Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.
стр. 8891
جامعو الأمثال فى المشرق وبصفة خاصة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
٢ - فى الفارسية
ظلت اللغة الفارسية -رغم أدائها الأدبى الرفيع- لغة شعبية، لغة مجتمع بسيط فى جوهره تسوده الأميّة يعتمد على الزراعة والرعى والصناعات اليدوية والتجارة -ومن ثم لا يدهشنا أن نجدها حافلة بالتعبيرات والأمثال- ومعظمها موجز وبليغ، ولكن منها ما هو أكثر إيضاحا فى معناه ومبناه. وأدب الثقافة الرقيقة -وبوجه خاص الكتب التى تحض على مكارم الأخلاق، والكتابات الترفيهية التى تهدف إلى التثقيف وتهذيب الأخلاق مثل "جُلسْتان" لسعدى- هذا الأدب زاخر بالأمثال ومن المستحيل عمليا (كما هو الشأن مع شكسبير مثلًا) تحديد ما إذا كان المؤلف نفسه هو الذى ابتكر القصة التى تقف وراء المثل، أو أنه صك بنفسه مأثورا ثم حظى هذا القول بالذيوع بعد ذلك، أو أنه لا يعدو أن يكون قد انتحل حكايات وأمثال كانت ذائعة بالفعل على الألسن- بل إن الأدب الذى يبدو فى ظاهره بعيد الصلة عن الأمثال نجده يسترسل فى اقتباس الأقوال المأثورة.
وتتميز المجوعة الرئيسية المعتمدة للأمثال -إجمالا- بوجود ملامح تنم عن القدم سواء من حيث المفردات أو التراكيب النحوية أو الأسلوب، ولا شك فى أن معظمها أصيل غير منتحل إلا أنه من المحتمل أن يكون بعضها قد اختلف عن عمد -إلى حد ما- لإضفاء طابع القدم والأصالة عليها. هذا ما تتميز به المجموعة -على الأقل قبل أن تتوافر حديثًا بذلك الميل الواضح نحو التحديث.
وأغلب الظن أن بعض هذه الأمثال نقل عن العربية (ربما فى فجر الإسلام) وبعضها الآخر له ما يناظره أو يعادله فى اللغة التركية، ولكن هذا لا يعنى أن حركة الأمثال هى على الدوام من الفارسية إلى التركية، وثمة جزء لا بأس به من الأمثال صيغ بلهجة عامية. فإذا وضعنا فى الاعتبار هذه العوامل المتعددة، والتحول السريع الذى طرأ على المجتمع الإيرانى، واضمحلال
стр. 8892
التعليم التقليدى طوال الخمسين عاما الأخيرة، أدركنا أن كثيرا من الأمثال لم تعد مفهومة تماما أو مقتبسة بدقة أو طبقت التطبيق الصحيح، وهو نفس ما حدث فى الثقافة الغربية. ولذا كان من المحتم وجود عنصر إنسانى مشترك فى أدب الأمثال فى كل اللغات، فإنه من الصحيح -لدرجة مذهلة- أن أى مثل فارسى له نظيره -وبنفس الاستخدام تقريبًا- فى نطاق اللغات الغربية على اتساعها.
المصادر:
L.P. Elvell: Periam Proverdes. leiden ١٩٥٤
سعيد عبد المحسن [ج. م. فيكنر G.M.Wicenr]
فى اللغة التركية
لفظة "مثل" بالتركية و"مييل" بالتركية الحديثة لها أشكال مختلفة فهى "مثل" و"مَثَل" و"مِثَل" وهى تعنى أيضًا "اللغز"، و"مثل" تعنى أيضًا قصة.
والمثل منطوق موجز صُب فى قالب محدد يبرز قاعدة سلوكية أو بديهية من البديهيات أو إقرار حقيقة، وهو ثمرة خبرة طويلة، ويستخدم كوسيلة تجعل الكلام أكثر إقناعا، فهو غير مستقل فى وجوده بل يشكل جزءًا مكملا للكلام. وإلى جانب الاستخدام المتكرر له فى محدثات الحياة اليومية نجده يشكل عنصرا من العناصر التى تستخدم فى تدعيم الإبداع -سواء أكان أدبيا أم ثقافيا أم شعبيا- وزخرفته - ففى التراث الملحمى -على سبيل المثال- نجد سلسلة من الأمثال، تتعلق بقصة الملحمة، تستخدم كنوع من الاستهلال لها مع مراعاة تجانس أول حرف من المثل أو آخر حرف منه بباقى أبيات الملحمة، وأن يكون متفقا مع الوزن الذى صيغت به الملحمة- بهذه الخصائص الوظيفية يتميز المثل عن غيره من أجناس الأدب الشفاهى. إلا أنه لوحظ أن شعب "كَرَيم" فى "كريميا" وكذلك فى التراث الشعبى لشعب "إشيل فى تركيا يستخدم المثل بصورة مستقلة بوصفه عنصرا أساسيا فى أى لعبة يلعبونها بالكلمات، حيث تجرى مسابقة بين فريقين (أو شخصيتين) يواجه أحدهما الآخر وكل منهما -بالتبادل-
стр. 8893
يلفظ مثلا من الأمثال يبدأ بنفس الحرف من الأبجدية، والفريق -أو الشخص- الفائز هو الذى ينجح فى ذكر أكبر عدد من الأمثال.
وإذا قسمنا الأمثال وفق الأفكار الرئيسية التى يدور حولها المثل، فسوف نجد أن أول فئة من الأمثال هى تلك التى تنطوى على حكم بسيطة، فبعضها يضمن قاعدة أخلاقية أو يوحى بقاعدة سلوكية، والفئة الثانية هى تلك التى تقرر حقيقة ما عن الحياة اليومية، أو الطبيعية البشرية أو الظواهر الطبيعة أو "لأعمال والأيام" وأحيانًا تتضمن نقدا أو نصيحة عملية. وأخيرا فئة ثالثة تتميز بأنها اكتسبت طابعا محليا أو إقليميا خاصا سواء من حيث النشأة أو الاستخدام، وهى تعبر عن رأى الجماعة -عرقية ودينية أو غير ذلك- إزاء الجماعات الأخرى، أما من حيث الصياغة الشكلية أو الأسلوبية فثمة أربع فئات تميزه:
١ - أمثال صيغت فى نثر عاد.
٢ - أمثال تحتوى على عناصر من النظم. وهذه الفئة الثانية لها أنماط متعددة: نمط يصاغ فيه المثل على شكل بيت من الشعر أو بيتين من البحور التقليدية (فى حالة البيتين يراعى القافية الواحدة). نمط ثان يصاغ فيه المثل بحيث يراعى تجانس الحرف الأول للأجزاء المكونة له، أو يراعى وجود موسيقى داخلية بينها، وأخيرا نمط ثالث يتم فيه تجميع عدة أمثال ذات أفكار مختلفة مع مراعاة القافية أو تجانس الحروف الأولى منها أو ربطها متتابعا وهو ما تجده فى نصوص الملاحم.
٣ - أمثال وأقوال مأثورة ذات تركيبة قصصية. وهى أحيانًا تعد نوعا من "القصص المصغر" دون أن تنطوى على حوار وفى أحيان أخرى يختزل هذا القصّ إلى أقل حد ممكن أو يتلاشى تمامًا، وعنئذ يتخذ شكل الحوار.
٤ - وعلينا أن تميز أمثال هذه الفئة الثالثة من تلك التى نشأت من خلال قصة فهذه تلمح إلى حدث تاريخى أو شخصية قصصية، وتلك تعد من قبل الأمثال أو الأقوال المأثورة التى تحملنا إلى قصة من قصص نصر الدين خوجة.
стр. 8894
وبدأنا نشاهد منذ القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى بعض الأمثال ضمن نقوش "كوك تورك". ثم بدأنا نعثر فى وقت لاحق -بعد القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى على عدد أكبر من الأمثال فى نصوص أُويفور- ومن بين ٢٩٠ مثلًا بقى عدد كبير منها حتى يومنا هذا نجدها فى قاموس محمود كاشْغَرى (الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى). وأقدم مجموعتين تركيتين عثمانيتين وهما من وضع مجهولين: "رسالة من كلمات أو غزنامة المشهور بأتلزسوزس" بدون تاريخ وإن كان المرجح أن تاريخه يرجع إلى القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى. و"كتاب أى أتلر" جمع فى عام ١٨٨٥ هـ/ ١٤٨٠ - ١٤٨١ م. أما "نبذ نامة" الذى جمعه الشاعر العثمانى جواهى (العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى) فهو مجموعة من الأمثال من التراث الشفاهى صيغت فى شعر كلاسيكى تقليدى.
وعديد من شعراء العصر العثمانى ومنهم "ثابت" (الحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى) و"حِفْظى" (القرن الثانى عشر الهجرى/ الثامن عشر الميلادى) - اشتهروا بترصيع أشعارهم بالأمثال. بينما هناك آخرون مثل "رُوحى" من بغداد (القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى) و"نابى" (القرن الحادى عشر الهجرى السابع عشر الميلادى)، "ضياء باشا" و"سيرانى" (القرن الثالث عشر الهجرى/ التاسع عشر الميلادى) هم على النقيض من ذلك إذ كانت أشعارهم ومقطوعاتهم محل إعجاب الناس ثم اكتسبت بمرور الزمن مكانة الأمثال ووظائفها.
وما إن حل النصف الثانى من القرن التاسع عشر حتى بدأ مثقفو تركيا التى ارتدت ثوب الغرب يبدون اهتماما بتجميع الأمثال ودراستها دراسة مقارنة. فكانت مجموعة من هذا النوع هى "ضروب أى أمثال عثمانية" (١٨٦٣) لشيناسى ولقد بلغ عدد الأمثال التى ضمنها هذه المجموعة فى طبعتها الثانية (١٨٧٠) ٢٥٠٠ مثل وفى طبعتها الثالثة (١٨٨٥) ٤٠٠٠ مثل ثم مجموعة أحمد وفيق باشا وعنوانها
стр. 8895
"منتخبات ضروب أى أمثال تركية" (١٨٧١) وتضم ٤٣٠٠ مثل.
سعيد عبد المحسن [ب. ن. بوراتاف P.N. Boratow]
فى اللغة الأوردية
يطلق على الأمثال فى اللغة الأوردية عدة أسماء فكلمة مَثَل (مسل) وتعبير "ضَرْب الأمثل" (زَرْبُ المَسل) أو "كهاوت" وهى مرتبطة بـ "المحاورات" واللغة الأوردية حافلة بها, ولا يقتصر استخدامها على الأحاديث اليومية بل يتعداها إلى اللغة الرسمية وفى الأدب وبصفة خاصة الشعر، والرائد الذى بدأ أمثال هذه اللغة انجليزى يدعى س. و. فالون فى "قاموس الأمثال الهندوستانية" (بنارس - لندن ١٨٨٦). نشر بعد وفاته حيث حققه وراجعه ر. ك. تميل، وهو يضم ١٢.٥٠٠ مثل من الأردية الرومانية مرتبة ترتيبًا أبجديا وفق أول كلمة فى المثل وكان من المحتمل أن يزيد عدد أمثاله لو أن المؤلف عاش لاستكماله نظرًا لأهميته، وكثيرا من الأمثال نجدها معروضة بصورة أفضل فى كتابه المبكر "قاموس جديد هندوسيانى انجليزى". وقد حذا حذوه رجال المعاجم فى قواميسهم باللغة الأوردية المنغولية التى تحتوى على أمثال عديدة. ومن أفضل هذه القواميس "جامع اللغات" للخواجة عبد المجيد (٤ مجلدات) طبعة (لكنو ١٩٣٣ - ١٩٣٥ م). وتضم المقدمة قسما عن الأمثال (١٦) أما قائمة الكتب (١٧ - ١٨) فتذكر عناوين لمجموعات عديدة للأمثال بالأوردية الهندية وللأسف لا توجد معلومات تفصيلية عن المؤلفين أو النشر. ومن هذه المجموعات "محاورات إى هندى" لسُجان نَجْش (دهلى ١٩١٣) و"ضرب الأمثال ومحاورات" لسَيْفى نوجانى (كرانتى ١٩٨٢).
المصادر: وردت فى المتن.
