← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

وقد كتب بعض شعراء فترة ما بعد الكلاسيكية. وتحت عنوان "شاهى وصال" "مثنويات" قصيرة تصف اجتماع شمل ليلى والمجنون مرة أخرى فى أحد القبور وفى إحدى الرباعيات التى وضعها "ليسانى" Lisani (القرن التاسع الهجرى - الخامس عشر الميلادى) حول أحد رسامى المنمنمات، نجد أن جسم المجنون الهزيل النحيل - كما يصوره الفن الفارسى عامة، يستخدم كموضوع أدبى. وفى الأدب الكردى يوجد عدد من الروايات لهذه القصة، بعضها معالجات جديدة للنماذج الفارسية والتركية، والبعض الآخر أعمال أصلية. . وتنتمى إلى التراث المكتوب أعمال "على بايير أغا" و"عبد الجبار كانى" و"حارث بطليسى" والتى ترجع إلى عام ١١٧١ هـ/ ١٧٥٨ - ١٧٥٩ م -كذلك فقد سجلت القصص الشعبية حول ليلى والمكلوم فى مناطق عديدة؛ وهى ذات أشكال مختلفة مثل معالجة القصة على أساس أسطورى وهى. . وقد كتبت بعض الروايات باللهجة الجورانية فى اللغة الفارسية وفى "شكل" عروضى يتميز به الأدب الشعبى. وفى "الباشتو" (اللغة الإيرانية المستخدمة فى أفغانستان الشرقية وبلوخستان الشمالية من باكستان) وضع "باى خان" Bay Khan من أهالى "بونر" رواية فى مقاطع شعرية تحمل شكل الغزليات. المصادر: (١) هلال: ليلى والمجنون فى الأدب العربى والفارسى. (٢) أسعد خير اللَّه: الحب والجنون والشعر: شرح لأسطورة المجنون (بيروت ١٩٨٠). [دى بروجن J.T.P. De Bruijn] ٣ - فى الأدب التركى: افتتن الشعراء الأتراك أيضًا بقصة مجنون ليلى؛ ذلك لأنهم فى أول الأمر تأثروا بالصورة الكلاسيكية التى وضعها نظامى؛ ولأنهم بعد ذلك اتخذوا موقفا نقديا من روايات الشعراء الفرس والأتراك الآخرين. ولأن الموضوع ثابت لا يتغير وكذلك الربط بين الأفكار

стр. 8927

المتعلقة به، فنرى أن الشعراء الأتراك كانوا يسعون إلى معالجة أكثر إثارة للدافع الخارجى، أو يحاولون استخلاص المعنى المجازى من القصة كما وردت فى المادة الأصلية -ولكن لانزال نفتقد دراسة مقارنة عن الأهداف الشعرية، والتى يجب -بسبب التشابه فى الموضوع- أن تأخذ فى الاعتبار قصة "ورقا"، و"وجلشاه". وقد شرع جولشيهرى و"عاشق باشا" فى معالجة الموضوع فى "منطق الطير" و"غريب نامه". وقد بدأ الاتجاه المستقل للكتابات التركية بالمثنوية الطويلة التى كتبها شاهدى بالنيابة عن الأمير "جم" Jem وانتحلها بعد ذلك من يدعى "قادمى" Kadimi. وفى قصيدة شاهدى، وكذلك فى المجنون وليلى لأمير الشعراء فى شرقى تركيا "مير على شيرنواعى" Mir'Ali Shir Nawa'i, والتى كتبت بعد ذلك بفترد غير قصيرة، يجرى تفسير حب المجنون الضائع (الذى لم يلق أية مكافأة أو تعويض) على أنه طريق مجازى للحقيقة الإلهية. وفى نهاية القرن التاسع الهجرى، (الخامس عشر الميلادى)، كتب "أحمد سنان بهشتى" العثمانى الذى عاش فترة، من الزمن فى هرات رواية ذات مغزى صوفى تأثر فيها بما وضعه "جامى"، وأضاف بعض التغييرات المهمة فى الأفكار الرئيسية. وفى الوقت نفسه تقريبًا وضع "حمد اللَّه حمدى" و"تتنسوز أحمد رضوان مؤلفاتهما النظمية. ومن ثم كان القرن العاشر الهجرى - السادس عشر الميلادى ثريا بروايات ليلى والمجنون وقد كتب "جليلى حميد زاد بورصلى (المتوفى بعد ٩٧٧ هـ/ ١٥٦٩ م) روايته فى عام ٩١٨ هـ/ ١٥١٢ م متزامنة فى قليل أو كثير مع روايته المختصرة جدا عن خسرو وشيرين، وهى تركز على ما يبدو -مثل هذه الرواية الأخيرة- على الجوانب الخارجية للحديث. وبعد "لمامينى" ظهر مؤلف "سوادعى"، الذى أقحم فيه شعرًا كتبه "فضولى" Fuduli . . وفى عام ٩٣١ هـ/ ١٥٢٤ - ١٥٢٥ م كتب حقيرى الأذربيجانى رواية من وحى "نظامى" و"هاتفى"، والتى نقلها إلى موطنه، والتى لعبت فيها الصدفة دورا مهما والطريقة التى عالج

стр. 8928

بها فضولى الموضوع هى نموذج للشعر التركى. وفى هذه الرواية التى انتهى من كتابتها فى عام ٩٤٢ هـ/ ١٥٣٥ - ١٥٣٦ م، يبدو المجنون رمزا للأيديولوجية الدينية للحب، والتى تشتمل مهمته على تحرير نفسه من المحبوب. وبهذه القصيدة الملحمية، التى يشيع فيها الغزل, وترخى مشاعر ليلى التى تظل شخصية دنيوية ممكنة، استطاع فضولى أن يبدع نسخة تركية رائعة تطابق النماذج الفارسية، التى بدأ يضاهيها. . وفى عام ٩٥٠ هـ/ ١٥٤٣ - ١٥٤٤ م كتب حمدى اللارتدى) رواية ذات شهرة ضئيلة أيضًا من وحى نظامى و"جامى" و"نواعى" -وفى عام ٩٦٢ هـ/ ١٥٥٤ - ١٥٥٥ م أنتج صالح جلال رواية تتبع فى محاكاة وتقليد أسلوب هاتفى. وقد نسخ "خليف" (٩٨٦ هـ/ ١٥٧٨ - ١٥٧٩ م) فقرات من العمل الذى أبدعه "فضولى" بعد أن فقده هو و"نواعى" فى مقدمته وقد حول شاعر آذارى Adhari اسمه "عطايى" (القرن الحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى) القصة إلى قصة خرافية أدخل فيها مقتطفات من "ديدى قرقت" Dede Korkut أما رواية "قفزاده فيظى" (المتوفى ١٠٣١ هـ/ ١٦٢١ م) فلم يكملها. وهناك كتابات وإبداعات كثيرة أخرى تؤكد كيف أن هذا الموضوع ظل أثيرا محببا لدى المبدعين حتى وقتنا الحاضر. ٤ - أما فى الأدب الأوردى فقد انتقلت القصة (مجنون ليلى) إلى هذا الأدب عن طريق الأدب الفارسى، وليس مباشرة عن طريق الأدب العربى، وكثيرا ما يطلق عليها "ليلى مجنون" وهى توجد فى ثلاثة أشكال رئيسية الأول فى الإشارة العرضية للحبيبين وخصوصًا فى الشعر، والثانى فى القصائد القصصية التى تحكى القصة وتكون فى "المثنوى" عامة والثالث حبكة للأعمال الدرامية الأوردية المبكرة فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، والتى كتبت معظمها للفرق المسرحية المتعددة فى بومباى والتى تتحدث "البارْسية" (وهى اللهجة الإيرانية الخاصة بالأدب البارسى الدينى الذى يكتب به الزراد شتيون

