهو رداء خاص لضابط فى العصر الفاطمى حيث كان قواد الجيش يرتدونه مع "الطيلسان" إلا أنه يبدو أن أهل المدن لم يرتدوا "اللثام". وكانت عادة ارتداء اللثام منتشرة بين قبائل صنهاجة فى الشمال الغربى لإفريقية حيث يوصفون بالملثمين. وقد ذكر اليعقوبى وابن حوقل، وابن بطوطة، وابن خلدون عادة ارتداء اللثام. وقد وجد أن هذه العادة كانت سائدة فى أجزاء أخرى من إفريقية -مثل "كانم" (المقريزى ١٩٣، ٣٣) ولا زالت عادة ارتداء اللثام سائدة لدى الطوارق الذين كان لثامهم موضع دراسات خاصة عديدة- والطوارق لا يسمونه "لثام" بل يطلقون عليه اسم "تجلست" أو شاش (موسين) ويبدو أن أْصله يرجع إلى ما قبل الإسلام بل ربما عاد إلى قبل التاريخ- فقد عثر ليوفرو بنيوس على رسوم قديمة وصخور حفرت عليها أشكال بشرية لا فم لها ولا أنف بل لها عينان فقط. ويبدو أن الدافع الأول لارتداء اللثام هو دافع السحر أى لحماية الحياة من قوى الشر. ولقد احتفظ الإفريقيون باللثام حتى فى قيامهم بالرحلات إلى أراضى الإسلام الشرقية حيث لم يكن من الطرز الشائعة، أما نساؤهم فكن يرتحلن معهم بغير لثام. وثمة حكاية ابتدعها التراث فى مراحله المتأخرة تشرح هذه العادة الغريبة فتقول إنه وقع هجوم ذات مرة على إحدى القرى حيث كان بها عدد كبير من النساء وعدد قليل من الرجال فارتدى الرجال اللثام وأمسكت النساء بالأسلحة حتى لا يكتشف العدو عدد الرجال الحقيقى. وحكاية أخرى تقول إنه بعد سقوط الدولة الأموية هرب مائتان من الأسرة الأموية ومعهم بعض أتباعهم إلى إفريقية فى ثياب نساء وأن كل من يرتدى اللثام ينحدر من هؤلاء. ويقول البكرى إن هؤلاء الملثمين لا يخلعون اللثام إطلاقا، وإذا

стр. 8660

سقط أحدهم قتيلا فى أحد المعارك وفقد اللثام فإن أحدا لا يمكن التعرف عليه حتى من أصدقائه إلا إذا وضع اللثام على وجهه مرة أخرى. والموحدون -وبصفة خاصة التومرتيون- يعارضون ارتداء اللثام وهى عادة يمارسها المرابطون فهم يصرّون دائما على أنه محرم على الرجال أن يتشبهوا بالنساء فى ملابسهن. ولكنهم لم ينجحوا فى إلغاء عادة ارتداء اللثام. وكثيرا ما استخدمت كلمة لثام ومشتقاتها بصورة مجازية فى اللغة ولا سيما لدى الشعراء. مثل أن يقبّل ما تحت اللثام (عند المتنبى) ثم تطور معنى الفعل "لثم" ليصبح معناه قبّل (عمر بن أبى ربيعة). والفعل "تلاثم" أى قبل أحدهما الآخر. ومَلْثَم أى مكان القبلة. وقد قُدِّم لفتاة (لثام من شعرها) (ألف ليلة) والجَمل له "لثام" من الرغاوى حول فمه. والذنب "أحم اللثام" أى منطقة الفم عنده سوداء. والقِدْر بها الخمر لها "لثام" أى قطعة من قماش على فوهتها والشمس تغطيها السحب والتراب فتظلم كما لو كانت ترتدى لثامًا فهى "التثمت" (كما قال المتنبى)، والنهار ينزع لثامه (وصف نجده عند عربشاه بمعنى بزوغ الفجر). وفى المقامات للحريرى (كشف الصبح اللثام). وكثير من الكتب يبدأ عنوانها بعبارة "كشف اللثام"، منها ثمانية كتب تبدأ بهذا العنوان وواحد يبدأ بـ "إماطة اللثام". والملاك إسرافيل له جناح ملثم بلثام كبير يبلغ طوله من السماء حتى الأرض السابعة (القزوينى). وقد يكون الصوت (ملثوما) أى مختفيا (كما فى قول طرفة) وثمة مجازات أخرى عن لفظ لثام. المصادر: (١) انظر قاموس الملابس عند العرب لدوزى. (٢) الذيل على القواميس العربية له أيضا. (٣) Snouck Hurgronje: Twee Populaire dwalingeu verbeteral, in werspr. Geschr, i, ٢٩٥ ff (٤) J. H. Keeman: The Tuareg veil, in Revue de l'occident musulman, no ١٧, ١٩٧٤, ١٠٧ - ١٨ سعيد عبد المحسن [ف. بيوركمان W. Bjorkman]

стр. 8661

لحن العامة ويعنى الأخطاء اللغوية التى يقع فيها العامة، وهو تعبير يطلق على فرع من فروع علم المعاجم يهدف إلى تصحيح ما حدث من خروج على أصول اللغة الفصحى ويمكننا أن نشبه ما يكتب فى هذا الموضوع بـ "لا تقل. . وقل. . " وعادة ما تذكر الصيغة غير الصحيحة مسبوقة بكلمة "تقول" أو "يقولون" ثم تذكر الصيغة الصحيحة مسبوقة بكلمة "والصواب" أو "والقاعدة. . . " وتفيد هذه الأعمال، إلى حد ما، فى تتبع تاريخ اللغة، وخاصة ابتداء من الزمن الذى بذل فيه علماء اللغة مجهوداتهم فى وضع قواعدها. كتب الجاحظ ذاكرا أنه عندما يتحدث عن العوام، فهو لا يعنى بذلك الفلاحين أو الطبقات الدنيا أو الحرفيين أو التجار، ولا الأكراد الذين يعيشون فى الجبال أو سكان الجزر فى البحار، ففى رأيه أن العوام الذين ينتمون إلى أمتنا ومجتمعنا الإسلامى ولهم ثقافتنا وأخلاقياتنا يشكِّلون طبقة عقلها وصفاتها أرقى من الفئات التى ذُكرت من قبل ولكنها لا تصل إلى مستوى الخاصة, ونرى من هذا المعنى أن الجاحظ، بدون الدخول فى تفاصيل تعريف الخاصة والعامة، قد استبعد من العامة، من الناحية اللغوية على الأقل، الطبقات الدنيا للمجتمع والعناصر الأجنبية التى لا تتكلم العربية بالمعنى الحرفى للتعبير لكنه يدخل ضمن العوام طبقة اجتماعية متوسطة كانت تتكلم، فى زمان لم تكن العربية العامية قد انفصلت فيه عن العربية الفصحى، بلغة أقل فصاحة لكن لا زالت قريبة إلى حد ما من لغة الخاصة، أو النخبة المفكرة، أو الطبقة العليا منها، الذين هم، من الناحية النظرية، حراس اللغة الفصيحة الفصاحة الفطرية العفوية. قدم الزبيدى عدة تعريفات فى مقدمة كتابه لحن العوام فذكر أنه قد فحص اللغة المستخدمة فى زمانه فى بلاده (الأندلس) ووجد جملا لم يذكرها أبو حاتم (السجستانى) ولا أى واحد ممن وضعوا القواميس، فهو نوع من التبديل أحدثه العامة فى النطق (بعض