سعيد عبد المحسن [ج. ا. هيوود J.A. Haywood]
فى اللغة السواحيلية
معظم الأمثال المعروفة فى اللغة السواحيلية جمعت من مصادر شفهية، أى من ذاكرة كبار السن من القوم ولا تزال أهم مجموعة منها يضمها كتاب "الأقوال المأثورة الإفريقية" من وضع "و. تبلور" عام ١٨٩١ م، ويمكن
стр. 8896
للمصادر المكتوبة -عند انتقائها- أن تزودنا بزاد أوفر. والشطر الأكبر من الأدب السواحيلى المكتوب هو الشعر، والشعراء مغرمون بإدماج الأمثال فى قصائدهم سواء أكانت دينية أم دنيوية وسواء أكانت غنائية أم ملحمية. بل إن الشعر السياسى فى كينيا وتنزانيا المعاصرين حافل بالأفعال، فهى وسيلة لإخفاء آرائهم الحقيقية إزاء الأوضاع السياسية، حيث لا يتعرف على آرائهم إلا المقربون منهم أو علماء السواحيلية الذين بمقدورهم تتبع إلماحاتها، بل إن أغانى الحب والغنائيات الأخرى نجدها حافلة بالأمثال، وثمة نمط خاص من الأغانى القصيرة (٣٦ مقطعا) يمكن أن نسميه بـ "أغنية المثل"، حيث تنطوى الأمثال فيها على الرسالة المراد إرسالها إلى المحبوب وبذلك لا تبلغ آذان أولئك الذين يُخشى من غضبهم لو عرفوها ونمط الشعر السياسى يتكون من أمثال يرجع تاريخها إلى ٣٠٠ عام على الأقل وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن هناك العديد من التعبيرات، والعبارات الجاهزة، والمصطلحات، والاستعارات المتعارف عليها فى اللغة السواحيلية -حيث تعد هذه التراكيب بمثابة أحجار البناء للأمثال- لأدركنا أن هذه التعابير ذاتها تتيح للمتحدثين بالسواحيلية -ومن باب أولى الشعراء أن يشيروا إلى هذه الأمثال دون حتى ذكرها (فالدجاجة -على سبيل المثال- ترمز للزوجة الصالحة، و"الطائرة الورقية" ترمز إلى الزائر، ولك أن تعقد مقارنة بين هذا الرمز وبين التعبير الانجليزى على اقتباسات مستمدة من المصادر الإسلامية، وهى غالبًا ما تصاغ فى لغة سواحيلية معربة -والمصدران الرئيسيان لهذه الاقتباسات هما القرآن والحديث. فالعلماء يقتبسون من القرآن بالعربية ثم يفسرون معنى ما يقتبسونه باللغة السواحيلية لعامة الناس. وكل اقتباس من القرآن يعد مثلًا من الأمثال عندهم (وغالبا ما يفهمونه فهما خاطئا) وأكثر المصادر شيوعا لديهم "الأربعون حديثًا" التى يتوافر لها أكثر من ترجمة سواحيلية.
المصادر: وردت فى المتن.
سعيد عبد المحسن [ج كنابرت J. Kneppert]
стр. 8897
مجاهد بن جبر
ابن جَبْر المكى، أبو الحجاج، تابعى، ولد فى سنة ٢١ هـ/ ٦٤٢ م، وتوفى فيما بين سنة ١٠٠ هـ/ ٧١٨ م، وسنة ١٠٤ هـ/ ٧٢٢ م فى مكة، وهو مولى السائب (أو عبد اللَّه أو قيس) بن أبى السائب المخزومى. ذاع صيته باسم المقرئ، وإمام التفسير، وهو من مدرسة عبد اللَّه بن عباس ويقال إنه سمع عائشة وأبا هريرة وعبد اللَّه بن عمر وغيرهم من الصحابة (الذهبى، طبقات المفسرين، جـ ٢، ص ٣٠٦). وقال مجاهد: "قرأت القرآن الكريم على ابن عباس ثلاث مرات، أقف عند كل آية أسأله: فيم نزلت وكيف كانت؟ ". وقال قتادة: "أعلم من بقى بالتفسير مجاهد". وقال فؤاد سزكين: "وفى تفسيره نجد كثيرًا من التفسيرات المجازية والمشبَّهة، وكان بعض تفسيره يقرأ بتحفظ، ذلك لأنه كان كثيرًا ما يستشير علماء النصارى وأحبار اليهود" (وانظر ابن سعد، طبقات، جـ ٥، ص ٤٦٧). وقد تنقل فى الأسفار، واستقر فى الكوفة، وكان لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب لينظر إليها، ذهب إلى "بئر برهوت" فى حضر موت، وذهب إلى "بابل" يبحث عن هاروت وماروت. وهو أحد القائلين بالمذهب العقلى فى تفسير القرآن الكريم. (انظر: Goldziher ص ١٠٧ - ١١٠). إذ جعل Richtungen " للرأى" منزلة هامَّة.
وقد نقل الطبرى كثيرًا من تفسير مجاهد، فى تفسيره "جامع البيان" (انظر H. Horst: Ueberlieferung im Zur Korankommementars at - Tabarts فى Zeitschtift der Deutschen Morgenlaedischen Gesellschaft، العدد ١٠٣، ص ٢٩٥ - ٢٩٨)؛ ويوجد أيضًا مخطوط بعنوان "تفسير مجاهد"، القاهرة دار الكتب، تفسير رقم ١٠٧٥ (نشر بتحقيق: عبد الرحمن السورتى، إسلام آباد سنة ١٩٧٥ م). وربما يمثل النص جديلة من الجدائل التفسيرية المرتبطة باسم مجاهد. ويقال إن مجاهد "قد مات وهو ساجد".
المصادر:
بالإضافة إلى ما ورد فى المتن انظر أيضًا عادل نويهص (معجم المفسرين من صدر الإسلام حتى العصر
стр. 8898
الحاضر، جـ ٢، ص ٤٦٢ - ٤٦٣، هذه المادة). ط ٢ بيروت سنة ١٩٨٦.
حسن شكرى [أ، ريبين A.Rippin]
مجاهد الموفق
الموفق بن عبد اللَّه العمرى، أبو الجيش، (والى دانية) والجزائر الشرقية "البليار" من أوائل سنة ٤٠٥ هـ/ أواخر ١٠١٤ م حتى ٤٣٦ هـ/ ١٠٤٤ - ١٠٧٥ م.
كان مجاهد "عبدا" (صفة). صقلبيًا، تم شراؤه، وتحول إلى الإسلام واسمه الأبوى "ابن عبد اللَّه" يمثل شكلًا شبه قانونى، وهو ليس اسم أبيه الحقيقى)، وقد تلقى العلم على أيدى المنصور محمد بن أبى عامر الحاجب الأجل لهشام الثانى الأموى، وهو ثالث الخلفاء الأمويين فى الأندلس فى نهاية القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى. دخل فى خدمة بنى عامر، ومن المحتمل أنه قد صار واليًا على دانية فى ظل حكم ابنى ابن أبى عامر الاثنين حوالى نهاية القرن الرابع الهجرى/ أوائل القرن الحادى عشر الميلادى.
وعند انهيار الدولة الأموية فى أعقاب موت ثالث العامريين فى سنة ٣٩٩/ ١٠٠٩ م، أقام مجاهد نفسه، مثل عدد من الآخرين، حاكما مستقلًا، وشيئًا فشيئًا وطد لنفسه دولة فى دانية، والجزائر الشرقية (البليار) على الساحل الشرقى لأسبانيا.
وفى غضون أشهر قليلة من بداية حكمه فيها، أقام خليفة من قِبَلِه، وهو من أقارب البيت الأموى من بعيد (والمطالب الأموى الوحيد بالخلافة فى أسبانيا، مع أنه لم يكن مصادفة من نسل عبد الرحمن الثالث - الناصر)، ويعرف بأنه المعطى مع لقب المنتصر باللَّه. وبعد أن تركه كمسئول صورى عن دانية، انطلق فى سنة ٤٠٦ هـ/ ١٠١٥ - ١٠١٦ م، إلى غزو سردينيا، ومع أنه نجح نجاحًا مبدئيًا، إلا أنه سرعان ما طرد من هناك على أيدى أسطول مشترك من بيزا وجنوة؛ بل حتى ترك ابنه (سلفه المحتمل)، عليًا، الذى عرف فيما بعد بإقبال الدولة، سجينا فى أيدى النصارى، حيث بقى هناك سنوات عديدة.
стр. 8899
وفى أثناء غياب مجاهد، يبدو أن المعطى قد حاول الاستيلاء على السلطة فى دانية لنفسه (ربما قد تشجع بأخبار ما يواجهه مجاهد من صعوبات فى حملته)؛ وقد نفاه مجاهد إلى مكان قصى فى شمال أفريقية بمجرد عودته.
وفى الثلاثين سنة التالية حكم مجاهد بنجاح ظاهر، واحتفظ بدانية (معزولة جغرافيًا نسبيا) بعيدًا عن التيار الرئيسى للسياسات الأيبيرية؛ ويبدو أنه احتل مرسية بصفة مؤقتة فى نهاية حياته؛ ولكن لم يكن له طموحات للتوسع الإقليمى داخل شبه الجزيرة بعد توطيد حكمه.
وبالنسبة للفترة الطويلة الوسطى لحكمه، فإننا لا نعرف شيئًا عن الإصلاحات السياسية تقريبًا, ولكننا على دراية نسبية بالحياة الثقافية فى بلاطه. كان مجاهد مثل كثير من ملوك الطوائف تواقًا إلى أن يقدم نفسه نصيرًا سخيًا للأدب والفن، وكان يضع نفسه دائمًا فى مكانة العبد الرقيق المثقف الذى يشجع الأنشطة الثقافية والأدبية بإخلاص: ذاع صيت دانية بأنها مركز للدراسات الفقهية، ويرى Urvoy, أن منطقة الساحل الشرقى كلها، كانت مقرًا لشكل دينى جدى بدرجة أكثر للثقافة فى الأندلس فى ذاك الوقت قل - من: قرطبة أو من اشبيليه (ومن المثير للفضول أن نتكهن ما إذا كان اهتمام مجاهد بهذا الفرع الخاص من المعرفة وتشجيعه له، لم يكن مرتبطا على ما يحتمل باسمه "مجاهد"، وهو أحد الطلاب المعروفين لهذه (المادة = القراءات) ذائع الصيت ابن مجاهد من القرن السابق) ولكن علماء فى مجالات كثيرة أخرى جاءوا ليحظوا برعاية (والى دانية): وكتب ابن غرسيه عمله الشهير بعنوان "شعوبى رسالة" فى بلاط مجاهد، وابن برد الأصغر أهدى إليه رسالته المسماة "رسالة السيف والقلم" (النص فى ابن بسَّام، الذخيرة، تحقيق: إحسان عباس، بيروت سنة ٣٩٩ هـ/ ١٩٧٩ م جـ ١، ص ٥٢٣ - ٥٢٨)؛ كما ألفت أعمال كثيرة هناك، وفى أماكن أخرى تحت رعايته.
ويقال إن مجاهد نفسه قد كتب عملًا فى العروض، ولكن ليس معروفًا أنه قد بقى شئ من هذا العمل. كما قضى ابن حزم، وابن عبد البر زمنًا فى بلاط
стр. 8900
مجاهد. وقد استمر طابع بلاط مجاهد بعد مماته, كما هو ظاهر من حقيقة أن مناظرة ابن حزم والباجى قد جرت فى بلاط ابنه على إقبال الدولة، فى ميورقة حوالى سنة ٤٣٩ هـ/ ١٠٤٧ - ١٠٤٨ م.
المصادر:
(١) C. Sarnelli Cerqua: مجاهد العامرى، القاهرة سنة ١٩٦١ (باللغة العربية).
(٢) المؤلف نفسه: La Vita inintellettuale a Denia alla corte di Mugahid Al-Amiri, فى Annali dell'Instituto Universitario Orientale di Napoli, السلسلة الجديدة، العدد ١٤ (Scritli in onore dilaura veccia vaglieri, جـ ٢) (سنة ١٩٦٤)، ص ٥٩٧ - ٦٢٢ (الذى يزودنا بقوائم مفيدة عن علماء وأدباء بلاط دانية، ولكن يجب أن يُستخدم بحذر).
(٣) D. Urvoy: La via ntellectuelle Spirituell dans les Baleares Musulmane، فى And, (سنة ١٩٧٢)، ص ٨٧ - ١٣٢.
(٤) M.J.Rubiera Mata: La Taifa de Denia, أليكانتى (سنة ١٩٨٥)
حسن شكرى [فاسرشتين D. J. Wasserstein] مراجعة د. عاطف العراقى
مجاور
" مجاور"، والمؤنث "مجاورة" (صفة)، اسم فاعل من الفعل الثلاثى "جور" بمعنى الجوار وفى المعنى المحدود، يدل المصطلح، كما يفعل المرادف "جاد اللَّه" على الشخص الذى يستقر مدة قصيرة أو طويلة فى مكان مقدس ليعيش حياة الزهد، والتأمل الدينى، لينعم ببركة ذلك المكان. ومن هذه الأماكن المقدسة، الكعبة فى مكة، والحرم فى القدس، والحرم النبوى الشريف فى المدينة، وكذلك أضرحة الأنبياء السابقين، وصحابة الرسول [ ﷺ ]، والأئمة وخلفائهم (وبوجه خاص مع الشيعة)، وبوجه عام أضرحة المسلمين أصحاب المقامات الموقرة، والفقهاء والصوفية.
