كان هناك من انضم إلى بنى عبد الدار وبنى عدى كما لم تذكر شيئا عن لعْق الأصابع المغموسة فى الدم. على أى حال، اقترح رجل من بنى مخزوم على الطرفين أن يحكِّموا أول داخل للبيت من باب بنى شيبة، وكما هو معروف، كان أول داخل هو النبى [ ﷺ ]. ونجد هذه القصة بحذافيرها فى تاريخ الطبرى الجزء الأول صفحة ١١٣٨.
وبعد زمن قصير، ذكر المسعودى البطون التى تألف منها كل من الأحلاف والمطيبين ولكنه أطلق لقب لعقة الدم على البطون العشرة التى كانت تنتمى، فى رأيه، إلى قريش البطاح والذين كونوا إحدى الطائفتين المتنازعتين فيما عدا بطنين. لم ينضما إلى أى من الفريقين.
من الواضح مما ذكرنا أنه ليس هناك خلاف حول المطيبين والأحلاف فى مكة، إنما الخلاف حول قصة لعَقة الدم التى تبدو غير واضحة حتى أننا نتساءل عما إذا كانت قصة غمس الأيدى فى الدم ثم لعقها مختلقة لمجرد التماثل مع حادثة العطور بالنسبة للمطيبين. ثم إنه ليس لدينا إلا ذكر تناول بضع قطرات من الدم، ولم يرد فى لسان العرب أى تلميح لذلك عند ذكر اليمين المغموس حيث قال إن المتحالفين كانوا يدخلون أيديهم فى رماد أو عطر أو دم.
المصادر: بالإضافة إلى المصادر التى وردت فى المتن انظر:
W.Robertson Smith: Kiriship and marriage in early Arabia, Cambridge ١٨٨٥, ٤٨ pp
حسين أحمد عيسى [ش. بيلات Ch. Pellal]
لغز
والجمع ألغاز -أى عمَّى مراده وأضمره على خلاف ما أظهره- مُعَمَّى (ج معميات) أى خَفِىَ والتلبس، أُحْجية (ج أحاجٍ)، هذه ثلاثة مصطلحات عربية تستخدم بطريقة مجازية غالبا، ولكنها تشير -بصفة أساسية- إلى ضروب ثلاثة من اللعب بالألفاظ، ولكنها ضروب متقاربة فى النوع إلى حد ما.
أما اللغز فيصاغ فى العادة نظما، ويتميز بأنه يُطرح على شكل سؤال. فالفلك أو القبة السماوية يُطرح عنها
стр. 8682
هذا اللغز "ما عَدَمُ فى الحق، لكن ترى //منه وجودا حيثما استقبلك//. . فإن قطعنا رأسه فهو لك".
بينما يتميز "المُعَمَّى" عن اللغز بأن صياغته تخلو من السؤال، وإن كان المعنى العام قد استتر وتوارى باستخدام عدة طرق. فقد يصاغ ليدل على كلمة معينة أو عدة كلمات إذ يورد مفاتيح مختلفة تكشف عن الحروف التى تتكون منها هذه الكلمة أو الكلمات، أو تلمح لها: إما يذكر نطقها أو ترتيبها أو بقراءتها على غير حقيقتها، أو قلبها.
وينسب ابتكار "المعمى" إلى الخليل بن أحمد الذى أسس علم العروض، بينما الفرس ينسبونه إلى على بن أبى طالب. ومن أمثلته ذلك المعمى عن الاسم "أحمد": أوله ثالثُ تفاحاتٍ// ورابع التفاحِ ثانيه// وأولُ المسك له ثالثُ// وآخر الورد لبا. ولقد استخدم المعمى كثير من الشعراء وبالأخص أبو نواس.
أما الأُحجية فهى لعبة تخمين بسيطة (كأن تقول لأحدهم: خَمَّن ما بيدى) ولكنها قد تشكل نوعا من الألغاز يقترب من اللغز. مثال ذلك أحجية عن السلسبيل [سل- سبيل] أى الخمر: ما ردْف قول المحاجى// إن قال: اطلب (سل) طريقا (سبيلا).
المصادر:
(١) طاهر بن صالح الجزائرى: تسهيل المجاز فى فن المعمار والألغاز بيروت ١٣٠٨ هـ.
(٢) عبد الهادى نجا الأبيارى: سعود المطالع لسعود المطالع، بولاق ١٢٨٣ هـ.
(٣) عبد القادر بن محمد الطبرى: عيون المسائل من زْيان المسائل، القاهرة ١٣١٦ هـ.
سعيد عبد المحسن [م. بن شنب M. Ben Cheneb]
لغة
لم ترد كلمة لغة فى القرآن الكريم، واستعيض عنها بكلمة لسان ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (سورة الشعراء آية ١٩٥)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (سورة إبراهيم آية ٤). ويقول ج. فوك J. Fuck ونولدكه Noldeke إنه يبدو أن كلمة لغة لم ترد
стр. 8683
فى الشعر البدوى القديم، ولكن هذا القول غير مؤكد لعدم وجود سجل شامل لمفردات هذا الشعر القديم. وحتى نهاية القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى لم تكن كلمة (لغة) قد أخذت المعنى الذى نعرفه اليوم فسيبويه (ت ١٨٠ هـ/ ٧٩٥ م) والمعاصرون له استخدموا الكلمة بمعنى التباين فى طريقة النطق أو طريقة الاستخدام فلغة الحجاز، ولغة هذيل. . الخ تعنى طريقة الحجازيين أو طريقة قبيلة هذيل. . الخ ومن هنا فليس ثمة ما يدعو للدهشة أن تكون الكلمة مشتقة من (ل غ و) والتى تعنى الانحراف عن الأصل.
ويؤكد العالم البارز ابن عربى هذا المفهوم حيث يذكر: أن معنى كلمة لغة هو (الانحراف)، وتستخدم كلمة أخرى هى (اللحن) للدلالة على الخروج عن أسلوب الكلام المعتاد. وبالتالى فهى تعنى "عدم الصحة" و"الخطأ النحوى".
ويصرح القالى فى كتابه "الأمالى" أن "كلمة لحن" تعنى أيضا "لغة" كما قال الأصمعى وهذا المعنى هو الذى قصده أمير المؤمنين عمر رضى اللَّه عنه فى قوله "تعلم اللحن كما تتعلم القرآن" ويستخدم ابن أبى داود (المتوفى عام ٣١٦ هـ/ ٩٢٤ م) مؤلف كتاب المصاحف كلمة لحن بهذا المعنى فى باب "اختلاف ألحان العرب فى المصاحف" ويقول فى بداية هذا الباب إن الألحان (جمع لحن) هى اللغات، ولكننا نجد كلمة لغة بمعنى "أسلوب الكلام"، وقد كونت هذه التباينات والأساليب المختلفة فى نطق كلمات اللغة العربية المادة الأساسية التى اتجهت إليها دراسات النحويين فى فترة "الدراسات الميدانية" الكبرى التى قام بها اللغويون العرب خاصة فى القرنين الثانى والثالث الهجريين/ الثامن والتاسع الميلاديين. . ولقد كانت كلمة نحو التى صارت أخيرا تعنى "قواعد اللغة" والتى تقابل كلمة لغة بمعنى "المادة اللغوية" (كما تؤخذ من أفواه المتكلمين بالعربية)، تعنى فى البداية "نوعا من التعبير" (مثل: هذا النحو من الكلام). ومن هنا صار النحويون هم الذين درسوا الأنحاء (أو
стр. 8684
نُحُوّ -بضم النون والحاء- جمع نَحْو). بغرض فحص القواعد فحصا شاملا وصياغتها. ومن الواضح أن معنى كلمة نحو فى هذه الاستخدامات لا تتضمن فكرة الانحراف التى تعتبر الطبيعة المميزة لكلمة لغة وكلمة لحن التى تحمل معنى أقوى بكثير والتى أخذت فى النهاية فى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى معنى "عدم الصحة" التى تفرضها وتمليها قواعد النطق الفيسيولوجية، وتسمى بدلًا للضرورة، والمسألة هنا مسألة صنعة، أى عملية منهجية تطبّق على عناصر اللغة. فإذا تعلق الأمر بنطق نص محفوظ (وبالذات القرآن والشعر) فإن هذه الاختلافات يسميهما النحويون وعلماء القراءات "وضوح القراءات أو الأداء". وفى زمان النحويين الأوائل، كانت كلمة لثغة تقابل كلمة لغة. وكلمة لثغة تعنى انحرافا فى نطق بعض الحروف (ليس حرف الغين فقط كما يظن الكثيرون)، وهى حالة انحراف فردية وليست جماعية.
لم يفهم بعض المؤلفين المعاصرين موقف أصحاب القواميس والنحويين العرب تجاه القضايا اللغوية، نتيجة عد فهم المدلول الاصطلاحى للكلمات.
فعندما تتفق الأغلبية العظمى من المتحدثين باللغة على قول، فإن سيبويه يطلق عليه "قول العامة" (الكتاب، الجزء ١ صفحة ٢٦٣ والجزء الثانى صفحة ٢٦٢ أو "قول عامة الناس" أو "قول عامة العرب"، واستخدم ابن جنى التعبير: "قول الكافة"، ويقول ابن جنى "يمكن اعتبار جميع اللغات حجة (من حيث القواعد)، وعندما يكون للغتين انتشار واحد وعلى درجة واحدة من القبول من حيث القياس فلا يجوز تفضيل إحداهما على الأخرى. ونلاحظ أن سيبويه يؤكد دائما على أهمية "السماع" وعلى قبول الحقائق المشهود بصحتها فقط، ويؤكد قبل كل شئ على قبول التعبيرات التى أقرها أهل اللغة العربية والتعامل معها كما تعاملوا هم معها، أو على حد قوله: "استحسن من هذا ما استحسن العرب" ويؤكد ابن جنى أيضا على أن السماع يلغى القياس. وأنه ليس من الضرورى أن كل ما يسمح به القياس يمكن تحقيقه.
стр. 8685
ويمتلئ كتاب سيبويه بتعبيرات مثل "هذا عربى كثير". و"هذا أكثر"، و"هذا أكثر وأعرف"، وعند المقارنة بين لغتين أو أكثر، فقد توصف إحداهما بأنها "حسنة" أو "جيدة"، بينما توصف الأخرى بأنها "أحسن" أو "أجود" أو بأنها "قبيحة" أو "رديئة"، والحكم هنا ليس على قيمة التعبير أو الكلمة وإنما على مدى قبول التعبير أو الكلمة وعلى مدى انتشار الاستعمال، وتستعمل التعبيرات التالية للدلالة على مدى الانتشار الجغرافى للغة.
مطرد = متواتر أو عام (١٠٠ %) وغالب (٨٦ %) وكثير = منتشر أو متكرر (٦٥ %) وقليل = أقل انتشارا وتكرارا (١٣ %) ونادر (٤ %)، وينطبق هذا المقياس أيضا على مدى تكرار كلمة أو تعبير فى فرع معين من فروع العلم، قارن مثلا بين التعبيرين "مطرد فى الاستعمال" و"مطرد فى القياس"، كما جاء فى الخصائص لابن جنى الجزء الأول صفحة ٩٦ وما يليها.
على عكس كلمة نحو، فإن كلمة لغة تعنى -بالمعنى القاموسى- الكلام الذى لا يتقيد بقواعد اللغة، فهى أساسا بالسماع، وعلى هذا فإن كل ما نطق به المتكلمون بالعربية هو ما يطلق عليه اللغة (وتشتمل على جميع اللغات المتماثلة).
وصف ابن جنى طبيعة اللغة وصفا جيدا فى قوله: تشتمل لغة العرب على نوعين من الكلام. نوع يقبله الإنسان كما هو، على سبيل المثال لا الحصر: حجر ودار، والنوع الثانى يؤخذ بالقياس، فكلمة حجر يمكن تحليلها إلى جذر ح. ج. ر ونسق (فتحة وفتحة وسكون)، ولكن اتحاد هذه الوحدات لتكون كلمة حجر بالمعنى الذى نعرفه إنما هو بالسماع، وكل ما يمكننا عمله هو أن نحفظه. وقد ذهب ابن فارس (المتوفى عام ٣٩٥/ ١٠٠٤) المذهب نفسه.
صارت كلمة لغة، التى كانت تعنى فى البداية "الأسلوب المحلى فى التعبير"، تعنى الآن ما تتكلم به جماعة عرقية، ولها نفس معنى كلمة لسان، وهذا التطابق فى المعنى بين الكلمتين لم
стр. 8686
يعرفه الجيل الأول من النحويين (حتى سيبويه).
