← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

(فوتاتورو) وعن طريق القبائل التى كانت تتبع غانا، وفى نهاية القرن الخامس/ الحادى عشر، بسط الإسلام نفوذه فى ساحل الذهب، وصارت تمبكتو العاصمة الإسلامية للسودان الغربى (غرب أفريقيا) فى القرن الثامن/ الرابع عشر، واستمر نفوذها إلى أن غزت مراكش مملكة سنغى Songhay عام ١٠٠٠/ ١٥٩١، وفى القرن الثانى عشر الهجرى/ الثامن عشر والثالث عشر الهجرى/ التاسع عشر تأسست حكومات دينية فى فوتا جالون وفوتاتورو وذلك بعد انتصار مسلمو توكولور Toucoleur على البيول Peul. واعلن عثمان وإن فوديو التكرورى الجهاد وأسس امبراطورية سوكوتو عام ١٢٠٧ هـ/ ١٨٠٢ م. وأدخل سيكو حمادو بارى Seku Hamadu Bari البيولى Peul الإسلامى إلى مسينا Masina عام ١٢٢٥ هـ/ ١٨١٠ م وفى عام ١٢٣٦ هـ/ ١٨٢٠ م أعلن الحاج عمر التوكولورى نفسه خليفة تيجانى للسودان الغربى، وقامت امبراطورية كبيرة دينها الرسمى الإسلام، ويوجد المسلمون المالكيون الآن فى السنغال ومالى والنيجر وتوجو وتشاد ونيجريا. المصادر: (١) مالك بن أنس: كتاب الموطأ، القاهرة ١٩٥١ م. (٢) سحنون: المدونة الكبرى, القاهرة ١٩٠٥ م. (٣) القرافى: تنقيح الفصول فى الأصول، تونس ١٩٢١ م. (٤) القرافى: كتاب الفروق، القاهرة ١٩٢٥ م. (٥) أحمد باشا تيمور: نظرة تاريخية فى حدوث المذاهب الأربعة، القاهرة ١٨٤٤ م. (٦) الخشنى: كتاب طبقات علماء افريقيا، القاهرة ١٩٦٦ م. (٧) Levi-Provencal: Le malikisme andalou, RIEEI, et les apports doctrinaux de l'Orient العدد ١ (١٩٥٣ م). حسين أحمد عيسى [ن. كوتارت N. Cottart]

стр. 8857

مالى هى إحدى ممالك القرون الوسطى الواقعة فى غرب القارة الافريقية وجمهورية مالى الحالية سميت على اسم هذه المملكة الوسيطة، سيطرت مملكة مالى الوسيطة على جميع مقاطعات مالى الحالية فى القرن الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، بل وامتدت لتشمل كل المناطق التى تضمها الآن جمهورية السنغال وجمبيا والنيجر. كانت المالينكى هى الجماعة العرقية الغالبة فى مالى الوسيطة، وعرفت هذه الجماعات أيضًا باسم ماندينكا Mandinka وهى من ضمن مجموعة الشعوب الناطقة بلغة الماندى. عرف تاريخ مملكة مالى الوسيطة من المصادر العربية المدونة ومن المرويات الشفهية حيث يقدم لنا المصدران وجهتى نظر مختلفة، إلا أنهما متممان لبعضهما البعض، إذ تظهر المرويات الشفهية الروح الافريقية بينما تؤكد المصادر العربية على الجوانب الإسلامية. ويصف البكرى عام ١٠٦٧ م/ ٤٦٠ هـ دولة مالال Malal ذات الزعامة القبلية وسط محيط من الفوضى والشعوب غير المنظمة، ويرجع التفوق النسبى لشعب المالال إلى اعتناق زعيمه الإسلام بعد قدوم زائر حدث أن صلى صلاة الاستسقاء فنزل المطر فعلا مما أنقذ البلاد من جفاف شديد ولا بد أن مالال التى وصفها البكرى كانت فى وقت من الأوقات مقسمة إلى زعامات محلية (غير موحدة) وأنها وفقا للمرويات الشفهية قد ظهرت بين شعب المالينكى. خلال القرنين الحادى عشر والثانى عشر الميلادى وقد وصل المسلمون لهذه المنطقة من أعالى نهر النيجر وهم فى طريقهم إلى مدينة بورنى Burne حيث مناجم الذهب الذى بدأ اكتشافه فى حوالى ذلك الوقت خلفت مالى (الوسيطة غانه الوسيطة أيضًا) كقوة مسيطرة فى السودان الغربى (غريب افريقيا) ولكن بين بزوغ نجم مالى وضعف غانه فى أواخر القرن الثانى عشر الميلادى، قامت جماعة السوسو

стр. 8858

Susu الجنوبية وهم فرع من السوفنكى بغزو مناطق إلى الشمال (غانه) والى الجنوب (دويلات المالينكة). أظهرت جماعة السوسو رد فعل تقليدى تجاه الإسلام الذى أصبح آنذاك عاملا فعالا يؤثر فى بعض الزعامات القبلية, وقد قاد سنجاتا Sunjata حربا لتحرير المالينكى من حكم السوسو، واعترفت كل القوى بسنجاتا كزعيم لشعوب المالينكى ولقب بمنسا Mansa. وتوسعت مملكة مالى الجديدة شمالا نحومنطقة السهول فى النصف الأول من القرن الثالث عشر بعد الانتصار على السوسو وأصبحت التجارة عبر الصحراء الكبرى -حيث ازدهرت مجتمعات المسلمين- تنتهى جنوبا عند مالى وهكذا عمل الماليون كهمزة وصل مع العالم الإسلامى شمال الصحراء، لقد تحولت الزعامة القبلية الصغيرة المالينكى إلى مملكة متعددة الأعراق وتغلغل فيها النفوذ الإسلامى داخليًا وأرتبطت بمصالح مع العالم الإسلامى وروابط إسلامية مع العالم الخارجى فاعتنق حكام مالى الإسلام وتبنوا سياسة إسلامية شرقية. وسع منسا والى Mansa uli أو اولى ابن مؤسس مالى فتوحات أبيه وأمن حدود مالى الشمالية فى الصحراء الكبرى مما أتاح له فرصة الحج إلى مكة مارًا بالقاهرة خلال حكم السلطان الظاهر بيبرس (٦٥٨ - ٦٧٦ هـ/ ١٢٦٠ - ١٢٧٧ م) كما سجل ابن خلدون الذى ندين له بتدوين رائع لتاريخ ملوك مالى فى القرنين الثالث عشر والرابع عشر رحلة حج الحاكم ساكورا Sakura خلال فترة الحكم الثانية للسلطان الملك الناصر بن قلاوون ٦٩٨ - ٧٠٨ هـ/ ١٢٩٩ - ١٣٠٩ م ولكن أكثر هؤلاء الحكام شهرة من الحجاج الملكيين هو منسا موسى الذى زار القاهرة عام ١٣٢٤ م/ ٧٢٤ هـ ورسخت زيارات هؤلاء الملوك لشمال افريقيا ومصر ومكة شهرة مالى (ويشار لها غالبًا فى التاريخ المصرى باسم تكرور) كمملكة غنية بالذهب وأصبحت الروابط الدينية والحضارية والتجارية بين مصر ومالى

стр. 8859

أكثر قوة. وفى داخل مالى كان الجميع -مسلمون وغير مسلمين- ينظرون للحجاج المسلمين بتوقير وقداسة، كما كان الحج من الأمور التى تدعم سلطان حاكم مالى وساعد أداء فريضة الحج وزيارة أراضى الإسلام الرئيسية على تنبيه الحكام إلى يسر الدين الإسلامى، كما سعى منسا موسى إلى مزيد من السياسة الإسلامية النشطة بعد عودته من الحج، فبنى المساجد وأرسل العلماء للدراسة فى الخارج (فى فاس). وفى عام ٧٤٧ هـ/ ١٣٣٧ م بدأ منسا موسى تبادل السفراء والمنح مع السلطان المغربى "أبو الحسن على" المرينى واستمرت هذه العلاقات الطيبة فى عهد خلفائهما حتى ٧٦٢ هـ/ ١٣٦٠ م. زار مالى عام ٧٥٣ - ٧٥٤ هـ/ ١٣٥٢ - ١٣٥٣ م الرحالة المغربى ابن بطوطة خلال حكم منسا سليمان أخو منسا موسى وقابل سكانا مغاربة فى العديد من مدن مالى ويظهر وصف ابن بطوطة أن الإسلام غدًا دينًا قويًا فى مالى وذكر أن حضور الملك لصلاة العيدين فى موكب رسمى تجذب غير المسلمين أيضًا. كل هذا مع بقاء عناصر من السكان على الوثنية وقد شجب ابن بطوطة ذلك كما شجب عادات جاهلية أخرى فى بلاط ملك مالى، ولكن كانت له أيضًا كلمات إطراء لخشوع المسلمين الماليين فى الصلاة وخاصة صلاة الجمعة واهتمامهم بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب. وكانت للشعائر الإسلامية أهمية أكثر من الأمور التشريعية، فلم يتبع تعاليم الشريعة سوى السكان الأجانب وبعض التجار المحليين ورجال الدين. تغلغل الإسلام فى المجتمعات الإفريقية عن طريق بلاط الحكام، وكان الإسلام قويًا ولعلمائه شأن خاصة فى المدن الإسلامية المحضة والمراكز التجارية فى المقام الأول، واحترمت ملوك مالى استقلال هذه المدن التى كانت مدينة تمبكتو أهمها جميعا. وتحولت تمبكتو إلى مدينة تجارية ومركزا حضاريًا إسلاميًا مهما منذ القرن الرابع عشر الميلادى، ونشأت

стр. 8860

هذه البلدة كمكان للمعسكرات الصيفية ومركزًا تجاريًا للطوارق. ومع بداية القرن الخامس عشر الميلادى امتلأت تمبكتو بالفقهاء من مختلف أنحاء غريب أفريقيا، ومن علماء تمبكتو البارزين موديبو محمد Modiba Mohammed الذى أتى من مدينة كابور Kabor المطلة على نهر النيجر جنوب تمبكتو. وذكر ابن بطوطة هذه المدينة جنبًا إلى جنب مع مدينة دياغا Diagha التى كان أهلها مسلمين يسهل التعرف عليهم من تقواهم وبحثهم الدائم عن المعرفة. ضعفت مالى أواخر القرن الرابع عشر الميلادى بسبب المتنافسين على خلافة الحكم مما أفقدها السيطرة على المقاطعات فى مناطق السهول وفى عام ٨٣٧ هـ/ ١٤٣٣ - ١٤٣٤ م إنتقلت تمبكتو إلى أيدى الطوارق، فقد شجع الفراغ السياسى الذى نتج عن إنهيار مالى إلى توسع مملكة سنغى (صنغى) Songhay التى ظهرت غرب النيجر. وواكب سيطرة سنغى على المنطقة الشمالية لجمهورية مالى الحالية فى النصف الثانى من القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر الميلادى أشهر مراحل التاريخ الفكرى والاقتصادى لمدينة تمبكتو، وأعيد ترتيب تاريخ سنغى من الرسائل الشخصية لأحمد بابا ١٠٣٦ هـ/ ١٦٢٧ م, ومن تاريخ تمبكتو فى منتصف القرن السابع عشر، وتاريخ السودان للسعدى وتاريخ الفتاش لابن المختار. كانت جنى Djenne التى ربطها نهر النيجر مع مدينة تمبكتو مركزًا تجاريًا واسلاميًا لبلاد السودان الغربى. وعن مستوى التعليم الإسلامى فى جنى يمكننا معرفة ذلك من خلال السيرة الذاتية لاثنين من أبنائها وهم محمد وأحمد باغيوغو اللذين انتقلا لتمبكتو وأصبحا من علمائها البارزين. وهناك أيضًا التجار المسلمون من الديولا والماركا الذين وسعوا نشاطهم جنوبًا حتى النطاق الغابى ونقلوا معهم تعاليم الدين الإسلامى. وامتدت إمبراطورية سنغى على طول نهر النيجر حتى مدينة جنى فى الجنوب وتقلصت مالى إلى مدن

