وكانت المظاهرات تشتبك فى صدامات عنيفة مع قوات البوليس، وانتهى ذلك بإلغاء برامج التنمية وقيدت الحريات السياسية ومن تلك اللحظة اتجهت السياسة الليبية إلى نظام حكم العائلة الضيق وشهد العقدان التاليان زيادة الضغوط الداخلية فى المجتمع الليبى. وقد تم اكتشاف حقول البترول اعتبارا من سنة ١٩٥٥ م، وفى سنة ١٩٢٦ م انضمت ليبيا إلى منظمة أوبك. وفى سنة ١٩٦٩ م كانت ليبيا رابع أكبر الدول المنتجة للبترول. ومنذ ذلك الوقت خرجت من دائرة الدول الفقيرة التى تعتمد على المساعدات الاقتصادية، وأصبحت دولة غنية وبدأت تنفذ خططا تنموية مستغلة أموال البترول المتدفقة، وانعكس ذلك على وضعها السياسى فى الخارج.
أما فى الداخل فقد بدأت التطورات الحضرية ومن ثم ظهور طبقة التجار والفنيين والعماله المساعدة، وبدأ العاملون فى مجال البترول وأحواض السفن وغيرها فى تكوين نقابات واتحادات عمالية وتجارية. وظهرت وتبلورت تجمعات وطبقات اجتماعية جديدة بمتطلباتها، وطالبت تلك القوى الاجتماعية الجديدة بإصلاحات سياسية واجتماعية عديدة وتأجج الشعور الشعبى فى ليبيا بالقومية العربية وبالأفكار الناصرية السائدة وقتذاك. . .، وكان ذلك هو الاتجاه الشعبى فى ليبيا.
أما الحكومة الليبية التى كانت مرتبطة بعلاقات ود قوية مع دول الغرب منذ عام ١٩٥٣ م فى سياستها الخارجية ووجود قواعد عسكرية بريطانية وأمريكية فى ليبيا، فإنها لم تظهر تشجيعا وتعاطفا مع السياسة الناصرية، وذلك على الرغم من انضمام ليبيا إلى حظر تصدير البترول إلى دول الغرب بعد العدوان الإسرائيلى على مصر وسوريا والأردن فى سنة ١٩٦٧ م، وإن ليبيا عضو فى الجامعة العربية. . .، وقد أدى ذلك فى النهاية إلى تقويض سلطات الملك، وتم خلع إدريس السنوسى بعد ثورة الفاتح من سبتمبر ١٩٦٩ م. وعلى الرغم من الحماس
стр. 8752
والتأييد الشعبى الجارف لثورة الفاتح من سبتمبر، فإن هذه الثورة ظلت من شئون الجيش. وكان قد خطط لقيام الثورة وتنفيذها عدد من الضباط الأحرار منتهجين أسلوب وفلسفة الثورة الناصرية فى مصر (١٩٥٢ م). وبعد قيام الثورة تولى شئون البلاد مجلس لقيادة الثورة يضم اثنى عشر ضابطا بقيادة العقيد معمر القذافى. وكمحاولة من قيادة الثورة لتوسيع القاعدة السياسية فقد تم تشكيل تنظيم سياسى عرف باسم الاتحاد الاشتراكى العربى وذلك فى عام ١٩٧٢ م. وبسبب نقص الكوادر السياسية المدربة وعدم تأييد القيادات التقليدية الليبية لهذا التنظيم، فإنه لم يحقق نجاحا يذكر. وفى عام ١٩٧٣ م شكلت حكومة الثورة الليبية لجانا سياسية عرفت باللجان الشعبية، ووضع أيديولوجيتها قائد الثورة العقيد معمر القذافى فى الكتاب الأخضر والذى دعا فيه إلى تبنى نظرية سياسية - اقتصادية جديدة أطلق عليها اسم نظرية العالم الثالث.
وتدار دفة الحكم فى ليبيا من خلال مجالس شعبية تسمى المؤتمرات الشعبية، ولجان شعبية. وفى ٢ مارس ١٩٧٧ م تم نقل سلطات الحكم إلى الشعب وسميت الدولة باسم الجماهيرية الشعبية الليبية.
وفى مجال السياسة البترولية فقد انتهجت ليبيا سياسة وطنية أدت إلى رفع أسعار البترول، ومن ثم زيادة دخل البلاد من جراء ذلك.
الوضع الأثنوجرافى والديموجرافى (١):
بدأ المجتمع الليبى يشهد تغيرات عميقة ومتسارعة فى بنيته الاقتصادية والاجتماعية منذ بدأ استخراج وتصدير البترول الليبى على نطاق عالمى واسع مند بداية ستينيات القرن العشرين (٢).
وقد تأثرت ثقافة المجتمع الليبى ونظمه ومؤسساته السياسية
стр. 8753
والاقتصادية، والعلاقات الاجتماعية بين أفراده، والإجراءات القانونية والمعتقدات الدينية وغيرها بالاعتبارات الجغرافية والتاريخية للبلاد.
أما الأقاليم الثلاثة الرئيسية فى ليبيا فهى طرابلس وبرقة وفزان.
ويمتد الشريط الساحلى الخصب إلى نحو ١٢٠٠ ميل وقد يزيد اتساعه عن خمسين ميلا فى بعض الأحيان، ويكون خليج سرت أهم معالم هذا الشريط الساحلى.
وتتمتع المناطق الساحلية بمناخ البحر الأبيض المتوسط وبوفرة المياه نسبيا وتقع فيها المدن الرئيسية فى ليبيا مثل طرابلس الغرب ومصراتة وبنغازى والبيضا وطبرق ودرنة وسرت والزاوية وترهونة والسلطان والعقيلة والبريقة وغميس وغيرها. ويتركز معظم السكان فى هذه المدن والقرى المرتبطة بها. وتعتبر طرابلس وجبل نفوسة أهم المواقع فى النطاق الساحلى الغربى فى ليبيا وتسقط على هذه المناطق كميات كبيرة من الأمطار وتقوم عليها بعض الزراعات مثل الزيتون الذى اشتهرت به هذه المنطقة منذ القدم. وفى هذه المنطقة بعض المدن التى يتحدث أهلها بلغة البربر.
ويقع بين الساحل الخصب والتلال سهوب الجفرة الجافة. ويضم القطاع الشرقى من الساحل الليبى ثانية أكبر المدن الليبية وهى بنغازى ثم سلسلة مرتفعات الجبل الأخضر والتى تشكل قوسا يحاذى خط الساحل من درنة حتى جنوب بنغازى. ويصل ارتفاع بعض قمم هذه السلسلة إلى ٢٠٠٠ قدم فوق سطح البحر، وتستقبل مرتفعات الجبل الأخضر والمناطق المحيطة بها كميات وفيرة من الأمطار سنويا.
ويقع جنوب النطاق الساحلى نطاق صحراوى جاف حتى أنه كان غير مناسب للإقامة الدائمة فيه فى الماضى (١).
ويلى هذا النطاق إلى الجنوب نطاق صحراوى أكثر جفافا من النطاق
стр. 8754
السابق، وتتأثر فى هذا النطاق العديد من الواحات مثل جغبوب وجالو، مراده، الكفره بالإضافة إلى نحو ست واحات أخرى فى منطقة فزان. ويقدر عدد السكان فى هذه المناطق الصحراوية الجافة بنحو ٥ % من سكان ليبيا. وقد ساعدت أمور كثيرة على تغلب الليبيين على الأحوال الجغرافية المتباينة فى البلاد.
وقبل الغزو الأوروبى لموانى إفريقيا الغربية فى القرن التاسع عشر، كانت معظم تجارة إفريقيا مع أوروبا تمر عبر الأراضى الليبية.
وحتى منتصف القرن العشرين كان يعيش أكثر من نصف السكان فى إقليم طرابلس والمناطق المجاورة، على الزراعة وتربية الماشية. وتميز سكان برقة Cyrenaica بطابع خاص غلبت عليه حياة البداوة والترحال ورعى الأغنام مع ممارسة الزراعة الموسمية المحدودة التى تعتمد على الأمطار الموسمية. . .، وطبع كل ذلك بقية المناطق بطابع القبلية والعصبية كما هو الحال فى بقية المناطق الصحراوية فى العالم العربى وشمال إفريقيا وغيرها.
وفى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى تعرضت ليبيا ودول شمال غرب إفريقيا والتى كان يقطنها البربر للغزو من قبائل بنى هلال وبنى سليم الآتية من جنوب الجزيزة العربية. واستقرت بطون من قبائل بنى هلال فى منطقة طرابلس، واستقرت أخرى فى برقة. وقد عجلت هذه الهجرات العربية فى تعريب المناطق البربرية فى شمال إفريقيا، ونشر الإسلام وامتزاج الدماء العربية بالدماء الإفريقية من خلال التزاوج. ورغم ذلك فقد حافظت بعض الجيوب البربرية على استقلالها ولم تختلط بالعرب. ويوجد فى إقليم طرابلس وعلى طول الأجزاء الشمالية من جبل نفوسة بين يفرن ونالوت وعلى الساحل فى زوارة مجتمعات زراعية رعوية ويتحدثون باللغة البربرية. ويشكلون حوالى ٤ % من مجموع السكان فى إقليم طرابلس، وهم يتبعون فرقة الإباضية (١).
стр. 8755
ويوجد فى واحة غدامس [على الحدود الليبية - التونسية - الجزائرية] وواحة غات [فى أقصى الجنوب العربى - قرب مرتفعات تسيلى] قبائل الطوارق الذين يتحدثون اللغة البربرية. وفى فزان وجنوب برقة تعيش قبائل تتحدث اللغة البربرية بالإضافة إلى لغة التيبو Tebu وهى لهجة سودانية. وعاش يهود ليبيا فى إقليم طرابلس بصفة رئيسية وكانوا يتحدثون اللغة العربية ويعملون فى التجارة واتسم مجتمعهم بطابع خاص هو طابع حارة اليهود [الجيتو].
والغالبية العظمى من الليبيين مسلمين ويتبعون أهل السنة على مذهب الإمام مالك رضى اللَّه عنه. وعرف الليبيون الطرق الصوفية والتى تركت بصمة واضحة فى تاريخ ليبيا من خلال حركة الإحياء التى قام بها وقادها السنوسيون، وهى طريقة صوفية أسسها محمد على السنوسى (١٧٨٧ - ١٨٥٩ م) وقد انتشرت هذه الطريقة الصوفية فى الواحات من إقليم طرابلس حتى السودان. وكان لأتباع هذه الطريقة دور كبير فى مقاومة الاحتلال الإيطالى. وفى النهاية حكم أتباعها ليبيا تحت قيادة الملك إدريس السنوسى. وهو سليل مؤسس هذه الفرقة الدينية السياسية التى أيقظت الحماس الوطنى الليبى ووحدتهم لمقاومة الاستعمار الإيطالى. وخلال فترة الاحتلال الإيطالى لليبيا أنشأ الإيطاليون عددًا من المشاريع الزراعية وكونوا شركات تتولى إدارة تلك المشاريع وذلك فى عشرينيات القرن العشرين. وتطورت هذه المشاريع لتصبح مستعمرات زراعية يمتلكها الإيطاليون وعائلاتهم. وقد غير الاحتلال الإيطالى كثيرا من الأحوال الاقتصادية والاجتماعية فى المجتمع الليبى، فقد استقر عدد من البدو الرحل للعمل فى المشاريع الزراعية وتفككت الروابط الاجتماعية، وانتشر التعليم، وزادت هجرة أهل الصحراء والقرى إلى المدن الكبيرة ليعملوا كأجراء وأرباب مهن وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. وبعد استقلال ليبيا تكونت طبقة جديدة من الفلاحين الذين وزعت عليهم الحكومة الليبية مساحات من الأراضى
стр. 8756
الزراعية التى كان يمتلكها المستعمر الإيطالى، ثم قامت الحكومة بتأميم الأراضى الزراعية فى سنة ١٩٧١ م وأنشأت هيئة للإصلاح الزراعى ونظمت عمليات الرى وتوطين البدو. ومنذ ثورة ١٩٦٩ م وضعت عددا من خطط التنمية فى كل أرجاء ليبيا مثل سهل الجفرة، والجبل الأخضر، والكفرة، والسرير، وفزان. . . الخ وعملت الحكومة على زيادة دور القطاع الزراعى فى تنمية الاقتصاد الليبى.