وقد نشأت من قبل فى العصور المبكرة الزوايا والمدارس فى جوار مثل هذه الأماكن، التى استقر بها، أو بالقرب
стр. 8901
منها مجاورون ليتلقوا علم الدين من الأولياء والعلماء الذين كانوا يعيشون هناك، أو ليكونوا هم أنفسهم معلمين، أو ليكشفوا عن جلية أمر الأماكن المقدسة لزوارها، ويزودوهم بالتعليم الدينى الخاص بمناسكها. وثمة معنى ثانوى للمصطلح، لا يزال يستخدم فى مصر حتى الآن، وتتعلق نشأته بالمدارس: وقد تدل كلمة مجاور فى مصر على أى طالب علم بالأزهر يأتى من الخارج، ويعيش فى أروقة هذا الجامع الشريف [Lane: جـ ١/ ٢، ص ٤٨٣, مادة: ج - و - ر (٣)؛ المؤلف نفسه The manners and customs of the modern, لندن سنة ١٨٩٥, ص ٢١٣؛ و ary of modern written H. Wehr: Diction Arabic، وهذه المادة).
والنبى نفسه [ ﷺ ] مثال للمجاور. و"لما دخل [ ﷺ ] فى السنة المتممة للأربعين من عمره الشريف، حبب إليه الخلاء والبعد عن الخلق والانقطاع إلى الحق، إذ فى العزلة صفاء القلب، فكان يتعبد بغار حراء الليالى ذوات العدد فتارة عشرًا، وتارة أكثر إلى شهر، وكانت عبادته على دين إبراهيم ﵇؛ وقيل بالتأمل فى عجائب صنع اللَّه؛ وقيل بالذكر. . "؛ (كان يجاور؛ ابن هشام: السيرة، جـ ١، ص ١٥٢). وتسببت هذه الممارسة -مع أهمية "الحرمين" فى الحجاز- فى ربط مصطلح "مجاور" فى المقام الأول، بأولئك الذين قد شغلوا مكان استقرارهم الورع (مجاور، وأيضًا جوار) فى مكة أو المدينة (Lane: فى المواضع المشار إليها آنفا، و Yeni Soezluek Ingilzce - Tuerkce، مادة mue, و Caveret Muecavir). ويستخدم الشيعة المصطلح بالأسلوب نفسه، باستثناء أن المجاورة، وهى بالنسبة لهم عند أضرحة الأئمة فى العراق. تكون لها أهمية أقل بصعوبة.
ويعد كثير من المسلمين الأتقياء، أن المجاورة عند مقام النبى [ ﷺ ] فى المدينة، وعند أماكن هجوع كثير من صحابته، أحق بالتقدير من أماكنهم فى مكة.
وقد حذر بعض الفقهاء، وبينهم أبو حنيفة من الخطر الذى قد ينجم من البقاء الدائم فى جوار الحرمين (وبخاصة الحرم المكى) لأناس ليسوا راسخى الأقدام فى دينهم. إذ إن
стр. 8902
صيرورة الإنسان على ألفة شديدة بالأماكن المقدسة، يمكن أن يؤدى بسهولة إلى الإهمال، بل حتى إلى النفور والغطرسة، وإلى انتهاك حرمة هذه الأماكن آخر الأمر. وقد يكون هناك قلة محصنة من الناس ضد هذا الضعف، ومن الآثام الناجمة عنه، وينبغى أن يوصى بالمجاورة لهذا العدد القليل وحده من المؤمنين، للبقاء بلا حدود بجوار الحرمين، فقد يجلب لهم منافع عظيمة الشأن بحق. ويجب على كل الآخرين أن يتحاشوا المجاورة (رحمة اللَّه بن عبد اللَّه السندى) (توفى سنة ١٥٨٥ م)، جمع المناسك ونفع الناصر، فى حواشى أحمد بن مصطفى ضياء الدين الكمشخانوى: جامع المناسك على أحسن المسالك، استانبول سنة ١٢٨٩ هـ/ ١٨٧٢ م، ص ٣٨٧ - ٣٨٨).
ويشترك موقف ونمط سلوك المجاور فى العلاقة نفسها مع أعمال الحاج أو الزائر لمكان مقدس آخر، كتلك العلاقة التى بين المرابط والمجاهد، وبالنسبة للمجاور والمرابط يسود عنصر الطمأنينة والتأمل للانتظار والمراقبة، بينما يسود مع الحاج والمجاهد عنصر المشاركة فى أعمال (انظر F. Mzier: فى Die welt des Islam، العدد ٢١ [سنة ١٩٨١]، ص ٨١، ٩٠ - ٩١).
وليس من النادر أن يكون الحج إلى مكة، المتبوع بمجاورة فيها أو فى المدينة، قد استخدم وسيلة للنفى والإبعاد. ولنأخذ مثالًا واحدًا من أمثلة كثيرة، ألا وهو الوزير أبو شجاع الروزراورى, الذى عاش بعد خلعه مجاورًا فى المدينة، وتوفى بها فى سنة ٤٨٨ هـ/ ١٠٩٥ م. (La polilique de Ghuzali, باريس سنة ١٩٧٠ , ص ٥٦). وبسبب مثل هذه الحالات، على ما يبدو، نجد أن الفعل الفارسى مجاورة داشتن، يمكن أن يعنى "يبعد" (ينفى) أيضًا (مثل نفى - ئى بلد كردن، وانظر Dictionaire Ghaffari persan - Francais, جـ ٥، طهران سنة ١٩٥٧، ص ٨٠٦).
ويستطيع أناس من طبقات مختلفة بدرجة كبيرة، أن يكونوا مجاورين أو مجاورات، أرامل مشهورات، موظفون متقاعدون، أفراد مقتلعون اجتماعيًا من جذورهم، فقراء المتصوفة، تجار، طلاب علم الفقه الشبان، أو كبار السن, من كل
стр. 8903
طبقات المجتمع الذين يحبون انتظار الموت فى مكان مقدس. وقد ترك كثير من المجاورين ثروات ضخمة (للمثاب المقدس) الذى ارتبطوا به، أو للمدرسة الملحقة به. وبالمثل، كان العمل الجدير بالتقدير على الدوام، هو إعالة المجاورين بمكان مقدس معين، بعمل "أوقاف"، أو بمنح وحيدة أو بجمع مثل هذه المنح (وفى هذا الصدد، انظر على سبيل المثال: F. Meier: Die vita des scheich Abu Ishaq Al-Kazaruni، لبيسك سنة ١٩٤٨ Bibliotheca Islamica, العدد ١٤، ص ٤٩ - ٥١). وهكذا، كانت الأوقاف المهمة فى الهند مخصصة لأتقياء الشيعة الذين ذهبوا إلى كربلاء أو إلى النجف بهدف المجاورة.
وفى الأماكن المقدسة، فإن المجاورين غالبًا, وليس بالضرورة، قد عاشوا معًا فى جهات معينة، مثل المغاربة فى القدس. وكان خلفاؤهم، إن وجد أحد منهم، سرعان ما يندمجون فى السكان المحليين، الذين يحدودن المجاورين تمامًا، وبسرعة، كما هى الحال فى مكة، حيث كان كل من يأتون من آسيا الوسطى، يطلق عليهم اسم "بخاريون"، ويشار إلى من ينتمون إلى شعوب شرق آسيا المختلفة بوجه عام، على أنهم "جاوة" (محمد لبيب البتنونى، الرحلة الحجازية، الطبقة الثانية، القاهرة سنة ١٣٣٩ هـ/ ١٩٢٠ م، ص ٤٠ وما بعدها، وانظر Hurgronje Snouck: Mekka، جـ ٣، لاهاى سنة ١٨٨٩, ص ٢٩٥ وما بعدها، الذى خصص فصلًا بأكمله عن الجاوة).
وقد مال أهل مكة إلى أن يشيروا إلى جميع الأشخاص الذين كانوا يعيشون فترة زمنية طويلة فى الحرمين، دون أن يكونوا قد ولدوا هناك، على أنهم مجاورين، حتى لو لم تكن مكانتهم، وطريقة حياتهم متفقة مع المجاورة بالمعنى الضيق (A Pilgrimage to Al-Madina and Mecca: Burton R.F, لندن سنة ١٨٩٣, جـ ٢، ص ٧).
وفى عصور أكثر قربًا، أصبح مصطلح مجاور شيئًا فشيئًا، يستخدم ليشير إلى العاملين المعينين بصفة دائمة للعمل فى أماكن الحج (الحراس،
стр. 8904
عمال النظافة، المطوفون، الخ. .) الذين ينتمون إلى السكان المحليين (انظر على سبيل المثال، H. Einzmann: Religioeses volksbrauchtum Afghanistan, فسبادن سنة ١٧٧، ص ٧٥ - ٧٧). وقد عاقت الدول الآخذة فى الخروج إلى حيز الوجود فى العالم الإسلامى، وقيود السفر التى تضعها حركة المؤمنين عن الاختيار الحر للمكان الذى يحبون الاستقرار فيه كمجاورين، ويجب أن يضاف إلى هذا أيضًا، تدهور الأوقاف (أو حلها) وافتقاد الإعانات المالية الأخرى التى وفرت للمجاورين إمكانية إعالتهم فى الماضى.
المصادر: ذكرت فى المتن.
حسن شكرى [و. إندس W.Ends]
المجتهد
المجتهد هو الشخص الذى يمتلك مقومات إصدار حكم فى مسألة شرعية، مستخدما اجتهاده الشخصى فى استنباط مبادئ الشريعة ويرتبط دوره فى ذلك بتطور مفهوم الاجتهاد عبر الزمان وطبقا لرؤية المذاهب الفقهية المختلفة. والكلمة فى مفهومها الواسع تعنى الاجتهاد فى المجالات المختلفة. ولكن الاستخدام الاصطلاحى لها هو استنباط الأحكام الشرعية.
أولًا: - بالنسبة للسنة:
تولد شعور بدءا من نهاية القرن الثالث أو بداية القرن الرابع الهجرى أن باب الاجتهاد قد قفل بعد أن فصلت أحكام الشريعة على أساس أن الفقهاء الأربعة، وبعضا من معاصريهم، هم الذين يمكن أن يعتبروا مجتهدين بالمعنى المطلق. وعلى ذلك فدور الفقهاء قد انحصر فى التقليد، أو الاجتهاد فى الإفتاء أو على مذهب معين. وقد عورض هذا الاتجاه القائل بإغلاق باب الاجتهاد من فقهاء آخرين. وتدل دراسة الفترة التالية أن باب الاجتهاد لم يقفل وأن المجتهدين المؤهلين للاجتهاد وجدوا تقريبًا فى كل العصور وأن دور المجتهدين فى استنباط الأحكام ظل ساريا إلى القرن الخامس. وقد استبعدت المذاهب التى ترفض الاجتهاد
стр. 8905
كالظاهرية والحشوية، من طائفة السنة، ذلك أنه لا يوجد فى السنة من يعارض الاجتهاد من ناحية المبدأ، كما نقل عن ابن عبد البر.
واستمر الاجتهاد فى القرن الخامس بين الفقهاء، تابعين لمذهب أو مستقلين، وأصبح للمجتهدين نفوذ على رجال السياسة والحكم الذين كانوا يلجأون إليهم فى الفتوى. ومن ثم فقد ظهرت دراسات حول طبيعة الاجتهاد وسلطات المجتهدين فى كافة الدراسات المتعلقة بالنظم السياسية، وعلى وجه الخصوص البغدادى (المتوفى ٤٢٩ هـ/ ١٠٣٧ م) والموردى (المتوفى ٤٥٠ هـ/ ١٠٥٨ م) والجوينى (المتوفى ٥٠٥ هـ/ ١١١١ م) والغزالى (المتوفى ٥٠٥ هـ/ ١١١١ م) وغيرهم. ويرى الثلاثة الأول أن الإمام يجب أن يكون قادرًا على الاجتهاد. على أن الخلاف حول وجود المجتهدين أخذ نغمة حادة عند بعض الفقهاء، وجدده السبكى (المتوفى ٧٧١ هـ/ ١٣٦٩ م). والحنابلة وبعض الشافعية فقط هم الذين يرفضون فكرة اختفاء المجتهدين حتى من الناحية النظرية. ويرى ابن تيمية أن ثمة دورا لا غنى عنه للمجتهدين كشركاء فى السلطة السياسية.
وقد انعكس تطور مفهوم "التجديد"، والذى بمقتضاه يبعث اللَّه على رأس كل مائة عام مجددا للأمة الإسلامية انعكس على مفهوم الاجتهاد، وعلى استمراريته، حيث أن المجدد هو بالقطع مجتهد ذو مرتبة عالية. على أن مفهوم التجديد لم يحظ بنفس الاهتمام الفقهى الذى حظى به الاجتهاد فى الأدبيات الفقهية والمذهبية باعتبار المفهوم الأول أقرب للقب شرفى، لم يلعب دوره فى الفكر الإسلامى فى العصر الوسيط.
