فيها قل Kul مثل محمد - قلى ابن إبراهيم (٩٨٨ - ١٠٢٠ هـ/ ١٥٨٠ - ١٦١٢ م) حاكم قطب شاهيس Kutb Shahis فى جلكنده Golkonda
بينما ظل الشاهان متواضعين فى ألقابهم الشخصية تمتع أتباعهم بثروة من الألقاب، ففى بداية الحكم الصفوى، قرب نهاية حكم شاه طهماسب الأول Shah Tahmaspi أطلق لقب اعتماد الدولة على الوزير. وفى كتاب تذكرة الملوك (كتب حوالى ١١٣٧ هـ/ ١٧٢٥ م) معلومات تفصيلية عن هذا المنصب وأيضا عن قرسى باشى Kurci-Bashi (الذى كان فى بداية الحكم الصفوى وقبل إنشاء جيش نظامى يعتبر القائد الأعلى للجيش ويحمل أيضا لقب أمير الأمراء) ويلقب فى الكتاب ركن السلطنة القاهرة، كما يذكر الكتاب أيضا عددا من المناصب الأقل درجة. . ويحمل أصحاب المناصب الأربعة عشر الأولى فى الدولة لقب عالى جاه Ali-sjah, كما كانت مجموعة من المناصب تحمل لقب مقرب الخاقان mukarrab al lhakan (المقرب من الحاكم الأعلى) لقربهم الخاص من التاج، ومناصب أخرى تحمل لقب مقرب الحضرة. وتشمل المجموعة الأولى رئيس خصيان القصر وطبيب القصر (حكيم باشى) ومنجم القصر (منجم - باشى) ومراقب المعايرة (معير الممالك) وكاتم سر الدولة الذى كان يكتب الطغرة tughra الملكية (مُنشى الممالك) وحامل الختم (مهر دار) وحامل الدواة (دوات دار)، وتشتمل المجموعة الثانية، الأقل فى الرتبة، على رؤساء خدم الحريم، والمعاونين (يساوُلان yasawulan)، ورؤساء أقسام القصر الملكى وورشة (بيوتات buyutat) المختلفة بما فيهم رئيس دار الضرب (ضرابى باشى darrabi-bashi) . . . إلخ.
فى عهد القاجار kadjars، قل إطلاق لقب اعتماد الدولة على الوزراء وحل محله اللقب العثمانى الصدر الأعظم كما زادت الألقاب التى فيها الدولة والمملكة والسلطنة. . إلخ. زيادة كبيرة سواء لأمراء الأسرة القاجارية الكثيرين أو لكبار رجال الدولة. وقد أعلن رضا شاه
стр. 8717
بهلوى Rida shah pahlawi الحرب على هذا العدد الكبير من الألقاب الذى امتدت صيغه المعقدة لتصل إلى رؤساء القرى. وعندما كان محمد رضا سردار سِباه sardar sipah فى المجلس الخامس، وقبل إقصائه أسرة قاجار عن العرش، ألغى الألقاب التى تباع لمجرد الإثراء الشجصى للشاه وموظفى البلاط بالرغم من أن هذا الإجراء اعتبر اعتداءً على الامتيازات الملكة. وفى ٢ أغسطس عام ١٩٣٥ م، صدر مرسوم بإلغاء الألقاب وبتحديد التعبيرات التى حلت محلها فى الحياة الاجتماعية، فتغيرت ألقاب الأسرة الحاكمة بحيث أصبح لقب الشاه أعلاى حضرت هُمايون شاهانشاه Ala-yi Hadrat- i Humayun Shahan shahi، وصار كبار الموظفين يخاطبون بكلمة جناب djanab وألغيت الألقاب القديمة مثل أمير وبك وخان وميرزا. . إلخ ولكن بالرغم من احترام هذا المرسوم فى الصحافة والبيانات الرسمية إلا أن الألقاب القديمة ظلت شائعة على الألسن. وعندما دخل نظام اسم الأسرة الغربى إلى إيران، حول البعض الألقاب القديمة التى تعود إلى عهد أسرة قاجار إلى اسم أسرة، وعلى سبيل المثال فإن اسم الدكتور محمد مصدق رئيس وزراء إيران من ١٩٥١ إلى ١٩٥٣ م الأصلى هو لقب مصدق السلطنة، كما كان أصل اسم أحمد قوام رئيس الوزراء عام ١٩٢١ م هو قوام السلطنة.
طورت الإمبراطورية العثمانية، بما فيها من مركزية وبيروقراطية والتى كان لها، منذ نهاية القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى، اتصالات دبلوماسية واسعة سواء مع حكام الأقاليم المسلمين فى الأناضول أو مع القوى التركمانية فى الشرق الإسلامى أو أخيرا مع دول الغرب المسيحية التى تأثرت كثيرا بالتوسع العثمانى، نظاما إداريا معقدا لعبت فيه الألقاب دورا حيويا. وقد خصص فِرِدُن بك Feridun Beg الصفحات الأولى من مجموعة المراسلات الكبيرة التى نشرها لشرح الألقاب المستخدمة فى مخاطبة
стр. 8718
الطبقات المختلفة ابتداء السلطان إلى الموظفين المدنيين والعسكريين ورجال الدين فى أنحاء الإمبراطورية وكذلك الألقاب التى تستخدم فى الاتصالات مع الحكام المستقلين مثل أمراء أراضى ما وراء الدانوب والحكام الأجانب مثل دوقات البندقية. وكذلك خصص ل. فكت L. Fekete بابا فى أحد كتبه لشرح الألقاب المذكورة فى الوثائق الإدارية والدبلوماسية فى القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى، والحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى التى تتعلق بالصلات التى كانت بين الباب والرسميين فى المجر أو بين السلاطين وملوك الدول المسيحية المجاورة.
وكانت ألقاب معاونى السلطان بالطبع أقل زخرفة. وكان آخر صدر أعظم هو داماد فريد باشا (حتى أكتوبر ١٩٢٠ م).
وخلفه أحمد توفيق باشا (حتى نوفمبر ١٩٢٢ م) الذى عمل مع السلطان محمد السادس وحيد الدين وكان للوزير ألقاب أخرى مثل سامى وأصافى وعالى وكان يخاطب بنفس الصيغة التى كان يخاطب بها خديو مصر فى القرن التاسع عشر وهى دِوْلتْلِ فخامِتْل.
كانت أولى المحاولات لترشيد وتحديد النمو العشوائى للألقاب فى فترة التنظيمات فى منتصف القرن التاسع عشر كجزء من إعادة بناء البيروقراطية العثمانية على الأسس الغربية، ولكن كانت النتيجة أن الألقاب التقليدية صارت أكثر بيروقراطية، ويقول رد هاوس فى كتابه Turkish and English lexicon, عن لقب "بك" هو لقب يطلق على أبناء الباشوات وبعض شاغلى الوظائف المدنية العليا وضباط الجيش والبحرية من رتبة كولونيل أو لفتنانت كولونيل أولأى ثرى أو صاحب مكانة مرموقة، وعن لقب باشا يقول إنه يمنح لضباط الجيش والبحرية من رتبة لواء أو أدميرال ويقول فى مادة وزير: موظف مدنى يشغل أعلى منصب فى
стр. 8719
الدولة ويحمل لقب باشا، لهذا نجد فى ترجمة فؤاد باشا أنه كان يشار إليه بلقب أفندى فى جميع الوثائق الرسمية إلى أن تولى الوزارة فى شعبان ١٢٧١ هـ/ مايو ١٩٥٥ م إذ منح لقب باشا بعد ذلك.
من الواضح أن هذا الترتيب البيروقراطى للألقاب الذى تم ضمن "التنظيمات" استمر فى عهد تركيا الفتاة فى بداية القرن العشرين، ولكن كما حدث فى إيران تحت حكم رضا باشا بهلوى، لم يسمح كمال أتاتورك ضمن سياسته العلمانية والإصلاحية باستمرار هذه الألقاب على المستوى الرسمى والشعبى، فألغيت ألقاب أفندى وبك وباشا بالقانون رقم ٢٥٩٠ الصادر ٢٦ نوفمبر ١٩٣٤ م كما منح استخدام الألقاب الدينية مثل حاجى وحافظ وقللا واستخدم لفظا بى Bay وبين Bayan بدلا من بك وهانم للدلالة على "السيد" و"السيدة"، ولكن كما حدث فى إيران. فإن المصطلحات القديمة وعادات الكلام لا تموت بسهولة، ولا زالت الألقاب القديمة على الألسن، باشا للواءات سواء فى الخدمة أو متقاعدين وأفندى للمهنيين وغير المسلمين، أسند للحرفيين والفنانين. . . إلخ، هك Hoca للمدرسين والعلماء ورجال الدين وهكذا.
المصادر: وردت فى المتن.
حسين أحمد عيسى [س. ى. بوسورث C.E.Bosworth]
لقيط الإيادى
لقيط الإيادى. شاعر جاهلى. عمل فى بلاط ملك الساسانيين، وعندما كان فى الحيرة، حذر رجال قبيلته من حملة كان الفرس يعدونها فى قصيدة ولكن لم يستمع الأياديون إلى تحذيره واستمروا فى طريقهم فى مواجهة الفرس فهزموا وتشتتوا، فكتب قصيدة طويلة عينية مطلعها:
يا دارَ عَمْرة من محتلّها الجَرَعا ... هاجت لى الهمّ والأحزان والوجعا
стр. 8720
يحضهم على الحذر واختيار زعيم شجاع لمواجهة أعدائهم.
تختلف الروايات حول هذا الشاعر بشكل يجعل من الصعب تحديد الفترة التى عاشى فيها وإن كان من المرجح أن تكون فى النصف الثانى من القرن السادس الميلادى. كانت قصيدتاه سببا فى خلود اسمه، وفى القرن السادس الهجرى/ ١٢ ميلادى وضع ابن الشجرى قصيدته العينية وهى فى ٥٥ بيتا فى بداية مختاراته، وصار المقطع الذى يصف فيه القائد الحربى المثالى مشهورا. ووصفه زياد بن جندب الإيادى فى بعض أشعاره فى نفس مستوى قسى بن ساعدة مما يعتبر فخرا لقبيلة إياد، كما يصفه معيد خان وهو أحد محررى ديوانه بأنه "الشاعر الوطنى الأول فى الجاهلية".
لا يحتوى ديوان لقيط إلا على قصيدتيه المذكورتين، وهو محفوظ فى عدة مخطوطات فى ورقات قليلة، وقد ترجم إلى الألمانية والإنجليزية.
المصادر:
(١) لقيط بن زرازة: مقدمات الطبعات المختلفة لديوانه.
(٢) ريشر O. Rescher: فهرست المختارات المصورة (١٩٥٤).
حسين أحمد عيسى [ش. بيلاه Ch. Pellat]
لقيط بن زرارة
لقيط بن زرارة بن زيد بن عبد اللَّه ابن الدَّارمى وكنيته أبو نهشل Nahshal, شاعر وسيد من سادات النصف الثانى من القرن السادس الميلادى. ظهر اسمه الأول مرة فى خبر عن اغتيال أخى زوجته سويد بن ربيعة بن زيد لمالك بن المنذر بن ماء السماء (أو أخيه الأصغر). وفى حديثه عن جبل فى الحجاز تسكنه السباع يسمى جبل ترج، ذكر ياقوت يوما مشهورا سماه يوم ترج أسر فيه كميت بن حنظلة لقيطا، ولكن ارتبط اسمه أكثر بيومى الرحرحان وشِعْب جبلة ففى المعركة الأولى أسر معبد بن زرارة سيد دارم فقدم لقيط، وقد صار سيدها بعده، ٢٠٠ جملٍ فدية لأخية، وادعى أن أباه نهى أبناءه عن زيادة الفدية عن ذلك حتى لا يطمع فيهم أعداؤهم. وبالرغم من توسلات أخيه
стр. 8721
الذى عرض فيها أن يقدم فدية ١٠٠٠ جمل من ماله، فقد رفض لقيط وترك معبدا يموت جوعا وعاشا فى الأسر.
قرر لقيط الانتقام لأخيه وجمع جيوشا من عدة قبائل، وبعد مضى عام بالضبط من يوم الرحرحان، كان يوم شِعب جبله، وبعد تبادل الأشعار المعتاد، سقط لقيط تحت ضربات أحد أعدائه، وتوفى فى اليوم التالى بعد أن قال عدة أبيات من الشعر.