وبدأت ليبيا فى إنتاج وتصدير البترول على نطاق عالمى واسع منذ سنة ١٩٦٤ م، ومنذ ذلك الوقت تحولت ليبيا من دولة زراعية فقيرة يغلب عليها الطابع الصحراوى إلى دولة بترولية غنية، بل ومن أكبر الدول المصدرة للبترول. وبلغ الدخل السنوى من البترول فى سنة ١٩٧٨ م ثمانية آلاف مليون دولار أمريكى، وأصبحت ليبيا أغنى دولة فى إفريقيا، والدولة رقم ١٥ فى قائمة الدول الغنية فى العالم فى سنة ١٩٧٧ م كما أشار إلى ذلك تقرير البنك الدولى. واعتمد الاقتصاد الليبى على تصدير البترول بصفة رئيسية. وفى سنة ١٩٧٣ م غيرت الحكومة اسم الدولة إلى الجماهيرية الليبية العربية الشعبية.
وركزت الحكومة الليبية فى الخطة الخمسية (١٩٧٦ - ١٩٨٠ م) على توفير الكهرباء والمياه والصرف الصحى والإسكان والصناعات من خلال بناء ثلاثة مجمعات صناعية عملاقة. وبدأت الحكومة فى تحديث المجتمع الليبى والرقى به. وفى سنة ١٩٧٨ م كان يعيش نصف السكان فى ليبيا (البالغ عددهم نحو ٣.٠١٤.١٠٠ نسمة، منهم ٢.٥٩٧.٦٠٠ ليبى) فى المدن (تضم كل مدينة نحو ٢٠.٠٠٠ أو أكثر). وزاد سكان المدن بسبب الهجرة الداخلية إليها من القرى والمناطق الزراعية، بالإضافة إلى الوافدين من العمالة الأجنبية إلى تلك المدن. وما بين عامى ١٩٦٦، ١٩٧٣ م زادت الهجرة إلى المدن الليبية زيادة كبيرة بلغت نحو ٢٠ %. وهى أعلى معدل زيادة فى تعداد المدن فى العالم (متوسط الزيادة العالمية فى تعداد المدن نحو ٤.٢ %).
стр. 8757
وتضم المناطق الحضرية فى طرابلس وبنغازى (والتى تشكل نحو ١٠ % من مساحة ليبيا) حوالى ٩٢ % من مجموع الشعب الليبى. ويوجد فى هذه المناطق الحضرية ١٤ مدينة من ١٥ مدينة ويبلغ تعداد المدينة عشرة آلاف نسمة على الأقل. وغطت هذه المناطق حوالى ٨٦ % من الانتاج الزراعى فى ليبيا. وزاد تعداد طرابلس من حوالى ٣٠.٠٠٠ نسمة فى بداية القرن العشرين إلى حوالى ١١٠.٠٠٠ نسمة فى سنة ١٩٣١ م وإلى حوالى ٢٤٠.٠٠٠ نسمة فى سنة ١٩٥٤ م، وبلغ نحو ٨٢٠.٠٠٠ نسمة فى سنة ١٩٨٠ م. أما بنغازى فبلغ تعداد سكانها ٤٠٠.٠٠٠ نسمة فى سنة ١٩٨٠ م ويتوقع أن يصل تعداد الشعب الليبى ما بين ٥.٥ و ٧ مليون نسمة فى نهاية القرن العشرين، يعيش ٦٧ - ٧٤ % منهم فى مدن يصل تعداد المدينة الواحدة منها نحو ٢٠.٠٠٠ نسمة أو أكثر، مما يعنى أنه يتوقع زيادة تعداد السكان فى المدن الليبية من ثلاث إلى أربعة مرات فى نهاية القرن العشرين.
د. مصطفى محمود سليمان [كمبس، بروان G. Camps & KI. Brown]
الليث بن سعد
ابن عبد الرحمن الفَمهْى، أبو الحارث، مُحَدِثٌ ومُفْتٍ، ينسب إلى طبقة التابعين العظام. ولد وتوفى فى مصر ولد فى قَرْقَشَنْد المعروفة بقرقشنده (قلقشندة) فى محافظة القليوبية فى شهر شعبان سنة ٩٤ هـ/ مايو ٧١٣ م -وتوفى فى القاهرة فى ١٤ شعبان سنة ١٧٥ هـ/ ١٦ ديسمبر ٧٩١ م. يقوم قبر "الإمام الليث" فى (إحدى جبانات القاهرة). ويصنف عالم مصر هذا بالإجماع فى طبقة (فقهاء الأمصار) الحجة فى مسائل العلم الدينى، فى السنوات الأولى للدولة الإسلامية، وهم: أبو حنيفة، وسفيان الثورى، وابن أبى ليلى [الكوفة]، وابن جُرَيْح [مكة]، ومالك [لمدينة] والأوزاعى [الشام] وأخيرًا، الليث بن سعد [مصر]. ويعد ابن حزم الظاهرى المعروف بمواقفه الانتقادية المتشددة للمذاهب الفقهية (المالكية بوجه خاص) كل هؤلاء بمثابة خلفاء لمالك عن جدارة من حيث المعرفة الواسعة، والذكاء،
стр. 8758
والاستقامة (الأحكام فى أصول الأحكام، جـ ٢، ص ١٣٨). وقد لقى الليث تقديرًا لا يستهان به من الإمام الشافعى الذى يرى أن دراسة الحديث النبوى الشريف ترتكز أساسا على هؤلاء الأئمة التقاة: مالك، وسفيان الثورى، والليث بن سعد.
ولا تتوافر عن أخبار حياة الليث العملية سوى شذرات متناثرة (انظر المقال المخصص له فى كتاب "تاريخ بغداد"، جـ ١٣، ص ٣ - ١٤). وجمع فى تلقيه علم الحديث بين كل من المكيين (مع ابن شهاب، ونافع، وعطاء ابن رابح من بين آخرين)، والمدنيين (مع مالك). سافر الليث إلى بغداد فى شهر شوال سنة ١٦١ هـ/ يوليو ٧٧٨ م، وأحرز تدريسه للحديث فيها نجاحًا باهرًا، وحظى برعاية هارون الرشيد. ويقال إن تواضعه قد منعه من طلب التكريم وشغل المناصب فى الدولة. وعند عودته إلى مصر وقف نفسه على التدريس، وعلى إدارة ثروته الكبيرة على ما يبدو. كان دخله فى السنة خمسة وعشرين ألف دينار، وما وجبت فى ماله زكاة لسخائه. وكان الليث طوال حياته لطيف المعشر فاضلًا نبيلًا (بسبب ثروته دون شك). ووفق رواية رجل عرفه حق المعرفة لفترة تزيد على عشرين سنة، أنه لم يره البتة، وهو يتناول غداءه أو عشاءه إلا مع زمرة من أصحابه ومريديه. لقد عاش الليث عيشة فخيمة، وعرف كيف يستمتع بثروته. وإذا كان أسلوب حياة من هذا القبيل قد أتاح له قدرًا معينًا من الفراغ للمشاركة فى الحياة العامة، أو لجلسات الحديث اليومية، إلا أنه كان لا ينسجم مع الفترات الزمنية الطويلة المنضبطة للعمل إلا بشق الأنفس. أضف إلى ذلك، أن عمل الليث المكتوب يبدو أقل كثيرًا (انظر قائمة الكتت والمؤلفات) بالمقارنة إلى قائمة كتب مؤلفات مالك (٩٣ - ١٧٩ هـ/ ٧١١ - ٧٩٥ م) الذى استطاع فى جو المدينة البسيط أن يحيا حياة علمية منتجة بدرجة أكثر إلى حد بعيد.
стр. 8759
وكتَّاب سيرة الليث يقارنونه بمالك على الدوام، بهدف نسبة التفوق إلى الليث فى مجالات عديدة.
ومن المهم فى هذا السياق هو أن المؤلفين العمدة قد ناقشوا مسألة المشروعية فيما إذا كان يجب منح الليث لقب "إمام"، ولم يضعوا فى حسبانهم ورعه وفضائله وحدها، بل وضعوا أيضا أهمية مذهبه وأثره فى الأمة (تاريخ بغداد، جـ ١٣، ص ١٣). وما دام حكم الأخلاف سلبيًا فى هذه النقطة، فإن كل ما نحتاج إلى الاستشهاد به هنا هو رأى سجله الخطيب البغدادى (ت فى سنة ٤٦٣ هـ/ ١٠٧١ م) يعنى أنه لو لم يوجد مالك لحظى تفوق الليث باعتراف شامل، (انظر تاريخ بغداد، جـ ١٣، ص ٧). ولأن الليث كان تلميذًا لمالك، فإنه كان فى موقف يؤكد استقلاله بالنسبة لمعاصره المُبَرَّز، مع احتفاظه بعلاقة متسمة بالود معه، والرغبة فى التعاون الفكرى (انظر رسالته إلى مالك بن أنس فى ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين، جـ ٣ الطبعة الثانية، ص ٩٤ - ١٠٠). وإذا كان تأثير الليث طفيفا بالتأكيد فى مجال "الفقه" إلا أن اسمه سوف يبقى مرتبطًا بعلم الحديث، حيث ينسب إليه العلماء العمدة، الكفاية والاستقامة الراسختين.
المصادر:
(١) GAS: Sezgin، جـ ١، ص ٥٢٠، رقم ٧، حيث عمل الليث (١ - حديث؛ ٢ - مجلس من فوائد الليث؛ ٣ - الرسالة المتقدم ذكرها تلحق بكتاب المسائل فى الفقه، واستشهد بها فى الفهرست لابن النديم (١٩٩).
(٢) الخطيب البغدادى: تاريخ بغداد، القاهرة - بغداد سنة ١٣٤٩ هـ/ ١٩٣١ م، جـ ١٣، ص ٣ - ١٤ (بند رقم ٦٩٦٠).
(٣) محمد بن عبد اللَّه العمرى التبريزى: مشكاة المصابيح، دمشق سنة ١٣٨٠ - ٢ هـ/ ١٩٦١ - ٢ م، جـ ٣، ص ٧٤٥.
(٤) R. G. Khoury: Al-layth ibn sa'd (٩٤١٧١٣ - ١٧٥١٧٩١), grand maite de mecene de l'Egypte, vu a travers quelques
стр. 8760
documents islamiques anciens، فى Festschrit abia Abbott, Jourmnal of ear Eastern Studies م ١١/ ٣ (سنة ١٩٨١)، ص ١٨٩ - ٢٠٢.
حسن شكرى [أ. مراد A. Merad]
الليث بن المظفر
فقيه لغوى وقاض عربى، وحفيد والى خراسان الأموى نصر بن سيَّار الكِنَانى الليثى (ت فى سنة ١٣١ هـ/ ٧٤٨ م، وهو فى الخامسة والثمانين من عمره). يعرف أحيانًا بأنه ابن نصر بن سيَّار، أو حتى بأنه ابن لابن ثالث مزعوم لجده رفيع بن ليث بن نصر بن سيَّار.
وأخبار سيرة حياة الليث (أوليث) ضئيلة للغاية. وقد تلقى قواعد اللغة: تأليف المعاجم على أيدى العلامة قاضى الكوفة قاسم بن معن (ت فى سنة ١٧٥ هـ/ ٧٩١ م)، وكان كاتبًا للبرامكة واكتسب سمعة حسنة. ويبدو أن علاقته بشيخ العربية الخليل بن أحمد (ت فى سنة ١٧٥ هـ/ ٧٩١ م) الذى لم يكن أكبر منه كثيرًا، فى السن، كانت قائمة على الثقة والود الحميم. ونحن نعلم ذلك من كتب التراث الزاخرة بالنوادر، ونعلم أيضًا أنه نقح وأكمل "كتاب العين" للخليل بعد موته. كما تذكر بعض المصادر. ومن المحتمل أن الليث قد أنهى هذا العمل فى بداية ثمانينات القرن الثانى الهجرى (حوالى سنة ٨٠٠ م)، وسرعان ما وافته المنية، وبعبارة أخرى، قبل زوال نفوذ البرامكة ونكبتهم على أيدى الرشيد فى سنة ١٨٧ هـ/ ٨٠٣ م. ويعده فقهاء اللغة المتأخرون زمنيًا المؤلف الحقيقى لكتاب العين، وتثبت أبحاث قريبة العهد هذا الرأى، وخصوصًا فيما يتعلق بحجم المادة -وأحيانا يترك مؤلفوها هذه المسألة، ولا يقطعون فيها برأى، ويتحدثون عن صاحب "كتاب العين"؛ بينما ينسب آخرون ألوانًا من سوء الفهم، والأخطاء التى اعتقدوا أنها تكتشف فى أول معجم عربى نتيجة لذلك التنقيح (بشأن الأعمال التى كتبت قبل خلفية مثل هذا النقد، انظر
стр. 8761
J. Kraemer فى Qriens، م ٦ [سنة ١٩٥٣]، ص ٢٠٨ وما بعدها).
المصادر:
بالإضافة إلى المصادر المذكورة فى صلب مادة خليل بن أحمد، انظر:
(١) Die grumnnatisclien schulen de Araber: G. Fluegl، ليبسك سنة ١٨٦٢ (أعاد طبعه Nendeln سنة ١٩٦٦)، ص ٣٩ - ٤٢.