стр. 8861

المالكينكى الرئيسية ولكنها استمرت فى شن الهجمات حتى بداية القرن السابع عشر الميلادى، وكانت نيانى Niani عاصمة مالى تقع على نهر سنكارانى Sankarani أحد روافد أعالى نهر النيجر (فى غينيا حاليًا). مكثت مالى لفترة تعد أطول من القوتين الأخريين بالسودان الغربى (غريب أفريقيا) وهما غانه وسنغى بسبب عمق جذورهما السياسية والعرقية فى إقليم السافانا، فكانت مراكز كليهما تقع فى السهل الشمالى مما جعلها عرضة لأى تدخل خارجى كما حدث أيام المرابطين فى القرن الحادى عشر الميلادى والمغاربة أواخر القرن السادس عشر الميلادى. وفى عام ١٥٩١ م أرسلت حملة مغربية مؤلفة من قوة عسكرية بقيادة السلطان أحمد المنصور الذى هزم جيش سنغى لتفوق حملته فى الأسلحة النارية وبمساعدة جاو Gao وتمبكتو وجنى. وأصبحت تمبكتو عاصمة بشلق ولكنها سرعان ما استقلت فعليًا عن المغرب وحكمتها طبقة عسكرية مؤلفة من أبناء الغزاة المغاربة والمعروفين باسم الرماة أو أرما، وقد ظل البشلق موجودا بالفعل حتى بداية القرن التاسع عشر الميلادى، ثم ضعفت مالى لتصبح مملكة محدودة الأهمية خلال القرن الخامس عشر والسادس عشر الميلادى، ولكن البرتغاليين الذين وصلوا إلى غمبيا حينذاك كانوا على دراية تامة بقوة حاكم مالى داخليا والذى امتد نفوذه حتى الساحل الاطلنطى، وساعدت هجرة مقاتلى المالينكى والفلاحين والتجار إلى غمبيا على توسع مالى غربًا. وفى عام ١٦٢١ م أبحر الرحالة البريطانى جوبسون Jobson إلى أعالى نهر غمبيا وقابل العديد من التجار المسلمين ورجال الدين الذين كانوا يتحركون بحرية بجميع الأماكن حتى فى وقت الحرب (١). وأصبح الإسلام فى مالى وسنغى جزءًا من النسيج العام على المستوى الفكرى والتنظيمى، بل وحتى الملوك العظام (الاساكى والمناسى)، الذين

стр. 8862

تعرضوا لمؤثرات إسلامية خارجية وحكموا فى مراكز التعليم الإسلامى ظلوا متعلقين بالتراث الوثنى، واقتصر الإسلام بوجهه الخالص على تجار المدن والعلماء. واستمر الحال كذلك فى القرنين السابع عشر والثامن عشر سوى أن حكام الدول الصغيرة التى ظهرت كنتيجة لتفتيت الامبراطوريات العظمى لم يكن لهم أى اتصال بالمراكز الإسلامية نظرًا لفرة الإقليمية التقليدية. وكان البمبارا Bambara وهم أحد الجماعات العرقية الأساسية فى مالى حاليًا قد ارتبطوا بقوة مع المالينكى وهم يتحدثون بلهجة مماثلة مطلقين على أنفسهم اسم بانمانا Banmana، ويدل مصطلح بمبارا على معنى الشكوكيين "الكفرة". ففى مالى القديمة كانوا بين الرعية وعامة الفلاحين الذين ليس لهم نصيب فى الحضارة الإمبراطورية التى كان الإسلام أحد دعائمها الهامة. وتلى ضعف مالى دخول البمبارا فى عملية بناء دولة بلغت ذروتها بتأسيس دولة السيجو Segu وكارتا Kaarea البمبارية فى القرن الثامن عشر الميلادى. ومع ظهور العشائر البمبارية على الساحة السياسية تولى زعماؤهم السلطة تحت النفوذ الإسلامى. واخترقت المبادئ الإسلامية حضارة البمبارا. وامتدت الحدود الشمالية لمالى الحديثة فى جنوب الصحراء الكبرى ونتج عن هذا اختلاط بالعناصر البربرية وعلى هذا فسكان مالى -مثل سكان النيجر وتشاد- يتكونون من رعاة جنوب الصحراء الكبرى وفلاحى السهول والسفانا. ولعب التوتر بين هذين القطبين دور، مهما فى الحياة السياسية لهذه الدول رغم تحديد فرنسا الاستعمارية للحدود الحالية، فالتفاعل بين الصحراء والسهل له عمق تاريخى طويل. وكان لجنوب الصحراء الكبرى أهمية استراتيجية بالنسبة لدول غريب افريقيا كمخرج لطرق التجارة الصحراوية، ومن جهة أخرى جذبت المراعى الواعدة للسهل رعاة الصحراء الجنوبية خاصة فى سنوات الجفاف. فحينما تسيطر دولة قوية على السهل (كغانا فى القرن الحادى عشر

стр. 8863

الميلادى ومالى فى القرن الرابع عشر وسنغى فى القرن السادس عشر الميلادى) فإن سلطتها تمتد حتى الطوارق فى جنوب الصحراء الكبرى ولكن تخلل تلك العصور تمركز الرعاة جنوبا، ومع ضعف قوة البشلق فى النصف الثانى من القرن السابع عشر الميلادى بدأت أكثر الغزوات حسب للطوارق لمنحنى النيجر. ولم يكن جنوب الصحراء الكبرى مجرد تهديد للسهل فحسب بل مسقط رأس القيادة الروحية والدينية. وكان أكثر العلماء سيطرة فى تمبكتو من قبيلة صنهاجة البربرية مثل أسرة أفيت Akit الشهيرة. وقد هذب من قسوة رعاة الصحراء ظهور رجال صالحين من أسر متدينة كان لمكانتهم الدينية أثر سياسى، وفى القرن الثامن عشر أسست عشيرة الكونتا Kunta وهى من أصل بربرى عربى واحدة من مراكزها فى أزود Azawad الواقعة شمال تمبكتو. وكان زعيمهم سيدى مختار الكونتى (١٧٢٨ - ١٨١١ م) قد تغلغل مع جماعة من الطوارق المحاربين واستطاع بسط نفوذه على منحنى النيجر ومدينة تمبكتو، وامتدت سلطته الدينية كزعيم لجماعة القادرية الصوفية التى انتشرت لأول مرة بصورة فعلية بين المجتمعات الإسلامية فى إقليم السافانا عن طريق أتباع سيدى المختار الكثيرين. وساهم دخول الصوفية إلى السودان الغربى (غريب أفريقيا) فى إحياء الإسلام وروح النضال التى تمخضت عنها روح الجهاد، فبدأ الشيخ أحمد وأحد أتباع القادرية فى مدينة كنتى الجهاد ضد زعماء عشيرة الفولبى Fulbe, فى ماسينا Massina التى مارست اسلامًا مشوبًا ببعض الخرافات. كما تحدى السلطة الدينية للعلماء الرسميين فى مدينة جنى لإقرارهم وجود نظام اجتماعى سياسى لا يترك إلا دورا هامشيا للإسلام، ونتج عن نجاح الشيخ أحمد عسكريًا إنشاء دولة ثيوقراطية عاصمتها مدينة حمد اللَّه الجديدة، والتى مكثت لأكثر من أربعين عامًا تحت القيادة الناجحة للشيخ أحمد وابنه وحفيده من بعده. وفى عام ١٨٦٢ م غزا مدينة حمد اللَّه ودمرها أحد المجاهدين المناوئين، وهو

стр. 8864

الحاج عمر بن سعيد الذى سد عليه الفرنسيون الطريق إلى وطنه فوتاتور Futa tora الواقعة فى السنغال الأدنى فوجه جهوده شرقًا نحو دولة البمبارا وهجم آنذاك على دولة حمد اللَّه الثيوقراطية التى لعنها لانحيازها لدولة بمبارا التى اعتبرها كافرة. ولكن خلف هذا الستار كمن صراع ضار بين جماعتين من الصوفية وهما القادرية فى مدينة حمد اللَّه والتيجانية التى يتزعمها الحاج عمر. وقدمت التيجانية نموذجا لطريقة أكثر قوة وأصولية وشعبية تتحدى به الطريقة الارستقراطية التى قامت على أساسها الطريقة القادرية، امتعض زعيم القادرية أحمد البكائى Ahmed Al Bakai " حفيد سيدى المختار الكونتى الأكبر" من العدوان الواقع على حمد اللَّه، فهب لمقاومة التهديد التيجانى للحاج عمر الذى قتل فى إحدى المعارك عام ١٨٦٤ م. حكم "أحمد" ابن الحاج عمر قرابة ثلاثين عاما فى مدينة سيجو Segu عاصمة بمبارا السالفة، وقوى سلطانه بسبب جيشه المؤلف من أتباع توكولور Tokolor ومن المجندين الإلزاميين ضد المقاومة المستمرة للجماعات العرقية الداخلية. فاستغل القواد العسكريون الفرنسيون فى تقدمهم نحو نهر النيجر الخلافات الداخلية فى الإمبراطورية التيجانية بمدينة سيجو وأوقعوا بهم الهزيمة الأخيرة عام ١٨٩٣ م. وقد رحبت الجماعات العرقية غير المسلمة بتحررها من الحكم التيجانى، وارتد كثير ممن أجبرتهم التيجانية على الدخول فى الإسلام إلى سالف عهدهم. وخلال الفترة الاستعمارية "عندما كانت جمهورية مالى الحالية معروفة باسم السودان الفرنسى" أحرز الإسلام تقدما ملحوظا بين أغلب الجماعات العرقية محققا انتصارًا على الذين نزحوا إلى المدن النامية والذين لحقوا بهجرة العمال الموسمية إلى أكثر المستعمرات ثراءً. ومع الطرق الأفضل والأكثر أمنًا زار المزيد من رجال الدين (الأولياء) القرى لهداية غير المسلمين وتقوية الدين بين المجتمعات الإسلامية

стр. 8865

القائمة منذ زمن، وساعدوا فى نشر الحركة الصوفية وقد امتدت حركة التيجانية الأكثر نشاطا أسرع وأكثر من القادرية القديمة. ولكن التيجانية لقيت من جانبها تحديًا من حركة جديدة منشقة وهى جماعة الحمالية Hamaliya وسميت هكذا على اسم مؤسسها حماه اللَّه Hamahullah (١٨٨٣ أو ١٨٨٤ حتى فتدخلت السلطات الفرنسية الاستعمارية للدفاع عن جماعة التيجانية القديمة فى محاولة منها لتجنب البلبلة. فنفوا حماه اللَّه وأنهكوا اتباعه بالغارات المتكررة وفى محاولات أخرى لتحقيق أغراض استعمارية حرضوا جماعة حماه اللَّه على العنف. وفى الثلاثينيات من هذا القرن استاء بعض العلماء المسلمين العائدين من القاهرة بعد أن درسوا فى الأزهر الشريف من النفوذ المتزايد للحركات الصوفية واستنكروا استغلال الأولياء للمؤمنين. ويشار أحيانًا لهؤلاء المصلحين بالوهابيين الجدد والذين اعتبروا الجهل سببًا لكل الشرور، لذا كرسوا أنفسهم لرقى التعليم الإسلامى مع التأكيد على تعليم اللغة العربية. فكانت باماكوا Bamako عاصمة السودان الفرنسى مركزًا مهمًا لأنشطتهم، وكان للإصلاح والتعصب الدينى مضمون سياسى، ففى الداخل تحدوا سلطة الأولياء القدامى، وفى الخارج أقروا جميع الأفكار الإسلامية واعتبر كلا الاتجاهين تهديدًا للأمن العام، ولم يكن المصلحون بمنأى عن اعين السلطات الفرنسية الاستعمارية، مما قلَّص من أنشطتهم كثيرًا. المصادر: (١) البكرى: المسالك والممالك. (٢) ابن المختار: تاريخ الفتاش. (٣) السعدى: تاريخ السودان. (٤) N. leutzion: Les ampires du mali ch. monteil Ancient Ghana and mali (٥) A.H. Ba et J. Daget: L'empire peul du macina أشرف سيد أحمد غنيمى [ن. ليفتزيون N. Levtzion]

