وكانت هناك أعمال أخرى خاصة فى مجالات الفلك والرياضيات والمخططات الجغرافية تجرى إلى جانب المناقشات الدينية بدءا من العقد الثانى من القرن التاسع للميلاد وتزامنت مع استعادة سلطة الخليفة على الأقاليم المحكومة ذاتيا والمناطق الواقعة إلى شمال العراق. وأمكن سحق حركة التمرد فى الجزيرة وإنهاء الحكم الذاتى لشيوخ القبائل فى المدن الرئيسية ولكنه لم يستطع إخضاع منطقة الجبال وكانت تحت سيطرة بابك ولم تتمكن الحملات المختلفة من إخضاعها وكانت لها حصانتها وفعاليتها بشكل خاص حيال الجيش النظامى وقد كلف ذلك الفشل المتكرر الخلافه غاليًا ولكنه لم يحل دون اتساع سيطرة الخلافة على المناطق الجبلية الأخرى، وعين الخليفة عليها عددا من الأمراء المحليين المواليين له واعتنق جميعهم الإسلام وأنعم عليهم بلقب (موالى أمير المؤمنين) مكافأة على دعمهم لسياساته. أما اليمن، فكانت مسرحًا لاندلاع ثورة علوية سنة ٢٠٧ هـ/ ٨٢٢ م جديدة بقيادة "عبد الرحمن بن أحمد" ولكن المأمون أجبره على الاستسلام وبهذا أمكن تحقيق السلام الاجتماعى كذلك قمعت ثورة مواطنى "قم" الذين ثاروا لرفضه تخفيض "الخراج" (فى ٢١٠ هـ/ ٨٢٥ م ثم فى ٢١٦ هـ/ ٨٣١ م).
بمجرد أن تحقق الهدوء والسلام فى الدولة، مع عودة مصر تحت سيطرة الخلافة (٢١٠ - ٢١١ هـ/ ٨٢٥ - ٨٢٦ م) وتأكيد الوضعية الاستقلالية للأغالبة فى أفريقية، أحس المأمون بقدرته على إعلان "المعتزلة" مذهبا رسميا (فى ٢١٢ هـ/ ٨٢٧ م) وأعلن سياسة يلتزم الإمام بموجبها بإعادة تنظيم الجيش المركزى ليجهز نفسه بقوة ضاربة قوية فعالة تعمل تحت قيادته. وسيطر على القوات المسلحة ف ٢١٣ هـ/ ٨٢٨ م وقسمها إلى ثلاثة جيوش رئيسية (يتكون كل منها من مجموعة من "الأبناء" وقوات من "العواصم" ومجندين من المناطق الشرقية للإمبراطورية): الأولى بقيادة: "إسحق ابن إبراهيم" ومهمته حفظ النظام فى العراق والجبال وفارس المتصلة
стр. 8787
بخراسان الكبرى. والثانية تحت إمرة العباس بن "المأمون" وهو مسئول عن جبهه القتال فى الصراع مع الإمبراطورية البيزنطية فى الجزيرة وشمال سوريا والثالثة عهد بقيادتها لأبى إسحق محمد المعتصم خليفة المأمون وكلف بحكم مصر حيث كان الوضع متفجرًا منذ أن قام المسلمون والمسيحيون فى ٢١٤ هـ/ ٨٢٩ م بعصيان ضد نظام الضرائب وأنزلوا الهزيمة بجيش المعتصم. واضطر المأمون حيال تفاقم الوضع فى شمال أذربيجان إلى أن يعهد إلى المخضرم عبد اللَّه بن طاهر بسجله السابق (فى الجزيرة وبعدها مصر) بمهمة قمع حركة العصيان هناك ولكنه لم ينجح فى ذلك ولم يفلح من خلفه فى تلك المهمة فى تغيير الوضع القائم.
كانت سياسة استعاد وحدة الدولة لها الأولوية على مواصلة الحرب ضد بيزنطة والتى كانت جارية بالفعل مع استقرار الأندلسيين فى كريت (منذ، ٢١٠ هـ/ ٨٢٦ م) وفتح صقلية على يد "الأغالبه" من أفريقية (حمله ٢١١ هـ/ ٨٢٧ م) مما أدى إلى تجمع البيزنطيين فى مواقع حدودية.
بدأت الحملة الأولى فى ٢١٥ هـ/ ٨٣٠ م تحت قيادة "المأمون" شخصيا وقد أراد بذلك إثبات جدارته بلقب الإمام وفقا للتعريف "الزيدى" بمعنى أنه هو المرشد الذى وهب "العلم" والشجاعة والحنكة السياسة. وفى طريقه اكتشف صابئة فى "حران" وأجبر بعضهم على اعتناق الإسلام وصدرت الفتوى باتفاق رسمى بين الإسلام وهذه الجماعة الدينية التى أفرزت العديد من طلاب العلم والمترجمين الذين نقلوا تراث اليونانية إلى العربية. وكان من نتائج هذه الحملة الاستيلاء على عدد من الحصون فى (Cappadocia) وتعرف فى العربية بالمطامير حيال ذلك هاجم الإمبراطور البيزنطى ثيوفيلوس "حصون" المصيصة و"اطرسوس" مما أدى إلى الحملة الثانية "للمأمون" (٢١٦ هـ/ ٨١٣ م) وفيها اصطحب ابنه "العسباس" (قاهر "ثيوفيلوس" فيما بعد) وكذلك أخاه وخليفته أبو اسحق (المعتصم).
стр. 8788
وبعد سلسلة من الانتصارات فى آسيا الصغرى رفض المأمون اقتراحا بتبادل الأسرى والهدنة لمدة خمس سنوات وانسحب الخليفة إلى دمشق ومنها اضطر للتحرك شخصيا إلى مصر لإخماد ثوره المسلمين والقبط ضد عبء الضرائب الزائده وبعد ما تحقق ذلك أدخل "المأمون" إصلاحا ماليا أحل نظام القباله محل الطريقة السابقة لتحصيل الضرائب وبذلك أظهرت الدولة استعدادها للتعاطف فى الظروف الصعبة وعند الضرورة وإضافة إلى ذلك تحسنت العلاقات مع أهل النوبة مما مكن المسلمين من تعزيز سيطرتهم على أرض النيل.
بعد تهدئة الوضع فى مصر، عاد المأمون إلى الجبهة مع "بيزنطة" فى ٢١٧ هـ/ ٨٣٢ م بهدف تحقيق السيطرة فيما وراء "طوروس" انتهى حصار حصن "لؤلؤة باستسلامها وطلب الأمبراطور "ثيوفيلوس" مجددا بوقف القتال وتبادل الأسرى بلا جدوى.
ورغم انشغال المأمون بجبهة الحرب مع "بيزنطه" والمصاعب السياسة التى أثارتها حركات العصيان المستمرة: "الرنج" فى جنوب العراق و"حركة بابك الخزمى" فى شمال اذربيجان) إلا أن المأمون "لم يهمل الشئون الثقافية (إنشاء بيت الحكمة فى ٢١٧ هـ/ ٨٣٢ م) ولم يفقد وضوح الرؤية فيما يتعلق بتحقيق سياسته والتى اعترف بها علماء السنة، وخلال الإعداد لحملته الرئيسية فى ٢١٨/ ٨٣٣ (استهدفت "عموريه" مسقط رأس الأسرة الحاكمة البيزنطية وقلب الإمبراطورية) انشغل "المأمون" بنزاع معه فتسبب فيما عرف بمحنة خلق القرآن فى ربيع أول سنة ٢١٨ هـ/ ٨٣٣ م وكان ذلك قبل وفاته بأربعة أشهر ومنذ حينه تبنى كل "العلماء "فكر" المعتزلة" سواء فى خدمة الدولة أو بشكل مستقل عن السلطة العباسية.
وقبل وفاته بقليل لم يختر المأمون ابنه المسئول عن "العواصم" خليفه له وإنما اختار لذلك أخاه "المعتصم" وكان مسئولا عن الجند الجدد من (بلاد ما وراء النهر) وأشار فى وصيته السياسية بالسير على نهج أعماله
стр. 8789
السياسية والدينية التى لم تكتمل حتى وفاته فى رجب ٢١٨ هـ/ أغسطس ٨٣٣ م).
والخلاصة فلعله من المناسب أن نعقد مقارنة بين "المأمون" وعبد الملك ابن مروان الأموى" (٧٠٥ - ٦٨٥/ ٨٦ - ٦٥) فكلاهما استعاد وحده الأمة فى أعقاب حرب أهلية طويلة وشجع قيام حركة ثقافية مزدهرة.
المصادر:
(١) راجع كتب الحوليات الإسلامية، تاريخ الطبرى، ابن الأثير، ابن خياط.
(٢) محمد هدارة: المأمون الخليفة العالم القاهرة، (١٩٦٦).
(٣) Cl. Cahen: Introducten a L,histoire du moude musui na medieva, pari's ١٩٨٢
نبيل محمود صلاح الدين [م. ركايا M. Rekaya]
مؤنس المظفر
أبو الحسن، أحد قواد الدولة العباسية فى الفترة من ٢٩٦ هـ/ ٩٠٨ م إلى ٣٢١ هـ/ ٩٣٣ م.
ويذكر لأول مرة كغلام للمعتضد (لم يكن بعد خليفة) مصاحبا له فى حملته ضد الزنج عام ٢٦٧ هـ/ ٨٨٠ م ثم كصاحب للشرطة عام ٢٨٧ هـ/ ٩٠٠ م وقد عزله المعتضد ثم أعاده المقتدر، ولم يظهر اسمه فى عهد المستكفى.
ويكتسب مؤنس شهرته من دفاعه عن الخليفة المقتدر ضد ابن عمه المنازع له على الحكم، الأمر الذى حمده له الخليفة فى بداية عهده، ثم انقلب عليه. كما أن له دورًا فى الدفاع عن بغداد ضد القرامطة، ولم يمن سوى بهزيمة واحدة.
وقد وقع خلاف بين مؤنس والوزير ابن الفرات، استطاع الأول فيه التخلص من الثانى، مما أتاح له أن يمارس سلطة دكتاتورية كانت هى السبب فى انقلاب الخليفة عليه، حتى أنه دبر اغتياله فى ٣١٥/ ٩٢٧ وفى ٣١٦/ ٩٢٨ ساهم مؤنس فى عزل المقتدر لحساب أخيه القاهر، ولكنه سرعان ما أعاده ليمارس عليه سلطانًا أكبر من ذى قبل. وحين
стр. 8790
أراد الخليفة عزله تمرد ودار قتال انتهى بقتل الخليفة.
وأعاد مؤنس القاهر للحكم، ولكن سرعان ما دب الخلاف بينهما لنفس السبب، ولكن الخليفة استطاع هذه المرة أن يستدرجه للقصر حيث أعدمه.
وأصبحت سيطرته على الخلفاء مثلا يحتذى من بعده مما أدى إلى انهيار الخلافة.
المصادر:
(١) حوليات التاريخ الإسلامى (ابن الأثير، الطبرى. . إلخ)
على يوسف على [هـ. بوين H. Bowen]
مؤيد الدولة
هو أبو منصور بويه بن ركن الدولة حسن، الحاكم البويهى فى أصفهان والرى ومعظم جبال (٨٦٦ - ٨٧٣ هـ/ ٩٧٦ - ٩٨٤ م). ولقد قسَّم والده قبل وفاته أراضيه بين مؤيد الدولة (فى أصفهان والرى وتوابعهما) وابنه الآخر فخر الدولة على (فى همدان وجبال الكردية). وفى هذا الحال اعترف مؤيد الدولة. بممتلكات أخيه الآخر عضد الدولة فى فارس، الذى استطاع بفضل معاونته منع فخر الدولة من أن يفرض سيطرته على جزء كبير من ممتلكاته. ولقد ضربت العملة فى الرى خلال الأعوام من ٣٦٦ هـ إلى ٣٧٣ هـ وهى تحمل أسماء عضد الدولة ومؤيد الدولة، مما يبين أن الأخير قد سيطر سيطرة تامة على المدينة. ولم يستطع فخر الدولة أن يفرض سلطانه على كل الجزء الشمالى من إمارة البويهيين إلا بعد وفاة مؤيد الدولة فى جرجان أثناء حملته على حلفاء فخر الدولة من الزيديين والسامانيين (شعبان ٣٧٣ هـ/ يناير ٩٤٨ م).