(٢) E.Braeunlich فى Islamica، م ٢ (سنة ١٩٢٦)، ص ٦٩؛ وما بعدها، وص ٨٥ ما بعدها.
(٣) الأب انستاس الكرملى: فى Der Islam م ١٥ (سنة ١٩٢٦ م)، ص ٢٩٦.
(٤) S. Wild: Das Kitab al-Ain and die arabische exikoraphie, فيسبادن سنة ١٩٦٥، ص ١٤، ١٦.
(٥) H. Fleiseh: Traite de plrilologie arabe، بيروت سنة ١٩٦١، جـ ١، الفهرس.
(٦) ابن المعتز: طبقات الشعراء، القاهرة سنة ١٣٧٥ هـ/ ١٩٥٦ م، ص ٩٧ وما بعدها.
(٧) أبو الطيب اللغوى، مراتب النحويين، القاهرة سنة ١٣٧٥ هـ/ ١٩٥٥ م، ص ٣١.
(٨) المرزبانى: المقتبس، بيروت - فيسبادن سنة ١٩٦٤، ص ٥٩، ٢٧٩ وما بعدها.
(٩) الأزهرى: تهذيب اللغة (مقدمة) فى Le Monde Oriental، م ١٤ (سنة ١٩٢٠)، ص ٢٧ وما بعدها.
(١٠) ابن حزم: جمهرة أنساب العرب، القاهرة سنة ١٣٨٢ هـ / ١٩٦٢ م، ص ١٨٣ وما بعدها (انظر D. Moeller: Studient Zur mittellterlichen arabischen Falknereiliteratur, برلين سنة ١٩٦٥، ص ٥٥ وما بعدها).
(١١) ياقوت: معجم الأدباء، جـ ٦، ص ٢٢٢ - ٢٢٧.
(١٢) القفطى: إنباه الرواة على أنباه النحاة، القاهرة سنة ١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٥ م، جـ ٣، ص ٤٢ وما بعدها.
(١٣) الفيروزآبادى: البلغة فى تأريخ أئمة اللغة، دمشق سنة ١٣٩٢ هـ/ ١٩٧٢ م.
стр. 8762
(١٤) السيوطى: بغية الوعاة، ص ٣٨٣ (القاهرة سنة ١٣٨٤ هـ/ ١٩٦٥ م، جـ ٢، ص ٢٧٠.
(١٥) السيوطى: المزهر فى علوم اللغة، القاهرة سنة ١٣٧٨ هـ/ ١٩٥٨ م، جـ ١، ص ٧٧.
حسن شكرى [ر. سلهايم R. Sellheim]
ليلى الأخيلية
شاعرة عربية عاشت فى القرن الأول الهجرى/ السابع الميلادى. من قبيلة عقيل (بطن عامر بن صعصعة)، يرجع لقبها إلى أحد أجدادها أخيل، لها مرثية فى مقتل أمير المؤمنين عثمان وكانت تتردد على معاوية وعبد الملك والحجاج. عرفت بأشعارها العذرية فى حبيبها توبة بن حمير من قبيلة عقيل أيضا، ولقد أحبها توبة، وبالرغم من أنه منع من الزواج منها إلا أنه ظل يكن لها حبا شديدًا، وعندما قتل فى إحدى غاراته، رثته فى عدد من المراثى المؤثرة توجد أجزاء منها فى بعض المصادر الأدبية (لم تجمع هذه المراثى فى ديوان واحد)، تظهر ليلى قريبة الشبه من الخنساء، كما يحمل شعرها ملامح الأشعار الجاهلية فى تمجيد المقاتلين ومدح الأبطال.
وبالإضافة إلى المراثى، تبادلت ليلى الهجاء مع النابغة الجعدى وكل ما نعرفه عن حياتها الخاصة أنها تزوجت من سوار بن أوفى القشيرى وتوفيت فى بداية القرن الثامن الميلادى. ويقال إنها توفيت قريبا من قبر توبة، كما يقال إنها توفيت فى فارس أثناء رحلتها مع بريد الحجاج لزيارة ابن عمها قتيبة ابن مسلم الذى كان فى حملة فى خراسان.
المصادر:
(١) ابن قتيبة: الشعر، صفحة ٤١٦ - ٢٠.
(٢) البحترى: الحماسة صفحة ٢٦٩ - ٧١.
(٣) الأصفهانى: الأغانى، جزء ١١ صفحة ٢٠٤ - ٤٩.
حسين أحمد عيسى [ف. جابريبلى F. Gabrielli]
ليو الأفريقى
الاسم الذى يعرف به عامة صاحب كتاب " The Describtione dell' Africa "
стр. 8763
(وصف أفريقية)، وكان اسمه أصلًا: حسن بن محمد الوزان الزياتى (أو الفاسى). ولد فى غرناطة بين سنة ٨٩٤، ٩٠١ هـ/ ١٤٨٩، ١٤٩٥ م وهاجر منها بعد سقوطها إلى مراكش وترعرع فى فاس وتلقى بها تعليمًا حسنًا، وسرعان ما التحق بخدمة الحكومة هناك. وقد استخدم وهو طالب لمدة عامين فى بيمارستان بفاس، وصفه بالتفصيل (Description، ترجمة Epaulard، جـ ١، ص ١٨٨). وبعدئذ صحب أحد أعمامه إلى تمبوكتو وسافر بأرجاء المغرب الأقصى فى مهام دبلوماسية وتجارية عديدة نيابة عن سلطان فاس محمد البرتغالى [انظر مادة وطَّاسيين] (*)، وقد أظهر نضجه العقلى المبكر فيما قام بجمعه خلال رحلاته وألف منها مجموعة (Descr، جـ، ص ٢٣١). ثم رجع إلى تمبوكتو، وعبر الطريق من هناك إلى مصر حيث عاد إلى وطنه بحرًا. وفى سنة ٩٢١ هـ/ ١٥١٥ م، قام بمهمة أخيرة حملته إلى الشرق عن طريق تلْمِسان، والجزائر، وبجاية، ومسيلة، وتونس (حيث أخبرنا عن الحياة الاقتصادية والاجتماعية هناك، انظر R.Btunschvig، مادة الحفصيون، قسم ٣٥) وكذلك طرابلس ووصل إلى القاهرة سنة ١٥١٧ م، وسافر إلى أسوان، واتجه إلى مكة المكرمة، وأدى فريضة الحج، وقد ذكر أنه ذهب إلى استانبول. وفى أثناء رحلته البحرية متجها إلى وطنه أسره قراصنة صقليون فى جزيرة جربة، ونقلوه إلى نابولى، ثم إلى رومة، حيث قدموه إلى البابا ليو العاشر جيوفانى دى ميدتشى. وبحلول نهاية العام، [يذكر البعض أن] البابا قد أقنعه باعتناق المسيحية؛ وعَمَّدهُ فى ٦ يناير سنة ١٥٢٠ م، وسماه جوهانس ليودى ميدتشى (وقلب ليو اسمه فى العربية
стр. 8764
ليكون يوحنا الأسد الغرناطى [بينما يرى البعض غير ذلك وأنه أظهر عكس ما يبطن]؛ ويسميه محقق كتابه "المتقدم ذكره" جيوفانى ليونى أفريقانو، ويشير الاستعمال الحالى إليه باللفظ الثانى لهذه الأسماء المسيحية بوجه عام).
وبغض النظر عن تفاصيل سيرة حياته التى يمكن أن تدرك شيئًا فشيئًا من كتابه وصف أفريقية، فإننا لا نعلم عن حياته إلا القليل، كل ما هو معروف على وجه الإجمال أنه ذهب إلى تونس قبل سنة ١٥٥٠ م، وأنه قضى السنوات الأخيرة من حياته على دين أسلافه على ما يرجح.
وخلال بقائه فى إيطاليا، تعلم الإيطالية وعَلَّمَ العربية فى بولونا، وبالإضافة إلى كتابه " Africa Description of" (وصف أفريقية) أدرك خطة أبعد شأوًا، بأن يصف ذاك الجزء من آسية الذى يذكر أنه زاره، وكذلك أوربا (انظر Descr، جـ ٢، ص ٥٣٧ - ٨). ومن المؤكد أنه جمع فى سنة ٩٣٠ هـ/ ١٥٢٤ م، للطبيب يعقوب بن سمعان مجموعة مفردات ومعانيها بالعربية العبرية اللاتينية والجزء العربى منها محفوظ فى مكتبة الأسكوريال (رقم ٥٩٨؛ انظر: H. Derembourg: Cat des naniuscrits arabes de L'Escurial، باريس سنة ١٨٨٤، جـ ١، ص ٤١٠). وقد خلف أيضا رسالة عن
عروض الشعر (انظر A. Codazzi: II trattato dell' arte metrica di, Giovanni Leone Africano، فى Studi Orientalistici in onore de Giorrgo levi della vida، رومة سنة ١٩٥٦، جـ ١، ص ١٨٠ - ٩٨)، وتوجد سيرة منسوبة إليه تمت فى سنة ١٥٢٧ م، وترجمت إلى اللاتينية بعنوان: Libellus de viris quibusdam illustribus aped Arabes (تحقيق: J. H. Hottinger، سنة ١٦٦٤ م، ثم J.A. Fabricius، سنة ١٨١٧ م). ومع ذلك، ترتكز شهرته الأساسية على كتابه " Describtione dell' Africa" (وصف أفريقية) الذى تم فى
стр. 8765
١٠ مارس سنة ١٥٢٦ م، وهو مكتوب بلغة إيطالية رديئة نقلا عن مذكرات باللغة العربية، وقد حققه ونشره G. B. Ramusio فى Navigationi e viaggi، البندقية سنة ١٥٥٠ م، جـ ١، ص ١ - ٣٠ أ (ثم ظهرت طبعات عديدة). كما ترجمه فى زمن مبكر، أى فى سنة ١٥٥٦ م، إلى الفرنسية Temporal(طبعة Schefer، باريس سنة ١٨٩٦ - ٨)، وترجمة إلى اللاتينية Florian[us]، بعنوان J. Leonis: Africani de totius Africae descriptione انتورب سنة ١٥٥٦ م. وقد ترجمه إلى الانجليزية من هذه الترجمة اللاتينية الأخيرة John pory (بعنوان Historie of Africa, سنة ١٦٠٠ م؛ طبعة Browne، لندن سنة ١٨٩٦ م)، وترجمه Leers إلى الهولندية، Lorsbach إلى الألمانية. وقد اكتشفت المخطوطة الأصلية لكتاب descrittione فى سنة ١٩٣١ م، ووضعت فى National Liberary برومة (برقم ٩٥٣)؛ وقد حققها Sra. A. Codazzi، ولكن يبدو الآن أن هذه المخطوطة جديرة بالنشر، وقد استطاع A. Epaulard أن يقارنها بطبعة Ramusio, وأحدث بعض التحسينات والتصويبات مستفيدًا، بترجمة الفرنسية المعنونة Description de I'Afrique، باريس سنة ١٩٥٦ م، والتى حققها H. Ihote, مع تعليقات وافرة لكل من A. Epaulard، و Th. Monod، و H. Ihote، و R. Mauny، وتمت مطابقة أغلبية أسماء الأماكن التى شوهت فى النص الإيطالى، كما تلقى التعليقات الدقيقة ضوءًا مفيدًا، على ما يضمه العمل من أخبار بوجه عام.