وبالرغم من أن الجاحظ اعتبر لقيطا طاغية، إلا أن امرأته وصفته وصفا طيبا وأثنت عليه وقالت فيه أقوالا بليغة صارت أمثالا.
لم يصلنا من شعر لقيط إلا عدد قليل من الأبيات جمعها أبكاريوس Abkaryus فى روضة الأدب.
المصادر:
(١) ابن سلام، الطبقات صفحة ١٣٨.
(٢) الجاح: البيان جزء ٢. صفحة ١٧٠ وجزء ٣ صفحة ٢٢٠.
(٣) ابن قتيبة، الشعر صفحة ٦٦٢.
حسين عيسى [ش. يبلاه Ch. Pellat]
لواء
تعنى الراية أو العلم وهى من القماش، وكانت هذه الكلمة "لوا" بحذف الهمزة تعنى فى أيام الامبراطورية العثمانية -الإقليم- وفى بعض الأحيان كانت تجمع عدة ألوية لتكون من بينها إيالة التى أصبحت يطلق عليها فى وقت لاحق "ولاية" -وكلمة لواء العربية مرادفة للكلمة التركية "سَنْجق" التى تستخدم أساسا فى الوثائق الرسمية وعلى ذلك فإن "ميرلوا" (التى هى بالعربية أمير لواء) تعتبر "سنجق بجى" أى الحاكم والقائد العسكرى للواء أو سنجق - وبدءا من منتصف القرن التاسع عشر أصبح المصطلح المستخدم هو المتصرّفلك "المشتق من اللقب" متصرف. وجميع الدول التى خرجت من عباءة الامبراطورية العثمانية لم تحتفظ سوى العراق بمصلح لواء بمعنى "الإقليم". وهذه الكلمة تعنى فى جيش العراق فرقه فى
стр. 8722
الجيش كما هو الحال فى مصر وأمير اللواء يعنى قائد فرقة [وفى مصر رتبة عسكرية فوق العميد ودون الفريق].
المصادر:
Gibb and Bowen: Islamic Society and the west. London ١٩٥٠, ١٣٧ - ٧٣
سعيد عبد المحسن [أ. بيركن A. Birken]
لوط
هو "لوط" الذى جاء ذكره فى التوراة - سفر التكوين، ووردت قصته فى القرآن فى السُّور المكية بوصفه نبيًا من الأنبياء اختلف مع قومه الذين بُعث إليهم. فقد أصر قوم لوط على ارتكاب المعاصى ونكران كرم الضيافة، فضلا عن كفرهم بما جاء به نعيهم. وعقابا لهم على معاصيهم أرسلت الملائكة -رغم شفاعة سيدنا إبراهيم- فدمرت المدينة العاصية التى لم يذكر القرآن اسمها بل اكتفى بوصفها بالمؤتفكة (ج المؤتفكات) المحرفة عن كلمة عبرية تعنى "السقوط"، وهى كلمة ذكرت فى التوراة فى سياق الحديث عن تدمير سودوم ومثيلاتها المدن الثلاث الأخرى. وقد تهدهت المدينة ودفنت تحت وابل من حجارة من سخيل، وتم إنقاذ لوط وعائلته فيما عدا زوجته التى عصت أوامره.
وقد تناقل مفسرو القرآن والمؤرخون وجامعو قصص الوعظ، أخبار لوط استنادًا إلى تفاصيل ورد معظمها فى التوراة وإن كانت تميل إلى الإسرائيليات، فى اختلاق التفاصيل.
وكما هو الشأن مع أنبياء آخرين وردت أسماؤهم فى القرآن، أضفى ابن عربى دلالة صوفية على شخصية لوط إذ كان يعده رمزا للقوة الروحية التى تُخضع رغبات الروح الشهوانية وتقهرها.
المصادر:
الثعالبى: قصص الأنبياء - القاهرة.
سعيد عبد المحسن [ب - هلر، ج - فايدا B. Heller, G. Vajda]
стр. 8723
لون
من السمات المميزة للغة العربية ثراؤها الشديد بالمفردات الدالة على الدرجات اللونية، فكانه قد رؤى أن كل تفصيله مهما دقت، وكل درجة لونية مهما ضؤلت تتطلب اسما هو وقف عليها وحدها. وسوف نتناول بالتحليل فى الجزء الأول من هذا المقال أسماء الألوان من حيث الصرف والدلالة. وبالتالى نستطيع أن نرى كيف تسنى للمفكرين المسلمين من علماء كلام وفلاسفة تحليل الإدراك الحسى للألوان. أما الجزء الأخير من المقال فسوف يخصص للبعد الرمزى الذى تنطوى عليه الألوان. إلا أنه لابد من تقديم بعض الإيضاحات والتعريفات حتى يمكن فهم الموضوع فهما سليما. ذلك أن لون أى شئ -من حيث الإدراك الحسى البحت- إنما نلاحظه أو نرصده بمتغيراته الحسية الثلاثة متمثلة فى درجته (أو قيمته) اللونية، ومدى نصاعته ومدى تشعبه. والأبيض لا يعد لونا، شأنه فى ذلك شأن الأسود. ففى عالم الفيزياء نجد أن الجسم الأبيض يوزع كل الإشعاعات المرئية الساقطة عليه بالتساوى، وكذلك الجسم الأسود يمتص كل الإشعاعات امتصاصا تاما ولا يعكس منها أى شعاع. فالألوان غير اللونية هى على درجة الصفر من التشبع. والألوان المكملة هى تلك الألوان التى تجعل من بعضها البعض ألوانا محايدة، وإذا مزجت أنتجت لونا أبيض: النيلى/ الأصفر، الأزرق/ البرتقالى، البنفسجى/ الأخضر - الأصفر، الأحمر/ الأزرق - الأخضر. وأخيرا فإن ألوان الطيف السبعة منها ثلاثة فقط -الأزرق، الأصفر، الأحمر- هى الأساسية: إذ تخرج منها باقى الألوان.
دراسة صَرْفية لأسماء الألوان:
تتميز الصفات المشتقة من الألوان بأنها -فى معظمها- على وزن "أفعل" للمذكر و"فعلاء" للمؤنث، وصيغة أفعل هى الصيغة التفضيلية، وظاهر الأمر أن اشتراك الصفة التفضيلية والصفة اللونية ليس وليد صدفة، فثمة افتراض ينظر إلى الصفة اللونية بوصفها صفة تفضيلية فى مرحلة ما من مراحل تطور اللغة: فالذى نصفه بأنه أحمر، لعله فى
стр. 8724
الأصل كان يعنى "أشد حمرة من. . . " وقد أدى تطور اللغة إلى حذف الكلمة التى تدل على المقارنة أو التفضيل: فمن حقائق اللغات السامية أن الفرق يتضاءل بين أسماء الألوان وصيغة أفعل التفضيل. ففى اللغة الآرامية تصاغ أسماء الألوان -بوجه خاص- على وزن "فعّل" (فععل) وكذلك الأمر فى العبرية توجد مجموعة من أسماء الألوان صيغت صياغة تفضيلية وذلك بازدواج الجزءين الأخيرين (فعلعل). . . " وإلى جانب صيغة "أفعل - فعلاء" التى لا تصاغ على وزنها معظم أسماء الألوان فحسب بل وتصاغ على وزنها أيضا أسماء كل الألوان الأساسية، توجد صيغ أخرى -وإن كانت نادرة- لم نوجه لها عنايتنا، وإن كان علينا أن نتذكر أن بعض هذه الصفات عبارة عن ازدواج لصيغة أفعل، أو ازدواج لصيغتها هى نفسها. نذكر من هذه الصيغ: على وزن فاعل (حانِط)، على وزن مُفعّل (مُجزع)، فَعْل (جَوْنَ)، فَعيل (فَقِيع)، فَعل أو فَعِل (شَهَب، لَحِق)، مُفعِل (مُقْرِف)، وأقل من هذه شيوعا تلك الصفات اللونية التى تأتى على وزن: فَعلول، فُعال، فُعالى، فُعَيْل، فِعال، فَعَالى، فاعِلى، فعولى، فُعِلّ. ولا شك أن هناك علاقة ما تربط بين بعض هذه الصيغ ودرجة لونية بعينها: فهناك رابطة بين صفة فاعل ودرجة التشبع، ومُفعّل والمزج، وفعيل والخلط. وبعض هذه الصيغ ينتهى بالياء وهى طريقة غير مباشرة تلجأ إليها اللغة العربية فى كثير من الأحيان للدلالة على الاصطباغ بلون ما. وبعض الصفات اللونية (مأخوذة من لغات أخرى غالبا) قد تحددت بناء على علاقة ربطت بينها وبين شئ يمثل هذا اللون، وبالتالى فهو بمثابة ستار لها. فالصفة "وردى" مشتقة من كلمة "ورد" و"بنفسجى" مشتقة من بنفسج و"كحلى" من كُحل. وأغلب الظن أن هناك صلة بين صيغة الصفة اللونية ومعناها. ومن هنا نجد أن الجِذْر ف - ق - ع اشتقت منه الصفات اللونية الآتية: فَقع (أصفر باهت)، فُقَاع (أى
стр. 8725
شديد الحمرة، وهو وصف لبشرة الإنسان)، فقيع (أحمر أو أبيض)، أفقع (شديد البياض)، أما اسم اللون فهو مصدر على وزن فُعْلة. وهذا هو العنصر المجرد الوحيد ضمن المصطلحات اللونية. فالعربى حين يقول حُمْرة أو صُفْرة، فهو يعبر عن "حالة كون الشئ أحمر أو أصفر". وأسماء الألوان دمان كانت مصادر، إلا أنه من الجائز أن تستعير صيغا أخرى مثل: فَعَل، فَعْل، فَعَال، وهذا الوزن الأخير -كما يبدو- مقصور على الأبيض والأسود، حيث أن جذر كل منهما أجوف [معتل الوسط]، فِعْل، تفعيل، فِعْلة. ويبدو أن أسماء الألوان التى على وَزن فُعْلة -هذه الفئة بالذات- لا يمكن أن نسميها "أسماء أفعال" لأن الأفعال التى اشتقت منها هذه المصادر هى فى الأصل أسماء.
ومن الصيغ المشتقة من الفعل فى اللغة العربية توجد صيغتان -على وزن إفعلّة وإفعالّة- تتسمان بسمة خاصة: ذلك أنهما يعبران عن أحوال (إما حالة لون أو حالة تشويه) ولم يشتقا من الصيغة البسيطة "فَعَل"، بل هما فى الأصل من الأسماء، إذ تم تشكلهما من صفات على وزن أفعل لتعبر عن الحالات المشار إليها آنفا. وينطويان على بُعد تفضيلى يظهر لنا من ازدواج الجذر الأخير. أما صيغة "إفعالة". وهو أقل شيوعا من صيغة "إفْعلة" فيبدو أنه تضعيف له ومن هنا كان لدينا إلى جانب "إبْيَضّ" و"إسْوَدّ" بمعنى أصبح أبيض اللون، وأصبح أسود اللون "إبْياضه" و"أسْوادّة" أى أصبح ناصع البياض، وأصبح شديد (حالك) السواد كالأبنوس. وأخيرا ينبغى أن نولى عناية للصيغ غير الثلاثية والكلمات المستعارة من لغات أخرى. فنحن نصادف أمثلة مثل: فَعْلل، فعلال، فُعْلُل، فَعْلَلى، فِعْلِل. أما عن الكلمات المستعارة فأكثرها شيوعا: أرجوان أى أحمر قان، زِرْياب "أى أصفر"، "زَرْجون" أى أحمر وذهبى، فِرْفير "أى بنفسجى"، سمانغونى "أى أزرق سماوى" نيلَجْ "أى أزرق نيلى"، وهى صفات مشتقة من الفارسية واليونانية.
стр. 8726
دراسة الدلالة:
وكلمة لون عند العرب تعنى أيضا "درجة" و"جانب أو بُعد" و"نوع" و"طبق (من الطعام) ". . إلخ. وبالإضافة إلى هذا المصطلح العام، لدينا أيضا هذه الكلمات: "بَوْص" (تؤكد على فكرة النصاعة وصفاء اللون) [بوّص أى صفا لونه]، صبيب (لون سائل أو صبغة، كما تطلق على الشئ الذى يلونه هذا السائل أو تلك الصبغة)، سحنة (تطلق على لون البشرة)، لَيْط، نَجرْ، خطبة (تطلق على اللون غير النقى أى تطلق على مزيج أو خليط من لونين)، خَرَجْ، خَصَفْ، نصيف (وهذه المفردات الثلاث تشير إلى خليط أو مزيج للونين يعدان أحيانا من الأضداد).