стр. 8662

الكلمات) أو فى المعنى ثم سار عليه عدد كبير من الناس حتى أن هذا الاستخدام الخطأ تسرب إلى أعمال الشعراء كما استخدمه الكتاب البارزون والموظفون فى مراسلاتهم كما استخدموا تعبيرات فاسدة فى محادثاتهم، لهذا رأى أنه من الملائم أن يلفت الأنظار إلى هذه الأخطاء، أن يبين الصيغ الصحيحة لها وأن يخصص كتابا للأخطاء التى لاحظها. . . مع ترك الأخطاء التى يقع فيها غالبية الناس. . . والتركيز على تلك التى نتوقع أن نجدها فى لغة الخاصة. مع ذلك فقد سمى كتابه "لحن العوام"، وهذا يعطينا انطباعا واضحا أن تعبير العام فى العنوان إنما هو تلطف فى التعبير، المقصود به إخفاء الحقيقة والمحافظة على مشاعر الخاصة بينما يحملهم مسئولية ما وقع من أخطاء لغوية. وفى الحقيقة، فإن جميع الأعمال التى سنتناولها فيما بعد تخاطب الخاصة الذين يحتاج أداؤهم إلى تصحيح، وكان الحريرى واحدًا من مؤلفين قلائل كانت لديهم الشجاعة لمخالفة التقاليد وذكر الحقيقة عندما سمى كتابه "درة الغواص فى أوهام الخواص". كثيرا ما تستخدم كلمات أوهام أو خطأ أو غلط أو غلطات أو سقطات بدلا من كلمة لحن، وقد قام ج. فك J.Fuck بدراسة لغوية كبيرة لهذه الكلمة فى ملحق كتابه فى تاريخ اللغة العربية المسمى العربية (برلين ١٩٥٠ صفحة ١٢٨ - ١٣٥)، فبين أن كلمة لحن تعنى، ضمن عدة معان، "أسلوب الكلام" أو "استخدام كلمة أو نطق مقطع من مقاطع الكلام بطريقة خاصة بشخص أو جماعة" بشكل يمكننا أن نعتبرها تكافئ كلمة "لغة" كما يطلقها النحويون بمعنى "لهجة أو اختلاف محلى". وقد لاحظ بعض العرب هذه الاختلافات وسخروا منها انطلاقا من إحساسهم بأنهم حماة الفصاحة. ومع ذلك فإن كلمة لحن لم تطلق فقط على الانحراف عن القواعد أو على ترك قواعد الإعراب، بدليل أن كلمة ملحون كانت تطلق على نوع من الشعر الشعبى. من هنا نرى أن كلمة لحن أخذت معنى "ارتكاب

стр. 8663

أخطاء فى اللغة" ثم أخذت معنى "استخدام فاسد (خطأ نحوى) أو استعمال كلمات غير فصيحة أو إساءه استعمال الألفاظ". وقد ظهرت كلمة لحن مرتين كمرادف لكلمة خطأ فى (الكتاب) لسيبويه (جزء صفحة ٢٦٢ و ٣٤٩، أنظر ج تروبو G. Troupeau: Lexique index du kitab de sibawayh، باريس ١٩٧٦ م، صفحة ١٨٨). وفى القرن التالى لسيبويه، انتشر استخدام هذا اللفظ حتى أن الجاحظ نفسه فى تعليقه على بيت من الشعر استخدم لفظ لحن بمعنى "لفظ مزدوج المعنى، أو تلميح غامض" ففسر اللفظ عفويا بمعنى "خطأ"، وكان هذا التفسير نفسه خطأ. وفى غضون المائة عام الأخيرة، قام علماء من الشرق والغرب من المهتمين بهذه النوعية من الدراسات اللغوية بحصر الأعمال التى تناولت لحن العامة ووضعوها فى قوائم وقاموا باستكمالها وتصحيحها. كانت أولى هذه المحاولات هى التى قام بها هـ. ثربك H. Thorbecke الذى ضمن مقدمته لكتاب درة الغواص للحريرى (ليبتزج ١٨٧١ صفحه ٧ - ١٢) قائمة مبدئية سرعان ما تضخمت على يدى ى. جولدتسيهر I. Goldziher (فى ZDMG، العدد ٢٧ (١٨٧٣)، صفحة ١٥٥ - ١٥٦) ثم كتب مقالا فى هذا الموضوع (فى ZDMG، العدد ٣٥ (١٨٨١ م) صفحة ١٤٧ - ١٥٢). ثم وضع آلوارت Ahlwards قدرا كبيرا من المعلومات المفيدة فى متناول علماء الدراسات العربية فى الكتالوج الذى نشره عن مخطوطات برلين العربية (الجزء ٦، ١٨٩٤ م صفحة ٣١٩). وفى الفترة التالية كتب كتابان عن لحن العامة ثم انقضت أربعون عاما قبل أن تظهر كتابات جديدة ولكن باللغة العربية كان أولها اللهجات العربية لعيسى اسكندر المعلوف الذى نشره فى المجلة التى يصدرها مجمع اللغة العربية فى القاهرة العدد ١ (١٩٣٥ م) صفحة ٣٥٠ - ٣٦٨ والعدد ٣ صفحة ٣٤٩ - (٧). فى العام التالى كتب عز الدين التنوخى فى مقدمة طبعته للتكملة للجواليقى (مجلة المجمع العلمى العربى، العدد ١٤ (١٩٣٦ م)

стр. 8664

صفحة ١٦٩ - ٢٢٦) قائمة مختصرة أكملها فيما بعد صلاح الدين المنجد (المرجع السابق، العدد ١٦ (١٩٤٦ م) صفحة ٨٧، وكركيس عواد وعبد القادر المغربى. فى عام ١٩٥٣، نشر IFAO بالقاهرة كتاب اسمه الجمانة لمؤلف مجهول ذكر محققه هـ. هـ. عبد الوهاب فى مقدمته قائمة بالمقالات المغربية، ولكن أكمل السجلات فى هذا الموضوع ذلك الذى صدر بها، ريتسيتانو U.Rizzitano تحليله لكتاب تثقيف اللسان لابن مكى، وسنشير إلى هذا العمل الذى لم يفقد قيمته حتى الآن فى مقالنا هذا. وفى نفس العام، تقدم حسين نصار فى القاهرة برسالة بعنوان المعجم العربى احتوت أيضا على قائمة مشوشة إلى حد ما. وقد تابع ج. كورتكوف G.Krotkoff تاريخ الأبحاث فى لحن العامة حتى عام ١٩٥٧ م عام، كما صحح أيضا قائمة Rizzitano وأضاف إليها بعض التفاصيل. وتعتبر أعمال عبد العزيز الأهوانى (المنشورة فى RIMA)، ورمضان عبد التواب (لحن العامة، القاهرة ١٩٦١ م ولحن العامة والتطور اللغوى، القاهرة ١٩٦٧) وعبد العزيز مطر (لحن العامة فى ضوء الدراسات اللغوية الحديثة، القاهرة ١٩٦٧ م) أحدث ما ظهر فى هذا الموضوع. أما أقدم ما كتب فى هذا الموضوع فربما كان كتاب ما تلحن فيه العوام (أو رسالة فى لحن العامة) المنسوبة للكسائى (المتوفى عام ١٨٩ هـ/ ٨٠٥ م)، وقد احتوى على ١٠٢ تعبيرا يذكر فيه الصيغة الصحيحة مسبوقة بكلمة "تقول" ثم الصيغة غير الصحيحة مسبوقة بالتعبير "ولا تقُل". واستمرارا فى تناول المؤلفين حسب تواريخ وفاتهم، يقال: أبا عبيد القاسم ابن سلَّام (المتوفى عام ٢٢٤ هـ/ ٨٣٨ م) هو مؤلف كتاب ما خالفت فيه العامة لغة العرب. واختار ابن السكيت (المتوفى عام ٢٤٤ هـ/ ٨٥٨ م) عنوانا آخر لنفس الموضوع هو إصلاح المنطق (تحقيق شاكر وهارون، القاهرة ١٩٤٩ م). أما عمر بن شبَّة Shabba (المتوفى عام ٢٦٢ هـ/ ٨٧٧ م) فقد اختار أن يهاجم طائفة معينة من الخاصة ونعنى بهم

стр. 8665

النحويين، ومن هذا العنوان يمكننا أن نحكم بأن هذا الكتاب لا شك قد تناول موضوعات أقل مما تناولته الكتب التى ذكرناها من قبل حيث إن المؤلف حصر اهتمامه فى أخطاء وقعت سواء فى محادثات أو محاضرات، من نحويين ذكرهم بالاسم ليعاقبهم على المثل السيئ الذى ضربوه بأنفسهم بدلا من الحديث عن تطور اللغة، كما أنه من المؤكد أنه لم يقصد أى تبرير للعامية فى الحديث أو عدم مراعاة الإعراب كما فعل الجاحظ الذى عاصره. وقد قلد ابن قتيبة (المتوفى عام ٢٧٦ هـ/ ٨٨٩ م) وهو يمثل الاتجاه المحافظ، الجاحظ فى تأييده لإدخال الأسلوب المستخدم فى الكلام، أو بمعنى أدق التعبيرات السوقية فى لغة الكتابة عندما يستدعى سياق الحديث ذلك لإعطائه مزيدا من الحياة أو لتزيينه، ومع ذلك فقد تبوأ هذا الكاتب مكانه بين المدافعين عن نقاء العربية فى الفصل الذى عنوانه تقويم اللسان فى كتابه أدب الكاتب كذلك يتبع أبو حنيفة الدينورى (المتوفى حوالى عام ٢٨١ هـ/ ٨٩٥ م) التقليد الذى أصبح راسخا فى ذلك الزمن فى كتابه لحن العامة أو ما يلحن فيه العامة وكذلك فى كتابه إصلاح المنطق الذى ذكره السيوطى (والذى قد يكون هو نفسه كتاب لحن العامة). وينسب كتاب يسمى ما تلحن فيه العامة لثعلب المتوفى عام ٢٩١ هـ/ ٩٠٤ م، ويؤكد كروتكوف Krotkoff أن هذا الكتاب هو نفسه كتاب الفصيح المشهور والذى يتضمن الرسالة الأصلية والاختصارات المتتالية التى أجريت عليها، بالإضافة إلى أن السيوطى يستشهد فى كتاباته بشرح الفصيح لنفس المؤلف ويقول عنه إنه على مستوى عال من الجودة. ويأخذ ابن برى المتوفى عام ٥٨٢ هـ/ ١١٨٧ م بدوره موقفا من الفقهاء ولكن بحذر حيث يسمى مقالته كتاب غلط (أو أغلاط) الضعفاء من الفقهاء، أما كتاب غلطات العوام لابن الجوزى (المتوفى عام ٥٩٧ هـ/ ١٢٠٠ م) والذى نشره مطر (تقويم اللسان، انظر ما سبق) فيذكر فى الكتابات المختلفة تحت عناوين مختلفة.