وقد ظهرت كلمة لغة بشكل متقطع فى نهاية القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى (ذكر الإمام الشافعى ﵀ كلمة لغة بمعنى لسان مرة واحدة فى الرسالة واستعمل كلمة لسان فى باقى كلامه)، وربما ترجع بداية انتشار استخدامها إلى فترة المناقشات الكبيرة فى علم الكلام. وقد استخدم الجاحظ كلمة لغة بمعنى الكلام ولكنه وسع معناها لتشمل جميع اللهجات التى تتكلم بها جماعة عرقية. ومع ذلك فقد ظلت كلمة لغة بمعنى كلمة أو تعبير سائدة إلى وقت متأخر جدا.
تطور علم اللغة تطورا مذهلا نتيجة للأبحاث الكبيرة التى بدأها مؤسس هذا العلم أبو عمرو بن العلاء (١٥٤ هـ/ ٧٧٠ م) وتابعه فيها تلاميذه الأصمعى (المتوفى عام ٣١٢ هـ/ ٨٣٨ م) وأبو عبيدة (المتوفى عام ٢٠٩ هـ/ ٨٢٦ م) وأبو زيد الأنصارى (المتوفى عام ٢١٥ هـ/ ٨٣١ م)، وعلماء الكوفة المفضل الضبى وابن العربى وأبو عمرو الشيبانى. . . الخ وقد قام هؤلاء العلماء برحلات شاقة للبحث والدراسة عبر شبه الجزيرة العربية، وأثمرت هذه المجهودات الهائلة فى جمع المعلومات وتصنيفها. لقد قام هؤلاء العلماء بدراسات لا حصر لها للغات القبائل والأمثال والنوادر وأسماء الأماكن والنبات والحيوان وأصول الكلمات وأنواع الأفعال ومصادرها. . الخ. وأضيف إلى هذه الأبحاث ما جمع وصنف فى علوم قراءات القرآن الكريم. وتعتمد جميع معاجم اللغة العربية التى وضعت فى القرون التالية على هذه الدراسات.
تعتبر اللغة، بالنسبة للنحويين الأوائل والفلاسفة، نتيجة وضع أو عرف، وينطبق ذلك أيضا على قواعد اللغة نفسها لأنها تختلف من لغة لأخرى، فاللغة -إذن- عملية وضعية، وعند غالبية المعتزلة، تعنى كلمة "وضع" اصطلاحا إنسانيا "بحت" بينما تعنى عند مفكرين آخرين اصطلاحا
стр. 8687
إلهيا، أو على الأقل إلهام من اللَّه للإنسان (توقيف)، ولكن لم يُذكر هذان المعنيان صراحة فى أعمال أغلب اللغويين والفلاسفة العرب -بل إن الأشعرى (المتوفى عام ٣٢٤ هـ/ ٩٣٥ م) الذى ينسب إليه مبدأ الإلهام الإلهى للغة، له موقف غير حاسم من هذا الموضوع كما نفهم من تلاميذه، ويقال نفس الشئ عن إمام الحرمين والإمام الغزالى، ويأخذ النحويان أبو على الفارسى وابن جنى (الذى تتلمذ على أبى الحسن الأخفش تلميذ سيبويه) نفس الموقف المتحفظ.
وقد أثار المعتزلة فى منتصف القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى، قضية مهمة، وهى قضية الاختيارية المطلقة للرمز اللغوى بالمقارنة بالثبات المطلق للغة، وقد مثل الرأى الأول أبو الحسين الصالحى كما مثل الرأى الثانى عباد بن سليمان الصيمرى al-Saymari (٢٥٠ هـ/ ٨٥٤ م). ويبنى عباد رأيه على أنه "إذا لم تكن هناك علاقة معينة بين لفظ ومعناه، فإن تخصيص هذا اللفظ لهذا المعنى يمثل إمكانية التخصيص بدون أى مبرر، أو على حد قوله "ترجيح بدون مرجح"، وهذا مناف للعقل. ويعترض القاضى المعتزلى عبد الجبار (٤١٥ هـ/ ١٠٢٥ م) على قول عباد فيقول "ليس من الضرورى أن تكون هناك علاقة بين العبارة والمعنى بالشكل الذى يجعل أحدهما ينعدم بدون الآخر. ويرى الصالحى أن هذه الاختيارية لا حدود لها فيقول "فى إمكاننا اليوم أن نغير الأسماء (أسماء الأشياء) واللغة كما نراها الآن". وقد أمكن بعد دلك التوفيق بين الرأيين. فقال القاضى عبد الجبار "أما هذه الأشياء التى صارت اصطلاحية، فمن المؤكد أنه كان من الممكن، وضعها طبقا لأى نظام آخر بنفس الدرجة من الصلاحية، ولكن فى اللحظة التى تتحدد فيها هذه المصطلحات طبقا لنظام اصطلاحى معين، فإن المتكلم يقبلها على أنها لا يمكن أن تكون إلا هكذا". وفى نفس الفترة، عبر ابن سيده عن هذا التوفيق بين الطرفين بقوله "اللغة
стр. 8688
اضطرارية، بالرغم من أن تعبيراتها الإصطلاحية كانت اختيارية عند وضعها".
يقصد بعلم اللغة (أو علوم اللغة) علم أصول الألفاظ ومعانيها، أو بمعنى أدق علم إسناد اللغة، وذلك بعكس التعبير "علم النحو" أو "علم العربية". وقد عرف ابن خلدون "علم اللغة" بأنه علم بيان الموضوعات اللغوية، ويضم ابن خلدون هذا العلم إلى علم النحو وعلم البيان فى مجموعة سماها العلوم اللسانية. وإلى جانب هذا التعبير هناك أيضا "فقه اللغة" وهو مرادف "لعلم اللغة" وإن كان يتناول فرعا أكثر تخصصا وهو دراسة وجه الشبه والخلاف بين مفردات اللغة.
أدى الاستخدام الحديث المتكرر لكلمة لغة بالمعنى الذى نعرفه الآن إلى محاولة بعض المعاصرين لاستخدام تعبير "علم اللغة" للدلالة على المفهوم الحديث لعلم اللغات، وهذا ليس صحيحا تماما، فإن علم اللغات بمفهومه الحديث كان ولا يزال يحمل معنى دراسة مفردات اللغة. وهناك تعبير آخر يدل على هذا المفهوم وهو علم اللسان أو اللسانيات). وقد استخدم الفارابى هذا التعبير فى كتاباته وبالذات فى إحصاء العلوم، حيث تصور إمكانية وضع دراسات لغوية تنطبق على جميع اللغات ولا تخفى لغة معينة.
المصادر:
(١) سيبويه: الكتاب، بولاق جزء ١، ٢، القاهرة ١٣١٦ - ١٣١٧ هـ.
(٢) القالى: الأمالى جزء ١ - ٣، القاهرة ١٣٤٤ هـ.
(٣) زجاجى: إيضاح علل النحو، القاهرة ١٩٥٩ م.
(٤) نفس المؤلف: مجالس العلماء، الكويت ١٩٦٢ م.
(٥) ابن أبى داود: كتاب المصاحف، القاهرة ١٩٥٥ م.
(٦) الشافعى: الرسالة، طبعة شاكر، القاهرة ١٩٤٩ م.
(٧) ابن خلدون: المقدمة، بيروت ١٩٩٧ م.
حسين أحمد عيسى [أ. حاج صلاح A. Hadj Salah]
стр. 8689
لقب
اللَّقب والنَّبْز اسم غير مُسَمَّى به والجمع ألقاب، وقد يعبر عن الإعجاب، وقد يكون محايدا ذا دلالة على صاحبه فحسب وقد يكون مخزيا وفى هذه الحال غالبا ما يسمى نَبْز، وقد استخدم فى التاريخ الإسلامى فى فترة متأخرة نسبيا لإضفاء التشريف على حامله.
١ - الجاهلية والعصور الإسلامية الأولى
نجد فى هذه الفترة أمثلة كثيرة لألقاب أطلقت على زعماء البدو والشعراء والخطباء. . . الخ مثل آكل المرار والأبرحى والمتلمس وعائد الكلب ومقبل الريح. . . إلخ. وفى العصر العباسى نجد ديك الجن وصريع الغوانى. . إلخ. وهذه الألقاب قد تعبر عن سمات بدنية أو عيوب قد تكون متصلة بأبيات لاذعة من الشعر أو أحداث فى حياة صاحب اللقب، ولكن غالبا ما تكون هذه الأحداث قد فقدت معناها على مر الزمن. وقد ذهب كتاب السير الأدبية فى تفسيرهم للألقاب الغريبة والشاذة مذاهب غاية فى الغرابة، انظر مثلا الأغانى طبعة بولاق الجزء ١٨ صفحة ٢٠٩ فى أصل لقب تأبط شرا، كما يحتوى هذا الكتاب على قائمة مفيدة بهذه الألقاب وشرح لها من مصادر مختلفة.
من الواضح إذن أن إطلاق الألقاب كان منتشرا فى المجتمع العربى منذ الجاهلية، ومنه انتقل إلى الفرس والأتراك وباقى العالم الإسلامى. يقول الثعالبى، الذى خصص فصلين من فصول كتابه "لطائف المعارف" العشرة للحديث عن ألقاب الأدباء والشعراء المشهورين، نقلا عن العالم اللغوى المبرد إنه نادرا ما ترى رجلا لا يعبر لقبه عن شخصيته. وقد لاحظ الثعالبى أن أهل بغداد ونيسابور كانوا مشهورين بقدرتهم على صياغة الألقاب المناسبة وذكر أمثلة متعددة من كل مدينة، ولكنه مع الأسف أغفل ذكر أصل هذه الألقاب.
تطلق بعض هذه الألقاب تفاؤلا بمستقبل سعيد أو لدفع الضرر لهذا فإنه من المعتاد أن نرى أسماء وألقابا كئيبة ومتنافرة لدفع العين التى قد تصيب الشخص صحيح البدن فى حين تطلق أسماء جميلة وأنيقة مثل أسماء
стр. 8690
الزهور والعطور والأحجار الكريمة. . . إلخ على العبيد والأشخاص قليلى الأهمية، ومن أمثلة ذلك ما ورد أن الخليفة المتوكل أطلق على أم ولده المعتز لقب "قبيحة" لأنها كانت مشهورة بجمالها، فى حين نجد الأناقة فى أسماء مثل ياقوت وجيجاك وهى بالتركية تشيشك وتعنى زهرة، وهو اسم أم الخليفة المكتفى وكانت أم ولده)، بينما نجد مثالا واضحا للأسماء التى تعنى عكس ما عليه المسمّى فى اسم كافور الإخشيدى (الكافور أبيض زكى الرائحة بينما كان كافور أسود، خصيا، يضرب به المثل فى الإيذاء كما كان كريه الرائحة). وقد سئل العتبى يومًا، لماذا يطلق العرب على أبنائهم أسماء مستشنعة، بينما يطلقون على عبيدهم وإمائهم أسماء مستحسنة؟ فأجاب بأن العرب يطلقون الأسماء على أبنائهم وهم يفكرون فى أعدائهم، فى حين يطلقون على عبيدهم وإمائهم ما يشاءون من الأسماء (يعنى بدون أى اعتبار آخر) ومن أمثلة الأسماء التى يطلقها العرب على أبنائهم "تفاؤلا على أعدائهم" غالب، ظالم، مقبل، ثابت. . . إلخ. وربما نكون قد تفرعنا إلى الحديث عن الأسماء وليس الألقاب، إلا أن الأسماء التى تطلق على العبيد والإماء يمكن أن تعتبر ألقابا تحل محل الأسماء الأصلية. وقد أدان القرآن الكريم ميل العرب -وبخاصة قريش لإطلاق ألقاب الازدراء فى سورة الحجرات آية: ١١، ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾. وهذه السورة مدنية نزلت قبل وفاة الرسول ﵊ بعام أو عامين، ولم ينج الرسول نفسه من إطلاق الألقاب عليه مثل "الأبتر" أى الذى ليس له أبناء، وكان سبب نزول الآية المذكورة كما ذكر المفسرون، إهانة بعض النساء لأم المؤمنين صفية بنت حُيَىْ لأصلها اليهودى حيث كانت من بنى النضير.