ولقد كان لمؤيد الدولة كاتبه ثم وزيره الصاحب إسماعيل بن عباد، الذى قيل إنه اكتسب لقبه (الصاحب) من طول صحبته للأمير البويهى.
د. عطية القوصى [أ. بوسورث Bosworth]
стр. 8791
الماء
يشكل الماء العامل الرئيسى فى الطهارة التى يحرص عليها المسلمون بوازع من عقيدتهم.
وقد درس المسلمون بعض الصفات الطبيعية للأنهار والمجارى المائية والعيون والآبار. ومن ذلك تغير لون الماء بفيضان الأنهار أو انحسار الماء الدافق، وعرفوا أن مصادر المياه المختلفة تختلف فى قدراتها على التنظيف (بسبب تركيبها الكيميائى). وكان لشكل سطح الماء الجارى أو الساكن فى البحيرات والبرك والآبار مدلولات وتفسيرات معينة يتفاءلون ببعضها ويتشاءمون من البعض الآخر.
وقد أجازت الشريعة الإسلامية سبعة أنواع من المياه للشرب والطهارة والوضوء وهى: مياه الأمطار، والمياه الناتجة عن ذوبان الثلوج، والبرد والجليد، ومياه العيون ومياه الآبار ومياه الأنهار والبحار واشترطت الشريعة لاستخدام هذه المياه أن تكون نظيفة فان خالطها شئ غير نظيف لم تصح).
ويشترط فى ملكيتها أن يكون صاحبها مالكا لحرمها، وهناك حديث شريف يحدد البئر بنحو أربعين ذراعا فى معظم الأحيان.
وتفرّق الشريعة بين ثلاثة مصادر للماء لاستعمالها أو امتلاكها وهى أن تكون من الأنهار التى قد تكون كبيرة مثل نهر النيل ودجلة والفرات تسد مياهها عادة احتياجات الناس من شرب أو رى.
أما فى حالة الأنهار الصغيرة والروافد ذات الكميات المحدودة نسبيا من المياه، فقد حدد المشرع الإسلامى طريقة استخدام هذه المياه بحيث لا يطغى أحد على حق غيره من مستخدمى تلك المصادر.
وفى كلتا الحالتين أوجب المشرع الحفاظ على مصادر المياه وصيانتها وحسن استخدامها وعدم العبث بها.
ثم الآبار: التى تحفر للصالح العام ويحصل عليها الجميع كيفما شاءوا أما الآبار التى يحفرها رجال لصالحهم
стр. 8792
الخاص كالتى كان يحفرها رجال القبائل فلهم الحق الأول فى استخدام مياه هذه الآبار طالما هم يقيمون حول تلك الآبار، على أن يكونوا ملزمين فى أى وقت لتقديم الماء للعطاشى فإذا رحل أصحاب البئر صارت مياه البئر مباحة للجميع.
فإن حفرها البعض لتكون بئرا خاصة لهم فخصوصيتها لا تسرى قبل انبجاس الماء فى البئر. فإن احتاجت إلى تبطين فلاحق لهم فى ملكيتها حتى يتم التبطين.
وعلى مالك البئر الخاصة تقديم الماء لكل ظامئ أيا كان هذا الظامئ وكان ذلك تقليدا ويوجد خبر يقول أن الخليفة عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه كان قد ألزم أصحاب بئر خاصة بدفع دية رجل مات من العطش بعد أن رفضوا تقديم الماء إليه.
العيون: اعتبر المسلمون مياه العيون الطبيعية مثلها مثل مياه الأنهار الكبيرة أى تكون من حق الناس أجمعين. فإذا كانت مياه تلك العيون محدودة، كانت من حق المقيمين حولها على أن يستخدموها على قدم المساواة فيما بينهم.
وفى حالة عيون الماء التى تظهر بالحفر عليها فيكون حافر العين مالكا لها بالإضافة إلى جيرانه فى هذا الحَرَم.
وهناك عيون ماء يحفرها أشخاص لاستعمالهم الخاص، كانت كما أراد ولكن عليه أن يقدم الماء للعطشانين، فإذا كانت مياه العين تزيد عن حاجته وجب عليه تقديم الماء بدون مقابل لمن يطلبه ليسقى به ماشيته وليس لرى مزروعاته.
والماء الذى يملكه شخص ما فى وعاء له فيكون هو مالكه وحده، وليس ملزما بتقديمه لغيره بدون مقابل. ولكن إذا سأله ظامئ بعض الماء لبى سؤاله لقاء شئ يأخذه مقابله؛ انظر الأحكام السطانية للماوردى [م. ج. ل. يونج]
الآلات المائية: هناك شواهد من جمة مكتوبة وأثارية لنوع استعمال الآليات المائية الرافعة فى عصر ما قبل الإسلام، فقد كان الشادوف معروفا
стр. 8793
أبان ذلك فى تلك الأزمنة، كما استعملت الساقية وكانت معروفة فى أيام الرومان ولا تزالان تستعملان حتى اليوم، وعرفت الناعورة وعجلات الطحين الموضوعة فى القوارب أو على دعائم خشبية.
وقد شاع استخدام هذه الطواحين فى ديار الإسلام واستخدمت فى طحن الحبوب وعصر قصب السكر وغيرها.
كذلك عرف المسلمون النافورات والساعات المائية وغيرها. وكانت الآلات المائية معروفة فى دول الحضارات القديمة كاليونان والرومان والفرس وغيرهم والتى دخلت فى الإسلام وكونت أجزاء من ديار الإسلام مثل مصر وسوريا والعراق وفارس وأرمينيا والهند وغيرها.
والشادوف هو اختراع فرعونى أخذه اليونان آلة بسيطة تتألف من عارضة خشبية ترتكز على محور ارتكاز مرتفع مثبت بدوره على قائمين من الخشب أو من الحجارة حول مصدر الماء (البئر) ويثبت بالطرف القصير من العارضة الخشبية ثقل مناسب عبارة عن كتلة حجرية أو طين جاف، أما الطرف الطويل من تلك العارضة الخشبية فيتدلى منه حبل طويل فى نهايته دلو من الجلد.
ويستخدم الشادوف لرفع المياه من حفرة مناسبة أو من المجارى المائية ويديره فلاح واحد بأن يشد الحبل إلى أسفل حتى يغمر الدلو فى الماء ثم يشد الحبل شدة بسيطة إلى أعلى ويقوم الثقل المثبت على الطرف الآخر للعارضة الخشبية برفع الدلو حتى مستوى سطح الأرض فيُفرع الفلاح الدلو فى حوض أو مجرى مناسب، ثم يكرر ما فعله وهكذا.
أما الساقية فهى أكثر تعقيدا من الشادوف حيث تتكون من أكثر من ٢٠٠ قطعة وتتألف من عجلة كبيرة تثبت فى مستوى رأسى على محور أفقى فوق سطح الماء المراد رفعه إلى أعلى، ويثبت فى هذه العجلة عدد من الأسطال ويثبت على الطرف الآخر للمحور الأفقى ترس معشق فى ترس
стр. 8794
آخر أفقى مثبت بعارضة التشغيل. أما الطرف الآخر من هذه العارضة فمثبت فى طقم أو عدة حيوان الجر (ثور أو حمار أو جمل أو جاموسة أحيانا) وهو مصدر الطاقة فى هذه الآلة.
وعندما يدور حيوان الجر فى مدار دائرى معد لذلك تتحرك التروس والعجلة المثبت بها الماء فتمتلئ تلك السطول بالماء عندما تغمر فى الماء، وبدوران العجلة ترفع هذه الساطل إلى أعلى فينسكب ماؤها فى خزان أو مجرى مائى بعد ذلك، ثم تمتلئ ثانية وهكذا تظل الساقية ترفع الماء من مصدره إلى الحوض طالما ظل حيوان الجر يدور فى مداره.
واخترع المسلمون نوعا من السواقى يسمى بالنورة (وقد يخلط الناس بينها وبين الساقية) تعمل بدفع الماء الجارى كما هو الحال فى سواقى الشام فى حماة ودمشق بسوريا وغيرها والتى لازالت تعمل لهذا الغرض حتى الآن. وقد ذكر ذلك النوع من السواقى المؤرخ العربى أحمد بن الطيب فى سنة ٢٧١ هـ/ ٨٨٤ - ٨٨٥ م. وهى عبارة عن عجلة كبيرة تثبت فى مستوى رأسى على محور أفقى. كما هو الحال فى سواقى الجر) بحيث يلامس طرفها الأسفل سطح الماء المراد رفعه إلى أعلى. ويثبت على محيط عجلة الساقية مجاديف بالإضافة إلى مجموعة من الأسطال أو الأوانى المناسبة. وتتحرك العجلة بسبب اصطدام مجاديفها بتيار الماء الجارى وفى نفس الوقت تمتلئ بالماء عندما تغمر تلك الأسطال فى الماء وترفع تلك الأسطال إلى أعلى مع حركة العجلة بسبب دفع تيار الماء لمجاديفها لتصب فى حوض أو قناة معدة لذلك، وهكذا تظل الساقية تدور وتنقل الماء من أسفل إلى سطح الأرض طالما ظلت مجاديف العجلة ملامسة لسطح الماء الجارى. . واستخدام المسلمون طاقة الماء الجارى فى تشغيل مطاحن لطحن القمح وغيره من الحبوب ولعصر قصب السكر ونشر الأخشاب وتقطيعها، وذلك بنفس فكرة السواقى التى تدور وتعمل بدفع الماء الجارى وتتألف الطاحونة من عجلة كبيرة مثبت على حافتها الخارجية عدد من المجاديف المناسبة ومثبت فوق
стр. 8795
سطح الماء الجارى. وتثبيت مجموعة من التروس على المحور الأفقى الذى تدور عليه العجلة لتغير اتجاه الحركة، حيث يمكن تركيب أكثر من مطحن على محور دوران العجلة الرأسية.
وكما حول المسلمون إتجاه حركة العجلات من الاتجاه الرأسى إلى الاتجاه الأفقى، فقد تمكنوا أيضا من تحويل الحركة الدورانية إلى حركة ترددية (جيئة وذهابا) وذلك باستخدام مطارق سقاطة.
واستخدم المسلمون فى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى سواقى تدور بالدفع العلوى بفعل وزن الماء الساقط من الشلالات، بالإضافة إلى السواقى آنفة الذكر والتى تعمل بدفع تيار الماء الجارى. وفى سواقى الدفع العلوى للماء أو التى تعمل بفعل وزن الماء تثبت العجلة فى مستوى رأسى على محور أفقى. ويسقط تيار الماء من أعلى على مجاديف العجلة فتدور العجلة طالما ظل الماء يسقط على تلك المجاديف.
واستخدمت السواقى التى تعمل بفعل وزن الماء فى عدد من الآلات المائية التى اشتهر بها المسلمون فى العصور الوسطى وأهمها الساعات وآلات رفع الماء والنافورات وغيرها.
وتتألف هذه السواقى من عجلات مسننة أو ذوات أطراف عديدة ومثبت على كل طرف جاروف خاص، وهى نوع من التوربينات البسيطة.