стр. 8929

الذين ينحدرون من أصلاب اللاجئين الفرس المقيمين فى بومباى وغيرها). ومع ذلك فإنه يبدو أن الموضوع لم يحفز أحدًا ما إلى أى عمل ذى أهمية أدبية كبيرة، بعد أن فشلنا حتى الآن فى أن نكتشف واقعة قد تكون مجهولة. وقد كان "المثنوى" القصصى شكلا شعريا مفضلا عند "دكانى" وهو نموذج اللغة الأوردية الذى كان سائدا فى جنوب الهند من القرن الخامس عشر حتى القرن الثامن عشر وهناك نماذج عديدة موجودة تتعلق بمجنون ليلى، وكلها كانت تتخذ من الأعمال الفارسية نموذجا تحتذيه وخصوصًا أعمال هانقى ونظامى وجامى وربما ما وضعه فى دهلى الشاعر "أمير خسرو" حوالى ٧٠٠ هـ/ ١٣٠٠ م وعلى أية حال فبالرغم من النماذج الفارسية فإن الجو العام فى هذه الأعمال الأوردية هندى بشكل واضح كما يمكن أن يتضح فى فقرات "شارابا" التى تصف البطلة من الرأس إلى القدم. ويذكر "هاشمى" و"بقير" و"جاليبى" المثنويات التى وضعها أحمد الجوجراتى ومحمد عزيز وهما شاعران من عصر "قطب شاهى فى "جولكوندا" وقد كتبت هذه الأعمال فى عام ١٠٤٠ هـ/ ١٦٣٠ م وعام ١٠٤٦ هـ/ ١٦٣٦ م على التوالى. وهناك مثنوية "دكانية" هى قصة ليلى والمجنون وضعها "عبيد اللَّه واعظ بن إسحاق" فى عام ١١٩٦ هـ/ ١٧٨٢ م. . وهى ضمن مجموعة مؤلفة من اثنتى عشرة من المثنويات الأوردية المبكرة جمعها شخص غير معروف تحت عنوان "بارا قصة". وهذه المجموعة كبيرة الشهرة ذائعة الصيت وقد نشرت عدة مرات قبل وبعد ١٨٥٧ م، ولكن الطبعات الأخيرة تميل إلى تحديث اللغة. وعلى حين لم يكتب شعراء الأوردية الكبار فى شمال الهند فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قصائد قصصية عن حكاية المجنون وليلى، فإن الواضح أنها ظلت مألوفة ومحببة إلى النفوس على الأقل فى ستينيات القرن التاسع عشر ويسجل "بلومهارت" Blumhardt ثلاث مثنويات واحدة مجهولة نشرت فى دهلى فى عام ١٨٦٤ م والثانية كتبها محمد تقى خان هواس لوكناو ١٨٦٢ م والثالثة فقد نظمها "والى محمد نظير" كونبور ١٨٨٦ م.

стр. 8930

وفى ستينيات القرن الماضى بدأت تنتشر الفرق المسرحية فى بومباى، وقد أخذت كثيرًا من المسرحيات الأولى التى قامت بتمثيلها "حبكتها" من القصص الشائعة المألوفة سواء كانت عربية أو فارسية أو هندية وقد حظيت قصة مجنون ليلى بالذيوع والانتشار طيلة ثلاثين عامًا كموضوع للدراما الشعرية. ولا نعرف من الذى كتب أول مسرحية أو مدى ارتباط هذه المسرحيات التى نشرت بالأصول: ذلك لأن الكاتب المسرحى الذى تستخدمه إحدى الفرق المسرحية قد يكلف بإعادة صياغة المسرحية الموجودة أو اقتباسها، ولم يكن هناك قانون يتعلق بحقوق التأليف والنشر يحول دون أن يحصل المراجع على الفصل كله عن المسرحية وفيما يلى بعض الذين كتبوا مسرحيات لا تزال موجودة عن ليلى والمجنون: - "نضروان جى مهربان جى آرام". - منشى محمود ميان رونق (١٨٢٥ - ١٨٦٦ م) وقد كتب مسرحيته عام ١٨٥٧ - ١٨٥٨ م. - حسينى ميان ظريف. - حافظ عبد اللَّه رونق - ومسرحيته أفضل المسرحيات وقد نشرت فى بومباى عام ١٨٨٠ م بنص جوجارانى بعنوان مزدوج: "انجمى الفت" و"عرف ليلى مجنون". وقد أعيد نشرها -مثل المسرحيات الثلاث الأخرى- بنص أوردى فى لاهور. وهذه المسرحيات الأربع تتميز بحرفية مسرحية وجاذبية شعبية أكثر مما تتميز بالفن الأدبى. وقد كتب الروائى الموسوعى الشهير فى "لوكناو" "ميرزا محمد هادى رسوا" (١٨٥٩ - ١٩٣١ م) مؤلفه "مَرَقعى ليلى مجنون" (البوم ليلى مجنون) الذى نشر فى لوكناو عام ١٨٨٥ م وفى اللَّه آباد ١٨٨٧ م، وهو يعى كل هذه الأعمال المسرحية. . فقد شاهد المسرحيات التى تؤديها فرق بومباى المتجولة العديدة لوكناو ومن بينها ولا شك مسرحيات ليلى والمجنون. . وقد كتب فى مقدمة مؤلفه أنه لم يكن راضيا عن لغة هذه المسرحيات فهى ليست لغة دهلى أو "لوكناو" ولكنها لغة سوق السمك فى

стр. 8931

بومباى ومن ثم -وبتشجيع من أصدقائه- كتب هذه المسرحية ليوضح ما ينبغى أن يكون عليه الشعر الدرامى. وقد استخدم أوزانا شعرية مختلفة لتتواءم مع الشخصيات والمواقف، بل تصور إمكانية معالجتها حتى يمكن أن نصف المحصلة بأنها "أوبرا أوردية" ولكن لم تمثلها آية فرقة مسرحية، واعتبرها النقاد فشلا كبيرًا. ويقول "عشرات رحمنى" أنها كتبت كلها بالشعر فى الوقت الذى كان فيه النثر يلعب دورا متزايدا فى الدراما الأوردية. وتفككت الحبكة وفقدت جاذبيتها ولما كان هو شاعرًا من "لوكناو" عاش فترة ازدهار "المرانى"، فقد استطاع أن يكتب فقرات مليئة بالحزن واللوعة والنواح؛ وفى هذا تستحق المسرحية الكثير من الثناء. ولكن "روسوا" لم يكن كاتبا مسرحيا ولم تخضع القصة فى سيرها للمعالجة الدرامية. على أننا نجد هناك كاتبا أورديًا حديثًا وضع مجنون ليلى فى صياغة عصرية فى قصة قصيرة. فمجموعة القصص القصيرة التى كتبها "سيد سجّاد وحيدر" تحت عنوان "خيالستان" تضمنت قصة بعنوان "حكاية ليلى والمجنون" وفيها يولد الحبيبان من جديد فى ظروف حديثة عصرية فالمجنون يتعقب ليلى على دراجة. وتخضع ليلى للعلاج بالصدمة الكهربية، ويصاب المجنون بنوبة فى أثناء هذا العلاج ويؤخذ إلى مكة ليتخفف من هذا الوسواس، ولكنه يدعو إلا تخف عِلَّتُه أو تقل معاناته أبدا. . وهكذا تنتهى هذه القصة الغريبة المكتوبة برشاقة، والتى تشكل نهاية ملائمة لهذا التقرير عن مجنون ليلى فى الأدب "الأوردى". المصادر: (١) جميل جالبى: تاريخ الأدب الأوردى، قديم دور، لاهور ١٩٧٥، ص ٢٤٩ - ٢٥٠. (٢) J.F. Blumhardt: Catalogue of Library of the books in the Hindustani British Museums. London ١٨٨٩ بهجت عبد الفتاح [ج. أ. هيوود J.A.Haywood]