ويبدو من المفيد أن نكشف عن كيفية إدراك العرب لألوان قوس قزح، وبالتالى كيفية ترجمتهم لهذا الإدراك فى رمز أو كلمة حتى يتسنى لنا دراسة أسمائها من حيث الدلالة. فمن خلال هذه الظاهرة يتبدى طيف تتعدد ألوانه وتتنوع تنوعا شديدا، لذلك كان من الأهمية بمكان عند كل جماعة من الناس أن نحدد الأسماء التى يطلقونها على ما يرون. ونحن نعلم أن اليونان والرومان قد نسبوا إلى قوس قزح ثلاثة ألوان. فارسطو يذكر فى كتابه "الآثار العلوية" قائمة تضم الأحمر، البنى، الأخضر، والأرجوانى حيث يرى أن ثمة خفوتا متدرجا للضوء. أما أفلاطون -فى طيماوس- فيرى أنه بوسعنا إعادة تركيب كل الدرجات اللونية باستخدام أربعة ألوان أولية: أسود وأزرق وأحمر ولون الضوء. والدراسة المقارنة للغات التى تنتمى لمناطق ذات ثقافات جد متنوعة تكشف عن أن تقسيمات الطيف لدى هذه اللغات أبعد ما تكون عن التطابق مع بعضها البعض. فهى تقسيمات عشوائية وتختلف باختلاف المواقف والموارد اللغوية المتاحة. فالقواميس والموسوعات الكبرى العربية الفصحى تكاد تجمع على إيراد الشرح التالى لمعنى قوس قزح: "يتكون قوس قزح من شرائط على شكل قوس بألوان أصفر وأحمر وأخضر"، لقد حل
стр. 8727
الأخضر محل الأزرق -لأنهما عرضة للخلط بينهما فى كثير من الأحيان. فنحن هنا نجد أيضا فكرة الألوان الثلاثة الأولية.
وكلمة أبيض لها نفس الجذر مع كلمة "بيضة". كما أن الأبيض يعنى لعاب، سيف، مال، كما أنه يعنى فى أفريقيا -ويا لها من مفارقة- الفحم. وفى القرآن تظهر كلمتا "أبيض وأسود" متتابعتين للتعبير عن التضاد بين النور والظلمة لا التضاد بين اللونين الأبيض والأسود. وثمة كلمات أخرى عديدة تعنى أبيض، آدم، ثاغِم، جَوْن (التى تعنى أبيض كما تعنى غامق)، أشيب، صقْلب، ظَلْم، أغَرّ، فَقِيع (تعنى أبيض ناصعا كما تعنى أحمرا صارخا)، أحْمر، قُهابِى، حَضِّى، أحَمَ (تعنى نفس ما تعنيه كلمة جون)، حَوَارى، خالص، أزْهر، لَهَق، أَمْره، ناصع (نصاعة الأبيض والأصفر والأحمر) يَقَقْ. . . إلخ.
وكلمة أسود لها جذر [لغوى] ينطوى على فكرة السلطة والقوة. وأسود نقيض أبيض. وكثيرا ما يوصف بها المعتم أو الغامق لا الأسود نفسه (سورة البقرة آية ١٨٧, سورة آل عمران ١٠٦). وكلمة الأسود قد تشير إلى أشياء ومخلوقات عديدة مثل الحية، العقرب، البلح. . . إلخ. والمصدر "سواد" يشير -بصورة خاصة- إلى منطقة فى العراق عرفت بكثرة نخيلها وبساتينها. وهناك مجموعة كبيرة جدا من الكلمات المستخدمة للدلالة على ما هو أسود، نذكر منها: بَغْس، مُتَحَّم، جَوْن، أحْتم، حُنْبُوب، حنْدَس، حُلّبة، حالك، أَحَم (أى أبيض أَو أسود أو أحمر غاَمق)، أَحْوز، أَحْوى، أَدْيَس (غامق)، أَدْجَن، أَدْعَج، أَدْكن، أَدْلَم، أَدْهَم، أَسْحم، أَسْفع، مُظْلم، غُدَاف، غِرْبِيب (ومن الشائع جدا الربط بين الغراب واللون الأسود، ولنا أن نتذكر أن الجذر ع - ر - ب يعنى أسود فى العبرية والآرامية) أَفْحم، قاتم، قاتن، قاحم، أكحل. . إلخ.
والرمادى -أى المزج بين الأسود والأبيض- ليس له لون محدد، وليس له لفظ أساسى فى العربية. ويمكننا أن نشير إلى شاهب، أَشْهب، أَغْثم، أَرْسم، أَرْبد، أَرْمد، أَدْمَك، أَغْبث، أَوْرق، أَطْحَل، قَهْد، أَكْلَس، أَغْس، أَمْلَح، أَمْهق. . إلخ.
стр. 8728
ونادرا ما يذكر العرب البنفسجى، فهذا اللفظ الأساسى مأخوذ من الفارسية. وثمة ألفاظ أخرى نصادفها مثل: خُبَّاذى، سَمَانغونى، فِرْفيرى، ومن الواضح أنها ليست ألفاظا عربية، وجميعها صفات تعبر عن النسبة لشئ ما. وهذا ينطبق على النيلى حيث توجد مادته الملونة فى نبات يسمى خِطْر، سَدُوس، مُسَيْطِر، عِظْلم، نُؤُور، نيل، نيلة، نِيلَجْ، وَسّمة.
والأزرق لون من الألوان الأساسية فى الطبيعة. والكلمات المعتادة التى تشير إليه هى "أزرق" وتعنى أيضا شاحب، هزيل. أما كلمة "زراقيم" -وهى جمع- فتعنى حيّات. وألفاظ هذا اللون محدودة إلى حد ما. وثمة كلمات مثل سماوى، كَحْل، أَشْهل، عَوْهَق، أَمْقه (وهذه الألفاظ الثلاثة تنطوى على ازدراء) أَمْلَه. وأخضر هو أساس الحياة، والصفة منه ترتبط بفكرة القتامة لأنها تعنى أحيانا أسود، غامق، رمادى. والخضراء لفظ يشير إلى السماء، وهذا يوضح أن ثمة علاقة بين الأزرق والأخضر، وهما محل خلط عند أبناء العصور القديمة. فالإغريق والصينيون والميلانيون وأهل كالدونيا الجديدة وآخرون كانوا يستخدمون نفس اللفظ للدلالة على اللونين. والألفاظ الدالة على الأخضر مجموعة كبيرة إلى حد ما بعد الألفاظ الداله على الأسود والأبيض. ولن نذكر منها سوى حانئ، أَحْوى، أَخْضب، أخْطَب، أَدْلس، دقيق، عَشْرَق، أَغْبَن.
ومما يلفت النظر أن اسم اللون الأصفر له علاقة باسم الزعفران (مأخوذ من الفارسية)، ويطلق المؤرخون العرب وصف "بنو الأصفر" على الإغريق والبيزنطيين. بينما يطلقون على أنفسهم وصف "السود" أما غير العرب عموما فهم "الحُمْر". ومجموعة الألفاظ الدالة على الأصفر كبيرة، أهمها: حبْر، ذِرْيَبْ، زَبْرَق، زَبْرَج، زرْياب، زَهْر، أَصْحَم، أَفْقَع، قَلَج، أَمْلَج، ناصَع، وادِس.
أما البرتقالى فشأنه شأن البنفسجى والنيلى له اسم يدل على النسبة لشئ يمثل هذا اللون هو "البرتقال"، فمنه جاءت الصفة "برتقالى".
стр. 8729
والأحمر يذكرنا بالدم والبشرة والفاكهة والحياة. واللونان الأخضر والأحمر -وهما لونان متضادان ومتكاملان- هما أيضا لونا النبات والحيوان. وكان للون الأحمر دائما مكان ذو أهمية خاصة إذ يكاد يشمل كل قطاع من قطاعات الحياة. ولقد حظى بمكانة متميزة فى معجم الألفاظ -وتكاد كل اللغات تحتوى على ألفاظ تعبر عن كل درجة من درجاته- وتشكل الألوان، الأسود، والأحمر، والأبيض أفضل ثلاثية حظيت بالاعتراف، كما نالت أكبر قدر من معجم الألفاظ والرمزية. وكلمة "أحمر" العربية مشتقة من الجذر "اللغوى" الذى يعنى الحمية والشدة والقوة. وللون الأحمر معجم من الألفاظ العربية هو أكثرها ثراء. وسنكتفى بذكر بعضها: آدم (وقد سبق أن صادفناه ضمن الألفاظ الدالة على الأبيض)، وربما كان يدل على الأحمر فى اللغات السامية القديمة)، بَتَغ، أَبْقم، ثِقيب، جَوْن (وقد سبق أن صادفناه ضمن الألفاظ الدالة على الأبيض) أَحْلس، (وقد سبق أن صادفناه ضمن الألفاظ الدالة على الأبيض)، حائط، أَدْبَس، مدموم، أَدْهس، أَدْهن، أَرْبد، رَادِنى، زَبْرق، زاهر، أزهى، أسْلخ، أسْلغ، أَشْرق، صُباحى، أَصْحر، صَيْعرى، صِقْلاب (ذكر من قبل للدلالة على الأبيض) صَمْعَرى، أَصْهب، أُضْرج، عانِك، عَنَمى، غسيق، غَضْب، مَغْلوق، فَدْم، فَدْن، فِراس، فِرْصد، أَفْضح، فقيع (سبق ذكره للدلالة على الأصفر) قُراص، أَقْرف، قِرْمزى، قَشَر، قانئ (يدل بصفة خاصة على التشبع) أكْثع، كَرك، كلْف، كَمِت، مائع، أَمْعر، منكور، نَكَع، وَرَد، يانع.
أما اللونان البنى والأحمر فلهما مفردات محدودة العدد، ومن جهة أخرى يعد من المنطقى لقوم ترجع أصولهم إلى الصحراء أن يرصدوا بدقة لون الحمرة المائلة إلى بياض أو الحمرة إلى غبرة [الأبرص] ويميزونه عن غيره من الألوان. ولنا أن نذكر هذه المفردات: بَهْرم، أَحْسب، حِضَاد، أَشْقح، أَشْقر، أَصْحر، أَصْهب، أَعيس، أكلف، كُمْيت، وَرْد (سبق ذكرها للدلالة على الأحمر). والأرجوانى -فى اللغات
стр. 8730
السامية الأساسية- له أسماء مشتقة من جذر واحد، وهو رباعى مكون من "ر - ج - و - ن". ويقول واضعوا المعاجم العربية أن الكلمة العربية "أَرْغوان" كلمة مأخوذة من الفارسية. ومن الواضح أن كلمة "فرفيرى" و"برفيرى" مشتقتان من نفس الأصل الذى اشتقت منه نظيرتهما فى كل من اليونانية واللاتينية. أما الألوان التى تقل فى درجتها عن البنى فلها مسميات تقوم أساسا على تنويعات لكلمات تعنى التراب، الرماد، الأرض.
والمفردات التى تطلق على خلط الألوان ومزجها تشكل دائرة واسعة للغاية. وإنا لندهش من تكرار الحرف الساكن "شين" فى تشكيل الألفاظ التى تطلق على نمط من التلوينات هى الرَّقَشة [أو الرَّقَشَن]، والبرقشة [أو الوشى]، والمخططة [أو النقش]، والمنقطة [البُرشة]. أضف إلى ذلك أنه يتم التمييز بين ألوان الخيول تمييزا يصل إلى أدق درجات هذه الألوان، فيطلقون عشرات وعشرات الألفاظ عليها. ومما يلفت النظر فى هذا الشأن عدد الألفاظ التى يرد فى مقطعها الأول حرف الدال وهى: أَدْبس، أَدْجن، أَدْخم، أَدْرع، أَدْعس، أَدْغث، أَدْغم، أَدْلم، أَدْهس، أدهم. . إلخ). ونختتم هذا المسح الموجز عن دلالة الألوان بملاحظة مفادها كثرة الكلمات المتناظرة ومن أصل واحد، وكثرة الكلمات المأخوذة من لغات أخرى فى هذا الشأن.
