الماتريدى
أبو مُنصور محمد بن محمد بن محمود السَّمَرَقَنْدى، حنفى المذهب، متكلم وفقيه ومفسر للقرآن الكريم، مؤسس مدرسة مذهبية أصبحت فيما بعد إحدى مدرستين سُنِّيتين فى علم الكلام. ويُنسب الاسم إلى بلدة ما تُريد (ماتُريت) من أعمال سمرقند. وترى بعض المصادر المتأخرة -وهى فى هذا مخطتة- أنه ينحدر من نسب شريف بالمدينة وتنعته بالأنصارى.
وقد تلقى العلم أساسًا على يدى شيخه أبى نصر أحمد بن العباس العياضى وقد قُتل فى الفترة بين عامى ٢٦١، ٢٧٦ هـ (= ٨٧٤، ٨٩٢ م) والتاريخ الثانى هو الأرجح.
ولابد أن الماتريدى قد ولد قبل عام ٢٦٠ هـ/ ٨٧٣ م لاسيما وقد قيل إنه كان محل احترام من معلمه الذى لم يكن ليدخل فى جدال فكرى مع أحد إلا بحضورة ويقول بعض المؤلفين من أهل المرحلة المتأخرة عنه إنه درس أيضا على يدى معلمى العياضِية: "أبى سليمان الجُزْجَانى" و"نُصير بن يحيى البَلْخِى" (ت ٢٦٨ هـ/ ٨٨١ - ٨٨٢) و"محمد ابن مقاتل الرازى" (ت ٢٢٦ هـ/ ٨٤١ م). أما الرازى فمن غير الممكن أن يكون معلمه وأغلب الظن أن المصدر فى هذا لا يعول عليه وكذلك بالنسبة لما يقال عن الشيخين الآخرين. ولا نعلم الكثير عن حياته، إذ يقال إنه عاش حياة الزهد وكانت له بعض الكرامات. وتاريخ وفاته الذى تذكره مصادر المرحلة المتأخرة وهو ٣٣٣ هـ/ ٩٤٤ م ربما كان أقرب إلى الصحة رغم أن أبا المعين النَّسَفى (ت ٥٠٨ هـ/ ٤١١١ م) مؤرخ حياته فى فترة باكرة لم يكن على علم به -وثمة تواريخ بديلة (ورد ذكرها فى مصدرين متأخرين) هى ٣٣٦ هـ/ ٩٤٧ م و ٣٣٢ هـ/ ٩٤٣ م. ويوجد قبر الماتريدى ضمن مدافن جَكَرْديزا فى سمرقند، وكان لا يزال معروفًا فى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى). ومن بين تلاميذه أبو أحمد العيَّاضى ابن شيخه أبى نصر، وأبو الحسن الرُّشْتُغْفَنى، وعبد الكريم بن موسى اليزْدوى الجَد الأكبر لأبى اليسر اليزدوى.
стр. 8822
ومن بين مؤلفات الماتريدى يعد النص المنشور لكتاب "التوحيد" (الذى حققه خليف) من مؤلفاته التى لا يرقى إليها الشك فى أنها من وضعه. وإن بدا أن الكتاب كانت له نسخ مختلفة لأن الاقتباسات التى اقتبسها منه أبو المعين النَّسَفى فى كتابه "تبصيرات الأدلة" غير موجود -فى النص المحقق والمنشور- أما كتاب الماتريدى الرائع فى تفسير القرآن الكريم "تأويلات القرآن " فهو كما يقول الشارح له علاء الدين أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندى (المتوفى حوالى ٥٤٠ هـ ١١٤٥ م) قد جمعه تلاميذه، ومن هنا جاء أقل غموضًا من مؤلفاته الأخرى التى كتبها بنفسه. وينسب إلى الماتريدى أيضا ثلاثة نصوص قصيرة محققه ومنشورة هى "رسالة فى العقائد"، "كتاب التوحيد" (حققهما يورُوكان وطبعهما فى استانبول ١٩٥٣ م) و"حاشية" على كتاب "الفقه الأكبر" لأبى حنيفة. ويبدو أن هذه المؤلفات قد كتبها فى وقت لاحق ممثلو الحنفية وفقا لمذهبه. ولا يدرج أبو المعين النسفى هذه المؤلفات ضمن قائمة كتبه، ولكنه يدرج الكتب التالية التى يبدو أنها فقدت وهى "كتاب المقالات" و"كتاب بيان وَهْم المعتزلة" وهو يرد فيهما على ما جاء فى ثلاثة كتب للمعتزلى أى القاسم البلخى الكعبى (ت ٣١٩ هـ/ ٩٣٢ م) وكتاب "أوائل الأدلة" وكتاب "تهذيب الجدل" وكتاب "فى وعيد الفسوق" وهى ردود على كتاب "الأصول الخمسة" للمعتزلى أى عمر الباهلى وهو من المقربين إلى أبى على الحُبّائى. ورد على كتاب الإمامة لأحد أئمة الشيعة وردَّان على أفكار القرامطة الاسماعيلية وكتابان عن أصول الفقه هما كتاب "مأخذ الشريعة" و"كتاب الجدل" وقد تقيد الماتريدى بمذهب أبى حنيفة، على نحو ما نقله وطوره فقهاء الحنفية فى بلخ وما وراء النهر، وذلك على عكس الأشعرى مؤسس مذهب السنة فى علم الكلام الذى زواج أفكاره بالمذهب الحنبلى التقليدى. وعمل على تطوير تعاليم المذهب الحنفى التى سبق لها أن ذاعت فى الشرق الإسلامى وذلك بطريقة
стр. 8823
منهجية وداحضًا بالأدلة مواقف المعتزلة، لاسيما ممثلهم الرئيسى فى المشرق أبو القاسم البَلْخى، وداحضًا الكرامية (الحشوية) من أهل السنة التقليديين، والشيعة الإمامية، والاسماعيلية ممثلين فى محمد بن أحمد النسفى (ت ٣٢٢ هـ/ ٩٤٣ م) فى ما وراء النهر. أما عن الأديان الأخرى فقد رد على آراء المسيحيين واليهود والزرادشتيين والمانوية وغيرها. ومذهبه -فى جوهره- أكثر عقلانية بصفة عامة، وباستثناء تعريفه للإيمان القائم على فكر المرجئة، فهو أقرب إلى المعتزلة منه إلى الأشاعرة، ولكنه فى مفاهيمه ومصطلحاته الفنية كان أقل تأثرًا بالمعتزلة منه بالأشاعرة، وكان معتزليًا متدربًا قبل أن ينشق عليهم.
ويذهب الماتريدى -وهو فى ذلك يتخذ موقف المعتزلة- إلى أن الإنسان بوسعه معرفة اللَّه، وهو ملزم بذلك، وملزم بحمد اللَّه وشكره وهو فى التزامه هذا يستند إلى العقل وحده دون الاستعانة بالوحى أو النبوة. وفيما يتعلق بصفات اللَّه فهو يرى (شأنه شأن المعتزلة) أنه من الجائز اللجوء إلى التفسير المجازى للتعبيرات التى تنطوى على تشبيه الذات الإلهية بالإنسان فى القرآن الكريم، وذلك على الرغم من أنه رفض بعض التفسيرات المعتزلية فى هذا الشأن. وفى مواضع أخرى نراه يستند إلى صيغة "بلا كيف" التقليدية، إذ يصر على قبول النص الذى نزل به الوحى دون تساؤل، وهو يرى -على عكس المعتزلة- أن الصفات الإلهية، مثل العلم والقدرة، صفات حقيقية وقائمة بالذات الإلهية وعلى الرغم من قبوله التمييز -من حيث المصطلحات الفنية- بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية، إلا أنه يرى -على عكس المعتزلة والأشاعرة- أن الصفات الفعلية أبدية أيضا وقائمة فى الذات الإلهية. ولذلك فهو يؤكد على أن التعبيرات من قبيل "اللَّه هو الخالق أبدا". . وأن اللَّه "لم يزل" خالقا تعبيرات صحيحة رغم أن العالم المخلوق عالم مؤقت. وكان رأيه القائل بأن "التكوين" (أى إيجاد الموجودات) أبدى ويتميز عن "المكوّن" -يعنى الموجودات- إلا أن هذا الرأى كان
стр. 8824
محل جدل مع الأشاعرة. وكان الماتريدى يؤكد "رؤية" المؤمن للَّه فى الآخرة، ولكنه يرفض فكرة إمكانية ردراكه، أى إمكان "ادراكه"، بالعين. ويرى أن "الكلام" صفة من صفات اللَّه الأبدية، وإن كنا لا نسمع هذا الكلام. وهو بذلك -شأنه شأن المعتزلة- يؤكد طبقا لما جاء فى القرآن الكريم ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (سورة النساء آية ١٦٤) - أن اللَّه خلق صوتا وجعل موسى يسمعه.
أما عن القدر المكتوب وحرية الإرادة فكان موقف الماتريدى وسطًا بين المعتزلة والأشاعرة. فهو يرى أن أفعال الإنسان من خلق اللَّه وخاضعة لإرادة اللَّه ومشيئته. وإذا كانت أفعال الإنسان هى من فعل اللَّه من جهة، فهى من جهة أخرى أفعال صادرة عن الإنسان -على سبيل الحقيقة لا المجاز.
ونابعه من "اختياره" الحر. ويؤكد الماتريدى أن اللَّه لا يُضل إلا من يعلم أنهم سيختارون الطريق المعوج ولا يهدى إلا من يعلم أنهم سيختارون الطريق المستقيم. فالاختيار مبدئيا هو اختيار الإنسان لا اختيار اللَّه كما يرى الأشاعرة. والماتريدى بذلك يرفض التفسير القدرى "للميثاق" الذى ورد فى القرآن. وبمقتضاه فرق اللَّه بين المتقين والضالين من قَبْل الخَلْق، وإن الضالين يقرون بربوبية اللَّه كرها، فقد منح اللَّه الإنسان القدرة على فعل الأفعال المضادة. "فالاستطاعة" لدى الإنسان نوعان نوع قبل العقل، ونوع مصاحب للعقل. إن فكرة تكليف اللَّه للإنسان بما لا يطاق فكرة غير مقبولة من حيث المبدأ -إن الماتريدى يعرف "الإيمان" بأنه "تصديق بالقلب" و"إقرار باللسان" أى تعبير عنه بالكلام. والأعمال ليست جزءا من الإيمان. فالأيمان -فى جوهره- لا ينقص ولا يزيد رغم ما يقال من أنه يزداد مع التجديد والتكرار. ويستنكر الماتريدى فكرة "الاستثناء" فيقول "إذا شاء اللَّه فأنا مؤمن" والمذنب المؤمن قد يعاقبه اللَّه ولكنه فى النهاية سيدخل الجنة. ويرفض الماتريدى الفهم التقليدى للعقيدة الذى يسانده الأشاعرة والذى يرى أن الإيمان غير مخلوق.
стр. 8825
المصادر:
يَزدوى "أصول الدين" تحقيق هـ. ب. لينس.
ابن أبى الوفاء "الجواهر المضيئة".
البياض "إشارات المرام" تحقيق يوسف عبد الرزاق.
سعيد عبد المحسن [ف. مادلنج]
الماتريدية
مدرسة من مدارس علم الكلام اتخذت لنفسها اسم مؤسسها أبى منصور الماتريدى، ذاع صيتها فى العصر المملوكى على نطاق واسع بوصفها المدرسة الثانية من مدارس علم الكلام ذات النزعة السنية التقليدية إلى جانب الأشعرية، ولم يكن اسم الماتريدية متداولًا قبل التفتازانى (ت ٧٩٢ هـ/ ١٣٩٠ م) الذى استخدمه لبيان الدور الذى لعبه الماتريدى كمؤسس لمدرسة سنية فى علم الكلام جنبا إلى جنب مع الأشعرى المعاصر له. وفى البداية كانت هذه المدرسة تلقب بأنها مدرسة علماء سمرقند أو ما وراء النهر كانت تدّعى أنها تمثل مذهب أبى حنيفة وفى بعض الأحيان كانت تلقب نفسها بـ "أهل السنة والإجماع" وأنها السواد الأعظم ومهما يكن من أمر فإن تأثير الماتريدى البالغ على فكر وأعمال ممثلى هذه المدرسة فى فترتها المتأخرة واضح، وهم لم يحاولوا أن يحيدوا عن مذهبه كما حاد الأشاعرة المتأخرون عن مذهب الأشعرى. وكان الناس أكثر قبولًا للاعتراف بالأشعرى كمؤسس لمدرسة جديدة نظرًا لأنه كان فى الأصل معتزليًا ولأنه فى نفس الوقت مرفوض من الحنابلة التقليديين، وكان يدَّعى أنه يدافع عن مذهبهم.