وحتى نهاية القرن الثامن لم يكن أحد من الفقهاء ينازع فى وجود مجتهد يمارس الاجتهاد من خلال مذهبه، حتى قام السيوطى (المتوفى ٩١١ هـ/ ١٥٠٥ م) على أساس نشاطه الكبير فى مجال الاجتهاد، بالادعاء لنفسه من المجددين، وقد انقسم العلماء بشأنه إلا أنه بعد رحيل هذا المجتهد الكبير وجد نقص ملحوظ فى الفقهاء القادرين على الاجتهاد من السنة، وقد
стр. 8906
أدى ذلك إلى أن يقسم المجتهدون فيما بعد إلى سبع طبقات، لا يعتبر من المجتهدين منها سوى صنف من الطبقتين الأوليتين أو الثلاث طبقات الأول بينما يعتبر الباقون من المقلدين. وهذا التقسيم له دور أكبر لدى فقهاء الحنفية المتأثرين بفكرة اختفاء المجتهدين لدرجة أنهم أنكروا الحق فى الاجتهاد على الفقهاء التاليين. ولكن تطبيق مناهج الاجتهاد لم ينقطع، حتى وإن لم يعرف ممارسوه كمجتهدين، خاصة فى الدولة العثمانية.
وفى مطلع القرن الثانى عشر الهجرى/ الثامن عشر الميلادى، ظهرت حملة شعواء فى الدولة العثمانية والمغول فى الهند ضد من يقول بقفل باب الاجتهاد واختفاء المجتهدين ويرجع الفضل فى ذلك للحنابلة، وخاصة ابن تيمية الذى تأثر بفكره الكثير من المصلحين أو المجددين من شمال أفريقيا إلى الهند حتى أنهم أعطوا الاجتهاد مجالا من الحرية أوسع مما عرف عند تكوين المذاهب الفقهية. هذه الصحوة فى مجال الاجتهاد مدينة فى ظهورها لآفكار التجديد والإصلاح. ومن ثم فقد أعطت حركات إصلاحية نفسها الحق فى الاجتهاد كالسنوسية والوهابية وأمثال محمد عبده من المصلحين المعاصرين.
وفى الهند أخذت النظرة الجديدة للاجتهاد دفعة أشد. فتحت تأثير فكرة التجديد الدورى للأمة منذ عهد أحمد سرهندى المتوفى فى ١٠٣٤ هـ/ ١٦٢٤ م المعتبر مجدد الألف الثانية) قام "أهل الحديث" بالدعوة لإعادة اكتشاف الاجتهاد ليتجاوز حدود المدارس الفقهية التقليدية، متأثرين فى ذلك بأفكار ابن تيمية والشوكانى (المتوفى ١٢٥٥ هـ/ ١٨٣٩ م). هذا وقد نادى محمد إقبال إلى نوع من الاجتهاد الجماعى.
وقد انعكست المسائل المتعلقة بطبيعة دور المجتهدين ومدى تأثيرهم على المسائل الخلافية كالاجتهاد والتقليد والقياس والإجماع والتجديد، كما تعرضت دراسات مبكرة لمؤهلات المجتهدين وممارساتهم. وقد خفف كثيرا من مسئوليتهم مبدأ أن المجتهد إذا أخطأ فله أجر، وإذا أصاب فله أجران، وأن كل مجتهد مصيب.
стр. 8907
ثانيًا: - الشيعة الأمامية الاثنا عشرية:
أ- النشأة الفقهية والتاريخية الجغرافية:
التكوين والانتشار: تأخذ الشيعة الإمامية، على العكس من الطوائف الشيعية الأخرى كالزيدية والاسماعيلية، بفكرة الإمام الغائب. وقد وضع المذهب صفوة من الفقهاء للتأكيد على الولاء لآل على، والحفاظ على الروح الثورية للشيعة. وبعد الغيبة الصغرى (٢٦٠ هـ/ ٨٤٧ م) والكبرى (٣٢٩ هـ/ ٩٤٠ م) تركزت السلطة فى إمامة علماء الشيعة، الذين سرعان ما جمعوا من الأحاديث ما يؤيد مبادئهم فى مسائل "أصول الدين" و"أصول الفقه"، بعد ما تكونت المدارس الفقهية السنية، التى نجحت فى إرساء إمامة أهل السنة.
وقد عرض فى مادة "مرجع التقليد" بالتفصيل للوضع الفقهى للاجتهاد والتقليد فى الشيعة الامامية، وكذلك الأساس الذى بنى عليه الدور المؤثر للمجتهدين ومداه. ولذا فسيقتصر بحثنا، فى إطار الموضوعات الفقهية والاجتماعية والجغرافية والتاريخية والاقتصادية، على ما أظهرته الدراسات الحديثة من عناصر جديدة فى هذا الموضوع الذى لا تنقطع الخلافات بشأنه.
وقد وضعت أول صيغة للمذهب فى عهد الدولة البوهية فى وقت احتدام النزاع بين السنة والمعتزلة وكل فريق يذهب إلى أن اجتهاده يقوم على أساس من العلم لا على الظن، الذى يتأسس عليه مذهب الخصم. وفى هذا المضمار رفض العلماء القياس والاجتهاد، وحديث الواحد. وقد برر الطوسى (المتوفى ٤٦٠ هـ/ ١٠٦٧ م)، وهو يهاجم مبدأ السنة بأن كل مجتهد مصيب، أخذه بحديث الآحاد بتطبيق مفهوم الاختلاف، والذى على أساسه نجح الشافعى فى تأسيس سلطة طائفة أهل الحديث. وترتب على الاعتراف بالاختيار فى مسائل الرأى أن ثار الشك فى وضع المبادئ الفقهية، وجعل الشيعة يتقبلون مبدأ الاجتهاد الذى رفض سابقًا. وفى عهد السلاجقة دخل الفقه الشيعى مرحلة من الجمود.
стр. 8908
وقامت نهضة شيعية فى نهاية حكم السلاجقة، تميزت بالأخذ بالمبدأ الأصولى. وقد كان ذلك فى مرحلة مبكره من قبل فقهاء الإمامية الموجودين فى الحلة، وهى المدينة التى أصبحت مركزا لهم بعد تخريب بغداد على أيدى التتار.
وعلى أيدى العلماء مثل ابن إدريس (المتوفى ٥٩٦ هـ/ ١٢٠١ م) والمحقق (المتوفى ٦٧٦ هـ/ ١٢٧٧ م) والعلامة (المتوفى ٧٢٦ هـ/ ١٣٢٥ م) تطور فكر الشيعة فيما يتعلق بالاجتهاد وكانت موضع مناقشة مستمرة وظلت المسألة الشائكة المتمثلة فى شرعية الحكم والسلطة فى غيبة الإمام هى جوهر قضية الاجتهاد والتقليد. هذا وينقسم الفقهاء الإماميون من الناحية الزمانية تقليديا إلى متقدمين، ومتأخرين، ويرى ابن إدريس أن المتأخرين هم الأفضل.
ومع الاعتراف بانقسام مجتمع المؤمنين إلى مفتيين ومقلدين، أضفيت الصفات الباهرة من قبل المحقق والعلامة الحلى فى كتابتهما على طبقة رجال الدين، هذا وقد استعار الإمام العلامة قدرًا كبيرًا من فقهه من السنة. إلا أن اجتهاد علماء الشيعة قصر على الاجتهاد النصى المبنى على القرآن والسنة والرجال دون العقلى، ويقصد بالأول اللجوء للنصوص، وبالثانى اللجوء للقياس. ولم تزد مؤهلات المجتهد عن ذلك التى قال بها الطوسى بالنسبة للمفتى أو القاضى.
وكان التطور الحاسم فى النظرة للمجتهد هو اعتباره نائبا عن الإمام الغائب، باعتباره الأكثر حكمة، فى مجتمع من المقلدين، وما يستتبعه هذا التصور من سلطات وامتيازات. ومن خلال كم الأحاديث والتفاسير، لا يفهم بسهولة أثر العوامل المختلفة (الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والشخصية) على اختيار المجتهد. وعلى العموم، فالصياغة الأكثر توثيقا للاجتهاد هى المتضمنة فى كتاب "معالم الدين" لحسن بن زين الدين (المتوفى ١٠١١ هـ/ ١٦٠٢ م)، وقد هوجم هذا الكتاب بعنف من محمد أمين أسطر ابادى (المتوفى ١٠٣٦ هـ/ ١٦٢٦ م) فى مطلع المواجهة بين الأصولية والإخبارية، هذه المواجهة التى سيطرت فيما بعد على الفقه الشيعى الإمامى.
стр. 8909
وفى العهد الصفوى (١٥٠١ هـ/ ١٧٢٢ م) استطاع الأئمة المجتهدون المستقدمون من خارج إيران بهدف تطوير المذهب ووضعه موضع التنفيذ، أن يثبتوا سلطاتهم فى مواجهة الصفوة الدينية الفارسية المسيئة للدين. وكان نفوذهم أوضح ما يكون فى الوضع المتميز الذى تمتع به الكركى (المتوفى ٩٤٠ هـ/ ١٥٣٤ م)، الذى حاز لقب "خاتم المجتهدين" [على غرار خاتم الأنبياء] و"مجتهد الزمان" فى عهد السلطان طاهماسب (١٥٢٤ هـ - ١٥٧٦ م).
ورغم أن لقب "مجتهد الزمان" قد عهد احتفظ به أبناء الكركى من بعده طوال القرن العاشر/ السادس عشر، فإن هذا اللقب لم يكن يخول حامله أية امتيازات دينية فى مواجهة السلطات الدينية أو السلطات السياسية التى كانت مطلقة فى يد "الصدر" الذى كان يتبع الشاه مباشرة. وإذا كان أبناء الكركى قد استعادوا وضعهم فى عهد ميردماد (المتوفى ١٠٤١ هـ/ ١٦٣١ م) إلا أن أحد منهم لم يحمل ذلك اللقب مجتهد الزمان فى القرن الحادى عشر، ومع اتجاه كثير من الأئمة للصوفية أو الفلسفة، أصبحت السلطة الدينية مشاعة بين شيوخ الإسلام فى المدن الكبرى.
وفى عهد عباس الأول (١٥٨٧ - ١٦٢٩ م) أصبح شيخ الإسلام لمدينة أصفهان أكبر شخصية دينية فى المملكة، وهو المنصب الذى شغله محمد باقر مجلسى (المتوفى ١١١١ هـ/ ١٦٩٩ م)، والذى ثبت بصفة قطعية سلطة المؤسسة الدينية بالتمهيد لإنشاء منصب "ملاباشى Mulla-bashi". ولكن رغم أهمية هذا المنصب، فيمكن اعتباره حلا مقتبسا من النظام الكنسى لإنشاء مؤسسة دينية تمثل السلطات الدينية العليا فى كافة أرجاء الدولة الشيعية. وفى عهد القاجار (١٧٠٤ هـ - ١٩٢٥ م) ظهر الشقاق بين الدولة وهذه المؤسسة الدينية نتيجة للسلطات المتزايدة والاستقلالية التى أعطتها لنفسها. هذا ولم يقدر للمبادئ المتعلقة بالنظام الدينى الشيعى أن تطبق بما يتفق مع فقهه الذى يقضى (بعد العديد من المراجعة والتنقيح) بتركيز السلطة فى يد رجال الدين إلا بعد الثورة الإسلامية فى ١٩٧٩.
стр. 8910
وبينما كان الاتجاه الأصولى يثبت أقدامه فى مواجهة الاتجاه الأخبارى، كان التنازع على السلطة بين الدولة والعلماء مثارا فى عهد القاجار. هذا ورغم أن القاجار لم يصلوا فى التوفيق معهم إلى حد قبول المبادئ التى قبلها الصفويون، فقد تمتعوا بشئ من الشرعية على يد قيادة من المجتهدين مثل الشيخ جعفر النجفى كاشف الغطاء (المتوفى ١٢٢٧ هـ/ ١٨١٢ م) وميرزا أبو القاسم القمى (متوفى ١٢٣١ هـ/ ١٨١٦ م) وسيد جعفر كاشف (متوفى ١٢٦٧ هـ/ ١٨٥٠ م)، وأخذت هذه القضية الشرعية وضعا أكثر خطورة بإصدار الشيخ جعفر كاشف -شيخ المجتهدين- إذنا للشاه فتح على (١٧٩٧ - ١٨٣٤) بإعلان الجهاد باسم الإمام الغائب ضد روسيا.
ورغم ما أعطى للمجتهدين من سلطة، فقد أعيد النظر فى الرأى الذى بمقتضاه ظهر نظام "مرجعية التقليد"، والذى يعنى فى الواقع إنشاء هيئة متدرجة من المجتهدين تحت رئاسة واحدة. ورغم أنه من الوجهة النظرية فإن التدرج يكون على أساس "الأعلمية"، فإن العمل سار على الأخذ بمدى التأثير على المقلدين، أى على أساس "الرياسات", متمثلة فى تقدير العامة وتحصيل الضرائب الدينية، وهو المفهوم الذى تطور مع التغيرات السياسية الاقتصادية والاجتماعية. فخلال القرن التاسع عشر كانت الرياسة مرتبطة بوجه خاص بمدى سيطرة المجتهد على الطبقات الاجتماعية والاقتصادية والمجتمعات العرقية (كالعرب والفارسيين والترك أو الناطقين بالتركية).