стр. 8666

وفى القرن ٨ هـ/ ١٤ م ألف أبو على عمر السكونى Al-Sakui الإشبيلى كتاب لحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام، ولكن هذا الكتاب يتناول مذهب الأشعرية ولا يتناول الأخطاء اللغوية التى يتداولها الناس. وتوجد فى دار الكتب مخطوطة لكتاب تصحيح التصحيف وتحرير التحريف للصفدى (المتوفى عام ٧٦٤ هـ/ ١٣٦٣ م) وهو نقد وتلخيص لتسعة كتب سابقة (للحريرى والجواليقى وابن مكى، والزبيدى وابن الجوزى بصفة خاصة)، وقد قام عبد القادر المغربى بدراسة تحليلية لهذه المخطوطة (كتاب تصحيح التصحيف للصلاح الصفدى، مجلة المجمع العلمى العربى، دمشق، العدد ٢٥ (١٩٥٠ م) صفحة ٤٧١ - ٤٧٧). يكتفى ابن خاتمة Khatima (المتوفى فى عام ٧٧٠ هـ/ ١٣٩٦ م) فى كتابه بتلخيص ما كتبه ابن هانئ اللخمى عن كتاب تقويم اللسان لابن هشام اللخمى، وقد قام كولين Colin بتحقيق هذا المختصر فى شكل مقال مختصر بدون عنوان نشر فى مجلة Hesperis عام ١٩٣١ م. كما ترك أحد علماء الأندلس (مجهول الإسم) فى القرن التاسع أو العاشر الهجرى/ ١٥ - ١٦ م رسالة تحت عنوان الجمانة فى إزالة الرطانة قام هـ. هـ. عبد الوهاب بتحقيقه عام ١٩٥٣ م. ولم يكن السيوطى (المتوفى عام ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م) ليدع المشاركة فى هذا المجال، ولا زالت فى استانبول مخطوطة كتابه غلطات العوام، وتحمل نفس العنوان الترجمة التركية لكتاب التنبيه على غلطات الخامل (أو الجاهل) والتنبيه لابن كمال باشا (المتوفى عام ٩٤٠ هـ/ ١٥٣٣ م)، الذى يتناول بصفة أساسية الكلمات العربية التى ينطقها الأتراك نطقا سيئا وقد قام - ع العبيدى بنشر النص العربى للتنبيه فى المورد. ويأخذ رضى الدين الحنبلى (المتوفى عام ٩٧١ هـ/ ١٥٦٣ م) موقفا يضاد إلى حد ما ما فعله الكتاب السابقون فى كتابه (عقد الخلاص فى نقد كلام الخواص) الذى توجد إحدى مخطوطاته فى استانبول وكتابه (بحر العوَّام فيما

стр. 8667

أصاب فيه العوام) وقام خسرو زاده المتوفى عام ٩٩٨ هـ/ ١٥٩٠ م) بتلخيص كتب الأصمعى وأبى عبيدة والسجستانى وابن السكيت وابن قتيبة وثعلب والعسكرى. . . الخ فى كتابه غلطات العوام (مخطوطة إستانبول) كما يصحح بعض الأخطاء اللغوية فى كتابه تنبيه العوام فى توجيه الكلام (مخطوطة برلين). وبينما يقيد الجواليقى نفسه فى كتابه المعرب بذكر الكلمات المقتبسة من اللغة العربية، نجد أن الخفاجى (المتوفى عام ١٠٩٦/ ١٦٥٩) يذكر فى كتابه (شفاء الخليل فيما فى كلام العرب من الدخيل) أمثلة كثيرة للأخطاء الشائعة. يذكر ريزيتانو Rizzitano كتابا مجهول المؤلف اسمه سقطات العوام والخواص (مخطوطة إستانبول)، كما يذكر أيضا كتاب التنبيه على اللحن الجلى والخفى لأبى الحسن الرازى (مخطوطات مختلفة، لمعرفة الفرق بين اللحن الجلى واللحن الخفى انظر كتاب كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوى، جزء ٤، ١٣٠٨). بينما يحرص بعض الكتاب المذكورين على صفاء اللغة ونقاء الأسلوب ويلتزم بالفصحى بكل دقة، نجد أن الأخرين ينهجون منهجا أكثر تساهلا ويقعون بالشكل الذى يرونه أقرب إلى الصحيح من وجهة نظر الفصاحة، ويمثل هذا الاتجاه لصفة خاصه ثعلب فى كتابه الفصيح. وبدراسة الرسائل التى وصلت إلينا يمكن أن نصل إلى بعض الملاحظات العامة. أولًا نجد أن علماء اللغة لا يهتمون بالاستخدام الدارج الذى يرونه تعديلا للغة العربية السليمة، كما لا يهتمون بما حدث من تحول فى أنماط الكلام القديمة الذى حدث نتيجة لاختلاط عناصر عرقية مختلفة أو بتأثير اللغة التى كانوا يتكلمون بها فى منطقة ما والمناطق المحيطة بها، لهذا أرى أن ابن هشام قد أقر استخدامات اعتبرها آخرون خاطئة، وتعبيرات رفضها من سبقه من وجهة نظر الفصاحة ولكنها لا زالت حية وتعتبر جيدة بالنسبة للهجات عربية قديمة. وليس من

стр. 8668

الضرورى بالنسبة للأغلاط المذكورة فى الكتب أن تكون فى مفردات اللغة، ويمكن تقسيم الإستخدامات التى تخالف قواعد اللغة إلى خمس أقسام رئيسية: ١ - طريقة نطق الحروف، وهى أكثر الأنماط شيوعا. (نطق غير صحيح، إطالة حرف متحرك، تغيير حرف ساكن بإطالة، التأكيد أو عدم التأكيد على مقاطع معينة، . . . الإبدال، الإدغام. . . الخ). ٢ - الخطأ فى الصرف الذى قد يؤدى إلى تغيير فى بنية الكلمة، وهذا القسم ليست له أهمية. ٣ - الخطأ فى تركيب عبارة. ٤ - أخطاء الهجاء خاصة مع الهمزة. ٥ - وهو أهم هذه الأقسام عند الكتاب وهو أخطاء المفردات (التغير فى معانى الكلمة، ظهور تعبيرات جديدة والإقتباسات التى تعتبر لا داعى لها لوجود التعبير العربى المناسب، الإستخدام الزائد للتعبيرات العامية. . . الخ). وللكتاب القدامى لرسائل لحن العامة خلفاء معاصرون يستحقون الذكر، وقد ذكر صلاح الدين الزعبلاوى فى مقدمة كتابه أخطاؤنا فى الصحف والدواوين (دمشق ١٣٥٨ هـ/ ١٩٣٩ م) قائمة يمكن أن يضاف إليها مما تنشره مجامع اللغة العربية وما ينشر من الموضوعات التى تتعلق باللغة. وقد بذل هؤلاء جهودا كبيرة فى تصحيح الأخطاء الشائعة فى الصحافة والإدارة والأدب، وسنكتفى بذكر لغة الجرائد لإبراهيم اليازجى (١٨٤٧ - ١٩٠٦ م)، القاهرة ١٣١٩ هـ/ ١٩٠١ م)، وتذكرة الكاتب لأسعد خليل داغر (القاهرة ١٩٣٣ م) والزعبلاوى الذى ذكرناه آنفا ومعروف الرصافى (١٨٧٥ - ١٩٤٥ م) الذى وجه الأنظار فى كتابه دفع الهجنة إلى الانحرافات التى حدثت فى اللغة العربية نتيجة الاحتلال التركى. المصادر: مذكورة فى سياق المادة. حسين أحمد عيسى [ش. بيلات Ch. Pillat] لحيان لحيان اسم شعب ويطلق على منطقة من المناطق فى شبه الجزيرة العربية