أما الماتريدى فكان يعد ممثلًا أصدق تمثيل للحنفية التقليدية المنتشرة فيما وراء النهر وطوَّر أفكارها الكلامية. لقد انتشر المذهب الحنفى على يد علمائه فى سمرقند فى القرنين الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) والخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) فى ما وراء النهر شرق خراسان وبلخ، كما انتشر بين الأتراك الذين اعتنقوا الإسلام حديثا
стр. 8826
فى أراضى "قَرَخاند" بوسط آسيا. وفى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلاد) كانت هناك بعض الخلافات -حول مسائل كلامية- مع علماء الحنفية فى بخارى الذين كانوا أكثر تأثرًا بالاتجاهات التقليدية واللاعقلانية، وقد وَفَّق بينها -إلى أبعد حد- علماء الماتريدية الذين جاءوا فيما بعد إذ وضعوا لها حلولًا وسطى. وقد ظلت تعاليم الماترديدى غير معروفة -فى الواقع- فى غرب خراسان حيث كان الأحناف يناصرون مدارس كلامية أخرى منها الكثير الذى ينتمى للمعتزلة إلا أن التوسع السلجوقى نحو مركز العالم الإسلامى منذ أواسط القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى). ترتب عليه حدوث تغير جذرى. إذ بدأ العلماء الأشاعرة يولون اهتمامًا بمذهب الماتريدى فيما يتعلق بصفات اللَّه وعدوه ابتكارًا لم يظهر إلا فى عام ٤٠٠ هـ (١٠٠٩ م). وأدى الدعم العسكرى الذى تتلقاه الحنفية المشرقية ومذهبها الكلامى من الأتراك إلى وقوع صدام كبير مع الشافعية التى تطابقت أفكارها مع أفكار الأشعرية. وهذا يكشف عن السبب الذى يقف وراء قيام وعاظ خراسان بصب لعناتهم على الأشاعرة تنفيذًا لأوامر السلطان السلجوقى طغرل بك فى عام ٤٤٥ هـ/ ١٠٥٣ م كما يفسر السبب الذى يقف وراء إعدام الأشاعرة وما نشب من منازعات طائفية مسلحة واسعة النطاق بين الحنفية والشافعية فى المدن الكبرى من إيران فى أواخر العصر السلجوقى. وتتسم مؤلفات الماتريدى فى تلك الفترة بالانتقاد الشديد لفكر الأشاعرة إذ تخرجهم من عداد "أهل السنة والجماعة" وتصف بعض مذاهبهم بالكفر. ونتيجة للتوسع التركى أخذت الحنفية المشرقية وأفكار الماتريدى الكلامية فى الانتشار فى غرب فارس، والعراق، والأناضول وسوريا ومصر. وهاجر العديد من علماء الحنفية المشرقيين وأضرابهم فى منطقة ما وراء النهر إلى هذه المناطق ومارسوا التدريس فيها بدءًا من أواخر القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) وإلى القرن الثامن الهجرى
стр. 8827
(الرابع عشر الميلادى). وبذلك بدأ مذهب الماتريدى فى الذيوع بين جماعات الحنفية فى كل مكان وانتشر فى دمشق وسوريا لأول مرة على يد برهان الدين على بن الحسن السكلكَنْدى البلخى من سمرقند (المتوفى سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م) حيث أرسل علماء الحنفية فى سمرقند نسخة من كتاب "العقائد" لأبى حفص النسفى مع شروح لهم واصفين إياه بأنه عقيدة "أهل السنة والجماعة" والتى كانت محل اتفاق فيما بينهم. وما إن خَفَّت حدّةُ العداء بين الحنفية والشافعية فى العصر المملوكى حتى نظم الأشعرى الشافعى تاج الدين السُبْكى (ت ٧٧١ هـ/ ١٣٧٠ م) قصيدة نونية عن نقاط الخلاف بين الأشعرى وأبى حنيفة وهو يعنى بذلك مذهب الماتريدى. وقد ذكر فى هذه القصيدة ثلاث عشرة نقطة واصفًا سبعًا منها بأنها نقاط لفظية بحتة وستًّا منها بأنها معنوية أى خاصة بالموضوع وهذه النقاط الست فى رأيه تبلغ من الضآلة حدًا لا يبرر معه تبادل الاتهام بـ "التبديع" أى الكفر والهرطقة. وقد كتب أحد تلاميذ السبكى وهو نور الدين محمد بن أبى الطيب الشيرازى شرحًا لهذه النونية. وشاع نَسْخ هذا الشرح مع الثلاث عشرة نقطة موضع الخلاف وذلك على يد أبى عُذْبه فى الكتاب الذى كتبه (حوالى ١١٢٥ هـ/ ١٧١٣ م) وهو"الروضة البهية فى ما بين الأشعرية والماتريدية".
ومن ممثلى مدرسة الماتريدى النابهين فى أواخر القرن (الخامس الهجرى/ الحادى عشر) الميلادى أبو شكور السَّلْمى الكَشِّى مؤلف كتاب "التمهيد فى بيان التوحيد"، وأبو اليسر البَزْدوى (ت ٥٩٣ هـ/ ١٠٩٩ م) قاضى سمرقند ومؤلف كتاب "أصول الدين".
وأهم من شرح وطوّر مذهب الماتريدى فهو أبو المُعين النسفى المكحولى (ت ٥٠٨ هـ/ ١١١٤ م) الذى وضع أضخم وأشمل كتاب عن مذهب الماتريدى الكلامى وهو كتاب "تبصيرات الأدلة" وهو موجز لكتاب "بحر الكلام" وكتاب "التمهيد لقواعد التوحيد".
стр. 8828
وأهم الكتب التى نشرت مذهب الماتريدى كتاب "العقائد" لنديم الدين أبى حفص النسفى (ت ٥٣٧ هـ/ ١١٤٢ م) الذى حذا حذو أبى المُعين فى كتابه "تبصيرات الأدلة"، وقد أضيفت له الشروح والحواشى العديدة لأغراض التعليم المدرسى، كما تناوله البعض بالنظم شعرا عدة مرات، وهنالك قصيدة أخرى شائعة تشرح تعاليم الماتريدى شعرا وتعرف باسم "اللامية فى التوحيد" أو "بدء الأمالى" نظمها على بن عثمان الأُوشى (المتوفى منه ٥٦٩ هـ/ ١١٧٣ م) ووضعت لها فيما بعد شروح عديدة، بعضها فارسى والآخر تركى. وفى القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) كتب نور الدين الصابونى البخارى (ت ٥٨٠ هـ/ ١١٨٤ م) كتاب "البداية من الكفاية" وهو موجز لكتاب أكبر -من تأليفه- وهو "الكفاية فى الهداية" سبق نشره.
ومن بين مؤلفى الماتريدية فى الفترة المتأخرة أبو البركات النسفى (ت ٧١٠ هـ/ ١٣١٠ م) الذى ألف مقالة موجزة ومبسطة هى "عمدة العقيدة لأهل السنة" مع حاشية من وضعه عنوانها "كتاب الاعتماد فى الاعتقاد" كلاهما (المقال والحاشية) -أثر تأثيرًا بالغًا فى أبى المُعين النسفى فى كتابه "تبصيرات الأدلة" وثمة متكلم أكثر بروزا هو "عبيد اللَّه بن مسعود المحبوبى" (ت ٧٤٧ هـ/ ١٣٤٦ م) الذى عالج مشكلات كلامية فى سياق كل من "كتاب تعديل المعلوم" و"كتاب التوضيح" وهو كتاب فى أصول النقل -وكتب سعد الدين التفتازانى (ت ٧٩٢ هـ/ ١٣١٠ م) أفضل شرح معروف لكتاب "العقائد أبى حفص النسقى- ويبدو أنه ظل يقترب شيئا فشيئا من مواقف الأشعرية نظرا لأنه تلميذ لعضد الدين الإيجى الذى يمثل علم الكلام الفلسفى لدى الأشعرية فى فترتها المتأخرة. وهذا واضح فى كتابه الأخير "المقاصد" والشرح الذى وضعه له إذ جاء على نسق كتاب "المواقف" للأيجى، وحاشيته التى وضعها الشريف الجرجانى. وأصبح المتكلم الحنفى المصرى كمال الدين بن الهُمان (ت ٨٦١ هـ/ ١٤٥٧ م) مؤلف كتاب
стр. 8829
"المسايرة فى العقائد المنجية فى الآخرة" يقبل الآن الرأى السائد وهو تقليدى سواء أكان أشعريا أم ماتريديا، ولكنه أظهر قدرا من الاستغلال فى مواجهة كل من المدرستين. أما عثمان حنفى كمال الدين البياض (ت ١٠٧٨ هـ/ ١٦٨٧ م) فإنه -على العكس من ذلك- أكد بكتابه "إشارات المرام من عبارات الإمام" استغلاله وزيادته لمذهب الماتريدى الكلامى الذى يقوم على أساس عن تعاليم أبى حنيفة فى ضوء الأشعرية. ولقد ظل مذهب الماتريدى فى علم الكلام مرتبطا -على عكس المعتزلة والأشعرية- بمدرسة واحدة فقط فى الفقه هى مدرسة أبى حنيفة -كما أنها كانت تجرجر أذيالها -بصفة عامة- وراء مدرستى علم الكلام الأخريين سواء من حيث التطور المنهجى أو من حيث النسق خصوصا فى مسائل العلوم الطبيعية التى عالجتها هاتان المدرستان، ولم تتأثر كثيرا بما شاع من مصطلحات ومفاهيم الفلسفة كما هو الحال لدى الأشاعرة فى مرحلتهم المتأخرة ولدى الشيعة الإمامية والمعتزلة بعد ذلك. وعلى الرغم من أنه كان واضحا أن الصراع بين الماتريدية والمعتزلة هو الصراع الأساسى. إلا أن الخلافات بينها وبين الأشعرية كان أكثر أهمية، وهو أمر قد لا يتسم به علماء الكلام الذين جاءوا فى وقت لاحق والتزموا التوفيق بين وجهات النظر. فقد انخرط هؤلاء أساسا فى بيان مذهب الماتريدية من حيث تأكيده على أبدية الصفات العقلية للذات الإلهية، ووجود أسس عقلانية للخير والشر، وأن اختيار الإنسان لأفعاله حقيقة، وأن تعريف الماتريدى للإيمان هو أنه نوع عن الموافقة والإتراد دون النظر إلى "الأعمال". ومع ذلك فثمة نقاط خلاف دون هذه أهمية كانت تهيمن أحيانا على الجدل الدائر بين المدرستين.
سعيد عبد المحسن [ف. مادلنج]
الماذرائى
الماذرائى اسم أسرة شغل بعض أفرادها مناصب إدارية عليا وجباية الخراج، نشأت أصلًا بالعراق وشغلت مناصب هامة فى مصر والشام فيما
стр. 8830
بين سنة ٢٦٦ هـ/ ٣٣٥ هـ، (٨٧٩ م/ ٩٤٦ م). والنسبة مشتقة من قرية ماذراية قرب واسط (انظر السمعانى، كتاب الأنساب، ورقة ٤٩٩ أ؛ وياقوت: معجم البلدان، جـ ٤، ص ٣٨١).
وقد تولى أبو بكر أحمد بن إبراهيم الماذرائى، وكنيته الأطرش (انظر معجم لين) فى عهد أحمد بن طولون والإشراف على الخراج فى مصر والشام فى سنة ٢٦٦ هـ/ ٨٧٩ م، وأصبح بذلك المؤسس لنفوذ أسرته. وقد عين ابنه عليًا -الذى لا تعرف كنيته نائبا عنه فى مصر، وبعث ابنًا آخر له، هو أبو على الحسين المعروف بأبى زبنور إلى الشام بالصفة نفسها. وقد توفى أبو بكر ابن إبراهيم فى سنة ٢٧٠ هـ/ ٨٨٤ م، وهى نفس السنة التى مات أحمد بن طولون فيها.
وتولى على بن أحمد الماذرائى الوزارة لخمارويه بن طولون (سنة ٢٧٠ - ٢٨٢ هـ/ ٨٨٤ - ٨٩٦ م)، وظل يشغل هذه الوظيفة زمن "جيش بن خمارويه" وقتل فى نفس اليوم الذى قتل فيه حبشى سنة ٢٨٣ هـ/ ٧٩٨ م.