ويرتبط أيضًا التأخر فى هيكل تدرج الأئمة بالخلاف حول السلطة الذى استمر رغم إنشاء الملا أحمد نراغى (متوفى ١٢٤٥ هـ/ ١٨٢٩ م) لمبدأ تفويض السلطة للمجتهدين "الولاية". وقد جمع كل فريق قدرا من الأحاديث، تعارض ما جمعه الفريق الآخر، انتصارا لوجهة نظره حول شرعية السلطة للمجتهدين وبوصول مبدأ "ولاية الفقيه" إلى آخر مراحل تطوره على يد آية اللَّه الخُمينى (المتوفى ٤ يونيو
стр. 8911
١٩٨٩ م) اختفى أى تحفظ حول هذا الموضوع كما سيرد لاحقا.
وبالنسبة للقوة الاقتصادية فقد تمتع بها أولئك المقيمون فى العتبات [المدن المقدسة الشيعية] بدعم من تجار بغداد والسلطات المحلية فى نهاية القرن ١٨ وفى عهد الشاه فتح على، اتجهوا إلى فارس حيث تمتعوا بدعمه. ورغم الصعوبات الاقتصادية التى نتجت عن القلاقل، فقد جمع المجتهدون أموالا طائلة من الهند وفارس وأماكن أخرى. ومع عودة مبدأ النيابة أو الولاية، العامة، والذى كان بداية لصالح الشيخ جعفر النجفى، أعطى المجتهدون لأنفسهم حق إدارة الضرائب الدينية، وخاصة "الخمس"، والذى يحجز منه لهم ما يسمى "سهم الإمام".
ورغم أن مجتهدى العتبات كانوا من ناحية المبدأ أعلى من مجتهدى فارس مرتبة، فإن الأخيرين وجدوا سلطانهم يقوى بما يحققوه من قوة سياسية واقتصادية. وقد كانت الأوقاف لفترة طويلة مصدرًا لدخلهم، إلى أن سحبها الشاه نادر (١٧٣٦ - ١٧٤٧ م) منهم. كما أعطوا لأنفسهم الحق فى تملك ما لا مالك له، علاوة على ما أغدقه عليهم الشاه فتح على من أوقات وعطايا مكنتهم أن يبسطوا سلطانهم روحيا وماديا على سائر المجتمع الشيعى الإمامى. كل ذلك أتاح لهم يدخلوا مجال الاستثمار الاقتصادى، وأن يضعوا أنفسهم على قدم المساواة مع الحكومة والطبقة الارستقراطية، خاصة مع تدهور سلطة القاجار فى نهاية عهد الشاه فتح على الشاه محمد (١٨٣٤ - ١٨٤٨ م). ورغم ما عرف عن المجتهدين عمومًا من صلاح وتقوى، فإن الأمر لم يخلو أن يوصم البعض منهم بالجشع وعدم الاستقامة فى جمع الأموال، كالمضاربة على الأسعار وقت المجاعة الأمر الذى ساهم فى إشعال الثورة ضد السيطرة الدينية قبل وبعد الثورة الدستورية عام ١٩٠٥ - ١٩١١ م.
وكان لظهور البابية أثر كبير على اضطرار المؤسسة الدينية الاحتماء بالسلطة الرسمية، كما بدءوا فى تحسين صورتهم الدينية، وكان ذلك من خلال شخصية من أبرز
стр. 8912
الشخصيات، وهو الشيخ مرتضى الأنصارى، الذى دان له المجتمع الشيعى كلية بالرئاسة. وبدحر الحركة البابية والتخلص من الوزير الأكبر، ميرزا تاكى خان المعروف بميوله الإصلاحية المعادية للسيطرة الدينية أمكن عودة التعاون بين المؤسسة الدينية والسلطة المدنية، وإعادة التوازن بينهما. وقد وجد خليفة الأنصارى، الشيخ حسن الشيرازى سلطته تنازع فى النجف، فانتقل إلى سامراء، وهى مدينة متابعة للسنة، وقريبة من مكان اختفاء الإمام الغائب. وكان للشيرازى دور بارز فى ثورة مزارعى الدخان عام ١٨٩١/ ١٨٩٢ م، كما اشترك بعض الطلاب الذين تبعوه إلى سامراء فى القيام بدور هام فى الثورة الدستورية ١٩٠٥ - ١٩١١ م.
وظل النزاع بعد قائمًا على قضية الزعامة الامامية للمجتمع الشيعى بعد موت الشيرازى وليس هذا فقط، بل أيضًا على التعامل مع الثورة الدستورية فى ١٩٠٥ م والذى يعتبرها البعض قمة الأحداث الطويلة النابعة من فكرة عدم شرعية الحكومات القائمة، بينما تقلل دراسات حديثة من دور العلماء فى تلك الثورة، على الأقل فى مراحلها الأولى، التى ترجعها إلى تطورات اجتماعية واقتصادية. وقد انقسم العلماء بالنسبة لهذه الثورة أربع فرق: المحافظون الذين رفضوا الاشتراك فى ثورة ضد نظام الحكم، ولكنهم اتحدوا فى ١٩٠٧ م مع الشيخ فضل اللَّه نورى (الذى أعدم عام ١٩٠٩ م)، وأولئك الذين قبلوا مبدئيا بالدستور كحركة إصلاحية ثم رفضوه بعد ما انزعجوا مما به من آراء علمانية، وهم أتباع الشيخ ورى. وأولئك الذين قبلوه قبولا مشروطا، ثم أولئك الذين قبلوه قبولا غير مشروط، من شبان العلماء الذين رأوا فية وسيلة للحفاظ على المذهب الشيعى فى إيران، ولو على حساب شئ من امتيازاتهم.
وقد احتفظ رضا خان، (الشاه فيما بعد) (١٩٢٥ - ١٩٤١ م) بعلاقات طيبة فى بداية عهده مع العلماء، الذين وجدوا فى السلطة الحاكمة درعا ضد قيام جمهورية علمانية كالتى قامت فى
стр. 8913
تركيا. ولكن سرعان ما دب الخلاف بين العلماء -مع استمرار تفتت قياداتهم- والدولة بسبب الاتجاه للتحديث والمركزية والعلمانية، وفصل الدين عن السياسة. وتشبه مواجهته الصلبة ضد السيد حسن مداريس (الذى نفى ثم قتل عام ١٩٣٦ م) بالمواجهة التى جرت بين الشاه محمد رضا بتلوى وآية اللَّه كاشانى (متوفى ١٩٦٢ م) والسيد محمد بهبهانى (ابن الزعيم الدستورى الكبير البهبهانى).
وأخيرا مع ظهور مدينة قم كمركز علمى فى ١٩٢٠ م، التفت المؤسسة الدينية تحت قيادة آية اللَّه بروجيردى (المتوفى ١٩٦١ م) والذى أصبح مرجع التقليد الأوحد. وبعد وفاته وتفتت القيادة الدينية، التفت مرة أخرى حول آية اللَّه الخُمينى، بما يتمتع به من نفوذ سياسى، فقد كان خصما قويًا للشاه، واستطاع مواجهة نظام الحكم البهلوى مواجهة حاسمة، اشعلتها سياسة القمع التى انتهجها الشاه ضد العلماء والمراكز التعليمية فى مشهد وقم، إلى أن انتصرت الثورة الإسلامية. وبعدها لم تستمر علاقة الخُمينى بالطبقة المثقفة ثقافة غربية، وبعض الذين عارضوا الاستغراب بل والعلماء الذين عارضوا آراءه عن ولاية الفقيه التى صاغها الخُمينى، وجعلها إحدى مؤسسات جمهورية إيران الإسلامية تمثلت فى عزل شريعة مدارى من منصب آية اللَّه العظمى عام ١٩٨٢ م، فى أسوأ أزمة تشهدها المؤسسة الدينية الشيعية. ومنذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، ووفاة الخُمينى، والنزاع حول الزعامة الدينية لم يزل قائمًا. مجتهدى الامامية فى الهند، وكان على أثر إعلان المذهب الشيعى كمذهب رسمى فى إيران، أن أصبحت الأسرة العادل شاهينية فى بيجابور (٨٩٥ - ١٠٩٧ هـ/ ١٤٩٠ - ١٦٨٦ م) أول أسرة شيعية فى الهند وذلك فى ٩٠٨/ ١٥٠٣. ومن أهم الأسر الأخرى الأسرة القطب شاهينية فى جولكوندا (٩٠١/ ١٤٩٦ - ١٠٩٨/ ١٦٨٧).
وقد قام العلماء الشيعيون الفارون من إيران بنشر المذهب فى الهند. وتحت حماية الشخصيات السياسية القومية، كانت العلاقات بين العلماء الإماميين فى بعض الأحايين متوترة مع السنة
стр. 8914
والهندوس والصوفيين. وكان على المجتهدين أن يثبتوا وضعهم فى مواجهة الأخباريين أَيضا. ولقد كان التحول عن الأخبارية هو السبب فى تأسيس مؤسسة دينية إمامية مؤثرة فى لوكناو. وتحت قيادة المجتهد مولانا سيد دلدار على ناصر أبادى (متوفى ١٢٣٥ هـ/ ١٨٢٠ م) زاد تأثير الشيعة الإمامية، خاصة مع دعم السلطات الحاكمة لهم. وقد أسست مدرسة من أبناء وأتباع ناصر زبادى امتد تأثيرها إلى العراق وإيران.
واستمرت الزعامة الدينية لأبناء ناصر أبادى سارية وقوية, ولم يدخل العلماء والمجتهدون أنفسهم فى نزاعات مع البريطانيين حفاظا على حسن علاقتهم مع السلطات الحاكمة، إلى الأربعينيات والخمسينيات من القرن التاسع عشر. فأثناء تمرد عام ١٩٥٧ - ١٩٥٨ م انضم بعض العلماء للثورة، إلا أن رئيس المجتهدين, سيد محمد ناصر زبادى ظل منعزلا عن المشاركة فيها. وحين سعت السلطات البريطانية للمصالحة مع الشخصيات الهامة، دخل عدد من العلماء، من ضمنهم سيد على أكبر، الابن السادس لسيد محمد فى الإدارة البريطانية.
ورغم النشاط فى نشر المذهب، فقد أن نشاطات المجتهدين الشيعيين إلى انغلاق الطائفة على نفسها، اجتماعيا خاصة مع تطبيق طقوس خاصة بها (كطقوس الجنازات). كما أن الشيعة كانوا غير موافقين على قيام دولة باكستان السنية.
مجتهدى الإمامية فى العالم العربى، التطورات السياسية الدينية:
لعب المجتهدون أدوارا متباينة بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية, تتراوح من السكون التام إلى الانخراط فى الأحداث السياسية بكل حماس. ففى العراق، قاوم مجتهدو "العتبات" الاستعمار البريطانى وأصدروا الفتاوى ضده. وبعد سقوط الملكية، تدهور وضع الشيعة فى العراق رغم أغلبيتهم، وخاصة بعد وصول حزب البعث للحكم ١٩٦٣ م، وقد كانت زيارة الخُمينى للعراق فى ١٩٦٥ م بمثابة باعث لحركة المعارضة الشيعية، التى
стр. 8915
أخذت أشكال حركات محافظة متحمسة، أهمها "الدعوة الإسلامية" (تأسست عام ١٩٦٠ م) و"المجاهدون" (تأسست بتأثير فارسى فى ١٩٧٩ م). وفى نفس الوقت ظلت الزعامة على "المرجعية" قائمة. وقد زاد قمع الحركة الشيعية لدرجة إعدام القيادات البارزة، بواسطة نظام حسين، خاصة بعد نجاح الثورة الإسلامية فى إيران، وازداد أكثر خلال الحرب العراقية الإيرانية.
إما شيعة البحرين فقد اعتبروا البريطانيين حماية لهم ضد السنة. وقد تجدد التوتر بين السنة والشيعة بعد نجاح الثورة الإسلامية، واتخذت السلطات خطوات لمنع تأثير إيران على مواطنيها من الشيعة.
ورغم وجود جاليات شيعية لها وضعها فى بلدان خليجية أخرى، كالسعودية (أساسا فى القطيف والإحساء) وقطر والإمارات (خاصة دبى) وعمان، فلم يظهر فى تلك البلدان مجتهد بارز. وينطبق نفس القول على شمال أفريقيا، حيث يصل تعداد الشيعة إلى ٤٠٠٠ ألف نسمة.
وقد لعب شيعة لبنان دورا بارزا فى تطور الشيعة الإمامية، خاصة فى جبل العامل الذى أخرج مجتهدين بارزين كانوا وراء نشر المذهب فى إيران فى عهد الصفويين. وقد عانت الشيعة الإمامية، ككل الطوائف الأخرى، من النزاعات الطائفية العنيفة التى اشتعلت خلال حكم الدولة العثمانية، واستمرت بعد الاستقلال عام ١٩٤٣ م. وقد قامت عام ١٩٥٧ م نهضة تعليمية بمبادأة من زعيم الطائفة الشيعية الحاج سيد عبد الحسين شرف الدين فى الـ Tyre. وفى عام ١٩٥٩ م وصل المدينة موسى الصدر، قادما من إيران ليتزعم الطائفة، ويخوض الحياة السياسية مؤسسا حزب "أمل"، ذو الروابط الوثيقة مع إيران، إلى اختفائه الغامض فى ليبيا عام ١٩٧٨ م. واستمرت الطائفة من بعده تمارس نشاطها السياسى الذى عم جوانب منطقة الشرق الأوسط دون تعيين خليفة من بعده.