واستخدم ابن الرزاز الجزرى الذى ذاع صيته فى القرن السادس الهجرى (توفى سنة ٦٠٢ هـ/ ١٢٠٦ م) ورضوان بن محمد الخراسانى الساعاتى وغيرهما، تلك التوربينات فى صناعة الساعات المائية.
واستخدم الجزرى العجلات الجاروفية فى صناعة آلات رفع الماء، ويتألف الجزء الظاهر من هذه الآلة أو الساقية من تمثال لحيوان جر (كالثور أو الحمار) ليوحى بأنه هو مصدر الطاقة المحركة للساقية. أما الطاقة الحقيقية فى الساقية فهى مستمدة من غرفة مغلقة غير ظاهرة وتتألف من عجلة جاروفية مثبت بها ترسان
стр. 8796
(عجلات مسننات) وهذه العجلات تدير محورا رأسيا يخترق غرفة عليا ثبت عليه ترسان آخران ينقلان الحركة إلى عجلة كبيرة مثبت عليها مجموعة من الاسطال بحيث ترفع الماء فى أثناء دورانها.
وكانت هناك سواق من هذا النوع ترفع الماء من نهر يزيد فى دمشق فى القرن السابع الهجرى وحتى منتصف القرن العشرين (١٩٦٠ م).
ويصف الجزرى أربع آلات أخرى لرفع الماء تديرها حيوانات الجر، وتتألف كل آلة من سلسلة من التروس المتصلة مع بعضها. يكون الترسان الأولان منها متصلين بتروس قطاعية (غير منتظمة التسنين فى كل أجزائها). ولم تعرف مثل هذه التروس فى أوربا إلا فى القرن الرابع عشر حينما استخدمها صانع ساعات إيطالى يدعى جيوفانى دى دوندى سنة ١٣٦٥ م.
واخترع المسلمون مضخات ذات مواسير مشقوقة فى مواضع معينة لرفع الماء وتعمل بعدد من التروس المتصلة مع بعضها.
نظام الرى فى مصر قبل القرن العشرين .
ظلت طرق الرى فى مصر حتى مطلع القرن العشرين كما كانت عليه فى زمن الفراعنة معتمدة على الفيضان السنوى لنهر النيل وغمر الأراضى بالمياه ومصر بالماء والطمى الذى يجدد خصوبة التربة الزراعية وكما كان النيل فى الفيضان الغزير يمنح مصر الخير الوفير إلا أن انخفاضه كان يؤدى إلى الشر وتعم المجاعة البلاد فى للك السنة.
ووصف عبد اللطليف البغدادى (المتوفى سنة ٦٢٩ هـ/ ١٢١٣ م) هذه الظاهرة ودور النيل فى الرى والأحوال الزراعية فى مصر والعصور الوسطى، فقال إنه بعد أن يفيض النيل وتغمر مياهه الحقول عددا من الأيام، فإنه يتراجع تاركا الحقول مروية ليبدأ الفلاحون فى حرت الأرض وبذر البذور. ولا تحتاج تلك المحاصيل للرى بعد ذلك حتى حصادها.
وإذا زاد ارتفاع الفيضان عن عشرين ذراعا تصبح بعض الأراضى
стр. 8797
بركة يغمرها الماء فترة طويلة. وقد يؤثر ذلك على ميعاد بذر التقاوى، أما إذا انخفض الفيضان عن ١٦ ذراعا وهو الطبيعى فإن كثيرا من الأراضى لا تصلها المياه ويقل المحصول بصفة عامة وقد لا تفى الحبوب باحتياجات الناس طول السنة ومن ثم يشح الغذاء ويعم الغلاء والبلاء.
ولم يشعر المصريون قبل القرن العشرين بالأمان قبل أن يصل ارتفاع الماء فى الفيضان إلى ١٦ ذراعًا، وهو الارتفاع الذى يكفى فيه ماء النيل لرى الأراضى.
وكانت أخبار الفيضان تظل محجوبة عن العامة حتى يصل ارتفاع الماء إلى ١٦ ذراعًا. وربما يعود هذا التقليد إلى عصر الخليفة الفاطمى المعز لدين اللَّه (فى سنة ٣٦٢ هـ/ ٩٧٣ م) وقد نهى ذلك الحاكم عن الإعلان عن ارتفاع المستوى الحقيقى للفيضان لأهل القاهرة قبل أن يصل ذلك الارتفاع إلى ١٦ ذراعًا وكان الهدف من ذلك إبعاد الخوف والقلق عن نفوس المصريين ومنعا لوقوع الأزمات الاقتصادية.
وجاء فى خطط المقريزى أنه كان هناك الموكل إليه قياس ارتفاع الفيضان ويدعى بصاحب المقياس الذى كان يذيع الزيادة الحقيقية فى ماء الفيضان بالإصبع وليس بالذراع فان بلغ الارتفاع ستة عشر ذراعا وذلك عادة فى شهر مسرى القبطى يوليو - أغسطس) صاحب المقياس الزيادة للناس فى القاهرة ويكون للسلطان حينئذ حق فرض الخراج على الأرض الزراعية.
واهتم المصريون منذ العهود القديمة بتطهير قنوات الرى سنويا وصيانة الجسور والتى تعد بمثابة السدود بالإضافة إلى كونها ممرات وطرق تربط القرى بعضها ببعض ويؤكد النويرى فى نهاية الأرب المقريزى فى الخطط أنه بدون هذه الأعمال تقل الاستفادة من مياه النيل إلى حد كبير.
ويشير المقريزى فى خططه إلى أهمية الجسور والقنوات فى ضبط وتنظيم فيضان النيل فى عصر الإسلام وفى العصور السابقة له أيضا وكان
стр. 8798
حفر القنوات وصيانة الجسور من أهم اختصاص السلاطين وأصحاب الاقطاعيات فى العصرين الأيوبى والمملوكى. وكان هناك نوعان من الجسور فى مصر العصور الوسطى هى الجسور الكبيرة وتعرف بالجسور السلطانية. أما الجسور الصغيرة فتسمى بالجسور البلدية. وكان للجسور البلدية الدور الرئيسى من توصيل المياه من حقل لآخر. وكان كل مُقطع (بضم الميم وتسكين القاف وفتح الطاء) أو صاحب إقطاعية مسئولا هو وعماله عن صيانة الجسور فى حدود اقطاعيته. وكانت الحكومة المركزية مسئولة عن صيانة الجسور الكبيرة التى تشيد لصالح الولايات والأقاليم وكان أصحاب الاقطاعيات يساعدون السلطان المملوكى فى صيانة تلك الجسور الكبيرة وذلك بمده بالمال والعمال والثيران والمساحى والآلات اللازمة للعمل أما فى العصر الأيوبى والمملوكى فكان السلاطين يختارون الأمراء البارزين والقادرين على صيانة الطرق والجسور. ويروى أن السلطان الملك الكامل الأيوبى كان يرسل كل عام ثلاثة أو أربعة أمراء ومعاونيهم لإقليم الجيزة للإشراف على صيانة الجسور ومراقبة الفيضان وكان السلاطين الأيوبيون يرسلون الموظفين لهذا الغرض إلى كل المقاطعات المصرية. وفى العصر المملوكى كان الموظف المختص برعاية وصيانة الجسور يعرف بكاشف الجسور، ومهمته التفتيش على الجسور وهو موظف كبير يعاونه عدد من المعاونين.
وكان المصريون يستعدون لموسم الفيضان بشق القنوات وبناء الجسور وإصلاح التالف منها وإعداد الحقول لاستقبال الفيضان ثم بذر التقاوى بعد انحسار الماء. واستخدم المصريون فى العصر الإسلامى نفس الأدوات والآلات التى كان يستخدمها أسلافهم منذ آلاف السنين.
وذكر النويرى والمقريزى أنه فى خلال موسم الفيضان تكون كل الأراضى مغطاة بالمياه وتكون القرى معزولة بعضها عن بعض ولا سبيل للوصول من واحدة إلى أخرى إلا
стр. 8799
بربوات صناعية وتلال عالية بواسطة المراكب وأحيانا الجسور فإذا اكتفت الأرض من الماء قام الخولى وشيوخ القرى بقطع الجسور لتصريف المياه إلى مناطق آخرى من خلال فتحات مناسبة (قناطر) فى الجسور ويذكر النويرى والمقريزى والمسعودى وناصر خسرو والقزوينى أن المياه تظل تغمر الأرض أربعين يوما حتى إذا انحسرت بعدها قام المزارعون ببذر التقاوى وفلاحة الأرض.
وكانت المحاصيل المنزرعة بعد موسم الفيضان لا تحتاج إلى رى حتى يتم حصادها وأطلق المصريون على طريقة الرى هذه اسم الرى بالسَّيْح كما يقول النابلسى وأن سماه المقريزى الزرع مع الراحة ولا يزال هذا الاسم الأخير مستخدما حتى اليوم فى مصر الوسطى ويعنى أن الأرض تروى بدون استخدام وسائل صناعية كالساقية والشادوف. . . الخ
والمحاصيل المنزرعة بعد موسم الفيضان تدعى بالمحاصيل الشتوية وهى المحاصيل التى يبدأ الفلاحون فى زراعتها فى شهر برمهات القبطى (فبراير - مارس). وهى فى غير حاجة للرى بعد ذلك، ويذكر المخزومى أن المحاصيل الشتوية هى القمح والشعير والفول والعدس والبرسيم والكتان والجُلبان ويضيف المقريزى إلى هذه الأنواع الحمص والقرط والبصل والثوم والترمس، أما المحاصيل الصيفية فهى الفقوس والبطيخ واللوبيا والسمسم والقطن وقصب السكر والقلقاس والباذجان والنيلة والفجل واللفت والكرنب والخس.
وكانت المحاصيل الصيفية تروى بالطرق التقليدية التى ألفها الفلاح المصرى منذ آلاف السنين ولا يزال يستعملها حتى اليوم وهى نقل المياه على ظهور الدواب لرى الزراعات الصغيرة، أما الزراعات الكبيرة فيسقيها الفلاح المصرى فى العصر الوسيط بوسائل ميكانيكية بسيطة هى النطالة والدالية الساقية بالإضافة إلى رفع الماء من الآبار يدويا باستخدام الحبال والسطل (الدلو) المصنوع من الجلد. . . ولا تزال الطريقة الأخيرة متبعة هى
стр. 8800
مصر وفى كثير من الدول الافريقية حيث يقف رجلان وجها لوجه على حافة بئر ويمسكان بحبلين مربوط بهما دلو كبير من الجلد ويلقى الفلاحان الدلو فى البئر فيمتلئ الماء ثم يقومان بسحبه إلى السطح وفراغ الماء فى حوض أو قناة معدة لذلك وقد يقوم بهذا العمل فلاح واحد.
أما الدالية أو الشادوف فكان منذ أيام الفراعنة وفى العراق الوسيط وغيرها من البلاد وهو يتألف من عمود خشبى طوله خمس أقدام يرتكز على عمود خشبى أفقى، يرتكز هو الآخر على حاملين رأسيين متقابلين مصنوعين من الأخشاب أو جذوع النخل أو الحجارة. ويثبت فى نهاية العمود الخشبى حجر مناسب أو كتلة من الطين الجاف ويعتبر ذلك الجزء بمثابة الذراع القصيرة للرافعة. ويتدلى من نهاية الطرف الأطول للعمود الخشبى (الذراع الطويلة للرافعة) حبل مثبت فى نهايته دلو من الجلد. ويكون طول الحبل مناسبا لعمق الماء المراد الغرف منه أو رفعه لرى الأرض. ويقف الفلاح على منصة يقيمها بجوار العمودين الرأسيين، ثم يسحب الحبل إلى أسفل حتى يصل الدلو إلى سطح الماء (فى البئر أو شاطئ النهر. . . الخ) ويغوص فيه ويمتلئ بالماء، وبدفعة بسيطة من يد الفلاح للحبل إلى أعلى يرتفع الدلو بواسطة الثقل المثبت من الطرف الآخر من العمود الخشبى، حتى يصل الدلو إلى مستوى سطح الأرض وعندها يقوم الفلاح بإفراغ الدلو فى الحوض أو القناة المعدة لذلك، ويعاود إنزال الدلو إلى الماء فى البئر مرة أخرى وهكذا دواليك.