стр. 8669

القديمة، وقد عُثر على بعض النقوش فى شمال الحجاز تتضمن أسماء ستة من ملوك لحيان ودلت على أن مملكتهم كانت قد عاشت لبضعة قرون فى عصور ما قبل الإسلام، وقد وجدت معظم هذه النقوش فى وادى العُلا وفى النواحى المحيطة به لا سيما فيما يجاور "الخرَيبة" التى لا تبعد كثيرًا عن المركز النبطى الكبير للحِجر، الذى يعرف حديثا باسم مدائن صالح، ولم يقتصر الكشف على النقوش النبطية فقط بل امكن العثور أيضا على نقوش (بعضها كثير وبعضها قليل) فى نفس المنطقة، وهى نقوش ديدانية وعِبرية وعربية، وكان العلماء "دوتى" و"شارل هوبر" و"يوتينج" هم أول الرحالة الذى رسموا النقوش اللحيانية، وقد قام "مِيلّلر" هو أول من قدّم لنا ترجمة لهذه النقوش لا سيما نقوش "يوتينج"، ثم قام "ياوسن" و"سافينياك" بطبع أكثر من أربعمائة نقش لحيانى فى كتاب Misrion arcleologique en Arabie, كما ظهر للضوء حديثا نقوش أكثر من هذه نشرت فى اعداد مختلفة من مطبوعات "جام" المعروفة باسم " miscellanees". على أن أهم هذه كلها هو ما اكتشف فى مدخل أحد الجبال بالقرب من "بئر العُذَيب" غربى "الخريبه" وهو مجموعة من النصوص تتعلق بمكان للعبادة يعرف بهيكل "ذى غابة" الذى كان معبود لحيان الكبير فى ذلك الوقت. وقد كتبت النقوش اللحيانية بالحروف الهجائية السامية الجنوبية والتى تختلف اختلافًا كبيرًا عن كل من الحروف الهجائية للعربية الجنوبية، والدِيدانية، والثمودية، وقد أثبت العالم جِرِيم (فى ابحاثه ١٩٣٠، ١٩٣٢) أن النقوش الدِّيدانيّة أقدم جدًا من النقوش اللحيانية، وهى نقوش يمكن إرجاعها إلى القرن الثامن قبل الميلاد أو بعده بقليل، ولا يعرف تماما متى حقت اللحيانية محل الدّيدانية وأصبحت لها السيطرة فى تلك النواحى. وإن كان من المؤكد أن مملكة لحيان ازدهرت خلال القرن الثالث قبل الميلاد، على أنه يستدل من أحد النقوش المنيائية التى عثر عليها فى "دِدان" والتى ترجع تقريبًا إلى هذا الفرق على أنه كانت هناك جالية من تجار "منيائين". كذلك

стр. 8670

يستدل من اسماء بعض ملوك لحيان على أن حكامهم كانوا إلى حد ما معاصرين للبطالسة فى مصر، ومن المحتمل أن تقدم النبطيين نحو الجنوب أدّى إلى سقوط مملكة اللحيانيين، ويؤكد هذا وجود ثلاثة نقوش نبطية قصيرة وجدت فى جنوب "تيماء" كتبها واحد اسمه "مسعودو" ويسمى نفسه بملك لحيان، على أنه يختلف اختلافا كبيرا بشأن تواريخ هذه النقوش، فيرى "يا وسِنْ" أنها ترجع إلى القرن الثانى قبل الميلاد، على حين يرى Allright ١٩٥٣ م أنها تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد ولكنه يؤكد أنه لم يتم فتح ديدان "على يد النبطيين، أما كاسكل (فى سنة ١٩٥٤) فيرى أنها ترجع إلى القرن الأول بعد الميلاد. لم يكن اللحيانيون يقتصرون فى عبادتهم على "ذو غابت" بل كان من ألهتهم التى عبدوها "هَلّال" و"اللَّات" و"هان عُزى" و"هان عقتب" و"هان كوتباى" و"حُمام" و"هامحر" و"خَرج، و"سلمان" و"وَدْ". وقد اكتشف ا. ياوسن و"سافيناك" موضع معبد قد ازدانت جدرانه الداخلية بالتماثيل الكبيرة وقد وجدت بعض بقايا هذه التماثيل ملقاة بين الأطلال والأنقاض، كما يوجد فى وسط المعبد حوض حجرى دائرى الشكل قطره أكثر من أربعة أمتار. ولغة هذه النقوش اللحيانية هى الصورة الأولى للعربية، ومن اليسير ملاحظة بعض الاختلاف فيها عن العربية الكلاسيكية القديمة، وإن التحليل المنظم لهذه النقوش سوف يؤدى بلا شك إلى إظهار كثير من خصائص العربية اللحيانية. وتوجد كثير من المصادر والمراجع التى تناولت هذا الموضوع باللغات الانجليزية والفرنسية والألمانية منها ما يعود إلى سنة ١٩٧١. مها سيد معبد [ا. ج. اندروس Andrews] لحيان فى العصر الإسلامى: تعتبر المصادر الإسلامية التاريخية وكتب الأنساب أن قبيلة لحيان العربية فرع من الهذليين، وينسبونها إلى لحيان بن

стр. 8671

هذيل بن مُدرك بن ألياس بن مضر، ومعنى هذا أن "لحيان" من عرب الشمال، أما متى وكيف صار "لحيان" إلى ما نعرفهم عليه فى القرن السادس للميلاد، حيث اعتبروا جزءًا من الهذليين واتخذوا موضعًا لهم يقع فى جنوب موطنهم الأصلى، أعنى ما يعرف الآن بالمنطقة الواقعة إلى الشمال الشرقى من مكة. . . أقول أما متى كان ذلك وكيف صار ذلك فأمر لا نستطيع معرفته نظرًا لعدم وجود الوثائق عن هذا الموضوع بين أيدينا. أما الأخبار الإسلامية فترجعهم إلى ثمود والى أنباط الحجر، وإن كان الطبرى (فى كلامه عن جُرْهم يوافق ابن الكلبى) وكذلك تاج العروس (يأخذ عن الهمدانى فى كتابه الأكليل) يردان اللحيانيين إلى "بقايا من جُرْهم" الذين صاروا بعدئذ جزءًا من هُذيل. أما فى العصر السابق مباشرة لظهور الإسلام واللاحق مباشرة له أيضا فلم يكن اللحيانيون يُذكرون كجماعة مستقلة بل كانوا يذكرون حين ترد الإشارة إلى الهذليين، ويستدل على ذلك من إشارة "الحماسة" إلى مواقفهم مع الشاعر المحارب تأبط شّرا (انظر معجم البلدان لياقوت الحموى والحماسة للبحترى، وابن الجراح) كما يستدل على ذلك أيضا من معركتهم مع خزاعة. وقد جرت العادة أن ينسب إلى هذيل شعراء هذه القبيلة أمثال مالك بن خالد الخنَّاعى، والمُتَنخل الخناعى وغيرهما، كما نجد اللحيانيين وقت ظهور الدعوة الإسلامية يكون شأنهم فى المصادر العربية شأن بقية الهذليين يقفون إلى جانب قريش من الناحية السياسية، وهذا يبين موقعهم العدائى من محمد ( ﷺ ) مما أدّى إلى مصرع كبيرهم سفيان بن خالد، فذبح على يد عبد اللَّه بن عُميس فى السرية التى بعث بها الرسول ﵊، وكان الرّد على ذلك اغتيال الكثيرين من المسلمين فى اليوم الذى عرف بيوم الرجيع (فى السنة الرابعة للهجرة). أما عدم العثور على ما يشير إلى أى موقف عدائى لهم للرسول ( ﷺ ) بعد ذلك فالأرجح أن علة ذلك أن بنى لحيان كانوا قد خضعوا مثل خضوع الهذليين للإسلام.