стр. 8932

المحاسن والمساوئ جنس أدبى نما فى غضون القرون الأولى من العصور الإسلامية، وقد نشأ فى داخل التراث الثقافى العربى الإسلامى بالرغم من أن بعض العلماء مثل انوسترانزيف (Inostranzev) وج. رشتر Richter فى كتابه دراسة فى تاريخ الأدب العربى والفارسى وكتابه تأثير إيران على الأدب العربى وأ. محمدى فى كتاب الأدب الفارسى فى أهم أدواره وأشهر أعلامه) قد انتهوا -فى غير حكمة- إلى أن هذا الجنس الأدبى العربى قد استلهم النموذج الإيرانى القديم (شايست ناشايست) والتى تعنى (الميمون/ المنحوس) وهذا غير صحيح فقد عرف بين العرب قبل مقدم الإسلام (منافرات ومفاخرات) أى مباراة فى التفاخر. (انظر "الشاريشى" فى شرح مقامات الحريرى - القاهرة ١٩٥٢ م، شكرى الألوسى فى بلوغ الأرب- أ- الهاشمى فى جواهر الأدب - ت. الحاجرى فى الجاحظ - شوقى ضيف فى العصر العباسى الأول. وفى العصر العباسى الثانى ويمكن أن تميز بين نوعين من الجدل (المجادلة). ١ - المجادلات العقيدية (المناظرات): حيث تفوق "المعتزلة"، ليس فحسب فى مقارعتهم الطوائف والعقائد أو الأديان الأخرى، بل أيضًا فى اتجاههم الجدلى الذاتى الذى حفزه ولا شك إعجابهم بالتفكير العقلى وتأثرهم بالفلاسفة السفسطائيين وفلاسفة اليونان بشكل عام. وقد استخدموا الجدل كوسيلة فعالة جدًا للتحليل، وكوسيلة للتمييز بين الحق المطلق، والحق النسبى. ٢ - المجادلات الدنيوية (مفاخرات، مناظرات): وتدور حول نطاق عريض من الموضوعات التى احتلت الصدارة فى حضارة جديدة مشحونة بالعناصر المتناقضة وعلى الأخص فى الصراع بين الشعوبيين وبين هؤلاء الذين يؤمنون بتفوق العرب، ومن أبرز أمثلتهم الجاحظ. . وكان الخصوم كثيرين؛ وقد استغل بعضهم آية فرصة للجدل حتى فيما يتعلق بالمسائل التافهة البسيطة؛ وهذه حقيقة دفعت الجاحظ إلى أن يطلق عليهم (فى كتاب الحيوان)

стр. 8933

عبارة "أصحاب الخصومات"، معلنًا أنه لا "يتورط" معهم. وكان حتما أن تلقى هذه الحالة من الأمور بظلال الشك على القيمة الحقيقية لكل فكرة، ولكل مفهوم، وخصوصًا فى وسط كانت العقلانية وتأثير اليونان هما القوى المسيطرة فيه. وكان لهذه الحقيقة تأثيرها القوى على الآراء وعلى الأدب فى الشكل وفى المضمون، بين العقلانيين فى معظم الأحوال وعند الجاحظ على وجه الخصوص. كتابات الجاحظ: ويقدم لنا الجاحظ -فى كتاباته- معرفته كخبير بهذا الوسط، بكل جوانبه واتجاهاته المتناقضة -وتصبح خصائص الوسط وسماته مرتبطة بأفكار مقتبسة من الفلسفة اليونانية؛ وهذه الأفكار هى التى أدت بالجاحظ إلى المفهوم الذى جعله قادرًا على أن يرد على كل من المسلمين الذين يؤمنون بالثنائية (خضوع الكون لمبدأين متعارضين هما الخير والشر) والمسلمين الذين يؤمنون بالجبرية (أفعال المرء لا سلطة له عليها. أو الإيمان بالقضاء والقدر). . وقد أصبح هذا المفهوم واحدا من أسس وأصول مذهبه الذى يقول بنسبية الخير والشر فى هذا العالم، وضرورة تعايشهما من أَجل "الأصلح" للخلق وعلى الأخص الحياة العقلانية. وقد دفعته الرغبة فى أن يصور هذا المفهوم النسبى للخير والشر ويجعله فى متناول إدراك الجميع إلى أن يضع -على أساس من المناظرات الشائعة فى عصره- نصا أدبيا طويلا إلى حد ما يناقش فيه محاسن ومساوئ الديك والكلب (محاسن الديك ومساوئه - ومنافع الكلب ومضاره) ويقدم هذا النص للقارئ على شكل "جدل" بين اثنين من كبار المعتزلة؛ أحدهما (وهو النظّام) يؤيد الديك ويدافع عنه (صاحب الديك). أما الآخر (وهو معبد) فيؤيد الكلب ويدافع عنه (صاحب الكلب). ويوجه إليهما النقد بمرارة شخص يطلق عليه الجاحظ اسم "عائب" الذى يستهجن أيضًا الديك والكلب ويعدّد نقائصهما ويسردها.

стр. 8934

وليس من العسير أن نثبت أن هذه "المجادلة" الابتداعية هى من ابتكار الجاحظ نفسه، فهو ينقب عن محاسن ومساوئ الديك والكلب، وفى الوقت نفسه يضع الردود التى توجه إلى "العائب" (موجه الاتهام). وهو يقدم هذه المناظرة إلى القارئ، فى شكل أدبى ممتع جدا وجذاب. . ولم يقتصر الجاحظ على الحديث عن الديك والكلب. . فهو يكشف عن محاسن ومساوئ الكثير من الأشياء الأخرى المعروفة فى زمانه مثل الخنزير والقرد. وبهذه الأمثلة التى يسوقها الجاحظ، يرمى إلى إقناع القراء بأن كل شئ نسبى. وهو يأمل فى أن يؤدى هذا إلى أن تكون مهمته أيسر عندما يصل إلى شرح وتفسير أطروحته (فرضيته) حول نسبية الخير والشر بالإشارة إلى المخلوقات وضرورة تعايشهما، ومن ثم يبرهن على أنهما خير "فعلى" بالنسبة للخلق، وبقدر ما هما من عمل "اللَّه" (سبحانه). . ويتمكن الجاحظ فى الوقت نفسه من أن يهدم الإطروحة الثنائية ويثبت اثنين من المبادئ الجوهرية للمعتزلة وهما التوحيد - والتعديل (الوحدانية الإلهية والعدل الإلهى)، مع ما ينبثق عن ذلك منطقيًا، ومن أكثره أهمية الإرادة الحرة. ويجب أن نؤكد أن هذه الأطروحة الفلسفية يعرضها الجاحظ على شكل ردود مباشرة منه على الهجمات التى يوجهها "العائب" إلى الاثنين الكبار من المعتزلة لمناقشتها محاسن ومساوئ الكلب والديك. والخلاصة كما يرى الجاحظ أن كل شئ نسبى، وكل شئ مهم وكل خلق له مكانة. . البيهقى وبتلورفن المحاسن والمساوئ. وتبلور فن المحاسن والمساوئ . وهناك من سار على نهج الجاحظ واجتذبته طريقته. . ومن بين هؤلاء إبراهيم بن محمد البيهقى (القرن الثالث والرابع الهجريين - التاسع والعاشر الميلاديين). . ومؤلفه المشهور يحمل عنوان "المحاسن والمساوئ" وهو غير معروف لكتاب السّيَر العرب الأقدمين. . ولكننا يمكن أن نقول إنه كان شيعيا