стр. 8866

المبرد (بتشديد الراء وكسرها) وكان فى الأصل المبرَّد (بتشديد الراء وفتحها) أى المثبت للحق ولكن البعض غيّره ومن ثم التصق به وهو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدى (وترجع سلسلة نسبه إلى الجاهلية) وهو فقيه مشهور فى اللغة، ولد فى البصرة فى العاشر من ذى الحجة ٢١٠ هـ/ الرابع والعشرين من مارس ٨٢٦ م. وتقول الروايات إنه بدأ علاقته الوثيقة بكتاب سيبويه فى حلقات "أبى عمر الجرمى" (المتوفى عام ٢٢٥ هـ/ ٨٣٩ م) وأبى عثمان المازنى. كما أنه اشترك فى المناقشات العلمية بين "أبى حاتم السجستانى (المتوفى عام ٢٢٥ هـ/ ٨٦٩ م) الذى كان تلميذًا للأصمعى، وأبى الفرح الرباشى" (المتوفى عام ٢٥٧ هـ/ ٨٧١ م) حول المسائل اللغوية التى ترتبط بالقرآن والحديث والشعر والأدب. وبسبب سلوكه ومظهره ولغته النقية وحججه القوية فى الجدل، كان يترك انطباعا طيبًا لدى الجميع. وفى هذه الأجواء تقبل لقبه غير الشائع نسبيا. وفى البصرة أيضًا التقى مع الجاحظ. وفى عام ٢٤٦ هـ/ ٨٦٠ م استدعى إلى قصر الخليفة المتوكل لسامراء (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ/ ٨٤٧ - ٨٦١ م) ونتيجة لذلك استقر فى بغداد حيث توطدت شهرته كحجة كبيرة فى أمور اللغة العربية. وهناك ألزم نفسه بالنشاط التعليمى على نطاق واسع، حتى وفاته فى ٢٨ ذى الحجة ٢٨٦ هـ/ ٤ يناير ٩٠٠ م (رد قبل ذلك بعام) ومن بين تلاميذه نفطويه وابن كيسان، والزجّاج والأخفش الصغير وابن السراج و"الصولى". وكانت له فى بغداد مجالس مع علماء اللغة العربية، وجرت فيها مناظرات بينه وبين ثعلب وأكثر ما كانت هذه المناقشات العلمية تجرى فى المساجد بل وفى الميادين العامة، ويحضرها عدد كبير من التلاميذ والمستمعين -وقد أدت المنافسة بين هذين العالمين الكبيرين (تفوق المبرد على خصمه ثعلب فى الموهبة والأسلوب) إلى تكوين المدرستين

стр. 8867

الشهيرتين فى اللغة وهما مدرسة علماء البصرة ومدرسة علماء الكوفة. ومن أشهر أعمال المبرد: ١ - " كتاب الكامل فى الأدب" ويسمى أيضًا "كتاب الكامل فى اللغة والأدب والنحو والتصريف" الذى انتشر بين الناس من خلال نشاط فى التعليم وإلقاء المحاضرات والإملاء. وليس به إسناد الأمر الذى عابه من جاءوا بعده. ٢ - كتاب الفاضل والمفضول -وهو عمل أدبى آخر أصغر حجما ولكنه أكثر إحكامًا فى بنائه. وهو يتضمن أخبارًا عن نهضة علم النحو والصرف العربى، وعددًا من الأقوال، والتلاعب بالألفاظ، ويعالج موضوعات مثل الكرم والحزن والشباب والشيخوخة والامتنان والحسد والفصاحة والجمال. ٣ - كتاب التعازى والمراثى وهو مجموعة ضخمة من الأشعار حول التعزية والحداد، مع إضافة قصص تتناسب معها -وشروح تاريخية تتعلق بها. ٤ - كتاب المقتضب -وهو عبارة عن مجموعة ضخمة غير منظمة (غير مصنفة) حول أسئلة معينة تتعلق بالصرف والنحو. المصادر: (١) الزركلى: الأعلام (القاهرة ١٩٦٥ م). (٢) شوقى ضيف: المدارس النحوية (القاهرة ١٩٦٨ م). (٣) م. عبد الخالق عضيمة: أبو العباس المبرد وأثره فى علوم العربية (الرياض ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م). بهجت عبد الفتاح عبده [ر. سلهايم R. Sellheim] المبرز مدينة "واحة" فى إقليم الحسا فى شرقى الجزيرة العربية وأصل الاسم غير مؤكد ويقول "فيلبى" إن اسمها مشتق من الفعل "برز" أى ظهر، فهى تبعد ثلاثة أميال فقط شمالى "الهفوف"، كما كانت على حد قوله أول مكان تتوقف فيه القوافل التى تغادر هذا المكان (وهذه معلومات غير مؤكدة).

стр. 8868

وكانت المبرز لقرون كثيرة أهم مركز زراعى فى "الحسا" بعد "الهفوف" نظرًا لوفرة مواردها المائية، وكانت تحميها فى السابق قلعة صغيرة، ويحيطها سور من اللبن تهدم فى نهاية القرن التاسع عشر الميلادى. المصادر: (١) J.B. Philby: The Heart of Arabia (٢) F. S. Vidal: The Oasis Al. Hasa بهجت عبد الفتاح عبده. [ر. م. بوريل B. M. Burrell] المبرقع (ذو الحجاب) وهو لقب "أبو حرب اليمانى" (ويقول اليعقوبى إنه تميم اللخمى وشهرته أبو حرب) وعرف بأنه ثائر من أرض فلسطين ٢٢٧ هـ/ ٨٤١ - ٨٤٢ م خرج، على "المعتصم"، ولعلّ أكثر المصادر تفصيلا لثورته هى تاريخ الطبرى ثم ابن الأثير وابن خلدون (فى العبر وديوان المبتدأ والخبر). ومع ذلك فإن تاريخ اليعقوبى يعرض للأحداث بلا تحيز. . فيقول: إن الثورة ضمت قبائل، "لخم" و"حزام" و"عاملة" وبلقين -فقد حدث نزاع يتعلق بجندى قتله أبو حرب لأسباب شخصية، أدى به إلى الثورة واللجوء إلى جبال الأردن. ولأنه اعتاد ارتداء الحجاب (البرقع) على وجهه فقد اشتهر بالمبرقع. وقد انضم إليه الساخطون من الفلاحين وعندما زعم أنه من نسل الأمويين اعتبره أعوانه "السفيانى". واستطاع حشد عديد من الأتباع. وبعث المعتصم بجيش لملاقاة الثائر، قاده "رجاء بن أيوب" إلا أن قواته كانت أقل من جيش الثائر. غير أن فطنته هدته إلى أن ينتظر الوقت الذى يعود فيه أعوان المبرقع من الفلاحين إلى حقولهم لفلاحة الأرض. وتقول بعض المصادر (ابن خلدون): إن المعتصم مات فى أثناء سير الأحداث وإن خليفته الواثق (ويقول الطبرى إنه المعتصم) أرسل القائد "رجاء" إلى ابن بيهس الذى تزعم فئة فى دمشق وهزم ثوار دمشق ثم عاد إلى فلسطين ليقاتل المبرقع بالقرب من الرملة حيث أُسِر، وجى به إلى سامراء ليودع السجن. . ويبقى مصيره غير معروف.

стр. 8869

ويقول الطبرى: إن الأحداث جميعها وقعت فى عهد المعتصم (توفى فى ١٨ ربيع الأول ٢٢٧ هـ/ الخامس من يناير ٨٤٢ م) ويقول ابن الأثير وابن خلدون واليعقوبى: إن نهاية الثورة كانت فى عهد الواثق -وقد تركت المصادر بعض الأمور بلا تفسير وخصوصًا العلاقة بين ابن بيهس، والمبرقع إذا كان هناك ثمة علاقة. وردت المصادر فى المتن. بهجت عبد الفتاح عبده [هـ. ايسنشتاين H. Eisenstein] المنتقى الهندى هو علاء الدين على بن حسام الدين عبد الملك بن قاضى خان الشاذلى القادرى، المولود فى "برهان بور" فى كجرات من أسرة "جاون بور" الموقرة، وقد كان مريد لعبد الكريم بن شيخ "باجان" فى "برهان بور" ثم مضى بعد ذلك إلى "ملتان" فقرأ على حسام الدين المتقى، ومن ثم لقب بالمتقى، ولقد قضى بقية أيامه التى كانت بالهند فى "أحمد أباد" زمن "بهادر شاه" وإن كان قد غادرها إلى مكة بعد أن أوقع "همايون" الهزيمة ببهادر شاه سنة ٩٤١ هـ (= ١٥٣٤ م) وأمضى أيامه الأخيرة فى مكة. حيث عاش بعدئذ ثلاثين عامًا قرأ فيها على ابن حجر العسقلانى وغيره ثم انخرط فى سلك القادرية والشاذلية، ولقد كانت حياته الروحية والعلمية دافعًا لكثير من الناس لأن يكونوا من "مريديه"، وقد مات بعد أن تقدمت به السن كثيرًا إذ مات فى التسعين من عمره، وله مؤلفات عدة فى العربية تقرب من العشرين كتابًا من بينها: ١ - البرهان فى علامات مهدى آخر الزمان وهو عن أخبار المهدى ومجيئه عند نهاية العالم. ٢ - البرهان الحلبى فى معرفة الولى. ٣ - تلخيص البيان فى علامات مهدى آخر الزمان. ٤ - جوامع الكلم فى المواعظ والحكم. وهو مجموعة أقوال أخلاقية.

стр. 8870

٥ - هداية ربى عند فقد المربى. ٦ - الحِكَمْ. ٧ - كنز العمال فى سنن الأقوال، وهو ملخص لكتاب السيوطى جامع المسانيد أو جمع الجوامع أو الجامع الأكبر، وقد رتبه ترتيبًا حديثًا حسب الفصول، وطبع فى حيدر أباد سنة ١٣١٢ م. ٨ - المذاهب العلية فى جمع الحكم القرآنية والحديثية. ٩ - منهج العمال فى سند الأقوال والأفعال وهو مختصر لكتاب السيوطى المشهور المرتب حسب الحروف الهجائية وهو الجامع الصغير, ويحتوى على مجموعة من الأحاديث النبوية مستقاة من مصادرها الأصلية، وقد رتبه من جديد حسب الفصول مع ملحق إضافى. ١٠ - مختصر النهاية وهو موجز لمعجم مجد الدين الأثير فى الأحاديث النبوية المسمى بالنهاية فى غريب الحديث. ١١ - نِعَمُ المعيار والمقياس لمعرفة مراتب الناس وهو بحث موجز فى أنواع الخلق الإنسانى, وقد أورد له بروكلمان ثبتًا كاملًا فى الجزء الثانى من كتابه (ص ٥٠٣ - ٥٠٤)، وفى الملحق ٢/ ٥١٨ - ٥١٩. المصادر: (١) عبد الحق الدهلوى: أخبار الأخبار, ٢٤٩. (٢) آزار البلجرامى: سبحة المرجان، ٤٣. (٣) فقير محمد اللهورى: حدائق الحنفية, ٣٨٢. (٤) صديق حسن الكنوجى: أبجد العلوم، ٨٩٥. مروان حسن حبشى [م. هدايت حسين M. Hidayet Hosain] متى بن يونس متى بن يونس (يونان) القنائى، أبو بشر، مترجم لأعمال أرسطو وشارح لها، وكان من أوائل من ساعد على نقل فلسفة أرسطو عن طريق الترجمة السيريانية إلى العربية، كان متى بن يونس مسيحيا نسطوريا. درس وتعلم فى دير قنا Dayr Kunna فى مدرسة دير مار مارى Mar mart قبل ذهابه إلى بغداد فى زمان الخليفة الراضى أى بعد عام ٣٢٢ هـ/ ٩٣٤ م،

стр. 8871

وتوفى يوم السبت الحادى عشر من رمضان عام ٣٢٨ هـ/ ٢٠ يونيو عام ٩٤٠ م. كان ضمن مدرسيه بعض المسيحيين السوريين الذين نقلوا تراث المدرسة السكندرية التى كانت قد انتقلت من أنطاكية Antioch وحزان Harran إلى بغداد، كما ذكر الفارابى والمسعودى وهم: أبو يحيى المروزى، وكان طبيبًا يعلم المنطق بالسريانية، وأبو اسحق إبراهى قويرا كما كان بين مدرسيه أبو أحمد الحسين بن إسحق بن كرنيب وهو من المتكلمين المهتمين بالفلسفة الطبيعية، وقد ذهبت ترجمات متى، والتى كانت كلها من النسخ السريانية من القرن الثامن والتاسع الميلادى، إلى أبعد بكثير من دراسة فلسفة أرسطو (المحصورة فى المنطق الصورى) التى قامت بها كل من المدرسة النسطورية حيث كان المنهج السكندرى لأمونيوس Ammonuus وتلاميذه قد نسى تمامًا والمدارس الطبية التى كانت تفضل كتاب جالينوس De demonstratione إذ إن هذه الترجمات تمثل إحياء للدراسات المتعلقة بأرسطو فى اعتمادها على شروح الكسندر. أفرو ديسياسى Alexandoler of Aphrodisias وثمسينوس Themistius الموجودة -قدمت أرسطو إلى القارئ العربى فى صورة أكثر وثوقا وتشتمل أعمال أرسطو التى عرفها ابن النديم من ترجمة متى لكتاب Analytica Posteriora ومعه شرح الكسندر وعرض لثمسينوس، و Sophistici elenchi (تنقيح لنسخة أقدم) و Dcaelo و Poetica (جزء من الكتاب الأول صياغة ثمستوس Degeneatione corruptione مع شرح الكسندر و Meteorologica لألمبيو دورس Olympiodorus مع شرح للمؤلف وكتاب Lambada of the Metaphisica بشرح لألكسندر وعرض لثمسيوس، ولا يوجد من هذه الكتب الآن إلا ثلاثة: (أ) مخطوطة باريس للكتاب Organon بالعربية ويحتوى على Analitica Posteriora ترجمة متى منقولة من النسخة الخاصة بتلميذه يحيى ابن عدى.