ويحتوى كتاب وصف أفريقية (١) على تسعة أقسام: (١) عموميات عن أفريقية؛ (٢) جنوب غرب المغرب الأقصى (وبخاصة مراكش، وبه كثير من الأخطاء- انظر Mar-: G. Deverdun
стр. 8766
rakech، الرباط سنة ١٩٥٩، قسم ١٤، والفهرس)؛ (٣) مملكة فاس (معالجة مطولة جدًا، وأكثر دقة وثقة)، (٤) مملكة تِلْمسان؛ (٥) بجاية وتونس؛ (٦) جنوبى المغرب، والأجزاء الجنوبية للجزائر وتونس متبوعة بليبيا؛ (٧) أرض السودان؛ (٨) مصر و (٩) أنهار وحيوانات ونباتات ومعادن أفريقية. وقد بقى كتاب ليو الأفريقى مصدرًا عظيمًا عن العالم الإسلامى على مدى القرون، وما زال يستشهد به مؤرخو، وجغرافيو أفريقية. ومع أنه غير خالٍ من الأخطاء -إلا أنه خارج نطاق القابلية للاستخدام بالتأكيد، إذا ما وضع المرء فى حسبانه الظروف التى جمعت مادته فيها- إنه يوفر مفردات من الأخبار المباشرة عن الموقف فى بداية القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى فى البلاد التى قام بزيارتها، وعن علم الأعراق البشرية، والمؤسسات التعليمية والاجتماعية لسكانها المختلفين، وعن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فى شمال أفريقية بوجه خاص.
المصادر:
(١) Widmenstad: Evangelia syriaca سنة ١٥٥٥ م، التصدير.
(٢) Casiri: Bibliotheca arabico his pana، مدريد سنة ١٧٧٠ م، جـ ١، ص ١٧٢ وما بعدها.
(٣) L. Massignon: Le maroc dans les premieres du XVle siecle, tableau gograpg iqued'apers: on L'Africain الجزائر سنة ١٩٠٦ م، ص ٤ - ١١، ص ٣٢ - ٦٩.
(٤) A. Codazzi فى Enciclopedia italiana di Scienze, Lettere de arti، رومة سنة ١٩٣٣، جـ ٢٠، ص ٨٩٩.
(٥) A. Mieli: La Science arabe ملحق ١، باريس سنة ١٩٣٨ م.
(٦) J. Dresch: Leon L'Africain. Les exploraturs Celebres, فى ١٤٩٥ - ١٥٥٠ باريس سنة ١٩٤٧، ص ١٠٠ - ١.
(٧) ترجمة paulard، المقدمة. هيئة تحرير الموسوعة الأجنبية.
حسن شكرى [هيئة التحرير]
стр. 8767
م
стр. 8768
مأرب
مأرب (بالهمز وكسر الراء) أو مأرب (بالألف الممدودة دون همز) هى مريب أو مرب بالعربية القديمة لجنوب شبه الجزيرة العربية. كانت عاصمة مملكة سبأ فى جنوب غرب شبه الجزيرة العوبية، وهى الآن عاصمة محافظة تحمل الاسم نفسه مأرب فى الجمهورية العربية اليمنية تقع على بعد ٣٥ كم شرق صنعاء.
وتقع مأرب القديمة فى سهل يتراوح ارتفاعه عن سطح البحر بين ١١٦٠ م و ١٢٠٠ م، وهى دلتا جافة لوادٍ تنصرف إليه أمطار مرتفعات اليمن الشمالية الشرقية وتربو مساحته على ١٠٠٠٠ كم ٢. ومنطقة مأرب على طرف الصحراء يسودها الجفاف ويقل فيها متوسط سقوط المطر عن ١٠٠ مم فى العام، ولذلك كان نظام رى الحياض الوسيلة الوحيدة لقيام الزراعة هناك، حيث يحمل الوادى المياه مرتين كل عام، مرة لمدة أسبوعين، وأخرى لمدة ستة أسابيع، الأولى فى الربيع والثانية فى أواخر الصيف. ويشق ذلك الوادى طريقه نحو واحة مارب خلال ممر ضيق بين الجبال. وأدى بناء السدود إلى التوسع فى الرى إلى جانب ترسيب الطمى الذى يجلب الخصب، فأتيحت بذلك الظروف المواتية لازدهار الزراعة.
وقد قيل إن أرض سبأ حول مأرب كانت من أخصب بقاع اليمن وأفضلها ريًا، فكانت الأرض تبذر ثلاث مرات فى العام.
وهى واحة تحفها المرتفعات من جانب والصحراء من الجانب الآخر.
стр. 8769
وقد أهَّلها موقعها هذا لأن تصير عاصمة لمملكة سبأ. وكانت مأرب إلى جانب ذلك من أهم أماكن الراحة فى طريق القوافل القديم الذى كان يربط مناطق إنتاج البخور بالبحر المتوسط. وكان ثمة طريقان مختلفان لهذه التجارة يلتقيان فى مأرب ثم يفترقان بعدها ليتجه أحدهما إلى الشمال الغربى عبر الجوف، ويتجه الطريق الآخر نحو الشمال، ليلتقيا من جديد قبل نجران وهى المكان المهم التالى فى ذلك الطريق.
وقد كانت مأرب قديمًا مدينة ضخمة ذات أسوار، تصل مساحتها إلى حوالى ١١٠ هكتارات/ ٢٧٥ فدانًا، ويبلغ محيطها ستة أميال، كما تدل آثارها الماثلة حتى الآن على أنها كانت رباعية الشكل، أقصى طول لها ١٤٠٠ م وأقصى عرض لها ١٠٧٠ م. وقد طُمست معالم تلك المدينة أو كادت نتيجة أعمال الحفر التى تمت فى العقود الأخيرة، ولهذا نُعَوِّل كثيرًا على معلومات الرحالة الأوربيين الذين تمكنوا فى القرن التاسع عشر الميلادى من اختراق هذه المناطق وسط ظروف محفوفة بالمخاطر.
وقد دلَّت البحوث التى أجراها المعهد الأثرى الألمانى بصنعاء على أن ترسبات الرى فى بعض المواقع يصل ارتفاعها إلى ٣٠ م، فإذا كان معدل الترسيب ١ سم فى العام، بلغت فترة الرى ٢٧٠٠ عام، فإذا كانت نهاية ذلك الرى مع نهاية القرن السادس الميلادى تقريبًا، أو صدر القرن السابع، توقعنا أن تكون بدايته فى الفترة الأخيرة من الألف الثالثة قبل الميلاد.
أما النقوش فتطالعنا باسم مأرب فى نص من أقدم النصوص السبئية، فيظهر أحد حكام مأرب يقدم آنية حجرية إلى أحد الآلهة، وقد أرجع (هـ. فون فيسمان) هذا النص إلى عام ٧٥٥ ق. م. على وجه التقريب، ومع ذلك فربما كانت مأرب عاصمة لسبأ قبل ذلك التاريخ. ولا تفتأ تلك النقوش التى تضم على الأرجح أقدم النصوص السبئية تحدثنا عن المطر الذى تنزله الربة عثتار (عشتار) على سبأ فى فصلى الصيف والربيع. أما اسم سبأ فقد كان فى الأصل اسم إحدى القبائل، ورد فى النقوش أكثر من مرة مقرونا بمأرب. كما نجد فى التراث العربى
стр. 8770
ما يشير إلى مأرب باعتبارها مأرب سبأ (الحمدانى الصفا ٢٦، ٢٢) أى مأرب الواقعة فى سبأ. وبعد أن اعتبرت سبأ كُنية لعبد شمس، جد السبئيين، وأدخلها علماء الأنساب فى أنساب العرب، صارت مأرب مدينة سبأ، أى سبأ بن يشجوب بن يعرب بن قحطان الذى يعتقدون أنه مؤسسها.
ولما كانت مأرب على السفح الشرقى للجبال، قلَّ حظها من الحماية الطبيعية، فصار لزاما عليها أن تحصِّن نفسها، وهى ترى من حولها الممالك القديمة يشتد ساعدها، ولذلك صارت مأرب القلعة الشرقية لسبأ لا مجرد عاصمة لها. وإزاء الخطر المطل من الجنوب صار من الضرورى تمهيد الطرق المؤدية إلى المرتفعات اليمينية، وقد ورد فى أحد النقوش التى ترجع إلى حوالى ٣٩٠ ق. م. أن طريقا من مأرب إلى صرواح ثانى مدن سبأ قد شُق حتى يُلاذُ به فى وقت الخطر. وكان ملوك سبأ لا ينفكون يصلحون أسوار عاصمتهم تلك لاسيما كلما دهمهم خطر خارجى.
وفى حوالى سنة ٢٤ - ٢٥ ق. م غزا جنوب الجزيرة العربية، جيش رومانى قاده "أليوس جالوس" Aelius Gallus نائب أحد حكام مصر ووصل الجيش مأرب فيما يقول سترابو Strabo واستمر يهاجمها طيلة ستة أيام، ولكنها صمدت للهجوم، واضطر الرومان إلى الانسحاب لندرة الماء وتفش الأمراض بين جنودهم. واهتم أصل مأرب عقب انحسار موجة الغزو الرومانى بإعادة بناء السدود التى دمرها الرومان واستعانوا على ذلك بالكتل الحجرية التى تهاوت من سور المدينة فى أثناء الهجوم عليها. أما إعادة بناء السور فلم ترد نقوش تدلنا على الزمن الذى حدثت فيه. ولكن السور القديم كان لا يزال بحالة طيبة إبان رحلة ا. جلاسر R. Glasor فى مأرب، أما الصور الجوية التى التقطت للمنطقة فى السنوات الأخيرة فلا يظهر بها على الجانب الغربى والشمالى سوى آثار قليلة من بقايا سور المدينة القديم.
وخلال الفترة التى أعقبت الغزو الرومانى لجنوب شبه الجزيرة، مرت مأرب بفترة اضمحلال فأسرة ملوك
стр. 8771
سبأ فيها تعرضت لضغوط من أربعة أسر حاكمة فى المرتفعات اليمنية ادعت كل منها الأحقية فى لقب (ملوك سبأ).
كما دب العداء بين سبأ وحِمْيَر، وزعمت كل منهما حقها فى إمتلاك الأخرى. كما تعرضت المنطقة خلال الفترة نفسها لهجمات البدو من السهوب الصحراوية شمالا وشرقا. ومع ذلك فقد ظلت مأرب تستأثر بأهمية خاصة حتى بعد أن فرضت حمير هيمنتها بصورة تكاد تكون كاملة على جنوب بلاد العرب فى نهاية القرن الثالث الميلادى، وأصبحت المرتفعات اليمنية مركز لمملكة حميرية سبئية.
كما يدلنا ورود ذكر (مأرب) ومكانها فى النقوش السبئية على أن المدينة وقد احتفظت بمكانتها ونفوذها ولم يزايلها ما كانت تتميز به من رخاء وإزدهار وبعد الغزو الحبشى لليمن فى عام ٥٢٥ م. شيدت كنيسة مسيحية فى مأرب كما ورد فى أحد النقوش التى ترجع إلى عهد الملك أبرهة، كما تردد أن إحدى الكنائس الجديدة فى مأرب كانت تحظى بالتقديس فى جنوب بلاد العرب.
وكانت قلعة مأرب الملكية تدعى "سلحين"، وهى أكثر المبانى القديمة فى جنوب بلاد العرب ورودًا فى النقوش البيئية. فإذا سلمنا بأن "سلحين" هذه كانت تدعى "سلحوم" من قبل، أمكننا القول بأن تلك القلعة قد ذكرت بالفعل فى النقوش السبئية القديمة الذى يرجع إلى حوالى ٦٨٥ ق. م. على الأرجح. وتكرر ذكر "سلحين" بصورة خاصة فى نقوش القرنين الثانى والثالث الميلاديين. وهى نقوش كانت فى معبد أوام (Awam) بالقرب من مأرب، وهو موقع أثرى يدعى اليوم (محرم بلقيس)، كما كانت "سلحين"، المكان الذى تسك فيه العملات المحلية بمملكة سبأ.
أما أهم معابد مأرب القديمة، فهو أوام (Awam) الذى كان يُعبد فيه الإله المَقْه (Almakal)، وهو مكان يقال له اليوم (حرم بلقيس) أو (محرم بلقيس)، كان يقع على الطرف الشرقى ليس أن الشطر الجنوبى للواحة على الجانب الآخر من الوادى، وعلى مسافة ٣.٥ كم جنوب شرقى المدينة، وقد قامت بعثة أمريكية ببعض الأعمال الحفر فيه عام
стр. 8772
١٩٥٢ م، فاكتشفت مئات من النقوش عن المدخل ترجع إلى أواسط القرن الأول والقرن الرابع الميلاديين، وتُعد هذه النقوش أهم ما نقول عليه من مصادر بالنسبة لتاريخ تلك الحقبة المضطربة.