والطنبور اختراع قديم ينسب فى كتب تاريخ العلم إلى الرياضى اليونانى أرشميدس ٢٨٧ - ٢١٢ ق. م -الذى تعلم ودرس فى جامعة الاسكندرية القديمة ويتكون من اسطوانة خشبية طولها نحو ٦ - ٩ أقدام ومغلفة من الخارج بالصاج. وبداخلها بريمة (حلزونية) مصنوعة من الخشب ترتكز على محور من الحديد طرفه العلوى معقوف ويستخدم كذراع تدوير
стр. 8801
(تشغيل) أما الطرف الأسفل للبريمة والمحور فيلتف حول وتد أو ركازة تغمر تحت سطح الماء. ويقوم فلاح أو اثنان بتشغيل الطنبور بأن يجلسا متقابلين عند الطرف العلوى للطنبور على سطح الأرض. ويحركان ذراع التدوير حركة دائرية فينتقل الماء من أسفل إلى أعلى عبر لفات الحلزون (البريمة) ويصب فى قناة رى معدة لذلك عند الطرف العلوى للطنبور.
ولا يزال الطنبور مستخدما حتى اليوم لرى الزراعات الصغيرة فى مصر.
أما الساقية فهى أكثر تلك الآلات شهرة، ويمكن من خلالها رى مساحات كبيرة من الأرض. وروى المقدسى (القرن الرابع الهجرى، العاشر الميلادى) فى كتابه "أحسن التقاسيم" أنه كانت هناك سواق عديدة فى مصر مقامة على ضفاف النيل لرى الزراعات فى أوقات التحاريق (انخفاض مياه النيل).
وذكر ناصر خسرو فى كتابه "السفرنامه" بعد المقدسى بنحو قرن من الزمان أن السواقى كانت واسعة الانتشار فى الديار المصرية بصورة يصعب حصر أعدادها.
وتسمى السواقى أيضا الدواليب وهى كلمة فارسية معناها الساقية. وتعرف فى الشام بالناعورة.
وروى النويرى فى كتابه "نهاية الأرب" أنه فى العصر المملوكى حفرت الآبار بكثرة للحصول على المياه الجوفية وكانت تثبت على كل بئر ساقية.
كانت النواعير تدور بدفع الماء الجارى، أما السواقى فتديرها حيوانات الجر كالثيران.
وذكر المقريزى أن كل ساقية (محله) كانت مخصصة لرى ثمانية أفدنة مزروعة بقصب السكر، ويعمل عليها ثمانية رجال. وتقام الساقية بالقرب من النيل، فإذا أقيمت بعيدا عن النيل فوق مصدر ماء عميق (بئر) وبعيد عن شاطئ النيل، فإنها تكفى فقط لزراعة أربعة أو ستة أفدنة.
стр. 8802
وتتكون الساقية فى مصر العصور الوسطى من عجلة أفقية تدور فى عكس اتجاه عقارب الساعة بواسطة ثور أو اثنين. وتعشق أسنان (تروس) هذه العجلة الأفقية فى أسنان العجلة الرأسية. ويثبت على العجلة الرأسية عدد من القواديس المصنوعة من الفخار. وعند دوران العجلة الرأسية تغمر القواديس فى قناة الرى بصورة تلقائية فى أثناء رحلتها الدائرية.
ويكون دور الفلاح أو ابنه هو حث الحيوان على الحركة فى مداره الدائرى وملاحظة جريان الماء فى قناة الرى الممتدة من الساقية حتى الحقل المراد ريه. أما "التابوت" فالظاهر أنه من ابتداع "ارخميدس" [أرشميدس] الاغريقى أثناء دراسته بمصر وقد ظل التابوت مستعملا فى مصر لاسيما عند انخفاض مستوى الماء، وظل المصريون يزرعون الأرض بالمحاصيل المختلفة التى تكفى السكان بهذا الأسلوب البسيط فى الرى آلاف السنين.
أما عن نظام الرى فى العراق فإن العراق تكون من سهل منبسط يجرى فيه نهران عظيمان هما دجلة والفرات. ويجرى الفرات فى مستوى أعلى من نهر دجلة، ومن ثم فإن القنوات التى تصل بين الاثنين كانت تميل بزاوية حادة. وقد تحولت مناطق واسعة من البقاع الواقعة بين النهرين إلى مستنقعات وأحراج من قديم الزمان. وكان نهرا دجلة والفرات والقنوات التى تجرى بينهما من أهم وسائل الاتصال. وكان المواطنون مسئولين عن صيانة القنوات الصغيرة. واتبعوا أعرافا وتقاليد معينة فى طرق الرى وخاصة ما يتعلق بتقسيم المياه التى تصرف لرى الزراعات على جوانب الأنهار والقنوات وكان يتم ذلك تحت إشراف موظفين معينين لهذا الغرض.
واستخدم سكان حوض الرافدين (العراق) السواقى والشواديف والغراقات لرفع الماء المزروعات.
أما عن نظام الرى فى إيران فقد توقفت الكثافة السكانية وتوزيعها ونمو وإنشاء المستوطنات والمجتمعات الزراعية فى إيران على كمية المياه المتاحة عبر التاريخ.
стр. 8803
وتتركز الأمطار، وهى قليلة وموسمية، فى أطراف إيران وكذلك الأنهار الكبيرة الدائمة الجريان. وتقل الأمطار التى تسقط خلال الفترة الممتدة بين أكتوبر ومايو، من الشمال إلى الجنوب، ومن الغرب إلى الشرق، غير أن أمطارا غزيرة تسقط على المرتفعات مثل جبال البورز وزاجروس. وحول ضفاف بحر قزوين والأجزاء الشمالية من جبال البورز يصل إلى ١٨٠٠ ملليمتر سنويا، ويقل عن ٥٠٠ ملليمتر سنويا عند جبال صافيد رود وشرقى بحر قزوين، بينما يصل معدل المطر إلى ٨٠٠ ملليمتر سنويا فوق قمم جبال زاجروس وسفوحها الغربية، ويصل ما بين ٢٥٠ و ٤٠٠ ملليمتر سنويا فى المرتفعات الشمالية العربية، ولكنها تقل عن ١٠٠ ملليمتر فى وسط إيران بصفة عامة.
وتوجد مصادر مياه كبيرة نسبيا فى بعض المواقع المعزولة قرب حدودها، كما توجد مصادر أقل، وفصلية، فى شمال وغرب الإقليم. كما توجد بعض الأنهار الكبيرة مثل نهر قارون والكرخا والتى تصب فى الخليج الفارسى، وفى الجنوب يوجد نهرا "ماند" و"شور" واللذان يصبان فى الخليج الفارسى وخليج عمان على التوالى. كما توجد بعض الأنهار الصغيرة التى تصب فى بحر قزوين. كما توجد بعض المجارى المائية الصغيرة فى وسط إيران والتى تصب فى الأحواض المغلقة وبعض البحيرات فى وسط الإقليم ومعظم المجارى المائية فى المنطقة الوسطى قليلة الماء. ولكثير من المجارى المائية الجبلية مسارات منحدرة شديدة التعريج، وتنفذ مياه تلك الجداول بسرعة بسبب البخر والنشع واستغلالها فى الزراعة. وكانت مياه تلك الجداول تشكل مصدرا هاما للزراعة والرى فى الزمن الماضى، وساعد على نمو وازدهار الحضارات فى أحواضها سواء فى العصر الإسلامى أو فيما قبله.
وتستقبل بعض الأحواض (القيعان) الصغيرة فى المناطق الجافة فى وسط إيران وجنوب شرقها، المياه الراشحة من سفوح الجبال التى تجرى فيها
стр. 8804
الجداول المائية الصغيرة فى المواسم الممطرة. ودأب سكان تلك المناطق على استغلال تلك المياه من خلال حفر القنوات والتى اشتهرت بها الحضارة الإيرانية وكانت من أهم إنجازاتها وإضافاتها إلى علم الهيدروليكا بصفة عامة. وتحقر هذه القنوات من عند سفوح الجبال وتنحدر إلى أسفل نحو القيعان والمناطق المعدة للزراعة حتى تظهر على سطح الأرض وتصب فى شبكة من القنوات السطحية.
وهناك علاقة بين توزيع المستوطنات البشرية ومصادر المياه. فحينما تكون تلك المصادر محدودة، فإن المستوطنات تكون متجاورة ومتلاصقة فإذا كانت المياه وفيرة بنيت المستوطنات والمجتمعات العمرانية على مسافات بعيدة عن بعضها البعض. وفى معظم الحالات تتركر المجتمعات السكنية على ضفاف الأنهار وحول العيون ومخارج القنوات، وبالطبع تكثر الزراعة حول تلك المناطق لتوفير الماء اللازم للرى. . .، وكانت هناك مناطق واسعة تزرع بصفة غير دورية وذلك بسبب عدم انتظام سقوط الأمطار فيها.
وأقام الإيرانيون القرى على سفوح الجبال فى المناطق الجبلية وتركت بطون الوديان لجريان الماء والزراعة أيضا.
وحفر الإيرانيون القنوات منذ عهد الدولة الأخمينية تحت السطح قنوات تسمى باسم كارز Kariz تحت السطح وتسير فى انفاق النفق أو القناة ثم إلى مخرج سطحى وعرف الإيرانيون نظام الصرف المنتظم للأراضى الزراعية ويدل تطور نظم الرى الصناعية ونظم الصرف على وجود إدارة مركزية دقيقة التنظيم، وعلى استقرار سياسى وسبب تعاقب الأسرات الحاكمة والصراعات السياسية على تقدم وازدهار طرق الرى والزراعة بصفة عامة. وفى زمن الدولة الساسانية استغلت مياه الأنهار الكبيرة استغلالًا منظمًا وأقيم العديد من الخزانات والسدود والقنوات واستخدمت مياهها فى رى وزراعة الحبوب وقصب السكر والأرز ثم تدهورت طرق الرى والزراعة فى
стр. 8805
النصف قرن الأخير من الحكم الساسانى. وظلت على هذا الحال إبان عصر الخلفاء الراشدين والعصر الأموى وتدهورت الزراعة أيضا فى العصر العباسى بسبب زيادة ملوحة التربة وقلويتها الخ. وأدى عدم الاهتمام بالرى وطرق الصرف إلى قلة الإنتاج الزراعى وانتشار المستنقعات والملاريا وبالتالى هجر السكان تلك المناطق.