стр. 8872

(ب) ترجمة متى لحواشى الكسندر على Metaph. A جزء ١ إلى ٧ وتتضمن مقتطفات من النص الأصلى لأرسطو، وقد كان هذا الكتاب أساسًا لكتاب تفسير ما بعد الطبيعة لابن رشد. (جـ) ترجمة متى لكتب Poeticq وقد صارت مشهورة بعدم دقتها وليس بتميزها. ولكن يجب أن نضع فى الاعتبار أن Poetics وكذلك Rhetoris وكلاهما جزء من Organon فى المنهج السكندرى كانا يقرآن لدراسة بعض أنواع البراهين المنطقية وليس كأثر أدبى. كانت تعليقات متى ومدرسته، إذا جاز لنا أن نحكم من خلال أعماله القليلة الباقية فى شكل ملاحظات على الهامش أو فى ملاحق (تعاليق) لمقتطفات من النصوص وكانت أحيانًا تضم إلى تعليقات من مدرسين آخرين بنفس الأسلوب الذى اتبعه الآباء المتأخرون مع الكتاب المقدس، وهناك عدد هام من هذه الملاحظات فى نسخة Organon الباريسية، وعلى هوامش مقالة dipperntia spedfica لأكسندر، كما أورد تلميذه يحيى بن عدى بعضًا آخر منها وكذلك فعل ابن مطران (ت ٥٨٧ هـ/ ١١٩١ م)، وحصل ابن النديم على بعض آخر منها (كما ذكر أيضًا مقالتين تمهيديتين عن Ana lytica) وكذلك عبد اللطيف البغدادى. وقد حفظ بعضًا من تعليقاته المستفيضة إلى حد ما على كتاب Physica الأجزاء II و ٣ III و ٤ فى مخطوطة ليون ١٤٣٣ Leiden Or (وتحتوى على الترجمة العربية لإسحق ابن حنا ودراسة فى الفيزياء حددها أبو الحسين البصرى عام ٣٩٥ هـ/ ١٠٠٤ م عن محاضرات لأبى على بن السمح، بدوى، أرسطوطاليس الطبيعة، القاهرة ١٩٦٥ - ١٩٦٦ م). وقد هاجم ابن سينا وجهة نظره فى اعتبار الطبيعة كائنًا خلاقًا أصيلًا. يجمع الفلاسفة المسيحيون والمسلمون المعاصرون لمتى بن يونس على أنه رئيس مدرسة المنطق فى زمانه. وقد درس الفارابى معه كتاب Organon كما نقل يحيى بن عدى اليعقوبى تعاليمه إلى الجيل التالى من الفلاسفة

стр. 8873

المسلمين والمسيحيين فى بغداد وبخاصة عيسى بن زُرعة والحسن بن سوار وأبى سليمان السجستانى. ومن ناحية أخرى كان مجادلا عنيفا متحمسا مندفعا فى حركة الرجوع إلى التمسك بالتقاليد التى حدثت فى منتصف القرن التاسع، معارضًا لدعوى المنطق والفلسفة اليونانيين عن الحقيقة المطلقة بدائع من القوانين الدينية التابعة من علوم الشريعة، كما كان معارضًا بصفة خاصة لتأثير المنطق الذى ظهر فى أصول النحو عند معاصريه مثل ابن السراج ويعتبر هجوم أبى سعيد الصيرفى على متى فى مجلس الوزير أبى الفتح بن الفرات عام ٣٢٦ هـ/ ٩٣٧ - ٩٣٨ م. كما رواه الرمانى لأبى حيان التوحيدى (الإمتاع والمؤانسة صفحة ١٠٧ - ١٢٨ مثالا حيا، فقد بدأ زعيم المنطقيين (الذى صوره الرواة الذين نقلوا عن التوحيدى كسكير طماع يبيع علمه فى سبيل المال). من غير أى مبالغة، عاجزًا عن الدفاع عن دعوى الفلاسفة بأن المنطق أداة ضرورية "للتمييز بين الحقيقة والزيف وبين الصدق والكذب وبين الجيد والردئ، كما عجز عن مناقشة رأى خصومه فى أمر الطريق الوحيد للكلام المنطقى (النطق) هو من خلال قواعد النحو والصرف للغة. ولكن إذا لم يكن عند متى ما يقوله أمام الحاضرين الذين لم يكونوا متعاطفين معه أكثر مما ذكر الرمانى، إلا أن دفاع تلميذيه الفارابى ويحيى بن عدى عن المنطق كقواعد عامة بينما يختص تعبير النحو والصرف بالقواعد الخاصة بألفاظ لغة معينة عوضًا عن سكوته. المصادر: (١) ابن النديم: الفهرست، صفحة ٢٤٨ - ٥١ و ٤٦٣ - ٤. (٢) أبو حيان التوحيدى: الإمتاع والمؤانسة تحقيق أ. أمين وأ. الزين جزء ١ صفحة ١٠٧ وما بعدها. (٣) المسعودى: التنبيه والإشراف تحرير de Goeje صفحة ١٢٢. (٤) البيهقى: تتمة صوان الحكمة، رقم ١٤. (٥) القفطى، تأريخ الحكماء صفحة ٣٢٣. حسين أحمد عيسى [ج. إندرس G. Endress]

стр. 8874

المثل (جمعها: أمثال) أى قول شائع، وهى قريبة الشبه من الكلمة الآرامية (مثلا)، والعبرية (ماشال)، والجذر السامى يعنى النظير أو المساوى يقال "أرسلها مثلا" أو جعلها مثلا أو فضرب به المثل أى غدا القول مثلا ويقال "ضُرب به المثل أو مثل يضرب فذهب أو جرى مجرى المثل أو فصار مثلًا أى أصبح القول يجرى مجرى الأمثال. أولا: تعريفه تولى فقهاء اللغة العرب منذ أبى عبيد (ت ٢٢٤ هـ/ ٨٣٨ م) الذى يعتبر كتابه الأمثال أقدم تجميع لهذا الضرب من القول تعريف مفهوم المثل المرة تلو المرة فميزوا له خصائص جوهرية ثلاثًا هى: المقارنة وبصفة خاصة المقارنة بطريقة مجازية فى التعبير، أى من خلال التشبيه والاستعارة والكناية. . الخ، ثم إيجاز اللفظ، ثم الألفةَ أى أنه يكون مألوفا، وأوضحوا أن فى الأمثال جملة خصائص: أ) تقوم على الخبرة ومن ثم فهى تنطوى على حكمة. ب) إن استخدامها من شأنه أن يجعل الحقائق بارزة وواضحة ولكن بطريقة غير مباشرة من خلال الصور البيانية كالاستعارة والكناية. . الخ. جـ) إن استخدامها من شأنه أن يتيح التفاهم حول أمور يصعب التفاهم بشأنها بطريقة مباشرة. وتتوافر هذه الخصائص فى المثل لأنه بوسعنا استخدامه فى حالة فردية واحدة لكى تكون ممثلة لكل الحالات المشابهة لها حتى ولو كان هذا التشابه ضئيلا. كما أنه -أى المثل- يظل على حالة دون تغيير حتى ولو كان منشورا قد طواه النسيان منذ أمد طويل. ويؤكد أبو عبيد على أن المثل إنما يأتى كشاهد يؤيد خطاب القائل أو الكاتب ويرى الزمخشرى (ت ٥٣٨ هـ/ ١١٤٤ م) بحق أنه ينبغى اعتبار "نظير" هى المعنى الأساسى لـ "المثل" وذلك حسب المعنى الاشتقاقى الحقيقى له. ومجموع هذه الخصائص والسمات لا تنطبق على كل مثل على حدة، فالكثير من الأمثال لا يتوافر فيها إلا خاصتان وهذا يوضح لنا أنه يتحتم

стр. 8875

علينا أن نفهم من كلمة "مثل" شيئا أوسع دائرة من: ١ - المثل بمعناه الغربى، فالمثل يشمل أيضًا: ٢ - الأقوال السائرة، كما يشمل مجموعة واسعة من المقارنات التى تصاغ على وزن "أفعل من". ٣ - الحكم والأقوال التى يمكن أن تصادفها فى "الأحاديث" من قبيل الحكم والأقوال المأثورة بما فى ذلك الشعارات والحكمة الشخصية. ٤ - صنع الكلام الجاهز أو الكلمات والمحاورات -فى صيغة التمنى أو التعجب- التى نستخدمها فى مخاطبة الآخرين وتحيتهم، وفى الصلاة، أى التى نستخدمها فى الكلام بصفة عامة. ٥ - الحكاية الرمزية ذات المغزى الأخلاقى كما هو الحال فى الشرق القديم. ثانيًا: الأمثال العربية يعد كتاب "الأمثال" لأبى عبيد (ت ٢٢٤ هـ/ ٨٣٨ م) أقدم مجموعة أمثال تم تجميعها وهو يضم ما يقرب من ١.٤٠٠ مثل أو أقل قليلا، ورتبت ترتيبًا منهجيا إذ قسمها إلى تسعة عشر بابا تتفرع إلى ٢٥٩ فصل فرعيا بالإضافة إلى أحد عشر فصل فى الملحق. ويمكن تقسيم هذه الأمثال إلى ثلاث طبقات: ١ - أمثال ما قبل الإسلام. ٢ - أمثال نشأت فى فجر الإسلام ومراكزه الدينية السياسية. ٣ - أمثال ترجع إلى فترة حكم الخلفاء العباسيين الأوائل. ١ - أما أمثال الطبقة الأولى (ما قبل الإسلام) فهى رغم نسبتها لفترة ما قبل الإسلام مستمدة فى معظمها من مرويات فى القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى. ففى سياق التغنى بماضى العرب المجيد والذى شجعته الميول الباكرة المعادية للشعوبية كانت رواية الأخبار والأشعار وبعض الآثار الخاصة بعصر ما قبل الإسلام، تجرى على أشدها فى مراكز الحضر كما كان الطلب عليها شديدًا سواء فى البلاط أو فى مراكز السلطة المختلفة. وأيًّا ما حوت هذه القصص والأخبار من أفكار

стр. 8876

مخالفة للمفاهيم الإسلامية، فهى تبرر نظام الحلال والحرام بأنه كان قائما فى أيام الجاهلية وأنه جدير أن يظل قائما. وتشدد على التضامن بين رجال القبائل مهما كان الثمن فى ظل ظروف الصحراء والصراع من أَجل البقاء "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" ولا بد للأب أن يكون قدوة للابن: من شابه أباه فما ظلم، وكل فتاة بأبيها معجبة، والبدوى فى سعيه الدائب من أَجل مراع جديدة لماشيته التى لا تشبع أبدًا، لا بد أن ينزعج إذا عثر على مرعى ولم يجد ناقته إلى جانبه: عشبٌ ولا بعير، وهو يقيس جودة المرعى بوجود عشب "السَّعدان" المفضل لدى الإبل "مرعى ولا كالسّعدان". أما الكلام المجازى أو الرمزى فيقف على أرض صلبة للغاية عند الساميين وبصفة خاصة عند العرب ويلعب دورا مهما فى أرقى أشكال الأدب. ومن اليسير على البدوى أن ترد على خاطره صور مستقاة من عالم الحيوان المحيط به. فهو يعرف العادات السائدة فى عالم الحيوانات البرية وردود أفعالها من واقع خبرته الطويلة وملاحظاته، "ما يجمع بين الأدوى والأنعام" وثمة إشارات تشير إلى الإنسان صراحة فيقال إنه لأخدع من ضبٍّ أو يقال "ليس قطًا مثل قُطىٍّ" أو "الذئب يأدو للغزال". وقد يأتى التعبير فى صياغة بدوية فظة "لقد ذلّ مَنْ بالت عليه الثعالب". ويشيع استخدام المقارنة بصيغة "أفعل من، مثل أنْوم من فهد أو إنه لأحذر أو أدهى أو أبصر من غراب". أ) مثل هذا النوع من الأمثال التى يدور محورها حول الحيوان نجده مرتبطا بالحكايات الخرافية. وقد أنيط -فى هذه الأمثال- بالحيوانات، على اختلافها، القيام بأدوار محددة ومتفق عليها، فالضبع يلعب دور الذكى. ب) ويوجد نوع من القصص أكثر وفرة من هذه الحكايات الخرافية التى تلعب فيها الحيوانات دور الشخصيات وهى أخبار أيام العرب التى عالجها بصورة خاصة المفضّل الضَّبِّى أو ابن الكلبْى ونحن نعرف "أبطال" هذه