وقد قاوم مجاهدو وعلماء الشيعة الإمامية فى العراق ولبنان وسوريا طقوس الجنازات التى تمارسها الشيعة
стр. 8916
الإيرانية، وذلك قبل أن يقعوا تحت سيطرة الثورة الإيرانية.
ثانيًا: مؤهلات ووظائف ومدى تأثير وألقاب المجتهدين فى الشيعة الإمامية:
الشروط الأساسية لكون الشخص مجتهدا، وهى البلوغ والذكاء والإيمان والورع والذكورة وطهارة النسب، وهى نفسها المطلوبة لمرجع التقليد. ويمكن للمرأة أن تصل لمنصب "ملا", أما وصولها لدرجة الاجتهاد فأمر استثنائى. وعلى المجتهد أن يدرس كطالب ثلاث مراحل تعليمية عامة لكل الطلاب، مقدمات، دراسة النصوص الأصلية، درس خارجيى، يشمل الأقوال والمنافسات يقدم بعدها لأحد المجتهدين بحثا يحصل به على إجازة الاجتهاد.
وقد وضع بعض المجتهدين شروطا أساسية لدراسة علم الكلام وأصول الدين وأصول الفقه والتمكن من اللغة العربية والمنطق والتفسير والحديث وعلم الرجال (علم رواة الحديث) للحصول على الإجازة. بالإضافة إلى الورع والتقوى ولطول مدة الدراسة فلا يتصور الوصول لدرجة الاجتهاد قبل الثلاثين، والبعض يظل طالبًا إلى الأربعين. وتعتمد درجة المجتهد على سمعة المجتهد الذى أجازه، ومن ثم فإن الطلاب الذين يرغبون فى الوصول لمرتبة مرموقة يسعون للحصول على إجازات من عدة مجتهدين ذوى صيت طيب، وبذلك يؤهلون لدرجة "مجتهد مطلق". وسرعان ما يبدأ المجتهد فى تحقيق شهرة له متمثلة فى "المقلدين" له، ومن يخفق فى تحقيق ذلك يسمى "مجتهد محتاط".
وما إن يحصل المجتهد على إجازته حتى يكون مخولا بتولى آية وظيفة تقع فى اختصاص العلماء فى إدارة وتوجيه الشئون الدينية. من الناحية التطبيقية يمكن لشخص واحد أن يجمع بين وظائف المجتهد والفقيه والمفتى. كما يوكل إليهم أمور الولاية على أموال القصر ورعاية الأيتام، وتحصيل رسوم الأوقاف الهامة، وجمع الضرائب الدينية (كالخمس والزكاة). كما يقع فى أهم اختصاصاتهم الجلوس للقضاء والإفتاء. أما التدريس فيقوم به عادة من تفرغ لذلك ممن ينأى بنفسه عن المشاركة فى شئون الدولة.
وكما سبق بيانه فقد أعطتهم سلطاتهم المالية إمكانية إقامة علاقات
стр. 8917
مع رجال الأعمال، ومع ذويهم من عائلات العلماء، ومع الصفوة القائمة على مقاليد الحكم، وقد مكنهم ذلك من مواجهة السلطات الحاكمة منذ عهد القاجار، وكما حدث فى الثورة الإسلامية الإيرانية فى ١٩٧٨ - ١٩٧٩ م. وهم يمثلون الدعم الأكبر للعلماء المحافظين ولأنصار الثورة، سواء من خلال حزب اللَّه أو بصفتهم حراسا للثورة.
ورغم أنهم من ناحية المبدأ يمارسون سلطة رئاسية على من هم دونهم من العلماء إلا أنهم فى عهد القاجار كانوا يتعانون مع "الملاوات (جمع ملا) " الذين كان لهم شعبية كبيرة كوعاظ فى الجنازات الشيعية التى تحولت إلى مظاهرات سياسية. ورغم نقد المجتهدين اللاذع لأسلوب التدين من العوام، فإن أحد مظاهره الرئيسية (شعار كربلاء، أى الاستشهاد) قد استغل على نطاق واسع فى الثورة الإسلامية. وقد جعل الخُمينى المجتهدين يقمون له على الولاء وجعل الكثير منهم ينخرط فى ترويج أفكاره من خلال الخطب هذا وقد أفاد شباب المجتهدين فى المناطق الريفية كثيرًا من عودة المؤسسة الدينية الشيعية.
وقد انعكست سيطرة المجتهدين على الدوائر ذات النفوذ، وكذلك على نظرائهم أو أتباعهم فى سلسلة الألقاب الشرفية الرنانة التى أسبغت عليهم، والتى ليست بالضرورة معبرة عن درجة فى التدرج الهرمى. فقد لقب الشيخ كاشف الغطاء بشيخ المجتهدين، ثم لقب محمد باقر شافتى (المتوفى ١٢٦٠ هـ/ ١٨٤٤ م) بحجة الإسلام، والأنصارى خاتم المجتهدين. كما دخل لقب "مجدد" لديهم أسوة بالسنة. ولكن أكثر الألقاب مرتبة هو "آية اللَّه" و"مرجع التقليد"، أما "الإمام" فقد أعطى للخُمينى وموسى الصدر على أساس استثنائى صرف.
المصادر:
(١) Sh Akhavi: Religion and politics Iran, New York in contemporary ١٩٣٠
(٢) H. Batatu: Shici oagnizations in Iraq Al-Dacwah al- Islamiyah and alMajahidin, In Sh, cism and social protest ١٩٨٦, ١٩٧ - ٢٠٠
стр. 8918
(٣) W.B. Halloq: Was thegafe of Journal of Middle East- iglihad closed? ern studies, XVI ١٩٨٤
ترجمة: على يوسف على [كالمار J.Calmard] مراجعة: د. محمد الشحات الجندى
المجرة
المجرة: أو الطريق اللبنى. هذه الظاهرة السماوية الملحوظة كانت معروفة لشعوب العالم الإسلامى حق المعرفة. ويبدو أن تشبيه هذه المجرة بانتشار اللبن تشبيه ذو أصل أُغريقى، ويسمى العرب الطريق اللبنى أيضًا باسم درب التبانة ولفظ المجرة، مشتق من الفعل جرَّ، فيما يذهب مؤلفو المعاجم. ويوجد أحيانا التباس فى بعض النصوص العربية بين الطريق اللبنى أو المجرة وكلمة "مجمرة". وهو اسم يونانى لاحدى المجموعات النجمية. وجاء نفس الالتباس فى نص عربى لمحمد المقرئ بعنوان منازل القمر عند العرب. وعن ترجمة حرفية عن اليونانية جاء فى المجسطى لبطليموس عن الحجاج بن يوسف بن مطر أنها لفلك اللبنى و"الدائرة المشابه لونها بلون اللبن" أو باختصار "الدائرة اللبنية" إسحاق بن حنين.
وقد عرف الطريق اللبنى للعرب فى العصور القديمة. وفى النصوص اللغوية وصفت مواقع عديدة من النجوم الثابتة المرتبطة بالطريق اللبنى. وأعطى أبو حنيفة الدِّينَورى (٢٨٢ هـ/ ٨٩٥ م) وصفا لمجرى الطريق اللبنى فى السماء كما رآه العرب فى عصور الجاهلية.
وفيما بعد رصدها العرب وذكروا أن موقع الطريق اللبنى فى السماء يتغير مع الفصول المختلفة تبعًا للدورة السنوية فى السماء ثم وضعها بعد ذلك ملاح المحيط الهندى المشهور أحمد بن ماجد اعتمادا على خبرته الشخصية عام ١٤٩٠ م. وذكر ابن قتيبة والقزوينى وأَحمد بن ماجد أن بعض كتاب الجاهلية قد فهم الطريق اللبنى كتجمع كثيف من نجوم خافتة تُرى لعين الراصد كتلة سديمية النظرية التى نشأت من أرصاد منفصلة غير متأثرة بتعاليم فيلسوف اغريقى.
وقد وصف بطليموس الطريق اللبنى وصفا علميا فلكيًا فى كتابه المجسطى
стр. 8919
الذى أصبح معروفًا فى اللغة العربية من خلال سلسلة من الترجمات فى نهاية القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى إلى نهاية القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى إلا أن وصف أبى حنيفة الدِّينورى يبدو غير متأثر بالمجسطى حيث أنه استخدم عناصر وصفية من أصل عربى خالص فقط. وكذلك يبدأ وصفه بالدائرة البروجية وينتهى بكوكبة العقرب قريبًا من دائرة البروج فى حين يبدأ وصف بطليموس وينتهى عند مجموعة قنطورس فى منطقة أقصى جنوب السماء التى كانت مرئية له فى الإسكندرية.
اقتنع العرب بنظريات الطريق اللبنى الكونية من ترجمات وشروح أعمال الفلاسفة الإغريق وتعليقاتهم. فبينما ظن أرسطوطاليس أن الطريق اللبنى ظاهرة دخانية تنتمى لكرة أسفل القمر اعتقد ديموقراط وتابعوه مثل أوليميودور أن الطريق اللبنى بعيد فى الفراغ مثل النجوم الثوابت وقد أيد علماء المسلمين هذه النظريات الأخيرة ضد نظرية ارسطوطاليس. وكانت استنتاجات ابن الهيثم العلمية ذات أهمية خاصة وهو الذى توصل إلى أن الطريق اللبنى لا يكون جزءًا من الهواء (كرة أسفل القمر) ولكنه يجب أن يكون أبعد فى الفراغ. وفى القانون المسعودى الذى ظهر عام ١٠٣٠ هـ يقول البيرونى. وعلى العكس من تعاليم أرسطو وتابعته، لمجرة نفس الارتفاع (فوق الأرض) مثل النجوم الثوابت, لأن القمر والكواكب لا تتأثر بها حينما تمر أمامها.
المصادر:
(١) أحمد بن ماجد: كتاب الفوائد فى أصول علم البحر والقواعد Damascus ١٩٧١
(٢) G.R.T, Bbetts: Arab navigation in the Indian Ocean before the coming of the Portuguese, London ١٩٧١
(٣) Aristotle, Meteorology, Arabic paraphase Kitab al-Athar al-culwiyya, ed, A-R.Badawi Cairo ١٩٦١
(٤) البيرونى (١) كتاب التفهيم لأوائل صناعات التنجيم ed. and tr. h-h-wright, london ١٩٣٤
(٥) البيرونى (٢) القانون المسعودى - i-iii, حيدرآباد, - ١٩٥٤.
د. محمد أحمد سليمان (ب. كونيتز P. Kunitzsch)
стр. 8920
مجنون ليلى
أو مجنون بنى عامر- وهو الاسم الذى يطلق على بطل قصة حب رومانسية يرجع تاريخها إلى النصف الثانى من القرن الأول الهجرى (السابع الميلادى)
١ - زودت المراجع العربية القديمة هذه الشخصية بسلسلة كاملة من الأنساب تجرى على هذا النحو: قيس بن الملوح ابن مزاحم بن قيس بن عداس بن ربيعة ابن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر ابن صعصعة. . وبالرغم من أننا يمكن أن نقبل هذا الفرع من النسب من نقطة البدء عند قيس بن عداس، فإن هذا الأخير -كما تشير الدلائل ليس له وليس بمن يدعى بمزاحم- وأكثر من ذلك فقد أطلقت عليه أسماء أخرى أقل شهرة مثل: "البحترى بن الجعد"، و"مهدى بن الملوح" و"الأقرع"، و"قيس ابن معاذ". ولكن الجاحظ يقسم الشخصية إلى اثنين ويعمد إلى التفرقة بين مجنون بنى عامر، ومجنون بنى جعدة حيث أن "جعدة" ينحدر من عامر أما فيما يتعلق بمحبوبته، فقد جاء نسبها على النحو التالى: ليلى بنت سعد ابن مهدى بن ربيعة بن الحارث بن كعب بن ربيعة بن عامر.
ومضمون قصة الحب هذه، بقدر ما استطعنا أن نستخلصه من الروايات القديمة بسيط نسبيا وعادى -ومع ذلك توجد روايتان متعارضتان- تقول الأولى إن الشابين قضيا صباهما معا، يرعيان قطعانهما فى جبل التوباد الذى كان يخص قبيلة محارب (الأصفهانى: بلاد العرب) أما الرواية الأخرى فتقول: إن قيسا كان يقابل ليلى عن غير قصد لا سابق ترتيب عند جمع من النساء، ويكون تأثيرها عليه شديدا، ويذبح جملة إسهاما فى الوليمة.
وتشارك ليلى -التى تشارك قيسا عواطفه ومشاعره، توليه الاهتمام كله. وعلى إثر ذلك يطلب يدها، غير أن أباها كان قد أعطى لتوه وعدا بتزويجها إلى من يدعى "ورد بن محمد العقيلى". ويفقد قيس صوابه بعد أن تملكه الحزن والألم المبرح ويهيم على وجهه، رافضا أن يأكل، لائذا بالحيوانات البرية يعيش
стр. 8921
بينها. ويأخذه أبوه فى رحلة للحج عساه أن ينسى ليلى، ولكن جنونه يتضاعف ومع ذلك تعاوده لحظات من وضوح الفكر فينظم الأشعار فيها ويشتد حزنه مع عجزه عن رؤيتها ولو مرة واحدة أخرى حتى يوافيه أجله.