وقد أقام الإيرانيون العديد من السدود الكبيرة فى خوزستان أبان العصر الساسانى وظلت هذه السدود قائمة عصورا عديدة وكانت محل رعاية الحكام فى كل العصور التالية ويصل طول بعض السدود إلى ١٧٠٠ م قدم سد شوستار الذى أقيم على نهر قارون. وقد شيده الأسرى الرومان الذين أسرهم سابور الأول فى حربة مع فاليريان الرومانى فى سنة ٢٦٠ م. وهو يتألف من قطع حجرية مخلوطة بملاطة هيدروليكية (تتصلب تحت الماء) وتتكون واجهة السد من أحجار ضخمة مثبتة مع بعضها البعض بمشابك من الحديد، وصب عليها الرصاص المصهور ثم ملاطة هيدرولكية. وكان فى جسم السد عدد من بوابات التحكم لصرف المياه فى حالة وقوع فيضانات غير عادية. واستغرق إنشاء هذا السد ثلاثة أعوام، وخلال العمل فى بناء السد تم تحويل مجرى الماء (فى نهر قارون) إلى قناتين جانبيتين وبعد الانتهاء من بناء جسم السد، أقاموا سدا آخر فى إحدى قناتى التحويل يعرف باسم سد قيصر. وقد تعرض سد شوستار للتدمير بفعل الفيضانات العالية مرات عديدة وخاصة فى القرن التاسع عشر، وقام بترميم وإصلاح السد محمد على ميرزا حينما كان يحكم إقليم كيرمان شاه فى بداية القرن التاسع عشر وحينما زار كورزون منطقة شوستار فى سنة ١٨٨٩ م شاهد فجوة يزيد عرضها عن ٧٠ ياردة فى وسط جسم السد وقد أحدثتها سيول وفيضانات سنة ١٨٨٥ م. وفشلت محاولات عربستان فى إصلاح وسد هذه الفجوة.
ويبلغ طول سد ديزفول ١٢٥٠ قدما، وهو صورة طبق الأصل من سد
стр. 8806
شوستار. وحينما زار كورزون هذا السد كان قد تهدم. وقد أنشأت عدد من السدود الصغيرة بالحجارة والأخشاب وهى سدود موسمية كان يجدد بنائها عقب كل فيضان. .
وقد أنشأ الساسانيون العديد من السدود والخزانات على مجارى الأنهار. وعلى الرغم من وفرة السدود الصغيرة إلا أن دورها فى تنظيم الرى كان محدودا بالمقارنة مع دور القنوات التى اشتهرت بها الحضارة الإيرانية.
ومن أشهر تلك السدود ما أقيم على نهر كور فى منطقة كوربال. وقد جدد بناء سد كور فى منطقة كوربال وقد جدد بناء سد كور عضد الدولة البويهى فى سنة ٣٤٩ هـ/ ٩٦٠ م. حيث استقدم المهندسين والمعماريين لبناء السد الذى أنفق عليه أموالا طائلة ويتألف هذا السد من أحجار وملاطة هيدروليكية (تتصلب تحت الماء). وقد دعم جسم السد بقضبان من الحديد وصب عليه الرصاص المصهور. وعبدت ضفاف مجرى نهر كور فى أعلى السد وأسفله بالحجارة بطول عدة أميال. وبلغ طول قناة الرى فى هذا السد نحو عشرة أميال وكانت تمد أكثر من ٣٠٠ قرية بالماء.
وقد أقيمت عشرة مطاحن مائية عملاقة لطحن الحبوب بالقرب من سد كور. وروى المقدسى، فى أحسن التقاسيم أن الفارسين يمكنهما أن يعبرا جنبا إلى جنب فوق قمة أى من هذه المطاحن.
وقام المسلمون بصيانة وتجديد العديد من السدود القديمة المقامة على الأنهار فى شرقى إيران وأقاموا سدودا جديدة أيضا فى تلك المناطق، وخاصة فى العصر العباسى.
وقد دمر تيمور لنك معظم السدود والطواحين المائية ومشروعات الرى فى إيران فى سنة ٧٨٥ هـ/ ١٣٨٣ م. وتحولت بعد ذلك كثير من المناطق الزراعية حول نهر هيرماند إلى مستنقعات وأحراج.
ويقوم على نهر مغاب فى خوراسان عدد من السدود والتى ساعدت على رى مساحات كبيرة من أراضى هذا الإقليم
стр. 8807
وفى العصر السلجوقى زاد عدد السدود ومشاريع الرى على نهر مغاب لكن دمر المغول كل هذه المشاريع أثناء غزواتهم وتحولت بساتين مرو الجميلة إلى أحراج ومستنقعات، وتم إعادة أو بناء العديد من السدود فى هذه المنطقة تحت حكم الايلخانات وكان من أهم إنجازات هذا العصر هو بناء السدود المقنطرة (ذات القناطر) وأشهرها سد كيفار الذى يقع إلى الجنوب من قمم بنحو ١٥ ميلا. ولجسم السد نواة من الحجارة والملاطة الهيدروليكية التى تتكون من الجير ورماد النباتات الصحراوية والتى تتصلب تحت الماء وتصبح شديدة الصلابة وعالية المتانة وتجعل جسم السد منيعا ولا يسمح بتسرب المياه وللسد مجموعة من الفتحات الرأسية المتصلة بالأنفاق التى تمر عبرها المياه.
وهناك سدان آخران من ذوى القناطر أقيما بالقرب من تاباس، وشاه عباس. وقد تم إصلاحهما فى العصر الصفوى تحت حكم شاه عباس الثانى بالإضافة إلى سد كوريت جنوب تاباس ويبلغ ارتفاع سد كوريت نحو ١٢٠ قدما.
واهتم الحكام الصفويون بتجديد وصيانة العديد من السدود القديمة ومشاريع الرى الملحقة بها إبان حكمهم.
الآبار وآلات رفع الماء:
استخدم سكان إيوان منذ زمن مبكر وسائل متعددة لرفع الماء من الأنهار والآبار، وكانت هذه الوسائل يدوية أو تديرها الحيوانات، وخاصة فى أقليم خوزستان وساحل الخليج الفارسى وفارس بالقرب من أصفهان.
وكانت الدواليب من أشهر وسائل رفع الماء من الآبار والأنهار وهى آلات تديرها العجول والبغال وأحيانا الجاموس، وتستخدم فيها الحبال والبكرات والقواديس المصنوعة من الجلد.
وشيدت الخزانات والأحواض بالحجارة والطوب لحفظ الماء فى المناطق الصحراوية ذات الأمطار الموسمية كما شيدت تلك الخزانات فى
стр. 8808
نهاية القنوات. ووصل بعض هذه الخزانات إلى ١٠٠ ذراع طولًا و ٥٠ ذراعًا عرض وكان الرى يتم إما بالغمر فى حالة بعض المحاصيل أو الرى على فترات متقطعة. وكانت المياه توزع على المزارعين بالعدل بحيث لا يجور أحد على حق غيره.
ويتم توزيع مياه السدود بين القرى المتجاورة من خلال قناطر معدة لهذا الغرض بحيث تحصل كل قرية على احتياجاتها من الماء دون أن يضار غيرها وذلك تبعا للشريعة الإسلامية التى تقضى بأن الماء حق للناس أجمعين كما ورد فى الحديث الشريف ومعناه أن الناس شركاء فى الماء والنار والكلأ. وعلى هذا الأساس فإن مياه الأنهار والقنوات والآبار متاحة لكل الناس حتى لو كانت مصادر المياه هذه موجودة فى أراض مملوكة لأفراد معينين. وكان كل شخص يمكن أن يشرب ويسقى حيواناته بشرط ألا يستهلك كل الماء ويترك غيره بدون ماء. وترى الشريعة الإسلامية أن قوانين المياه تدخل فى عداد المعاملات وليس فى عداد "العبادات" وتقوم على "العُرف" وفى الحديث أن المسلمين شركاء فى الماء والنار والعشب، كما أن الماء "مباح" للجميع إلا ما كان منه داخل الدور فى الأوعية، وعلى كل من يملك مصدرا للماء فى أرضه أن يقدم هذا الماء لمن يطلبه بدون مقابل كلما أمكن ذلك ما دام للشرب وسقى الحيوانات وليس للزراعة ولا يجوز لصاحب هذا الماء بيعه بدون إذن من الحكومة. إذ كان من حق كل إنسان أن يشرب من الماء ويسقى حيواناته فى أى موقع فى دار الإسلام.
وحسب فقه السنة فإن مياه الأنهار الكبيرة فى دار الإسلام هى ملك لكل المسلمين. ويرى فقهاء الشيعة أن تلك المياه هى ملك للإمام. ومن حق كل إنسان أن يستخدم مياه الأنهار فى الرى شريطة ألا يضر غيره. ومن حق كل فرد أن يشق قناة من النهر لرى زراعاته بشرط ألا يضر بغيره من المنتفعين بمياه ذلك النهر فالناس فى حق المياه سواء.
стр. 8809
وإذا تعذر استخدام مياه النهر فى الرى بدون إقامة سدود فإن الأراضى العالية فى رأى كل من أئمة السنة والشيعة، تكون لها الأولوية فى السقاية بالنسبة إلى الأراضى الواطئة الواقعة قرب مصبه. أما أتباع الإمام أبى حنيفة فيرون أن الأراضى المنخفضة أولا ثم من بعدها الأراضى العالية. ويرى أتباع الإمام مالك أن الأراضى العالية (الواقعة على مستوى ماء النهر) لها أولوية الرى والسقاية فإذا كان هناك خطر يهدد المحاصيل والزراعات فى الأراضى المنخفضة كان لتلك الأراضى أولوية السقاية قبل الأراضى العالية.
وتتوقف كمية المياه التى تصرف لرى الزراعات على نوع تلك الزراعات وحاجتها للماء وطبيعة الأراضى ووقت بذر التقاوى وطبيعة فيضان الماء فى النهر بمعنى هل هو فيضان دائم أم متقطع. .
وإذا حفرت جماعة من الناس قناة فإن مياه تلك القناة تكون من حق كل أفراد هذه الجماعة، ولا يجوز لغيرهم استخدام مياه تلك القناة فى الرى بدون موافقة أصحابها.
وتتطلب إقامة مطاحن أو كبارى على المجارى المائية موافقة المنتفعين بمياه تلك المجارى المائية، فإذا أقيمت طاحونة فوق مجرى مائى بطريقة قانونية فليس من حق صاحب المجرى المائى منع الماء عن التدفق فى المجرى بدون موافقة صاحب المطحنة.
ولصاحب البئر أو حوض الماء حق استخدام مائه، وليس لغيره حق استخدام ذلك الماء إلا فى الشرب، ويقتصر استخدام مياه عين الماء على صاحب الأرض التى تنبع فيها تلك العيون.
ولا يوجد إجماع بين الفقهاء حول ملكية عيون الماء والآبار التى تحفر فى الأراضى الميتة والمراد استصلاحها، فبينما يرى البعض أن تلك العيون والآبار تكون من حق أصحاب الأراضى المستصلحة، يرى أخرون عكس ذلك، وهو أن حافرى هذه الآبار لا يملكونها ولكن من حقهم استخدام مياهها فقط
стр. 8810
فى أغراضهم الخاصة (الشرب والرى. . .)
ويوافق معظم علماء الشريعة على نقل ملكية حق استخدام المياه ومصادرها من صاحبها إذا كانت فى أملاكه الخاصة غير أن نقل هذا الحق قد يوزع مصدر الماء على عدد كبير من الملاك بعد ذلك، ومن ثم كان أصحاب مثل هذه المصادر (قنوات، عيون ماء، آبار، جداول. . . الخ) يوقفونها لأعمال الخير، ومثال ذلك منطقة "يزد" والتى توجد فيها بعض القنوات، والتى تحولت إلى "وقف خيرى" وحال ذلك دون تقسيمها بين العديد من الملاك. .
واهتم المسلمون بإحياء الموات (أى الأراضى الميتة) وذلك باستصلاحها وحفر الآبار والعيون وقنوات الرى فيها أو بصرف الماء الزائد فيها من خلال حفر قنوات صرف. وأجازت الشريعة حق تملك الآبار والعيون التى تحفر فى الأراضى الميتة لغرض استصلاحها وزراعتها.
وعرف الإيرانيون منذ العصور السابقة للعصر الإسلامى نظام المشاركة فى زراعة الأرض والذى يعرف باسم المزارعة.