стр. 8935

معتدلًا (من الزيديين)، ووصل فى السلم الاجتماعى إلى أن أصبح من ندماء الملوك، مما جعله عرضة لهجاء الشاعر ابن الرومى؛ والأفكار والموضوعات التى يناقشها هذا الكتاب تتشابه مع تلك الموجودة فى كتاب "عيون الأخبار" لابن قتيبة مع استثناء واحد وهو الاتجاهات السياسية الدينية الموجودة فى الجزء الأول - والذى يجعل للكتاب مكانة فريدة ويميزه عن الأعمال الأخرى فى "الأدب"، هو منهجه الدقيق الذى يعالج به الموضوعات, وكذلك طريقته فى الكشف عن مشاعره تجاهها. فهو يقسم كل باب إلى قسمين متعارضين كأن يقول "محاسن كذا" "ومساوئ كذا"، مثل "محاسن الفقر" و"مساوئ الفقر". . ولا تقتصر مصطلحات المحاسن والمساوئ على مفهوم واحد أو دلالة واحدة فهى تعنى المنافع والأخطاء، والحَسن والقبيح، والثناء والذم، والإيجابى والفاضل والطيب، وكل الصفات التى يمكن امتداحها وأيضًا السلبى والشرير والحقير وهكذا. ويفسر البيهقى الدوافع التى جعلته يعطى كتابه هذا العنوان فيقول لقد سميته بهذا الاسم لأن أقصى اهتمامات العالم، منذ بدايته حتى نهايته يكمن فى تعايش الطيب (الخير) والسئ والمؤذى والمفيد والمحبوب والمكروه. فإذا بقى القبيح (أو الشر) وحده فنيت المخلوقات إذ سيقضى كل منها على الآخر، وإذا لم يكن هناك غير الحسن أو الخير، فسوف يختفى الآلم ولا يكون للتفكير العقلى آية قيمة. وهذا التفسير ليس غير استهلال الرسالة الفلسفية التى قدمها الجاحظ فى كتاب الحيوان ردا على العائب (موجه الاتهام). . وبالرغم من أن البيهقى ينقل فقط السطور القليلة الأولى، وينأى بنفسه عن هدفه (أى كتاب الحيوان) العقدى إلا أنه بذلك يثبت أن ما حفزه وألهمه هما كتاب الحيوان، والتبرير الذى قدمه الجاحظ للجدل. والحق أن كتاب البيهقى يمثل المرحلة التى ظهر فيها أدب المحاسن والمساوئ كلون أدبى مستقل.

стр. 8936

ومع ذلك -وكما رأينا- فإن البيهقى لم يطبق فى أغلب الحالات نهج الجاحظ الذى يتضمن مدح أو لوم (ذم) أى شئ أو أى موضوع من نوع ما؛ فهو يحرّفه عندما يبدو أن هذا النهج يضر باتجاهاته العقائدية مستخدما مصطلحات المحاسن والمساوئ كوسيلة للإعلان مقدما -فى عناوين الفصول- عن مشاعره وموقفه تجاه الموضوعات محل المناقشة. ونأتى للمعايير التى تحكم اختياره للموضوعات وتملى عليه المواقف التى يتخذها وهى: مبادئه السياسية الدينية ومبادئه الأخلاقية والميول الاجتماعية الثقافية والأدبية والتى اتخذت شكلًا محددًا على يد الجاحظ وابن قتيبة فى أدب القرن الثالث الهجرى، التاسع الميلادى، والذى تعتبر كتبه مصادره الأولى. ويؤيد مؤلف "المحاسن والمساوئ" فكره وأحكامه -التى يعبر عنها مقدمًا فى العناوين التى يختارها للفصول- بشذرات مختارة من الأدب تتمثل فى مقتطفات من النثر والشعر والنوادر والحكايات الطويلة والتقاليد (محاسن الأخبار وظرائف الآثار -كما يطلق هو نفسه عليها). . وباستثناء العناوين التى هى وحدها الانعكاس لتفكيره، لا يوجد أى تدخل شخصى منه فى النص. وتجدر الإشارة إلى كتاب آخر هو المحاسن والأضداد "الكاتب مجهول غير معروف يبدو أنه كان يعرف الجاحظ. . وهذا الكاتب هو أول من حاكى البيهقى، إذ نقل عنه جزءًا كبيرًا من عمله. والجزء الأول من المحاسن والأضداد موجود فى كتاب البيهقى، ولكن بشكل أكثر اكتمالا ودقة. . ولكن هذا الكاتب المجهول لا ينقل شيئًا من الفصول التى تتعلق بالموضوعات السياسية الدينية التى تعكس ميول البيهقى ونزعاته. أما التعديلات التى أدخلها على الفصول والفقرات المنتحلة فتوضح أنه لم يفهم تمامًا المنهج الذى اتبعه هذا المؤلف، وأن نهج الجاحظ بطرح الثناء وإلقاء اللوم هو الذى أغراه. وقد استبدل "بالمساوئ" كلمة "ضده" (أى العكس) فهو يقول محاسن كذا

стр. 8937

ضده وهذا يعنى أنه يناقض محاسن كذا بعكسها، دون أن يتيح للقارئ أن يستنتج ما إذا كان سيجد تحت عنوان "ضده" ذما للموضوع الذى امتدحه تحت عنوان "محاسن" أى جوانب الحسن، والقبح فى الموضوع, أم سيجد موضوعًا نقيضًا لذلك الذى امتدحه (مدح الحسن والصحيح/ وذم السئ والخطأ). فمن الصعب فى هذا المثال "محاسن الوفاء/ ضده" أن نقول هل يعنى "مدح الوفاء/ ذم الوفاء" أم "مدح الوفاء/ وذم الخيانة" وهذه بلبلة تنشأ من غموض الضمير (هاء) وإلى أى شئ يعود هذا الضمير -ولا تنسى نسبة هذا الكتاب للجاحظ بهدف إشعار القارئ بأنه أمام منهج الجاحظ الذى يعتمد على مدح وذم كل فكرة، وأنه لا يوجد هنا غير لعبة أدبية بسيطة، ويبدو أن هذا هو مفهوم المؤلف لهذا المنهج. الثعالبى وفن المحاسن والأضداد ومرة أخرى يظهر هذا الاهتمام بهذا الجنس من الأدب فى أعمال واحد من أغزر المؤلفين إنتاجا فى القرن الخامس الهجرى، الحادى عشر الميلادى ألا وهو الثعالبى، الذى عاش فى عصر تشكلت فيه الثقافة العربية بالنثر المسموع وبالبحث المنهجى عن الشكل والبراعة الفنية؛ كما عاش فى وسط كان اهتمامه الوحيد أن يبتدع أشكالًا وصنيعًا متناغمة للتعبير عن كل فكرة. وقد وجد الثعالبى فى منهج الجاحظ أفضل الصيغ لتوفير احتياجات الكاتب والأديب فى عصره. وبهذا الهدف يتناول الثعالبى فى كتابيه المتماثلين "الظرائف واللطائف فى الأضداد" و"يواقيت فى بعض المواقيت فى مدح كل شئ وذمه" (وقد جمعهما من يسمى "أحمد بن عبد الرازق المقدسى" فى طبعة واحدة نشرت عدة مرات فى بغداد والقاهرة. وطبعة القاهرة (١٣٢٤ هـ/ ١٩٠٦ - ١٩٠٧ م) هى التى نعتمد عليها هنا) يتناول كلا من الموضوعات الثمانين التى تناقش فى فصل ينقسم إلى قسمين: مدح. . / ذم. . وفى الجزء الأول يقدم شواهد رائعة فى مدح الموضوع، وفى الثانى يقدم شواهد ذم الموضوع (مثال

стр. 8938

ذلك مدح/ ذم العقل - مدح/ ذم الغنى) وهكذا. ونضيف هنا أنه نسخ (نقل) جزءا كبيرا من المواد التى عرضها فى هذين الكتابين فى كتاب ثالث سماه "التحسين والتقبيح، عرض فيه "النقيض أو العكس فى شكل جديد فهو يمتدح ما يعتبر سيئًا ويذم ما يعتبر حسنًا؛ سعيًا -على ما يبدو- إلى أن يقدم كتابًا يبدو جديدًا وفريدًا فى جنسه. المحاسن والأضداد بعد الثعالبى: ونحن نلتقى بهذا النهج الذى يشتمل على مدح وذم كل شئ والذى أصبح مرادفا لاستعراض المواهب الأدبية، مع عدد من مؤلفى الأدب الذين جاءوا بعد الثعالبى، والذين يطبقونه بشكل متفرق فى كتبهم. ومن بين هؤلاء "الأزدى" فى "حكايات أبى القاسم والحريرى فى المقامة الحريرية" (طبعة القاهرة عام ١٣٢٦ هـ/ ١٩٠٨ - ١٩٠٩ م) ثم هناك جمال الدين الوطواط (٦٣١ - ٧١٨ هـ/ ١٢٣٤ - ١٣١٨ م) الذى تأثر كثيرًا بمنهج الثعالبى بشكليه: المدح والذم من جهة، ومن جهة أخرى مدح ما هو سئ وذم ما هو حسن وهو يطبق هذا المنهج بتصنيف جيد فى عمله "غُرر الخصائص الواضحة، وغُرر النقائص الفاضحة" (القاهرة ١٣١٨ هـ/ ١٩٠٠ م) متناولا ستة عشر موضوعًا أخلاقيا: ثمانى خصال (أو فضائل) وعكسها (أى ثمانى نقائص). وتنقسم كل من الفصول الثمانية الأولى إلى ثلاثة أجزاء: ١ - مدح الفضيلة بالاستعانة بنصوص مختارة ٢ - نوادر وحكايات وشعر يتعلق بالأشخاص الذين يتمتعون بهذه الفضيلة أو اشتهروا بها ٣ - ذم هذه الفضيلة. وبالمثل فإن كل فصل للنقائص ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: ١ - ذم النقيصة ٢ - نوادر وحكايات وأشعار ترتبط بالأشخاص الذين أصيبوا بهذه النقيصة أو اشتهروا بها ٣ - مدح النقيصة. ولا شك أن هذا الجنس الأدبى قد اجتذب كثيرين آخرين ولكن كتاباتهم حتى هذد اللحظة لا تزال غير معروفة لنا. المصادر: وردت فى المتن. بهجت عبد الفتاح [أ. جيريس I. Geries]