وبمضى الزمن، بدأ اللقب يأخذ صورًا أرقى فى المجتمع الإسلامى، مع احتفاظه لبعض الوقت باتجاهاته الازدرائية والاستهزائية، فكان بعض المؤلفين والفنانين يتخذون ألقابا كأسماء مستعارة، وبالذات فى فارس وتركيا والدويلات الهندية الإسلامية
стр. 8691
ولكن الاتجاه الأهم هو تحول اللقب من التعبير عن المديح أو الإعجاب (مثل ملاعب الأسنة الذى أطلق على الشاعر الجاهلى عامر بن مالك الذى عرف ببسالته فى المعارك) إلى لقب يدل على الاحترام والتبجيل لصلته الوثيقة بالحكم أو الدين أو لاستخدامه كمكافأة على أعمال تتسم بالشجاعة أو أدت إلى نفع للدولة؛ لهذا فقد عاشت الألقاب زمنا طويلا فى العالم الإسلامى، وبصفة خاصة المنطقة التى تقع بين مصر والهند. وإن وجدت بدرجة أقل فى الأندلس وشمال أفريقيا، واستمر وجودها حتى بداية القرن العشرين.
وقد أورد القلقشندى فى كتابه صبح الأعشى أن ألقاب ونعوت المديح كانت معروفة منذ زمان إبراهيم الخليل وموسى الكليم ويونس ذى النون ﵈.
عرف العرب الأوائل ألقاب التبجيل والاحترام من البيزنطيين والرومان، كما وجدت ألقاب الأبهة والفخامة فى عهد الدولة الأكمينية (الهخامنشية) منذ أيام هيرودوت، وكذلك أطلق الساسانيون ألقابا على رجال الدولة المدنيين والعسكريين مثل بُزرج فرامدار (رئيس الحاشية) وهَزَارمَرْد (له قوة ١٠٠٠ رجل) على القادة العسكريين. وكانت هذه الألقاب يصاحبها عادة لبس رداء الشرف الذى عرف فى الإسلام باسم الخلعة.
٢ - عصر الخلفاء: بدأ استخدام الألقاب الشرفية فى العالم الإسلامى من القمة، وذلك باتخاذ الخلفاء الأمويين ألقابا ملكية، ويرجع المؤرخون بداية ذلك إلى عصر الأمويين ويقول المسعودى فى كتاب "التنبيه" إن الأمويين اتخذوا ألقابا دينية صارت بعد قرنين من الزمان أمرا مألوفا فى العصر العباسى مثل الناصر لحق اللَّه لمعاوية، والقاهر بعون اللَّه لمسلمة بن عبد الملك، والمتعزز باللَّه لإبراهيم بن الوليد بن عبد الملك، ولكنه عاد فرفض هذه الأخبار على أساس أنها ضعيفة ولم يؤيدها المؤرخون وكتاب السير. ومن قبل الأمويين عرف أبو بكر بالصديق، وعمر بالفاروق، وعثمان بذى النورين.
стр. 8692
تعتبر الألقاب ذات الطبيعة الدينية التى تعبر عن الاعتماد على اللَّه والتوكل عليه والاستعانة به على مهام الحكم بحق بدعة من بدع العصر العباسى الأول. ويؤكد ب. لويس B. Lewis على أهمية الشعور العام الذى ساد فى زمان الحركة العباسية فى انتظار حكم عادل مؤيد من اللَّه، وساعد هذا الشعور على اتخاذ المنصور وخلفائه ألقابا دينية. ولم يتخذ أبو العباس السفاح أول الخلفاء العباسيين أى ألقاب ملكية، ولكن خليفته أبو جعفر اتخذ رسميا لقب المنصور باللَّه، ثم اتخذ خلفاؤه ألقاب المهدى باللَّه والهادى إلى الحق.
يلاحظ أن ألقاب الحكام العباسيين حتى أواخر القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى وفترة حكم بنى بويه فى بغداد كانت تتكون أساسًا من اسم فاعل أو صفة مؤكدة عظمة اللَّه فى حكمه وأهمية ضمان تأييده فى حمل أعباء الحكم طبقا للشريعة ويلاحظ أ. آبل A. Abel أن الفاطميين، وقد كانوا أكبر المنافسين للحكم العباسى فى شمال إفريقيا ومصر، قد استخدموا ألقابا أكثر وضوحا وتأثيرا لتأكيد دعوتهم للخلافة والإمامة مثل الحاكم بأمر اللَّه الذى أطلق على أبى القاسم محمد خليفة المهدى عبيد اللَّه، ومنذ حكم المعز (٣٤١ هـ/ ٩٥٣ م). أخذت ألقاب الفاطميين صورة اسم الفاعل أو صفة تؤكد دور الحاكم الحاسم فى تنفيذ أمر اللَّه مثل الحاكم، الآمر، الظافر. . . يضاف إليه عادة تعبير مثل لدين اللَّه أو بأمر اللَّه.
وردا على ذلك، بدأ العباسيون مع نهاية القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى، فى اتخاذ ألقاب مشابهة لتأكيد وضعهم كحماة للسنة، مثل الحاكم بأمر اللَّه والناصر لدين اللَّه والظاهر بأمر اللَّه. وكان اللقب يطلق على الخليفة عند توليه الحكم، ولكن بدأ ولى العهد أيضا يتخذ لقبا بمجرد إعلانه وريثا للحكم، وكانت كنيته أو لقبه يظهر على النقود جنبا إلى جنب مع لقب الخليفة أو كنيته. وكان هذا اللقب عادة يظل مع ولى العهد بعد توليه الحكم، ولكن كان يحدث أحيانا أن يستبدل بغيره. أكثر تعظما، فالمتوكل
стр. 8693
مثلا، كان لقبه اثناء ولايته للعهد المنتصر، ثم غيره قاضى القضاة أبو داود إلى المتوكل فى اليوم التالى لتوليه الخلافة (٢٣٢ هـ/ ٨٤٧ م).
وكان الخلفاء العباسيون يطلقون الألقاب على عمالهم ومعاونيهم، فأطلق المأمون على وزيره الفارسى الأصل الفضل بن سهل لقب ذى الرياستين لأنه كان يقوم بأعباء الوزارة وقيادة الجيش، كما أطلق على طاهر بن الحسين مؤسس أسرة الطاهريين فى خراسان والعراق لقب ذى اليمينين وعلى على بن أبى سعد ابن خال الفضل بن سهل لقب ذى القلمين، ربما لأنه كان يكتب بالعربية والفارسية، وفى عام ٦٢٩ هـ/ ٨٨٥ م، أطلق الموفق على وزيره سعد بن مخلد لقب ذى الوزارتين.
عرف هذا النوع من الألقاب التى تشير لممارسة مهمتين أو التحلى بصفتين قبل ذلك الزمن بكثير، فقد أطلق لقب ذى النورين على الخليفة عثمان رضى اللَّه عنه وذى الشهادتين على خزيمة بن ثابت الأنصارى (لأن الرسول ﵊ وعده بضعف ثواب الشهيد)، وقد استمر هذا النوع من الألقاب فترة طويلة فى التاريخ الإسلامى كما كان الحال مع الأسماء الثنائية (محمدين والحسنين) حتى أنه لا زال موجودا إلى يومنا هذا، واستمر بنو بويه. وهم نواب العباسيين فى غرب فارس والعراق فى إطلاق الألقاب على وزرائهم، فأطلق ركن الدولة على وزيره العظيم أبو الفتح بن العمير لقب ذى الكنايتين (السيف والقلم). وفى العصر السلجوقى، ظهر تعبير الحضرتين فى الألقاب، ويقصد به بلاط الخلفاء العباسيين وبلاط السلاطين السلاجقة، مثل ثقة الحضرتين ونظام الحضرتين وهو لقب على بن طَرَّاد الزينبى نقيب النقباء فى بغداد فى العقود الأخيرة من القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى.
عرف الدعاء بعد ذكر الأسماء منذ بداية الإسلام وذلك فى الصلاة على النبى [ ﷺ ] بعد ذكره والتسليم بعد ذكر أسماء الأنبياء السابقين والترضية
стр. 8694
بعد ذكر أسماء الخلفاء والأوائل. . . إلخ ومنذ زمان الخليفة الأموى اليزيد ابن عبد الملك (١٠١ - ١٠٥ هـ/ ٧٢٠ - ٧٢٤ م) و (يزيد الثانى) كان الدعاء مثل أصلحه اللَّه، وأبقاه اللَّه، وأكرمه اللَّه يذكر دائما بعد اسم الخليفة وكبار رجال الدولة والولاة، وكانت الصيغة المختارة تظل مرتبطة باسم الوالى أو المسئول طيلة حياته إلا إذا مُنح صيغة أعلى منزلة. ولهذا يمكن اعتبار هذه الأدعية ألقابا من حيث إنها تعبر عن شرف خاص منحه الحاكم لموظف مخلص.
وفى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى، بدأ ظهور ألقاب مركبة، المقطع الثانى منها كلمة "الدين" أو "الدولة" أو "المُلك"، كما استخدمت كلمتا "الأمة" و"الملة" ولكن بدرجة أقل انتشارا. وقد تناول عدد من الباحثين هذه الألقاب بالدراسة الدقيقة وجمعوها فى قوائم مطولة وذلك لأن هذا النوع من الألقاب استمر لما يقرب من ألف عام، وبلغ عدد الألقاب التى تحتوى على كلمة الدين التى جمعها ديتريش Dietrich وكرامر Al Kramer لقبا. وكانت الألقاب التى تنتهى بكلمة الدولة هى الأسبق فى الظهور، ولكنها كانت فى البداية ألقابا عظيمة لا يمنحها إلا الخليفة وفى حالات استثنائية؛ لهذا عندما شرف المكتفى وزيره القاسم بن عبيد اللَّه (تولى الوزارة من عام ٢٨٩ - ٢٩١ هـ/ ٩٠٢ - ٩٠٤) بتزويجه إحدى بناته، أطلق عليه أيضا لقب ولى الدولة كدلالة على الصداقة الحميمة التى تربط بينهما. وكذلك منح الخليفة المتقى عام ٣٣٠ هـ/ ٩٤١ - ٩٤٢ أبا محمد الحسن بن حمدان نائب الموصل لقب ناصر الدولة مكافأة على خدماته فى مواجهة أمير الأمراء محمد بن رائق، كما منح أخاه أبا الحسن على نائب حلب لقب سيف الدولة. وفى عام ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م، دخل ابن بويه الديلمى بغداد وتولى منصب أمير الأمراء ومنح الخليفة الإخوة أحمد وعلى وحسن من بنى بويه ألقاب معز الدولة، وعماد الدولة، وركن الدولة،
стр. 8695
وقد حصل جميع أمراء بنى بويه على ألقاب مشابهة مع زيادة فى التعظيم أحيانا مثل عضد الدولة وتاج الملة، أو شرف الدولة وزين الملة، أو بهاء الدولة، وضياء الملة، وغياث الأمة.
ويلاحظ، عند ذكر ابن رائق أن منصب أمير الأمراء ظهر بصفة رسمية فى النصف الأول من ذلك القرن نتيجة لتدهور الخلافة، وقد ظهر هذا اللقب أو ما يشبهه مثل كبير الأمراء فى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى كلقب لقائد جيوش الخليفة، ولكن فى زمان الخليفة الراضى (٣٢٢ - ٣٢٩ هـ/ ٩٣٤ - ٩٤٠ م) اكتسب حامل لقب إمارة الأمراء سلطات فى شئون الدولة، لهذا كان من الطبيعى أن يتقلد بنو بويه المنصب بعد سنوات قليلة.