الدرجات اللونية والنصاعة والتشبع:
يبدو أن العرب لم يكن لهم كبير اهتمام بالدرجات الخاصة بلون ما، يبدو هذا فى أدبهم حين يعرجون بالحديث عن لون المنظر الطبيعى، أو لون الثياب وأى شئ من متعلقاتهم فى الحياة اليومية. إذ يأتى حديثهم مسا عارضا ليضفى انطباعا عاما -بينما ينطبع فى نفوسهم بوجه خاص توهج اللون، وأشد من ذلك تأثيرا تشبعه. وهذا متوقع من قوم يعيشون فى بيئة مشبعة بالشمس. ويبدو -إلى جانب ذلك- أن هاتين الفكرتين -النصاعة والتشبع- تختلطان -من حيث الدلالة- فى الصفات التى لا حصر لها، والتى يمكن أن نسميها "صفات لونية توكيدية".
стр. 8731
فهذه الصفات التوكيدية -أبيض، أسود، أخضر، أحمر- تستخدم للدلالة على أن اللون قد وصل أعلى درجاته من النصاعة والتشبع، بينما الأسماء -"الشبع، التشريب، النحقيق، اليقئ"، تعتى التشبع، أما "البريق، اللصيف، الرعفيف" فتعنى النصاعة. وإن كان صحيحا أنه ورد فى هذا المقال أسماء التفضيل "فقيع، ناصع، خالص، ناضر" وهى جميعها فى صيغة اسم الفاعل، وهذه الأسماء.
أ) تعنى ضمنا -إذا ما ارتبطت بصفة لونية- فكرتى التشبع والنصاعة، إذ تعنى عندئذ أن اللون مكثف ولافت للنظر.
ب) وهى قابلة للتطبيق -فى الأصل على الأقل- على أى لون. ويبدو أن علماء النحو العرب قد حددوا -فى مرحلة لاحقة- لكل صفة لونية صفة تفضيلية خاصة بها.
اللون فى رأى المعتزلة:
اهتم المعتزلة -وهم يشكلون مدرسة فى علم الكلام والسياسة تدافع عن العقيدة الدينية ببراهين عقلية- بمشكلة الأجسام المادية وكيف تدركها حواسنا، ولكن اختلفت وجهات نظرهم فى مسألة اللون. فالنظَّام (توفى حوالى ٢٣٠ هـ/ ٨٤٥ م) يبدأ من مسلمة مفادها أن الأعراض لا يمكن أن تكون مرئية ولا يمكن إدراج الألوان ضمن الجواهر، أما بشر بن المعتمد (ت حوالى ٢٢٠ هـ/ ٨٣٥ م) ومعاصره معمَّر وغالبية مريدى هذه المدرسة فإنهم يعدون الألوان أعراضا من فعل الإنسان وحده، أو هى تحدث بحكم طبيعة الأشياء التى تتأثر بفعل الإنسان. فاللَّه خلق الجواهر (الأجسام والذرات) وهى قادرة على أن تحدث بحكم طبيعتها أعراضا محددة تحديدا تاما، ومن هذه الأعراض اللون. كذلك عكست "مقالات الإسلاميين" (٢٩٣ - ٣٩٣ هـ) للأشعرى صدى هذا الجدال الذى نما وتطور فى دوائر هذه المدرسة حول هذه الأسئلة. هل بوسع المرء انطلاقا من إدراكه لشئ ملون أن يجزد اللون مع علمه بأن اللون المجرد لا تدركه الحواس بل يُعرف بالعقل؟ أو هل بوسع المرء أن يدرك إدراكا حسيا البياض والأبيض أو السواد والأسود
стр. 8732
فى وقت واحد؟ هل يستطيع المرء أن يرى اللون وحده لا الشئ الملون به؟ لقد تباينت وجهات النظر بشأن هذه الأسئلة. فالنظَّام يرى أن اللون والشكل والنكهة والطعم. . . إلخ لا تدرك بالحواس إلا من خلال فتحات من نوع ما لكى تتأثر الحواس. والحواس ما هى إلا أجسام مسامية. ويفيض الفيض لجسم المدرك حسيا ليتخلل فتحات الحواس، ويصل بذلك إلى وعى الكائن الذى يحس بها. وقد تحدث العلّاف (توفى بعد ٢٢٦ هـ/ ٨٤٠ م) عن وجود تدخل إلهى فى عملية وعى الإنسان بالأشياء المحسوسة. ولكن معمّر يرى أن إدراك الأشياء المحسوسة بمثابة فعل طبيعى من أفعال الحواس وفعل مولّد يخلو من أى مبادأة إلهية.
اللون فى رأى الفلاسفة:
كان الكندى (توفى حوالى ٢٥٩ هـ/ ٨٧٣ م) -فيلسوف العرب- يرى أن اللون "عَرَض عام لأنه يؤثر على أشياء عديدة". إنه عَرَض تدركه حاسة هى أول "الحسَّين الشريفين" البصر والسمع. وكما أن العقل الفعّال يحقق الممكن، فكذلك الضوء الذى يسقط على الأشياء المعتمة يحول الألوان من موجودة بالقوة إلى ألوان موجودة بالفعل. فالجسم الشفاف حقيقة لا لون له لأنه ناقل للون الأشياء التى توضع خلفه. ومن العناصر الأربعة التى يتكون منها العالم نجد أن الأرض وحدها هى العنصر غير الشفاف، وبالتالى فهو حامل اللون فى عالم ما تحت القمر. ولكى يتأثر شئ ما بالضوء، ويصبح بالتالى حاملا للون لابد له أن يعترض الأشعة المرئية. والألوان التى نعتقد أننا ندركها حسيا فى النار هى فى الحقيقة ألوان الجزئيات الأرضية وقد اختلطت بالنار. فالنار -شأنها شأن الهواء والماء- لا لون لها على الإطلاق. وفى نفس الوقت توهمنا حواسنا أن السماء ما هو إلا اصطناع: إنه لون الجزئيات الأرضية والمتطايرة التى يحفل بها الهواء.
والفارابى (توفى ٣٣٩ هـ/ ٩٥٠ م) كان بدوره مهتما بالألوان. ويقول إن الألوان تحدث على سطح الأجسام تحت
стр. 8733
تأثير مصدر متوهج حيث أنها لا توجد فى ذاتها. هى إذن أعراض يحدثها مصدر ضوئى. والاختلافات اللونية تحدث نتيجة لاختلاف مواضع الأجسام المضاءة. والألوان لا تؤثر إلا على عالم الكون والفساد. أما الأجسام السماوية والعناصر الأولية (الاسطقساط) أى الأجسام البسيطة فلا لون لها. ولون الأجسام الأرضية مستمد من مزج العناصر المكونة لكل جسم منها، فوجود عنصر النار يوجد الميل نحو الأبيض، وعنصر الأرض يوجد ميلا نحو الأسود. أما الألوان التى تتوسط هذين اللونين فهى نتيجة مزج هذين العنصرين بنسب مختلفة. وفى تعريف الفارابى للون يكرر الصيغة الأرسطية القائلة بأن اللون "هو سطح الجسم الشفاف بقدر شفافيته".
والأبيض ليس سالب الأسود، والأسود ليس سالب الأبيض. فهذان اللونان المتضادان لا ينفى أحدهما الأخر. أما إخوان الصفاء (النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى) الذين ألّفوا موسوعة جماعية وتأثروا بنظرية الفيض [الصدور] والأفلاطونية الجديدة. فقد اعتبروا اللون من الصفات المتممة للجسم. والنور مرتبط بالنفوس والأرواح التى تدور فى دائرة. أما النور والظلمة فهما لونان روحيان. وعندما يتصلان بالأجسام يتحولان إلى الأبيض والأسود وهما لونان جسميان. وهم يعرفون الألوان بأنها "سطوع أشعة الأجسام" ولذلك فهى لا تظهر إلا على سطوح هذه الأجسام. وتوجد سبعة ألوان بسيطة هى: [البياض والسواد والحُمرة والصفرة والخُضْرة والزُّرْقة والكُدْرة]. أما السواد فهو منع الرطوبة الأرضية وصول النور إلى البصر، أو منع البصر من الوصول إلى النور لأن السواد يجمع البصر. وفى الطرف المقابل البياض وهو ظهور النور بنقائه التام وهو -على النقيض من السواد- يفرّق البصر، وكل الألوان الباقية متوسطة بين هذين الطرفين وفعلها فى البصر بحسب غلبة أحد هذين عليها. أو الأشياء الصُّفر تُرى
стр. 8734
صفراء لا أسباب تمنع النور أن يُرى صافيا. أما علة رؤية الأشياء حُمرا فلشيئين: أحدهما الأسباب المعفِّنات والآخر الأسباب المذوِّبات، فالمعفِّنات لكثرة الرطوبة، والمذوِّبات لكثرة الحرارة. وأما الخضرة فهى من أجل غلبة الرطوبة الأرضية على النور، ومنع البصر إياها، أو منع النور أن يصير إلى البصر صرْفا. وقد جعل اللَّه الهواء أزرق والنبات أخضر لكى يكونا فى صالح مخلوقاته. والواقع أن هذين اللونين يتصفان بأنهما صحيان للرؤية، أما ألوان قوس قزح فهى أربعة: أحمر، أصفر، أخضر، أزرق. وكل لون من هذه الألوان يطابق كيفية من الكيفيات الأساسية الأربع وهى: الحرارة والجفاف، والرطوبة، والبرد، كما يطابق عنصرا من العناصر الأربعة وهى: النار، والهواء، والأرض، والماء -وأخيرا رفض أخوان الصفاء نظرية الفيض أو الصدور. عند ابن سينا (توفى ٤٢٨ هـ/ ١٠٣٧ م). أدرج ابن سينا -شأنه فى ذلك شأن أرسطو- دراسة الجهاز الحسى ضمن العلوم الطبيعية. وخصص فصلا بأكمله فى كتابه الشفاء لدراسة مشكلات الرؤية واللون. وهو يرى أن الضوء من الكيفيات التى تعمل عملها فى الأجسام الشفافة، بينما اللون فى الأجسام المعتمة. وهذه الأجسام تكون معتمة بالقوة. وقد يوجد اللون دون أن يكون مرئيا، ولكن لا يقوم اللون بالفعل إلا بفضل نصاعته. وواقع الأمر أن الألوان لا وجود لها فى الأجسام. والجسم الأسود القاتم هو جسم ملون بالقوة. والشئ الذى يبدو ملونا حين يسلط عليه الضوء لا يكون ملونا فى الظلام، لقد جرد من لونه المتحقق بالفعل. والهواء والماء والقبة السماوية هى بمثابة وسيط شفاف وفى نفس الوقت ناقل. إن الجسم المضئ يتعامل مع الجسم الملون دون أى تغيير أو تعديل وإنما يؤثر على الوسيط الشفاف. فوجود الضوء -يجعل من الجسم الشفاف بالقوة جسما شفافا بالفعل- وبإزدياد الضوء يزداد ظهور اللون وتجليه. وهو يرفض النظرية القائلة بأن البياض لون والسواد ظلمة، لأن الأسود منير ويضفى نورا على
стр. 8735
أشياء أخرى غير ذاته. وبالتالى فاللون لا يتمثل فى الأبيض وحده. واللون المطلق -أو الجنس العام للون- ليس هو النور بل النور هو سبب ظهور اللون وسبب نقله. ومن هنا كان النور من مكونات ذلك الكائن المرئى الذى نسميه "لون". إد أن اللون الموجود بالفعل هو نتيجة لالتقاء النور باللون الموجود بالقوة. أما الألوان المتوسطة فهى نتيجة مزج الأسود والأبيض.
أما ابن الهيثم (توفى ٤٣٠ هـ/ ١٠٣٩ م) فى كتابه "البصريات" فقد اتخذ موقفا مخالفا لأولئك الذين انكروا وجود اللون وجودا حقيقيا، وأعلنوا أنه مجرد مظهر يتوسط العين ومصدر النور. فهو يرى أن ظهور اللون يتأثر بالفعل بنوع النور الذى يحمله وأن نفس اللون قد يتحول طبقا لدرجة النور المتاح، ومع ذلك يظل للون، وجود المستقل. وقد كشف شارحه كمال الدين الفارسى (توفى ٧٢٠ هـ/ ١٣٢٠ م) الصلة الأساسية بين النور واللون -ففى الظلمة توجد الألوان بالقوة فى الأجسام الملونة، وتتحول إلى ألوان بالفعل حين يسلط الضوء على هذه الأجسام.