стр. 8939

محكمة ١ - مدخل عام: تولى رسول اللَّه [ ﷺ ] ولاية القضاء التى أسندتها له صراحة آيات القرآن الكريم. وانتقلت هذه الولاية من بعده إلى الخلفاء الراشدين، حيث مارسوها بأشخاصهم فى المدينة المنورة. وقد سبق أن تطلب الأمر، نتيجة لتوسع الإمبراطورية الإسلامية فى عهد الخليفة عمر، تعيين قضاة للحملات العسكرية فى البداية، امتد اختصاصهم للمناطق المفتوحة أيضًا. وقد بقى هذا النظام لقضاة الجيوش (قاضى الجند) قائمًا حتى أيام العهد العثمانى (قاضى عسكر). وطبقا للشريعة فإن ولاية القضاء تكون للخليفة أصلا، ويمارسه القضاة كمفوضين عنهم، ولهم بدورهم تفويضه لمن يشاءون. ويكون تعيين القضاة بموجب عقد يتم بالإيجاب والقبول بحضور شاهدين على الأقل. ولا تتوقف صحة التعيين على شرعية سلطة التعيين، وبهذا الفكر المنفتح تجاوبت الشريعة مع الظروف الواقعية حتى فى أساسها النظرى. ومن جهة أخرى فإن للسلطة تحديد اختصاص القاضى (الولاية) من حيث المكان أو الزمان أو نوع المنازعة. وقد اقتصر تعيين القضاة فى البداية على المدن الكبرى, وكان الاختصاص المكانى بالتالى كبيرا (كمصر كلها مثلا). وكان تقليص الاختصاص النوعى أساسا لتخفيف العبء عن القضاة، خاصة بالنسبة للموضوعات غير القضائية بطبيعتها. وفى العصر الحديث، فإن التحديد الزمانى أو النوعى للاختصاص يراد به تعديل أو وقف تطبيق الشريعة دون التعرض لنصوصها. وكان تعيين القضاة فى العصر الأموى يتم عن طريق حكام الولايات أساسا، وفى العصر العباسى، فرغم اضطرار الخلفاء إلى تفويض أمراء الولايات المستقلة استقلالًا فعليا فى تعيين القضاة، فإنهم كانوا يتمسكون شكليا بهذا الحق كمظهر لسلطانهم على تلك الولايات. وقد تمخض عن هذه الاعتبارات نظام معقد من التفويضات. وقد كان الخلفاء الفاطميون، والأمويون فى الأندلس، والعثمانيون يعينون القضاة تعيينا

стр. 8940

مباشرا أيضا. وكان العثمانيون يمارسون هذا الامتياز حتى بالنسبة للولايات الخاضعة لهم كمصر. وكان بالإمكان عزل القاضى فى أى وقت عن طريق السلطة التى عينته، وهو ما كان يترتب عليه عادة تغيير كل الوظائف القضائية التابعة. ونظريا، طبقا للفقه، فإن القضاة المفوضين فقط، وليس الأصليين، هم القابلون للعزل مع وفاة أو عزل من عينهم وقد ترتب على سلطة التعيين نوع من حق الرقابة، تمثل فى تقبل الشكاوى وإعطاء التوجيهات. وصورة أخرى من الرقابة القضائية كانت تمارس عن طريق جماعة من أهل العلم ممن يجب على القاضى استشارتهم فى الحالات غير القطعية، مما شكل ما يشبه القضاء الاستئنافى. أما الصورة الثالثة من الرقابة القضائية فكانت حق القاضى اللاحق فى إلغاء أحكام القاضى السابق عليه، وهو ما ترتب عليه إطالة مدى التقاضى فى بعض الحالات. وكان من الممكن أن يعين أكثر من قاضٍ يتبعون مذاهب مختلفة فى مدينة واحدة، خاصة فى العواصم. ولم يكن مسموحا للقاضى أن يرجع عن قضائه حتى ولو ظهرت أدلة جديدة أو تبين عدم جدوى الحكم، بل كان لقاض آخر أن يستأنف نظر القضية لعيب جسيم فى تطبيق القانون، بمعنى مخالفة القرآن أو السنة المتواترة أو الإجماع. وعلى القاضى أن يؤسس قضاءه على أساس المذهب التابع له وإلا كان قضاؤه عرضة للتجريح. ولم يكن من المشترط أن يتبع القاضى مذهب من عينه، أو من فوضه، ولكن كان من الممكن توجيهه لإتباع مذهب معين فى قضائه. وكان الفقه الشائع فى الخلافة العباسية هو الفقه الحنفى ثم الشافعى، وفى الخلافة العثمانية الفقه الحنفى، وفى الأندلس المالكى. وكان مذهب القاضى ذا أهمية للمتقاضين أكثر منه للحكام. وقد كان القضاء، خاصة فى العهود الأولى، مقسمة بين أكثر من مذهب، فقد لُجئ إلى تعيين أكثر من قاض، تكون لأحدهم الرئاسة، ولكن الخيار بين القضاة يكون لأطراف النزاع. وقد أطلق على قاضى العاصمة بدءا من العصر العباسى اسم "قاضى القضاة"، وكان أبو يوسف أول من شغل هذا المنصب

стр. 8941

فى عهد هارون الرشيد. وكان هذا اللقب يطلق عليه فى البلدان الغربية اسم "قاضى الجماعة". وسرعان ما أصبح لقاضى القضاة حق الإشراف على زملائه، خاصة مع نظام التفويض الذى يعنى أن القاضى المفوَّض هو مجرد وكيل عن القاضى الذى فوضه. وكانت أهم الوظائف القضائية المساعدة هى "الكاتب"، و"الشاهد"، والذين عملوا فى نفس الوقت كموثقين. وكانت هذه الوظائف هى فى الغالب أول الطريق لمهنة القضاء. وكان تمثيل المتقاضين عن طريق متخصصين قانونيين، أى المحاماة، أمرا مرفوضا من الوجهة النظرية، ومستهجنًا عمليا فى العهود الأولى. وعلى النقيض من ذلك، كان دور أهل العلم المتخصصين، كالمفتى، هو إعطاء المشورة المحايدة للقاضى. وكانت الفتوى فى الغالب بطلب كتابى من أحد الطرفين. هذا وقد تطورت عملية إسداء المشورة للخصوم، ثم تمثيلهم "الوكيل"، إلى "المحامى" الذى أصبح معروفًا فى العصور المتأخرة فى المحاكم الشرعية. أما بالنسبة للإجراءات، انظر دعوى. هذا وتعرف الشريعة أيضا، بجوار القضاء، نظام التحكيم. ورغم تركيز القضاء فى يد القضاة فى العصر الأموى، والوقوف فى وجه أى تدخل من الولاة فى شئون القضاء، فإنه بدءا من العصر العباسى ظهرت الحاجة إلى دعم الوظيفة القضائية بنظام "نظر المظالم"، والذى كان يمارسه الخلفاء أو نوابهم من ولاة أو وزراء أو سلاطين، الذين كانوا مهتمين بإقامة العدل حتى مالوا إلى احتكار الوظيفة القضائية، رغم ما يقال من فصل نظرى بين نظامى القضاء ونظر المظالم، خاصة وأن القاضى لم يكن لديه سلطة تنفيذية لتنفيذ أحكامه عدا ما ترى سلطات الدولة وضعه تحت تصرفه. وهكذا تطور فى كل البلدان الإسلامية، بجوار القضاء الدينى، نوع من القضاء المدنى، وهو إن كانت الشريعة تمثل خطوطا عامة له، إلا أنه كان مؤسسا أساسا على قواعد العدالة والأعراف، ويتبع إجراءات مرنة وأكثر تساهلا. وقد كان هذا الاتجاه معززا بتعاليم القرآن الكريم الآمرة بإطاعة