ويتكون المعبد من بناء بيضاوى ضخم ذى بهو فسيح يحيط به سور سميك مرتفع، ويصل المحور الطولى بين البوابة الشمالية الغربية والضريح إلى حوالى ١٠٥ م، بينما يصل المحور العرضى حوالى ٧٥ م، فتصل مساحته إذن إلى ٦٠٠٠ م ٢، وربما قصد به أيضًا أن يكون قلعة يُلاذ بها. أما آخر الترميمات التى تمت بالبناء فقد وردت فى نقوش ترجع إلى النصف الثانى من القرن الأول الميلادى. وكان أهل مأرب يقصدون ذلك المكان يبتهلون إلى الإله أن ينزل عليهم المطر إذا امتنع فى غير مواسم الجفاف، وهكذا ظل ذلك المعبد قبلة لمملكة سبأ يأتى إليه الزوار من كل حدب وصوب خلال ألف عام كاملة، وثمة معبد آخر يقال له (البرآن) بالواحة الجنوبية من معابد الإله (المقه) كذلك، ويسمى الآن (بالعمائد)، لأن ثمة خمسة أعمدة ذات تيجان لا تزال ماثلة بين ركام المبنى بالإضافة إلى بقية عمود سادس.
وكان ثمة معبد آخر للإله (المقة) فى مأرب ذاتها، كما ثبت من أحد النقوش التى اكتشفت عام ١٩٨٢ م أن معبد هرونم الذى تكرر ذكره فى العديد من النقوش البيئية كان داخل المدينة القديمة.
وأقدم دليل تشير إليه النقوش على وجود أعمال إنشائية متعلقة بالرى هو ذلك الذى يشير إليه النقش رقم ٤٩٤٦ RES إذ يشيد إلى نشا كرئيل وثر بن دمر على، وقد يعود النقش إلى حوا ٦٨٥ ق. م. إذ يشير السطر الخامس والسادس من هذا النقش أن الحاكم أنشأ فى وادى أدنه عدة إنشاءات لتخزين المياه وتوزيعها.
أقدم منشآت فى واحة مأرب قصد بها تخزين المياه وتوزيعها، وربما كانت هى تلك الأشغال الهندسية الخاصة بالرى والتى ورد ذكرها فى النقوش التى ترجع إلى القرن السابع ق. م. وقد مهدت تلك المنشئات لإقامة السد العظيم بين جبلى (بلخ) القبلى والأوسط، إذ لم يكن ذلك السد حتى
стр. 8773
ارتفع شطرًا الواحة فوق مستوى الوادى بسبب الترسيب. وكانت أشغال الرى فى كل من (يسران) و (أبيان) شطرى واحة مأرب قائمة بذاتها، إذ لم يتيسر تشييد سد عظيم واحد لشطرى الواحة معًا إلا بعد ذلك بوقت طويل نظرًا لصعوبة البناء عند السد الجنوبى، وقد تحقق تشييد ذلك السد وخزاناته فى عهد (سمهو على ينوف بن ذمار على)، الذى أرجعه فون فيسمان (Von Wissmann) إلى حوالى ٥٢٨ ق. م. وكان السد الذى يبعد ٨ كم إلى الجنوب الغربى من مأرب القديمة عبارة عن ترسبات تراكمت فوق الطبقة الصخرية الصلبة تغطيها طبقة من الأحجار الصغيرة المتماسكة، وكان ارتفاعه ١٦ م على الأقل بينما بلغ عرض قاعدته ٦٠ م على الأقل وطوله حوالى ٦٢٠ م. ولم يكن الهدف مجرد بناء خزان للمياه، بل قصد به رفع المياه التى يجلبها السيل مرتين فى العام بحيث يمكن استخدامها فى رى الحقول، فكانت مهمته إذن تحويل مجرى الماء لرى مساحة محددة وبصورة منتظمة. وكان ثمة قناة رئيسية طولها ١١٢٠ م تنطلق من الخزان إلى الموزع الرئيسى عند الطرف الغربى للواحة الشمالية حيث تتجه معظم المياه إلى مختلف القنوات للحقول التى يراد ريها.
ويرى برونر (U. Brunner) أن المساحة الكلية التى كانت تُروى فى الطرف الأدنى من السد كانت تبلغ ٩٦٠٠ هكتار/ ٢٤٠٠٠ فدان، فإذا اعتمدنا على نتائج إحصاء ١٩٧٥ م بأن سكان فضاء مأرب يبلغون ١٣٠٠٠ نسمة، استطعنا القول أن سكانها قديما كانوا يتراوحون بين ٣٠٠٠٠ و ٥٠٠٠٠ نسمة.
وتطالعنا النقوش التى ترجع إلى فترة سبئية لاحقة بأنباء انهيارات ألمّت بتلك السدود، وإصلاحات قام بها الملوك والحكام. وآخر النقوش التى أوردت ذكر سد مأرب العظيم نقش صخرى لابد من ربطة بنقش آخر يرجع إلى عام ٦٦٨ من الحقبة الحميرية (= ٥٥٣ م)، ويدل النص على مدى العناء الذى تجشموه فى إزالة ترسبات الطين عند السد. وتدل البحوث التى أجراها برونر (U. Brunner) على أن انهيارا آخر قد تلى الانهيار آنف
стр. 8774
الذكر بخمس وثلاثين سنة، ثم أُصلح هو الآخر، أما الكارثة الأخيرة التى ألمت بالسد فلم تقع على ما يبدو إلا فى بداية القرن السابع، وبعدها تحولت مأرب إلى أرض جرداء لا تخرج إلا الأشواك والطرفاء.
ونظرا لضرورة إزالة الترسبات التى تخلقها الفيضانات عقب كل انهيار للسد ليعود بعد ذلك الوادى إلى سابق عهده، نجد عملية الإصلاح هذه تزداد صعوبة فأدى ذلك فى نهاية المطاف إلى الظروف عن تشييد السدود.
وربما كان ثمة أسباب سياسية واجتماعية وراء ما آل إليه حال منشآت السد من خراب إستمالت معه المثابرة على تجديدها. لقد أسفر النزاع بين الإمارات والأسر الحاكمة فى جنوب بلاد العرب قديمًا عن وَهَن السلطة المركزية وتفكك أوصال المجتمع الذى كان على حظ من حسن التنظيم، وأدى ذلك بدوره إلى تعاظم نفوذ القوى الأجنبية كالحبشة وفارس الساسانية، أضف إلى ذلك أن الاختراق المركز الذى قامت به قبائل شمال بلاد العرب أحدث قدرًا متزايدا من (البداوة)، والإضمحلال فى الحضارة الريفية القائمة على الزراعة والرى.
وكان ثمة صلة بين ذلك وبين هبوط عدد السكان. ويرى المؤلفون العرب أن الأحداث التى سبقت إنهيار السد وكذا الانهيار ذاته قد أدت إلى هجر سكان واحة مأرب بها، ولابد أن نربط بين ذلك وبين هجرة القبائل عن بكرة أبيها من جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها كبنى غسان على سبيل المثال. وتدلنا النقوش السبئية على أن إرجاع هذا الإنهيار إلى القرن الثالث أو الثانى أو الأول لا يقوم عليه دليل رغم تسليم كثير من المؤلفين بذلك سواء منهم المسلمون أو الأوربيون وأقرب المؤلفين العرب إلى الصواب هو ياقوت إذ أرجع حادثة الانهيار إلى فترة سيطرة الحبشة على تلك البلاد (المعجم ٤، ٣٨٣، ٢٠)، كما لا نجد سوى المسعودى هو الذى يُرجع ذلك الإنهيار إلى أسباب طبيعية وربما تسللت روايات عن إنهيار مماثل حل بذلك السد من قبل إلى أساطير إرتبطت بهجرة أهل مأرب فيها، أن عمرو بن عامر الأزدى وهو أحد حكامها، تَطَيَّرت زوجته (ظريفة) من رؤيا رأتها فحذرته
стр. 8775
وأرسلته إلى السد فشاهد فأرا عملاقًا يوشك أن يدحرج جلمود القيوض السد، فقدر عمرو الوحيل، واصطنع شجارًا مع ولده الذى صنعه على الملأ فتعلل بذلك عمرو وباع ما يملك ورحل ومعه أتباع كثيرون.
المصادر:
(١) وهب بن مَنْبَه: كتاب التيمان فى بلوك حمير، صنعاء ١٩٧٩ م.
(٢) الهمذانى: صفة جزيرة العرب، طبعة د. إتش ميلر، لايدن ١٨٨٤ م - ٩١.
(٣) الهمذانى: الإكليل، ح، طبعة محمد الأكوع الحوالى، دمشق ١٩٧٩ م، ٩٥ - ١٠٧.
(٤) ابن رسته: كتاب الأعلاق النفيسة.
(٥) المسعودى: مروج الذهب، ٨، ٣٦٥ - ٩٣.
(٦) ياقوت: معجم البلدان.
(٧) الرازى الصنعانى: تاريخ مدينة صنعاء، دمشق ١٩٧٤ م.
(٨) نشوان الحميرى: القصيدة الحميرية؛ بن مجاور: تاريخ المتبصر؛ الاميرى: حياة الحيوان.
(١٠) على بن الحسن الخزرجى: العقود اللؤلؤية فى تاريخ.
محمد صبرى الصاوى بدر [و. مولر W. Mulle]
المأمون
هو أبو العباس عبد اللَّه بن هارون بن الرشيد، الخليفة العباسى السابع، ولد فى ١٥ ربيع الأول سنة ١٧٠ هـ/ ١٤ سبتمبر ٧٨٦ م. "ليلة الخلفاء الثلاثة: (وفاة الهادى وتولى الرشيد وميلاد المأمون خليفة المستقبل)، وهو أكبر أبناء الرشيد الأحد عشر. كانت أمه "مراجل" محظية من "باذغيس"، توفيت بعد ميلاده بقليل فربته "زبيدة" حفيدة "المنصور" وزوجة أبيه الرشيد أم محمد (أصبح "الأمين" فيما بعد). تلقى تعليمًا تقليديا باللغة العربية على أيدى الكسائى فى الأدب كما درس الموسيقى والشعر (كان تقليدى النزعة). أما فى العلوم الدينية فقد تعلم "الحديث" (وأصبح من رواته) والفقه (تعلم على
стр. 8776
يد الحسن اللؤلؤى) وقد برع فى الفقه الحنفى وتميز بحبه للمعرفة مما جعله أنضج خلفاء الأسرة العباسية فكرا وهو ما يفسر الأسلوب الذى تطورت به خلافته.
وفى ١٧٧ هـ/ ٧٩٤ م، ونزولًا على رغبة أسرته سمى "الرشيد" محمد الأمين كولى عهد أول، وهو الخليفة الوحيد لأبوين عباسيين، وكان الإعلان مبدئيا فى"خراسان" من خلال الفضل ابن يحيى البرمكى وتلقى الأمين البيعة فيما بعد فى بغداد. أما عبد اللَّه "المأمون" فكان عليه أن يصبر حتى سن البلوغ ليعلن أنه يتولى بعد الأمين. وكان هذا الأعلان سنة ١٨٣ هـ/ ٨٩٩ م. تحت رعاية "جعفر بن يحيى البرمكى" المقرب للخليفة. ورغم إحياء الرشيد للتقليد "المروانى" بتعيين وريثيين للعرش ضمانًا لاستقرار النظام ومستقبل الأسرة، إلا أنه أدخل تجديدًا بقبوله تعيين وريث ثالث، هو القاسم "المؤتمن"، وهو ابنه من إحدى جواريه، برعاية "عبد الملك بن صالح".
أعلن هذا النظام خلال فترة الحج عام ١٨٦ هـ/ ٨٠٢ م فى مكة، وأعيد تأكيد وحدة الدولة بوجود ولى عهد معين واحد، محمد الأمين يعيش فى بغداد مدعوما باثنين سيخلفانه على التوالى وقد منح المأمون والمؤتمن الولاية على أقاليم مهمة: فخراسان الكبرى، قلب النظام العباسى منذ نجاح الدعوة الهاشمية ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م أصبحت من نصيب عبد اللَّه (المأمون) أما جبهة القتال فى الصراع ضد الأمبراطورية البيزنطية (الجزيرة وشمال الشام)، فقد تولى المؤتمن أحد المشاغل الرئيسية لدى "الرشيد" وقد أدى اعتماد كل مجموعة فى الدولة على المجموعة الأخرى إلى نجاح الحكم الذاتى فى أفريقية والإعتراف بسلطة "الأغالبة" فى عام ١٨٤ هـ/ ٨٠٠ م بغرض احتواء الـ "الخوارج"، و"العلويون" و"الأمويون" الذين كانوا قد نجحوا فى تأسيس الإمارات فى المغرب والأندلس فى النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى.