وابن حزم (توفى ٤٥٦ هـ/ ١٠٦٤ م) خصص فقرة من كتابه "فِصَل" للحديث عن اللون. ونقرأ فى هذه الفقرة أن الهواء غير مرئى لأنه لا لون له، فى حين أن الماء مرئى لأنه أبيض اللون. كذلك النار لا لون لها فى الكرة السماوية، أما اللون الذى نراه حين نحرق الخشب، أو حين تحترق ذبالة المصباح أو أى جسم آخر إنما هو مستمد من مقدار الرطوبة التى تحتويها هذه الأجسام -فعند عملية الاحتراق تتحول الأجسام إلى هواء نارى والألوان التى تكتسبها هذه الأجسام المحترقة تتحدد بالمواد التى تتكون منها- كما أن جزئيات الرطوبة هى التى تسبب ظهور قوس قزح. وقد شرع فقيه قرطبة فى دحض "ما قاله القدماء" الذين رأوا أن الأبيض هو نتيجة لتفرق البصر بينما الأسود نتيجة اجتماع لهذا البصر. فهو يرى أن الأسود غير مرئى
стр. 8736
لأن الإدراك الحسى لا يتحقق إلا عبر امتداد يضاف للبصر. لأن العين لا ترى سوى ما هو ملون، والأسود ليس لونا. إنه مجرد ظلمة أو هو لا وجود أو فقدان اللون ورؤية البصر. وحين نعتقد أننا "نرى" سود، فهذا يعنى أننا خاضعين لخداع بصرى. فحين نصف شخصا ما، أو غرابا أو رداء بأنه أسود فهذا بحكم العادة وعلى سبيل المجاز. وواقع الأمر أن كل جسم من هذه الأجسام له لونه الخاص، وهو لون غير أسود، أما عن الفرق بين الأسود الطافئ والأسود الساطع أو اللامع فهذا لا يرجع إلى الأسود نفسه بل يرجع إلى البريق أو الوهج أو الوميض وهو شئ مختلف ومتميز ويشكل لونا فى حد ذاته، وله تأثيره على كل الدرجات اللونية. ولعلنا نذكر أن أفلاطون قد أدرج "لون النور" ضمن الألوان الأربعة الأساسية. ولنا أن نقول عن ابن حزم إنه أيضا قد عد القتامة لونا خاصا لأن البصر يدركها، كما هو الشأن مع النصاعة والسطوع، ومن الواضح أن الفقيه صاحب المذهب الظاهرى كان واعيا بوجه خاص بتنوع الاحساس باللون. بل إنه أقام سلما متدرجا للألوان وفق مدى قوة الإحساس بها: الأبيض، الأصفر، الأحمر، الأخضر.
أما ابن باجة (توفى ٥٣٣ هـ/ ١١٣٩ م) فقد طور مذهبا بأكمله عن اللون فى مقاله عن "النفس" وفيه يظهر تأثير أرسطو واضحا، ويرى أن اللون هو بمثابة العنصر الحسى الأول، فالنفس الباصرة هى ملكة توجد فى العين وتجعلها قادرة على إدراك اللون. وهى مودعة فى الرطوبة الزجاجية بالعين التى كان الفلاسفة العرب يسمونها الرطوبة الجليدية. واللون -فى جوهره- شكل. ولا يمكن إدراكه إلا من خلال وسيط هو الهواء، وحين يوضع شئ ملون أمام العين مباشرة فإن العين تكون غير قادرة على إدراكه. وتقتصر وظيفة الهواء على نقل اللون حين يسلط عليه مصدر مضئ. ومن هنا يمكن صياغة فرضية مفادها.
أ) الألوان فى الظلمة موجودة بالقوة فقط وليس لها وجود فعلى.
стр. 8737
ب) يمتص الهواء الألوان من خلال صورة بصرية تنطوى على هذه الألوان. ويرى ابن باجة أن وجود اللون بالقوة وسط الظلام أمر لا شك فيه. والدليل على وجود هذا اللون يكمن فى الدرجات المختلفة لنفس اللون، إذ تتنوع درجاته بتنوع كميات الضوء المحيط به بما فى ذلك شبه الظل. أما عن لمعان وبريق بعض الأشياء والحيوانات، فإن هذا لا يرجع إلى اللون بل يرجع إلى التأثيرات الواقعة على العين. وكما أن اللون يمكن إدراكه فى غياب النور فكذلك النور لا يمكن إدراكه إلا إذا كان مرتبطا باللون. كذلك شرع ابن رشد (توفى ٥٩٥ هـ/ ١١٩٨ م) الشارح الأكبر لأعمال أرسطو فى وضع نظرية تفسر النور واللون، بحيث تكون متسقة -بقدر الإمكان- مع روح العلم عند المشائين. فهو يرى أن اللون يوجد على سطح جسم ما. وهو يعد كمال (أو التحقق التام) الشفافية المحدودة، أما النور فهو كمال الشفافية غير المحدودة، وإذا امتزجت النار بالجسم الشفاف، فإن الألوان تجد فى النور جوهرها ووجودها لا مجرد علة لنقلها لعضو الابصار. وقد سبق أن رأينا ابن باجة كان مناصرا للنظرية القائلة بأن الألوان توجد "بالقوة" فى الأجسام سواء سلطت الأنوار على هذه الأجسام أم لا، أما فقيه قرطبة -وزميل ابن باجة فى الوطن "سرقسة"- فإنه يرى أن الألوان توجد "بالفعل" حتى لو لم تكن ضمن إدراكنا الحسى، ولا تكون مرئية إلا بتأثير الضوء. ويرى أن النور واللون يوجدان معا فى الوسط الشفاف. وكلاهما مشتق. فالنور مشتق من جسم لامع واللون من جسم ملون. والنور يخرج اللون من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، وبذلك ينقله إلى العين. وهكذا نجد أنه الوجود الموضوعى للألوان وتأثيرها على العين كلاهما يعتمد على النور. ولكن القابلية للرؤية للبيت شرطا لوجود اللون. ويترتب على ذلك أن اللون من حيث هو لون لا ينطوى على نور وهذا عكس ما قاله ابن باجة. فعندما يسلط النور على الجسم الشفاف تنتج ألوان مختلفة وذلك طبقا لشدة النور ودرجة
стр. 8738
الشفافية. والأبيض يشتق من خلط النار الخالصة (أى النور الشمسى) من حيث هو عنصر لامع، بالهواء (من حيث أنه أشد العناصر شفافية). والأسود يشتق من خلط النار والأرض.
أما الألوان الأخرى فهى تقع بين هذين الطرفين. وهى ألوان تتكون بفضل إجرء نسب متغيرة تغيرا لا نهائيا من الثنائى اللونى الأبيض والأسود. وحين يميل أحد الألوان المتوسطة أخضر، أحمر، أصفر. . . إلخ) نحو الأبيض فهذا يعنى أنه فقد نسبة من جزئيات من عنصر الأسود المتضمن فيه والعكس صحيح. وليشترك الشارح العربى الأكبر مع أرسطو فى أن خلط الألوان هو نتيجة لاتحاد كامل للعناصر المكونة للنار والأجسام الشفافة، وليس مجرد تجاورها أو تركيب بعضها فوق بعض.
ومن الواضح أن علماء الكلام العرب والفلاسفة لم يهملوا موضوع اللون، إلا أنهم كانوا معنيين أساسا بمعالجة النظريات التى ورثوها عن الإغريق وترجموها عنهم منذ القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى على يد رجال أمثال يحيى بن البطريق، حنين، بن اسحق، اسحق بن حنين، بشر بن متى. فإذا شئنا الدقة لم يكن لدى العرب -المسلمين مذهب محدد فى اللون ولا يوجد بحث -على حد علمنا- خصص لهذه المسألة.
رؤية صوفية للون:
يرى الصوفى الحكيم (الثيوصوفى) الكِرْمانى -الإيرانى- أن اللون لغة الأَرواح -فالعين- وهى نقطة الالتقاء بين النور الخارجى والنور الداخلى. لا تعكس ما يقدم ما يقدم لها بصورة سلبية. إنها تشارك فى إدراك الأشياء وتنتج اللون الخاص بها، ويرى الكرمانى أن الألوان التى تدركها العين هى ألوان الأشياء لا ألوان أشعة النور، وهى توجد فى عالم ما فوق الحس. والنور هو تجريد اللون أو اللون فى صورته المجردة. والنور هو روحانية اللون، واللون هو تجسيد النور، وبدون النور يظل اللون حاضرا، ولكنه يشبه
стр. 8739
عندئذ جسدا بغير روح. ولذلك كان لكل مركَب لون سواء أكان هذا المركّب ينتمى إلى العالم الحسى أو عالم ما فوق الحسى. ولون العالم المعقول أبيض، أما لون عالم الروح فهو أصفر، ولون عالم النفس أخضر، وعالم الطبيعة احمر، وعالم المادة رمادى، والعالم الخيالى أخضر غامق، وعالم الجسم المادى أسود. وفى هذا السياق الروحى بوسعنا أن نتذكر الصيغة الشهيرة لنوفاليس: "اللون هو محاولة من المادة لكى تصبح نورا"، وكذلك قول رودلف شيتنر "ليس اللون كيفية من الكيفيات التى توضع على سطح الأشياء، بل هو نور يلمع منبثقا من روح الأشياء لتكشف عن نفسها لأرواحنا".
رمزية اللون:
للألوان قدرة على التأثير فى الكائن البشرى تأثيرا مستقلا عن ذلك الذى تمارسه على جهازه البصرى. كما أن الإحساس باللون هو -فى جوهره- إحساس فردى قبل أن يكون إحساسا جماعيا. وغنى عن البيان أن ثمة رابطة تربط بين الادراك الحسى لدى البشر والقدرة على الاستثارة والحياة النفسية. كذلك اعتاد الناس -منذ زمن سحيق- استخدام الألوان كمنظومة لتوصيل الفكر، وبوصفها "علامات" ورموز للأفكار المجردة. وعلى الرغم من أن كل لون لا يعد رمزا -مسلما به- لصفة تتسم بالعموم، إلا أنه أمكن عزل عدد من الثوابت بفضل الدراسة المقارنة. ولقد لعبت الألوان دورا مهما للغاية فى الطقوس والسحر والخرافة. كما أنه ليس بوسعنا تجاهل تأثيرات اللون النفسية والفسيولوجية والفيزيقية: إذ أن "لغة اللون" هذه -والتى تظهر فى الفن- تكشف عن دور -يصعب وصفه- تلعبه الدرجات اللونية، ولها قدرة على التفاعل لا غناء عنها لفن الرسم. وشاهد واحد من القرآن يكفى للتدليل على أن هذا هو الحال أيضا لدى العرب. فنحن نقرأ فى سورة النحل الآية ١٣ ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾. وقد سبق أن رأينا فى
стр. 8740
دراسة القيمة الدلالية لبعض الصفات اللونية وأنه كان بوسعهم أحيانا إدراج معنيين متضادين تماما تحت مسمى الصفة الواحدة. وهو ما لاحظناه بصفة خاصة فى اللونين الأبيض والأسود حيث نشتق منهما صفات مشتركة، واستخدم العرب عدة صفات للدلالة على الخمر، منها "الشراب الصافى" و"الشراب الذهبى". . إلخ. ويبدو أن هذا النهج من التفكير هو نفسه قد أدى بهم -نظرا لاعتقادهم فى الخرافات- إلى تجنب استخدام ألفاظ بعينها، ثم يستثيرونها فى الأذهان إما من خلال صورة بليغة أو باستخدام النقيض، وذلك فى الحالات التى يكون فيها السياق كفيلا بإيضاح المعنى دون لبس. ونحن نجد -حتى فى يومنا هذا- فى بعض أجزاء المشرق والمغرب من يتجنب نطق كلمة "أسود" (فهو لون ملعون) ويلجأ بدلا من ذلك إلى استخدام الصفة المضادة -وفى مراكش قد يكون المقصود بـ "الأبيض" القار والفحم أحيان. كما لوحظ أن نفس الصفة اللونية قد تصف لونين لتكشف لنا عن وجود صلة ما بينهما رغم اختلافهما. إذ يبدو -فى أعماق اللاوعى الجمعى حيث تمتد جذور البشرية- أن أسلافنا لم يشعروا بضرورة ماسة لإقامة تقسيم صارم بين الألوان التى تعد متقاربة لوجود أوجه تشابه فيما بينها من حيث السطوع مثل الأزرق والأخضر أو من حيث الشدة مثل الأصفر والأحمر. ويصدق هذا على العرب. فالقيمة الرمزية للأبيض عندهم لم تكن -فيما يبدو- تختلف كثيرا عما كان لهذا اللون من قيمة عند معظم الناس، فهناك من تداعيات المعانى ما هو كامن ولكنه عام وشائع -فاللون الذى يرمز إلى النصاعة والولاء والمَلكلية وهو الأبيض نجده -فى السيكولوجية الشعبية- يرمز فى غالب الأحيان للنقاء والبهجة والطهر والقدرية -والأبيض- وهو مزيج من كل الألوان -يعد بمثابة وحدة، بل صورة للألوهية. فجسد جبريل رئيس الملائكة أبيض كالثلج. والطائر الأبيض رسالة من السماء تحمل الأخبار الطيبة. والديك الأبيض يعد تجسيدا لمَلَك من الملائكة. ولقد أرسل اللَّه إلى آدم ديكا أبيض اللون ليدله على مواقيت الصلاة.