стр. 8672

أما بعد أن كتب النصر لمحمد ( ﷺ ) وفى العصور التالية لهذا النصر فلا يوجد بين أيدينا أية إشارات إلى رجال بارزين من اللحيانيين إلّا لبضعة منهم أمثال اللغوى اللحيانى على بن حازم (أو خازم) أو ابن المبارك المتوفى سنة ٢٢٢ هـ (٨٣٧ م)، انظر فى ذلك طبقات النحاة للزبيدى. المصادر: (١) كتاب المعارف، طبعة Wustenfeld، ص ٣١. (٢) ابن دريد: كتاب الاشتقاق، طبعة Wustenfeld، ص ١٠٩. (٣) ابن هشام: السيرة النبوية طبعة Wustenfeld، ص ٦٣٨، ٦٤٢. مها سعيد [ليفى دى لافيدا G.Levi Della Vida] لخم اللخميون أسرة عربية ظهرت قبل الإسلام، فى العراق واتخذت "الحيرة" عاصمة لها وحكمتها لأكثر من ثلاثة قرون - ٣٠٠ - ٦٠٠ بعد الميلاد) والأصح أن يقال لهم "النّصْريون" نسبة إلى "نصر لخم" وهى القبيلة التى ينتمون إليها وكان ملوكها شبه مستقلين كأتباع للساسانيين كما كانوا القوة المهمينة فى تاريخ العرب، سياسيًا وعسكريًا وثقافيًا خلال تلك القرون الثلاثة. ١ - التاريخ: كان مؤسس الأسرة التى تعود إلى الربع الأخير من القرن الثالث، هو "عمرو بن عدى" ابن أخت الملك التنوخى "جذيمة" وهو الذى جعل الحيرة عاصمة "اللخمين" واتخذها مركزًا ليتوسع فى كثير من رحاب شبه الجزيرة العربية. وتقول الأخبار العربية إنه انتصر على "زنوبيا" العربية ملكة "تدمر" وخلفه ابنه امرؤ القيس المنعوت بملك العرب قاطبة وكان بدوره ملكًا محاربًا ثم انتقل امرؤ القيس ونزل بين الروم بعد غزوات عديدة فى الجزيرة العربية، وتوفى عام ٣٢٨ قبل الميلاد وأدى انشقاق امرؤ القيس ولجوؤه إلى الرومان إلى خلو العرش اللخمى للمرة الأولى، ولكن من المؤكد أن فترة (خلو العرش) هذه بدأت قبل ذلك بوقت طويل لأن الغساسنة كان لهم تأثير كبير على مجرى الأمور فى الحيرة خاصة بعد أن

стр. 8673

تكشف مؤخر، الكثير عن بواكير تاريخهم. ويعتبر القرن الخامس أفضل توثيقًا، خاصة لكثرة ما يوجد عنه من المصادر اليونانية والسريانية، التى تمدّنا ببيانات هامة عن ثلاثة من ملوك بنى لخم، الأول هو "النعمان" ويلقب بالأعور "السائح" لأنه باين الناس وأخذ يتجول فى الأرض عزوفا منه عن الدنيا، وليس هذا بمستبعد فقد عرف عنه أنه زار سيمون القديس الشامى بين عامى ٤١٣، ٤٢٠ م ويرتبط اسمه بتشييد قصر "الخورنق" الشهير وتكوينه فرقتين حربيتين هما الشهباء والدوسر، وخلفه "ابنه المنذر"، ويقال إنه حكم لأربعة وأربعين عامًا (يحتمل بين ٤١٨ - ٤٥٢ م) وشارك فى الحروب البيزنطية الفارسية عام (٤٢١ - ٤٢٢ م) بل ولعب دورًا أكثر أهمية فى الشئون الداخلية لفارس بتأييده "بهرام جور" فى اعتلاء العرش، ولا تتوفر معلومات كافية عن الملكين اللخميين التاليين له وهما (الأسود والمنذر الثانى) لكنها تتوافر عن الملك المحارب "النعمان الثانى" فقد اشترك فى الحرب البيزنطية الفارسية فى تلك الفترة. وفى عام ٤٩٨ م هزمه القائد البيزنطى يوجينيوس فى (وقعة بيترالبسوس)، وفى عام ٥٠٢ م زحف على "حران" حيث هزمه الرومان أول الأمر، ثم عاد فانتصر عليهم، ولكنه مات بعد ذلك بقليل متأثرًا بجراحه خلال المعركة ثم أعقبت ذلك فترة قصيرة خلا منها العرش من جالس عليه. من بين القرون الثلاثة التى حكم خلالها اللخميون "الحيرة" نجد أن القرن الأخير منها هو الأفضل توثيقًا والأكثر أهمية. فقد برز فيه المنذر الثالث الذى حكم خمسين عاما (٥٠٣ - ٥٥٤ م) وشهدت الجزيرة العربية، لأول مرة خلال فترة حكمه، إعادة فرض السيطرة الفارسية، وكان المنذر فاعلًا ومؤثر، كملك عربى تابع "لخسرو أنوشروان" الذى اختصه بالإشراف على مجال النفوذ الفارسى. فى الجزيرة العربية، وكان على الدوام فى حرب مع ملوك جنوب الجزيرة، ففى عام ٥٢٠ م استقبل وفدًا من قبل ملك جنوب

стр. 8674

الجزيرة العربية "يوسف ذو نواس" كما أنه عام ٥٤٠ م أرسل مبعوثًا لملك جنوب الجزيرة الجديد وهو "أبرهة الحبشى" وشهدت فترة حكمه -حتى إذا كانت- العشرينيات من ذلك القرن- خلو العرش للمرة الثالثة وهى كذلك كانت، خلال الصراع البيزنطى - الفارسى، رأس الحربة فى الحملات ضد المقاطعات الحدودية واكتسب خلال عام ٥٢٠ م شهرة عالمية عندما استقبل وفدًا من قبل الإمبراطور البيزنطى جاستين فلما كان عام ٥٣١ م خطط وشارك جزئيًا فى الحملة الفارسية التى انتهت بانتصار كبير على البيزنطيين فى (كالينكوم) على نهر الفرات. ثم جدّ نزاع بينه وبين "الحارث الغسَّانى" وكان ذلك من أسباب اندلاع الحرب البيزنطية - الفارسية فى (٥٣٩ - ٥٤٤ م) وحارب الغساسنة فى الأربعينيات من ذلك القرن (الخامس) ولكنه قتل فى اشتباك مع الحارث قرب "قنسرين" وهو المعروف فى الأخبار العربية باسم "يوم الحيار" ثم خلفه ابنه "عمرو" (٥٤٤ - ٥٦٩ م) وكانت أمه "هند" (بنت "الحارث" حاكم الحيرة) أميرة - كندية وهى التى يعرَّف بها فى المصادر العربية، برغم أنه ابن أعظم ملوك "بنى لخم" ويرد ذكر اللخميين وخصومهم الغساسنة فى معاهدة عام ٥٦١ م بين الفرس والبيزنطيين وينص أحد بنودها صراحة على حظر القتال بين الجانبين. لكن "عمرو" استمر فى شن الهجمات على الحدود البيزنطية خلال الستينيات، وكذلك كان شأن أخيه "قابوس" الذى كان من قواده. وفى عام ٥٦٩ لقى "عمرو" ميتة بشعة على يد الشاعر "عمرو بن كلثوم" وخلفه أخوه "قابوس" الذى حكم قرابة أربع سنوات (٥٦٩ - ٥٧٣ م). وخلال فترة حكمه حقق "المنذر الغسانى" انتصارا فى إحدى المناطق اللخمية بالقرب من "الحيرة" نفسها فى معركة (عين أُباغ) وخلال فترة حكمه أيضًا كان الاحتلال الفارسى لجنوب الجزيرة فى عام ٥٧٢ م وبهذا تحول الموقف لغير صالح البيزنطيين، ورجحت كفة الفرس مما يمكن تسميته بالصراع حول امتلاك الجزيرة العربية.

стр. 8675

تميزت الفترة القصيرة فيما بين وفاة "قابوس" فى عام ٥٧٣ م وتولى آخر ملوك اللخميين من بعده بفترتين خلا فيهما العرش من جالس عليه، وقد ساد فى الأولى "سوهراب" الفارسى فى الفترة (٥٧٣ - ٥٧٤ م). أما الثانية فقد سيطر فيها قبيصة وهو عربى من قبيلة "طى" ودامت لعدة شهور قلائل خلال عام ٥٨٠ م قبل أن يتولى "النعمان" وفيما بين الفترتين تولى الحكم "المنذر الرابع" وكان مكروها، وخلال ذلك حقق سميه "المنذر الغسانى" انتصارًا حاسمًا على "اللخميين" واستطاع احتلال الحيرة نفسها وأشعلها ضرامًا فى عام ٥٧٨ م. كان "النعمان بن المنذر الرابع" آخر ملوك اللخميين قد حكم بضعًا وعشرين سنة (من ٥٨٠ حتى ٦٠٢ م) وقد ذاع صيته بين العرب بما نظمه فيه "النابغة الذبيانى" وما كان من أحداث له مع عدى بن زيد وهو أكثر ملوك بنى لخم المعروفين للعرب المسلمين. وبعكس فترة "حكم المنذر الثالث" لم يكن عهده كعهد المنذر الثالث إذ لم تكن له علاقات مع عرب الجزيرة وسادة "الساسانيين" وقد لازمه سوء الحظ فى حروبه فى شبه الجزيرة العربية فهزم فى الموقعة المعروفة بيوم تحفة (بالحاء) أمام بنى جربوع من تميم وقد تباينت علاقاته مع الساسانيين، فقد منحه "هرمز" تاجًا رائعًا ولكنه اختلف مع خسرو برويز لمعارضته استقلال اللخميين حتى تشرد بين القبائل العربية بحثًا عن ملجأ ومأوى ثم استسلم فى النهاية لبرويز الذى أمر بقتله عام ٦٠٢ م وبموته انتهت فترة حكم اللخميين للحيرة. بذلك دمر "برويز" الدرع التى كانت تحمى الجبهة الفارسية فى وجه عرب الجزيرة. وبعد قرابة العامين من وفاة النعمان فى موقعة ذى قار (وهى معركة استطاعت فيها قبيلة "بنى بكر" العربية تحقيق انتصار لها على الفرس، وتلاه العديد من الانتصارات الأكثر أهمية فى الثلاثينيات على أيدى العرب المسلمين. وذو قار لا تقل أهمية عن القادسية فكل منهما كانت عنوانًا على أن اللخميين كانوا فى الحيرة درعًا يحمى الفرس من عرب الجزيرة.