стр. 8942

أولى الأمر. وفى نطاقه تطور القضاء منذ نهاية القرن الماضى وأوائل القرن الحالى إلى محاكم تحت سيطرة الدولة تأخذ بالنمط الأوربى. وأخيرا تم تنظيم المحاكم الشرعية بالأخذ بتعدد درجات التقاضى وتشكيل محاكم من أكثر من قاض. ولنتابع هذا التطور فى البلدان الإسلامية. المصادر: (١) R.Levy: The social structure of Islam, Cambridge ١٩٥٧, Chs ii-iv, vi (٢) J. Schacht: The origins of Muhammaden Jurisprudence, Oxford ١٩٥٩ (٣) N.J. Coulson: A history of Islamic Law, Edinburgh ١٩٦٤, parts i-ii [شاخت J. Schacht] ٢ - الدولة العثمانية: (أ) ما قبل إصلاح النظام القضائى كانت المحكمة هى المقر الرسمى للقاضى فى نطاق اختصاصه المكانى "القضاء". وكان السلاطين هم الذين يحددون عدد المحاكم فى قضاء معين، أو يقسمون القضاء إلى عدة أقضية، تبعًا للتطور فى حجم السكان، كما كان بإمكان القاضى أن يطلب إنشاء محاكم جديدة عند الحاجة. وكان يراعى فى اختيار مكان المحكمة قربها من الأسواق أو المساجد الجامعة. وكان للمحاكم، على الأقل فى القرن الثامن عشر، بنايات خاصة بها. وكان للمتقاضين الخيار بين المحاكم المختلفة فى نطاق القضاء الواحد. ومع الحق فى اختيار المحكمة، بدأت بعض المحاكم فى التخصص فى أمور معينة، كمنازعات الحق فى المياه وكان القضاء قبل السلطان سليمان على المذهبين الحنفى والشافعى، فقصره على الأول. ورغم ذلك فقد استمر القضاء الشافعى فى الوجود فى البلدان الخاضعة وإنطاكية، كما سمح بالقضاء المالكى فى ليبيا. وكان القاضى، أو "حاكم الشرع"، يستمد سلطته من السلطان، ولا يسأل إلا أمامه، فإن عزل لا يحق له إصدار أية وثيقة. وكان القاضى يحكم طبقا لمبادئ الشرع وكذا لمبادئ "القانون" أى القانون الوضعى. وكان له أن يطبق

стр. 8943

"التعازير". على أنه كان يجب على المحاكم المحلية أن تحيل للباب العالى كافة القضايا بالأمور العسكرية، والأمن العام، وأمور الدولة، وكذا التى يزيد نصابها عن حد معين. كما كان يرجع لـ "الديوان الهمايونى" بالنسبة لبعض الأمور المتعلقة بالأجانب والتى تحكمها الامتيازات الأجنبية. كما كان للسلطان أن يأمر القاضى بعدم نظر نوعيات معينة من القضايا. وكانت أحكام القضاء نهائية كأصل عام، حيث لم يوجد فى النظام القضائى العثمانى ما يقابل نظام الاستئناف. على أنه كان يمكن عند التظلم للسلطان مباشرة من حكم ما أن يقوم الديوان الإمبراطورى، والذى لا يحق له إلغاء الحكم، أن يحيله لإعادة المحاكمة أمام نفس القاضى، أو إلى محكمة أخرى، أو أن يتولى الديوان بنفسه الفصل فى النزاع. وكان الحكام ممنوعين قطعيا من التدخل فى أمور القضاء. وقد سارت الفتاوى على اعتبار الحاكم فى هذه الحال مخلا بالأمانة. وفى حالة ضبط القاضى متلبسا بمخالفة قانونية جسيمة، فعلى الحاكم عندئذ وقفه وإخطار السلطان فورا، حيث لا يحاكم القضاة إلا أمام الديوان الإمبراطورى. وكان للسلطان عزل القضاة، وفى البداية لم تكن مدة ولاية القاضى محدودة، ثم حددت بثلاث سنوات، ثم بسنتين، ثم وصلت إلى سنة واحدة عند نهاية القرن السابع عشر. وقد اعتبر هذا التغير المستمر فى هذا المنصب سببًا أساسيا لتدهور النظام القضائى العثمانى وما شابه من فساد. وكان للأفراد الحق فى التظلم لدى السلطان من تصرفات القاضى أو سلوكه، كحق لـ "الرعية" فى التظلم من أى تابع للسلطان. كما كان التفتيش الدورى يمارس بين الحين والآخر للقضاء على أية تجاوزات تنسب للقضاة. كما أخذ السلاطين العثمانيون ما كان يثار حول إساءة السلطة من قبل المحاكم مأخذ الجد، ومن ثم كانت الخطوات التصحيحية بدءا من عهد بايزيد الأول. وكانت الشكاوى تنبع أساسا من أخذ الرسوم، الأمر الذى يعتبر مناقضا للتعاليم الإسلامية ومنبوذا فى الفتاوى. وكانت الدولة تتدخل بين الحين والآخر لتعديل تلك

стр. 8944

الرسوم، والتى كانوا يحصلونها بنظام الالتزام على "النواب". وقد حرم سليمان الأول هذا العمل، كما عدته "العدالة نامه" من صور الفساد القضائى. وكان من أسباب الشكوى من إساءة استغلال السلطة أيضًا فرض القاضى أو نوابه الإقامة الجبرية على الفلاحين خلال الجولات التى كانت تجرى عادة كل ثلاثة أشهر. وكان "مجلس الشرع"، أو "محكمة الشرع" كما يسمى فى بعض الوثائق، مكونا من علماء يساعدون فى التحقق من توافق حكم القاضى مع الشريعة. وكان مع ذلك من النادر أن يذكر المفتى كعضو فى هذه المجالس، رغم أنه كان من المعتاد اللجوء للمفتين المحليين لإصدار الفتاوى فى أمور معينة. كما تشير وثائق المحاكم إلى لجوء القضاة إلى استدعاء من يسمون "شهود الحال"، وهو نظام إسلامى قديم. وهم أفراد مشهود لهم بالعلم والخبرة، وكانوا يقيدون فى سجلات المحكمة، وكانت مهمتهم تتمثل فى نوع من الرقابة القضائية بالتأكد من صدور الحكم فى حضور أفراد يتسمون بالخبرة والحيدة. وكانت "المظالم"، وهى القضايا المتعلقة بالأمن العام أو تجاوزت الحكام المحليين ضد الرعية، تنظر بواسطة القضاة المحليين، أو المفتشين، أو المحاكم الديوانية التى ينشئها الوزراء خلال جولاتهم التفتيشية، أو كملجأ نهائى بواسطة الدواوين الهمايونية. أثر تدهور الإمبراطورية على المحاكم الشرعية . بدأت المحاكم الشرعية تتعرض لنقد حاد منذ أواخر القرن السادس عشر، ومنذ ذلك التاريخ بدأت صفات ووظائف هذه المحاكم فى التغير. فبالإضافة إلى الوظيفة القضائية، كانت تعقد فى المحاكم مجالس يدعو إليها القاضى وتضم الأعيان، ورؤساء الطوائف المهنية، والأئمة كممثلين عن الشعب، لشرح الأوامر السلطانية فيما يتعلق بالرعية عامة. وزادت هذه الاجتماعات بسبب فرض العوائد الديوانية، وذلك لتحديد الأنصبة فى تحمل عبئها. كما كانت تناقش فى هذه