стр. 8877

القصص إما من التراث أو من أنساب العرب، مثل البسوس التى تسببت ناقتها فى نشوب حرب دامت أربعين عامًا بين بنى بكر بن وائل وأقربائهم بنى تغلب بن وائل، أو المنذر أو النعمان ابن المنذر أمير اللخميين الذى قتل الشاعر عبيد بن الأبرص -الذى لم يرتكب ذنبا- حتى لا يحنث فى يمين سبق أن أقسمه وكثير من هذه القصص -وأغلبها قصير- هو فى الأصل حدث حقيقى غير أن الزمان والمكان ظلا غير محددين فيها بوجه عام فالراوى لا يسأل عن استخدام الممر لأول مرة أو كيف تم صكه على الإطلاق، أى أنه لا يهتم بمشكلة "الأوائل". الكثير من هذه القصص تغلفها الأساطير ومن هنا وجدت بعض الموضوعات الذائعة عالميا طريقها إليها، وأغلب الظن أن هذا قد حدث من خلال بلاط اللخميين بالحيرة الذى لعب دور الوسيط فى هذا الشأن. مثال ذلك: صحيفة المتلمِّس، أسطورة زنوبيا، جزاء سنمار، ومن اللافت للنظر أن هذه الأمثال ارتبطت فى بعض الأحيان "بالعماليق"، ومنهم مثلا عرقوب الذى يعد أخاه بوعود وهمية "مواعيد عرقوب" ولعل هذا يذكرنا بقصة يعقوب عيسو فى سفر التكوين. وكثيرا ما نجد أخبارا عن المثل وتفسيرات يختلف بعضها عن بعض اختلافًا شاسعا لأن أصل المثل وأصل معناه قد طواهما النسيان منذ مدة طويلة. جـ) مما لا شك فيه أن الأمثال التى ثبت أنها وردت فى نقوش أو كتابات ثمود هى أمثال ترجع إلى عصر ما قبل الإسلام. والأمثال التى صاغها شعرا شعراء ما قبل العصر الإسلامى -إذا كانت صحيحة- ترجع إلى نفس الفترة -أما معرفة ما إذا كان الشاعر قد ابتكر هذه الأمثال أو أنها كانت سادية من قبل على الألسن، فهذا أمر يصعب تحديده. مثال ذلك ما ورد فى بيت من الشعر لامرئ القيس من بحر الوافر "وحسبك من غِنًى ودىُّ". أو ما ورد فى شعر للنابغة الذبيانى من بحر الطويل أى الرجال المهذّب أو ما أشبه الليلة

стр. 8878

بالبارحة الذى ورد فى شعر لطرفة من بحر السريع. وقد لوحظ أيضًا وجود أمثال معروفة عالميا فى أشعار هذا العصر. مثال ذلك المثل الذى يعنى أن العنز (أو الشاة أو الثور) تحفر فى الأرض بحوافرها بحثا عن سكين ذبحها؛ نجد له أربع أوردها أبو عبيد: لا تكن كالعنز تبحث عن المدية كطالب القرن فجُدعت أذنه وله معادل يونانى ورد فى التلمود (عن الجمل) وله صيغ مختلفة فى كليلة ودمنة (الحمار بدلا من الجمل)، كان زهير بن أبى سلمى ميالا لإدخال الأمثلة فى شعره، وكعب بن سعد الغنوى الذى عاش حتى ظهور الإسلام كان يلقب بكعب الأمثال. ومعظم هذه الأمثال هى من فئة الأقوال المأثورة مثل ما جاء فى شعر زهير. . . ومن لا يظلم الناس يُظلم. د) والمرجح أن الأمثال من هذا النوع قد سبق أن سجلت كتابة فى العصور القديمة بوصفها "حكمة" وذلك على لفافات صغيرة من الجلد أو الرق أو البردى أو سعف النخيل أو العظام أو الألواح الخشبية أو الأحجار. وعادة ما ترد هذه الحكم فى القرآن الكريم على لسان لقمان (سورة لقمان)، كما وردت بعد ذلك فى "سفر الأمثال" لسليمان فى العهد القديم، وكذلك العربى القديم أكثم الصيفى. إذ نجد مجموعة صغيرة من أمثاله فى كتب الأدب مثل كتاب المعمرين لأبى حاتم السِّجستانى، وذلك جنبًا إلى جنب مع أمثال الساسانى وزير يزدجِمْهرِ فى كتاب العِقْد الفريد لابن عبد ربه. ومن أمثال أكثم إنك لا تجنى من الشوك العنب. ٢ - ولقد كان تشكل الجماعة الإسلامية الفتية لتصبح مجتمعا جديدا إنما جاء نتيجة للكلمة. وينعكس هذا فى أمثال الطبقة الثانية فى صدر الإسلام فقد تم تطويع التراث الوثنى لهذه الطبقة وإدماجه، وملئت المفاهيم القديمة بمعان جديدة أو أضيف إليها أو تم تغييرها أو أعيد صياغتها بطرق مختلفة. فالأخ فى الجاهلية -على سبيل المثال- أصبح أخا فى الإيمان أى أخا فى الإسلام. فإذا كانت الصيغة الشائعة حتى ذلك الوقت هى "أخوك من

стр. 8879

صدقك" فإن النبى [ ﷺ ] الآن يقول "المؤمن مرآة أخية" أى يصارحه بما يرى أو بصورة أخرى صريحة "رحم اللَّه رجلا أهدى إلىّ عيوبى". والتضامن العربى القديم فى القضايا -سواء أكانت صوابا أم خطأ- أصبح تفسيره هو معاونة الأخ حين يكون على صواب ومنعه من الوقوع فى الخطأ. وبهذه الطريقة أمكن للحكمة القديمة التى يوافق عليها الرسول أن تعيش وأن تتطور على يديه. لقد أدرك النبى [ ﷺ ] قوة الكلمات "أن من البيان لسحرا". أ) عدد الأمثال من هذا النوع التى تنسب إلى على بن أبى طالب -ومعظمها حكم وأمثال مأثورة- ضخم كما هو معروف. وثمة مجموعة ذائعة على نطاق واسع تضم مائة حكمة ولها ترجمة فارسية وأخرى تركية "اللغة البهية" (استانبول ١٣٠٢٠ هـ/ ١٨٨٤ م). ب) وإلى هذه الفترة تمتد جذور الأمثال التى هى أقرب ما تكون إلى تعابير الكلام الجاهزة ولا يخلو منها لفظ الجلالة نجدها فى مجموعات الأمثال مسبوقة بكلمة "من دعائهم"، مثال ذلك "بلغ اللَّه بك أكلأ العمر" أى مد اللَّه فى عمرك، ومن الأمثال ذات المعنى السلبى "جدع اللَّه مسامعه" صم اللَّه أذنيه. جـ) والمثل القديم "أنجز حر ما وعد" يصح سريانه فى الإسلام شأنه شأن المثل القائل "آفة المرء خلف الوعد" وإن كان الاستشهاد بهما يأتى فى مقام الكلام العادى فحسب مثل الصيغة الإسلامية لنفس المعنى "الوفاء من اللَّه بمكان" [إنه كان صادق الوعد. . . القرآن الكريم مريم ٥٤] وإذا كان من الجائز حتى ذلك الوقت ترديد المثل "ليس عبد بأخ لك" أى لك أن تعامله كيفما تشاء بأن المسلم الآن يردد المثل القائل "عبدُ غيرك حرُّ مثلك" أو "ساواك عبدُ غيرك" كذلك كان لانتصارات المسلمين على الكفار أثر فى بث الثقة فى نفوسهم، فيقولون "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" وهو حديث نبوى. ٣) كان من شأن إضفاء الطابع العربى على مناطق الشرق الأدنى ذات

стр. 8880

الحضارات القديمة بعد أن فتحها الخلفاء الراشدون -إثراء الأمثال فى هذه المناطق ثراء عظيمًا، وذلك إما بابتداع أمثال جديدة أو باستعارة أمثال قديمة أو تطويرها، وهذا النوع من الأمثال يشكل الطبقة الثالثة للعصر العباسى الأول من الأمثال وتمتد جذورها حتى عصر أبى عبيد أى إلى أوائل العصر العباسى. أ) فقد سمح أبو عبيد لكثير من هذه الأمثال أن ترددها أفواه الناس خلال تبادل الأحاديث. وبدأ يرصد من حين إلى حين ما يطلق عليه "من أمثال العوام أو العامة" أو "ابتذلته العوام أو العامة أو الناس" مثال ذلك "اسمع جعجعة ولا أرى طحنا" أو "إن البغاث بأرضنا يستنسر" أى أن الطائر الصغير يلعب دور النسر. أو "بعتُ جارى ولم أبع دارى أو أكلًا وذمًّا" أو "الناس شجرة بَغْى". ب) وإذا كان من الجائز القول -بوجه عام- إن نظائر الأمثال العربية فى اللغات والثقافات الأخرى القريبة منها تكون أكثر ظهورا كما كانت هذه الثقافات يافعة، فإن التساؤل حول ما إذا كان هذا المثل أو ذاك قد صك صكا جديدًا أو استعير أو صيغ على منوال مثل قائم بالفعل هذا التساؤل يظل -فى كثير من الحالات- بغير جواب. ذلك أنه لا يكاد يوجد فرق بين الخلفية أو المحيط الاجتماعى الذى نشأ عليها مثل ما من الأمثال وذلك الذى نشأ فيه آخر. وفى حالة ما إذا تبادر إلى الذهن -بصورة تلقائية- وجود تشابه أو برز وجه من وجوه المقارنة فلا يعنى هذا أن ثمة نموذجا أجنبيا صيغ على منواله هذا المثل أو ذاك بالضرورة. ولكن إذا ما لاحظنا وجود مجاز نادر فعندئذ علينا أن نفترض -بقدر أكبر من الترجيح- أن تعديلا ما قد أدخل على مثل أو حكمة أجنبية مثال ذلك: "إن كنت ريحا فقد لقيت إعصارا". فهو مثل له ما يشبهه -مع تغير طفيف فى المعنى- فى العهد القديم، بل وربما فى العهد الجديد أيضًا. وثمة احتمال كبير فى أن المثل القائل "صار الأمر إلى النزعة" [أى عاد الأمر إلى أهله] له نظيره فى الآيكنية. ولكن المشكلة تبدو أكثر صعوبة فى حالات أخرى، مثل: "من

стр. 8881

استرعى الذئب ظلم" وهو قول شائع فى اللغة اليونانية القديمة، وكذلك فى الانجليزية والفرنسية أما الرومان فلديهم الصقر الذى يعهد إليه بالحمائم. فنحن لا نملك إزاء هذه الأمثلة سوى تسجيل التشابه بين النظائر. ولقد أضاف جامع الأمثال العرب فى القرون الثلاثة التالية أمثالا أخرى على الأمثال التى جمعها أبو عبيد من الطبقات الثلاث بحيث بلغ ما جمعوه خمس أضعاف العدد الأولى أى وصل إلى ما يقرب من ٧٠٠٠ مثل من هذه الأمثال يوجد أكثر من ١.٢٠٠ مثل بصيغة، "أفعل من" وأكثر من ١.٥٠٠ مثل يطلق عليها العم "الأمثال المولَّدة" -وأما الفئة الأولى فقد ظهر معظمها فى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى، والفئة الثانية ظهرت فى القرنين التاليين. ومن الواضح أنها تنطوى على أفكار "جوّالة" ومتداولة عالميا. ٤ - الأمثال فى صيغة "أفعل من" سوف تتداعى إلى أذهاننا لو أننا اطلعنا على المثل القائل أخْرق من ناكتة غَزْلها وهو تشبيه نجده فى القرآن الكريم (النحل - ٩٢)، كما يتداعى إلى أذهاننا "سيزن" لو أننا اطلعنا على المثل القائل أطمع من قلب لصخرة. وقد تكاثر هذا النوع من الأمثال بصيغة أفعل من حتى يومنا هذا، ونجدها تستخدم النعوت (من ذكاء أو غباء) والأسماء (جحا)، والألعاب والحيوانات والنباتات، مثال ذلك: أمْحل من حديث خرافة" أى حافل بالأخبار المختلفة مثل حكايات خرافة. ٥ - أمثال مولَّدة: إذا ذكرت الذئب فالتفت مثل يذكرنا بمثل لا تينى بنفس المعنى، وقد سبق أن ذكره أبو عبيد ولكن فى صيغته التجريدية "أذكر الغائب يقترب" أو "غائبًا تره" وثمة مثل فى الانجليزية شبيه به يقول "اذكر ملاكًا تسمع أجنحته" وهناك أمثلة ذات شهرة دولية منها "إن للحيطان آذنا" فله نظيره فى المدراشى [التفسير اليهودى التقليدى للتوراة] والفارسية، كما أن المثل الانجليزى يقول "للجدران آذان" أو "إذا كنت سندانا فاصبر وإذا كنت مطرقة فأوذع" فله شبيهه