وخلال السنوات الأخيرة لحكم الطولونيين أقام أبو على الحسين بن أحمد الماذرائى (بصفته مشرفًا على الخراج فى الشام) علاقات طيبة مع العباسيين وحتى أنهم بعد انتصارهم على الطولونيين فى سنة ٢٩٢ هـ/ ٩٠٤ م، عهدوا إليه بالإشراف على خراج مصر فحلّ محل ابن أخيه أبى الطيب أحمد بن على الماذرائى (المتوفى سنة ٣٠٣ هـ/ ٩١٥ م). ولقد أدت علاقته الحميمة مع بغداد، لأن يصبح أبو على الحسين وأفراد آخرون من أسرته ضالعين فى القتال على السلطة وهو القتال الذى كان بين الوزير على ابن عيسى وبين بنى الفرات والذى كان الماذرائيون فيه على الدوام مؤيدين لخصوم بنى الفرات على الدوام. ولهذا السبب، فإنه فى خلال الوزارة الثانية لعلىّ بن عيسى (٣٠١ - ٣٠٤ هـ/ ٩١٣ - ٩١٦ م) تولى أمر خراج الشام، كما تولى أخيه أبو بكر محمد بن على بن أحمد أمر خراج مصر وقد تسبب تغيير الوزارة فى بغداد (سنة ٣٠٤ هـ/ ٩١٦ م)، فى خلع الماذرائيين مرة أخرى وسجنهم وجئ بأبى زنبور إلى بغداد.
стр. 8831
وقرب نهاية سنة ٣٠٦ هـ/ مايو ٩١٩ م، تولى بيت المال فى مصر مرة أخرى، ولكنه خلع مرة أخرى ولكن فى سنة ٣١٠ هـ/ ٩٢٢ م، وكان خلعه على يد صديقه علىّ بن عيسى. وفى السنة التالية استدعاه ابن الفرات إلى بغداد، وصادره هو وأسرته على مال قدرُه خمسة ألاف ألف درهم. وفى سنة ٣١٣ هـ/ ٩٢٦ م، كان أبو زنبور فى الفسطاط حيث كان مشرفا على الخراج فى مصر والشام. وتوفى هناك فى سنة ٣١٧ هـ/ ٩٢٩ م.
وحضر ابن شقيق أبو على الحسين، أبو بكر محمد بن على بن أحمد الماذرائى (٢٥٨ - ٣٤٥ هـ/ ٨٧١ - ٩٥٦ م) إلى مصر وذلك فى سنة ٢٧٢ هـ/ ٨٨٥ م، حيث عينه أبوه نائبًا للمشرف على الخراج. وبعد مقتل أبيه فى سنة ٢٨٣ هـ/ ٨٩٠ م، أصبح أبو محمد وزيرًا لهارون بن خماروية بن طولون فلما سقط الطولونيون فى سنة ٢٩٢ هـ/ ٩٠٥ م، أحضر هو وكثير من أتباعه إلى بغداد. وبقى فيها حتى سنة ٣٠١ هـ/ ١٩١٣ م، حيث عاد إلى مصر محاطًا بمظاهر التكريم كمشرف على الخراج. ولا تشير المصادر المتوافرة إلى أى سبب لعودته إلى الحياة الخاصة فى سنة ٣٠٤ هـ/ ٩١٦ م. حيث بقى فى الفسطاط، وأوقف نفسه على إدارة وزيادة موارد الثروة الضخمة لأسرته، وفى سنة ٣١٨ هـ/ ٩٣٠ م تولى أبو بكر محمد الأشراف على خراج مصر مرة أخرى، واحتفظ بوظيفته هذه حتى موت صديقه الوالى "تكين" فى سنة ٣٢١ هـ/ ٩٣٣ م. وبقى الماذرائيون فى الجانب المنتصر فى أثناء الصراعات اللاحقة مع محمد بن تكين. وحين عين الخليفة الراضى فى سنة ٣٢٢ هـ/ ٩٣٤ م، أبا الفتح الفضل وزيرًا، (وهو أحد أفراد أسرة ابن الفرات)؛ عَيَّن أبو الفتح، محمدًا بن طغج الأخشيد واليًا على مصر. وحاول الأخشيد الوصول إلى اتفاق ودى مع الماذرائيين، لكن أبا بكر محمد رفض هذه المحاولة، وفضل المقاومة، غير أن جيوشه انضمت إلى الأخشيد الذى استطاع دخول الفسطاط فى رمضان سنة ٣٢٣ هـ/ أغسطس
стр. 8832
٩٣٦ م دون قتال. فأختفى أبو بكر محمد حتى حضر أبو الفتح الفضل بن الفرات إلى الفسطاط، وألقى القبض على الماذرائى. وأجبره على التخلى عن قدر كبير من ثروته، ثم سجنه الأخشيد فبقى فى السجن حتى مات ابن الفرات سنة ٣٢٧ هـ/ ٩٣٩ م. لكن ما كاد أبو بكر محمد يطلق سراحه حتى استعاد الشرف والنفوذ مرة أخرى، فأصبح الوصى الحقيقى زمن أبى القاسم أنوجور بن الأخشيد، لكنه خلع وألقى به فى السجن فى سنة ٣٥٥ هـ/ ٩٤٦ م، خلال ثورة دبرها أبو الفضل جعفر بن الفرات. وبعد سنة واحدة أطلق كافور سراحه وتقاعد ليحيا حياته الخاصة. ومات فى الفسطاط فى ١١ شوال سنة ٣٤٥ هـ/ ١٦ يناير ٩٥٧ م، ولأنه كان مسلمًا ورعًا، فقد حجَّ إلى بيت اللَّه الحرام فيما بين سنة ٣٠١ هـ/ ٩١٣ م، وسنة ٣٢٢ هـ/ ٩٣٨ م، وكان مغداقًا فى توزيع الصدقات على سكان المدن المقدسة. وبوفاته مات الماذرائيين كبير شأنه.
المصادر: وردت فى المتن.
حسن شكرى [التحرير]
الـ ماردينى
وهو لقب لثلاثة من علماء الرياضيات والفلك، ليس لدينا عن حياتهم وأعمالهم إلا القليل من المعلومات حتى الآن.
١ - أبو الطاهر إسماعيل بن إبراهيم ابن غازى النميرى، شمس الدين المعروف بابن فالوس. وقد جاء من "ماردين" فى الجزيرة. . وولد عام ٥٩٠ هـ/ ١١٩٤ م، وتوفى عام ٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م. وقد أدى فريضة الحج إلى مكة. وهو مؤلف لعدة أعمال فى علم الحساب (انظر سوتر وبروكلمان).
٢ - عبد اللَّه بن خليل بن يوسف، جمال الدين (المتوفى عام ٨٠٩ هـ/ ١٤٠٦ - ١٤٠٧ م) وهو تلميذ عام الفلك المشهور أبى الشاطر (المتوفى عام ٧٧٧ هـ/ ١٣٧٥ م) فى دمشق على أكثر الاحتمالات. . وقد عمل بوظيفة "مُوَقِّت" (ميقاتى) فى القاهرة. . وله عدة أبحاث من استخدام الأنواع المختلفة للربعيات الفلكية (الربعية آلة تستخدم فى الملاحة والفلك لقياس الارتفاع) وقد ترجم كثيرون من العلماء والأجانب أعماله.
стр. 8833
٣ - محمد بن محمد بن أحمد أبو عبد اللَّه بدر الدين المعروف باسم "سبط الماردينى" (٨٢٦ - ٩١٢ هـ/ ١٤٢٣ - ١٥٠٦ م) وهو حفيد جمال الدين (رقم ٢) وتلميذ عالم الفلك ابن المجدى (المتوفى ٨٥٠ هـ/ ١٥٠٦ م. وعمل بوظيفة "مُوَقِّت" بجامع الأزهر بالقاهرة. وقد كتب -مثل جده- عن الربعيات. . وعن موضوعات فلكية أخرى. .
المصادر:
(١) Q. A. King: The astronamy of the ollamluks
بهجت عبد الفتاح [م. يلسنر - ج. سامو، M. Plessner - J. Samo]
مارية القبطية
فتاة قبطية ابنة لرجل يسمى شمعون، كان المقوقس قد أرسلها مع أختها سيرين فى عام ٦ هـ أو ٧ هـ الموافق ٦٢٧ أو ٦٢٩ م إلى النبى محمد [ ﷺ ] كهدية، وإن كانت بعض المراجع ترى أنهن كن أربعة، وقد تزوجها النبى [ ﷺ ] وزوج سيرين لحسان بن ثابت، وكان الرسول يحب مارية وأعطاها منزلا فى ضواحى المدينة وقد سمى هذا المنزل بعدها "مشربة" أم إبراهيم، ولكم فرح النبى عندما ولدت له ولدًا أسماه إبراهيم ولكنه مات طفلًا، ويقال إن الشمس خُسفت يوم وفاته (١).
ولقد أجلَّها كل من أبى بكر وعمر ومنحاها مسكنا تمتعت به حتى وفاتها فى المحرم الموافق ١٦ فبراير عام ٦٣٧ م، وليس هناك ما يشكك فى صحة هذه الرواية ولا ما يرجحها، كما أنها تحوى الكثير من التفاصيل التى تبعد الشكوك عنها، ولذلك فإنه من المبالغ فيه ما ذهب إليه لامانس من اعتبار مارية القبطية أم إبراهيم يهودية.
المصادر:
(١) الطبرى جـ ١، ١٥٦١ - ١٦٨٦.
(٢) ابن سعد: الطبقات الكبرى.
(٣) Fammes: Fatima et les fills de Mahoment, Rome ١٩١٢
стр. 8834
(٤) Caitani: Annali dell Islam II
د. يواقيم رزق [ف. برهل F. Burhl]
المازنى
إبراهيم عبد القادر (١٨٨٠ - ١٩٤٩ م)، كاتب مصرى ومترجم وشاعر وصحفى، ولد لأب من علماء الأزهر والذى أصبح فيما بعد قاضيًا فى المحكمة الشرعية بالقاهرة، وجده لأمه من أصل مكى.
التحق "بكلية المعلمين" وعين مدرسًا للغة الإنجليزية فى "المدرسة السعيدية" وظل بها قرابة عشر سنوات. ولم يكتف بالقضايا الأدبية فقد اهتم بالسياسة، لأنه من ناحية أخرى، كان رجلًا صريح العبارة لاذع الأسلوب فقد أصبح بالنتيجة هدفًا للنقد حتى فقد وظيفته.
ومما لاشك فيه أن المقال (أو المقالة) هى مثال لنوعية الأدب الذى تميز فيه "المازنى" بشكل خاص. ولكن نشاطه امتد ليشمل مجالات مختلفة وفيها كلها، ترك انطباعًا عن قوة شخصيته.
وتزعم مع العقاد حركة إحياء الشعر المصرى، وإن كان المحرك الحقيقى لها الشاعر "عبد الرحمن شكرى" الذى عرَّفهم بالأدب الإنجليزى وخاصة شعراء الرومانسية والنقاد الأدبيين. لكنه وهو المؤمن بالتجديد، لم يقم بثورة فى الأشكال الشعرية وكانت قوته فى التخلى عن وحدة القافية واللجوء للإيقاع المتغير المتبدل. ومع هذا ظل عميق الاتصال بالأدب العربى الكلاسيكى حيث أولع باشعار ابن الرومى والمعرى والشريف الرضى. كذلك اجتذبه "الجاحظ" الذى تركت روحه وأسلوبه آثارهما عليه.
لكنه سرعان ما تخلى عن نظم الشعر وفى تفسيره لهذا القرار قال إنه لم يكن فى أى وقت راضيًا تمامًا عن إنتاجه فى ذلك المجال وبلغ به الأسف أن لم يجد الشجاعة لتدمير أشعاره. ومن ناحية أخرى استمر دوره كناقد أدبى يتمتع باحترام كبير.
وفى عام ١٩٢١ م نشر مع العقاد كتاب الديوان انتقدا فيه الرموز المسيطرة على حركة الأدب مثل أحمد شوقى والمنفلوطى، وانتقد فيه التكلف
стр. 8835
والتصنع اللذين كانا يسمان الحركة الأدبية ودعيا فيه الشعراء إلى الصدق والتعبير عن الرؤى والتجارب الخاصة.
واتجه المازنى كذلك إلى كتابة القصة، وكان من روادها الأوائل حيث نشر روايته إبراهيم الكاتب فى عام ١٩٣١ م حظيت بشهرة كبيرة، وطرح فيها تساؤلات حول التقاليد ودور المرأة والزواج وغيرها من القضايا الاجتماعية.
وفى عام ١٩٤٣ م نشر ٤ روايات فى نفس العام: "إبراهيم الثانى"، "ثلاثة رجال وامرأة"، "عود على بدء"، "ميدو وشركاه".
وتبع ذلك بمسرحية هى "غريزة المرأة أو حكم الطاعة" اقتبسها فيما يبدو عن مسرحية لجون جالزورثى، وناقش فيها قضية حكم الطاعة الذى كان يعطى الرجل الحق فى إجبار زوجته على العيش معه رغم أنفها، وبين أنه يتنافى مع روح العدل.