стр. 8676

بعد وفاة النعمان أصبحت الحيرة تحت سيطرة عربى من "بنى طى" هو "اياس بن قبيصة" لمدة تسع سنوات ٦٠٢ - ٦١١ م بمعونة فارسى اسمه نهيرجان، بعدها صارت تابعة مباشرة لحكم فارسى حتى فتحها خالد ابن الوليد عام ٦٣٣ م، وكان آخر الأمراء المعروفين فى تلك الفترة هو "النعمان" الذى شارك فى حروب الردة فى البحرين وهزمه العلاء بن الحضرمى عام ٦٣٣ م. ٢ - الثقافة: تحدد مسار تاريخ اللخميين بفعل عاملين هما، الموقع الجغرافى لعاصمتهم "الحيرة" وعلاقاتهم بفارس الساسانية، ورغم الاستقلال النسبى الذى كانوا يتمتعون به إلا أنهم كانوا أتباعا للساسانيين يؤدون لهم وظائف معينة هامة، وكانوا درعهم ضد هجمات بدو شبه الجزيرة العربية، وكانوا يؤكدون نفوذهم فى الجزيرة وخاصة فى منطقة البحرين وعمان وقد حكموهما نيابة عن الفرس وكانوا رأس رمحهم حيال البيزنطيين وتوابعهم من الملوك الغساسنة، كما قاموا بحماية مصالحهم التجارية فى شبه الجزيرة خاصة تأمين طرق القوافل التى ربطت "الحيرة" مع جنوب الجزيرة العربية من الناحية التجارية. وينعكس ارتباطهم الايجابى بالفرس فى مختلف أشكال حياتهم العسكرية والسياسية والاجتماعية وكذا فى حضارتهم وثقافتهم المادية التى سيطر عليها النفوذ الفارسى فى مجالات مختلفة كالعمارة والأزياء والطعام والشراب والموسيقى. وكانت فارس الزرادشتية أيضًا هى العامل الحاكم فى موقف اللخميين من المسيحية، فقد كان من الطبيعى أن يكره الساسانيون اللخميين لتبنيهم لديانة تبشيرية لها عالميتها، خاصة بعد تحول عدوهم التقليدى "روما" إلى تلك الديانة أيضا. فقد اعتنقها "امرؤ القيس" ثانى حكام بنى لخم وهى حقيقة تفسر جزئيًا انشقاقه ولجوئه للروم. ثم كان آخر ملوك بنى لخم "النعمان" الذى تبناها صراحة ولأنها كانت على المذهب "النسطورى فى مواجهة المذهب "الخلقدونى" الذى تبنته بيزنطة وقد أصبحت عاصمتهم هى المركز الأكبر

стр. 8677

للمسيحية العربية ومصدر إشعاعها لعرب الجزيرة، وكانت المدينة تعج بالكنائس والأديرة وكانت مركز كرس اسقفىّ وملجأ يفر إليه المضطهدون دينيًا. ولقد طوّر اللخميون عاصمتهم حتى صارت من أعظم مراكز الحضارة العربية فى عصور ما قبل الإسلام ويعد ذلك الإنجاز الرئيسى والباقى للخميين، فخلال القرن الثالث سقطت مدن الحيرة والرها وتدْمر العربية فى تتابع سريع، وقد حقق صعود الحيرة كعاصمة للخميين، خاصة فى أعقاب سقوط تدْمر مباشرة استمرارية فى الحياة الحضرية للعرب فى الهلال الخصيب. ولقد ظلت الحيرة طيلة ثلاثة قرون فريدة كقطب إشعاع لأنماط راقية من ثقافة عرب شبه الجزيرة العربية. ومن بين عناصر الثقافة كان أهمها ولا شك تطوير المخطوطات العربية واللغة المكتوبة التى فرضتها احتياجات الحياة الحضرية المستقرة فى الحيرة. المصادر: انظر تاريخ الطبرى ومروج الذهب للمسعودى وتاريخ حمزة الأصفانى ومعجم البلدان لياقوت ومعجم البكرى وأنظر أيضًا: (١) ابن دريد: الاشتقاق، ص ٢٢٥ - ٢٢٧. (٢) ابن عبد ربه: العقد الفريد، جزء ٢. (٣) همدانى: صفات جزيرة العرب، طبعة Muller, ليدن ١٨٤ - ١٨٩١. لامنس - عرفان شاهين [H. Lammens - Irfan Shahid] لطفى السيد وهو أحمد لطفى السيد، مفكر وسياسى وكاتب مصرى. ولد فى قرية "برقين" بمحافظة الدقهلية فى ١٥ يناير ١٨٧٢ م وتوفى بالقاهرة فى ٥ مارس ١٩٦٣ م. وكانت أسرته من الأعيان، وكان أبوه السيد أبو على عمدة وكذلك جدّه من قبله، وقد تلقى لطفى السيد تعليمه الأساسى فى الكُتّاب والمدرسة الحكومية فى المنصورة ثم المدرسة الخديوية الثانوية بالقاهرة، فمدرسة الحقوق بالقاهرة وفى القاهرة كوّن

стр. 8678

اتصالاته الفكرية مع الشيخ محمد عبده والشيخ حسونة النواوى. التحق بعد تخرجه عام ١٨٩٤ م بالوظائف الحكومية حتى عام ١٩٠٥ م. وأصبح عام ١٩٠٧ م رئيسًا لتحرير صحيفة "الجريدة" التى كانت تعبر عن أفكار جماعته من الأعيان المستنيرين والتقدميين، كما كانت ناطقة باسم الحزب الذى تأسس فى وقت لاحق من عام ١٩٠٧ م وهو "حزب الأمة" وقد تضمنت كتابات لطفى السيد فى "الجريدة" فى الفترة من عام ١٩٠٧ وحتى ١٩٠٤ م أهم أعماله وأكثرها تأثيرًا. وتولى فى الفترة من عام ١٩١٥ وحتى ١٩١٨ م منصب مدير دار الكتب المصرية، ولكنه استقال ليعمل سكرتيرا للوفد ١٩١٨ - ١٩١٩ الذى رأسه سعد زغلول ولكنه سرعان ما عاد إلى دار الكتب حيث بدأ الخطوة الثانية من الأعمال الهامة ألا وهى ترجمته لأرسطو عن الطبعات الفرنسية لجولز بارتلى - سانت هلير، ثم عين مديرًا للجامعة المصرية (القاهرة فيما بعد) من عام ١٩٢٥ وحتى ١٩٤١ م، وتخلل هذه المدة فترات شغلها كوزير للتعليم (١٩٢٨ - ١٩٢٩ م) ووزيرًا للداخلية عام (١٩٢٩) أصبح عضوًا بالبرلمان فى سنواته الأخيرة. وبعد اعتزاله السياسة أصبح رئيسًا للمجمع اللغوى حتى وفاته. كانت فلسفته التقدمية فى أغلبها نتاج قراءاته لفلاسفة الغرب وعلماء الاجتماع بدءا من أرسطو مرورًا بلوك وبنتام وستيوارت ميل وسبنسر وروسو وكونت ولوبون. وقد رأى لطفى السيد أن القومية المصرية ترجع إلى عوامل تاريخية وبيئية أدت إلى تمصير كل من يقيم فى مصر إقامة دائمة وأصبح يربط مصيره بها، وبالتالى فقد تابع حملاته الهجومية من غير كلل ولا ممل على فكرة القومية الإسلامية والقومية العربية والقومية التركية وذلك فى مقالاته بالجريدة، ولكنه فى نفس الوقت كان يرى ضرورة الاهتمام بقيمة مصر الفرعونية والتراث الإسلامى ورفض لطفى السيد اعتبار الدين أساسا للقومية ولكنه أخذ بفكرة النفعية