стр. 8882

بالانجليزية "المطرقة والسندان" أو "فرّ من المطر وقعد تحت الميزاب" وله نظيره فى الأمانية الانجليزية. أو "الحركة بركة" وشبيهه فى الانجليزية فى الحركة بركة، ويندرج تحت هذه الطائفة أمثلة لا تعد مولَّدة تمامًا مثل: "إن كنت كذوبا فكن ذكورا" وله نظيره فى الانجليزية "على الكاذب أن تكون ذاكرتة قوية" وكذلك فى اللاتينية، أو "كالسّاقط بين الفراشين" وله شبيه فى الانجليزية واللاتيتية. ٦ - بوسعنا أن نجد فى مجموعة الأمثال التى جمعها الميدانى أمثال مجهولة المصدر وهى مستقاة من العهد الجديد، وبصفة خاصة من "موعظة على الجبل" منها أمثال وثيقة الصلة بل تكاد تتطابق حرفيا مع نص العهد الجديد، ومنها أمثال لا تنقل سوى المعنى فحسب. فنحن نجد أمثالا قريبة الشبه بما جاء فى إنجيلى متى ولوقا مثل "كيف تُبصر القذَى فى عين أخيك وتدع الجذْع المعترض فى عينك" ومثل (يعد. يعقد) فى مثل الصؤاب [بيض القمل] وفى عينه مثل الجّرة. ٧ - والأخبار التى تروى عن الأمثال إما أنها اسطورة دنيوية أو حكاية دينية أو خرافة أو طرفة من الطرائف، أو نادرة عن النوادر والكثير من الأمثال لو تتبعنا أصولها لوجدناها -من حيث فكرتها المحورية- مستقاة من أفكار وموضوعات "جوالة" عبر العالم. ومن الحقائق اللافتة للنظر أن جامعى الأمثال لم يسجلوا حكاية ومثلا له صلة بالأحداث التى وقعت بعد الخليفة المهدى. ٨ - وقد لاحظ جامعو الأمثال الوانا من الأمثال يتردد على الألسنة فى بقاع محلية بعينها كأن يتردد فى سوريا أو عمان أو المدينة أو مكة أو البصرة. ومن الطريف أن نعلم أن كلمة يونانية معينة كانت منتشرة فى سوريا فى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى وتشبه تعبير أوكى المتداول فى عصرنا الحاضر. وكان جامعو الأمثال يعترفون -أحيانًا- بأن معنى المثل غامض أو أن رجل الشارع يستخدمه دون أن يفهمه أو أنهم غيروا المثل القديم، مثال ذلك قد يروى أحدهم المثل "تجوع الحُرة ولا

стр. 8883

تأكل بثديَيْها" ولكن بتحريف ليصبح "لا تأكل ثديَيْها" وهو مثل لا معنى له. ٩ - بما فى ذلك الشكل الداخلى -أى تشكيل الأفكار- والشكل الخارجى الذى يتجسد فى التشكيل اللغوى والأسلوبى وخصائص الوزن وهناك أشعار لها شهرة واسعة وحازت الإعجاب يقتبسها الكثيرون وتسمى "الأبيات السائرة"، وقد جمعت فى مجموعات خاصة منها على سبيل المثال: مجموعة حمزة الأصفهانى "كتاب الأمثال الصادرة عن بيوت الشعر"، وثمة شعراء استخدموا الكثير من هذه الأبيات السائرة فى أشعارهم، منهم صالح بن عبد القدوس أو أبو العتاهية. والأقوال المجازية فى ديوان المتنبى قد سبق أن استخرجها وجمعها الطالقانى فى بلد الشاعر نفسه وقد انتشرت مثل هذه الأبيات السائرة والأمثال انتشارا واسعا فى الأدب العربى بأكمله ونجدها بكثرة بوجه خاص فى أدب الأدباء بدءا من الجاحظ وحتى الثعالبى وبدءا من شعراء المقامات وحتى أصحاب الموسوعات -فى فترة ما بعد المغول- مثل النويرى والسيوطى وبهاء الدين العاملى. ١٠ - أما عن الأمثال التى وردت فى القرآن الكريم أو فى الحديث النبوى الشريف وتسمى بـ "الأمثال النبوية" فقد تناولتها كتب خاصة بها مثل "المثل من الكتاب والسنة" للحكيم الترمذى. القرن الثالث الهجرى/ القرن التاسع الميلادى و"كتاب المثل" لمحمد الرامهمزى (ت حوالى ٣٦٠ هـ/ ٩٧٠ م) وكتاب المثل لأبى الشيخ (ت ٣٦٩ هـ/ ٩٧٩ م)، وكتاب "المثل فى القرآن الكريم" لابن القيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ/ ١٣٥٠ م)، و"أمثال الحديث" لعبد المجيد محمود, و"الأمثال النبوية" لمحمد الغَزَوى. أ) وقد صدرت حديثًا كتب تناولت "الحكمة" المستقاة من المصادر الكلاسيكية، منها الغربى ومنها العربى مثل "أدب الفلاسفة الحنين بن اسحق - اختصار محمد بن على الأنصارى (ت قبل ٥٩٤ هـ/ ١١٩٨ م) تحقيق

стр. 8884

عبد الرحمن بدوى - الكويت ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٥ م. وفيما يتعلق بالحكمِة الإسلامية فيمكن الرجوع إلى "الأمثال والحكم" للمواردى (ت ٤٥٠ هـ/ ١٠٥٨ م) تحقيق فؤاد عبد المنعم أحمد - قطر ١٤٠٣ هـ/ ١٩٨٣، وكتاب الحكم لابن عطاء. ثالثا: المجموعات العربية لا يوجد فرع من فروع الأدب العربى القديم نستطيع أن نحدد بدايته وتطوره ونهايته مثلما نستطيع تحديده فى فرع "الأمثال" ويمكن إيجاز ذلك على النحو التالى: جاءت بداية تسجيل الأمثال وأخبارها بناء على رغبة تولدت لدى الخليفة المهدى (١٥٨ - ١٦٩ هـ/ ٧٨٥ - ٧٧٥ م) حيث كان المفضل الضبى معلما له فى بغداد، وكتب له ٣٠ قصيدة من الشعر العربى القديم وهى المجموعة التى اشتهرت فيما بعد باسم "المفضّليات" وهذه الأشعار لم تصل إلينا بنصها الأصلى بل طبقا لرواياتها فى العهود المتأخرة، وهى روايات يختلف بعضها عن بعض -فى أجزاء منها- اختلافا شديدا. أما نص الأمثال الذى وصل إلينا فيرجع إلى الطُّوسى وهو تلميذ لابن الأعرابى (ت ٢٣١ هـ/ ٨٤٥ م) الذى كان ابن زوجة المؤلف وأحد تلاميذه (حوالى ١٧٠ هـ/ ٧٨٦ م) وهذا دليل على أن المفضل لم يترك لنا نسخة مكتوبة بعينها بل انتقلت إلينا مجموعة أمثاله -هى وأخبارها- شفاهيا وبأشكال مختلفة ولم تسجل كتابة إلا على يد تلاميذه وتلاميذ تلاميذه, لأن النسخة المكتوبة لم تكن متاحة للرواة بل كانت مخصصة لبلاط الخليفة. هذا شبيه بما حدث لكتاب "الأمثال" المنسوب للمؤرِّج (ت ٢٠٤ هـ/ ٨١٩ م) فقد وصلنا من خلال رواية أملاها تلميذه أبو على اليزيدى فى عام ٢٦٣ هـ/ ٨٧٦ م. ولا يمكن القول إن ما سجل من إملاء أو رواية يتطابق مع اقتباسات المؤرِّج التى وردت فى أدب الأمثال بدءا من أبى عبيد وحتى الميدانى -هذان المثالان وأمثلة أخرى مستمدة من فروع الأدب الأخرى تجعلنا ننظر بحذر إلى أية افتراضات أو أحكام صدرت فى وقت لاحق.

стр. 8885

ولم تصل إلينا الأمثال مجموعة فى كتاب -بل وفى نسخة أصلية كتبها المؤلف نفسه- إلا فى كتاب "الأمثال لأبى عبيد (ت ٢٢٤ هـ/ ٨٣٨ م) وهو مدين فى مادته الغزيرة -التى لم يجمعها بنفسه إلى التراث وبصفة خاصة للمعلمين وفقهاء اللغة الذين سبق ذكرهم. والسبب فى ذلك أن ثمة حالات يقول فيها المؤلف "لا أعلم على وجه التحديد ممن سمعت هذا المثل" أو "سمعته من شخص ما غير أبى عبيدة لعله ابن الكلبى" أو ما شابه هذه التعبيرات. ففى كتاب الأمثال الذى نقله الطوسى عن المفضل لا نجد ذكرا لاسم المفضّل بطريقة محددة، وذلك فى بعض أجزاء الكتاب حيث نجد تعبيرات مثل "حكى أن" أو "روى أن" أو "ما بلغنى أنه" أو ما شابه ذلك، وحين ينقل عن المؤرِّج فإنه يذكر المثل بكلمة "قال" وينطبق هذا على باقى فقهاء اللغة، أما رواية اليزيدى لكتاب الأمثال فلم يرد بها أى ذلك موثق من شخص فى منزلة هؤلاء الثقات. وكان الجاحظ يعرف مجموعة أمثال وكذلك الأقوال المأثورة للخليفة المنصور إذ كانت شائعة لدى كتاب بغداد (كتاب البيان) وابن المعتزلة مجموعة ذكرها فى "كتاب الأدب" وكان يطلق على الأقوال الحكيمة من هذا النوع اسم "الأثر". وبعد وفاة أبى عبيد فى مكة استطاع أحد تلاميذه -وهو على بن عبد العزيز البغوى الذى عاش بعد وفاة أستاذه لمدة ستين عامًا- أن يزود كتاب أستاذه بشروح وضعها الثقات فى التاريخ العربى والإسلامى، مثل الزبير بن بكار (ت ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م) أو سلمة بن عاصم. وهو تلميذ للفراء. وبذلك أصبح فى مقدوره أن يقرأ هذا النص بحواشيه ويشرحه للحجاج فى الحلقات التى يعقدها لهم، ومن هنا ذاعت وانتشرت على نطاق واسع مجموعة الأمثال التى جمعها أبو عبيد، مصحوبة بهذه الشروح وشروح أخرى غيرها، حتى بلغت الأندلس غربا وخراسان شرقًا، فلم يقتصر الأمر على طرحها وكتابة حواش عنها بل غدت نقطة انطلاق لكل مجموعة أمثال لاحقة،

стр. 8886

إذ تبنى المؤلفون ما حوته هذه المجموعة من أمثال بالإضافة إلى الشروح التى كانت تضاف إلى النسخة الكاملة أو المختار منها، وكانت هناك نسخ ذات نمط موحد لمثل هذه المجموعات فى قرطبة فى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى أعدها القاسم بن سعدان أو مدمجة فى الشرح الذى أعده البكرى فى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى وكانت هناك نسخة من نسخ القاسم ذات النمط الموحد فى نيسابور فى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى حيث جمع الميدانى كتابه "مجمع الأمثال" وهو أشمل مجموعة أمثال عربية. والمجموعات التالية إما أنها مطبوعة أو فى المطبعة أو معدة للطبع. ١ - كتاب الأمثال لأبى عبيد القاسم ابن سلام (ت ٢٢٤ هـ/ ٨٣٨ م) -طبع فى دمشق- ق ١٤ هـ/ ١٩٨٠ م. اختصره أبو عبيد البكى (ت ٤٨٧ هـ/ ١٠٩٤ م) وشرحه بعنوان "فصل المقال فى شرح كتاب الأمثال" أ) أبو الحسن الطوسى تلميذ أبى عبيد الذى دون "كتاب الأمثال" للمفضل ابن محمد الضبى (ت حوالى ١٧٠ هـ/ ٨١٩ م) أثناء مجالس عقدها فى عام ٢٦٣ هـ/ ٨٧٦ م وبذلك قدم لنا نسخة مكتوبة من "كتاب الأمثال" للمؤرّج وينقل لنا هذا النص بما فيه من أخبار الأمثال، ومنها حكايات خرافية وشروح لغوية وأشعار تشرح الأمثال على شكل محاورات، تنقل لنا الجو العام لما كان يدور فى المجالس من إلقاء للأمثال وأخبارها بصورة تلقائية. (الرياض ١٣٩٠ هـ/ ١٩٧٠ م). ٢ - وثمة شذرة معروفة تحتوى على سبعة أمثال بصيغة أفعل من وتنسب إلى محمد بن حبيب وهى "كتاب الأمثال على أفعل من" (بغداد ١٩٥٦ م). ٣ - أبو عِكْرمة عامر بن عِمْران الضَّبىِّ (ت ٢٥٠ هـ/ ٨٦٤ م) له كتاب، الأمثال وبه ١١١ مثلا معظمها محاورات وبه أشعار عديدة للاستشهاد، ولا يربط المجموعة نسق معين (دمشق ١٣٩٤ هـ/ ١٩٧٤ م).