إن من العسير أن نثبت أصل الحكاية. . وثمة إشارة فى "الأغانى" تقول إن المؤلف الأصلى شاب أموى وأنه كتب هذه الأشعار فى ابنة عمه ولكن هذا الرأى مشكوك فى صحته فذكر بعض الشخصيات التاريخية مثل "نوفل بن مساحق" حاكم المدينة فى عام ٨٢ هـ/ ٧٠٢ م، فى التراث الذى يتعلق بمغامرات قيس، يشير إلى أن هذا الأخير عاش فى تلك الفترة تقريبًا، وهذا هو كل ما يمكن أن يقال عن الموضوع. وسوف يظل مؤلف أو مؤلفو الأشعار التى تنسب إلى المجنون وما يدور حولها من تفسيرات شيئًا مجهولا دائما -ومن المحتمل أن تكون هذه الإبداعات نابعة من رغبة عرب الشمال- الذين يمثلهم "عامر بن صعصعة" فى أن يظهروا أن قصص الحب غير السعيدة ليست شيئًا مقصورًا على هؤلاء الذين فى الجنوب -قبيلة عذرة مثلا- وإنهم يستطيعون أن يفرزوا ما يتماثل مع من يدعى "جميل العذرى".
ومنذ اللحظة التى تحقق فيها للأشعار والأخبار التى تتعلق بالشخصيات الخيالية، هذا الوضع المعيارى، فإنه لا يكون من الصعب أن نتصور الدور الذى لعبه الرواة، والذين يلفقون القصص ذات الخيال المبدع، والذين يتهمهم الأصمعى بأنهم لفقوا هذه القصة، التى تدخل ضمن سلسلة طويلة من الأعمال الخيالية والسير الذاتية التى تصب فى قالب روائى، والتى يقدم لنا "الفهرست" بيانًا مفصلا عنها. .
وقصة المجنون وليلى -مثل كل حكايات العصور الوسطى، لم تأخذ أبدًا شكلا محددا؛ والواقع أن ناقلى التراث من أمثال ابن وهب وعمر بن شبة وابن الكلبى والزُّبير بن بكار، قد بدأوا فى مرحلة مبكرة يكتبون العناصر العديدة المتفرقة لهذه القصص، ولكن الأخبار المنفردة بدأت فى التداول والانتشار شفويا، ويضاف إليها حسب أذواق الرواة. وقد جاء الدليل على ذلك فى
стр. 8922
دراسة للمصادر من أجل تنقيح الأغانى الذى يعتبر بعد الشعر والشعراء لابن قتيبة- الأقدم والأكثر تطورا. فقد احتاط أبو الفرج حتى يحيى نفسه من النقاد بأن ذكر الآراء المؤيدة والمعارضة التاريخية (لا أسطورية) للشخصية، ثم جمع -دون اعتبار للتسلسل الزمنى مجموعة من المصادر الشفهية والمكتوبة، والتى بينها تفصيلا أ. ى كراتشكوفسكى فى مقال نشره بالروسية فى ليننجراد عام ١٩٤٦ م.
ويبدو أن قصة المجنون وليلى قد احتلت الأسبقية على معظم الأعمال الأخرى من نفس النوع وتصدرتها حتى نهاية القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) أو أوائل القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). . وأن التغنى بالعديد من أشعارها بالإضافة إلى الأهمية التى أولاها إياه كتاب الأغانى لا يتركان مجالا للشك فى أن هذا الرواج الذى تمتعت به بعد ذلك لم يكن شيئًا جديدا.
وفى الأدب العربى اللاحق للأغانى، تتكرر أخبار المجنون فى عدد من الأعمال الأدبية وخصوصًا فى تلك التى تتعلق بقصص الحب الشهيرة "مثل تزيين الأسواق" (لداود الأنطاكى) ولكننا لا نعرف إلا القليل من الدراسات المستقلة بصرف النظر عن "الديوان" واثنين من الأعمال لم يحققا بعد وهما "نزهة المسامر فى ذكر بعض أخبار مجنون بنى عامر" تأليف "يوسف بن الحسن المبرادى" (الذى مات عام ٩٠٩ هـ/ ١٥٠٣ م) وكتاب "بسط السامع المسامر فى أخبار مجنون بنى عامر" تأليف "ابن طولون" (المتوفى عام ٩٥٣ هـ/ ١٥٤٦ م). . ومما هو جدير بالملاحظة -وإن لم يكن متوقعا أبدًا- ألا تثير قصة المجنون وليلى أى عمل أدبى بالعربية فى العصور الوسطى. . ولم يحدث قبل وقتنا الحاضر أن عالج هذا الموضوع عدد من كتاب المسرح منهم إبراهيم الأحدب وسليم البستانى، وأبو خليل القبانى الذى يبدو أن أعماله لم تمثل بل ولم تطبع. . أما رواية "مجنون ليلى" للكاتب محمد منجى خير اللَّه فقد مثلت فى الإسكندرية ونشرت فى عام ١٨٩٨ م ولكن أشهر الأعمال فى هذا الصدد هى مسرحية مجنون ليلى لأحمد شوقى.
стр. 8923
ولست أعرف إذا كان من المهم أن أضع فى نهاية القرن الثانى الهجرى، الثامن الميلادى (إذ لم يرد ذكره فى الفهرست) من يدعى أبو بكر الوليبى الذى ينسب إليه تنقيح ديوان المجنون الذى توجد منه مخطوطات كثيرة، والذى كان موضوع خمس عشرة طبعة عادية، وطبعة واحدة أكثر دقة بقلم أحمد فراج فى القاهرة (١٩٥٨ م).
والواضح أن محتوى الديوان لا يمكن أن يكون من عمل شاعر واحد وخصوصًا أن هناك ميلا -كما يلاحظ الجاحظ؛ لأن ينسب إلى مجنون ليلى أشعار أى شاعر غير معروف تكون فيها إشارة إلى ليلى- كما أن سميه قيس بن ذريح قد أحدث بعض البلبلة. . وعلى أية حال فإن هذا الديوان -كما يقول "ر بلاشير" R.Blachere- الذى قام بتحليله "لا يمكن النظر إليه على أنه يحتل مكانا ضئيلًا فى دراسة الشعر القديم". .
راجع: طه حسين: حديث الأربعاء و. م. كامل فريد: مجنون ليلى، تاريخه، علاقته بليلى، أشعاره. [ش. بيلات Pellat].
٢ - فى الأدب الفارسى والكردى والباشتو
أصبحت أشعار المجنون، وحكايات حبه وافتتانه بليلى (وتنطق فى الفارسية بكسر اللام الأخيرة) جزءا من التراث الأدبى الفارسى أيضا، حيث استخدمت هذه الأشعار بطرق كثيرة. فكثيرًا ما ترد مقتطفات من شعره فى الأعمال النثرية فى فارس، وهو يعد واحد، من أعظم شعراء الحب والعشق. ويشتهر بشعره فى الغزل. وترد اشارات كثيرة إليه وإلى ليلى فى أعمال كثير من الشعراء قبل أن ينظم "نظامى" قصيدته حول قصة حبهما؛ وهذه القصيدة مهمة جدًا بحيث تعتبر فتحا جديدًا فى تاريخ الشعر -ومانوشِهْرى يقارن عيون المجنون وخدود ليلى بمجموعتين من النجوم.
وتوضح هذه الأمثلة -فى البداية على الأقل- أن القصة لا تتعلق على وجه الخصوص بالتصوف، بالرغم من أن الصوفيين -كما نعرف- قد استخدموها كنموذج منذ القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) إلى ما بعد
стр. 8924
ذلك. أما بالنسبة لشاعر دينى مثل ناصرى خسرو" (القرن الخامس الهجرى - الحادى عشر الميلادى)، فإن جوهر الموضوع يستحق الشجب لأنه يرمز إلى الحب الدنيوى الفانى وإلى الشعر العابث.
أما تطور هذه القصة لتصبح واحدة من أكثر الموضوعات المحببة فى التراث الصوفى، والتى عولجت فى أعمال لا تحصى كتبت بالفارسية وبلغات كثيرة أخرى، فهذا موضوع يستحق البحث والتحقيق, وكذلك كان المجنون وليلى أيضًا بالنسبة للشعراء نموذجا للحبيبين مثل عديد من النماذج الأخرى: محمود و"اياز"؛ فرهد وشيرين؛ أو الحبيبين اليونانيين وامق وعذرا. ويقول جلال الدين الرومى إن المجنون ومعه فرهد وغيره ينتمون إلى النماذج الأصلية للعشاق الذين يلجأون إلى الجبال والصحراء ويهيمون فيها وحولها بسبب الحب.
وقد كانت "الأخبار" مصدرا ثريا للحكايات والنوادر "التوضيحية" بالنسبة للكتَّاب والشعراء وقد اعتمد عليها أحمدى غزالى، كما اعتمد الكتَّاب اللاحقون على نظرية الحب ومن بين مؤلفى القصائد المثنوية الصوفية ممن يستحق الاهتمام الخاص فريد الدين عطار وفى عام ٥٨٤ هـ/ ١١٨٨ م ألف "نظامى" جانجا بناء على طلب من شروان شاه اخستيان Shirwan Shah Akhsitam " مثنوية ليلى والمجنون" على وزن "هزجى مقبوض محذوف"، وتضم خمسة آلاف بيت وهذا هو الجزء الثالث من مجموع القصائد المعروفة باسم "الخمسة" وقد اختير الموضوع لأول مرة على أنه مادة لقصيدة قصصية فارسية، ولكن هناك سابقة فى معالجة مثل هذا الموضوع ذى الأصل العربى. وهذه السابقة نجدها فى "ورقا وجلشاة" تأليف "عيوقى".
و"ليلى والمجنون" هذه كانت نقطة البداية لسلسلة طويلة من المحاكاة والقصص المماثلة والتى كتبت بكل لغة فى المنطقة ويتضح فيها التأثير الثقافى للأدب الفارسى. وقد اقتبس الشعراء الذين حاولوا محاكاة النموذج الذى وضعه نظامى، معظم محتوياته والوزن كذلك، بل وعناصر من تركيبته مثل
стр. 8925
النصيحة التى تقدم إلى ابن الشاعر، والخطاب (الحديث) الذى يوجه إلى الساقى وكل منهما موجود فى مقدمة نظامى ومع ذلك فإن كل من هؤلاء الشعراء قد بذل جهدًا لإنتاج عمل أصلى بإحداث بعض التغييرات فى مشاهد القصص، وبإضافة قصص جديدة أو عن طريق تغيير التركيز من موضوع إلى آخر. .
وقليل من هذه الأعمال التى حاكت ما سبقها هى التى تستأهل أن تكون أعمالا أدبية. . ومن بين هذه الأعمال المجنون وليلى تأليف "أمير خسرو دهلوى" والتى كتبها فى عام ٦٩٨ هـ/ ١٢٩٩ م، وهى تحاكى "الخمسة" محاكاة تامة. وهى أقصر من النموذج الذى حاكته (٢٦٦٠ بيتًا)، ولا تركز كثيرًا على الجوانب التعليمية. وهناك عناصر جديدة مثل التكهن بمصير المجنون عند مولده، والرغبة التى أعرب عنها الحبيبان بأن تقتلع أعينهما الغربان النهمة التى تفترس أجساد الموتى بعد معارك العشائر.
وقد أهدى أمير خسرو هذا العمل إلى مرشده الروحى نظام الدين أولياء وإلى سلطان دهلى. كذلك فإن القصيدة الطويلة التى نظمها "جامى" وأتمها فى عام ٨٨٩ هـ/ ١٤٨٤ م، كادت تعالج كل محتويات "الأخبار" الأصلية. . فبداية قصة الحب قريبة جدًا إلى التراث العربى (فلم يكن اللقاء الأول فى مدرسة بل فى معسكر عشيرة ليلى). كما أننا لا نستطيع أن نخطئ المعنى الصوفى اللصيق بالقصة، بالرغم من أن القصة (كما هى) قد نالت كل ما تستحقه وفى الأغنية الموجهة إلى السقى فى المقدمة، يحيى "جامى" ذكرى مشايخ النقشبندية والحكام التيموريين الأوائل. وقد كان معاصر و"جامى" ابنا أخيه "هاتفى الشيرازى". . وكانت قصيدة الأول أثيرة لدى الشعراء العثمانيين وقد ترجمت إلى التركية أما قصيدة ليلى والمجنون التى نظمها هذا الأخير فقد ذاعت وانتشرت قراءتها فى الأزمنة الحديثة وطبعت كثيرًا فى كل من إيران والهند. ومع ذلك فقد قوبلت أعمال الأغلبية العظمى من الشعراء الفرس المقلدين بقليل من النجاح. وقصائدهم موجودة. على أقصى تقدير فى نسخ قليلة أو منفردة. ويبدو أن بعضها قد اختفى تمامًا.