وامتاز أسلوب المازنى بنبرة سخرية لاذعة وأيضًا إحساسًا بالعدمية يتجلى فى بعض عناوين كتبه مثل "حصار الهشيم" و"قبض الريح"، والحق أن روحه الساخرة المعادية للتقاليد الجامدة تجعلنا نقرنه بمارك توين والجاحظ وحتى عندها اختير فى أواخر أيامه لعضوية الجمع اللغوى كانت خطبته فيه بهذه المناسبة صارخة فى تحديها للأعراف، وهو ما كان متوقعًا من ذلك الرجل الذى سمى هذا المحفل الموقر "مقبرة الخالدين".
المصادر:
إلى جانب أعماله انظر:
(١) محمد مندور: الشعر فى مصر بعد شوقى، القاهرة ١٩٩٤ م.
(٢) حامد عبد الهوال: السخرية فى أدب المازنى، القاهرة، ١٩٧٢ م.
نبيل صلاح الدين [شارل فيال Ch. Vial]
مالك بن أنس
وهو "أبو عبد اللَّه مالك بن أنس بن مالك بن أبى عامر بن عمرو بن الحارث ابن غيمان بن خثين بن عمرو بن الحارث الأصبحى".
فقيه مسلم - إمام مذهب المالكية، الذى سمى باسمه. وكثيرا ما يطلق عليه -اختصارا- اسم إمام المدينة.
стр. 8836
وتاريخ مولده غير معروف. . والتواريخ التى تذكر تتراوح بين ٩٠ و ٩٧ هـ/ ٦٠٨ - ١٦ م وربما يكون بعضها قريبا من الصحة. . وجاء فى "كتاب الأغانى" إنه كان يريد فى البدء أن يكون مغنيا، وأنه غير مسار حياته إلى دراسة الفقه بناء على نصيحة أمه، ولا نعرف إلا القليل من المعلومات المؤكدة عن دراساته، وكان من أهم معلميه الفقيه الشهير ربيعه بن فروخ (المتوفى عام ١٣٢ أو ١٣٣ أو ١٣٤ هـ/ ٧٤٩ م - ٦٠ م) الذى أطلق عليه "ربيعة الرأى" وهناك روايات جاءت بعد ذلك تضاعف من عدد الذين تلقى العلم عنهم. فتصل بهم إلى ما يزيد على التسعمائة، من بينهم ثلاثمائة من التابعين. ويقال إنه تعلم قراءة القرآن عن نافع بن أبى نعيم ونقل الحديث عن الزهرى، ونافع، مولى ابن عمر، وهاشم ابن عروة، ويحيى بن سعيد، وعبد اللَّه ابن دينار، ومحمد بن المتكدر، وأبى الزبير، وغيرهم. . ويذكر السيوطى أنه درس على خمس وتسعين شيخا. . وقد لعب دورًا هاما فى الحياة السياسية فى المدينة وعندما قام محمد بن عبد اللَّه بتمرد فى عام ١٤٥ هـ/ ٧٦٢ م تولى على أثره حكم المدينة، أعلن مالك فى "فتوى" أن البيعة التى أعطيت للمنصور، ليست ملزمة لأنها تمت تحت ضغط وقسر، وعلى أثر هذه الفتوى انضم كثيرون إلى محمد بن عبد اللَّه، وإن لم يشترك مالك نفسه فى الانتفاضة بل مكث فى بيته. وعندما فشل التمرد (١٤٧ هـ/ ٧٦٣ م) عاقبه جعفر بن سليمان -حاكم المدينة- بالجلد ورغم ذلك لم ينقص هذا من قدره بل أدى إلى تدعيم مركزه وزيادة هيبته، وقد تصالح مع الحاكم بعد ذلك. ففى عام ١٦٠ هـ/ ٧٧٧ م. طلب الخليفة المهدى مشورته فى شأن التغيرات (المعمارية) فى الحرم المكى، كما حدث فى العام الذى توفى فيه (١٧٩ هـ/ ٧٩٦ م) أن زار الخليفة الرشيد وهو يؤدى فريضة الحج.
وقد مات مالك عن خمسة وثمانين عاما بعد مرض لم يستمر فترة طويلة، وكان ذلك فى عام (١٧٩ هـ/ ٧٩٦ م) فى المدينة -وقد دفن فى البقيع.
стр. 8837
وأهم مؤلفاته كتاب الموطأ وهو يعتبر -باستثناء مجموع الأحكام لزيد ابن على- أقدم كتب الفقه الإسلامى الباقية حتى الآن. وهو يستهدف تقديم دراسة للفقه والعدالة: وشعائر الدين وممارستها حسب إجماع المسلمين فى المدينة، وحسب السنة المعمول بها فى المدينة -كما يستهدف إيجاد معيار تنظيرى للأمور التى لم تحسم من وجهة نظر الإجماع والسنة. ففى عصر اتسم بالإقرار بالشريعة وتقديرها فى ظل العباسيين الأوائل، كان هناك اهتمام عملى بتحديد "طريق ممهد" (وهذا هو معنى الموطأ) بين الخلافات البعيدة الأثر فى الرأى، حتى حول أبسط المسائل الأولية. . وكان مالك يريد أن يساعد هذا المنحى من الاهتمام على أساس ما يجرى ممارسته فى الحجاز، وأن يصنف القانون العرفى فى المدينة ويرتبه ترتيبا منهجيا. "فالحديث" الذى يفسره من وجهة نظر الممارسة، ليس -بالنسبة له- غاية، بل وسيلة؛ لذلك فلم يكن مالك يستشهد بالفقهاء الأقدمين إلا كمراجع فحسب. ولأنه كان يهتم فقط بتوثيق السنة، وليس انتقاد شكلها، فقد اهمل "الترتيب" فى تعامله مع الأحاديث. . ومن ثم فإن "الموطأ" يمثل التحول من الفقه البسيط فى العصر الأسبق إلى العلم الخالص "للحديث" فى العصر الأخير.
ولم يكن مالك وحده من بين معاصريه فى "تأليف" الموطأ إذ أن العديد من علماء المدينة فى الفترة نفسها قد سجلوا أعمالا على نمط الموطأ، ولكن هذه الأعمال ضاعت ولم يبق فيها شئ. وإن نجاح الموطأ يرجع إلى حقيقة أنه دائما يسلك الطريق الوسط ويأخذ بوجهة النظر الوسط حول النقاط موضع الخلاف.
ب- أما فيما يتعلق بما إذا كان مالك قد وضع أعمالا أخرى غير الموطأ فهذا أمر موضع شك. (وما جاء فى الفهرست عن عدد من الأعمال الأخرى التى كتبها مالك غامض وغير مؤكد) والكتب التى نسبت إليه تنقسم إلى مجموعتين: ما يتعلق بالشرع، وما يتعلق بغير ذلك. ومن بين الكتب التى تتعلق بالشرع نقرأ عن "كتاب السنن"
стр. 8838
أو "السنة" الذى نقله "ابن وهب" أو "عبد اللَّه بن عبد الحكم المصرى"؛ وكتاب المناسك" (السيوطى)، و"كتاب المجالسات" الذى نقله ابن وهب؛ ثم "رسالة فى الأقضية" نقلها عبد اللَّه بن عبد الجليل؛ "ورسالة فى الفتوى" ونقلها "خالد بن نزار" ومحمد بن مطرف. ومع ذلك فإن أصالة هذه الأعمال جميعا ليست مؤكدة، حتى إذا كانت ترجع إلى تلاميذه المباشرين (وهى تعزى فى بعض الأحيان إلى هؤلاء التلاميذ) وتظل مساهمة مالك فيها غير مؤكدة. وهناك عمل يقال إن عبد اللَّه بن عبد الحكم المصرى قد نقله وسمعه من مالك، وهذا العمل أيضا موضع شك بكل تأكيد بل إنه علاوة على ذلك فإنه لا يدعى أن يقدم أقوالا للإمام مالك نفسه.
ومن الكتب الأخرى، نذكر كتاب "التفسير"، و"رسالة فى القدر والرد على القدرية" وكتاب السر "السيوطى" وكلها تدخل ضمن النمط المعتاد للكتابات موضع الشك. كما أن الشك يقوى أيضا فيما يتعلق برسالة "تتضمن نصائح للخليفة الرشيد، وتذكر دائما مع الموطأ. . وهى بمثابة النظير المالكى لكتاب "الخراج" لأبى يوسف. . وتشير هنا إلى أن السيوطى نفسه يشك فى أصالتها، بالرغم من أن الأسباب التى يوردها غير مقنعة لنا. .
جـ - وهناك مصدران رئيسيان آخران لتعاليم مالك (مع تنحية الروايات (البيانات) التى ظهرت بعد ذلك حول مذهب مالك.
أما الأكثر أهمية فهو "المدونة الكبرى لـ "سحنون" (المتوفى عام ٢٤٠ هـ/ ٨٥٤ م) والتى تتضمن ردودا من ابن قاسم (المتوفى عام ١٩١ هـ/ ٨٠٧ م) طبقا لمدرسة مالك الفقهية، أو طبقا لرأيه فى الأسئلة التى يوجهها إليه "سحنون"، وكذلك تعاليم وآراء ابن وهب (المتوفى عام ٦٩٧ هـ/ ٨١٣ م)
ونشير هنا إلى أن الطبرى الذى يحتفظ بأجزاء من رواية الموطأ لابن وهب، كثيرًا ما يستشهد أيضا بآراء مالك فى تعليقاته على الآيات التى تتعلق بالتشريع فى القرآن الكريم.
стр. 8839
د- مكانة مالك فى تاريخ الفقه: يمثل مالك مرحلة فى تطور الفقه، لم يكن فيها الفكر (الاستدلال) تاما وجوهريا، بل عرضيا ولغرض معين، ولم يصبح فيها التفكير "القانونى" أو الشرعى للإسلام تشريعا بعد؛ وكانت هناك العادات والعرف فى "المدينة" حيث وضعت الأسس الحاسمة للشرع الإسلامى. . من بين الموضوعات الرئيسية فى التفكير التشريعى الذى يتضح فى الموطأ، نفاذ الأفكار الدينية والأخلاقية وتخللها فى الحياة الشرعية برمتها.
وعلى حين كانت أسلمة القانون (صبغة بالطابع الإسلامى) قد تم إقرارها بمبادئه الرئيسية قبل مالك، فإن أجيالا كثيرة ظلت تعكف على تصنيفه منهجيا؛ ولذلك فإن إنجاز مالك الوحيد فى مجال التشريع يكمن فى تطويره لصياغة هذا النظام -ولا نستطيع أن نؤكد مدى ضخامة أو عظمة هذه المساحة بسبب افتقاد المادة التى تتيح لنا عقد المقارنة. . ولكن النجاح المذهل الذى حققه الموطأ، من بين عدد من الأعمال المماثلة، ينبثق من أنه سجل إجماع الرأى فى المدينة دون أى تدخل منه، ومن ثم أصبح يعتبر حجة بسبب إعرابه عن المنهج الوسط (مثلما أصبحت) الأعمال حول الأحاديث الشريفة شرعية "أو تشريعية"). ولذلك لا يعتبر الموطأ فى هذه الحالة دليلا على اجتهاد مالك الشخصى بقدر ما هو دليل على المرحلة التى تم الوصول إليها فى التطور العام للقانون (الشريعة) فى عصره. ومن ثم يمكن أن نقول إن "الوسطية" (الصفة الوسط) هى ما كان يستهدفه مالك.
المصادر:
(١) ابن قتيبة فى كتاب المعارف - السمعانى فى كتاب الأنساب - السيوطى فى تزيين الممالك - ابن القاسم فى "المدونة".
(٢) عيسى بن سعود الزواوى فى "مناقب سيدنا الإمام مالك".
بهجت عبد الفتاح عبده [ج. شاخت J. Schaht]
стр. 8840
مالك بن عوف
ابن سعد بن ربيعة النصرى - زعيم بدوى، معاصر لمحمد [ ﷺ ] ينتمى إلى عشيرة بنى نصر بن معاوية من قبيلة "قيسى" ذات النفوذ فى هوازن، والتى تزعمها فى غزوة "حنين" ضد المسلمين. . وبسبب دوره هذا دخل التاريخ.
ونحن لا نعرف إلا القليل عن حياته المبكرة، ولكننا قد نزعم أنه وجد -فى فترات مبكرة- فرصا ليظهر شجاعته وإقدامه. وقد كان لا يزال أمرد (لا لحية له) -أى فى سنوات مراهقته المبكرة- عندما قاد كتيبة من هوازن فى حرب "الفجار" (الأغانى).