وبعد عودة الرشيد من الحج تخلص من هيمنة "البرامكة" وأمر
стр. 8777
بإعدام "جعفر بن يحيى" فى ليلة غرة صفر ١٨٧ هـ/ ٢٩ يناير ٨٠٣ م، وألقى القبض على الفضل واخوانه. ومنذ ذلك التاريخ أصبح الفضل بن سهل السرخسى الوصى على عبد اللَّه "المأمون"، وكان أبو الفضل زرادشيتا من قرية قرب الكوفة عمل فى خدمة البرامكة ثم اعتنق الإسلام فى ١٩٠ هـ/ ٨٠٦ م ولعب دور الكاتب - المعلم وبذلك أصبح مؤهلا لمنصب الوزير عند ولاية المأمون.
فى سن الثامنة عشرة، تزوج "المأمون" من ابنة عمه "أم عيسى" ابنه "موسى الهادى" وأنجب منها ولدين (محمد الأصغر وعبد اللَّه) وكان له عدد كبير من المحظيات (الجوارى)، وفى عام ١٩٢ هـ/ ٨٠٨ م -وبعد أن تمكن الرشيد من تهدئة الوضع على الجبهة مع الامبراطورية البيزنطية- تولى "الرشيد" بنفسه مسئولية الوضع فى خراسان وكان مضطربا بفعل تمرد، "رافع بن ليث" حفيد "نصر بن سيار" (آخر الولاه الأهويين فى خراسان)، على السياسة المركزية للوالى "على بن عيسى بن ماهان" الذى كان يمثل فئة "ابناء الدولة" (وهم الخراسانيون المقيمون بالعراق) وخرج لهم الرشيد وبصحبته المأمون والفضل بن سهل وأيضا الحاجب الوزير الفضل بن الربيع الذى خلف البرامكة على قمة الإدارة المركزية، لكن الرشيد توفى فى طوس فى ٣ جمادى الأخرة ١٩٣ هـ/ ٢٤ مارس ٨٠٩ م بينما كان "المأمون" قد تقدم إلى "مرو" مع جانب من الجيش. وعلى الفور بدأ الخليفة الجديد فى بغداد (الأمين) فى تعزيز وضع السلطة المركزية فى مواجهة طموحات انصار الحكم الذاتى فى خراسان الكبرى وكان ذلك استمرارًا لسياسة طبقت لخمسين عامًا. فأمر بإعادة الجيش والخزانة إلى بغداد مما حرم المأمون (الأمير - الوالى) من الوسائل الضرورية لتهدئة المناطق المضطربة تماما وبسرعة. ولكن المأمون لم تكن تعوزه الحنكة لتعزيز موقفه فى مواجهة الخليفة، واحتذاء بمثال أبيه أحال مسئولياته "للسهليين" ومنحهم كل السلطات لإدارة الأمور وحفظ حقوقه فى تولى منصب الخلافة بعد الأمين والتى توثقت فى الكعبة. وبالفعل تمكن السهليون من تهدئة
стр. 8778
الوضع وتعبئة قوات الأقاليم الشرقية من خلال الإعتراف بالحكم الذاتى لشيوخ القبائل المحليين بدعم من الأثرياء الذين رأوا فى إمكانيات الدولة فرصة لتحقيق مكاسب غير مسبوقة فى الثروة والمكانة وزيادة رواتب الجند، وتخفيض الخراج بمقدار الربع واستعادة كفاءة الإدارة واعادة ديوان المظالم الذى ترأسه المأمون بانتظام.
وبذلت جهود خاصة لاحتواء الفقهاء وتقريب المتكلمين (المعتزلة).
ليس بالامكان تفسير الخصومة بين الأمين والمأمون بإختلاف موطن الأم (فأم الأمين عربية وأم المأمون ايرانية) وإنما هناك أسباب أعمق فقد حاول الأمين تغيير نظام وراثة الخلافة الذى أقره والده، وإبعاد شقيقيه (المأمون والمؤتمن) بتأييد من فئة موالى الخليفة وفئة "أبناء الدولة" فى العراق والذين تهددت امتيازاتهم بفعل تصاعد الحكم الذاتى الاقليمى الذى بدأ فى المغرب وامتد إلى خراسان الكبرى عماد النظام العباسى. فى مثل هذه الظروف، لم يكن مستغربا أن نجد الأقاليم الشرقية تدعم من يدافع عن طموحاتها وأحلامها. وكانت تلك هى المرة الأولى التى يتحدد فيها وضعها رسميا فى وثائق مكية وأن يمثلها ليس مجرد أمير عباسى ولكنه أيضا وريث للخلافة وبكلمات أخرى فإنهم، إذا انتصروا، يظفر الخراسانيون بالحكم الذاتى مع ضمان مواقع مهمة فى جهاز الدولة. أما بالنسبة للمأمون فكان من حسن طالعه أن يكون خارج دائرة نفوذ الخليفة الحاكم وبذلك تفادى المصير الذى لقيه قبل ذلك "عيسى بن موسى" (أجبر على التنازل لصالح أبناء المهدى)، أو ما عاناه الرشيد قبل ذلك (سجنه أخوه الهادى).
وقد بدأ النزاع فى عام ١٩٤ هـ/ ٨١٠ م. عندما اضيف اسم "موسى" الابن الاصغر للأمين إلى قائمة ورثة الخلافة (المأمون والمؤتمن) وأرسلت بعثة إلى "مرو" لإقناع المأمون بالعودة إلى بغداد ليقوم بدور مستشار الخليفة. وكرد على عدم قبوله العرض حاول الأمين اعادة فرض سيطرته على كامل الدولة، وأمر بأن
стр. 8779
يؤتى بفائض الإيرادات من أقاليم معينة (الرَّى وقومس وغرب خراسان) ثم تسمية مسئولين ماليين وفى النهاية تعيين مسئول استخبارات فى "مرو" عاصمة المأمون الذى تمكن بفضل دهاء الفضل بن سهل، وتصميم الخراسانيين على الدفاع عن حكمهم الذاتى الذى اكتسبوه أخيرًا، من رفض أى تعديلات على خطاب "الوثيقة المكية" التى أصدرها والدهما الرشيد وبذلك تفادى أى تورط فى التحرك الجارى على أيدى مستشارى الأمين بهدف تهديد وضعه (كولى عهد) واتسع الخلاف فى ١٩٥ هـ/ ٨١١ م بمحو اسم الخليفة من العملة طراز خراسان. واستفادة من قوة موقفه لجأ "الأمين" إلى حسم قضية العلاقات بين السلطة المركزية وخراسان. فأعلن ابنه موسى (من أحدى الجوارى) وريثا أول للخلافة على حساب المأمون، وعبد اللَّه بن محظية أخرى وريثا ثانيا على حساب المؤتمن فى انتهاك صارخ للوثائق المكية وقد رد المأمون بتسمية نفسه (الأمام) جريا على مثال الأمام إبراهيم بن محمد بن على وريث أبى هاشم (ابن محمد بن الحنفية). وتأكدت هذه العودة لمبادئ الدعوة الهاشمية الأولى فى "مرو" بالنداءات التى أرسلت لمختلف الفرقاء القبليين العرب فى خراسان مشيدة بدور "النقباء" إضافة إلى أن لسلطة الإمام طبيعة دينية تفوق ما للقب "أمير المؤمنين" وهى تبين السياسة الإمبراطورية البابوية دولة يرأسها حاكم له سلطات دنيوية ودينية للمأمون. وقطعت الاتصالات بين العراق وخراسان وشددت الحراسة على الحدود لمنع ارسال الاستخبارات إلى بغداد بينما كانت للمأمون عيون داخل قصر الخليفة نفسه.
وبذلك انتهت "الوثائق المكية" التى أصدرت برعاية الرشيد ثم تعدلت لصالح الأمين الذى أمر أخاه بأن يعترف بسلطته الكاملة على خراسان. وأصبحت القطيعة نهائية بتعيين على ابن عيسى بن ماهان، حاكم خراسان السابق المخلوع، حاكما للجبال فى ولايات (قم، نهاوند، همدان واصفهان) بهدف استعادة سلطة الخليفة على خراسان (جمادى الأخرة
стр. 8780
١٩٥ هـ/ مارس ٨١١ م). ووقعت المواجهة مع جيش الخليفة قرب الرى وبدا كما لو أن النتيجة معروفة سلفا ولكن "طاهر بن الحسين" نجح فى قتل علىّ بن عيسى بن ماهان (٧ شوال ١٩٥ هـ/ ٣ يوليو ٨١١ م). وكان لهذا النصر المفاجئ الفضل فى أن يميل الموقف لصالح المأمون، وعبأ الأمين جيشين جديدين ولكن طاهر تمكن من ضربهما عندما نجح فى ضرب كل منهما بالآخر باستغلال الخصومات بينهما. واضطر الأمين لزيادة الجباية فى الشام، برغم ثورة "السفيانيين" فى (١٩٥ هـ/ ٨١١ م) ثم أرسل "حسين بن علىّ بن عيسى بن ماهان" فى مهمة فى الشام لكن الإنقسامات بين القيسيين والكلبيين لم تمثل مناخًا توفيقيًا، وعندما تبين استحالة مهمته دبر انقلابا فى بغداد فى رجب ١٩٦ هـ/ مارس ٨١٢ م وأمر بالقبض على الأمين وأعلن تنصيب المأمون خليفة للمسلمين وكان الانقلاب المضاد الذى اعاد الخلافة للأمين أبلغ تعبير عن الإنقسامات بين "الأبناء".
وفى نفس التاريخ أعلن المأمون خليفة رسميا فى "مرو" ومنح الفضل بن سهل لقب "ذو الرئاستين" وتعنى القيادة المدنية والعسكرية واعترفت الولايات الواقعة إلى الغرب من العراق بخلافة المأمون فى ١٩٧ هـ/ ٨١٣ م: وفى الحجاز كان الحج تحت إشراف العباس بن موسى وهو حليف قديم للمأمون وفى مصر كان الأبناء منقسمين بين الأمين والمأمون وكانت أفريقية تحت الحكم الذاتى للاغالبة أما شمال الشام والجزيرة فقد استغلتا الموقف لإعلان الحكم الذاتى وتبعتهما أذربيجان وأرمينيا.
وقد اضطر "المأمون" بعد العديد من القلاقل والأعمال العدائية من جانب العلويين العباسيين، الذين اتهموا بنقض حقوق الخلافة لأبناء "على" و"فاطمة" إلى عقد تسوية بارعة بين فرعى عائلة النبى [ ﷺ ] من خلال العودة إلى المبادئ الآولية للدعوة الهاشمية والتى تمنع بحال اختيار إمام من العلويين.
وبذلك أنقذ العلويون الذين اعتبروا اعداء للخلفاء العباسيين، والآهم من
стр. 8781
ذلك أن زاد على جده "المهدى" بإختياره أحد أبناء موسى الكاظم خليفه له. وكانت هذه البادره من "المأمون" مناقضه لسياسة دامت قرنا كاملا، وتحديدا منذ بداية دعم أهل خراسان للفرع العباسى. وكان على "السهليين" الذين سيطروا على أجهزة الدولة أن يخضعوا لهذه السياسة الحديثة لتفادى المهانة إلى تعرض لها البرامكة (عندما لم يشاركوا فى سياسة الرشيد المعاديه للعلويين).
ولقد أتاح الصراع على السلطة فى بغداد ومحاولات فرض "على الرضا" خليفة فسحه زمنيه لدعاه انفصال (الإستقلال الذاتى) "لاذربيجان" و"ارمنيا" و"العواصم" فى شمال الجزيرة والشام ومصر.