ومن الأمور ذات الأهمية الخاصة، أن فى محاولة بنى بويه إحياء مملكة فارس القديمة فى صورة إسلامية، استخدم عضد الدولة لقب شاهان شاه (إمبراطور الأباطرة) القديم فى التخاطب معه وفى مراسلاته، وقد ارتبط هذا اللقب ببنى بويه حتى أن البيهقى، كان يشير إليهم باسم الشاهان شاهانيين، ولكن من المحتمل أن يرجع أستخدام هذا اللقب إلى بداية حكم بنى بويه فى فارس والعراق. وأن يكون أول من استخدمه عضد الدولة أبو ركن الدولة، أو حتى عمه عماد الدولة من قبلهما. ويدل استخدام اللقب بدون إذن الخليفة على استقلال سلطة بنى بويه استقلالا حقيقيا عن الخليفة بصرف النظر عن التبعيه الأسمّية أو الشكلية ولكن بعد وفاة عضد الدولة، اضطر خلفاؤه الذين كانوا أضعف بالإضافة إلى وقوع النزاع بينهم -إلى السعى للحصول على تأييد الخليفة وبالتالى الحصول على موافقة العباسيين على لقب شاهان شاه. وفى البداية وافق الخليفة القائم عندما طلب جلال الدولة ذلك، ولكن عندما ذكر هذا اللقب فى خطبة الجمعة فى بغداد عام ٤٢٩ هـ/ ١٠٣٨ م حدث شغب بين المصلين، فكان لزاما الحصول على موافقة فقهاء الحنفية والحنابلة والشافعية قبل ذكر هذا اللقب الذى يتضمن كفرا (فى نظر المتدينين) على المنابر. وظل هذا اللقب مستخدما إلى قبيل غزو المغول، فمثلا
стр. 8696
أطلق على علاء الدين محمد الثالث الإسماعيلى، سيد قلعة الموت (٦١٨ - ٦٥٣ هـ/ ١٢٢١ - ١٢٥٥) فى إحدى الكتابات لقب المولى الأعظم شاهان شاه المعظم. وبعد ذلك تحول من لقب إلى مجرد اسم يطلق على الأمراء الفرس والأتراك الذين كانوا يطلقون على أنفسهم فى ذلك الوقت أسماء فارسية. وكما حمل بنو بويه ألقابا مزدوجة كما رأينا، فقد منحوا بدورهم ألقابا جليلة لوزرائهم وكبار مساعديهم وكان تعبير "كافى" يتردد فيها كثيرا وقد وصف البيرونى الألقاب مثل "كافى الكفاة" أو "الكافى الأوحد" أو "أوحد الكفاة" بأنها لم تكن إلا أكذوبة كبرى.
لم يسرف السامانيون فى بلاد ما وراء النهر وخراسان فى استخدام الألقاب مما دعا البيرونى لمدحهم فى ذلك. ويبدو أن صفات السعيد والسديد والحميد والرضا كانت تطلق عليهم بعد وفاتهم، والحالة الوحيدة التى أطلق فيها لقب على أحد السامانيين فى حياته كانت مع آخرهم اسماعيل بن نوح (المتوفى عام ٣٩٥ هـ/ ١٠٠٥ م). حيث أطلق على نفسه لقب المنتصر، ربما أملا فى استرداد ثرواته، ولكن ذهب أمله هباء وفى النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى بدأ السامانيون فى إطلاق ألقاب على قادتهم العظماء، فأطلقوا لقب ناصر الدولة على نوح بن منصور (٣٦٥ - ٣٨٧ هـ/ ٩٧٦ - ٩٩٧ م) قائد غزاة بخارى، كما أطلقت ألقاب مشابهة على القادة الأتراك للجيوش السامانية فى خراسان فأطلق لقب حسام الدولة على تاش Tash حاجب.
اختلف الغزنويون الذين خلفوا السامانيين على شرق فارس وأفغانستان مع أسلافهم السامانيين فى موقفهم من الألقاب، ومنذ أن تولى سبكتكين مؤسس الأسرة الغزنوية الحكم سعى الغزنويون للحصول على ألقاب متعددة من الخلفاء فحصل سبكتكين على ألقاب معين الدولة وناصر الدولة أو ناصر الدين والدولة الذى كان يختصر إلى ناصر الدين. وفى زمان إبراهيم بن مسعود (٤٥١ - ٤٩٢ هـ/ ١٠٥٩ - ١٠٩٩ م) كان
стр. 8697
السلاطين يحملون مجموعة متألقة من الألقاب، فحمل إبراهيم بن مسعود لقب ظهير الدولة وحوالى ١٢ لقبًا آخر بالإضافة إلى اللقب الرسمى (الذى تسك العملات به) وهو السلطان المعظم أو الأعظم الذى ربما حمله بتأثير السلاجقة.
ظهرت الألقاب المركبة التى فيها "الدين" قبل تلك التى فيها "الدولة" بقليل، لهذا ربما يكون لقب ناصر الدين والدولة الذى منح لسبكتكين أول ما ظهر من ألقاب الدين، كما أنه بالتأكيد اللقب الوحيد من هذا النوع الذى سجله البيرونى تحت عنوان "من منحهم الخليفة ألقابا"، أما باقى الألقاب فتحتوى على الدولة والملَّة والأمة.
وفى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى، كانت الألقاب تتردد بين استخدام كلمة "الدولة" أو استخدام كلمة "الدين"، ولكن مع قدوم السلاجقة، انتشر استخدام الألقاب التى بها كلمة "الدين"، وطبقا للمصادر التاريخية السلجوقية، منح الخليفة القائم طغرل السلجوقى Toghril عندما عاد إلى بغداد للمرة الثانية عام ٤٤٩ هـ/ ١٠٥٨ م لقب ركن الدولة وملك الشرق والغرب، ولكن كان يشار إلى طغرل فى الفترة القصيرة التى تبقّت من حياته وبعد أن توفى بلقب ركن الدين، ويبدو أن السلاجقة لم يكونوا راضين عن ألقاب "الدولة"، فقد فضل سلاطينهم فى القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى الألقاب التى فيها "الدين" أو التى فيها "الدين والدنيا"، فحمل ملكشاه لقب جلال الدولة ومعز الدين والدنيا، وحمل ابنه محمد لقب غياث الدين والدنيا، ولكن مع تقلص استخدام كلمة الدولة فى الألقاب، أطلق السلاجقة ألقابا مركبة فيها كلمة (المُلك) على وزرائهم وقادة الجيوش الكبار (مثل لقب عميد المُلك الذى أطلق على أبى نصر كندرى Kunduri ونظام الملك الذى أطلق على أبى على الطوسى)، وقلدهم العباسيون فى حمل ألقاب تعبر عن القوة الدنيوية، فأطلق الخليفة المقتفى لقب سلطان العراق وملك الجيوش على وزيره عون الدين بن هبيرة عام ٥٤٩ هـ/ ١١٥٤ م مكافأة له على طرد التركمان من واسط.
стр. 8698
كما سار على منوالهم شاهات خوارزم فى القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى، أوائل القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى.
لم يعترض الفاطميون الشيعة، أكبر خصوم السلاجقة فى الصراع على النفوذ فى منطقة الصحراء السورية والحجاز، على إطلاق ألقاب فيها كلمة الدولة على الوزراء والموظفين. وكانت الصيغة التقليدية بالنسبة للوزراء هى "الوزير الأجل"، وقد منح الخليفة المعز هذا اللقب لوزيره يعقوب بن كِلّس عام ٣٦٨ هـ/ ٩٧٩ م، وفى نفس الفترة منح بعض الوزراء الفاطميين ألقابا مركبة فيها كلمة الدولة وألقابا أخرى مثل أمين الملة الذى أطلق على أبى محمد بن عمار وسيف الدولة الذى أطلق على يوسف بُلُجين عام ٣٦١ هـ/ ٩٧٢ م، كما منح باديس والمعز بن باديس خلفاء يوسف ألقابا مشابهة، (عندما أعلن المعز عام ٤٣٣ هـ/ ١٠٤١ م ولاءه للعباسيين، منح الخليفة الفاطمى المستنصر لقب شرف الدولة الذى كان يحمله المعز لأحد أقربائه، وكذلك منح القائد الحمدانى لؤلؤ بن منصور لقب مرتضى الدولة عام ٣٩٩ هـ/ ١٠٠٨ م. وقد انفرد الفاطميون بإطلاق ألقاب مركبة تدخل فيها التعبير "أمير المؤمنين" على وزرائهم، فأطلق لقب صفى أمير المؤمنين وخالصته على أبى القاسم أحمد الجَرْجَرائى، ومصطفى أمير المؤمنين على أبى منصور صدقة إبن يوسف الفلاحى.
وسرعان ما صارت ألقاب رجال الدولة الفاطميين منمقة وفخمة إلى درجة كبيرة، ممهدة لألقاب العصر المملوكى متعدد الألفاظ التى ظهرت فى مصر بعد ذلك، فحمل الوزير أبو محمد الحسن اليازورى ألقاب الوزير الأجل الأوحد المكين سيد الوزراء وتاج الأصفياء وقاضى القضاة وداعى الدعاة علم المجد خالصة أمير المؤمنين، ثم أضيف إليها بعد ذلك ناصر الدين وغياث المسلمين، وتدل هذه المجموعة من الألقاب على مدى سعة سلطاته، ليس كوزير فحسب، بل أيضا كقاضى القضاة وداعية كبير.
стр. 8699
عموما، كان أسلوب الفاطميين فى منح الألقاب يشبه أسلوب العباسيين، وكتقليد ثابت، كان يصاحب منح اللقب منحة أخرى مثل إهداء لواء أو سيف مع درع فخم، وكان الفاطميون، وكذلك السنيون، يعلنون عن منح الألقاب إما أمام قصر الخليفة فى القاهرة أو على منابر المساجد.
وبعد حكم السلاجقة، أى بعد القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى، تأكدت سيادة الألقاب التى فيها كلمة الدين، ليس فقط بالنسبة للحكام ورجال الدولة، بل أيضا فى الجماعات الدينية والزعماء الروحيين البارزين ومشايخ الصوفية. . . إلخ، مثل نجم الدين كبرا Kubra ومحيى الدين بن العربى وجلال الدين الرومى ومعين الدين تشيشتى، ولم يعد الخليفة فى ذلك الوقت هو المانح الوحيد للألقاب، ونتيجة لذلك صارت الألقاب تمنح بشكل يتلاءم إلى حد ما مع اسم الشخص الأصلى. (وللقلقشندى فصل عن هذه العادة فى كتابه صبح الأعشى جزء ٥ صفحة ٤٨٨ - ٤٩٠ بعنوان: فى الألقاب المفرعة على الأسماء)، ويعود هذا الأسلوب إلى أيام المماليك الأولى أو حتى قبلها، فنجد عند المماليك الأتراك لقب علم الدين قد ارتبط باسم سَنْجَر وجمال الدين بأق قوش وحسام الدين بحسن أو حسين وعلاء الدين بعلى وتاج الدين بإبراهيم. . . إلخ حتى الخصيان كانت لهم ألقاب مرتبطة بالأسماء مثل شجاع الدين مع عنبر، كذلك كان لرجال الدولة من الأقباط المصريين ألقابا مرتبطة بالأسماء، مثل تقى الدين مع وهبة.
انتقل هذا النوع من التلقيب إلى الدولة العثمانية وبالذات مع العلماء والفقهاء، فارتبط لقب بدر الدين باسم محمود بالإضافة إلى الألقاب التى دكرناها مرتبطة بأسماء حسن وحسين وعلى وإبراهيم.
وحتى غزو التتار لبغداد عام ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م، كان منح الألقاب امتيازًا خاصًا بالخلفاء. وكان الولاة ونواب الخليفة فى الأقاليم المحافظون على مفهوم الخلافة بمفهومه الذى يعنى أن جميع السلطات التنفيذية تنبع
стр. 8700
أساسًا من الخليفة- يحرصون على الحصول على ألقاب منذ بداية توليهم المناصب، وكانوا يبحثون عن الألقاب التى تدل على القرب من الخليفة أو على علاقة خاصة به مثل مولى أمير المؤمنين وولى أمير المؤمنين وقسيم أمير المؤمنين.
وقد يحسم اعتراف الخليفة مصحوبا بوثيقة تقليد منصب (عهد أو منشور) ومظاهر القوة الأخرى مثل لقب أو حصان مطهم أو لواء وقد يحسم اللقب الصراع على السلطة لصالح أحد الخصمين. ففى عام ٤٢١ هـ/ ١٠٣٠ م أسرع الأمير الغزنوى مسعود بن محمود لمواجهة أخيه محمد الذى بايعه الجيش سلطانًا على غزنة، وعندما وصل إلى نيسابور تلقى من الخليفة القادر عهدا بولاية الدولة الغزنوية بالإضافة إلى مجموعة قوية من الألقاب أو "نعوت سلطانية" كما سماها البيهقى هى: ناصر دين اللَّه حافظ عَباد (أو عُبَّاد) اللَّه المنتقم من أعداء اللَّه ظهير خليفة اللَّه أمير المؤمنين، وعلى الفور أمر مسعود بإعلان هذه المنحة ونشرها فى جميع مدن خراسان، وقد ثبت أنها كانت سلاحا دعائيا قيما فى انتزاعه السلطنة من أخيه محمد فى ذلك العام.