وربما يرجع هذا التميز إلى المكانة التى كانت تتمتع بها عشيرته -بنى نصر بن معاوية- بن بنى هوازن. ولما كانت بنو نصر حلفاء لقبيلة ثقيف (الأغانى) فقد وجدوا أنفسهم فى وضع مماثل بالنسبة لثقيف ومدينة الطائف، و"الأحابيش" بالنسبة لقريش ومكة. وقد بعثوا بالمرتزقة إلى الطائف، وقاموا بمهمة الدفاع عن المدينة، وحماية البساتين الجميلة التى تغطى أراضى ثقيف من أعمال النهب التى يقوم بها المغيرون. وكانت العلاقات بينهما هادئة وودية بشكل عام، ولكن كان يحدث من حين لآخر -وبسبب النزعات الفوضوية لدى البدو عندما تكون لهم اليد العليا- أن ينتهكوا حرمة أراضى حلفائهم، مواطنى مدينة الطائف. . وهذا الموقف يجعلنا نتفهم السبب فى أن ثقيف -فى الصراع الذى كان على وشك أن يتطور ضد الإسلام- كانت على استعداد للزحف تحت لواء قائد بدوى.
وفى العام الثامن للهجرة (٦٢٩ م) كان محمد [ ﷺ ] يستعد على رأس قوة كبيرة لمهاجمة مكة. وقد أقلعت هذه الأنباء هؤلاء الذين يعيشون فى جبال السروات (السراة) وتساءلوا فيما بينهم ألن يحاول الرسول [ ﷺ ]-عندما يصبح سيد مكة- أن يغزو بلادهم. وفى هذه الأثناء نجح مالك بن عوف فى أن يضم -من أجل الدفاع المشترك- أغلبية
стр. 8841
قبائل "قيس" الذين يستقرون على حدود نجد والحجاز. وانضمت ثقيف بقواتها إلى حلفائها من هوازن وكانت النتيجة هزيمتهم فى حنين. وكان قائدهم مالك قد خرج بفكرة مشئومة وهى الإتيان بالنساء والأطفال والقطعان مع المحاربين والمقاتلين. وقد وقعت هذه الغنائم الهائلة كلها فى أيدى المسلمين.
ولم يستطع الجانب المهزوم أن يعترض بأنه أبلى بلاء حسنا فى ميدان القتال. ولكن تقاليد بنى هوازن تحاول المستحيل فى أن تخفى هذا الفشل وتنقذ سمعة مالك، ويقال إن مالكا بعد هذه الهزيمة المنكرة قد ضحى بنفسه فى شجاعة ليغطى انسحاب رفاقه فى القتال. وهذه الرواية ذاتها تنسب إليه أنه ارتجل أشعارا كثيرة بهذه المناسبة، والتى حاول فيها -على عادة أبطال الأساطير البدوية القديمة- أن يبرر هروبه ويعتذر عنه.
وقد حاول مالك أن "يتحصن" فى "ليا"، على بعد ساعات قليلة جنوبى الطائف، حيث كان له حصن هناك، ولم يكن هذا الحصن سوى أسوار من القرميد مثل القلعة الصغيرة فى اليمن والتى وصفها "المقدسى" فى كتابه أحسن التقاسيم.
واستطاع الرسول [ ﷺ ] أن يدمر قلعة مالك بسهولة ويسر، وعندما علم مالك باقتراب المسلمين، وجد من الحكمة أن يحتمى وراء تحصينات الطائف.
وفى هذه الأثناء تجمعت كل الغنائم التى حصل عليها المسلمون فى حنين فى معسكر فى "جعرانة"، ومن بينها عائلة مالك والقطعان. وإلى هوازن ذهب مندوبون للتفاوض حول فدية الأسرى، وقال محمد [ ﷺ ] إنه إذا جاء مالك ليعتنق الإسلام، فإنه سوف يعيد إليه عائلته وممتلكاته بالإضافة إلى مائة من الإبل، ومهما يكن القرار الذى اتخذه مالك، فإن هذا البيان (من جانب الرسول [ ﷺ ] لم يجعل من المتعذر أن يتفاهم مع ثقيف. واعترف بحق أن موقفه فى الطائف ضعيف ولا يمكن الدفاع عنه ونجح فى أن يفر من المدينة ويستسلم للرسول [ ﷺ ]
стр. 8842
الذى وفّى بوعده حرفيا- ونطق مالك بشهادة المسلمين، وحسن إسلامه، كما يقال فى الصيغة التقليدية.
وقد كان لهذا الرجل الذى اهتدى أخيرا للإسلام والإيمان، صلات واسعة، وكان يعرف تماما منطقة (إقليم) ثقيف. . وقد سعد الرسول [ ﷺ ] إذ استخدمه ضد الطائف التى لم يستطع أن يأخذها بالقوة. . ووضع مالك على رأس قبائل "قيس" الذين اعتنقوا الإسلام، لذلك نظم مالك خرب عصابات ضد الحلفاء القدامى فى ثقيف. فلم تكن تستطيع أية قافلة أن تترك الطائف دون أن يعترضها رجال مالك. وبعد أن أرهق هذا النضال المتواصل أهل ثقيف، قرروا أن يتوصلوا إلى تفاهم. وأصبح مالك عندئذ مندوب الرسول بين بنى هوازن. وعندما ولى أبو بكر كان أيضا مندوبا له. وقد اشترك فى حروب الفتوحات، وكان موجودا عند الاستيلاء على دمشق، وفى نصر القادسية فى العراق.
المصادر:
(١) ابن هشام: فى السيرة.
(٢) ابن قتيبة: فى المعارف.
(٣) ابن سعد: فى الطبقات.
(٤) النووى: فى تهذيب الأسماء.
(٥) ابن الأثير: فى أسد الغابة.
(٦) H. Lammens: La cite arabe de Th'if A la veille de l'hegire
بهجت عبد الفتاح عبده [هـ. لامنس H. Lammens]
مالك بن نويرة
ابن جمرة بن شداد بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع التميمى شقيق الشاعر متمم كان هو أيضا شاعرا، وكان يعتبر زعيم بنى يربوع فى عهد الرسول [ ﷺ ]. ويعد بنو يربوع إحدى أقوى قبائل حلف تميم، وقد شاركوا فى العديد من المعارك فى الجاهلية.
ويوصف مالك عادة كمقاتل شجاع نبيل وطموح، غير أن المادة الغزيرة والمفصلة التى تتعلق بـ "أيام" يربوع لا تذكر شيئا عن أعماله البطولية. كما أن أبيات الشعر القليلة المنسوبة إليه عن
стр. 8843
بعض المعارك لا تدل بالضرورة على أنه شارك فيها. ومن ثم، يبدو أن شهرة مالك كزعيم ومقاتل فى الجاهلية ليست لها أسس متينة. لكن الأرجح أن مالكا حظى بهذه الشهرة بفضل قصائد أخيه متمم الذى أسبغ عليه الكثير من صفات المجد فى مرتبات أصبحت من الأكثر شهرة فى الأدب العربى.
ولا يعرف الكثير عن موقف مالك تجاه الإسلام أثناء حياة الرسول [ ﷺ ]. ويقال إن الرسول كلفه بجمع الزكاة من عشيرته فى السنة التاسعة أو الحادية عشرة من الهجرة.
وعلى العكس من المعلومات القليلة عن حياة مالك هناك وفرة وغزارة فى التفاصيل الخاصة بملابسات وظروف وفاته. ذلك أن إعدامه خلال حروب الردة، بأمر من خالد بن الوليد، قد أثار خلافا شديدا بين المسلمين. فقد ادعى البعض أن مالكا كان مرتدا وبالتالى يستحق ما انتهى إليه، فى حين أكد آخرون أنه كان مسلما وأن خالدا أمر بقتله لخلاف بينهما.
وتعكس هذه القصة الجدال الشرعى والعقائدى المتعلق بشروط اعتباره شخصا ما مسلما. ويتعين بحث كل تفاصيل روايات إعدام مالك فى ضوء هذا الجدال.
وقد اتفقت المصادر على أن مالكا قتل بواسطة المسلمين فى العام الحادى عشر من الهجرة. وهناك -بشكل عام- ثلاث روايات مختلفة للأحداث.
تحكى الرواية الأولى: وهى الأكثر ذيوعا- أن مالكا عندما علم بوفاة الرسول [ ﷺ ] حبس الزكاة التى كان
قد جمعها، وأعادها إلى عشيرته بدلا من أن يرسلها إلى المدينة. وعندما بلغ ذلك أبا بكر غضب غضبا شديدا وجعل خالد بن الوليد يقسم أمامه أن يقتل مالكا إذا أمسك به. وأثناء تقدم خالد فى نجد بعد أن هزم بعض القبائل المتمردة، أسرت مفرزة من جيشه أثنى عشر رجلا من يربوع، كان مالك من بينهم، فاقتادوهم إلى خالد الذى أمر بقتلهم رغم أنهم أعلنوا إسلامهم. ثم تزوج أرملة مالك بعد ذلك.
стр. 8844
وتربط الرواية الثانية بين مالك وسجاح التى ادعت النبوة عقب وفاة الرسول [ ﷺ ]. فعندما بلغت سجاح وجيشها أرض تميم أقنعها مالك بعدم الزحف إلى المدينة وأن تنضم إليه فى حربه ضد خصومه من بنى تميم. ودارت معركة لقى فيها الحليفان الهزيمة فأمر مالك رجاله أن يتفرقوا ويعلنوا إسلامهم وانسحب إلى مقر إقامته حيث أسره جيش المسلمين وأمر خالد بقتله.
أما الرواية الثالثة فتحكى أنه أثناء تقدم خالد فى نجد عسكر بجيشه فى سهل تقيم فيه عشائر يربوع ثم هاجم عشيرة مالك (ثعلبة) لأنه لم يسمع الأذان يدعوهم للصلاة فى مواقيتها. فدافع مالك ومن معه ببسالة حتى استسلموا وأعلنوا إسلامهم، فمنحهم خالد الأمان لكنه أخل بوعده وأمر بقتل مالك لأنه تذكر قسمه لأبى بكر.
ويصعب بالطبع الجمع بين الروايات الثلاث للحصول على رواية واحدة مترابطة، وبالتالى يبدو أن الحقيقة وراء سيرة مالك وموته ستظل مدفونة تحت ركام من الروايات المتضاربة.
المصادر:
(١) ابن حبيش: "كتاب ذكر الغزوات والفتوح"، ms. Leiden, Qu. ٣٤٣ pp. ١٣, ٢٨ - ٣٠
(٢) ابن الأثير، "أسد الغابة"، S.V.V مالك بن نويرة، ضرار بن الازور.
(٣) تبريزى "شرح الحماسة"، ed-Fueytag, ٣ mo-٢
(٤) بغدادى، "خزانة"، ed عبد السلام هارون، القاهرة ١٣٨٧ هـ/ ١٩٦٧ م،
بالنسبة للدراسات الحديثة عن سيرة مالك انظر Noldeke: Hanoueu ١٨٦٤, ٨٧ - ٩٥, ١٣٤
لبنى الريدى [تسريم، لاندن Ella - Landan - Tasseram]
المالكية
المالكية هم الذين يتبعون تعاليم الإمام مالك بن أنس (المذهب المالكى) الذى توفى فى المدينة عام ١٧٩ هـ/ ٧٩٥ م.
стр. 8845
فى القرن الثانى للهجرة/ الثامن للميلاد كانت المذاهب الإسلامية متعددة فكان من الضرورى الخروج بنص موحد يلتزم به القضاء، فعرض الخليفة العباسى الثانى أبو جعفر المنصور (المتوفى عام ١٥٩ هـ/ ٧٧٥ م) على قاضى المدينة مالك بن أنس اقتراحا بوضع نظام قضائى يوحد المناهج المختلفة التى كانت مطبقة فى البلاد الإسلامية المختلفة وكان هذا المشروع يخدم سياسة العباسيين، ويرجع اختيار مالك لهذه المهمة أنه يمثل المدينة المنورة التى ترعرعت فيها مبادئ الإسلام، ولأنه من شبه المؤكد أنه عندما عرض عليه هذا الاقتراح كان مذهبه قد انتشر عن طريق تلاميذه فى المغرب وفى الأندلس.