стр. 8679

كأساس للوحدة السياسية والاجتماعية واعتبر الحرية حقا للفرد وللشعب وتابع محمد عبده فى تأييده لفكرة نظام دستورى من خلال التعليم العام. ولقب أحمد لطفى السيد بأستاذ الجيل فى منتصف عمره وعدت كتاباته مساهمة بارزة فى تشكيل الأدب العربى الحديث. وقد نشرت سيرته الذاتية أول مرة فى مجلة المصور القاهرية من سبتمبر إلى ديسمبر ١٩٥٠ م، صدرت فى صورة كتاب تحت عنوان "قصة حياتى" (القاهرة ١٩٢٦ م) كما صدرت مجموعة منتقاة من مقالاته فى "الجريدة" قدم لها اسماعيل مظهر باسم "المنتخبات" خرجت فى جزءين بالقاهرة عام ١٩٤٥ م وصفحات مطوية (القاهرة ١٩٤٦ م) و"تأملات فى الفلسفة والأدب والسياسة والاجتماع" (القاهرة ١٩٤٦ م) أما ترجمة أرسطو فشملت: "علم الأخلاق"، القاهرة ١٩٢٤ م و"الكون والفساد" القاهرة ١٩٣٢ م و"علم الطبيعة لأرسطوطاليس" القاهرة ١٩٣٥ م و"السياسة لأرسطوطاليس" القاهرة ١٩٤٨ م، والمراجع التالية تتعلق أساسا أو فى معظمها بلطفى السيد وأفكاره وهى أدب المقالة الصحفية فى مصر لعبد اللطيف حمزة، ولطفى السيد والشخصية المصرية لحسن فوزى النجار وللمؤلف نفسه: أحمد لطفى السيد: أستاذ الجيل. المصادر: وردت فى المتن. ١ - Egypt&Cromer لابنته عفاف لطفى السيد وائل البشير [وندل C. Wendell] لعقة الدم لعقة الدم. اسم أطلق على بطن من قريش. وكان قصى قد قسم مكة أرباعا بين قريش فأنزل كل بطن منهم منزلهم منها وجعل لبنى عبد الدار دار الندوة واللواء والرفادة والسقاية والحجابة، ورأى بنو عبد مناف أنهم أحق بهذه الامتيازات فانقسمت قريش (ما عدا بنى عامر بن لؤى ومحارب بن فهد) إلى فريقين مختصمين. انضم بنو أسد بن عبد العزى وبنو

стр. 8680

زهرة بن كلاب وبنو تيم مرة وبنو الحارث بن فهد إلى جانب بنى عبد مناف وتعاهدوا على ألا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا ما بلّ بحر صوفة، أى إلى آخر الدهر، ولتأكيد هذا القسم جاءوا بجفنة مملوءة طيبا فوضعوها فى المسجد عند الكعبة ثم غمس الحلفاء أيديهم فيها ومسحوها بجدران الكعبة فسموا المطيبين. وفى الجانب الآخر، انضم إلى بنى عبد الدار بنو مخزوم وبنو سهم، وبنو جمح وبنو عدى بن كعب وتعاهدوا نفس العهد فسموا الأحلاف، وتأهبت القبائل للقتال ثم تداعوا إلى الصلح، وعاد السلام على أن يتنازل بنو عبد الدار عن السقاية والرفادة لبنى عبد مناف. وتذكر المصادر القديمة تشكيل الجماعتين، إلا أن بعضها لا يشير إلى الأحلاف. فيتحدث ابن قتيبة عن المطيبين فقط. ولكن يذكر محمد بن حبيب، فقرة عن الكلبى يطلق فيها اسم لعقة الدَّم على الأحلاف ويذكر هذا المؤلف فى كتابه المخبر أن هؤلاء القوم ذبحوا جملا وغمسوا أيديهم فى دمه ثم لعَق واحد من بنى عدى الدم فقلده الباقون ولهذا سموا لعَقة الدم. ويذكر ابن سعد فى الطبقات قصة مشابهة إلا أنه ذكر جفنة مملوءة بالدم ولم يذكر ذبح الجمل، ويكرر الفيروزأبادى فى القاموس (مادة لعق) هذه القصة، ويطلق لقب لعَقة الدم على الحلفاء الخمسة المذكورين، وقال إنهم لتأكيد عهدهم ذبحوا جملا ولعقوا دمه أو غمسوا أيديهم فيه ولكنه لم يذكر شيئا عن الظروف التى أحاطت بذلك. تبين السيرة الفرق بين المطيبين والأحلاف من حيث الواجبات العامة فى مكة، ولكن لم يرد فيها اسم لعَقة الدم فى تلك المناسبة وإنما أطلق على إحدى الطائفتين من قريش المتصارعتين على وضع الحجر الأسود فى الكعبة عند بنائها. فتذكر السيرة أن بنى عبد الدار أحضروا جفنة ممتلئة بالدم وغمسوا أيديهم فيها وأقسموا هم ومعهم بنو عدى بن كعب على القتال حتى الموت، وهؤلاء هم الذين أطلق عليهم لعَقة الدم، ولكن لم تذكر السيرة ما إذا

стр. 8681

كان هناك من انضم إلى بنى عبد الدار وبنى عدى كما لم تذكر شيئا عن لعْق الأصابع المغموسة فى الدم. على أى حال، اقترح رجل من بنى مخزوم على الطرفين أن يحكِّموا أول داخل للبيت من باب بنى شيبة، وكما هو معروف، كان أول داخل هو النبى [ ﷺ ]. ونجد هذه القصة بحذافيرها فى تاريخ الطبرى الجزء الأول صفحة ١١٣٨. وبعد زمن قصير، ذكر المسعودى البطون التى تألف منها كل من الأحلاف والمطيبين ولكنه أطلق لقب لعقة الدم على البطون العشرة التى كانت تنتمى، فى رأيه، إلى قريش البطاح والذين كونوا إحدى الطائفتين المتنازعتين فيما عدا بطنين. لم ينضما إلى أى من الفريقين. من الواضح مما ذكرنا أنه ليس هناك خلاف حول المطيبين والأحلاف فى مكة، إنما الخلاف حول قصة لعَقة الدم التى تبدو غير واضحة حتى أننا نتساءل عما إذا كانت قصة غمس الأيدى فى الدم ثم لعقها مختلقة لمجرد التماثل مع حادثة العطور بالنسبة للمطيبين. ثم إنه ليس لدينا إلا ذكر تناول بضع قطرات من الدم، ولم يرد فى لسان العرب أى تلميح لذلك عند ذكر اليمين المغموس حيث قال إن المتحالفين كانوا يدخلون أيديهم فى رماد أو عطر أو دم. المصادر: بالإضافة إلى المصادر التى وردت فى المتن انظر: W.Robertson Smith: Kiriship and marriage in early Arabia, Cambridge ١٨٨٥, ٤٨ pp حسين أحمد عيسى [ش. بيلات Ch. Pellal] لغز والجمع ألغاز -أى عمَّى مراده وأضمره على خلاف ما أظهره- مُعَمَّى (ج معميات) أى خَفِىَ والتلبس، أُحْجية (ج أحاجٍ)، هذه ثلاثة مصطلحات عربية تستخدم بطريقة مجازية غالبا، ولكنها تشير -بصفة أساسية- إلى ضروب ثلاثة من اللعب بالألفاظ، ولكنها ضروب متقاربة فى النوع إلى حد ما. أما اللغز فيصاغ فى العادة نظما، ويتميز بأنه يُطرح على شكل سؤال. فالفلك أو القبة السماوية يُطرح عنها

стр. 8682

هذا اللغز "ما عَدَمُ فى الحق، لكن ترى //منه وجودا حيثما استقبلك//. . فإن قطعنا رأسه فهو لك". بينما يتميز "المُعَمَّى" عن اللغز بأن صياغته تخلو من السؤال، وإن كان المعنى العام قد استتر وتوارى باستخدام عدة طرق. فقد يصاغ ليدل على كلمة معينة أو عدة كلمات إذ يورد مفاتيح مختلفة تكشف عن الحروف التى تتكون منها هذه الكلمة أو الكلمات، أو تلمح لها: إما يذكر نطقها أو ترتيبها أو بقراءتها على غير حقيقتها، أو قلبها. وينسب ابتكار "المعمى" إلى الخليل بن أحمد الذى أسس علم العروض، بينما الفرس ينسبونه إلى على بن أبى طالب. ومن أمثلته ذلك المعمى عن الاسم "أحمد": أوله ثالثُ تفاحاتٍ// ورابع التفاحِ ثانيه// وأولُ المسك له ثالثُ// وآخر الورد لبا. ولقد استخدم المعمى كثير من الشعراء وبالأخص أبو نواس. أما الأُحجية فهى لعبة تخمين بسيطة (كأن تقول لأحدهم: خَمَّن ما بيدى) ولكنها قد تشكل نوعا من الألغاز يقترب من اللغز. مثال ذلك أحجية عن السلسبيل [سل- سبيل] أى الخمر: ما ردْف قول المحاجى// إن قال: اطلب (سل) طريقا (سبيلا). المصادر: (١) طاهر بن صالح الجزائرى: تسهيل المجاز فى فن المعمار والألغاز بيروت ١٣٠٨ هـ. (٢) عبد الهادى نجا الأبيارى: سعود المطالع لسعود المطالع، بولاق ١٢٨٣ هـ. (٣) عبد القادر بن محمد الطبرى: عيون المسائل من زْيان المسائل، القاهرة ١٣١٦ هـ. سعيد عبد المحسن [م. بن شنب M. Ben Cheneb] لغة لم ترد كلمة لغة فى القرآن الكريم، واستعيض عنها بكلمة لسان ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (سورة الشعراء آية ١٩٥)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (سورة إبراهيم آية ٤). ويقول ج. فوك J. Fuck ونولدكه Noldeke إنه يبدو أن كلمة لغة لم ترد