стр. 8887

٤ - المفضَّل بن سلمة له كتاب "الفاخر" يضم ٥٢١ مثلا بعضها محاورات وأغلبها حكايات عن المناسبات التى قيلت فيها الأمثال (تونس ١٣٥٣ هـ/ ١٩٣٤ م) و (القاهرة ١٣٨٠ هـ/ ١٩٦٠ م). ٥ - أبو بكر بن الأنبارى (ت ٣٢٨ هـ/ ٩٤٠ م) له كتاب "الزاهر فى معانى كلمات الناس" به ٨٩٦ مثلًا مع ذكر أسماء الرواة (بغداد بيروت ١٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م) أ) وكتاب "أفعل من كذا" لأبى على القالى (ت ٣٥٦ هـ/ ٩٦٧ م) يعد نموجا لتراث المجالس الشفاهى، وبه ٣٦٣ مثلًا ولا يربطها نسق محدد -ويدل هذا على أن تناقل الأمثال شفاها كان شائعا فى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى، وهى طريقة مرنة وقابلة لإدخال تغييرات شديدة على المادة المنقولة (تونس ١٣٩٢ هـ/ ١٩٧٢ م). ٦ - حمزة الأصفهانى (ت بين ٣٥٠ هـ/ ٩٦١ م و ٣٦٠ هـ/ ٩٧٠ م) له "كتاب الأمثال على أفعل من "أو" الدره الفاخرة فى الأمثال السائرة". القاهرة (١٣٢٦ م /١٩٠٨ م). وفيه زاد المؤلف المجموعة التى جمعها من قبل محمد بن حبيب لتصبح أكثر من ١٨٠٠ مثل بصيغة "أفعل من" منها أكثر من ٥٠٠ مثل مولّد ومرتب وفق الحرف الأبجدى الأول للمثل، وزاد عليها ٥٠٠ نادرة لغوية (من النوادر اللغوية المركبة من "أبو، أم، ابن الخ. . والنوادر ذات التركيبة الثنائية)، كما ذكر بعض أخبار الأمثال، وهو من حين إلى حين يميز بين المثل القديم والمثل الإسلامى والمثل المولّد. ٧ - أبو هلال العسكرى (ت بعد ٣٩٥ هـ/ ١٠٠٥ م) له "جمهرة الأمثال" (بومباى ١٣٠٧ هـ/ ١٨٨٩ م) ويحوى حوالى ٨٠٠ مثل على صيغة "أفعل من" ومرتبة أبجدية ومعظم أمثال مجموعته من النوع "الأدبى" الذى لا تتداوله الألسنة فى الحياة اليومية. ٨ - أبو الحسن على بن الفضل المؤيدى الطَلْقانى (أو الطَلَقانى) له كتاب "رسالة الأمثال البغدادية" (القاهرة ١٣٣١ هـ/ ١٩١٣ م) وهى أقدم مجموعة محلية للأمثال وبها أكثر من ٦٠٠ مثل مولد ومرتب أبجديا.

стр. 8888

٩ - أبو الفضل الميكالى (ت ٤٣٦ هـ/ ١٠٤٤ م) له كتاب "نُبذ من أمثال الأمير الميكالى" وهى مجموعة صغيرة مرتبة أبجديا ومقسمة إلى فصول وكل فصل يستشهد بآية من القرآن الكريم أو بحديث نبوى. ١٠ - يوجد "كتاب الأمثال" مجهول المؤلف به عدد حوالى ١٤٠٠ مثل أو أقل قليلا (طبعة حيدر أباد ١٣٥١ هـ/ ١٩٣٢ م). ١١ - الواحدى -وهذا اسم مستعار- له كتاب "الوسيط فى الأمثال" (الكويت ١٣٩٥ هـ/ ١٩٧٥ م) ١٢ - أبو الفضل الميدانى (ت ٥١٨ هـ/ ١١٢٤ م) له كتاب "مجمع الأمثال" (بولاق ١٢٨٤ هـ/ ١٨٦٧ م). يقول المؤلف فى مقدمته إنه تتبع أكثر من خمسين مؤلَّفا للأمثال واقتبس منها بحيث أمكن جمع حوالى ٦٢٠٠ مثل مرتبة ترتيبًا أبجديا، منها حوالى ٩٠٠ مثل على صيغة "أفعل من"، وحوالى ١٠٠٠ مثل مولّد وأكثر من ٢٠٠ مثل عن أيام العرب، وأكثر من ٢٠٠ مثل من أحاديث النبى [ ﷺ ] وآخرين ويعد كتابه "المجمع" أشمل الكتب فى هذا المجال ومن هنا كان ذائعا واسع الانتشار، وظل حتى يومنا هذا مصدرًا لمخطوطات عديدة يرجع أقدمها لعام ٥٣٣ هـ/ ١١٣٦ م، كما تناوله الكثيرون بالاختصار والشرح والطبع. ١٣ - أبو القاسم الزمخشرى (ت ٥٣٨ هـ/ ١١٤٤ م) له كتاب "المستقصى فى أمثال العرب" (حيدر أباد ١٣٨١ هـ/ ١٩٦٢ م) وبه حوالى ٣٥٠٠ مثل مع هوامش بها ملاحظات جيدة إما لغوية أو تاريخية مختصرة. ومرتبة ترتيبًا أبجديا دقيقا. وعلى الرغم من هذه الميزات إلا أن هذا الكتاب الذى وضعه العالم الكبير لا يمكنه الافلات من ظلال زميله الأكبر الميدانى فى مجموعته التى تعد أكثر شمولا ورجحته منذ اللحظة الأولى. وثمة كتاب آخر لهذا المؤلف لا يعرف إلا بعنوانه "سوائر الأمثال". أما مجموعته الكبرى فى الأدب "ربيع الأبرار ونصوص الأخبار" فهى تحتوى على أقوال مأثورة وكان مصدرًا من مصادر

стр. 8889

الإبشيهى (ت ٨٥٠ هـ/ ١٤٤٦ م) فى كتابه "المستطرف" الذى طبع عدة مرات طبعات مختصرة، ثم طبعة كاملة محققة (بغداد ١٣٩٦ - ١٤٠٢ هـ/ ١٩٧٦ - ١٩٨٢ م). أما مجموعته الصغرى للأقوال المأثورة فقد طبعت بالفعل مع ترجمات لها -فى أوربا فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ١٤ - أبو الحسن البَيْهَقى (ت ٥٦٥ هـ/ ١١٦٩ م) له "غُرر الأمثال ودرر الأقوال" وبه حوالى ٢٩٠٠ مثل بما فى ذلك الأمثال المولَّدة، وبترتيب أبجدى حسب أول حرف فى المثل ولقد احتفظ تلميذ الميدانى بقدر عال من الاستقلال عن معلمه فضلا عن وضوح التصنيف فهو يصنف مادته إلى: مَثَل، لغة، إعراب، معنى، سبب، ضَرْب، حل، حكاية أضف إلى ذلك وجود شروح فى فقه اللغة. وكثير من هذه الأمثال وضع فى سياق "عالم" خاص، قد يكون هذا العالم محليا أو تاريخ أسرة أو تجربة شخصية، وذلك من خلال حكايات وأخبار حية. ١٥ - رَضِى الدين سعيد (أبو عبد اللَّه) محمد بن على العراقى (ت ٥٦١ هـ/ ١١٦٦ م) له "نزهة الأنفس وروضة المجالس" وتضم هذه المجموعة -التى لم يلتفت إليها أحد حتى الآن- ٩٠٠ مثل، منها محاورات، ومنها حكايات قديمة -الكثير من هذه الحكايات طويل إلى حد الإملال- تتعلق بمشكلة الأوائل (أى أول من قاله) وتم ترتيب المجموعة ترتيبا أبجديا فى ٢٩ فصلا والمؤلف -وهو تلميذ للفقيه اللغوى المعروف أبى زكريا التبريزى- يستمد زاده من تراث المجالس العراقية. وثمة مخطوطة واحدة فقط -صفحاتها الأولى تالفة- هى الموجودة. وكتاب "الوسيط فى الأمثال" للعراقى عبارة عن ملخص لكتاب "نزهة" ويضم رُبع ما يحتويه المجلد الأصلى. ١٦ - أبو المحاسن الشَّيْبى (ت ٨٣٧ هـ/ ١٤٣٣ م) له "تمثال الأمثال" طبع جزء منه فى النصف الأول من كتاب "تمثال الأمثال" لجمال الدين الشَّيْيبى (لاهور ١٩٦١ م). ومعظم

стр. 8890

أمثاله التى يبلغ عددها ٤٤١ مثلا مرتبة ترتيبًا أبجديا، وقد استخلصها المؤلف من مجموعتى الميدانى والزمخشرى أما باقى الأمثال فقد استمدها من كتب الأدب مثل "كتاب الأغانى" أو عن أبيات الشعر. ولم يغفل المصادر التى أخذها إلا فى حالات قليلة، ويورد أخبار الأمثال بإفاضة أحيانًا ولا يمكن توقع الكثير من مجموعات أخرى للأمثال تصدر فى ذلك العصر أو فى عصور لاحقة بالقياس لمجموعة الأمثال الكلاسيكية، إلا أن كتاب "مجمع الأقوال فى معانى الأمثال" لمحمد بن عبد الرحمن بن أبى البقاء وهو حفيد الفقيه اللغوى أبى البقاء العُكْبرى (ت ٦١٦ هـ/ ١٢١٩ م) يستحق اهتمام الدارس. والكتاب يقع فى ستة أجزاء بعضها حفظ بخط المؤلف من عام ٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م وقد استفاد من ٣٠ مصدرا وثمة مجموعات جديدة وكاشفة للأمثال -باللهجة العامية- يرجع تاريخها إلى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى وما بعده: ١٧ - أبو يحيى الزجّالى (ت ٦٩٤ هـ/ ١٢٩٤ م) له أمثال العوام فى الأندلس وبه ٢١٥٧ مثلا. ١٨ - أبو بكر بن العاصم (ت ٨٢٩ هـ/ ١٤٢٦ م) له "حدائق الأزهار" وبه ٨٥١ مثلا. رابعًا: مجموعات حديثة ثار الاهتمام فى أوربا بالأمثال العربية عند نهاية القرن السادس عشر. وظلت هذه الأمثال الأدبية تنتقل عبر أجيال حتى القرن التاسع عشر وذلك فى كتب القراءة والتدريبات اللغوية خصوصًا فى الملاحق الخاصة بالدراسات العبرية. وكان ا. بوكوك قد وضع خطة فى عام ١٦٧١ م لتحقيق مجموعة الميدانى بأكملها ولم تنفذ إلا على يد ح. ف فرايتاج فى الأعوام ١٨٣٨ - ١٨٤٣ م. ومنذ ذلك الوقت والرحالة الأوربيون المثقفون اللغويون يسجلون وينشرون عددًا كبيرًا من الأمثال العربية -أغلبها باللهجة العامية- وتبعهم فى ذلك