١ - المذهب:
المصادر: تنبع أصالة تعاليم مالك من أنه أدخل فى كتابه الموطأ عمل أهل المدينة واعتبره طريقة شرعية معترفا بها. ويعتبر الموطأ أقدم عمل فقهى عاش حتى يومنا، وهو رسالة فى الفقه مؤسسة على الحديث النبوى الشريف الذى يلعب دورا مهما فى الاستشهاد الفقهى والاستدلال القضائى ويتناول موضوعيه: العبادات والمعاملات ويحتوى الموطأ، فى آخر طبقاته، على مائ حديث و ٢٢٢ مرسل و ٦١٣ موقوف و ٢٨٥ فتوى للتابعين، وجميع المذكورين فى الموطأ إما من أهل المدينة أو من الذين أقاموا فى مكة والمدينة من الذين اقاموا فى مكة والمدينة، وكما أن غالبية الأحاديث المذكورة فيه مروية عن عبد اللَّه بن عمر. ويرجع نجاح الموطأ إلى أنه يمثل الاتجاه المعتدل الذى كان سائدا فى المدينة حينئذ بالإضافة إلى أنه شهادة على المستوى الفقهى الذى بلغه إجماع الرأى فى المدينة. وعلى هذا فإن الموطأ يعتبر دستورا شرعيا وفقا للتفسير العملى للشريعة والعقيدة طبقا لما جاءت به السنة واجمع عليه أهل المدينة بالإضافة إلى آراء مالك الشخصية والمصدر الرئيسى الثانى فى دراسة مذهب الإمام مالك هو كتاب المدونة الكبرى الذى ألفه سحنون القيروانى (١٦٠ - ٢٤٠ هـ/ ٧٧٦ -
стр. 8846
٨٥٤ م) وهو مجموعة من آراء الإمام مالك الفقهية ويتضمن تصحيحات وإجابات أرسلها ابن القاسم العتاقى (المتوفى عام ١٩١ هـ/ ٨٠٦ م) تلميذ مالك إلى سحنون طبقا لآراء مالك نفسه وآراء معاصريه وشيوخه فى الحديث ومنهم الزهرى (المتوفى عام ١٢٣ هـ/ ٧٤٠ م) ونافع (المتوفى عام ١١٦ هـ/ ٧٤٣ م) وربيعة الرأى. ويسمى المدونة أيضا المختلفة لأنه تمت ونقحت وأضيف إليها مختلفة، بالرجوع إلى الأسدية لابن الفرات (المتوفى عام ٢١٣ هـ/ ٨٢٨ م) وهو قام على أساس المذهبين المالكى والحنفى بالعراق وتعود الأهمية العملية للمدونة إلى أنها تصور العلاقة بين الدين والتجارة وأنه يتناول الإجراءات التجارية (التوثيق وإثبات البيع وجميع المعاملات التجارية).
للمدونة عدد كبير من الشروح منها ما ترجم إلى لغات أخرى، وأول ما نذكر من هذه الأعمال كتابى اختصار المدونه والنوادر والزيادات على المدونة لابن أبى زيد القيروانى (المتوفى عام ٣٨٦ هـ/ ٩٩٦ م) وهو ملخص لمدركات المذهب ألحق به دراسة لحالات لم يتوقعها سحنون. وابن أبى زيد القيروانى هو مؤلف كتاب الرسالة المشهور وهو خلاصة مذهب مالك. ومن الأعمال التى تحظى بالاهتمام فى شمال أفريقيا كتاب تهذيب المدونة لأبى سعيد البرذعى (المتوفى عام ٤٠٠ هـ/ ١٠٠٩ م). وبعد زيارته لمصر ضيفا على ابن القاسم، كتب ابن حبيب الأندلسى (المتوفى عام ٢٣٨ هـ/ ٨٤٥ م) الواضحة، واختصره أحد تلاميذه وهو العتبى (المتوفى عام ٢٥٥ هـ/ ٨٤٥ م) فى كتاب أسماه العتبية، كما دفع كتاب المدونة ابن حاجب (المتوفى عام ٦٤٦ هـ/ ١٢٤٨ م) إلى إعادة كتابه مبادئ مدرسة الإمام مالك فى كتابه مختصر فى الفروع، وكتب خليل بن اسحق (المتوفى عام ٧٧٦ هـ/ ١٣٧٤ م) مختصرًا لهذا المختصر، وقد ترجم هذا العمل إلى الفرنسية مرتين وإلى الإيطالية، كما ترجمت أجزاء منه. وهذا المختصر الذى
стр. 8847
يعتبر مرجعا أساسيا فى الفقه المالكى، لا يكاد يستعمل بدون شرح، ومن أحسن ما كتب فى شرحه:
- الشرح على مختصر خليل للزرقانى (المتوفى عام ١٠٩٩ هـ/ ١٦٨٧ م) المنشور فى القاهرة عام ١٣٠٧ م مع شرح للبنانى (وهى طبعة لها قيمة كبرى فى الشرق الإسلامى).
- الشرح الصغير للدردير (المتوفى عام ١٢٠١ هـ/ ١٧٨٦ م).
- الشرح الكبير لنفس المؤلف. مع تعليقات للدسوقى.
- مختصر خليل للخرشى مع تعليقات للعدوى.
- الجزء الأول من كتاب مواهب الجليل لشرح مختصر سيدى خليل المواقى، جزء ٣, ٤، وأبو الوليد الباجى (المتوفى عام ٤٧٤ هـ/ ١٠٨١ م) مناظر شهير ومؤلف كتاب مختصر فى مسائل المدونة وكتاب منتقى شرح الموطأ.
انتشار المذهب . طبقا لما ذكره ابن خلدون، كانت المدرسة المالكية (المذهب المالكى) حتى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى تنقسم إلى ثلاث اتجاهات (طرق)، القيروانية والأندلسية والشرقية وتضم سلاسل النقل العراقية والمصرية والسكندرية، وفيما يلى السلاسل التى انتقل عن طريقها المذهب من الإمام مالك فصاعدا:
السند القيروانى: ابن القاسم (المتوفى عام ١٩١ هـ/ ٨٠٦ م) وسحنون (المتوفى عام ٢١٣ هـ/ ٨٢٨ م) الذى أخذه عن أسد بن الفرات (المتوفى ٢١٣ هـ/ ٨٢٨ م) ومن تلاميذ أبى حنيفة عن هذه الطرق غير المباشرة. وبعد سحنون، هناك شروح أبى زيد القيروانى (المتوفى عام ٣٨٦ هـ/ ٩٩٦ م) والبرذعى (المتوفى عام ٤٠٠ هـ/ ١٠٠٩ م) وابن يونس (المتوفى عام ٤٥١ هـ/ ١٠٥٩ م) وابن محرز (المتوفى عام ٤٥٠ هـ -/ ١٠٥٨ م) والتونسى (المتوفى عام ٤٤٣ هـ/ ١٠٥١ م) واللخمى (المتوفى عام ٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥ م)، وقد رسخت هذه السلسلة شهرة المدونة وشروحها فى المغرب العربى.
стр. 8848
السند الأندلسى: يحيى بن يحيى الليثى (المتوفى عام ٢٣٤ هـ/ ٨٤٨ م) والأصبغ (المتوفى عام ٢٢٤ هـ/ ٨٣٨ م) وابن ماجشون (المتوفى عام ٢١٤ هـ/ ٨٢٩ م) والمطرف (المتوفى عام ٢٢٠ هـ/ ٨٠٦ م) وابن قاسم (المتوفى عام ١٩١ هـ/ ٨٠٦ م) الرأى نقل إلى ابن الحبيب (المتوفى عام ٢٣٨ هـ/ ٨٤٥ م) وهذا بدوره إلى العتبى (المتوفى عام ٢٥٥ هـ/ ٨٦٩ م). وتكن السلسلة الأندلسية أعظم تقدير للعتبية وأفضل شرح لها هو البيان لابن رشد (المتوفى عام ٥٢٠ هـ/ ١١٢٦ م).
السند العراقى: القاضى اسماعيل (المتوفى عام ٢٤٦ هـ/ ٨٦٠ م) وابن خوايز منداد وابن اللبان وابن الأبهرى (المتوفى عام ٣٧٥ هـ/ ٩٨٥ م) الذى نقله إلى عبد الوهاب (المتوفى ٤٢١ هـ/ ١٠٣٠ م) الذى أثر بشكل مباشر وعميق فى السند المصرى بعد استقراره فى مصر.
السند المصرى: ابن عبد الحكم (المتوفى عام ٢١٤ هـ/ ٨٢٩ م) وابن القاسم (المتوفى عام ١٩١ هـ/ ٨٠٦ م) وأشهب (المتوفى عا م ٢٠٤ هـ/ ٨١٩) والحارث بن سكين (المتوفى عام ٢٥٠ هـ/ ٨٦٤ م) الذى ورثه من ابن القاسم وأشهب. ويعتبر العلماء الآتى أسماؤهم أهم حلقات سلسلة النقل هذه: ابن الرشيق (المتوفى ٦٣٢ هـ/ ١٢٣٤ م) وابن الحاجب (المتوفى عام ٦٦٤ هـ/ ١١٤٨ م) الذى أخذ عن السند السكندرى من ابن عنان (المتوفى عام ٥٤١ هـ/ ١١٤٦ م) وابن عوف (المتوفى عام ٥٨١ هـ/ ١١٨٥ م) ناقلا إلى القرافى (المتوفى ٦٨٤ هـ/ ١٢٨٥ م). وكان أبو بكر الطرطوشى (المتوفى عام ٥٢٠ هـ/ ١١٢٦ م) حلقة الوصل بين النقل الشرقى والأندلسى وذلك فى القرن السادس/ الثانى عشر حيث ارتحل إلى مصر وعمل مدرسا فى الإسكندرية، وكانت نتيجة هذا الإتصال بالمدرسة المصرية، التى كانت قد تأثرت تأثرا كبيرا بالنقل العراقى عن طريق القاضى عبد الوهاب، الإنصراف عن المدونة والعتبية لصالح المختصر فى الفروع لابن الحاجب (المتوفى عام
стр. 8849
٦٤٦/ ١٢٤٨) وذلك فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى. واستمر هذان العملان الأساسيان فى المذهب المالكى واللذان أديا إلى إنتاج مجموعة كاملة من الكتابات الفقهية التى استمرت مؤثرة لفترة من الزمن حتى بعد انتهاء دور قرطبة والقيروان كمركزين للعلم، ولكنها فقدت تأثيرها فى نهاية القرن ٨ هـ/ ١٤ م.
المبادئ والنظرية الفقهية:
أسست المدرسة المالكية المذهب المالكى، مثلها فى ذلك مثل باقى مدارس (مذاهب) الإسلام السنية، تستقى مبادئها من القرآن والسنة والإجماع، ولكن هناك اختلافات بينها وبين باقى المذاهب، ففى حين أن هناك اجماعا على (القرآن) إلا أن هناك فرقا أساسيا فيما يتعلق بالسنة، فالسنة عند مالك هى أحاديث النبى محمد [ ﷺ ] وأصحابه ولا يدخل فيها أحاديث على [رضى اللَّه عنه] التى تضمنها بعض المدارس الأخرى إلى السنة. (بالرغم من رفض مالك الإختيار بين على وعثمان، إلا أنه يقر لهما بالخلافة مع تفضيل عثمان، الأمر الذى يبدو أكثر احتمالا باعتبار أن هذه المدرسة ازدهرت فى البصرة فى بيئة عثمانية).
بالإضافة إلى الإجماع، بمعنى إجماع أهل المدينة الناتج عن عمل أهل إجماع أهل المدنية الناتج عن عمل أهل المدينة الذى قد يقدمه على الحديث، فقد اعتبر رأى أهل المدينة شاهدا على أعمال النبى [ ﷺ ]. والحديث عند مالك ليس هو المصدر الأهم بل يضيف إليه الرأى عندما لا يعطى الإجماع الإجابة عن المسألة بشرط ألا يخالف ذلك المصلحة، وكان يعاب على مالك أحيانا اسرافه فى استخدام هذا الأسلوب.
ويستخدم المالكية القياس، الذى يعترض عليه كثير من أهل السنة، فى حالات إجماع الأمة.
المالكية والمخالفين . كان عدم تسامح مالك تجاه المنشقين سبب النجاح الكبير لمدرسته، وكان عداؤه للقدرية والخوارج لأنه يعتبرهم مثيرى الفتن بين الناس وأدوات للفساد وكان
стр. 8850
على الخارجى أن يتوب، فإذا رفض وقعت عليه عقوبة قاسية. أما الزنديق فلا تعرض عليه التوبة، وإنما يعدم فورًا جزاءً على ردته. وكان الخلفاء العباسيون عادة يحيلون قضايا الهراطقة ومثيرى الفتن أو من يعتبرونهم كذلك إلى قضاة مالكيين، فكان أبو عمر بن يوسف قاضى قضاة المالكية فى بغداد هو الذى حاكم الحلاج وحكم بإعدامه عام ٣١٩ هـ/ ٩٢٢ م. وبنفس الطريقة أعدم متطرفان من الشيعة فى القرون الوسطى هما حسن ابن محمد السكاكينى الذى اعدم فى دمشق عام ٧٤٤ هـ/ ١٣٤٢ م وعلى بن الحسن الحلبى الذى اعدم ٧٥٥ هـ/ ١٣٤٢ م.