стр. 8683

فى الشعر البدوى القديم، ولكن هذا القول غير مؤكد لعدم وجود سجل شامل لمفردات هذا الشعر القديم. وحتى نهاية القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى لم تكن كلمة (لغة) قد أخذت المعنى الذى نعرفه اليوم فسيبويه (ت ١٨٠ هـ/ ٧٩٥ م) والمعاصرون له استخدموا الكلمة بمعنى التباين فى طريقة النطق أو طريقة الاستخدام فلغة الحجاز، ولغة هذيل. . الخ تعنى طريقة الحجازيين أو طريقة قبيلة هذيل. . الخ ومن هنا فليس ثمة ما يدعو للدهشة أن تكون الكلمة مشتقة من (ل غ و) والتى تعنى الانحراف عن الأصل. ويؤكد العالم البارز ابن عربى هذا المفهوم حيث يذكر: أن معنى كلمة لغة هو (الانحراف)، وتستخدم كلمة أخرى هى (اللحن) للدلالة على الخروج عن أسلوب الكلام المعتاد. وبالتالى فهى تعنى "عدم الصحة" و"الخطأ النحوى". ويصرح القالى فى كتابه "الأمالى" أن "كلمة لحن" تعنى أيضا "لغة" كما قال الأصمعى وهذا المعنى هو الذى قصده أمير المؤمنين عمر رضى اللَّه عنه فى قوله "تعلم اللحن كما تتعلم القرآن" ويستخدم ابن أبى داود (المتوفى عام ٣١٦ هـ/ ٩٢٤ م) مؤلف كتاب المصاحف كلمة لحن بهذا المعنى فى باب "اختلاف ألحان العرب فى المصاحف" ويقول فى بداية هذا الباب إن الألحان (جمع لحن) هى اللغات، ولكننا نجد كلمة لغة بمعنى "أسلوب الكلام"، وقد كونت هذه التباينات والأساليب المختلفة فى نطق كلمات اللغة العربية المادة الأساسية التى اتجهت إليها دراسات النحويين فى فترة "الدراسات الميدانية" الكبرى التى قام بها اللغويون العرب خاصة فى القرنين الثانى والثالث الهجريين/ الثامن والتاسع الميلاديين. . ولقد كانت كلمة نحو التى صارت أخيرا تعنى "قواعد اللغة" والتى تقابل كلمة لغة بمعنى "المادة اللغوية" (كما تؤخذ من أفواه المتكلمين بالعربية)، تعنى فى البداية "نوعا من التعبير" (مثل: هذا النحو من الكلام). ومن هنا صار النحويون هم الذين درسوا الأنحاء (أو

стр. 8684

نُحُوّ -بضم النون والحاء- جمع نَحْو). بغرض فحص القواعد فحصا شاملا وصياغتها. ومن الواضح أن معنى كلمة نحو فى هذه الاستخدامات لا تتضمن فكرة الانحراف التى تعتبر الطبيعة المميزة لكلمة لغة وكلمة لحن التى تحمل معنى أقوى بكثير والتى أخذت فى النهاية فى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى معنى "عدم الصحة" التى تفرضها وتمليها قواعد النطق الفيسيولوجية، وتسمى بدلًا للضرورة، والمسألة هنا مسألة صنعة، أى عملية منهجية تطبّق على عناصر اللغة. فإذا تعلق الأمر بنطق نص محفوظ (وبالذات القرآن والشعر) فإن هذه الاختلافات يسميهما النحويون وعلماء القراءات "وضوح القراءات أو الأداء". وفى زمان النحويين الأوائل، كانت كلمة لثغة تقابل كلمة لغة. وكلمة لثغة تعنى انحرافا فى نطق بعض الحروف (ليس حرف الغين فقط كما يظن الكثيرون)، وهى حالة انحراف فردية وليست جماعية. لم يفهم بعض المؤلفين المعاصرين موقف أصحاب القواميس والنحويين العرب تجاه القضايا اللغوية، نتيجة عد فهم المدلول الاصطلاحى للكلمات. فعندما تتفق الأغلبية العظمى من المتحدثين باللغة على قول، فإن سيبويه يطلق عليه "قول العامة" (الكتاب، الجزء ١ صفحة ٢٦٣ والجزء الثانى صفحة ٢٦٢ أو "قول عامة الناس" أو "قول عامة العرب"، واستخدم ابن جنى التعبير: "قول الكافة"، ويقول ابن جنى "يمكن اعتبار جميع اللغات حجة (من حيث القواعد)، وعندما يكون للغتين انتشار واحد وعلى درجة واحدة من القبول من حيث القياس فلا يجوز تفضيل إحداهما على الأخرى. ونلاحظ أن سيبويه يؤكد دائما على أهمية "السماع" وعلى قبول الحقائق المشهود بصحتها فقط، ويؤكد قبل كل شئ على قبول التعبيرات التى أقرها أهل اللغة العربية والتعامل معها كما تعاملوا هم معها، أو على حد قوله: "استحسن من هذا ما استحسن العرب" ويؤكد ابن جنى أيضا على أن السماع يلغى القياس. وأنه ليس من الضرورى أن كل ما يسمح به القياس يمكن تحقيقه.

стр. 8685

ويمتلئ كتاب سيبويه بتعبيرات مثل "هذا عربى كثير". و"هذا أكثر"، و"هذا أكثر وأعرف"، وعند المقارنة بين لغتين أو أكثر، فقد توصف إحداهما بأنها "حسنة" أو "جيدة"، بينما توصف الأخرى بأنها "أحسن" أو "أجود" أو بأنها "قبيحة" أو "رديئة"، والحكم هنا ليس على قيمة التعبير أو الكلمة وإنما على مدى قبول التعبير أو الكلمة وعلى مدى انتشار الاستعمال، وتستعمل التعبيرات التالية للدلالة على مدى الانتشار الجغرافى للغة. مطرد = متواتر أو عام (١٠٠ %) وغالب (٨٦ %) وكثير = منتشر أو متكرر (٦٥ %) وقليل = أقل انتشارا وتكرارا (١٣ %) ونادر (٤ %)، وينطبق هذا المقياس أيضا على مدى تكرار كلمة أو تعبير فى فرع معين من فروع العلم، قارن مثلا بين التعبيرين "مطرد فى الاستعمال" و"مطرد فى القياس"، كما جاء فى الخصائص لابن جنى الجزء الأول صفحة ٩٦ وما يليها. على عكس كلمة نحو، فإن كلمة لغة تعنى -بالمعنى القاموسى- الكلام الذى لا يتقيد بقواعد اللغة، فهى أساسا بالسماع، وعلى هذا فإن كل ما نطق به المتكلمون بالعربية هو ما يطلق عليه اللغة (وتشتمل على جميع اللغات المتماثلة). وصف ابن جنى طبيعة اللغة وصفا جيدا فى قوله: تشتمل لغة العرب على نوعين من الكلام. نوع يقبله الإنسان كما هو، على سبيل المثال لا الحصر: حجر ودار، والنوع الثانى يؤخذ بالقياس، فكلمة حجر يمكن تحليلها إلى جذر ح. ج. ر ونسق (فتحة وفتحة وسكون)، ولكن اتحاد هذه الوحدات لتكون كلمة حجر بالمعنى الذى نعرفه إنما هو بالسماع، وكل ما يمكننا عمله هو أن نحفظه. وقد ذهب ابن فارس (المتوفى عام ٣٩٥/ ١٠٠٤) المذهب نفسه. صارت كلمة لغة، التى كانت تعنى فى البداية "الأسلوب المحلى فى التعبير"، تعنى الآن ما تتكلم به جماعة عرقية، ولها نفس معنى كلمة لسان، وهذا التطابق فى المعنى بين الكلمتين لم
следующие страницы →