стр. 8926
وقد كتب بعض شعراء فترة ما بعد الكلاسيكية. وتحت عنوان "شاهى وصال" "مثنويات" قصيرة تصف اجتماع شمل ليلى والمجنون مرة أخرى فى أحد القبور وفى إحدى الرباعيات التى وضعها "ليسانى" Lisani (القرن التاسع الهجرى - الخامس عشر الميلادى) حول أحد رسامى المنمنمات، نجد أن جسم المجنون الهزيل النحيل - كما يصوره الفن الفارسى عامة، يستخدم كموضوع أدبى.
وفى الأدب الكردى يوجد عدد من الروايات لهذه القصة، بعضها معالجات جديدة للنماذج الفارسية والتركية، والبعض الآخر أعمال أصلية. . وتنتمى إلى التراث المكتوب أعمال "على بايير أغا" و"عبد الجبار كانى" و"حارث بطليسى" والتى ترجع إلى عام ١١٧١ هـ/ ١٧٥٨ - ١٧٥٩ م -كذلك فقد سجلت القصص الشعبية حول ليلى والمكلوم فى مناطق عديدة؛ وهى ذات أشكال مختلفة مثل معالجة القصة على أساس أسطورى وهى. . وقد كتبت بعض الروايات باللهجة الجورانية فى اللغة الفارسية وفى "شكل" عروضى يتميز به الأدب الشعبى. وفى "الباشتو" (اللغة الإيرانية المستخدمة فى أفغانستان الشرقية وبلوخستان الشمالية من باكستان) وضع "باى خان" Bay Khan من أهالى "بونر" رواية فى مقاطع شعرية تحمل شكل الغزليات.
المصادر:
(١) هلال: ليلى والمجنون فى الأدب العربى والفارسى.
(٢) أسعد خير اللَّه: الحب والجنون والشعر: شرح لأسطورة المجنون (بيروت ١٩٨٠).
[دى بروجن J.T.P. De Bruijn]
٣ - فى الأدب التركى:
افتتن الشعراء الأتراك أيضًا بقصة مجنون ليلى؛ ذلك لأنهم فى أول الأمر تأثروا بالصورة الكلاسيكية التى وضعها نظامى؛ ولأنهم بعد ذلك اتخذوا موقفا نقديا من روايات الشعراء الفرس والأتراك الآخرين. ولأن الموضوع ثابت لا يتغير وكذلك الربط بين الأفكار
стр. 8927
المتعلقة به، فنرى أن الشعراء الأتراك كانوا يسعون إلى معالجة أكثر إثارة للدافع الخارجى، أو يحاولون استخلاص المعنى المجازى من القصة كما وردت فى المادة الأصلية -ولكن لانزال نفتقد دراسة مقارنة عن الأهداف الشعرية، والتى يجب -بسبب التشابه فى الموضوع- أن تأخذ فى الاعتبار قصة "ورقا"، و"وجلشاه".
وقد شرع جولشيهرى و"عاشق باشا" فى معالجة الموضوع فى "منطق الطير" و"غريب نامه". وقد بدأ الاتجاه المستقل للكتابات التركية بالمثنوية الطويلة التى كتبها شاهدى بالنيابة عن الأمير "جم" Jem وانتحلها بعد ذلك من يدعى "قادمى" Kadimi. وفى قصيدة شاهدى، وكذلك فى المجنون وليلى لأمير الشعراء فى شرقى تركيا "مير على شيرنواعى" Mir'Ali Shir Nawa'i, والتى كتبت بعد ذلك بفترد غير قصيرة، يجرى تفسير حب المجنون الضائع (الذى لم يلق أية مكافأة أو تعويض) على أنه طريق مجازى للحقيقة الإلهية. وفى نهاية القرن التاسع الهجرى، (الخامس عشر الميلادى)، كتب "أحمد سنان بهشتى" العثمانى الذى عاش فترة، من الزمن فى هرات رواية ذات مغزى صوفى تأثر فيها بما وضعه "جامى"، وأضاف بعض التغييرات المهمة فى الأفكار الرئيسية. وفى الوقت نفسه تقريبًا وضع "حمد اللَّه حمدى" و"تتنسوز أحمد رضوان مؤلفاتهما النظمية. ومن ثم كان القرن العاشر الهجرى - السادس عشر الميلادى ثريا بروايات ليلى والمجنون وقد كتب "جليلى حميد زاد بورصلى (المتوفى بعد ٩٧٧ هـ/ ١٥٦٩ م) روايته فى عام ٩١٨ هـ/ ١٥١٢ م متزامنة فى قليل أو كثير مع روايته المختصرة جدا عن خسرو وشيرين، وهى تركز على ما يبدو -مثل هذه الرواية الأخيرة- على الجوانب الخارجية للحديث. وبعد "لمامينى" ظهر مؤلف "سوادعى"، الذى أقحم فيه شعرًا كتبه "فضولى" Fuduli . . وفى عام ٩٣١ هـ/ ١٥٢٤ - ١٥٢٥ م كتب حقيرى الأذربيجانى رواية من وحى "نظامى" و"هاتفى"، والتى نقلها إلى موطنه، والتى لعبت فيها الصدفة دورا مهما والطريقة التى عالج
стр. 8928
بها فضولى الموضوع هى نموذج للشعر التركى. وفى هذه الرواية التى انتهى من كتابتها فى عام ٩٤٢ هـ/ ١٥٣٥ - ١٥٣٦ م، يبدو المجنون رمزا للأيديولوجية الدينية للحب، والتى تشتمل مهمته على تحرير نفسه من المحبوب. وبهذه القصيدة الملحمية، التى يشيع فيها الغزل, وترخى مشاعر ليلى التى تظل شخصية دنيوية ممكنة، استطاع فضولى أن يبدع نسخة تركية رائعة تطابق النماذج الفارسية، التى بدأ يضاهيها. . وفى عام ٩٥٠ هـ/ ١٥٤٣ - ١٥٤٤ م كتب حمدى اللارتدى) رواية ذات شهرة ضئيلة أيضًا من وحى نظامى و"جامى" و"نواعى" -وفى عام ٩٦٢ هـ/ ١٥٥٤ - ١٥٥٥ م أنتج صالح جلال رواية تتبع فى محاكاة وتقليد أسلوب هاتفى. وقد نسخ "خليف" (٩٨٦ هـ/ ١٥٧٨ - ١٥٧٩ م) فقرات من العمل الذى أبدعه "فضولى" بعد أن فقده هو و"نواعى" فى مقدمته وقد حول شاعر آذارى Adhari اسمه "عطايى" (القرن الحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى) القصة إلى قصة خرافية أدخل فيها مقتطفات من "ديدى قرقت" Dede Korkut أما رواية "قفزاده فيظى" (المتوفى ١٠٣١ هـ/ ١٦٢١ م) فلم يكملها. وهناك كتابات وإبداعات كثيرة أخرى تؤكد كيف أن هذا الموضوع ظل أثيرا محببا لدى المبدعين حتى وقتنا الحاضر.
٤ - أما فى الأدب الأوردى فقد انتقلت القصة (مجنون ليلى) إلى هذا الأدب عن طريق الأدب الفارسى، وليس مباشرة عن طريق الأدب العربى، وكثيرا ما يطلق عليها "ليلى مجنون" وهى توجد فى ثلاثة أشكال رئيسية الأول فى الإشارة العرضية للحبيبين وخصوصًا فى الشعر، والثانى فى القصائد القصصية التى تحكى القصة وتكون فى "المثنوى" عامة والثالث حبكة للأعمال الدرامية الأوردية المبكرة فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتى كتبت معظمها للفرق المسرحية المتعددة فى بومباى والتى تتحدث "البارْسية" (وهى اللهجة الإيرانية الخاصة بالأدب البارسى الدينى الذى يكتب به الزراد شتيون
стр. 8929
الذين ينحدرون من أصلاب اللاجئين الفرس المقيمين فى بومباى وغيرها). ومع ذلك فإنه يبدو أن الموضوع لم يحفز أحدًا ما إلى أى عمل ذى أهمية أدبية كبيرة، بعد أن فشلنا حتى الآن فى أن نكتشف واقعة قد تكون مجهولة.
وقد كان "المثنوى" القصصى شكلا شعريا مفضلا عند "دكانى" وهو نموذج اللغة الأوردية الذى كان سائدا فى جنوب الهند من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر وهناك نماذج عديدة موجودة تتعلق بمجنون ليلى، وكلها كانت تتخذ من الأعمال الفارسية نموذجا تحتذيه وخصوصًا أعمال هانقى ونظامى وجامى وربما ما وضعه فى دهلى الشاعر "أمير خسرو" حوالى ٧٠٠ هـ/ ١٣٠٠ م وعلى أية حال فبالرغم من النماذج الفارسية فإن الجو العام فى هذه الأعمال الأوردية هندى بشكل واضح كما يمكن أن يتضح فى فقرات "شارابا" التى تصف البطلة من الرأس إلى القدم. ويذكر "هاشمى" و"بقير" و"جاليبى" المثنويات التى وضعها أحمد الجوجراتى ومحمد عزيز وهما شاعران من عصر "قطب شاهى فى "جولكوندا" وقد كتبت هذه الأعمال فى عام ١٠٤٠ هـ/ ١٦٣٠ م وعام ١٠٤٦ هـ/ ١٦٣٦ م على التوالى. وهناك مثنوية "دكانية" هى قصة ليلى والمجنون وضعها "عبيد اللَّه واعظ بن إسحاق" فى عام ١١٩٦ هـ/ ١٧٨٢ م. . وهى ضمن مجموعة مؤلفة من اثنتى عشرة من المثنويات الأوردية المبكرة جمعها شخص غير معروف تحت عنوان "بارا قصة". وهذه المجموعة كبيرة الشهرة ذائعة الصيت وقد نشرت عدة مرات قبل وبعد ١٨٥٧ م، ولكن الطبعات الأخيرة تميل إلى تحديث اللغة.
وعلى حين لم يكتب شعراء الأوردية الكبار فى شمال الهند فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قصائد قصصية عن حكاية المجنون وليلى، فإن الواضح أنها ظلت مألوفة ومحببة إلى النفوس على الأقل فى ستينيات القرن التاسع عشر ويسجل "بلومهارت" Blumhardt ثلاث مثنويات واحدة مجهولة نشرت فى دهلى فى عام ١٨٦٤ م والثانية كتبها محمد تقى خان هواس لوكناو ١٨٦٢ م والثالثة فقد نظمها "والى محمد نظير" كونبور ١٨٨٦ م.
стр. 8930
وفى ستينيات القرن الماضى بدأت تنتشر الفرق المسرحية فى بومباى، وقد أخذت كثيرًا من المسرحيات الأولى التى قامت بتمثيلها "حبكتها" من القصص الشائعة المألوفة سواء كانت عربية أو فارسية أو هندية وقد حظيت قصة مجنون ليلى بالذيوع والانتشار طيلة ثلاثين عامًا كموضوع للدراما الشعرية.
ولا نعرف من الذى كتب أول مسرحية أو مدى ارتباط هذه المسرحيات التى نشرت بالأصول: ذلك لأن الكاتب المسرحى الذى تستخدمه إحدى الفرق المسرحية قد يكلف بإعادة صياغة المسرحية الموجودة أو اقتباسها، ولم يكن هناك قانون يتعلق بحقوق التأليف والنشر يحول دون أن يحصل المراجع على الفصل كله عن المسرحية وفيما يلى بعض الذين كتبوا مسرحيات لا تزال موجودة عن ليلى والمجنون: - "نضروان جى مهربان جى آرام".
- منشى محمود ميان رونق (١٨٢٥ - ١٨٦٦ م) وقد كتب مسرحيته عام ١٨٥٧ - ١٨٥٨ م.
- حسينى ميان ظريف.
- حافظ عبد اللَّه رونق - ومسرحيته أفضل المسرحيات وقد نشرت فى بومباى عام ١٨٨٠ م بنص جوجارانى بعنوان مزدوج: "انجمى الفت" و"عرف ليلى مجنون". وقد أعيد نشرها -مثل المسرحيات الثلاث الأخرى- بنص أوردى فى لاهور.
وهذه المسرحيات الأربع تتميز بحرفية مسرحية وجاذبية شعبية أكثر مما تتميز بالفن الأدبى. وقد كتب الروائى الموسوعى الشهير فى "لوكناو" "ميرزا محمد هادى رسوا" (١٨٥٩ - ١٩٣١ م) مؤلفه "مَرَقعى ليلى مجنون" (البوم ليلى مجنون) الذى نشر فى لوكناو عام ١٨٨٥ م وفى اللَّه آباد ١٨٨٧ م، وهو يعى كل هذه الأعمال المسرحية. . فقد شاهد المسرحيات التى تؤديها فرق بومباى المتجولة العديدة لوكناو ومن بينها ولا شك مسرحيات ليلى والمجنون. . وقد كتب فى مقدمة مؤلفه أنه لم يكن راضيا عن لغة هذه المسرحيات فهى ليست لغة دهلى أو "لوكناو" ولكنها لغة سوق السمك فى
следующие страницы →