واحتفظ العباسيون بحقهم فى منح الألقاب فى العالم السنى لزمن طويل، وكان الخليفة شخصيا هو الذى يمنح اللقب، وصاروا يلتزمون بكل دقة بالصيغة التى منحها الخليفة، ويقول الكاتب المملوكى ابن فضل اللَّه العمرى. إن القاعدة التى لم يكن يسمح بمخالفتها فى العصور القديمة أنه لا يجوز أن يخاطب أى ملك بغير الألقاب التى منحها له ديوان الخليفة "بالنص من غير زيادة ولا نقص". ومن هذا المنطق كان اتخاذ أى لقب من غير إجازة الخليفة يعد عيبا فى الذات ويعد كأنه تمرد "ضد الخليفة أو الملك، ونضرب مثلا لذلك ما حدث فى خراسان فى أواخر القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى عندما ثار أبو على السيمجورى Simdjuri القائد العسكرى السامانى على مولاه نوح ابن منصور واستولى على خراج خراسان وتلقب بأمير الأمراء المؤيد من السماء.
стр. 8701
ولما كانت الألقاب ومظاهر التشريف تعطى حاملها وضعا ومقاما خاصين، فقد كان من الطبيعى أن ينتظر العباسيون مقابلا لها خاصة فى فترة الفقر المدقع التى مرت بهم فى بداية القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى، وصارت تلك التجارة فى مظاهر التشريف فى مقابل الهدايا أهم شئ عندهم خاصة فى زمان بنى بويه عندما آل بهم الحال إلى أن صاروا فى عيشة ضنكا عالة على بنى بويه. وبمضى الزمن صار لهذه المنح ما يشبه التسعيرة المحددة، وقد ذكر البيهقى فى كتاب تاريخى مسعودى Torikh-i Masudi صفحة ٢٩٣ بالتفصيل المناقشة التى دارت فى بلاط مسعود الغزنوى عام ٤٢٢ هـ/ ١٠٣١ م حول الهدايا المطلوب إرسالها إلى الخليفة الجديد القائم بأمر اللَّه الذى كان السلطان ينتظر منه أن يقره على ملكه ويمنحه المزيد من الألقاب ومظاهر النبل، وقد دارت معظم هذه المناقشة حول الرسم المعتاد فى مثل هذه الأحوال.
كان لزاما، والأمر هكذا، أن ترتفع أصوات تعترض على هذا التفريط [. . . . .] (*) فى منح الألقاب ومظاهر التشريف الذى أدى إلى انخفاض قيمتها.
كما كتب هلال الصابئ (المتوفى عام ٤٤٨ هـ/ ١٠٥٦ م) فقرة طويلة فى كتابه "كتاب الوزراء تحقيق عبد الستار فرج، القاهرة ١٩٥٨ صفحة ١٦٦ وما بعدها يندب فيه التغير الذى حدث فى الفترة بين الوزيرين ابن الفرات وعلىّ بن عيسى (الذى رفض منح أحد النواب لقبا أكثر من الدعاء البسيط "شرفه اللَّه" بالرغم من تعرضه للتهديد بسبب عناده)، وكذلك فى الفترة بين الوزيرين عضد الدولة وصمصام الدولة والحالة التى آل إليها الوضع فى أيامه.
وكان مدار شكواه استحالة التمييز الاجتماعى والوظيفى إذا فقدت الألقاب معناها الحقيقى وكانت النتيجة التى وصل إليها أن المناصب الرسمية قد فقدت منزلتها عندما أصبحت كلها فى مستوى واحد ورخصت عندما تساوت، ولم تعد تمثل أى مجد يثير الإعجاب أو امتياز يستحق المكافأة، ولقد سمعت
стр. 8702
مولانا الخليفة القائم بأمر اللَّه، أطال اللَّه عهده، يقول إنه لم يعد هناك لقب يمنح لمن يستحق.
كما لاحظ البيرونى، الذى عاصر هلالا أنه عندما بدأ العباسيون فى مكافأة خواصهم بألقاب "الدولة" التى لا معنى لها والتى وصلت إلى ثلاثة ألقاب فى بعض الحالات انهارت دولتهم وهكذا صار الأمر منافيا للعقل وثقيل الظل إلى أقصى درجة، فمن أراد ذكر هذه الألقاب يتعب قبل أن يبدأ ومن أراد أن يكتبها يضيع وقته وكتابته، ومن أراد أن يخاطبهم بها ربما ضاعت عليه الصلاة. وفى نهاية القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى، كان انخفاض قيمة الألقاب قد سار إلى مدى أبعد فى الشرق الإسلامى، حتى أن الوزير السلجوقى نظام الملك اعترض على ذلك فى الباب الذى كتبه عن الألقاب فى كتابه سياسة نامة حيث قال: لقد كثرت الألقاب، وما زاد عدده نقصت قيمته ومنزلته" ويقول "فى أيامنا، يغضب أصغر رجل من رجال الدولة ويسخط إذا لم يمنح سبعة ألقاب أو عشرة". ويشجب بصفة خاصة الخلط بين ألقاب "الدولة" التى كانت مخصصة للقادة العسكريين والأتراك وألقاب "الملك" والألقاب الأخرى التى كانت تمنح للوزراء والنواب وباقى رجال الدولة المدنيين والدينيين، حتى وصل الحال إلى منح لقب تاج الدين أو معين الدين لضابط تركى أمى طاغية وجاهل بالشريعة جهلا تاما. ويقول أن الفترة التى فتحت فيها المملكة السلجوقية الباب على مصراعيه لمنح الألقاب المتنافرة بغير تمييز كانت بعد وفاة ألب أرسلان (أى بعد عام ٤٦٥ هـ/ ١٠٧٢ م).
٣ - الغرب الإسلامى: كان ما ذكرناه حتى الآن يتعلق بالبلاد الإسلامية الوسطى والشرقية. أى مصر والبلاد التى تقع شرقها. أما فى الغرب الإسلامى فقد اتخذت الألقاب مسارًا مختلفًا فكان استخدامها أقل حيث كان ينظر إلى استخدام الأسماء والألقاب المعقدة والمنمقة على أنه من المظهريات
стр. 8703
الفارسية العقيمة، لهذا كان التعبير "ألقاب مشرقية" يتردد كتعبير عن الازدراء، لهذه الألقاب فى كتابات المؤلفين المغربيين أمثال المقرى والرحالة على بن ميمون الإدريسى الذى زار مصر وسوريا قبل الغزو العثمانى مباشرة، وكان عنيفا فى مقالته: بيان غربة الإسلام بواسطة صنفى المتفقهة والمتفقرة من أهل مصر والشام وما يليها من بلاد العجم، (كتبه عام ٩١٦ هـ/ ١٥١٠ م) فى هجومه على العلماء لحملهم ألقابا مثل شمس الدين وزين الدين مفضلينها على الأسماء السنية مثل محمد وعمر، ولإصرارهم على استخدامها فى التخاطب معهم، ووصف ذلك بأنه بدعة.
أطلق الأشراف الأدارسة من أهل مراكش الذين يدعون أنهم من ذرية على (كرم اللَّه وجهه) على أنفسهم لقب "الإمام"، أما الخوارج الرُّستميين من أهل تاهرت فلم يكتفوا بلقب الإمام على بل أضافوا إليه لقب الخليفة وأمير المؤمنين، ومن الواضح أن هاتين الطائفتين قد رفضتا الاعتراف بالحكم العباسى، أما أغلبية أهل أفريقية، الذى كانوا على صلة ببغداد من الناحية النظرية على الأقل، فإنهم لم يعطوا لأنفسهم هذه الحرية فى أمر الألقاب، إلا أن ظهور الدعوة الفاطمية فى شمال إفريقيا فى بداية القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى صاحبها ظهور ألقاب ذات طابع دينى تختلف تمامًا فى تركيبها ومعانيها عن الاتجاه العباسى، ولاشك أن هذا الاتجاه الجديد كان له وقعه فى الأندلس، إذ لم يكن أمام الحكم الأموى فى الأندلس، الذى كان يدافع عن وجوده على المستويين الثقافى والفكرى ضد العباسيين فى بغداد والشيعة الفاطميين الذين يظهرون له العداء، إلا أن يهتم بالقيمة الدعائية السياسية والدينية للألقاب. فأطلق عبد الرحمن الثالث، أعظم ملوك الأمويين الأندلسيين، على نفسه لقب الناصر لدين اللَّه بعد انتصاره على ابن حفصون عام ٣١٥ هـ/ ٩٢٧ م بالإضافة إلى لقبى الخليفة وأمير المؤمنين، وبذلك وضع نفسه فى المسار التقليدى العباسى فى
стр. 8704
اتخاذ الخلفاء لألقاب ذات طابع دينى. وسار خلفاؤه على نهجه حتى نهاية الأسرة عام ٤٢٢ هـ - ١٠٣١ م، فأطلق هشام الثانى على نفسه لقب المؤيد وأطلق سليمان على نفسه لقب المستعين. . . إلخ، وكذلك فعل بنو حماد، كما سار أيضًا ملوك الطوائف الذين حكموا فى فترة الاضطراب والتفكك فى منتصف القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى على نفس المنوال ولكن مع الفارق الكبير بين واقع حالهم وفخامة ألقابهم مما دعا معاصريهم إلى هجائهم والسخرية منهم، ويذكر ابن خلدون فى موضعين من مقدمته بيتين لابن رشيق يسخر فيهما من هذه الحال.
إلا أن ديوان الإنشاء المملوكى فى مصر كان يخاطبهم فى المراسلات الرسمية بلقب "صاحب حمراء غرناطة" إلا أن بعض الحكام من بنى نصر أطلقوا على أنفسهم ألقابًا من النمط الدينى المعتاد، فأطلق محمد الأول مؤسس الأسرة على نفسه لقب الغالب باللَّه، كما أطلق محمد الخامس على نفسه لقب الغنى باللَّه بعد عودته منصور، من حملة على قشتالة.
وكان الحكام المسلمون فى الأندلس أكثر حرصًا فى منحهم الألقاب لمعاونيهم ووزرائهم وقادة الجيوش من نظرائهم فى الشرق، فنجد أن ابن أبى عامر منح لقب المنصور بعد عودته من معركته مع ليون Leon عام ٣٧١ هـ/ ٩٨١ م كما لقب ابنه عبد الملك بالمظفر. كما أن هناك عدة حالات فردية نذكر منها لقب ذى السيفين الذى أطلقه الحكم الثانى عام ٣٦٣ هـ/ ٩٧٤ م على القائد غالب بعد عودته من حملته المنصورة فى المغرب، ولقب بذى الوزارتين الذى منح عام ٣٦٧ هـ/ ٩٧٨ م لكل من غالب وابن أبى عامر ولم يحمله قبل ذلك إلا القائد الذى تولى الدفاع عن حدود الأندلس ضد المسيحيين. وبعد ثلاثة قرون، تمتع ابن الخطيب. الوزير العظيم لبنى نصر فى غرناطة بحمل لقبى لسان الدين وذى الوزارتين.
стр. 8705
ظل شمال إفريقيا لزمن أطول مخلصا لمثاليات المساواة المتشددة التى هى الصورة الأولى للإسلام فى رفضه للألقاب الفخمة، وذلك بعد انتهاء دولة الفاطميين الإسماعيليين وسيطرة المذهب المالكى المعتدل على يد المرابطين، وكان المرابطون، فى البداية يعترفون بالحكم العباسى، ولكنهم تأكيدا لسلطتهم على شمال إفريقيا، أطلقوا على أنفسهم لقب أمير المسلمين، ولا يعرف أحد إن كان من تلقاء أنفسهم أو بموافقة بغداد، وهكذا نشأ من سماه فان برشم Van Berchem " بالخلافة الفرعية"، حيث يعترف حكامها بسلطة أعلى من سلطتهم وبالتالى لم يتخذوا ألقابًا تدل على استقلالهم الكامل وعدم اعترافهم بسلطة أعلى. ثم جاء الموحدون إلى الحكم فى منتصف القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى على موجة من الحماس الدينى وتحت قيادة قائد عظيم هو المهدى محمد بن تومرت الذى أعاد استخدام الألقاب التى سبق أن استخدمها الفاطميون فى المغرب قبل ذلك بقرنين من الزمان. وفى حياة ابن تومرت، لقّب نائبه عبد المؤمن خليفة المهدى وأمير المؤمنين بمعنى المؤمنين من أتباع المهدى، وعندما توفى ابن تومرت صار عبد المؤمن إمام الجماعة وتلقب بالقائم بأمر اللَّه، ومنذ عهد أبى يوسف يعقوب المنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ/ ١١٨٤ - ١١٩٩ م) حمل سلاطين الموحدين ألقابا تحمل الطابع الدينى المألوف.