стр. 8891

جامعو الأمثال فى المشرق وبصفة خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ٢ - فى الفارسية ظلت اللغة الفارسية -رغم أدائها الأدبى الرفيع- لغة شعبية، لغة مجتمع بسيط فى جوهره تسوده الأميّة يعتمد على الزراعة والرعى والصناعات اليدوية والتجارة -ومن ثم لا يدهشنا أن نجدها حافلة بالتعبيرات والأمثال- ومعظمها موجز وبليغ، ولكن منها ما هو أكثر إيضاحا فى معناه ومبناه. وأدب الثقافة الرقيقة -وبوجه خاص الكتب التى تحض على مكارم الأخلاق، والكتابات الترفيهية التى تهدف إلى التثقيف وتهذيب الأخلاق مثل "جُلسْتان" لسعدى- هذا الأدب زاخر بالأمثال ومن المستحيل عمليا (كما هو الشأن مع شكسبير مثلًا) تحديد ما إذا كان المؤلف نفسه هو الذى ابتكر القصة التى تقف وراء المثل، أو أنه صك بنفسه مأثورا ثم حظى هذا القول بالذيوع بعد ذلك، أو أنه لا يعدو أن يكون قد انتحل حكايات وأمثال كانت ذائعة بالفعل على الألسن- بل إن الأدب الذى يبدو فى ظاهره بعيد الصلة عن الأمثال نجده يسترسل فى اقتباس الأقوال المأثورة. وتتميز المجوعة الرئيسية المعتمدة للأمثال -إجمالا- بوجود ملامح تنم عن القدم سواء من حيث المفردات أو التراكيب النحوية أو الأسلوب، ولا شك فى أن معظمها أصيل غير منتحل إلا أنه من المحتمل أن يكون بعضها قد اختلف عن عمد -إلى حد ما- لإضفاء طابع القدم والأصالة عليها. هذا ما تتميز به المجموعة -على الأقل قبل أن تتوافر حديثًا بذلك الميل الواضح نحو التحديث. وأغلب الظن أن بعض هذه الأمثال نقل عن العربية (ربما فى فجر الإسلام) وبعضها الآخر له ما يناظره أو يعادله فى اللغة التركية، ولكن هذا لا يعنى أن حركة الأمثال هى على الدوام من الفارسية إلى التركية، وثمة جزء لا بأس به من الأمثال صيغ بلهجة عامية. فإذا وضعنا فى الاعتبار هذه العوامل المتعددة، والتحول السريع الذى طرأ على المجتمع الإيرانى، واضمحلال

стр. 8892

التعليم التقليدى طوال الخمسين عاما الأخيرة، أدركنا أن كثيرا من الأمثال لم تعد مفهومة تماما أو مقتبسة بدقة أو طبقت التطبيق الصحيح، وهو نفس ما حدث فى الثقافة الغربية. ولذا كان من المحتم وجود عنصر إنسانى مشترك فى أدب الأمثال فى كل اللغات، فإنه من الصحيح -لدرجة مذهلة- أن أى مثل فارسى له نظيره -وبنفس الاستخدام تقريبًا- فى نطاق اللغات الغربية على اتساعها. المصادر: L.P. Elvell: Periam Proverdes. leiden ١٩٥٤ سعيد عبد المحسن [ج. م. فيكنر G.M.Wicenr] فى اللغة التركية لفظة "مثل" بالتركية و"مييل" بالتركية الحديثة لها أشكال مختلفة فهى "مثل" و"مَثَل" و"مِثَل" وهى تعنى أيضًا "اللغز"، و"مثل" تعنى أيضًا قصة. والمثل منطوق موجز صُب فى قالب محدد يبرز قاعدة سلوكية أو بديهية من البديهيات أو إقرار حقيقة، وهو ثمرة خبرة طويلة، ويستخدم كوسيلة تجعل الكلام أكثر إقناعا، فهو غير مستقل فى وجوده بل يشكل جزءًا مكملا للكلام. وإلى جانب الاستخدام المتكرر له فى محدثات الحياة اليومية نجده يشكل عنصرا من العناصر التى تستخدم فى تدعيم الإبداع -سواء أكان أدبيا أم ثقافيا أم شعبيا- وزخرفته - ففى التراث الملحمى -على سبيل المثال- نجد سلسلة من الأمثال، تتعلق بقصة الملحمة، تستخدم كنوع من الاستهلال لها مع مراعاة تجانس أول حرف من المثل أو آخر حرف منه بباقى أبيات الملحمة، وأن يكون متفقا مع الوزن الذى صيغت به الملحمة- بهذه الخصائص الوظيفية يتميز المثل عن غيره من أجناس الأدب الشفاهى. إلا أنه لوحظ أن شعب "كَرَيم" فى "كريميا" وكذلك فى التراث الشعبى لشعب "إشيل فى تركيا يستخدم المثل بصورة مستقلة بوصفه عنصرا أساسيا فى أى لعبة يلعبونها بالكلمات، حيث تجرى مسابقة بين فريقين (أو شخصيتين) يواجه أحدهما الآخر وكل منهما -بالتبادل-

стр. 8893

يلفظ مثلا من الأمثال يبدأ بنفس الحرف من الأبجدية، والفريق -أو الشخص- الفائز هو الذى ينجح فى ذكر أكبر عدد من الأمثال. وإذا قسمنا الأمثال وفق الأفكار الرئيسية التى يدور حولها المثل، فسوف نجد أن أول فئة من الأمثال هى تلك التى تنطوى على حكم بسيطة، فبعضها يضمن قاعدة أخلاقية أو يوحى بقاعدة سلوكية، والفئة الثانية هى تلك التى تقرر حقيقة ما عن الحياة اليومية، أو الطبيعية البشرية أو الظواهر الطبيعة أو "لأعمال والأيام" وأحيانًا تتضمن نقدا أو نصيحة عملية. وأخيرا فئة ثالثة تتميز بأنها اكتسبت طابعا محليا أو إقليميا خاصا سواء من حيث النشأة أو الاستخدام، وهى تعبر عن رأى الجماعة -عرقية ودينية أو غير ذلك- إزاء الجماعات الأخرى، أما من حيث الصياغة الشكلية أو الأسلوبية فثمة أربع فئات تميزه: ١ - أمثال صيغت فى نثر عاد. ٢ - أمثال تحتوى على عناصر من النظم. وهذه الفئة الثانية لها أنماط متعددة: نمط يصاغ فيه المثل على شكل بيت من الشعر أو بيتين من البحور التقليدية (فى حالة البيتين يراعى القافية الواحدة). نمط ثان يصاغ فيه المثل بحيث يراعى تجانس الحرف الأول للأجزاء المكونة له، أو يراعى وجود موسيقى داخلية بينها، وأخيرا نمط ثالث يتم فيه تجميع عدة أمثال ذات أفكار مختلفة مع مراعاة القافية أو تجانس الحروف الأولى منها أو ربطها متتابعا وهو ما تجده فى نصوص الملاحم. ٣ - أمثال وأقوال مأثورة ذات تركيبة قصصية. وهى أحيانًا تعد نوعا من "القصص المصغر" دون أن تنطوى على حوار وفى أحيان أخرى يختزل هذا القصّ إلى أقل حد ممكن أو يتلاشى تمامًا، وعنئذ يتخذ شكل الحوار. ٤ - وعلينا أن تميز أمثال هذه الفئة الثالثة من تلك التى نشأت من خلال قصة فهذه تلمح إلى حدث تاريخى أو شخصية قصصية، وتلك تعد من قبل الأمثال أو الأقوال المأثورة التى تحملنا إلى قصة من قصص نصر الدين خوجة.

стр. 8894

وبدأنا نشاهد منذ القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى بعض الأمثال ضمن نقوش "كوك تورك". ثم بدأنا نعثر فى وقت لاحق -بعد القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى على عدد أكبر من الأمثال فى نصوص أُويفور- ومن بين ٢٩٠ مثلًا بقى عدد كبير منها حتى يومنا هذا نجدها فى قاموس محمود كاشْغَرى (الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى). وأقدم مجموعتين تركيتين عثمانيتين وهما من وضع مجهولين: "رسالة من كلمات أو غزنامة المشهور بأتلزسوزس" بدون تاريخ وإن كان المرجح أن تاريخه يرجع إلى القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى. و"كتاب أى أتلر" جمع فى عام ١٨٨٥ هـ/ ١٤٨٠ - ١٤٨١ م. أما "نبذ نامة" الذى جمعه الشاعر العثمانى جواهى (العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى) فهو مجموعة من الأمثال من التراث الشفاهى صيغت فى شعر كلاسيكى تقليدى. وعديد من شعراء العصر العثمانى ومنهم "ثابت" (الحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى) و"حِفْظى" (القرن الثانى عشر الهجرى/ الثامن عشر الميلادى) - اشتهروا بترصيع أشعارهم بالأمثال. بينما هناك آخرون مثل "رُوحى" من بغداد (القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى) و"نابى" (القرن الحادى عشر الهجرى السابع عشر الميلادى)، "ضياء باشا" و"سيرانى" (القرن الثالث عشر الهجرى/ التاسع عشر الميلادى) هم على النقيض من ذلك إذ كانت أشعارهم ومقطوعاتهم محل إعجاب الناس ثم اكتسبت بمرور الزمن مكانة الأمثال ووظائفها. وما إن حل النصف الثانى من القرن التاسع عشر حتى بدأ مثقفو تركيا التى ارتدت ثوب الغرب يبدون اهتماما بتجميع الأمثال ودراستها دراسة مقارنة. فكانت مجموعة من هذا النوع هى "ضروب أى أمثال عثمانية" (١٨٦٣) لشيناسى ولقد بلغ عدد الأمثال التى ضمنها هذه المجموعة فى طبعتها الثانية (١٨٧٠) ٢٥٠٠ مثل وفى طبعتها الثالثة (١٨٨٥) ٤٠٠٠ مثل ثم مجموعة أحمد وفيق باشا وعنوانها

стр. 8895

"منتخبات ضروب أى أمثال تركية" (١٨٧١) وتضم ٤٣٠٠ مثل. سعيد عبد المحسن [ب. ن. بوراتاف P.N. Boratow] فى اللغة الأوردية يطلق على الأمثال فى اللغة الأوردية عدة أسماء فكلمة مَثَل (مسل) وتعبير "ضَرْب الأمثل" (زَرْبُ المَسل) أو "كهاوت" وهى مرتبطة بـ "المحاورات" واللغة الأوردية حافلة بها, ولا يقتصر استخدامها على الأحاديث اليومية بل يتعداها إلى اللغة الرسمية وفى الأدب وبصفة خاصة الشعر، والرائد الذى بدأ أمثال هذه اللغة انجليزى يدعى س. و. فالون فى "قاموس الأمثال الهندوستانية" (بنارس - لندن ١٨٨٦). نشر بعد وفاته حيث حققه وراجعه ر. ك. تميل، وهو يضم ١٢.٥٠٠ مثل من الأردية الرومانية مرتبة ترتيبًا أبجديا وفق أول كلمة فى المثل وكان من المحتمل أن يزيد عدد أمثاله لو أن المؤلف عاش لاستكماله نظرًا لأهميته، وكثيرا من الأمثال نجدها معروضة بصورة أفضل فى كتابه المبكر "قاموس جديد هندوسيانى انجليزى". وقد حذا حذوه رجال المعاجم فى قواميسهم باللغة الأوردية المنغولية التى تحتوى على أمثال عديدة. ومن أفضل هذه القواميس "جامع اللغات" للخواجة عبد المجيد (٤ مجلدات) طبعة (لكنو ١٩٣٣ - ١٩٣٥ م). وتضم المقدمة قسما عن الأمثال (١٦) أما قائمة الكتب (١٧ - ١٨) فتذكر عناوين لمجموعات عديدة للأمثال بالأوردية الهندية وللأسف لا توجد معلومات تفصيلية عن المؤلفين أو النشر. ومن هذه المجموعات "محاورات إى هندى" لسُجان نَجْش (دهلى ١٩١٣) و"ضرب الأمثال ومحاورات" لسَيْفى نوجانى (كرانتى ١٩٨٢). المصادر: وردت فى المتن. سعيد عبد المحسن [ج. ا. هيوود J.A. Haywood] فى اللغة السواحيلية معظم الأمثال المعروفة فى اللغة السواحيلية جمعت من مصادر شفهية، أى من ذاكرة كبار السن من القوم ولا تزال أهم مجموعة منها يضمها كتاب "الأقوال المأثورة الإفريقية" من وضع "و. تبلور" عام ١٨٩١ م، ويمكن
следующие страницы →