وتفاوتت الضرائب التى يدفعها المزارعون عن محاصيلهم وزراعاتهم بحسب أسلوب الرى المتبع فى رى تلك الزراعات.
ففى حالة الأراضى التى تروى ريا شاقا، بحمل الماء وجلبه من مناطق بعيدة أو برفعه من مصادره بوسائل رفع. . . الخ فإن أصحاب هذه الزراعات يدفعون ضريبة قليلة هى نصف العُشر (عُشر الإنتاج). فإذا رويت الزراعات ريا مريحا من مياه الأنهار أو القنوات أو مياه الأمطار وجب على أصحاب تلك الزراعات دفع عشر الانتاج كضريبة للدولة.
وكانت صيانة الأنهار ومصادر المياه الكبيرة من واجبات الحكومة وتنفق عليها من الميزانية العامة، أما صيانة مصادر المياه الصغيرة فكانت من واجبات أصحابها ومالكيها. وكانت مياه الشرب فى المدن الكبيرة تخضع لإدارة شخص يدعى المحتسب ومعاونوه
стр. 8811
وعليه صيانة هذه المصادر والحفاظ عليها.
الرى فى شمال إفريقيا والأندلس .
ترك المسلمون بصمات واضحة على أسلوب الرى وآلاته ومنشآته وفلاحة الأرض فى الأندلس مما جعل من تلك البلاد إبان الحكم العربى جنة الدنيا. وحفر المسلمون الآبار والقنوات لنقل المياه إلى مناطق بعيدة، وهى مجار مائية فوق قناطر ومن أشهرها تلك التى كانت توصل المياه إلى المسجد الجامع بقرطبة أشهر وأعظم أثر إسلامى فى الأندلس وأدخل المسلمون نظام قنوات الرى الإيرانية إلى أسبانيا والمغرب والجزائر، وقبرص وجزر الكنارى، ثم انتقل هذا الفن بعد ذلك على يد الأسبان إلى المكسيك وشيلى فى أمريكا الجنوبية.
وفى الجزائر والمغرب وتونس وبنى المسلمون السواقى وحفروا قنوات الرى لتوصيل المياه إلى القرى والمدن فى كل تلك البلاد. وقام المسلمون قنوات رى مفتوحة فى القيروان بتونس، وذلك خلال القرون السابقة لغزو بنى هلال فى منتصف القرن الخامس الهجرى الحادى عشر الميلادى.
وتخصصت طائفة من الناس فى نقل ماء الشرب إلى البيوت فى كل دول شمال إفريقيا وعرفوا بالسقائين. وكانوا ينقلون الماء فى قرب (المفرد قربة أو زق) مصنوعة من الجلد تحمل على ظهور الرحال أو الدواب.
الرى فى الامبراطورية العثمانية
اتبع العثمانيون القوانين الإسلامية الخاصة بمياه الرى. . . إلخ وذلك حسب المذهب الحنفى من حيث إشتراك المسلمين جميعا على قدم المساواة فى الماء والنار والكلأ. وأن لكل إنسان "الحق فى الشرب" وسقى مواشيه ورى زراعاته من مصادر المياه على ألا يضار أحد من جراء ذلك. وكانت هناك مصادر مياه عامة مثل الأنهار الكبيرة والعيون والآبار، وأخرى خاصة يمتلكها أصحاب الأراضى التى توجد فيها هذه المصادر.
وكان من حق المسلم أن يحفر الآبار ويشق القنوات لإحياء الأرض الميتة. وكان العثمانيون يعترفون بملكية أو
стр. 8812
حيازة الأراضى البور لمن يقوم باستصلاحها. وكانوا يشجعون الناس على هذا العمل لزيادة الرقعة الزراعية وتعمير الأرض وزيادة الحاصلات الزراعية. وكانت مصادر المياه فى الأراضى المستصلحة من حق مستصلح تلك الأراضى. ولا يستطيع أحد استخدام مياه الآبار والقنوات الخاصة بغيره من غير إذن مالكها أما فى حالة مصادر المياه المشتركة كالجداول والقنوات فكانت صيانته والحفاظ عليها من واجب أصحابها. ولا يستطيع أحد أن يشق قناة لتحويل المياه من المصادر المشتركة أو بناء طاحونة أو يغير من اتجاه جريان الماء. .، إلخ بدون موافقة شركائه فى تلك المصادر. وتقسيم المياه بين الشركاء بنسبة مساحة الأرض المنزرعة لكل شريك ولا يستطيع أحد أن يبنى سدا عند منبع النهر حتى لا تضار الأراضى الواطئة عند مصب ذلك النهر.
فإذا كانت هناك ضرورة لإقامة السد فإن المياه كانت تقسم بالقسطاس المستقيم على الأراضى المرتفعة (عند المنبع) والأراضى المنخفضة (عند المصب). وإذا كانت هناك مياه جارية تخترق أرض أحد ما فإنه ليس من حقه أن يمنع جريان الماء إلى غيره من ملاك الأراضى. . .
وكان مباحا أن يبيع شخص ما الماء لغيره لغرض الرى على ألا يبالغ فى ثمن هذا الماء. وكانت الدولة تمنع المضاربة والمغالاة فى أسعار المياه فى هذه الحالات. وكان ذلك ضمن القانون العثمانى العام الذى ينظم استخدام المياه للأغراض المختلفة.
ولم تشترك الدولة مباشرة فى تملك مصادر المياه الكبيرة أو مشاريع استصلاح الأراضى الميتة، ولكنها كانت تشرف على إمدادات المدن الكبيرة بمياه الشرب. وزراعات الأرز الواسعة. وكانت مصادر المياه الخاصة بذلك من ضمن الأوقاف العامة التى يوقفها بعض الأثرياء لهدا الغرض. وكان إنشاء مشاريع مياه الشرب فى المدن الكبيرة مثل استانبول ومكة وغيرهما من اختصاص ناظر يعين لهذا العمل.
واهتم العثمانيون بمشروعات رى زراعات الأرز نظرا لزيادة استهلاكة فى
стр. 8813
الامبراطورية، ولحاجة تلك الزراعات إلى كميات كبيرة من المياه. وكانت الحكومة توزع المياه بالعدل على مزارع الأرز التى انتشرت فى زراعته فى الأناضول والبلقان. وكانت هناك مزارع حكومية وأخرى خاصة يمتلكها الأفراد.
ومع ظهور طبقة الأعيان فى القرن الثامن عشر انتشرت مشروعات استصلاح الأراضى البور وزراعتها. وأنشأ العثمانيون مجلسا للشئون الزراعية والصناعية فى سنة ١٢٤٥ هـ/ ١٨٣٨ م كانت مهمته تطوير الزراعة وأساليب الرى والنهوض بهما فى مختلف أرجاء الدولة واهتمت الامبراطورية العثمانية بزراعة القطن، وذلك لسد حاجة المصانع الأوروبية بعد أن توقفت واردات القطن من أمريكا أثناء الحرب الأهلية. وتركزت زراعة القطن فى سواحل بحر أيجه ومقدونيا وكان ذلك على حساب زراعات الأرز.
واستخدم سكان الأناضول الدواليب لرفع الماء، وحفروا القنوات وبنوا السدود الصغيرة لتنظيم مشاريع الرى. واتبع العثمانيون أسلوبا محكما ودقيقا فى توفير مياه الشرب لسكان المدن الكبيرة وخاصة إستانبول والقدس ومكة. وكانت تكاليف تلك المشاريع تأتى من الأوقاف الفردية أو الجماعية. وكانت الأوقاف الحكومية تختص بشئون المياه اللازمة للمساجد والقصور. وكانت تخضع لرقابة صارمة من قبل موظفين خصوصين لذلك العمل وبالإضافة إلى تلك المشاريع كان هناك السقاءون الذين يبيعون المياه الذى يحملونه فى القرب سواء على ظهورهم أو على ظهور الدواب. واهتم العثمانيون بتوصيل مياه الشرب لسكان مكة وتطوير وسائل نقل وحفظ الماء فى هذه المدينة المقدسة، والتى كان قد نفذها العباسيون قبل ذلك.
الرى فى الهند الإسلامية قبل القرن العشرين .
أدى قيام سلطنة دلهى فى بداية القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) إلى تقدم ملحوظ فى طرق ووسائل الرى فى الهند وذلك على يد خبراء فى هذا الفن استقدمهم الحكام المسلمون من وسط آسيا. فقد تم بناء الآبار ذات السواقى على النسق
стр. 8814
الإيرانى. وحفرت قوات الرى الكبيرة باستخدام آلات ميكانيكية متقدمة وخبرة هندسية ومعمارية جيدة وذلك من خلال القرنين السابع والثامن الهجريين/ (الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين).
وقام الأتراك بتقسيم المياه فى مناطق دلتا البنغال الواسعة وشيدوا الحواجز الكبيرة وأنشأوا الطرقات وأقاموا الخزانات واستصلحوا بهذه الأعمال مناطق واسعة من أراضى البنغال الواطئة. ويقول الجوزجانى إنه بفضل الحواجز التى أنشأها الحكام المسلمون أصبح من اليسير أن يتنقل الناس ومواشيهم فى تلك المناطق خلال الفصول الممطرة. ولم يكن ذلك ميسورا من قبل وبفضل تلك الحواجز أمكن التحكم فى المياه الكثيرة والاستفادة منها وتحويلها إلى حقول الأرز الواسعة.
وأنشأ السلطان شمس الدين التتمش ٦٠٧ - ٦٣٣ هـ/ ١٢١١ - ١٢٣٦ م أول خزان لحفظ الماء خارج العاصمة دهلى وكان يعرف بحوض السلطان أو حوض الشمسى. وهو يمد العاصمة دهلى باحتياجاتها من ماء الشرب وغيره وكان كبير الحجم يبلغ طوله ميلين/ أما عرضه فميل واحد.
وذكر شيخ الرحالين العرب ابن بطوطة (٧٢٥ - ٧٧٩ هـ = ١٣٢٥ - ١٣٧٧ م) أن الفواكه الموسمية والخضروات كانت تزرع على جوانب حوض الشمسى. مما يعنى أن مياهه كانت وفيره ويستخدم جزء منها فى الرى. وكانت هناك ثلاثة مصادر تمد الحوض بالماء هى:
١ - قناة تصله بنهر جامونا، ٢ - ينبوع أو عين ماء تدعى عين الشمسى، ثم ٣ - مياه الأمطار.
واهتم الحكام الذين أتوا بعد شمس الدين بالرى وتوفير مصادر المياه، وأنشأوا عددًا من الخزانات (الأحواض) والبحيرات وقنوات الرى فى منطقة دلهى مثل بحيرة الضابط مسعود بن أحمد خالجى فى سنة ٦٢٩ هـ (= ١٢٣٢ م).
ومن الذين اهتموا بالرى وتخزين المياه السلطان علاء الدين خالجى عندما آلت إليه مقاليد الأمور فى إقليم دلهى
стр. 8815
فى سنة ٦٩٥ هـ/ ١٢٩٦ م. وفى تلك الفترة كان حوض الشمسى قد امتلأ بالطين والغرين فأمر علاء الدين بتنظيف ذلك الحوض وإصلاحه وإعادة إعماره وبناء ما تهدم من جدرانه، وأمر بانشاء حوض جديد أكبر من حوض الشمسى خارج العاصمة سيرى القريبة من دهلى. وعرف هذا الحوض باسم الحوض الخاص.
وأنشأ السلطان فيروز شاه (٧٥٢ - ٧٩٠ هـ/ ١٣٥١ - ١٣٨٨ م) سدًا كبيرًا فى إقليم دهلى لحجز مياه الأمطار. وكان نتيجة إنشاء الخزانات والبحيرات والقنوات أن ارتفع منسوب الماء الجوفى فى المنطقة ومن ثم أصبح الحصول على الماء الجوفى أمرا ميسورا بحفر آبار غير عميقة تستخدم مياهها فى الشرب والرى وغيرهما.