وقد أجبرت مقاومة "الابناء" الحسن بن سهل على ترك بغداد وفيها تشكلت سلطة ثلاثية بتعيين المنصور بن المهدى، (من جارية فارسيه)، مبعوثا "للمأمون" منذ ٢٥ جمادى الأخرى ٢٠١ هـ/ ١٨ يناير ٨١٧ م. بالإضافة إلى تعاطف الطبقات الدنيا من الحضر مع حركة "سهل بن سلامة الأنصارى" وهو من أهل خراسان فى حى الحربية، وارتبطت قيادة "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" بالإستقلال السياسى والحكم الذاتى للأقليات الإجتماعية وفى ذات الوقت كان "أبو الهدايل" و"النظام " (بتشديد النون والظاء وفتحهما الذى أدخل "المعتزلة" إلى بلاط المأمون) يعملان فى اتجاه معاكس من أجل سياسة ممالئه للسلطة العباسية. أى أن عملية استعاده النصف الثانى من ولاية المأمون قد بدأت: فى ٢ رمضان ٢٠١ هـ/ ٢٤ مارس ٨١٧ م حين أعلن الأمون "على بن موسى الكاظم" خليفه له (على حساب اخيه المؤتمن) ولقبه "الرضا من المحمد" وتخلى عن اللون الأسود المميز للعباسين واختار اللون الأخضر (الكتيبه الخضراء لمحمد [ ﷺ ]) ومنذ ذلك الحين أصبح يمكن اختيار الخليفة الإمام من بين نسل هاشم السلف المشترك للنبى [ ﷺ ] واعمامه "العباس" و"أبو طالب". وعندما بلغت هذه الأنباء العراق، بعد أربعه أشهر، كان للعباسيين وأعوانهم رد فعل حيال هذا العدوان على (حقوقهم المكتسبة)،
стр. 8782
فرفض والى البصرة "إسماعيل بن جعفر بن سليمان" ارتداء اللون الأخضر، وفى بغداد قاد ابناء "المهدى" المعارضة. وعندما رفض "المنصور" الخلافة قبل أخوه إبراهيم المهدى (من أم أخرى) المنصب فى ٢٨ ذو الحجة ٢٠١ هـ/ ١٧ يوليو ٨١٧ م واختار ابن اخته "اسحق بن موسى الهادى" (شقيق زوجه "المأمون") كوريث للخلافة وقد عضده الأمراء العباسيون، وبكلمات أخرى كانت تلك عودة للحرب بين الجانبين والتى ظلت هادئة منذ ١٩٨ هـ/ ٨١٣ م. أما حقيقة أن الأمين ولد لزوجه عربيه بينما كان إبراهيم بن المهدى من أم محظية فارسية كحال المأمون، فلم تؤثر على مسار الصراع المحتدم فيما يتعلق بالعلاقات بين العراق وعاصمتها "بغداد " وخراسان وعاصمتها "مرو" ونجح الخليفة الجديد "إبراهيم بن المهدى" فى بسط سلطته على العاصمة بوضع حد لنشاط "سهل بن سلامه الأنصارى" فى حى "الحربية" وبعدها سعى لغرض سيطرته على "الكوفة" وطرد منها العباس أخو على الرَّضا" (٢٠٢ هـ/ ٨١٧ م) وأصبحت"واسط" مركز قيادة "الحسن بن سهل" الذى استعاد سيطرته على البصرة. أما والى مصر "عبد العزيز بن عبد الرحمن الازدى" فقد دعا للإعتراف بالخليفة "إبراهيم المهدى" أمّا أمير أفريقية ذات الحكم الذاتى فقد ظل محايدا كما كان من قبل وقد أخفى "الفضل بن سهل" خطورة الوضع عن "المأمون" حتى أخبره "على الرضا" بأن إبراهيم بن المهدى" قد أعلن نفسه خليفة، (وليس أميرًا)، فى بغداد. وعندها قرر "المأمون" -وكان فى الحادية والثلاثين من عمره- أن يتولى الأمر بنفسه شخصيا وقد أدرك خطورة الوضع.
وقدم تنازله الأول لطبقة الأثرياء فى العراق بإعلانه العوده إلى "بغداد" وبهذا تأكد دورها كعاصمة للدولة. وفى ١٠ رجب ٢٠٢ هـ/ ٢٢ يناير ٨١٨ م غادر المأمور "مرو" مصطحبا رجال بلاطه والإداره والجيش. وفى سرخس لقى الفضل بن سهل، الذى كان يحاول إغتصاب سلطة الخليفة، نفس مصير البرامكة عندما تعرض
стр. 8783
للاغتيال بايعاز من "المأمون" فى ٢ شعبان ٢٠٢ هـ/ ١٣ فبراير ٨١٨ م وبعكس البرامكة لم يتعرض بقية "السهليين" للمصير نفسه فبالإضافة إلى سيطرتهم على "خراسان" وجنوب العراق فقد تقلدوا مناصب مهمة فى الإدارة المركزية. ولتعزيز موقفه تزوج "المأمون من "بوران" (ابنه "الحسن سهلا") فى رمضان ٢١٠ هـ/ ديسمبر ٨٢٥ م أما إبراهيم المهدى فقد عانى من نقص الموارد المالية وكان مجبرا على قتال الحركات المناوئة. وعندما تنبه للمؤامرات التى تحاك من حوله عاد إلى بغداد فى (١٤ صفر ٢٠٣ هـ/ ٢١ أغسطس ٨١٨ م) وفى الوقت نفسه تمكن جيش "الحسن بن سهل" من الاستيلاء على "المدائن"، "ونهر ديالا" بينما لقى "على الرضا" مصرعه فى خراسان فى ٢٩ صفر ٢٠٣ هـ/ ٥ سبتمبر ٨١٨ م ويعتقد الشيعة، أنه مات مسمومًا بتديير من "المأمون" وفى بغداد تآمر بعض "الأبناء ضد إبراهيم بن المهدى وكان مخططا أن يلقى "عيسى بن أبى خالد" القبض عليه يوم الجمعة ٢٩ شوال ٢٠٣ هـ/ ٢٩ إبريل ٨١٩ م ولكن خطته انكشفت وسجن. ولإطلاق سراحه تدخلت عائلة "بنو خالد" فى الصراع مع إبراهيم بن المهدى "لصالح" "المأمون" (ذو القعدة ٢٠٣ هـ/ مايو ٨١٩ م) وكان عندئذ فى جرجان" (استغرقت الرحلة من مرو إلى خرجان ستة عشر شهرًا فى عشرين مرحلة) وعندما شعر الحاجب "الفضل بن الربيع" بسوء الموقف هجر خليفته ومنصبه واختفى مجددا أما إبراهيم المهدى فقد وجد نفسه مضطر، لاستخدام منافسة "سهل بن سلامة الأنصارى" فى محاولة لتعبئة الطبقات الشعبية فى بغداد. وبعد أن ظل خليفة لعامين قرر "إبراهيم" أن يترك الساحة السياسة هروبًا فى ذات الوقت من مؤامرة حاكها من حوله بعض قواده العسكريين الذين خططو لتسليمه إلى الحسن بن السهل (١٦ محرم ٢٠٤ هـ/ ١٣ يوليو ٨١٩ م) واستعاد "المأمون" سيطرته على بغداد وانسحب "الحسن ابن سهل" من الحياة السياسية بدعوى المرض. واستقبل المأمون استقبال الفاتحين فى ١٧ صفر ٢٠٤ هـ/ اغسطس ٨١٩ م (بعد غياب دام عشر
стр. 8784
سنوات). وبعد شهر واحد أعاد استخدام اللون الأسود واستعاد لقب "الإماما" (حملة كل خلفائه من بعده) بهدف تعظيم دوره كدليل وقائد للأمة جريا على نهج الأئمة العلويين.
بذلك أصبحت السيطرة على الدولة وقيادة الأمة المسئولية الشخصية "للمأمون" بمشوره من "المعتزلة" والقاضى "أحمد بن أبى داود" ولتطبيق السياسات الجديدة "للإمام" أعفى كتاب الإدارة السابقة ثم أعيد تعيينهم كمستشارين لأفراد الإدارة الذين استدعوا من "خراسان" وكان "أحمد ابن أبى خالد" (من أقارب "الأبناء فى العراق) السكرتير الشخصى "للمأمون" ومستشاره الرئيسى والوسيط القادر على حشد دعم "الأبناء" فى بغداد حتى توفى (٢١١ هـ/ ٨٢٦ م). أما كبار مسئولى الديوان، ومعظهم ممن تربوا على أيدى البرامكة، فكانوا تحت الإشراف المباشر للخليفة الذى كان مسئولا بشكل شخصى عن الفصل فى "المظالم" وعهد إلى "الطاهر بن الحسين" بمسئولية حفظ النظام والإشراف على الشرطة. وعفا المأمون عن خصوم الأمس لتعزيز السلام الاجتماعى (شمل حلم المأمون الكثير ولم يعدم سوى المتمرد إبراهيم بن عائشة") وتكون الجيش المركزى من جنود من أصول عديده، من بينهم أعوان المأمون بامتيازات خاصة على حساب الأبناء "الذين هزموا مرتين (فى ١٩٨ هـ/ ٨١٣ م) وبعدها فى ٢٠٤ هـ/ ٨١٩ م). ولأن الدول كانت خارجة لتوها من حرب أهلية دامت عشر سنوات. فقد اقتصر "المأمون" على دعم ثورة "توماس السلافى" فى أسيا الصغرى (٨٢٠ - ٨٢٣ م) انتظارا للفرصة المناسبة لتجديد الحملة ضد الامبراطورية البيزنطية (وهو ما نفذه بالفعل فى ٢١٥ هـ/ ٨٣٠ م وما بعدها). أما فيما يتعلق بحكم الأقاليم فقد عهد بالولاية على المدن المقدسة فى الحجاز لأحد "العلويين" أما فى "الجزيرة" المضطربة فقد ولى المخضرم "يحيى بن مسلم".
وقد استغل المأمون فكر المعتزلة كحل وسط يرضى العلويين والموالى،
стр. 8785
بل وبعض السنة أيضا، وليضيف للتراث الأدبى والفكرى العربى بالعودة إلى الفلسفة اليونانية بدلا من الخضوع للتراث الفارسى.
وفى بغداد (٢١٧ هـ/ ٨٣٢ م) جاء تأسيسه "لبيت الحكمة"، تأكيدا لاهتمامه بتطوير ثقافة جديده عربية التعبير، إسلامية الأمال والطموحات، تجمع وتكامل إسهامات مختلف شعوب الشرق، سواء كانوا شركاء التجارة (الهند)، أو أعداء السياسة (بيزنطة)، أو طلاب علم من كل الديانات (الإسلام، المسيحية، اليهودية، الصائبة) ومن مختلف أقاليم الأمه (خوارزم، فرغانه، خراسان، طبرستان، الجزيرة، والعراق) وتسهم فى تقدم العلم العربى وريث علوم الأقدمين ومكيفا وفقا لمتطلبات الحضارة العربية الإسلامية. والتزم "المأمون" بتشجيع الاختلافات السياسية بين ممثلى الديانات المختلفة من ناحية والأهم من ذلك بين "العلماء على مختلف الاتجاهات فيما شعلق بتفسير الإسلام من ناحية أخرى وكان "المأمون" واعيا بالخلاف بين مفاهيم "المعتزلة" (وكانت حتى حينه من الزندقة) والفقهاء والمحدثين الذين يعارضون فكرة خلق القرآن وعمل المأمون، لسنوات، على نشر أفكار "المعتزلة" بما لها من تداعيات سياسية واضحة: على الإمام أن يسعى لتصحيح أثار النظام الجائر المفروض (خصوصا فيما يتعلق بالضرائب) بأن يستعير من فكر "المعتزلة" كل ما يراه ضروريا لخدمة أغراضه وعلى ذلك يقوم مبدأ خلق القرآن (اللَّه فقط غير المخلوق وأبدى خالد)، وقد أمكنه استخدام ذلك فى تصحيح النظام بنفسه بحكم معارفه (العلم) وقد قربته حده ذهنه من مثال "على بن أبى طالب" أول من أدرك من صحابة محمد [ ﷺ ] ضرورة التفسير العلمى للإسلام فى أعقاب الهزات الناتجة عن نجاح واتساع الفتوحات العربية (٦٣٤ - ٦٤٤ هـ) والأكثر من ذلك، وبهدف استماله الأنصار من الشيعة، تم الإعلان عن أن على ابن أبى طالب "أفضل الصحابة بعد النبى" (فى ٢١١ هـ/ ٨٢٦ م) وأعيد تأكيد ذلك فى (٢١٢ هـ/ ٨٢٧ م).