стр. 8741
وتعبير "يد بيضاء" -فى إشارة إلى سيدنا موسى حين أتى بالمعجزات التى عددها القرآن- هذا التعبير إنما يرمز إلى القدرة والقوة والسلطة. وكلمة "قلب أبيض" فى اللهجة العامية تعنى شخصا طيبا لطيف المعشر. و"الراية البيضاء" تعنى سمعة طيبة و"الأخبار البيضاء" تعنى رسالة مفرحة. وفى مصر يشبه اليوم الجميل باللبن أو الوردة البيضاء. ولكن قد يدل اللون الأبيض على الحزن والحداد كما هو الحال فى الشرق الأقصى، وفى أوربا لمدة طويلة، فالموت شاحب واللون الأبيض مضاد لحمرة الحياة. والكفن أبيض، والشعر الأبيض نذير الموت. وفى أسبانيا ومراكش وشرق فارس كان اللون الأبيض يعد أيضا لون حداد. لقد كان اللاوعى الشعبى مدركا أيضا للعلاقة التى تربط بين اللون الأبيض والموت. إذ يعبر عن نهاية الحياة بضروب من المجاز والاستعارة مثل "الموت الأبيض" موت مفاجئ وطبيعى، موت تقف المعرفة البشرية عاجزة إزاء مجهول لا سبيل إلى اكتناه سره. وكلمتا "أسود" و"سيد" يشكلان نموذجا لعلاقة قائمة على اشتقاق من أصل واحد للكلمتين، وهى علاقة مشحونة بالمعانى. فقد أدرك العرب أن اللون الأسود لون ذو هيمنة وله سحره الذى خلب لبّهم مع شعور بالخوف والخشية. فاللون الأسود والظلمة والليل والسر كل هذه أمور تقتضى منهم التوقير لها. وحجر الكعبة الأسود يعد من الأعمدة ذات الأثر الروحى. واللون الأسود هو رداء "الرحلة المجهولة". والحداد، وكل ضروب الحزن. وهو أيضا رمز مشترك للانتقام والتمرد (علم العباسيين الأسود). ويحتل اللون الأسود فى تاريخ الخرافة فى بلاد الإسلام مكانا متميزا. ويستخدم اللون الأسود كتميمة ضد "العين الشريرة". ويخلعون على القطة السوداء قوة سحرية هائلة، فهى من خلق الشيطان وأى شخص يأكل لحمها يتحصن ضد المرض، وإذا وضع طُحالها على جسد امرأة أوقف الطمث.
стр. 8742
والغراب الأسود عند المسلمين -وعند شعوب أخرى كثيرة- ذو تأثير مشئوم لأن الالتقاء بطائر نذير شؤم، فالطائر نذير الفراق. وسلاسل جهنم سوداء. والسحابة السوداء علامة على غضب اللَّه. وقابيل قتل هابيل بصخرة سوداء. و"السوداء" هى الصفراء مصدر الأسى والخوف. ويطلق على العدو لقب "الكبد الأسود". و"قلب أسود" تعنى شخصية فظة و"الأخبار السوداء" تعنى كارثة، و"حياة سوداء" تعنى حياة تعيسة و"وجه أسود" هو وجه الكذاب، و"الموت الأسود" وصف مقصور على الموت شنقا.
واللون الأزرق يقف على الطرف النقيض من اللون الأحمر، فهو لون بارد وزائل وعميق وروحى. فالسماء والبحر زرقاوان ومن ينغمس فيهما يضيع فى اللانهاية لأن عمقهما لا حدود له، والخوف الميتافيزيقى "خوف أزرق" وكان العرب يعدونه لونا سحريا مشئوما مزعجا ويدعو للقلق. والعيون الزرقاء مصدر الحظ التعس. ويوصف الكفار بأن لهم عيونا زرقاء. وفى مصر يعلقون قطع الشبة حول عنق الأطفال والكبار دفاعا ضد "العين الشريرة".
والحجر الأزرق يتمتع بقسط من القوة المقدسة لأن لونه سماوى. إن القوة السحرية للون الأزرق هى بمثابة المنفذ لأوامر القدر، والمدافع عن الإنسان ضده فى نفس الوقت. و"العدو الأزرق" هو العدو العنيد والقاتل وفى حديث السوريين حين يقولون عن شخص ما إن "عظامه زرقاء" فهذا يعنى أنه ماكر وحقود. واللون الأزرق لون شاحبى الوجه ومنهوكى القوى والخائفين. وتوجد آية وحيدة فى القرآن ذكر فيها الجذر ز - ر - ق وهى الآية ١٠٢ من سورة طه ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ وهى تصف حال المذنبين يوم القيامة. وهذا يفسر لماذا حرص العرب على تجنب ذكر هذا اللون كما هو شأنهم مع اللون الأسود. وفى بعض مناطق مصر يقولون "أخضر" بدلا من "أزرق" ويصفون اليوم النكد أو سيئ الطالع
стр. 8743
بأنه "يوم أسود" أو "يوم أزرق". ولنا أن نلاحظ أن لفظ "نيلة" فى اللغة السنسكريتية يستخدم بمعنى أزرق كما يستخدمونه بمعنى أسود، وكلا اللونين مشئومان. وفى مصر يستخدمون كلمة "نيلة" كعلامة على يوم النحس والفشل.
ويأتى اللون الأخضر فى منتصف المسافة بين الأحمر الملتهب والأزرق السماوى ليلعب دورا وسيطا، فهو شكل من أشكال الوسطية أو التوازن وهو أمر أثير لدى الإسلام، وهو يرمز -عند العرب وعند شعوب أخرى كثيرة- للحظ السعيد، والخصوبة الطبيعية، والحياة النباتية، والشباب. والراية الخضراء لرسول اللَّه [ ﷺ ] ورداء سيدنا على الأخضر قد أصبحا عند المسلمين شعار الدين. وأصبح اللون الأخضر -بوصفه لونا خيرًا- جزء من روح العرب إلى حد أن لهجتهم العامية مليئة بالتعبيرات التى يرد فيها اسم هذا اللون كرمز للبهجة والمرح والنجاح -وتعبير "اليد الخضراء" يستخدم فى سوريا لوصف الشخص إذا كان سعيد الحظ، وإذا تمنى أحدهم لشخص ما عاما سعيدا فهو يستخدم تعبير "سنة خضراء". وحين ينتقل المرء ليقيم فى منزل جديد، يعلق أوراق البنجر الخضراء كرمز للحظ السعيد. [والعرب المحدثون يقولون قَدْم خضراء أى تجلب السعد]. والملاك جبريل له جناحان خضراوان. والعرش فى السموات العلى من جواهر خضراء اللون، ورداء سيدنا إبراهيم فى الجنة أخضر اللون. واللوح المحفوظ من الزمرد. وفى مجال الرمزية وعلوم السحر والتنجيم هم ينظرون إلى الزمردة -ذلك الحجر الكريم أخضر اللون- على أنها ذات دلالة لا يدركها سوى الخاصة وأن اللَّه قد منحها قوة مجددة. يقول السّمنانى "إن اللون الأخضر هو أليق الألوان بسر الأسرار" وفى علم الكون الإسلامى نجد أن "القاف" وهو الجبل المحيط بالعالم الأرضى مصنوع من الزمرد الذى تعكس لونه القبة السماوية. وصورة "الموت الأخضر" تشير إلى
стр. 8744
ارتداء المرء أسمالا بالية أو جلبابا مرقعا كالدراويش والصوفية. فهذا ألطف ضروب الموت يتقبله المرء طواعية ويكتسب قيمة روحية.
أما لون الذهب والشمس، لون الزبدة والعسل، لون الكبريت واللهب الذى يحرق، أى اللون الأصفر، فيمثل مجموعة كبيرة من التناقضات على المستوى الرمزى، وهذا الأمر لا يقتصر على العرب وحدهم. فقد يشير إلى الجبن أو الخيانة أو إلى السلطة الملكية ومجدها. ورؤية آدم لملاك الموت جعلته يتفصد عرقا "بلون الزعفران"، وعند هبوط المسيح فى يوم الحساب سيكون لأهل الجنة وجوه بيضاء، أما أهل النار فوجوههم سوداء. ولما كان الناس محكوم عليهم بعذاب القبر فإن وجوههم ستكون فى لون الزعفران. ومن الشائع فى السيكولوجيا الشعبية الربط بين اللون الأصفر الزاهى والشباب والحب والانتظار والفراق. وعند الشعراء الأندلسيين كان لون النرجس الأصفر هو رمز العاشق الولهان ويرمز اللون الأصفر إلى ألم الفراق والصفراء اسم لمادة يفرزها الكبد. وفى أحاديث المشارقة "ابتسامة صفراء" تعنى ابتسامة مليئة بالحسد. ومن جهة أخرى نلاحظ أن مسلمى المشرق قد أظهروا ولعا خاصا باللون الأصفر فى العصر العباسى، وحتى الطعام كان باللون الأصفر بوضع الزعفران عليه. والأحمر لون النار والدم والعاطفة، والنزوة والخطر. فهو مرتبط أساسا بالقوة الحيوية، وكل صفة حربية.
إنه لون متفجر، حار، على عكس الأزرق والأخضر. واسم أول إنسان وهو آدم يعنى "أحمر" فى العبرية. ورمزيته تنطوى على تناقض مثل الأصفر فهو البهى وجهنمى فى وقت واحد. والكبريت الأحمر عند أصحاب العلوم الخفية يعنى الإنسان العالمى. ويقال إن الملائكة التى نزلت لمساعدة المسلمين فى غزوتى بدر وحنين ضد الكفار كانوا يرتدون عمائم أو أحزمة حمراء. ولكن يقال من جهة أخرى أن اللَّه حين أراد تدمير سبا والسد أرسل فئرانا حمراء لتقويض صروحها. وفى
стр. 8745
الأحاديث الشعبية يسمون السنة المنحوسة بالسنة الحمراء. وفى سوريا تعبير "عينه حمراء" تعنى شخصا قاسيا و"صوفه أحمر" تعنى أنه ملعون.
لقد رأينا أن مشكلة الألوان -رسالتها وإدراكها- أمر معقد كل التعقيد. لقد كان ثمة تطور محدد مر به الإدراك اللونى منذ بدايات البشرية. ففى بواكير العصور القديمة كان الإنسان -فيما يبدو- حساسا قبل كل شئ للضوء، أما بالنسبة للون بالمعنى الدقيق فكان إدراكه محدودا، وشيئا فشيئا أخذت الحياة النفسية، وبالتالى علم الدلالة، فى التمييز بين الفروق والدرجات اللونية للتمييز بينها وتحديدها. لقد بزغ ثراء الألوان اللانهائى ببطء عبر القرون. واتخذ التدرب على اللون مكانه وسط البيئة المحيطة بكل شعب. وتداخلت اللغة مع الإدراك الحسى دون أن يتمكنا من تغطية كل أبعاد المشكلة. لقد دخلت الرمزية فى عنصرى الذاتية والتناقض الكامنين فى كل إدراك حسى للون، بينما مد العقل البشرى مجال تأمله ونطاق تفكيره.