هكذا كان نمط الألقاب فى الدول الثلاث التى خلفت الوحدين فى المغرب والأندلس وهى دولة بنى نصر فى غرناطة والمرينيين فى مراكش والحفصيين فى إفريقيا. وينتسب الحفصيون إلى الشيخ أبى حفص عمر، صديق المهدى بن تومرت ونصيره المشهور، وأطلق الحفصيون على أنفسهم لقب الموحدين (وقد اعترف ديوان الإنشاء المملوكى فى القاهرة بهذا اللقب فكان يخاطبهم بلقب زعيم الوحدين وقدوة الوحدين) وكان إعلان أبى عبد اللَّه محمد (٦٤٧ - ٦٧٥ هـ/ ١٢٤٩ - ١٢٧٧ م) ثانى حكام الحفصيين للخلافة عام
стр. 8706
٦٥٠ هـ/ ١٢٥٣ م أهم عامل فى اختيار نمط الألقاب لديهم فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى فقد دعم أنصارهم دعوى الخلافة بنسبتهم إلى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه (وكنيته أبو حفص) حتى أنهم كانوا يطلقون على أنفسهم أبناء الخلفاء الأمراء الراشدين، بالإضافة إلى اعتراف شريف مكة والمماليك فى مصر بهم وذلك فى الفترة التى انقضت بين القضاء على الخلافة العباسية فى بغداد على أيدى التتار وإحيائها مرة أخرى فى القاهرة. ومن ثم كان اتخاذ الحفصيين للقب أمير المؤمنين الخاص بالخلافة "بالرغم من أن أندادهم المماليك لم يسمحوا لهم إلا بلقب الخلافة الفرعية" أمير المسلمين، وكذلك الألقاب الدينية التى كان العباسيون يستخدمونها، (كان المستنصر والمتوكل بصفة خاصة من الألقاب المحبوبة عندهم) لإثبات دعوى الخلافة لهم واستمرار الألقاب العباسية فيهم.
ونلاحظ أيضا أن الحفصيين، الذين كانوا يخوضون صراعات عنيفة مع القوى المسيحية مثل اسبانيا وفرنسا، كما كانوا يبحثون عن موضع قدم فى شمال إفريقيا، اختاروا ألقابا تعكس دورهم كقادة جهاد، مثل المجاهد فى سبيل اللَّه كما سمحوا بمخاطبتهم بألقاب تدل على الاحترام مثل المقام العالى أو الأعلى والحضرة العلية، (ظل هذا اللقب يطلق على باى تونس كبديل لصاحب الجلالة المستخدم فى أوروبا حتى إعلان الجمهورية).
ظل المرينيون لزمن طويل معترفين بسيادة دولة الحفصيين التى كانت قد سبقتهم فى الوجود، لهذا اكتفوا (هم وجيرانهم بنو عبد الواد أو الزيانيون فى تلمسان) باستخدام لقب أمير المسلمين بدلا من أمير المؤمنين، وكذلك حمل كثير من السلاطين المرينيين ألقابا دينية مثل الحفصيين، إلا أن هناك سلاطين حملوا اللقب الأعلى أمير المؤمنين لفترات قصيرة، ففى عام ٧٠٨ هـ/ ١٣٠٨ م، ولمدة تسعة شهور، سك أبو الربيع سليمان هذا اللقب على العملة التى أصدرها بالإضافة إلى اسم حليفه محمد الثالث كنوع من التحدى
стр. 8707
للحفصيين. كذلك استخدم أبو عنان فارس المتوكل (٧٤٩ - ٧٥٩ هـ/ ١٣٤٨ - ١٣٥٩ م) هذا اللقب كوسيلة لتثبيت عزل والده على الذى كان يلقب نفسه فى الوثائق الرسمية أمير المؤمنين وقائد الموحدين (وأيضا بقية السلف الكريم فى تلميح إلى ادعاء المرينيين البربر لنسب عربى).
فى الوقت الذى ضعف فيه المرينيون وأقرباؤهم الوطاسيون، وصل الأشراف السعديون فى جنوب مراكش إلى الحكم فى العقود الأولى من القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى على موجة من الحماس للتخلص من النفوذ التركى الجزائرى وإشعال الروح الفدائية الإسلامية للجهاد ضد البرتغاليين الذين اعتدوا على الأراضى الساحلية لمراكش، لهذا لم يكن غريبا فى مثل هذا الجو الملئ بالحماس الدينى وانتظار الناس لمن يدافع عن المسلمين أن يتخذ محمد (المتوفى عام ٩٢٤ هـ/ ١٥١٧ - ١٥١٨ م) أول حكام الأشراف فى سوس لقبى المهدى والقائم بأمر اللَّه، وكذلك اتخذ عدد من خلفائه ألقابا ذات طابع دينى مشابه مثل محمد المتوكل واحمد المنصور. . الخ. وجدير بالملاحظة أن صيغتى الخطاب المميزتين اللتين استخدمهما السلاطين السعديون وخلفاؤهم العلويون وهما مولاى وسيدى، كما استخدمهما أيضا فى المغرب أكابر القوم من الأمراء والعلماء، وكان بنونصر يستخدمون كلمة مولاى فى القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى وكان المسيحيون فى الأندلس يشيرون إلى حاكم غرناطة بكلمة مُولِى Muley فى القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى، فى حين استخدم الحفصيون مولانا وسيدنا فى وثائقهم الرسمية. وقد ظهر تعبير مولاى بين الحفصيين خلال القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى ولكنه لم يظهر فى المصادر المسيحية إلا فى عام ١٣٩١ م فى وثيقة باللاتينية حيث ذكر فيها مولى بولابس Muley Bolabes وهو أبو العباس أحمد الثانى المستنصر.
стр. 8708
٤ - فترة ما بعد الخلافة . مع إحكام قبضة الحكم التركى والكردى على البلاد الإسلامية الوسطى والشرقية منذ القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى فصاعدًا. زادت الألقاب الملكية والحربية والوزارية تعقيدا وتعظيما، وبعد انتهاء الخلافة فى بغداد وإنشاء المماليك لخلافة عباسية وصية فى القاهرة، صار منح الألقاب مسئولية ديوان الإنشاء المملوكى، مما أكسبه خبرة كبيرة فى هذه الأمور، وكان الترتيب الصحيح وعدد المكونات المختلفة فى ألقاب الحكام وكبار رجال الدولة أمرا حيويا فى الرسائل والاستخدامات الرسمية. وكانت الكتابات المختلفة التى يحررها كتاب الإنشاء والموظفون، والتى ترجع إلى عهد الفاطميين، ازدهرت فى عهد المماليك حتى صارت حضارة وثائقية عظيمة، تخصص مساحات كبيرة لصيغ الخطاب والألقاب، وفى أقدم هذه الكتابات وهو كتاب صبح الأعشى للقلقشندى، خصص الباب الأول من المقالة الثالثة للأسماء بجميع أنواعها ولكن مع التركيز على الألقاب التى بدأها المؤلف من بداية الإسلام إلى زمانه وهو القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى. وقد ذكر القلقشندى عدة قوائم للألقاب، منها ما سماه ألقاب محدثة مثل النائب والساقى والمشرف والأوجقى وأستاذ الدابى والبندقدار والدوادار. . . الخ. وهذه الألقاب تدل على وظائف وليست ألقابا شرفية بالمعنى الذى نتحدث عنه.
ما يهمنا أكثر هو الصفحات العديدة التى كتبها القلقشندى عن بروتوكول المخاطبة الصحيحة ابتداء من مخاطبة الخليفة أو السلطان فنازلا مؤكدا على فروق دقيقة ورقيقة، فمثلا المجلس السامن (بياء مشددة) أعلى من المجلس السامى (بياء غير مشددة)، وكذلك المجلس القضائى أعلى من المجلس القاضى والمجلس القاضى والمجلس القضاوى أعلى منهما، وحتى الحكام والوجهاء من غير المسلمين لم يبخسوا حقهم فى الألقاب وإن كان على مستوى أقل بالطبع من الألقاب التى تمنح لنظرائهم من المسلمين، فقد كان لديوان
стр. 8709
الإنشاء دائرة من الاتصالات السياسية تشمل الكثير من القوى غير الإسلامية من الإمبراطورية البيزنطية المسيحية واللاتينيين غرب البحر المتوسط إلى الحكام الأتراك والمغول الذين كانوا لا يزالون وثنيين، ونذكر على سبيل المثال الألقاب التى كانت تستخدم فى مخاطبة دوق البندقية: الدوق الجليل المكزم المبجل الموقر البطل الهمام الضرغام الغضنفر الخطير مجد الملة النصرانية فخر العيسوية عماد بنى المعمودية معز بابا رومية صديق الملوك والسلاطين. وإذا كانت هذه الألقاب تستخدم مع غير المسلمين، فإننا نستطيع أن نتصور فخامة الألقاب الخاصة بالمسلمين.
لا نستطيع أن نذكر هنا إلا بعض السمات البارزة لألقاب التشريف الأيوبية والمملوكية حيث إن الوثائق المتاحة غنية بالمعلومات حتى أنه يمكن إجراء دراسة كاملة عن هذا الموضوع.
حمل سلاطين، الدولة الأيوبية، والمماليك من بعدهم، ألقابا من نوع الألقاب التى تضم كلمتى "الدنيا والدين"، وكانت هذه الألقاب تكتب فى الكتابات والوثائق الرسمية، وكانت هناك صيغ أقصر فى "الدين" فقط للاستخدام الأقل رسمية. وتميز الأيوبيون باستخدام ألقاب مركبة فيها "الملك" بالإضافة إلى مديح (مثل الملك الكامل، الملك المعظم) وذلك ابتداء من صلاح الدين الذى منحه الخليفة الفاطمى العاضد لقب الملك الناصر عندما عينه وزيرا عام ٥٦٤ هـ/ ١١٥٩ م خلفا لشيركوه. وقد عرفت هذه الألقاب فى الخلافة الفاطمية. وفى عام ٥٣١ هـ/ ١١٣٧ م حمل رضوان الولكشى وزير الخليفة الحافظ لقبى السيد الأجل والملك الأفضل، كما وصف النقش الذى على خان العقبة جنوب شرق بحيرة طبرية مؤسس الخان عز الدين أيبك، بالملكى المعظمى "أى له صلة بالملك المعظم" وهو شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين الذى كان نائبا لوالده على دمشق فى ذلك الوقت (٦١٠ هـ/ ١٢١٣ - ١٤ م) ولم يعلن أميرا أيوبيا بعد، مما يدل على أن هذه الألقاب لم تكن قاصرة فى العصر الأيوبى على الأمراء الحكام فقط.
стр. 8710
انتقلت هذه النوعية من الألقاب من الدولة الأيوبية إلى دولة المماليك حيث استخدمها السلاطين مثل لقب الملك المعز لأيبك والملك القاهر ثم الظاهر لبيبرس. كما أطلقها الأمراء والنواب الثوار على أنفسهم، فقد أطلق علم الدين سنجر الحلبى بعد اغتيال قطز عام ٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م على نفسه لقب الملك المجاهد. وانتقل هذا التقليد إلى الدول المرتبطة بالأيوبيين والمماليك أو المتأثرة بهم حضاريا مثل الرسوليين فى اليمن الذين حمل ملوكهم ابتداء من الملك المنصور نور الدين عمر عام ٦٢٦ هـ/ ١٢٢٩ م ألقابا من هذا النوع.
كانت ألقاب الحكام المماليك وأمرائهم معقدة بصفة خاصة، فانتشر استخدام لقب السلطان الذى كان معروفا منذ الدولة الأيوبية، كما حمل كل سلطان منهم لقبا من الطراز الأيوبى الذى فيه الملك والدنيا والدين.
ولكن لأنهم كانوا فى الأصل مماليك عسكريين، فقد حمل سلاطينهم وأمراؤهم أنسابا خاصة تتعلق بأصلهم العرقى أو المحلى أو تدريبهم المهنى الأول أو أسر السادة الذين كانوا يتبعونهم، فمثلا كانت نسبة السلطان برقوق اليلبغاوى لأنه كان مملوكا للقائد يلبغا العمرى، وكانت نسبة بيبرس الصالحى نسبة إلى سيده الأول الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان القائد حسام الدين أُزْدِمُر يسمى المُجيدى نسبة إلى النخاس الذى باعه، وكان كلٌّ من السلطان قلاوون والأمير شمس الدين سنقر يسمى الألفى لأن كلا منهما دفع فيه ألف دينار، ولم تعتبر هذه الألقاب محطة من قدر صاحبها إطلاقا، بل كانت مبعث فخر لأصحابها بحيث يمكن اعتبارها ألقابا شرفية.