وتميز عصر بنى طغلق بالاهتمام بمشروعات الرى والزراعة وتوفير المياه العذبة من خلال الخزانات والبحيرات ليس فى دهلى وحدها ولكن فى كل القرى والمدن المجاورة لها. وقد أنشأت البحيرات الصناعية فى بهار شريف أى ولاية بهار ومنطقة غازى آباد وشهربنور باسم فيروز صغر أو صقر.
ولا تزال آثار المنشآت الهندسية المائية الإسلامية الرائعة باقية حتى اليوم لتحكى قصة التاريخ الإسلامى فى الهند ومدى التقدم فى مجال الهندسة المدنية والمعمارية ونجاح السلاطين فى إنشاء مشاريع الرى والبحيرات الجميلة فى الهند المسلمة.
وفى القرن التاسع الهجرى/ (الخامس عشر الميلادى) كان حكام الأقاليم والمماليك الهندية التى قامت بعد غزو تيمورلنك للهند فى سنة ٨٠٠ هـ/ ١٣٩٨ م هم الذين يقيمون خزانات المياه ومشاريع الرى فى ممالكهم.
وفى القرن الثانى عشر الهجرى/ الثامن عشر الميلادى زاد اهتمام أمراء السند بمشروعات الرى وأقاموا صهاريج جديدة وأصلحوا الخزانات والأحواض القديمة وحفرت الآبار واستخدمت السواقى الإيرانية لاستخراج المياه والتى تديرها الحيوانات وشاع إستخدام هذه السواقى بعد ذلك فى شمال الهند.
стр. 8816
واستخدمت مياه السواقى فى زراعات قصب السكر والأرز وحدائق الفاكهة وغيرها. وفى فترة لاحقة عمَّ استخدام السواقى فى شتى أرجاء الهند، وبخاصة فى البنجاب هذا بالإضافة إلى قنوات الرى والتى ظلت توصل المياه إلى كل القرى والمدن الهندية حتى القرن التاسع عشر حينما بدأ انشاء قنوات حديثة واستبدلت السواقى الإيرانية بالآبار الأنبوبية (المباشرة).
الوجهة الاقتصادية للرى الحديث
اهتم المسلمون باستخراج المياه واستخدامها فى مشاريع الرى والزراعة فى كل أرجاء العالم الإسلامى وبخاصة فى المناطق الصحراوية فى شمال إفريقيا والجزيرة العربية وإيران ووسط آسيا والهند وحوض البحر الأبيض المتوسط وغيرها ومن ثم زاد الانتاج الزراعى وعم الرخاء فى ديار الإسلام (١).
وتزداد اليوم أهمية استخدام وتطبيق نظم الرى الحديثة بغرض زيادة المنتجات الزراعية لسد حاجة السكان المتزايد بمعدلات كبيرة فى كل الدول. وقد لاقت تلك الجهود نجاحا فى كثير من المناطق وزادت بالفعل المنتجات الزراعية كما وكيفا بتطبيق وسائل ميكانيكية متطورة فى الرى واستخدام البذور والتقاوى المحسنة العالية الإنتاج وترصد معظم حكومات الدول ميزانيات كبيرة لمشاريع الرى وبخاصة فى مصر والعراق وإيران وغيرها من دول العالم الإسلامى.
وكانت مشاريع التحكم فى مياه النيل فى مصر، والتى انتهت ببناء السد العالى فى أسوأن وقد تم الانتهاء من بناءه فى سنة ١٩٧٠ م، كانت تلك المشاريع بمثابة الجهد الأكبر لتحديث مشاريع الرى وزيادة الرقعة الزراعية
стр. 8817
وإنتاج الطعام لسد حاجة السكان المتزايدين.
وفى العراق كانت مشاريع ضبط مياه نهرى دجلة والفرات والتحكم فيها والاستفادة منها فى زيادة الانتاج الزراعى وتوليد الكهرباء. كانت أيضا مطلبا أساسيا.
كما وضعت إيران خططا طموحة لاستغلال المياه فى مشاريع رى متقدمة لزيادة الانتاج الزراعى والطاقة الكهربائية.
ولا يمكن إنجاز مشاريع الرى وتحديث الزراعة بالسرعة والكفاءة المطلوبة دائما إلا من خلال التعاون الدولى أو باستعارة الوسائل التكنولوجية المتقدمة من الدول الغنية. فقد أدت محاولات استغلال مياه نهر الفرات فى الرى وتوليد الطاقة الكهربائية منذ الحرب العالمية الثانية، إلى حدوث نزاعات بين تركيا والعراق وسوريا حول تقسيم المياه بين هذه الدول ونصيب كل دولة فى ذلك. وقد انخفض تدفق مياه نهر الفرات إلى العراق خلال عامى ١٩٧٤، ١٩٧٥ م إلى مستوى لم يسبق له مثيل من قبل (٩.٠٢ مليار متر مكعب فى سنة ٩.٤٢.١٩٧٤ مليار متر مكعب فى عام ١٩٧٥) وذلك بسبب إقامة خزانات وسدود على هذا النهر فى دول أعلى النهر. وعلى النقيض من ذلك فقد حالت العلاقات الودية بين مصر والسودان من وقوع نزاعات بينهما إبان وبعد إنشاء السد العالى وتخزين المياه فى بحيرة ناصر، وذلك باتفاق مصر والسودان على تقسيم المياه بينهما تقسيما عادلا.
وقد نجحت بعض الدول الإسلامية فى توفير قدر مناسب من مياه الرى وزيادة الرقعة الزراعية فيها مثل المملكة العربية السعودية والكويت وذلك بتحلية مياه البحر أو باستخراج المياه الجوفية العميقة كما هو الحال فى الجمهورية الليبية.
وفى العصر الحديث أهملت بعض نظم الرى القديمة وأهمها القنوات "التحت سطحية". وحلت محلها الوسائل الميكانيكية لاستخراج المياه
стр. 8818
الجوفية وقد يكون معدل سحب المياه الجوفية من بعض الخزانات الجوفية العميقة فى بعض الأحيان أعلى من عمليات تعويض تلك الخزانات الجوفية مما يؤثر على عمر تلك الخزانات (١).
وقد يحدث أن تنجح دولة ما فى زيادة الرقعة الزراعية باتباع وسائل رى متقدمة، وفى الوقت نفسه تتعرض فيها مساحات أخرى لزيادة الملوحة والقلوية بسبب عدم تطبيق وسائل صرف مناسبة. أو عدم اتباع سياسة محصولية مناسبة. [كذلك قد تلتهم المبانى مساحات واسعة من الأراضى الزراعية الممتازة كما هو الحال فى مصر].
الإبداعات المعمارية والزخرفية فى المنشأت المائية فى الهند الإسلامية .
اعتاد الناس فى المناطق شبه الجافة التى تعتمد على الأمطار الموسمية والتى تقل فيها مصادر المياه الدائمة كالأنهار، على توفير احتياجاتهم من المياه بوسائل صناعية مثل الخزانات والسدود والقنوات. وقد أبدع المسلمون فى بناء وتنفيذ العديد من تلك الوسائل الصناعية لحفظ الماء وتخزينه فى مختلف أرجاء ديار الإسلام.
والنموذج الشائع والبسيط من المنشآت المائية هو الحوض أو الصهريج الكبير الذى يقام فى داخل المدن أو خارجها. وتعددت أشكال الأحواض وأحجامها ولكنها كانت فى الغالب ذات جدران قائمه الزوايا. وزودت بعض الأحواض بسلالم لتسهيل الحصول على الماء من الحوض.
وقد شيد المسلمون بعض القصور بجوار أحواض الماء أو فى داخلها مثل قصر ومدرسة فيروز شاه، وقصر محمود شاه، وبنوا أيضا المساجد ومقابر الحكام بالقرب من البحيرات وأحواض الماء حيث يكون الهواء منعشا وباردا فى فصل الصيف.
стр. 8819
وزودت بعض البحيرات الصناعية وأحواض الماء الكبيرة بقنوات لتصريف الماء الزائد من طاقة تخزين تلك الأحواض. وقد زينت تلك الأحواض بنقوش بديعة كما هو الحال فى ججرات ودهلى وغيرهما.
وبنى بعض الحكام قصورا بديعة فوق ربوات عالية. واستخدمت السواقى لرفع الماء إلى تلك القصور العالية. وكانت السواقى توضع فى مستويات متدرجه بحيث ترفع كل ساقية الماء إلى الساقية التى تعلوها. . وهكذا حتى تصل المياه إلى قمة الربوة المقام عليها البناء.
واهتم المسلمون بانشاء الحدائق والبساتين وبخاصة فى عصر المغول، وزرعوا المحاصيل والخضر والفاكهة والأزهار (١).
وكانت الحدائق مربعة الشكل تجرى فيها قنوات الماء تتخللها خزانات وأحواض جميلة من الرخام. ووصل إنشاء الحدائق إلى قمته فى عصر المغول فى كشمير. واشتهرت حدائق أخرى بوفرة مياهها التى تجرى فى قنواتها وأحواضها الداخلية كما فى شريتاجار، ونسيم باغ أكبر، ونشاط باغ أصف خان، وشاليمار جاهنجير وغيرها.
وزودت بعض قنوات الحدائق بشلالات صناعية بديعة، حيث يتدفق الماء فى مجرى مسطح مائل من الرخام، ويسقط الماء على كتلة حجرية بها نتوءات مثبت فى كل منها مصباح زجاجها ملون بألوان بديعة. وفى بعض الحدائق استخدمت شلالات الماء فى إدارة مطاحن قبل أن تتجمع تلك المياه الجارية فى الخزانات. وزودت بعض الحدائق بنافورات متعددها الأشكال. وكان استخدام مثل هذه النافورات مألوفا فى قصور الحكام والأثرياء وقلاع المغول، ونالت القناطر قسطا وافرا من أعمال الزخرفة والتزويق فى دهلى وغيرها.
د. مصطفى محمود سليمان [ج. ب، بيرثون Berthon]
стр. 8820
موجز دائرة المعارف الإسلامية
«الماتريدي - مرداس بن أدية»
[الجزء التاسع والعشرين]
стр. 8821
الماتريدى
أبو مُنصور محمد بن محمد بن محمود السَّمَرَقَنْدى، حنفى المذهب، متكلم وفقيه ومفسر للقرآن الكريم، مؤسس مدرسة مذهبية أصبحت فيما بعد إحدى مدرستين سُنِّيتين فى علم الكلام. ويُنسب الاسم إلى بلدة ما تُريد (ماتُريت) من أعمال سمرقند. وترى بعض المصادر المتأخرة -وهى فى هذا مخطتة- أنه ينحدر من نسب شريف بالمدينة وتنعته بالأنصارى.
وقد تلقى العلم أساسًا على يدى شيخه أبى نصر أحمد بن العباس العياضى وقد قُتل فى الفترة بين عامى ٢٦١، ٢٧٦ هـ (= ٨٧٤، ٨٩٢ م) والتاريخ الثانى هو الأرجح.