المصادر:
(١) الألوسى: رسالة فى الألوان.
(٢) الشهابى: ألوان الخيل وشيانها.
(٣) أحمد أمين: قاموس العادات التقاليد والتعابير المصرية، القاهرة ١٩٥٣.
(٤) حنين بن اسحق: فى الضوء وحقيقته، فى Machriq (١٨٩٩) ص ١١٥١ - ١١١٣.
(٥) الأشعرى: مقالات الإسلاميين، طبعة Ritter فايسبادن ١٩٦٣، ص ٣٣٩ وما بعده.
(٦) ابن سينا: كتاب الشفاء، طبعة Bako's، بيج ١٩٥٦ الجزء ١، ص ٩٠ وما يتبعه.
(٧) أخوان الصفا: الرسائل، بيروت ١٩٥٧، جزء ٢ ص ٣٩٦ وما يتبعه.
سعيد عبد المحسن [أ. مورابيا A. Morabia]
стр. 8746
ليبيا
عُرِفَتْ ليبيا باسمها هذا فى اللغة اللاتينية والإغريقية القديمة، وهو تحوير لاسمها الذى ورد فى النصوص المصرية القديمة فى صورة "ليبوا" Lebu or Libu. كما ورد اسم ليبيا فى العهد القديم (التوراة) فى صورة "لوبم" Lubim واستخدم الأغريق ومن بعدهم الرومان هذا الاسم، وأشار اليه الجغرافيون الإغريق جنبا إلى جنب مع الاسم "إفريقيا".
وفى كتابات أخرى كان يشار إليها على أنها إحدى مناطق شمال إفريقيا والتى تقع إلى الغرب من مصر.
وقد برزت ليبيا ككيان سياسى وشخصية مستقلة فى عصر الإمبراطور الرومانى دقليديانوس Diocletian (عن تاريخ ليبيا فى العصر الإسلامى انظر مادتى برقة وطرابلس).
ورد الاسم فى صورة "لوبيا" أو "لوبيه" لدى عديد من الجغرافيين العرب الأوائل.
وبعد الغزو الإيطالى فى الخامس من نوفمبر سنة ١٩١١ م صدر مرسوم ملكى فى أول يناير سنة ١٩٣٤ م بضم برقة وطرابلس فى مستعمرة واحدة سميت ليبيا. واحتفظت ليبيا باسمها هذا بعد استقلالها عن إيطاليا (*).
النقوش - البربرية:
عرف سكان المغرب والصحراء الإفريقية القدماء عددا كبيرا من الخطوط باسم الخط النوميدى Nomidian ثم بعد ذلك سميت بالخط الليبى Libyan وكانت أبجديتها تتكون من ثلاثة وعشرين حرفا أو أربعة وعشرين حرفا.
ويرى بعض العلماء أن تأثر الأبجدية الليبية الشرقية باللغة القرطاجية إنما حدث فى القرن الثالث أو بداية القرن الثانى قبل الميلاد. بينما يرجع علماء آخرون عملية التاثر هذه إلى عصر أقدم.
стр. 8747
وهناك من يرى أن الأبجدية الليبية قد اشتقت مباشرة من الأبجدية القرطاجية، ويستدلون على ذلك باسم الصورة الحديثة للأبجدية الليبية وهى التيفيناغ المتداولة بين قبائل الطوارق. ويرفض هذا الرأى علماء آخرون كثيرون وذلك على أساس أن الاستنتاج المبنى على علم الصرف والاشتقاق اللغوى لا يمثل الواقع، بل يؤدى عادة إلى نتائج خادعة مضللة. ومع ذلك تشترك الأبجدية الليبية مع الأبجدية القرطاجية فى الكثير من الرموز والتى لها نفس المعنى فى الأبجديتين مثل حروف الجيم والتاء والشين G. T. sh، كما أن الحروف القرطاجية سلسلة الأشكال بينما للحروف الليبية أشكال زاوية وهندسية، كما تختلف معانى الرموز فى كلا الأبجديتين.
وأما عن الأصل المحتمل الذى تطورت عنه الأبجدية الليبية فلا يمكن أن يكون أحد الأبجديات المعروفة فى الشرق الأوسط أو الأبجدية الفينيقية الإفريقية المعروفة فى قرطاج، وهناك من يعتقد أن الابجدية الليبية قد تطورت عن لغة قديمة مهجورة ربما تجود التنقيبات الأثرية بما يشير إليها، وربما كانت هذه اللغة القديمة هى إحدى لغات جنوب الجزيرة العربية مثل السبئية والحميرية [بكسر الحاء وتسكين الميم وفتح الياء وكسر الراء]، أو أيضا أبجدية التورديتان Turdetan فى جنوب أسبانيا. ويؤيد هذا الرأى وجود تشابه بين النقوش الليبية ونقوش جنوب الجزيرة العربية ونقوش جنوب أسبانيا.
وليس من الضرورى أن تكون عناصر الأبجدية قد نفذت إلى شمال إفريقيا عبر البحر، ولكن الأرجح أنها قد جاءت من داخل القارة ذاتها، وأن النقوش النوميدية الماسيليانية Numidian Massylian (والتى تمثل أحدث صور الأبجدية الليبية القديمة) قد تطورت عن أبجدية قديمة بعد اتصال أهلها بالقرطاجيين.
التاريخ الحديث:
أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا فى ٢٩ سبتمبر سنة ١٩١١ م وبدأت منذ
стр. 8748
ذلك التاريخ فى تنفيذ خطة طويلة الأمد لاحتلال الساحل الليبى. ولم تتمكن قوات الاحتلال الإيطالية من التغلغل إلى داخل الأراضى الليبية بعيدا عن الساحل، وذلك بسبب المقاومة المستميتة للقوات الليبية والتركية فى الدفاع عن الأراضى الليبية. وانتهت المفاوضات بين تركيا وإيطاليا إلى توقيع معاهدة صلح بينهما فى أوشى uchy فى ١٧ أكتوبر سنة ١٩١٢ م. ولم تستسلم المقاومة الليبية، وخلال الحرب العالمية الأولى حاصرت المقاومة الليبية القوات الإيطالية فى قواعدها الحصينة على الساحل الليبى وقاد أحمد الشريف قائد القوات السنوسية (١٨٧٣ - ١٩٣٣ م) المقاومة الليبية فى العديد من المدن الليبية مثل سرت وفزان وبرقة وغيرها، وكانت تدعمه تركيا وألمانيا.
وهاجم أحمد الشريف القوات البريطانية المتمركزة فى غرب مصر فى نوفمبر سنة ١٩١٥ م، وبعد هزيمته نقل كل سلطاته العسكرية والسياسية إلى محمد إدريس الشريف (ولد فى سنة ١٨٨٢ م). وعقد صلح عكرما بين إدريس الشريف والبريطانيين والإيطاليين فى أبريل سنة ١٩١٧ م. ثم استبدلت هذه المعاهدة بمعاهدة الرجما Al-Radjma بين الإيطاليين والليبيين فى أكتوبر سنة ١٩٢٠ م وفيها اعترف الإيطاليون بالإدريسى حاكما مستقلا (أميرا) للواحات الداخلية فى ليبيا.
وانقسم الزعماء الليبيون فى طرابلس، ورغم ذلك. فقد اتفق بعض زعماء القبائل مثل رمضان الشيتيووى وزعيم البربر سليمان البارونى وغيرهم، اتفقوا على تأسيس جمهورية طرابلس فى سنة ١٩١٩ م. إلا أن الخلافات دبت بين القبائل، وكمحاولة من جانب القبائل لتجنب الفتنة والصراع فيما بينهم واتحادهم فى مواجهة الإيطاليين قرروا تنصيب إدريس السنوسى أميرا لكل ليبيا. وإن كان قد وجد نفسه فى مأزق حرج بسبب ارتباطه بمعاهدة مع الإيطاليين، وفى نفس الوقت فقد كان رفضه لهذا العرض يضعف مركزه أمام أنصاره
стр. 8749
وتابعيه والموالين له، وفى النهاية قبل السنوسى، ولكنه سرعان ما هرب إلى القاهرة وذلك فى سنة ١٩٢٢ م.
وفى نفس العام الذى لجأ فيه السنوسى إلى القاهرة (١٩٢٢ م) تولى موسولينى الحكم فى روما، واشتعلت الحرب على نطاق واسع فى ليبيا. وتولى القيادة الزعيم الليبى عمر المختار ممثلا للسنوسى ونظم صفوف المقاومة فى الإقليم الصحراوى وأشعل المقاومة الشعبية ضد الغزو الإيطالى لليبيا قرابة عشر سنوات. وبعد ذلك جرح المختار فى إحدى المعارك وسجن وحكم عليه الإيطاليون بالإعدام شنقا أمام أنصاره وشعبه وذلك فى ١٦ سبتمبر ١٩٣١ م. وهدأت المقاومة الليبية بعد ذلك. وفى عام ١٩٣٥ م أتم الإيطاليون إنشاء طريق ساحلى استراتيجى يربط طرابلس ببرقة وقاموا ببعض المشروعات الزراعية فى الأراضى الساحلية ولكن أدى اشتعال الحرب العالمية الثانية إلى إعاقة تنفيذها وبعد صراع مرير بين ألمانيا وقوات الحلفاء، احتلت القوات البريطانية وقوات فرنسا الحرة ليبيا فى يناير ١٩٤٣ م. وكان إدريس السنوسى يقود المقاومة من القاهرة وفى هذا الإطار قدم العون للمجهود الحربى البريطانى فى صراعه مع القوات الإيطالية التى تحتل ليبيا، واشترك جيش من المنفيين الليبيين فى تحرير برقة تحت قيادة السنوسى.
وبعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها طرحت المسألة الليبية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة لتقرير مصيرها. وفى ٢١ نوفمبر ١٩٤٩ م اتخذت قرارا بوجوب استقلال ليبيا قبل أول يناير ١٩٥٢ م. وعينت الأمم المتحدة مندوبا عنها هو الفنلندى إدريان بيلت ليشرف على نقل السلطات من قوات الاحتلال البريطانية والفرنسية إلى حكومة ليبية. وقد ألهب قرار الأمم المتحدة باستقلال ليبيا المناقشات السياسية حول الصورة التى يجب أن تكون عليها ليبيا المستقلة.
стр. 8750
وانقسم الليبيون إلى فريقين، فريق يمثله زعماء القبائل التقليديين والقيادات الدينية، ثم فريق الجيل الأحدث الذى تشبع بأفكار تقدمية تهدف إلى الوحدة العربية والقومية العربية. . الخ. واتفق رجال القبائل وزعمائهم والقيادات السياسية والدينية، والتى تركزت فى فزان وبرقة، على الوحدة تحت التاج السنوسى. وحبذ الجيل الأحدث والمتأثر برياح القومية العربية، قيام جمهورية ليبية. وتركز أنصار هذا الاتجاه فى إقليم طرابلس، ولو تغلب هذا الفريق لأدى بدون شك إلى رجحان كفة الطرابلسيين بسبب كثرتهم العددية واقتصادهم الأكثر تطورا وتقدما بالمقارنة مع المناطق الصحراوية الداخلية، ومن ثم يقلل ذلك من نفوذ الإدريسيين وأنصارهم. وكان الإدريسيون على علاقة ودية قوية مع البريطانيين. وانتهت المجادلات السياسية فى نهاية الأمر بإعلان إدريس السنوسى رئيسا لإمارة برقة المستقلة (Cyrenaica)، بينما ظلت الشئون الخارجية والدفاع فى يد البريطانيين (١٩٤٩ م). وسعى السنوسى بعد ذلك لضم ليبيا كلها تحت حكمه بعد تحريرها من الاستعمار.