يمكن اعتبار بعض الألقاب التى كان يحملها بعض سلاطين المماليك الأوائل "شبه إقليمية" أو "شبه عرقية" وهى الألقاب التى يعبر فيها الحاكم عن سيادته على مناطق معينة أو شعوب معينة أو كليهما، فقد كان لقب الملك الصالح نجم الدين أيوب شهريار الشام
стр. 8711
سلطان العرب والعجم صاحب الحرمين الشريفين ملك البرين والبحرين ملك الهند والسند واليمن ملك صنعاء وزبيد وعدن سيد ملوك العرب والعجم سلطان المشرق والمغرب، وفى بعض الكتابات عن بيبرس وقلاوون نجد الزعامة على العرب والعجم تمتد إلى الترك وحتى الديلم.
من السمات الواضحة لعصر المماليك الجو السنى المتشدد وذلك بعد انتقال الخلافة العباسية إلى القاهرة وصار حكام المماليك هم المدافعون عن الإسلام. وقد ظهر هذا التشدد فى سياسة المماليك الخارجية ضد المعتدين على دار الإسلام مثل التتار والفرنجة والأرمن المسيحيين، كما ظهر فى سياستهم الداخلية فى قمع طوائف الشيعة مثل النصيرية والاسماعيلية.
وفى هذا الجو الدينى الحماسى، علا شأن الجهاد، ومن ثم كانت كثرة الألقاب مثل المجاهد والمثاغر والمرابط والغازى والمغازى. . . الخ. وكانت هذه الألقاب قد ظهرت من قبل فى الدولة السلجوقية والأتابكية والفاطمية كرد فعل للحملات الصليبية (وصف البوريد أتابك طغتكن بالمجاهد فى نقش فى دمشق منذ عام ٥٢٤ هـ/ ١١٣٠ م وكذلك وصف عز الدين أيبك فى نقوش خان العقبة). ربما كان قرب الخلافة والجو الدينى الحماسى السائد سببا فى انتشار نوع من الألقاب كان معروفا من قبل، وهى الألقاب المركبة التى تحتوى على لقب الخليفة أو السلطان وتعبر عن التبعية التامة للحاكم الأعلى أو التمتع بعطفه أو تأييده وإعزاز الدين. ومن أمثلة ذلك ما أطلقه صلاح الدين على نفسه من ألقاب بعد اعتراف الخليفة العباسى به ملكا إذ أطلق على نفسه لقب خليل أمير المؤمنين ومجموعة أخرى من الألقاب من هذا النوع مثل ثقة أمير المؤمنين وعمدة الملوك والسلاطين ونصرة الإسلام والمسلمين. . الخ، وكانت الألقاب التى تتضمن لقب الخليفة أمير المؤمنين تعتبر بالطبع الأعلى. ويعتبر قسيم أمير المؤمنين أعلى الألقاب ولا يحمله إلا أبناء السلطان أو فى
стр. 8712
المراسلات الموجهة إلى بعض أصحاب المقام العالى من أمراء المسلمين، كما كان عضد أمير المؤمنين أعلى لقب يمنح لنواب السلطان، أما ولى أمير المؤمنين فيمنح لكبار رجال الدولة وعلماء الدين والرتب الأعلى من رتبة صفى أو صفوة أمير المؤمنين.
وكانت الألقاب المكانية، كما أطلق عليها البابحث حسن الباشا، تستخدم فى التخاطب مع العظماء أو الإشارة إليهم كنوع من إظهار الاحترام والتواضع، وكانت تستخدم فى العصر الذهبى للعباسيين، ففى وزارة ابن الفرات ظهر أسلوب الإشارة إلى الخليفة بكلمة الخدمة بمعنى الواجب خدمته. ويقول هلال الصابئ إن ما كان فى البداية "قربة" سرعان ما صار "سنة" إجبارية، وفى العصر العباسى المتأخر نجد أن الخلفاء كان يشار إليهم فى الرسائل بألقاب مثل الجانب الشريف، أو المواقف الشريفة أو مقام الرحمة. . . الخ. ومن الواضح أن كلمة الحضرة التى كانت مستخدمة فى الدولتين البويهية والسلجوقية كانت مقدمة لهذه التعبيرات، وإن كان استخدام كلمة الحضرة هبط فى العصر المملوكى من صيغة تناسب الخليفة مثل الحضرة السامية إلى صيغة يخاطب بها رجال الدولة والحكام الأجانب من غير المسلمين وبطريرك الأقباط فى مصر. وقد انتشر استعمال هذه الألقاب التى تدل على "المكانة" انتشارا كبيرا فى العصرين الأيوبى والمملوكى، وفى نفس هذه الفترة هبط استخدام تعبير "المجلس" من مستوى الملك إلى كبار رجال الدولة، وفى زمان القلقشندى كان يعتبر لقبا "الرجال السيف والقلم" ولكن فى مستوى أقل من "جناب" لهذا مال الحكام فى نهاية العصر الأيوبى إلى استخدام صيغا مثل المقام العالى أو المقام الأشرف بدلا من المجلس. واستمر هذا الاستخدام فى عصر المماليك حتى إن ابن شيث، مثلا يقول فى كتابه "معالم الكتابة" إن المقام والمقر هما أعلى الألقاب فى زمانه وأنهما قاصران على الملوك.
٥ - فترة الإمبراطوريات العظمى:
استمر استخدام ألقاب التشريف فى الإمبراطوريات العظمى التى ظهرت فى
стр. 8713
أواخر العصور الوسطى الإسلامية، ونقصد بذلك السلاطين المسلمين الهنود والصفويين والعثمانيين واستمر إلى العصور الحديثة.
سار ملوك المماليك الهنود فى دلهى، وهم أول الأسر الحاكمة المسلمة التى استقرت فى سهول الهند الشمالية، وخلفاؤهم على نفس نمط الألقاب الذى وضعه سادتهم الأصليون وهم الغوريون الأفغان والذين كانوا متبعين بدورهم للنظام الذى كان فى الدولة الغزنوية التى قضوا عليها فى أواخر القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى. وسار مماليك الهنود، وهم أساسا القادة العسكريون الأتراك الذين كانوا فى خدمة السلطان الغورى شهاب الدين أو معز الدين محمد (المتوفى عام ٦٠٢ هـ/ ١٢٠٦ م) على نهج سادتهم الأوائل فى تفضيل الألقاب التى فيها كلمة الدين، ومن ثم كان قطب الدين أيبك وشمس الدين التُّتمش. . . الخ، ولكن كانت هناك تنويعات وتعقيدات مختلفة. . فوصف أيبك فى النقوش التى فى مسجد قوات الإسلام فى دلهى بأنه طب الدولة والدين أمير الأمراء، فى حين يذكر الجوزجانى لقب التُّتمش الكامل فيقول شمس الدنيا والدين. . وقد تخيل كثير من ملوك هذه الفترة، منتشين بانتصاراتهم العسكرية الباهرة، أنهم خلفاء الإسكندر الأكبر، فوصف معز الدين محمد الغورى فى نقش على منارة القطب (قطب منار) بأنه الإسكندر الثانى، وهو لقب قلده فيه علاء الدين محمد شاه خلجى ملك دلهى (٧١٥ - ٩٦٥ هـ/ ١٢٩٦ - ١٣١٦ م) مع شئ من التغيير فجعله اسكندر الزمان وسكه على نقوده، ويدل نقش على مسجد هانسى، المدى الجغرافى والعرقى الذى امتدت إليه الإمبراطورية التى حكمها هؤلاء القادة الأتراك، وذلك بوصف الملك التتمش باللقب الذى أطلقه على نفسه فى الفترة الأخيرة من حكمه بأنه مولى ملوك الترك والعجم، فى حين كان يلقب نفسه فى بادئ الأمر بلقب مولى ملوك العرب والعجم (مسجل على مبنى قطب منار).
стр. 8714
وكما كان الحال مع الأسر الحاكمة التركية فى الشرق الإسلامى. سعى الحكام الهنود المسلمون إلى تثبيت حكمهم بإظهار الولاء للخلفاء العباسيين (الذين كانوا بعد عام ٦٥٩ هـ/ ١٢٦١ م مجرد دمى تحت سيطرة المماليك فى مصر).
فكان التتمش يلقب نفسه بنصير أو ناصر أمير المؤمنين فى العقود الأخيرة فى حياة الدولة العباسية المستقلة فى بغداد، ولكنه أطلق على نفسه، فى مناسبة واحدة على الأقل، لقب قسيم أمير المؤمنين، وهو اللقب الذى كان الغوريون يفضلونه لإعلان ولائهم لبغداد. وفى نهاية القرن لقب غياث الدين بلبن (٦٦٤ - ٦٨٦ هـ/ ١٢٦٦ م - ١٢٨٧ م) نفسه يمين خليفة اللَّه بالإضافة إلى نصير أمير المؤمنين.
نقل المغول، وهم الحكام الأتراك- المغول الذين خلفوا الحكام الهنود المسلمين الأتراك والأفغان، إلى الهند التقاليد التيمورية فى استخدام منح الألقاب ومظاهر التشريف الأخرى فى تقوية ولاء قادتهم الأتراك وللتغلب على الجماعات الأخرى مثل الزعماء الأفغان العظام، ويقول بابر Babur إن الأمراء المقربين فى الهند كانوا يمنحون ألقابا دائمة مثل أعظم همايون وخان جهان وخان خانان. . وقد اتبع همايون بن بابر سياسة حذرة فى منح الألقاب المناسبة للخدمات التى قدمت أو المنتظرة، وتبعا لهذه السياسة، منح لقب أمير الأمراء، وهو أعلى الألقاب لأمير هندو بك Amir Hindu beg، وهو قائد كبير من قادة بابر قاد معركة فى بانيبت Panipat عام ٩٣٢ هـ/ ١٥٢٦ م وبالإضافة إلى اللقب منح حق الجلوس مع الإمبراطور فى اجتماعات البلاط الرسمية، وكان ترتيب الألقاب (تنازليا) فى عهد اللوديين Lodis، وهم الذين حكموا الهند قبل بابر مباشرة، ملك ثم أمير ثم خان، وخلال القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى بطل استخدام لقب ملك كما نقص قدر لقب بك الذى كان محترما فى عهد أول حاكمين من حكام المغول المسلمين وارتفع قدر لقب خان بحيث
стр. 8715
صار لقب بجلربج Beglarbegi فى عهد الملك أكبر أقل من لقب خان خانان Khan-i Khanan الذى صار أعلى الألقاب وكان يحمله، مثلا، بيرم خان BagramKhan (المتوفى عام ٩٦٨ هـ/ ١٥٦١ م) الأتالق (الحارس الخاص) الشاب للملك أكبر بالإضافة إلى لقب أمير الأمراء، كما كانت هناك ألقاب أخرى مرتبطة بمهام أو وظائف خاصة، فكان لقب آصف خان يمنح للوزراء أو وكلاء الأسرة الحاكمة وبالتالى للفرس بصفة أساسية، بينما كان أكبر يمنح اللقب الهندى راجا ليس فقط لوارثى الإمارة بل أيضا للموظفين الهنود المخلصين مثل سَبَّهَن Sabbahan قائد المدفعية.
مع تقلص القوة السياسية والعسكرية للمغول المسلمين بعد عهد أورنجزيب Awrangzib وتوسع الأباطرة والحكام الاقليميين المسلمين فى منح الألقاب مما أدى إلى انخفاض قيمتها الاجتماعية حتى وصل الحال فى أيامنا إلى أن صارت الألقاب القديمة مثل ميرزا وخان وبك لا تمثل أكثر من كنية.