стр. 8945

الاجتماعات المصاريف الخاصة بالمدن وميزانياتها. وقد برز فى هذه الاجتماعات دور الأعيان القيادى كممثلين عن الشعب، منتزعين سلطة القضاة فى عديد من المجالات. (ب) عصر الإصلاح: مع دخول الإمبراطورية عصر الإصلاح فى القرن التاسع عشر، سار التوازن بين الشريعة والقانون الوضعى فى اتجاه مضاد لما كان سائدا منذ القرن السادس عشر، أى لحساب القانون على حساب الشريعة. فبدءا من عهد سليم الثالث (١٧٨٩ - ١٨٠٧ م)، وضع السلاطين سلطاتهم الإدارية لصالح إصدار تنظيمات إصلاحية، واستتبع ذلك ظهور تنظيم قانونى جديد، وبالتالى نظام قضائى جديد. كما بدأ التمييز الواضح بين الاختصاص القضائى لنوعى المحاكم الشرعية والـ "نظامية"، بصورة لم تكن واضحة من قبل، وظهر الاتجاه لإطلاق مصطلح المحاكم الشرعية على المحاكم التى تطبق الشريعة كأصل عام لتجسيد هذا التمييز. وسار التطور لحساب النظام الجديد حتى انتهى إلى إلغاء المحاكم الشرعية نهائيا مع تأسيس الجمهورية التركية كأهم نظام حكم علمانى فى البلدان الإسلامية. المصادر: (١) M. Khadduri and H. J. Liebesny ed: Law in the Middle East, Washington ١٩٥٥ (٢) J. E. Mandaville: The Ottoman court records of Syria and Jordan (٣) I. Mouradgea d'Ohsson: Tableau general de I'Empire Othoman, ٧ vols, Paris ١٧٨٨ - ١٨٢٤ [اينالتشيك وفندلى H. Inalcik and C. V. Findly] ٣ - إيران كان القضاء تحت حكم العباسيين خاضعا بشكل مطرد للشريعة الإسلامية، إلا أنه ما لبث بمرور الوقت أن فقد القضاة سيطرتهم على إدارة العدالة الجنائية، مما حدا إلى إنشاء محاكم المظالم، المأخوذ من الممارسة الإدارية للملوك الساسانيين، لمعالجة بعض أوجه القصور الناتجة عن ذلك.

стр. 8946

وكانت هذه المحاكم مختصة بالتحقيق والنظر فى الشكاوى المرفوعة ضد عمال الإدارة ذوى النفوذ من المظالم التى تقع منهم فى أمور جباية الضرائب أو عدم صرف أو تخفيض العطايا والمنح للمستحقين لها أو الاستيلاء غير المشروع على الأموال والأملاك، وكذلك عدم مراعاة القيام بالشعائر الدينية الواجبة. وكانت فارس، إلى أن فرض الصفويون مذهب الشيعة الإمامية، سنية المذهب، طبقا للفقه الشافعى والحنفى. ولذا ساد نظام التفويض كأساس لحجية أحكام القاضى، حيث يكون التفويض أصلا من الخليفة، فإن ضعف سلطان القضاء فمن الحاكم أو "صاحب الشوكة". ولم يكن ينظر للقاضى على أنه يعمل باسم من فوضه، بل كنائب عن الخليفة أو الرسول [ ﷺ ]. ومع انهيار الخلافة على يد التتار، أصبح ينظر إليه كنائب عن الرسول [ ﷺ ]، مما عزز من استقلاله، فلم يكن يعزل بموت من فوضه، بينما كان موت القاضى يترتب عليه خلو كافة الوظائف المعاونة له. إلا أن استقلال القضاة كان قاصرا لسببين، أولهما أن القاضى كان عرضة للعزل من قبل من عينه، والثانى أنه لم تكن تحت إمرته أداة تنفيذية لتنفيذ أحكامه. وقد يكون اختصاص القاضى عامًا أو مقيدًا. وطبقا للمذهب السنى فإن سلطة القاضى مستمدة من الرسول [ ﷺ ]، أما فى المذهب الشيعى فهى مستمدة من الإمام، بصفته معينا من قبل اللَّه ، وهو الوحيد صاحب الحق الشرعى فى الحكم. وكانوا يفرقون بين أوقات وجود الإمام وغيبته، وفى الحالة الثانية كانوا يلجأون للتعاون مع السلطات غير الشرعية من وجهة نظرهم تطبيقا لمبدأ التقية. أما بالنسبة لتطبيق الحدود، فهى للإمام ولمن يعينه. أما حين يتولى "الطغاة" السلطة، فللأفراد توقيع العقوبات على ذويهم وعبيدهم، ما لم تكن هناك خشية عليهم من السلطان. فإذا كان الإمام الشيعى معينا من قبل

стр. 8947

سلطان جائر، فله إقامة الأحكام. أما إذا كان "الفقيه" هو المعين من قبل السلطان الجائر، فعليه أن يضمر فى نفسه أنه يمارس سلطته نيابة عن الإمام الغائب. ولم يكن من غضاضة أن يحصل القاضى على مرتب من الإمام لقاء عمله، أما فى غيبته فله ذلك فقط فى حالات الخوف أو الضرورة. وهكذا وضعت القواعد التى تسمح للقاضى أن يمارس مهمته فى حالات اغتصاب السلطة من الأئمة الشيعيين. وتحت حكم السلاجقة، كان السلطان وحكام الأقاليم كمفوضين عنه يجلسون فى محاكم المظالم كتوازن بين القواعد العرفية والشرعية، وطبقا لما ذهب إليه نظام الملك فقد كان يتم ذلك مرتين فى الأسبوع، وإن كان يرى أن الهدف كان إثبات سطوة السلطان أكثر من الرغبة فى إقامة العدل. وكان قاضى القضاة يعين فى العاصمة وعواصم الأقاليم، ولكن لسبب ما تضاءلت أهمية هذا المنصب. وازداد التميز بين الشريعة والأعراف فى فترة حكم المغول قبل تحولهم للإسلام. وقد جلب المغول معهم قوانينهم وأعرافهم، ولكن لا يوجد دليل أن لديهم قانونًا مكتوبًا منسوبًا لهم. وكانت لديهم محاكم خاصة لا نعرف الكثير عن اختصاصاتها أو إجراءاتها, ولعلها كانت للفصل بين المغول أنفسهم وللجرائم الوظيفية. وبعد تحول المغول للإسلام استمرت، هذه المحاكم كصورة من محاكم المظالم. ويشير أمر للسلطان غوزان خان (١٢٩٥ - ١٣٠٤ م) إلى عقد اجتماع مرة كل شهر لمدة يومين لبحث القضايا العويصة، يحضره رجال العلم والقضاء والدولة، وأن تؤسس الأحكام فيه على العدالة والإنصاف ومبادئ الشريعة، وتكون قراراته كتابية حتى يمكن مراجعتها. وقد حظى القضاة فى عهد المغول غير المسلمين بإعفاءات ضريبية. ورغم ما عوملوا به من احترام فلم تكن لهم نفس المنزلة الاجتماعية التى كانت من قبل. ومع دخول المغول الإسلام ارتفعت مكانة القضاة واستمرت الإعفاءات مع مخصصات معيشية