وأعلن استقلال ليبيا فى ٢٤ ديسمبر ١٩٥١ م -وإن تأخر تنفيذ ذلك بسبب اعتبارات دولية معينة حتى سنة ١٩٥٥ م. وتشكلت حكومة السنوسى بناء على اعتبارات قبلية وموروثات اجتماعية معينة، وتكونت تلك الحكومة من مجلسين هما مجلس الشيوخ أو الأعيان، ثم مجلس النواب. واحتفظ الملك بسلطات واسعة منها حقه فى اختيار وعزل رئيس الوزراء، وتعيين نصف أعضاء مجلس الشيوخ، وحل البرلمان المنتخب حينما يشاء. . . الخ. وبسبب عدم نضوج الوعى السياسى فى البلاد فقد نجم عن أول انتخاب أُجرى فى ١٩ فبراير ١٩٥٢ م فوز مرشحى الحكومة بالإضافة إلى بعض الزعماء المعارضين للحكومة. وتأججت التناقضات بين أنصار الحكومة ومعارضيها، وكانت المظاهرات تنطلق فى الشوارع لتعبر عن رأى المعارضين،
стр. 8751
وكانت المظاهرات تشتبك فى صدامات عنيفة مع قوات البوليس، وانتهى ذلك بإلغاء برامج التنمية وقيدت الحريات السياسية ومن تلك اللحظة اتجهت السياسة الليبية إلى نظام حكم العائلة الضيق وشهد العقدان التاليان زيادة الضغوط الداخلية فى المجتمع الليبى. وقد تم اكتشاف حقول البترول اعتبارا من سنة ١٩٥٥ م، وفى سنة ١٩٢٦ م انضمت ليبيا إلى منظمة أوبك. وفى سنة ١٩٦٩ م كانت ليبيا رابع أكبر الدول المنتجة للبترول. ومنذ ذلك الوقت خرجت من دائرة الدول الفقيرة التى تعتمد على المساعدات الاقتصادية، وأصبحت دولة غنية وبدأت تنفذ خططا تنموية مستغلة أموال البترول المتدفقة، وانعكس ذلك على وضعها السياسى فى الخارج.
أما فى الداخل فقد بدأت التطورات الحضرية ومن ثم ظهور طبقة التجار والفنيين والعماله المساعدة، وبدأ العاملون فى مجال البترول وأحواض السفن وغيرها فى تكوين نقابات واتحادات عمالية وتجارية. وظهرت وتبلورت تجمعات وطبقات اجتماعية جديدة بمتطلباتها، وطالبت تلك القوى الاجتماعية الجديدة بإصلاحات سياسية واجتماعية عديدة وتأجج الشعور الشعبى فى ليبيا بالقومية العربية وبالأفكار الناصرية السائدة وقتذاك. . .، وكان ذلك هو الاتجاه الشعبى فى ليبيا.
أما الحكومة الليبية التى كانت مرتبطة بعلاقات ود قوية مع دول الغرب منذ عام ١٩٥٣ م فى سياستها الخارجية ووجود قواعد عسكرية بريطانية وأمريكية فى ليبيا، فإنها لم تظهر تشجيعا وتعاطفا مع السياسة الناصرية، وذلك على الرغم من انضمام ليبيا إلى حظر تصدير البترول إلى دول الغرب بعد العدوان الإسرائيلى على مصر وسوريا والأردن فى سنة ١٩٦٧ م، وإن ليبيا عضو فى الجامعة العربية. . .، وقد أدى ذلك فى النهاية إلى تقويض سلطات الملك، وتم خلع إدريس السنوسى بعد ثورة الفاتح من سبتمبر ١٩٦٩ م. وعلى الرغم من الحماس
стр. 8752
والتأييد الشعبى الجارف لثورة الفاتح من سبتمبر، فإن هذه الثورة ظلت من شئون الجيش. وكان قد خطط لقيام الثورة وتنفيذها عدد من الضباط الأحرار منتهجين أسلوب وفلسفة الثورة الناصرية فى مصر (١٩٥٢ م). وبعد قيام الثورة تولى شئون البلاد مجلس لقيادة الثورة يضم اثنى عشر ضابطا بقيادة العقيد معمر القذافى. وكمحاولة من قيادة الثورة لتوسيع القاعدة السياسية فقد تم تشكيل تنظيم سياسى عرف باسم الاتحاد الاشتراكى العربى وذلك فى عام ١٩٧٢ م. وبسبب نقص الكوادر السياسية المدربة وعدم تأييد القيادات التقليدية الليبية لهذا التنظيم، فإنه لم يحقق نجاحا يذكر. وفى عام ١٩٧٣ م شكلت حكومة الثورة الليبية لجانا سياسية عرفت باللجان الشعبية، ووضع أيديولوجيتها قائد الثورة العقيد معمر القذافى فى الكتاب الأخضر والذى دعا فيه إلى تبنى نظرية سياسية - اقتصادية جديدة أطلق عليها اسم نظرية العالم الثالث.
وتدار دفة الحكم فى ليبيا من خلال مجالس شعبية تسمى المؤتمرات الشعبية، ولجان شعبية. وفى ٢ مارس ١٩٧٧ م تم نقل سلطات الحكم إلى الشعب وسميت الدولة باسم الجماهيرية الشعبية الليبية.
وفى مجال السياسة البترولية فقد انتهجت ليبيا سياسة وطنية أدت إلى رفع أسعار البترول، ومن ثم زيادة دخل البلاد من جراء ذلك.
الوضع الأثنوجرافى والديموجرافى (١):
بدأ المجتمع الليبى يشهد تغيرات عميقة ومتسارعة فى بنيته الاقتصادية والاجتماعية منذ بدأ استخراج وتصدير البترول الليبى على نطاق عالمى واسع مند بداية ستينيات القرن العشرين (٢).
وقد تأثرت ثقافة المجتمع الليبى ونظمه ومؤسساته السياسية
стр. 8753
والاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية بين أفراده، والإجراءات القانونية والمعتقدات الدينية وغيرها بالاعتبارات الجغرافية والتاريخية للبلاد.
أما الأقاليم الثلاثة الرئيسية فى ليبيا فهى طرابلس وبرقة وفزان.
ويمتد الشريط الساحلى الخصب إلى نحو ١٢٠٠ ميل وقد يزيد اتساعه عن خمسين ميلا فى بعض الأحيان، ويكون خليج سرت أهم معالم هذا الشريط الساحلى.
وتتمتع المناطق الساحلية بمناخ البحر الأبيض المتوسط وبوفرة المياه نسبيا وتقع فيها المدن الرئيسية فى ليبيا مثل طرابلس الغرب ومصراتة وبنغازى والبيضا وطبرق ودرنة وسرت والزاوية وترهونة والسلطان والعقيلة والبريقة وغميس وغيرها. ويتركز معظم السكان فى هذه المدن والقرى المرتبطة بها. وتعتبر طرابلس وجبل نفوسة أهم المواقع فى النطاق الساحلى الغربى فى ليبيا وتسقط على هذه المناطق كميات كبيرة من الأمطار وتقوم عليها بعض الزراعات مثل الزيتون الذى اشتهرت به هذه المنطقة منذ القدم. وفى هذه المنطقة بعض المدن التى يتحدث أهلها بلغة البربر.
ويقع بين الساحل الخصب والتلال سهوب الجفرة الجافة. ويضم القطاع الشرقى من الساحل الليبى ثانية أكبر المدن الليبية وهى بنغازى ثم سلسلة مرتفعات الجبل الأخضر والتى تشكل قوسا يحاذى خط الساحل من درنة حتى جنوب بنغازى. ويصل ارتفاع بعض قمم هذه السلسلة إلى ٢٠٠٠ قدم فوق سطح البحر، وتستقبل مرتفعات الجبل الأخضر والمناطق المحيطة بها كميات وفيرة من الأمطار سنويا.
ويقع جنوب النطاق الساحلى نطاق صحراوى جاف حتى أنه كان غير مناسب للإقامة الدائمة فيه فى الماضى (١).
ويلى هذا النطاق إلى الجنوب نطاق صحراوى أكثر جفافا من النطاق
стр. 8754
السابق، وتتأثر فى هذا النطاق العديد من الواحات مثل جغبوب وجالو، مراده، الكفره بالإضافة إلى نحو ست واحات أخرى فى منطقة فزان. ويقدر عدد السكان فى هذه المناطق الصحراوية الجافة بنحو ٥ % من سكان ليبيا. وقد ساعدت أمور كثيرة على تغلب الليبيين على الأحوال الجغرافية المتباينة فى البلاد.
وقبل الغزو الأوروبى لموانى إفريقيا الغربية فى القرن التاسع عشر، كانت معظم تجارة إفريقيا مع أوروبا تمر عبر الأراضى الليبية.
وحتى منتصف القرن العشرين كان يعيش أكثر من نصف السكان فى إقليم طرابلس والمناطق المجاورة، على الزراعة وتربية الماشية. وتميز سكان برقة Cyrenaica بطابع خاص غلبت عليه حياة البداوة والترحال ورعى الأغنام مع ممارسة الزراعة الموسمية المحدودة التى تعتمد على الأمطار الموسمية. . .، وطبع كل ذلك بقية المناطق بطابع القبلية والعصبية كما هو الحال فى بقية المناطق الصحراوية فى العالم العربى وشمال إفريقيا وغيرها.
وفى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى تعرضت ليبيا ودول شمال غرب إفريقيا والتى كان يقطنها البربر للغزو من قبائل بنى هلال وبنى سليم الآتية من جنوب الجزيزة العربية. واستقرت بطون من قبائل بنى هلال فى منطقة طرابلس، واستقرت أخرى فى برقة. وقد عجلت هذه الهجرات العربية فى تعريب المناطق البربرية فى شمال إفريقيا، ونشر الإسلام وامتزاج الدماء العربية بالدماء الإفريقية من خلال التزاوج. ورغم ذلك فقد حافظت بعض الجيوب البربرية على استقلالها ولم تختلط بالعرب. ويوجد فى إقليم طرابلس وعلى طول الأجزاء الشمالية من جبل نفوسة بين يفرن ونالوت وعلى الساحل فى زوارة مجتمعات زراعية رعوية ويتحدثون باللغة البربرية. ويشكلون حوالى ٤ % من مجموع السكان فى إقليم طرابلس، وهم يتبعون فرقة الإباضية (١).
стр. 8755
ويوجد فى واحة غدامس [على الحدود الليبية - التونسية - الجزائرية] وواحة غات [فى أقصى الجنوب العربى - قرب مرتفعات تسيلى] قبائل الطوارق الذين يتحدثون اللغة البربرية. وفى فزان وجنوب برقة تعيش قبائل تتحدث اللغة البربرية بالإضافة إلى لغة التيبو Tebu وهى لهجة سودانية. وعاش يهود ليبيا فى إقليم طرابلس بصفة رئيسية وكانوا يتحدثون اللغة العربية ويعملون فى التجارة واتسم مجتمعهم بطابع خاص هو طابع حارة اليهود [الجيتو].
والغالبية العظمى من الليبيين مسلمين ويتبعون أهل السنة على مذهب الإمام مالك رضى اللَّه عنه. وعرف الليبيون الطرق الصوفية والتى تركت بصمة واضحة فى تاريخ ليبيا من خلال حركة الإحياء التى قام بها وقادها السنوسيون، وهى طريقة صوفية أسسها محمد على السنوسى (١٧٨٧ - ١٨٥٩ م) وقد انتشرت هذه الطريقة الصوفية فى الواحات من إقليم طرابلس حتى السودان. وكان لأتباع هذه الطريقة دور كبير فى مقاومة الاحتلال الإيطالى. وفى النهاية حكم أتباعها ليبيا تحت قيادة الملك إدريس السنوسى. وهو سليل مؤسس هذه الفرقة الدينية السياسية التى أيقظت الحماس الوطنى الليبى ووحدتهم لمقاومة الاستعمار الإيطالى. وخلال فترة الاحتلال الإيطالى لليبيا أنشأ الإيطاليون عددًا من المشاريع الزراعية وكونوا شركات تتولى إدارة تلك المشاريع وذلك فى عشرينيات القرن العشرين. وتطورت هذه المشاريع لتصبح مستعمرات زراعية يمتلكها الإيطاليون وعائلاتهم. وقد غير الاحتلال الإيطالى كثيرا من الأحوال الاقتصادية والاجتماعية فى المجتمع الليبى، فقد استقر عدد من البدو الرحل للعمل فى المشاريع الزراعية وتفككت الروابط الاجتماعية، وانتشر التعليم، وزادت هجرة أهل الصحراء والقرى إلى المدن الكبيرة ليعملوا كأجراء وأرباب مهن وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد استقلال ليبيا تكونت طبقة جديدة من الفلاحين الذين وزعت عليهم الحكومة الليبية مساحات من الأراضى