ولابد أن الماتريدى قد ولد قبل عام ٢٦٠ هـ/ ٨٧٣ م لاسيما وقد قيل إنه كان محل احترام من معلمه الذى لم يكن ليدخل فى جدال فكرى مع أحد إلا بحضورة ويقول بعض المؤلفين من أهل المرحلة المتأخرة عنه إنه درس أيضا على يدى معلمى العياضِية: "أبى سليمان الجُزْجَانى" و"نُصير بن يحيى البَلْخِى" (ت ٢٦٨ هـ/ ٨٨١ - ٨٨٢) و"محمد ابن مقاتل الرازى" (ت ٢٢٦ هـ/ ٨٤١ م). أما الرازى فمن غير الممكن أن يكون معلمه وأغلب الظن أن المصدر فى هذا لا يعول عليه وكذلك بالنسبة لما يقال عن الشيخين الآخرين. ولا نعلم الكثير عن حياته، إذ يقال إنه عاش حياة الزهد وكانت له بعض الكرامات. وتاريخ وفاته الذى تذكره مصادر المرحلة المتأخرة وهو ٣٣٣ هـ/ ٩٤٤ م ربما كان أقرب إلى الصحة رغم أن أبا المعين النَّسَفى (ت ٥٠٨ هـ/ ٤١١١ م) مؤرخ حياته فى فترة باكرة لم يكن على علم به -وثمة تواريخ بديلة (ورد ذكرها فى مصدرين متأخرين) هى ٣٣٦ هـ/ ٩٤٧ م و ٣٣٢ هـ/ ٩٤٣ م. ويوجد قبر الماتريدى ضمن مدافن جَكَرْديزا فى سمرقند، وكان لا يزال معروفًا فى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى). ومن بين تلاميذه أبو أحمد العيَّاضى ابن شيخه أبى نصر، وأبو الحسن الرُّشْتُغْفَنى، وعبد الكريم بن موسى اليزْدوى الجَد الأكبر لأبى اليسر اليزدوى.
стр. 8822
ومن بين مؤلفات الماتريدى يعد النص المنشور لكتاب "التوحيد" (الذى حققه خليف) من مؤلفاته التى لا يرقى إليها الشك فى أنها من وضعه. وإن بدا أن الكتاب كانت له نسخ مختلفة لأن الاقتباسات التى اقتبسها منه أبو المعين النَّسَفى فى كتابه "تبصيرات الأدلة" غير موجود -فى النص المحقق والمنشور- أما كتاب الماتريدى الرائع فى تفسير القرآن الكريم "تأويلات القرآن " فهو كما يقول الشارح له علاء الدين أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندى (المتوفى حوالى ٥٤٠ هـ ١١٤٥ م) قد جمعه تلاميذه، ومن هنا جاء أقل غموضًا من مؤلفاته الأخرى التى كتبها بنفسه. وينسب إلى الماتريدى أيضا ثلاثة نصوص قصيرة محققه ومنشورة هى "رسالة فى العقائد"، "كتاب التوحيد" (حققهما يورُوكان وطبعهما فى استانبول ١٩٥٣ م) و"حاشية" على كتاب "الفقه الأكبر" لأبى حنيفة. ويبدو أن هذه المؤلفات قد كتبها فى وقت لاحق ممثلو الحنفية وفقا لمذهبه. ولا يدرج أبو المعين النسفى هذه المؤلفات ضمن قائمة كتبه، ولكنه يدرج الكتب التالية التى يبدو أنها فقدت وهى "كتاب المقالات" و"كتاب بيان وَهْم المعتزلة" وهو يرد فيهما على ما جاء فى ثلاثة كتب للمعتزلى أى القاسم البلخى الكعبى (ت ٣١٩ هـ/ ٩٣٢ م) وكتاب "أوائل الأدلة" وكتاب "تهذيب الجدل" وكتاب "فى وعيد الفسوق" وهى ردود على كتاب "الأصول الخمسة" للمعتزلى أى عمر الباهلى وهو من المقربين إلى أبى على الحُبّائى. ورد على كتاب الإمامة لأحد أئمة الشيعة وردَّان على أفكار القرامطة الاسماعيلية وكتابان عن أصول الفقه هما كتاب "مأخذ الشريعة" و"كتاب الجدل" وقد تقيد الماتريدى بمذهب أبى حنيفة، على نحو ما نقله وطوره فقهاء الحنفية فى بلخ وما وراء النهر، وذلك على عكس الأشعرى مؤسس مذهب السنة فى علم الكلام الذى زواج أفكاره بالمذهب الحنبلى التقليدى. وعمل على تطوير تعاليم المذهب الحنفى التى سبق لها أن ذاعت فى الشرق الإسلامى وذلك بطريقة
стр. 8823
منهجية وداحضًا بالأدلة مواقف المعتزلة، لاسيما ممثلهم الرئيسى فى المشرق أبو القاسم البَلْخى، وداحضًا الكرامية (الحشوية) من أهل السنة التقليديين، والشيعة الإمامية، والاسماعيلية ممثلين فى محمد بن أحمد النسفى (ت ٣٢٢ هـ/ ٩٤٣ م) فى ما وراء النهر. أما عن الأديان الأخرى فقد رد على آراء المسيحيين واليهود والزرادشتيين والمانوية وغيرها. ومذهبه -فى جوهره- أكثر عقلانية بصفة عامة، وباستثناء تعريفه للإيمان القائم على فكر المرجئة، فهو أقرب إلى المعتزلة منه إلى الأشاعرة، ولكنه فى مفاهيمه ومصطلحاته الفنية كان أقل تأثرًا بالمعتزلة منه بالأشاعرة، وكان معتزليًا متدربًا قبل أن ينشق عليهم.
ويذهب الماتريدى -وهو فى ذلك يتخذ موقف المعتزلة- إلى أن الإنسان بوسعه معرفة اللَّه، وهو ملزم بذلك، وملزم بحمد اللَّه وشكره وهو فى التزامه هذا يستند إلى العقل وحده دون الاستعانة بالوحى أو النبوة. وفيما يتعلق بصفات اللَّه فهو يرى (شأنه شأن المعتزلة) أنه من الجائز اللجوء إلى التفسير المجازى للتعبيرات التى تنطوى على تشبيه الذات الإلهية بالإنسان فى القرآن الكريم، وذلك على الرغم من أنه رفض بعض التفسيرات المعتزلية فى هذا الشأن. وفى مواضع أخرى نراه يستند إلى صيغة "بلا كيف" التقليدية، إذ يصر على قبول النص الذى نزل به الوحى دون تساؤل، وهو يرى -على عكس المعتزلة- أن الصفات الإلهية، مثل العلم والقدرة، صفات حقيقية وقائمة بالذات الإلهية وعلى الرغم من قبوله التمييز -من حيث المصطلحات الفنية- بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية، إلا أنه يرى -على عكس المعتزلة والأشاعرة- أن الصفات الفعلية أبدية أيضا وقائمة فى الذات الإلهية. ولذلك فهو يؤكد على أن التعبيرات من قبيل "اللَّه هو الخالق أبدا". . وأن اللَّه "لم يزل" خالقا تعبيرات صحيحة رغم أن العالم المخلوق عالم مؤقت. وكان رأيه القائل بأن "التكوين" (أى إيجاد الموجودات) أبدى ويتميز عن "المكوّن" -يعنى الموجودات- إلا أن هذا الرأى كان
стр. 8824
محل جدل مع الأشاعرة. وكان الماتريدى يؤكد "رؤية" المؤمن للَّه فى الآخرة، ولكنه يرفض فكرة إمكانية ردراكه، أى إمكان "ادراكه"، بالعين. ويرى أن "الكلام" صفة من صفات اللَّه الأبدية، وإن كنا لا نسمع هذا الكلام. وهو بذلك -شأنه شأن المعتزلة- يؤكد طبقا لما جاء فى القرآن الكريم ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (سورة النساء آية ١٦٤) - أن اللَّه خلق صوتا وجعل موسى يسمعه.
أما عن القدر المكتوب وحرية الإرادة فكان موقف الماتريدى وسطًا بين المعتزلة والأشاعرة. فهو يرى أن أفعال الإنسان من خلق اللَّه وخاضعة لإرادة اللَّه ومشيئته. وإذا كانت أفعال الإنسان هى من فعل اللَّه من جهة، فهى من جهة أخرى أفعال صادرة عن الإنسان -على سبيل الحقيقة لا المجاز.
ونابعه من "اختياره" الحر. ويؤكد الماتريدى أن اللَّه لا يُضل إلا من يعلم أنهم سيختارون الطريق المعوج ولا يهدى إلا من يعلم أنهم سيختارون الطريق المستقيم. فالاختيار مبدئيا هو اختيار الإنسان لا اختيار اللَّه كما يرى الأشاعرة. والماتريدى بذلك يرفض التفسير القدرى "للميثاق" الذى ورد فى القرآن. وبمقتضاه فرق اللَّه بين المتقين والضالين من قَبْل الخَلْق، وإن الضالين يقرون بربوبية اللَّه كرها، فقد منح اللَّه الإنسان القدرة على فعل الأفعال المضادة. "فالاستطاعة" لدى الإنسان نوعان نوع قبل العقل، ونوع مصاحب للعقل. إن فكرة تكليف اللَّه للإنسان بما لا يطاق فكرة غير مقبولة من حيث المبدأ -إن الماتريدى يعرف "الإيمان" بأنه "تصديق بالقلب" و"إقرار باللسان" أى تعبير عنه بالكلام. والأعمال ليست جزءا من الإيمان. فالأيمان -فى جوهره- لا ينقص ولا يزيد رغم ما يقال من أنه يزداد مع التجديد والتكرار. ويستنكر الماتريدى فكرة "الاستثناء" فيقول "إذا شاء اللَّه فأنا مؤمن" والمذنب المؤمن قد يعاقبه اللَّه ولكنه فى النهاية سيدخل الجنة. ويرفض الماتريدى الفهم التقليدى للعقيدة الذى يسانده الأشاعرة والذى يرى أن الإيمان غير مخلوق.
стр. 8825
المصادر:
يَزدوى "أصول الدين" تحقيق هـ. ب. لينس.
ابن أبى الوفاء "الجواهر المضيئة".
البياض "إشارات المرام" تحقيق يوسف عبد الرزاق.
سعيد عبد المحسن [ف. مادلنج]
الماتريدية
مدرسة من مدارس علم الكلام اتخذت لنفسها اسم مؤسسها أبى منصور الماتريدى، ذاع صيتها فى العصر المملوكى على نطاق واسع بوصفها المدرسة الثانية من مدارس علم الكلام ذات النزعة السنية التقليدية إلى جانب الأشعرية، ولم يكن اسم الماتريدية متداولًا قبل التفتازانى (ت ٧٩٢ هـ/ ١٣٩٠ م) الذى استخدمه لبيان الدور الذى لعبه الماتريدى كمؤسس لمدرسة سنية فى علم الكلام جنبا إلى جنب مع الأشعرى المعاصر له. وفى البداية كانت هذه المدرسة تلقب بأنها مدرسة علماء سمرقند أو ما وراء النهر كانت تدّعى أنها تمثل مذهب أبى حنيفة وفى بعض الأحيان كانت تلقب نفسها بـ "أهل السنة والإجماع" وأنها السواد الأعظم ومهما يكن من أمر فإن تأثير الماتريدى البالغ على فكر وأعمال ممثلى هذه المدرسة فى فترتها المتأخرة واضح، وهم لم يحاولوا أن يحيدوا عن مذهبه كما حاد الأشاعرة المتأخرون عن مذهب الأشعرى. وكان الناس أكثر قبولًا للاعتراف بالأشعرى كمؤسس لمدرسة جديدة نظرًا لأنه كان فى الأصل معتزليًا ولأنه فى نفس الوقت مرفوض من الحنابلة التقليديين، وكان يدَّعى أنه يدافع عن مذهبهم.
أما الماتريدى فكان يعد ممثلًا أصدق تمثيل للحنفية التقليدية المنتشرة فيما وراء النهر وطوَّر أفكارها الكلامية. لقد انتشر المذهب الحنفى على يد علمائه فى سمرقند فى القرنين الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) والخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) فى ما وراء النهر شرق خراسان وبلخ، كما انتشر بين الأتراك الذين اعتنقوا الإسلام حديثا