المالكية والتصوف . كمبدأ، لا مكان للتصوف فى مدرسة مالك، فهناك حديث عن النبى [ ﷺ ] ينهى عن الرهبانية بل يعتبرها بدعة، ولكن كان هناك اتجاه نحو الزهد لم يلفت الأنظار حتى القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى ولكن نتيجة للنشاط الفكرى الكبير الذى حدث فى الشرق الإسلامى ابتداء من نهاية ذلك القرن، انتشرت الصوفية انتشارا كبيرا وبلغت حجما مزعجا بالنسبة للاعتدال الذى كان سائدا. ففى المغرب، كان للصوفية مكانة فى دولة المرابطين بالرغم من الفتاوى التى صدرت تدين وتلعن أعمال الغزالى (المتوفى عام ٥٠٥ هـ/ ١١١١ م)، بل إنها ازدهرت فى دولة الموحدين، أما فى الأندلس، حيث لم يكن هناك تسامح، فقد تمتعت الصوفية بفترة نفوذ قصيرة فى زمان ابن مسرة (المتوفى عام ٣١٩ هـ/ ٩٣١ م) وتلاميذه.
من الصوفية المالكية أبو القاسم الشبلى (توفى فى بغداد عام ٣٣٤ هـ/ ٩٤٥ م) وأبو عثمان ابن سلامى المغربى (توفى فى نيسابور عام ٣٧٣ هـ/ ٩٨٣ م)، وبعد الغزالى، انتصرت الصوفية على يدى عبد القادر الجيلى الحنبلى (المتوفى عام ٥٦١ هـ/ ١١٦٦ م) الذى انتشرت مدرسته انتشارا كبيرا فى الشرق والغرب الإسلاميين. ونشر أبو مدين الأندلسى مذهبه فى المغرب وكان من
стр. 8851
تلاميذه عبد السلام بن مشيش (المتوفى عام ٦٢٤ هـ/ ١٢٢٧ م) شيخ الشاذلى (المتوفى عام ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م) الذى تعلم فى إفريقيا ومصر وله مريدون كثيرون فى سوريا والحجاز، ومنذ ذلك الوقت دخل كثير من المالكية فى التصوف، وفى سوريا تأسست جماعة كبيرة حول ابن العربى أعظم صوفيى الأندلس وبنيت الزوايا لأتباعه، ومن الصوفية المالكية أيضا محمد بن أحمد البساطى (المتوفى عام ٨٤٢ هـ/ ١٤٣٨ م)، القاضى المالكى وشيخ الصوفية فى القاهرة وعلى بن محمد القرشى (المتوفى بالإسكندرية عام ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٥ م)، ومنهم ذو النون المصرى الصوفى المصرى الشهير الذى أدخل المعرفة إلى طريقته، وهو محرر نسخة من الموطأ.
الطبقات والمصادر الأخرى للمالكية وأتباعها . بالرغم من أن أول كتاب فى طبقات المالكية كان لابن أبى دليم (المتوفى عام ٣٥١ هـ/ ٩٦٢ م) بعنوان كتاب الطبقات فيمن يروى عن مالك وأتباعهم من أهل الأمصار، إلا أنه لا يعتبر العمل الأساسى سواء بالنسبة للطبقات أو تاريخ المذهب، أما العمل الأساسى فهو الثانى فى ترتيب الظهور وهو كتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضى عياض (المتوفى عام ٥٤٤ هـ/ ١١٤٩ م)، وترجع أهمية هذا المرجع إلى أنه يحتوى على دراسة مطولة لحياة مالك وأعماله ونشوء مذهبه وأسباب انتشاره قبل دراسة الإنتشار نفسه، وذلك بالإضافة إلى سيرة علماء المالكية فى الشرق والغرب الإسلاميين، ويتضمن كتاب ابن فرحون الأندلسى (المتوفى عام ٧٩٩ هـ/ ١٣٩٦ م) المسمى الديباج المذهب فى معرفة أعيان علماء المذهب سير علماء المالكية الذين عاشوا بعد عياض حتى نهاية القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى.
ألف السخاوى الشافعى (المتوفى عام ٧٨٠ هـ/ ١٢٧٨ م) كتاب طبقات المالكية ويعتمد فيه على حوالى عشرين مرجعا مذكورين فى الخاتمة. هناك أيضا كتابان فى الطبقات على كتاب
стр. 8852
الديباج لابن فرحون هما نيل الابتهاج بتطريز الديباج لأحمد بابا (المتوفى عام ١٠٣٢ هـ/ ١٦٢٢ م) المطبوع على حاشية الديباج وكتاب توشيح الديباج للقراضى (المتوفى عام ١٠٠٨ هـ/ ١٦٠٠ م). والكتاب الأخير فى طبقات المالكية هو كتاب شجرة النور الزكية فى طبقات المالكية لمحمد مخلوف التونسى الذى عاش فى بداية القرن العشرين، وقد نشر هذا الكتاب فى القاهرة عام ١٩٣١ م وهو اكمل المصادر لأنه يتضمن سيرة النبى [ ﷺ ] والصحابة والتابعين والفقهاء البارزين فى الحجاز والعراق ومصر والمغرب والأندلس وينتهى بالشيوخ الذين تلقى المؤلف العلم عليهم عام ١٩٢٢ م.
٢ - انتشار المذهب:
فى الشرق الإسلامى: أخذ تلاميذ مالك على عاتقهم مهمة نشر مذهبه فى الشرق والغرب الإسلاميين أثناء حياته ويخبرنا القاضى عياض فى ترتيب المدارك أن المركز الثانى للمالكية بعد المدينة كان فى مصر فى الإسكندرية وذلك عن طريق عثمان بن عبد الحكم (المتوفى عام ١٦٣ هـ/ ٧٧٩ م) وسعيد بن عبد اللَّه المعافرى الذى أدخل المذهب المالكى إلى الإسكندرية وابن القاسم الذى عاش طويلا فى المدينة وكان من المقربين لمالك وعن طريقه اكتسب المذهب المالكى نفوذه فى المغرب والأندلس. وبعد وفاته عام ١٩١ هـ/ ٨٠٦ م، خلفه عبد اللَّه بن وهب (المتوفى عام ١٩٧ هـ/ ٨١٢ م) فى رئاسة المذهب فى مصر. وقد نجح هؤلاء الفقهاء فى زرع المذهب المالكى فى مصر بالرغم من الصعوبات التى نشأت من وجود المذهب الشافعى. والآن يسود المذهب الشافعى فى مصر ولكن المذهب المالكى منتشر فى الصعيد.
فى كتاب رفع الإصر عن قضاة مصر، طبعة القاهرة ١٩٥٧ م، يذكر ابن حجر العسقلانى (المتوفى عام ٨٥٢ هـ/ ١٤٤٩ م) قائمة لقضاة مصر المالكية منذ إنشاء المنصب إلى منتصف
стр. 8853
القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى، ويذكر القلقشندى فى صبح الأَعشى، الجزء السابع، كيف كان المماليك يخاطبون المالكية.
وفى العراق، انتشر المذهب فى منطقة البصرة على يدى عبد الرحمن الكعنبى (المتوفى عام ٢٢١/ ٨٣٥) المدنى الأصل، ومن أهم الشخصيات البارزة فى المدرسة العراقية القاضى اسماعيل بن اسحق الذى لا يضارع فى تمثيل الإجتهاد المالكى فى زمانه من خلال نشاطه الفقهى والسياسى. ومن الشخصيات الشهيرة الأخرى فى المدرسة العراقية أبو بكر الباقلانى أو الأبهرى الذى نشر المذهب فى خراسان وسوريا, ولكن فى بداية القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر، خرج المذهب المالكى من العراق نتيجة للأزمة التى سببتها الحركة الشافعية. وفى خراسان لم يعمد المذهب طويلا أمام منافسة النظريات الجديدة.
أما فى سوريا، فبعد بداية واعدة، لم ينجح المذهب المالكى فى أن يحل محل مذهب الأوزاعى ولم يستمر فيها. وفى اليمن صمد لفترة تزيد على القرن، ولكن حل المذهب الشافعى محله.
أما فى المدينة، فبعد وفاة التلاميذ الأوائل للإمام مالك، فقد ضاع كل أثر لهذه المدرسة، فيما عدا بعض العلماء المالكية الذين ظهروا قبل العصر الفاطمى نذكر منهم عبد العزيز بن أبى حازم ومحمد بن دينار الجهينى (المتوفى عام ١٨٢ هـ/ ٧٩٨ م) وعبد الملك الماجشون (المتوفى عام ٢١٣ هـ/ ٨٢٨ م)، ولكن عادت المالكية إلى المدينة بعد انتصار المذهب السنى فى القرن الثامن/ الرابع عشر.
والآن، للمذهب الشافعى نفوذ فى الحجاز وهذا لا يمنع وجود مراكز مالكية فى المدينة وفى الإمارات العربية المتحدة هناك جماعة مالكية.
الغرب الإسلامى: شمال افريقيا. كان أسد بن الفرات هو الذى أدخل المالكية إلى شمال افريقيا، كما كان سحنون هو الذى رسخ قواعده كمذهب رسمى. ومنذ ذلك الوقت سادت المغرب
стр. 8854
مالكية شديدة الصرامة، وبخاصة فى إفريقية تحت حكم أسرة الأغالبة. واستمر ذلك حتى وصول الفاطميين (٢٩٨ هـ/ ٩١٠ م) ممثلى المذهب الشيعى مما اثار علماء المالكية فى القيروان فقاوموا المذهب الشيعى ولكن المذهب المالكى لم يستقر بشكل نهائى فى المغرب إلا بعد طرد الفاطميين من إفريقية عام ٤٤٠ هـ/ ١٠٤٨ م.
وقد أتى هذا المذهب أحيانا فى توقف الإجتهاد فى مقابل الاهتمام بكتب الفروع. وأيد حكام المرابطين هذا الوضع وشجعوا الفقهاء على الإهتمام إلى أقصى درجة بكتب الفروع. وقد أدان الغزالى فى إحياء علوم الدين هذا الإتجاه.
وقد ذهب ابن تومرت إلى أبعد مما ذهب إليه الغزالى، فقد أعلن الحرب على المرابطين متأثرا بمبادئ الغزالى، وعين نفسه حكما على الأخلاقيات وأطلق على نفسه لقب المهدى قد بعث المذهب المالكى فى شمال إفريقيا مرة أخرى على يدى الحفصيين فى افريقية ويمكن تفسير نجاح المذهب المالكى فى شمال إفريقيا بالرجوع إلى نظرية ابن خلدون (المتوفى عام ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٦ م)، فهو يرى أن الثقافة البدوية هى السبب فى غلبة هذه المدرسة فى الغرب الإسلامى، فالمالكية مخلصة للحديث معادية للتفسيرات العقلية ولذلك كانت مناسبة تمامًا لعقلية البربر المغاربة الذين كانوا يرفضون أى فكرة إلا إذا كانت مستمدة من حديث. وهذا أيضًا هو السبب فى أن المالكية المغربية أكثر تشددًا من مالكية الشرق التى لم ترفض الاجتهاد. والآن يسود المذهب المالكى فى مراكش والجزائر وتونس وليبيا بالإضافة إلى التجمعات الإباضية والحنفية فى البلاد الثلاثة الأخيرة. وهو المذهب الوحيد فى موريتانيا التى هيئت، لقرون طويلة، لتقبله.
الأندلس: دخل المذهب المالكى الأندلس فى نهاية القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى وحل محل مذهب الأوزاعى، وكان الذين نقلوا إلى الأندلس معتقدات إمام المدينة علماء من الأندلس تلقوا العلم عن مالك
стр. 8855
نفسه أو تلاميذه، أفضلهم زياد بن عبد الحكم ويحيى بن يحيى الليثى ويحيى بن مضر وعيسى بن دينار، وكانت هذه الطبقة من العلماء نواة لأرستقراطية دينية كانت لها قوتها طوال فترة الحكم الأموى كما جعلت المذهب المالكى هو المذهب الرسمى الوحيد فى الأندلس وقد تزامنت هذه الأوضاع التى استمرت حوالى قرنين مع وجود ناقلى مذهب الإمام مالك والسنة المدنية وشروح الموطأ وتصنيف الأجوبة. لهذا تميزت المالكية الأندلسية بالتشدد العنيد المرتبط بدراسة كتب الفروع وقد أدى سقوط الخلافة الأموية ثم ظهور ملوك الطوائف فى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى ثم سيطرة الموحدين إلى انتهاء سيادة علوم الفروع. كما شجعت اللامركزية السياسية على حدوث تجديد اجتماعى ثقافى على أيدى أمثال ابن عبد البر (المتوفى عام ٤٦٣ هـ/ ١٠٧٠ م) والباجى (المتوفى عام ٤٧٤ هـ/ ١٠٨١ م) وابن حزم (المتوفى عام ٤٥٦ هـ/ ١٠٦٣ م) الفقيه الظاهرى الذى عارض المذهب المالكى والحديث وأصول الفقه، وصار الهجوم العنيف على المناهج الفقهية (الجدل) هو سمة العصر وقد استمرت طبقة الفقهاء فى وضعها المميز حتى آخر أيام ملوك الطوائف وبالذات فى غرناطة.