ونظرا للأساس الشيعى القوى للدولة فى فارس الصفوية، والطبيعة الدينية للحكم فى بداية نظام الشاهان، كان هناك غرام بالأسماء والألقاب التى تعبر عن الحب الشديد أو التبعية للشخصيات المقدسة عند الشيعة مثل على أو ابنيه الحسن والحسين (رضى اللَّه عنهم) أو للحاكم على أساس أنه خليفة اللَّه فى أرضه أو للأئمة. وبعد الصفويين، كان حكام فارس يتسمّون أحيانا بأسماء فيها الكلمة الفارسية بند banda وتعنى "عبد أو تابع"، وعلى سبيل المثال الخاند محمد خداباند أو لجيتُ، وعندما انتقل الحكم إلى الصفويين التركمان، استخدمت الكلمة التركية المناظرة قل Kul مثل على قُلى Ali-Kuli وإمام قلى Iman-Kuli وطهماسْب قلى Tahmasp-Kuli وصفى قلى gali Kuli . . . الخ، وبصفة خاصة مع القادة العسكريين وحكام الأقاليم، فى حين احتفظ الشاه بألقاب ملكية بسيطة، واستخدم بعض السلاطين الشيعة: جنوب الهند الذين كانوا متأثرين تأثرا شديدا بالثقافة الصفوية، الألقاب التى
стр. 8716
فيها قل Kul مثل محمد - قلى ابن إبراهيم (٩٨٨ - ١٠٢٠ هـ/ ١٥٨٠ - ١٦١٢ م) حاكم قطب شاهيس Kutb Shahis فى جلكنده Golkonda
بينما ظل الشاهان متواضعين فى ألقابهم الشخصية تمتع أتباعهم بثروة من الألقاب، ففى بداية الحكم الصفوى، قرب نهاية حكم شاه طهماسب الأول Shah Tahmaspi أطلق لقب اعتماد الدولة على الوزير. وفى كتاب تذكرة الملوك (كتب حوالى ١١٣٧ هـ/ ١٧٢٥ م) معلومات تفصيلية عن هذا المنصب وأيضا عن قرسى باشى Kurci-Bashi (الذى كان فى بداية الحكم الصفوى وقبل إنشاء جيش نظامى يعتبر القائد الأعلى للجيش ويحمل أيضا لقب أمير الأمراء) ويلقب فى الكتاب ركن السلطنة القاهرة، كما يذكر الكتاب أيضا عددا من المناصب الأقل درجة. . ويحمل أصحاب المناصب الأربعة عشر الأولى فى الدولة لقب عالى جاه Ali-sjah, كما كانت مجموعة من المناصب تحمل لقب مقرب الخاقان mukarrab al lhakan (المقرب من الحاكم الأعلى) لقربهم الخاص من التاج، ومناصب أخرى تحمل لقب مقرب الحضرة. وتشمل المجموعة الأولى رئيس خصيان القصر وطبيب القصر (حكيم باشى) ومنجم القصر (منجم - باشى) ومراقب المعايرة (معير الممالك) وكاتم سر الدولة الذى كان يكتب الطغرة tughra الملكية (مُنشى الممالك) وحامل الختم (مهر دار) وحامل الدواة (دوات دار)، وتشتمل المجموعة الثانية، الأقل فى الرتبة، على رؤساء خدم الحريم، والمعاونين (يساوُلان yasawulan)، ورؤساء أقسام القصر الملكى وورشة (بيوتات buyutat) المختلفة بما فيهم رئيس دار الضرب (ضرابى باشى darrabi-bashi) . . . إلخ.
فى عهد القاجار kadjars، قل إطلاق لقب اعتماد الدولة على الوزراء وحل محله اللقب العثمانى الصدر الأعظم كما زادت الألقاب التى فيها الدولة والمملكة والسلطنة. . إلخ. زيادة كبيرة سواء لأمراء الأسرة القاجارية الكثيرين أو لكبار رجال الدولة. وقد أعلن رضا شاه
стр. 8717
بهلوى Rida shah pahlawi الحرب على هذا العدد الكبير من الألقاب الذى امتدت صيغه المعقدة لتصل إلى رؤساء القرى. وعندما كان محمد رضا سردار سِباه sardar sipah فى المجلس الخامس، وقبل إقصائه أسرة قاجار عن العرش، ألغى الألقاب التى تباع لمجرد الإثراء الشجصى للشاه وموظفى البلاط بالرغم من أن هذا الإجراء اعتبر اعتداءً على الامتيازات الملكة. وفى ٢ أغسطس عام ١٩٣٥ م، صدر مرسوم بإلغاء الألقاب وبتحديد التعبيرات التى حلت محلها فى الحياة الاجتماعية، فتغيرت ألقاب الأسرة الحاكمة بحيث أصبح لقب الشاه أعلاى حضرت هُمايون شاهانشاه Ala-yi Hadrat- i Humayun Shahan shahi، وصار كبار الموظفين يخاطبون بكلمة جناب djanab وألغيت الألقاب القديمة مثل أمير وبك وخان وميرزا. . إلخ ولكن بالرغم من احترام هذا المرسوم فى الصحافة والبيانات الرسمية إلا أن الألقاب القديمة ظلت شائعة على الألسن. وعندما دخل نظام اسم الأسرة الغربى إلى إيران، حول البعض الألقاب القديمة التى تعود إلى عهد أسرة قاجار إلى اسم أسرة، وعلى سبيل المثال فإن اسم الدكتور محمد مصدق رئيس وزراء إيران من ١٩٥١ إلى ١٩٥٣ م الأصلى هو لقب مصدق السلطنة، كما كان أصل اسم أحمد قوام رئيس الوزراء عام ١٩٢١ م هو قوام السلطنة.
طورت الإمبراطورية العثمانية، بما فيها من مركزية وبيروقراطية والتى كان لها، منذ نهاية القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى، اتصالات دبلوماسية واسعة سواء مع حكام الأقاليم المسلمين فى الأناضول أو مع القوى التركمانية فى الشرق الإسلامى أو أخيرا مع دول الغرب المسيحية التى تأثرت كثيرا بالتوسع العثمانى، نظاما إداريا معقدا لعبت فيه الألقاب دورا حيويا. وقد خصص فِرِدُن بك Feridun Beg الصفحات الأولى من مجموعة المراسلات الكبيرة التى نشرها لشرح الألقاب المستخدمة فى مخاطبة
стр. 8718
الطبقات المختلفة ابتداء السلطان إلى الموظفين المدنيين والعسكريين ورجال الدين فى أنحاء الإمبراطورية وكذلك الألقاب التى تستخدم فى الاتصالات مع الحكام المستقلين مثل أمراء أراضى ما وراء الدانوب والحكام الأجانب مثل دوقات البندقية. وكذلك خصص ل. فكت L. Fekete بابا فى أحد كتبه لشرح الألقاب المذكورة فى الوثائق الإدارية والدبلوماسية فى القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى، والحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى التى تتعلق بالصلات التى كانت بين الباب والرسميين فى المجر أو بين السلاطين وملوك الدول المسيحية المجاورة.
وكانت ألقاب معاونى السلطان بالطبع أقل زخرفة. وكان آخر صدر أعظم هو داماد فريد باشا (حتى أكتوبر ١٩٢٠ م).
وخلفه أحمد توفيق باشا (حتى نوفمبر ١٩٢٢ م) الذى عمل مع السلطان محمد السادس وحيد الدين وكان للوزير ألقاب أخرى مثل سامى وأصافى وعالى وكان يخاطب بنفس الصيغة التى كان يخاطب بها خديو مصر فى القرن التاسع عشر وهى دِوْلتْلِ فخامِتْل.
كانت أولى المحاولات لترشيد وتحديد النمو العشوائى للألقاب فى فترة التنظيمات فى منتصف القرن التاسع عشر كجزء من إعادة بناء البيروقراطية العثمانية على الأسس الغربية، ولكن كانت النتيجة أن الألقاب التقليدية صارت أكثر بيروقراطية، ويقول رد هاوس فى كتابه Turkish and English lexicon, عن لقب "بك" هو لقب يطلق على أبناء الباشوات وبعض شاغلى الوظائف المدنية العليا وضباط الجيش والبحرية من رتبة كولونيل أو لفتنانت كولونيل أولأى ثرى أو صاحب مكانة مرموقة، وعن لقب باشا يقول إنه يمنح لضباط الجيش والبحرية من رتبة لواء أو أدميرال ويقول فى مادة وزير: موظف مدنى يشغل أعلى منصب فى
стр. 8719
الدولة ويحمل لقب باشا، لهذا نجد فى ترجمة فؤاد باشا أنه كان يشار إليه بلقب أفندى فى جميع الوثائق الرسمية إلى أن تولى الوزارة فى شعبان ١٢٧١ هـ/ مايو ١٩٥٥ م إذ منح لقب باشا بعد ذلك.
من الواضح أن هذا الترتيب البيروقراطى للألقاب الذى تم ضمن "التنظيمات" استمر فى عهد تركيا الفتاة فى بداية القرن العشرين، ولكن كما حدث فى إيران تحت حكم رضا باشا بهلوى، لم يسمح كمال أتاتورك ضمن سياسته العلمانية والإصلاحية باستمرار هذه الألقاب على المستوى الرسمى والشعبى، فألغيت ألقاب أفندى وبك وباشا بالقانون رقم ٢٥٩٠ الصادر ٢٦ نوفمبر ١٩٣٤ م كما منح استخدام الألقاب الدينية مثل حاجى وحافظ وقللا واستخدم لفظا بى Bay وبين Bayan بدلا من بك وهانم للدلالة على "السيد" و"السيدة"، ولكن كما حدث فى إيران. فإن المصطلحات القديمة وعادات الكلام لا تموت بسهولة، ولا زالت الألقاب القديمة على الألسن، باشا للواءات سواء فى الخدمة أو متقاعدين وأفندى للمهنيين وغير المسلمين، أسند للحرفيين والفنانين. . . إلخ، هك Hoca للمدرسين والعلماء ورجال الدين وهكذا.
المصادر: وردت فى المتن.
حسين أحمد عيسى [س. ى. بوسورث C.E.Bosworth]
لقيط الإيادى
لقيط الإيادى. شاعر جاهلى. عمل فى بلاط ملك الساسانيين، وعندما كان فى الحيرة، حذر رجال قبيلته من حملة كان الفرس يعدونها فى قصيدة ولكن لم يستمع الأياديون إلى تحذيره واستمروا فى طريقهم فى مواجهة الفرس فهزموا وتشتتوا، فكتب قصيدة طويلة عينية مطلعها:
يا دارَ عَمْرة من محتلّها الجَرَعا ... هاجت لى الهمّ والأحزان والوجعا
стр. 8720
يحضهم على الحذر واختيار زعيم شجاع لمواجهة أعدائهم.
تختلف الروايات حول هذا الشاعر بشكل يجعل من الصعب تحديد الفترة التى عاشى فيها وإن كان من المرجح أن تكون فى النصف الثانى من القرن السادس الميلادى. كانت قصيدتاه سببا فى خلود اسمه، وفى القرن السادس الهجرى/ ١٢ ميلادى وضع ابن الشجرى قصيدته العينية وهى فى ٥٥ بيتا فى بداية مختاراته، وصار المقطع الذى يصف فيه القائد الحربى المثالى مشهورا. ووصفه زياد بن جندب الإيادى فى بعض أشعاره فى نفس مستوى قسى بن ساعدة مما يعتبر فخرا لقبيلة إياد، كما يصفه معيد خان وهو أحد محررى ديوانه بأنه "الشاعر الوطنى الأول فى الجاهلية".
لا يحتوى ديوان لقيط إلا على قصيدتيه المذكورتين، وهو محفوظ فى عدة مخطوطات فى ورقات قليلة، وقد ترجم إلى الألمانية والإنجليزية.
المصادر:
(١) لقيط بن زرازة: مقدمات الطبعات المختلفة لديوانه.
(٢) ريشر O. Rescher: فهرست المختارات المصورة (١٩٥٤).
حسين أحمد عيسى [ش. بيلاه Ch. Pellat]
لقيط بن زرارة
لقيط بن زرارة بن زيد بن عبد اللَّه ابن الدَّارمى وكنيته أبو نهشل Nahshal, شاعر وسيد من سادات النصف الثانى من القرن السادس الميلادى. ظهر اسمه الأول مرة فى خبر عن اغتيال أخى زوجته سويد بن ربيعة بن زيد لمالك بن المنذر بن ماء السماء (أو أخيه الأصغر). وفى حديثه عن جبل فى الحجاز تسكنه السباع يسمى جبل ترج، ذكر ياقوت يوما مشهورا سماه يوم ترج أسر فيه كميت بن حنظلة لقيطا، ولكن ارتبط اسمه أكثر بيومى الرحرحان وشِعْب جبلة ففى المعركة الأولى أسر معبد بن زرارة سيد دارم فقدم لقيط، وقد صار سيدها بعده، ٢٠٠ جملٍ فدية لأخية، وادعى أن أباه نهى أبناءه عن زيادة الفدية عن ذلك حتى لا يطمع فيهم أعداؤهم. وبالرغم من توسلات أخيه