стр. 8786
وكانت هناك أعمال أخرى خاصة فى مجالات الفلك والرياضيات والمخططات الجغرافية تجرى إلى جانب المناقشات الدينية بدءا من العقد الثانى من القرن التاسع للميلاد وتزامنت مع استعادة سلطة الخليفة على الأقاليم المحكومة ذاتيا والمناطق الواقعة إلى شمال العراق. وأمكن سحق حركة التمرد فى الجزيرة وإنهاء الحكم الذاتى لشيوخ القبائل فى المدن الرئيسية ولكنه لم يستطع إخضاع منطقة الجبال وكانت تحت سيطرة بابك ولم تتمكن الحملات المختلفة من إخضاعها وكانت لها حصانتها وفعاليتها بشكل خاص حيال الجيش النظامى وقد كلف ذلك الفشل المتكرر الخلافه غاليًا ولكنه لم يحل دون اتساع سيطرة الخلافة على المناطق الجبلية الأخرى، وعين الخليفة عليها عددا من الأمراء المحليين المواليين له واعتنق جميعهم الإسلام وأنعم عليهم بلقب (موالى أمير المؤمنين) مكافأة على دعمهم لسياساته. أما اليمن، فكانت مسرحًا لاندلاع ثورة علوية سنة ٢٠٧ هـ/ ٨٢٢ م جديدة بقيادة "عبد الرحمن بن أحمد" ولكن المأمون أجبره على الاستسلام وبهذا أمكن تحقيق السلام الاجتماعى كذلك قمعت ثورة مواطنى "قم" الذين ثاروا لرفضه تخفيض "الخراج" (فى ٢١٠ هـ/ ٨٢٥ م ثم فى ٢١٦ هـ/ ٨٣١ م).
بمجرد أن تحقق الهدوء والسلام فى الدولة، مع عودة مصر تحت سيطرة الخلافة (٢١٠ - ٢١١ هـ/ ٨٢٥ - ٨٢٦ م) وتأكيد الوضعية الاستقلالية للأغالبة فى أفريقية، أحس المأمون بقدرته على إعلان "المعتزلة" مذهبا رسميا (فى ٢١٢ هـ/ ٨٢٧ م) وأعلن سياسة يلتزم الإمام بموجبها بإعادة تنظيم الجيش المركزى ليجهز نفسه بقوة ضاربة قوية فعالة تعمل تحت قيادته. وسيطر على القوات المسلحة ف ٢١٣ هـ/ ٨٢٨ م وقسمها إلى ثلاثة جيوش رئيسية (يتكون كل منها من مجموعة من "الأبناء" وقوات من "العواصم" ومجندين من المناطق الشرقية للإمبراطورية): الأولى بقيادة: "إسحق ابن إبراهيم" ومهمته حفظ النظام فى العراق والجبال وفارس المتصلة
стр. 8787
بخراسان الكبرى. والثانية تحت إمرة العباس بن "المأمون" وهو مسئول عن جبهه القتال فى الصراع مع الإمبراطورية البيزنطية فى الجزيرة وشمال سوريا والثالثة عهد بقيادتها لأبى إسحق محمد المعتصم خليفة المأمون وكلف بحكم مصر حيث كان الوضع متفجرًا منذ أن قام المسلمون والمسيحيون فى ٢١٤ هـ/ ٨٢٩ م بعصيان ضد نظام الضرائب وأنزلوا الهزيمة بجيش المعتصم. واضطر المأمون حيال تفاقم الوضع فى شمال أذربيجان إلى أن يعهد إلى المخضرم عبد اللَّه بن طاهر بسجله السابق (فى الجزيرة وبعدها مصر) بمهمة قمع حركة العصيان هناك ولكنه لم ينجح فى ذلك ولم يفلح من خلفه فى تلك المهمة فى تغيير الوضع القائم.
كانت سياسة استعاد وحدة الدولة لها الأولوية على مواصلة الحرب ضد بيزنطة والتى كانت جارية بالفعل مع استقرار الأندلسيين فى كريت (منذ، ٢١٠ هـ/ ٨٢٦ م) وفتح صقلية على يد "الأغالبه" من أفريقية (حمله ٢١١ هـ/ ٨٢٧ م) مما أدى إلى تجمع البيزنطيين فى مواقع حدودية.
بدأت الحملة الأولى فى ٢١٥ هـ/ ٨٣٠ م تحت قيادة "المأمون" شخصيا وقد أراد بذلك إثبات جدارته بلقب الإمام وفقا للتعريف "الزيدى" بمعنى أنه هو المرشد الذى وهب "العلم" والشجاعة والحنكة السياسة. وفى طريقه اكتشف صابئة فى "حران" وأجبر بعضهم على اعتناق الإسلام وصدرت الفتوى باتفاق رسمى بين الإسلام وهذه الجماعة الدينية التى أفرزت العديد من طلاب العلم والمترجمين الذين نقلوا تراث اليونانية إلى العربية. وكان من نتائج هذه الحملة الاستيلاء على عدد من الحصون فى (Cappadocia) وتعرف فى العربية بالمطامير حيال ذلك هاجم الإمبراطور البيزنطى ثيوفيلوس "حصون" المصيصة و"اطرسوس" مما أدى إلى الحملة الثانية "للمأمون" (٢١٦ هـ/ ٨١٣ م) وفيها اصطحب ابنه "العسباس" (قاهر "ثيوفيلوس" فيما بعد) وكذلك أخاه وخليفته أبو اسحق (المعتصم).
стр. 8788
وبعد سلسلة من الانتصارات فى آسيا الصغرى رفض المأمون اقتراحا بتبادل الأسرى والهدنة لمدة خمس سنوات وانسحب الخليفة إلى دمشق ومنها اضطر للتحرك شخصيا إلى مصر لإخماد ثوره المسلمين والقبط ضد عبء الضرائب الزائده وبعد ما تحقق ذلك أدخل "المأمون" إصلاحا ماليا أحل نظام القباله محل الطريقة السابقة لتحصيل الضرائب وبذلك أظهرت الدولة استعدادها للتعاطف فى الظروف الصعبة وعند الضرورة وإضافة إلى ذلك تحسنت العلاقات مع أهل النوبة مما مكن المسلمين من تعزيز سيطرتهم على أرض النيل.
بعد تهدئة الوضع فى مصر، عاد المأمون إلى الجبهة مع "بيزنطة" فى ٢١٧ هـ/ ٨٣٢ م بهدف تحقيق السيطرة فيما وراء "طوروس" انتهى حصار حصن "لؤلؤة باستسلامها وطلب الأمبراطور "ثيوفيلوس" مجددا بوقف القتال وتبادل الأسرى بلا جدوى.
ورغم انشغال المأمون بجبهة الحرب مع "بيزنطه" والمصاعب السياسة التى أثارتها حركات العصيان المستمرة: "الرنج" فى جنوب العراق و"حركة بابك الخزمى" فى شمال اذربيجان) إلا أن المأمون "لم يهمل الشئون الثقافية (إنشاء بيت الحكمة فى ٢١٧ هـ/ ٨٣٢ م) ولم يفقد وضوح الرؤية فيما يتعلق بتحقيق سياسته والتى اعترف بها علماء السنة، وخلال الإعداد لحملته الرئيسية فى ٢١٨/ ٨٣٣ (استهدفت "عموريه" مسقط رأس الأسرة الحاكمة البيزنطية وقلب الإمبراطورية) انشغل "المأمون" بنزاع معه فتسبب فيما عرف بمحنة خلق القرآن فى ربيع أول سنة ٢١٨ هـ/ ٨٣٣ م وكان ذلك قبل وفاته بأربعة أشهر ومنذ حينه تبنى كل "العلماء "فكر" المعتزلة" سواء فى خدمة الدولة أو بشكل مستقل عن السلطة العباسية.
وقبل وفاته بقليل لم يختر المأمون ابنه المسئول عن "العواصم" خليفه له وإنما اختار لذلك أخاه "المعتصم" وكان مسئولا عن الجند الجدد من (بلاد ما وراء النهر) وأشار فى وصيته السياسية بالسير على نهج أعماله
стр. 8789
السياسية والدينية التى لم تكتمل حتى وفاته فى رجب ٢١٨ هـ/ أغسطس ٨٣٣ م).
والخلاصة فلعله من المناسب أن نعقد مقارنة بين "المأمون" وعبد الملك ابن مروان الأموى" (٧٠٥ - ٦٨٥/ ٨٦ - ٦٥) فكلاهما استعاد وحده الأمة فى أعقاب حرب أهلية طويلة وشجع قيام حركة ثقافية مزدهرة.
المصادر:
(١) راجع كتب الحوليات الإسلامية، تاريخ الطبرى، ابن الأثير، ابن خياط.
(٢) محمد هدارة: المأمون الخليفة العالم القاهرة، (١٩٦٦).
(٣) Cl. Cahen: Introducten a L,histoire du moude musui na medieva, pari's ١٩٨٢
نبيل محمود صلاح الدين [م. ركايا M. Rekaya]
مؤنس المظفر
أبو الحسن، أحد قواد الدولة العباسية فى الفترة من ٢٩٦ هـ/ ٩٠٨ م إلى ٣٢١ هـ/ ٩٣٣ م.
ويذكر لأول مرة كغلام للمعتضد (لم يكن بعد خليفة) مصاحبا له فى حملته ضد الزنج عام ٢٦٧ هـ/ ٨٨٠ م ثم كصاحب للشرطة عام ٢٨٧ هـ/ ٩٠٠ م وقد عزله المعتضد ثم أعاده المقتدر، ولم يظهر اسمه فى عهد المستكفى.
ويكتسب مؤنس شهرته من دفاعه عن الخليفة المقتدر ضد ابن عمه المنازع له على الحكم، الأمر الذى حمده له الخليفة فى بداية عهده، ثم انقلب عليه. كما أن له دورًا فى الدفاع عن بغداد ضد القرامطة، ولم يمن سوى بهزيمة واحدة.
وقد وقع خلاف بين مؤنس والوزير ابن الفرات، استطاع الأول فيه التخلص من الثانى، مما أتاح له أن يمارس سلطة دكتاتورية كانت هى السبب فى انقلاب الخليفة عليه، حتى أنه دبر اغتياله فى ٣١٥/ ٩٢٧ وفى ٣١٦/ ٩٢٨ ساهم مؤنس فى عزل المقتدر لحساب أخيه القاهر، ولكنه سرعان ما أعاده ليمارس عليه سلطانًا أكبر من ذى قبل. وحين
стр. 8790
أراد الخليفة عزله تمرد ودار قتال انتهى بقتل الخليفة.
وأعاد مؤنس القاهر للحكم، ولكن سرعان ما دب الخلاف بينهما لنفس السبب، ولكن الخليفة استطاع هذه المرة أن يستدرجه للقصر حيث أعدمه.
وأصبحت سيطرته على الخلفاء مثلا يحتذى من بعده مما أدى إلى انهيار الخلافة.
المصادر:
(١) حوليات التاريخ الإسلامى (ابن الأثير، الطبرى. . إلخ)
على يوسف على [هـ. بوين H. Bowen]
مؤيد الدولة
هو أبو منصور بويه بن ركن الدولة حسن، الحاكم البويهى فى أصفهان والرى ومعظم جبال (٨٦٦ - ٨٧٣ هـ/ ٩٧٦ - ٩٨٤ م). ولقد قسَّم والده قبل وفاته أراضيه بين مؤيد الدولة (فى أصفهان والرى وتوابعهما) وابنه الآخر فخر الدولة على (فى همدان وجبال الكردية). وفى هذا الحال اعترف مؤيد الدولة. بممتلكات أخيه الآخر عضد الدولة فى فارس، الذى استطاع بفضل معاونته منع فخر الدولة من أن يفرض سيطرته على جزء كبير من ممتلكاته. ولقد ضربت العملة فى الرى خلال الأعوام من ٣٦٦ هـ إلى ٣٧٣ هـ وهى تحمل أسماء عضد الدولة ومؤيد الدولة، مما يبين أن الأخير قد سيطر سيطرة تامة على المدينة. ولم يستطع فخر الدولة أن يفرض سلطانه على كل الجزء الشمالى من إمارة البويهيين إلا بعد وفاة مؤيد الدولة فى جرجان أثناء حملته على حلفاء فخر الدولة من الزيديين والسامانيين (شعبان ٣٧٣ هـ/ يناير ٩٤٨ م).
ولقد كان لمؤيد الدولة كاتبه ثم وزيره الصاحب إسماعيل بن عباد، الذى قيل إنه اكتسب لقبه (الصاحب) من طول صحبته للأمير البويهى.
د. عطية القوصى [أ. بوسورث Bosworth]