أفريقيا وبلاد السودان: انتشر الإسلام فى السودان فى مرحلة مبكرة عن طريق النوبة إلا أنه لم يصل إلى
دار فور عن طريق القبائل العربية إلا فى القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى، وأصبح تقدم الإسلام فى السودان واضحًا فى نهاية القرن الثالث عشر الهجرى/ التاسع عشر الميلادى بتأثير محمد أحمد المهدى، والآن يتبع أغلب مسلمى السودان المذهب المالكى ويرجعون إلى مختصر الخليل. وانتشر الإسلام حتى وصل كانم Kanem فى القرن الخامس/ الحادى عشر واستقر حول بحيرة تشاد ابتداء من القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى.
وفى غريب أفريقيا، دخل المذهب المالكى مع غزو المرابطين لتكرور
стр. 8856
(فوتاتورو) وعن طريق القبائل التى كانت تتبع غانا، وفى نهاية القرن الخامس/ الحادى عشر، بسط الإسلام نفوذه فى ساحل الذهب، وصارت تمبكتو العاصمة الإسلامية للسودان الغربى (غرب أفريقيا) فى القرن الثامن/ الرابع عشر، واستمر نفوذها إلى أن غزت مراكش مملكة سنغى Songhay عام ١٠٠٠/ ١٥٩١، وفى القرن الثانى عشر الهجرى/ الثامن عشر والثالث عشر الهجرى/ التاسع عشر تأسست حكومات دينية فى فوتا جالون وفوتاتورو وذلك بعد انتصار مسلمو توكولور Toucoleur على البيول Peul. واعلن عثمان وإن فوديو التكرورى الجهاد وأسس امبراطورية سوكوتو عام ١٢٠٧ هـ/ ١٨٠٢ م. وأدخل سيكو حمادو بارى Seku Hamadu Bari البيولى Peul الإسلامى إلى مسينا Masina عام ١٢٢٥ هـ/ ١٨١٠ م وفى عام ١٢٣٦ هـ/ ١٨٢٠ م أعلن الحاج عمر التوكولورى نفسه خليفة تيجانى للسودان الغربى، وقامت امبراطورية كبيرة دينها الرسمى الإسلام، ويوجد المسلمون المالكيون الآن فى السنغال ومالى والنيجر وتوجو وتشاد ونيجريا.
المصادر:
(١) مالك بن أنس: كتاب الموطأ، القاهرة ١٩٥١ م.
(٢) سحنون: المدونة الكبرى, القاهرة ١٩٠٥ م.
(٣) القرافى: تنقيح الفصول فى الأصول، تونس ١٩٢١ م.
(٤) القرافى: كتاب الفروق، القاهرة ١٩٢٥ م.
(٥) أحمد باشا تيمور: نظرة تاريخية فى حدوث المذاهب الأربعة، القاهرة ١٨٤٤ م.
(٦) الخشنى: كتاب طبقات علماء افريقيا، القاهرة ١٩٦٦ م.
(٧) Levi-Provencal: Le malikisme andalou, RIEEI, et les apports doctrinaux de l'Orient العدد ١ (١٩٥٣ م).
حسين أحمد عيسى [ن. كوتارت N. Cottart]
стр. 8857
مالى
هى إحدى ممالك القرون الوسطى الواقعة فى غرب القارة الافريقية وجمهورية مالى الحالية سميت على اسم هذه المملكة الوسيطة، سيطرت مملكة مالى الوسيطة على جميع مقاطعات مالى الحالية فى القرن الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، بل وامتدت لتشمل كل المناطق التى تضمها الآن جمهورية السنغال وجمبيا والنيجر.
كانت المالينكى هى الجماعة العرقية الغالبة فى مالى الوسيطة، وعرفت هذه الجماعات أيضًا باسم ماندينكا Mandinka وهى من ضمن مجموعة الشعوب الناطقة بلغة الماندى.
عرف تاريخ مملكة مالى الوسيطة من المصادر العربية المدونة ومن المرويات الشفهية حيث يقدم لنا المصدران وجهتى نظر مختلفة، إلا أنهما متممان لبعضهما البعض، إذ تظهر المرويات الشفهية الروح الافريقية بينما تؤكد المصادر العربية على الجوانب الإسلامية.
ويصف البكرى عام ١٠٦٧ م/ ٤٦٠ هـ دولة مالال Malal ذات الزعامة القبلية وسط محيط من الفوضى والشعوب غير المنظمة، ويرجع التفوق النسبى لشعب المالال إلى اعتناق زعيمه الإسلام بعد قدوم زائر حدث أن صلى صلاة الاستسقاء فنزل المطر فعلا مما أنقذ البلاد من جفاف شديد ولا بد أن مالال التى وصفها البكرى كانت فى وقت من الأوقات مقسمة إلى زعامات محلية (غير موحدة) وأنها وفقا للمرويات الشفهية قد ظهرت بين شعب المالينكى.
خلال القرنين الحادى عشر والثانى عشر الميلادى وقد وصل المسلمون لهذه المنطقة من أعالى نهر النيجر وهم فى طريقهم إلى مدينة بورنى Burne حيث مناجم الذهب الذى بدأ اكتشافه فى حوالى ذلك الوقت خلفت مالى (الوسيطة غانه الوسيطة أيضًا) كقوة مسيطرة فى السودان الغربى (غريب افريقيا) ولكن بين بزوغ نجم مالى وضعف غانه فى أواخر القرن الثانى عشر الميلادى، قامت جماعة السوسو
стр. 8858
Susu الجنوبية وهم فرع من السوفنكى بغزو مناطق إلى الشمال (غانه) والى الجنوب (دويلات المالينكة).
أظهرت جماعة السوسو رد فعل تقليدى تجاه الإسلام الذى أصبح آنذاك عاملا فعالا يؤثر فى بعض الزعامات القبلية, وقد قاد سنجاتا Sunjata حربا لتحرير المالينكى من حكم السوسو، واعترفت كل القوى بسنجاتا كزعيم لشعوب المالينكى ولقب بمنسا Mansa.
وتوسعت مملكة مالى الجديدة شمالا نحومنطقة السهول فى النصف الأول من القرن الثالث عشر بعد الانتصار على السوسو وأصبحت التجارة عبر الصحراء الكبرى -حيث ازدهرت مجتمعات المسلمين- تنتهى جنوبا عند مالى وهكذا عمل الماليون كهمزة وصل مع العالم الإسلامى شمال الصحراء، لقد تحولت الزعامة القبلية الصغيرة المالينكى إلى مملكة متعددة الأعراق وتغلغل فيها النفوذ الإسلامى داخليًا وأرتبطت بمصالح مع العالم الإسلامى وروابط إسلامية مع العالم الخارجى فاعتنق حكام مالى الإسلام وتبنوا سياسة إسلامية شرقية.
وسع منسا والى Mansa uli أو اولى ابن مؤسس مالى فتوحات أبيه وأمن حدود مالى الشمالية فى الصحراء الكبرى مما أتاح له فرصة الحج إلى مكة مارًا بالقاهرة خلال حكم السلطان الظاهر بيبرس (٦٥٨ - ٦٧٦ هـ/ ١٢٦٠ - ١٢٧٧ م) كما سجل ابن خلدون الذى ندين له بتدوين رائع لتاريخ ملوك مالى فى القرنين الثالث عشر والرابع عشر رحلة حج الحاكم ساكورا Sakura خلال فترة الحكم الثانية للسلطان الملك الناصر بن قلاوون ٦٩٨ - ٧٠٨ هـ/ ١٢٩٩ - ١٣٠٩ م ولكن أكثر هؤلاء الحكام شهرة من الحجاج الملكيين هو منسا موسى الذى زار القاهرة عام ١٣٢٤ م/ ٧٢٤ هـ ورسخت زيارات هؤلاء الملوك لشمال افريقيا ومصر ومكة شهرة مالى (ويشار لها غالبًا فى التاريخ المصرى باسم تكرور) كمملكة غنية بالذهب وأصبحت الروابط الدينية والحضارية والتجارية بين مصر ومالى
стр. 8859
أكثر قوة. وفى داخل مالى كان الجميع -مسلمون وغير مسلمين- ينظرون للحجاج المسلمين بتوقير وقداسة، كما كان الحج من الأمور التى تدعم سلطان حاكم مالى وساعد أداء فريضة الحج وزيارة أراضى الإسلام الرئيسية على تنبيه الحكام إلى يسر الدين الإسلامى، كما سعى منسا موسى إلى مزيد من السياسة الإسلامية النشطة بعد عودته من الحج، فبنى المساجد وأرسل العلماء للدراسة فى الخارج (فى فاس). وفى عام ٧٤٧ هـ/ ١٣٣٧ م بدأ منسا موسى تبادل السفراء والمنح مع السلطان المغربى "أبو الحسن على" المرينى واستمرت هذه العلاقات الطيبة فى عهد خلفائهما حتى ٧٦٢ هـ/ ١٣٦٠ م.
زار مالى عام ٧٥٣ - ٧٥٤ هـ/ ١٣٥٢ - ١٣٥٣ م الرحالة المغربى ابن بطوطة خلال حكم منسا سليمان أخو منسا موسى وقابل سكانا مغاربة فى العديد من مدن مالى ويظهر وصف ابن بطوطة أن الإسلام غدًا دينًا قويًا فى مالى وذكر أن حضور الملك لصلاة العيدين فى موكب رسمى تجذب غير المسلمين أيضًا.
كل هذا مع بقاء عناصر من السكان على الوثنية وقد شجب ابن بطوطة ذلك كما شجب عادات جاهلية أخرى فى بلاط ملك مالى، ولكن كانت له أيضًا كلمات إطراء لخشوع المسلمين الماليين فى الصلاة وخاصة صلاة الجمعة واهتمامهم بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب. وكانت للشعائر الإسلامية أهمية أكثر من الأمور التشريعية، فلم يتبع تعاليم الشريعة سوى السكان الأجانب وبعض التجار المحليين ورجال الدين.
تغلغل الإسلام فى المجتمعات الإفريقية عن طريق بلاط الحكام، وكان الإسلام قويًا ولعلمائه شأن خاصة فى المدن الإسلامية المحضة والمراكز التجارية فى المقام الأول، واحترمت ملوك مالى استقلال هذه المدن التى كانت مدينة تمبكتو أهمها جميعا.
وتحولت تمبكتو إلى مدينة تجارية ومركزا حضاريًا إسلاميًا مهما منذ القرن الرابع عشر الميلادى، ونشأت
стр. 8860
هذه البلدة كمكان للمعسكرات الصيفية ومركزًا تجاريًا للطوارق.
ومع بداية القرن الخامس عشر الميلادى امتلأت تمبكتو بالفقهاء من مختلف أنحاء غريب أفريقيا، ومن علماء تمبكتو البارزين موديبو محمد Modiba Mohammed الذى أتى من مدينة كابور Kabor المطلة على نهر النيجر جنوب تمبكتو. وذكر ابن بطوطة هذه المدينة جنبًا إلى جنب مع مدينة دياغا Diagha التى كان أهلها مسلمين يسهل التعرف عليهم من تقواهم وبحثهم الدائم عن المعرفة.
ضعفت مالى أواخر القرن الرابع عشر الميلادى بسبب المتنافسين على خلافة الحكم مما أفقدها السيطرة على المقاطعات فى مناطق السهول وفى عام ٨٣٧ هـ/ ١٤٣٣ - ١٤٣٤ م إنتقلت تمبكتو إلى أيدى الطوارق، فقد شجع الفراغ السياسى الذى نتج عن إنهيار مالى إلى توسع مملكة سنغى (صنغى) Songhay التى ظهرت غرب النيجر. وواكب سيطرة سنغى على المنطقة الشمالية لجمهورية مالى الحالية فى النصف الثانى من القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر الميلادى أشهر مراحل التاريخ الفكرى والاقتصادى لمدينة تمبكتو، وأعيد ترتيب تاريخ سنغى من الرسائل الشخصية لأحمد بابا ١٠٣٦ هـ/ ١٦٢٧ م, ومن تاريخ تمبكتو فى منتصف القرن السابع عشر، وتاريخ السودان للسعدى وتاريخ الفتاش لابن المختار.
كانت جنى Djenne التى ربطها نهر النيجر مع مدينة تمبكتو مركزًا تجاريًا واسلاميًا لبلاد السودان الغربى. وعن مستوى التعليم الإسلامى فى جنى يمكننا معرفة ذلك من خلال السيرة الذاتية لاثنين من أبنائها وهم محمد وأحمد باغيوغو اللذين انتقلا لتمبكتو وأصبحا من علمائها البارزين. وهناك أيضًا التجار المسلمون من الديولا والماركا الذين وسعوا نشاطهم جنوبًا حتى النطاق الغابى ونقلوا معهم تعاليم الدين الإسلامى.
وامتدت إمبراطورية سنغى على طول نهر النيجر حتى مدينة جنى فى الجنوب وتقلصت مالى إلى مدن