стр. 8948

أخرى. كما ارتفعت فى عهد غازان مرتبة قاضى القضاة كرئيس لـ "ديوان القضاة". وكان يتبعه رجال الشريعة ورجال الأوقاف. وثارت اتهامات خطيرة حول تجاوزات القضاة فى فترة حكم المغول غير المسلمين، واستخدام الرشاوى للاستيلاء على أملاك الغير. ولما كان التحقيق فى هذه الأمور أمرا بالغ الصعوبة، فقد طبقت الفتوى الشرعية بعدم سماع الدعاوى بعد مضى ثلاثين سنة، كفترة تقادم. واضمحل دور الشريعة فى القضاء لحساب القواعد العرفية فى عهد تيمورلنك (١٤٠٤ م). وحيث كانت تنعقد فى معسكره ثلاث محاكم فى ثلاث خيام، كثلاث محاكم، واحدة للمنازعات المتعلقة بالقتل والديات، والثانية للقضايا المتعلقة بالمخالفات المالية التى تؤثر على حصيلة الدولة، والثالثة لقضايا الأقاليم. ولكن القضاء الشرعى استرد مكانته فى عهد شاهروخ (١٤٤٦ م). وحين أعلن إسماعيل الصفوى (١٥٠٢ - ١٥٢٤ م) المذهب الشيعى كمذهب رسمى للدولة، تساهل العلماء الشيعيون بدرجة أكبر فى قبول الوظائف العامة، ومن بينها القضاء، وإن ظل بعضهم على عزوفه عنها كنوع من الورع الدينى. وحل العلماء والقضاة الشيعيون محل السنيين. وقد خسر القاضى شيئًا من مكانته لحساب "الصدر"، والذى تولى منصبا دينيا عاليا، ثم "شيخ الإسلام"، بينما مارس "المجتهدون"، ممن لم يكن يستمدون سلطتهم من منصب دينى، ولكن من علمهم وتقواهم، دورا كبيرا، وإن كان صعب التحديد على المحاكم الشرعية. ولما كان الشيعة لا يقرون المبدأ السنى "كل مجتهد مصيب"، فإن قرارات القضاة كانت دائمة معرضة للمراجعة، مما جعل الكثيرين يحبذون المحاكم الإدارية أو القواعد العرفية. وعين شاه عباس (١٦١٠ م) رئيسا للقضاء العرفى. وكان حق الحياة والموت مقصورا على السلطان، ولكنه قد يفوض فيه أحدا من حكام الأقاليم، خاصة إذا كان من الأسرة الحاكمة.

стр. 8949

وظل تقليد اللجوء للحاكم شخصيا قويا ويمثل ضمانة قوية ضد ظلم موظفى الدولة، وهو أمر كان منتشرا فى ظل عدم وجود قواعد تنظيمية واضحة ودقيقة. وكان الشاكون يحضرون للقصر الملكى لتقديم تظلماتهم. ثم بدأت المحاولات لتنظيم هذا الأمر، حيث عين إسماعيل الثانى (١٥٧٦ - ١٥٧٨ م) من يتولى استلام المظالم. كما أمر شاه عباس أن يتولى "صدر الممالك" ورئيس القضاء العرفى ذلك. كما أنشأ إسماعيل الثانى "ديوان العدالة"، وعين ابن عم له برئاسته وأمره أن يجلس مرتين أسبوعيا مع الوزير الأعظم واثنين من الأمراء لسماع الدعاوى. وكان حكام الأقاليم هم رؤساء القضاء العرفى، وكذا بعض رؤساء المناطق المتمتعة بالاستقلال الذاتى. وكانت وظيفة الصدر قد برزت كوظيفة دينية هامة، تطورت فى عهد الصفويين إلى رئاسة المؤسسة الدينية بأكملها. فكان له تعيين موظفى الشريعة، بينما ظل تعيين بعض الوظائف مثل قاضى القضاة بالأقاليم باسم الشاه وما إن يعين قاضى القضاة حتى يكون له، فى بعض الأحيان على الأقل، تعيين القضاة. هذا وقد كان الهدف من خلق وظيفة الصدر هى التحقق من توحيد القواعد الشرعية المطبقة، فلما تم ذلك انخفضت أهميتها حتى وصلت فى أواخر عهد الصفويين إلى الإشراف على الأوقاف. ثم أنهى الأمر بإلغائها. ولم يكن الاختصاص القضائى للصدر ثابتًا مع الزمن، وأحيانًا كانت الوظيفة توكل لشخصين مع تحديد الاختصاص المكانى لكل منهما. ولم يكن واضحا الفصل بين المنصبين فى شئون الأوقاف كما استمرت مكانة الصدور كشهود فى المحاكم العرفية. ورغم أن منصب الصدر قد قلل من شأن القضاة, إلا أن مكانتهم ظلت سارية فى المدن الصغيرة حيث لا منافس لهم من صدر أو شيخ إسلام. وكان القضاء العرفى يمارس فى عهود القاجار الأولى بواسطة الشاه،

стр. 8950

والحكام، والموظفين المحليين. ولم يكن هناك فصل فى الغالب بين الوظائف فكانت الأمور المتعلقة بالأمن والقانون والضرائب توكل لنفس الموظف. وكانت أقل المحاكم درجة توكل لرئيس القرية، الذى كان بسلطته توقيع العقوبات الصغيرة والغرامات البسيطة أما الجرائم الأخطر فتحال لجابى المنطقة، والأكثر خطورة إما لدرجة الجريمة أو لمكانة مرتكبها فتنظر بواسطة حاكم الإقليم. ولم تكن عقوبة الإعدام تفوض من قبل الشاه إلا فى حالات كون الحاكم من الأسرة الحاكمة أو فى أوقات القلاقل. وكانت محاكم العرف تعقد علانية كنوع من ضمان العدالة، وكان تحت يد القاضى أعوان يساعدون فى منع الشغب. ولكن الفصل بين اختصاص محاكم العرف والشرعية لم يكن ثابتا، بل كان عرضة للظروف، ففى الجنايات كان القاضى الشرعى يشترك مع موظفى القضاء العرفى، ويصدر الحكم طبقا لقواعد الشريعة كما كان الموظفون يحيلون لقضاة الشرع ما يرون إحالته لهم لأسباب سياسية أو شخصية. وكان التعذيب ممارسا, ولم يكن للقانون الصادر عام ١٨٤٤ م بتحريمه بضغط الدول الأوربية أثر يذكر. وكان شيخ الإسلام الذى تزايد دوره فى الدولة الصفوية يمثل القاضى الأعلى للمحاكم الشرعية. وكان يعين عن طريق الشاه فى العاصمة والمدن الكبرى, ويأخذ فى الاعتبار رغبة الأهالى. وفى المدن الأصغر كان القاضى، وفى القرى "الملا", والذى انحصر دوره فى أمور الزواج ومراسم الوفاة والخلافات الواضحة. وكان المفتى كثيرا ما يستعان به فى المحاكم الشرعية. وكان دوره يختلف عنه فى الدولة العثمانية، فكان عليه تحضير الدعوى وإسداء المشورة بشأنها ولم يكن الشاه يمثل رئاسة للمحاكم الشرعية رغم تعيينه لشيخ الإسلام، مما أعطى المحاكم الشرعية نوعا من الاستقلال تدعم بتأثير "المجتهدين". وبدءا من منتصف القرن التاسع عشر تقريبًا جرت محاولات لإصلاح النظام القضائى. زادت مع مطلع القرن

стр. 8951

العشرين فأنشأت فى ١٩٠٦ م وزارة العدل لتنظر فى وضع تشريع للشريعة الإسلامية تطبق فى عموم البلاد حتى يكون الرعايا متساوين أمام القانون. وفى أغسطس من نفس العام صدر مرسوم بإنشاء مجلس الشورى الوطنى، وصدر القانون الأساسى فى ديسمبر، ونصت المادة الثانية منه أنه لا يجوز لمجلس الشورى أن يصدر مواد تخالف مبادئ الشريعة. كما شكل مجلس من المجتهدين والفقهاء لمراقبة ذلك عند اقتراح القوانين كما نص على تقسيم السلطات إلى ثلاث، تشريعية وتنفيذية، وقضائية، وعلى الاختصاص القضائى للمحاكم الشرعية فيما يتعلق بأمور الشريعة، وللمحاكم المدنية فيما يتعلق بالعرف ونص أيضا على مبدأ استقلال القضاة وعدم عزلهم. وفى عهد رضا شاه (١٩٢٥ - ١٩٤٢ م) تم القيام ببرنامج طموح للإصلاح القضائى. ومع ازدياد سلطة الدولة ازداد الاتجاه إلى التغلب على المعارضة الدينية. فصيغت عدة تشريعات متعلقة بالقانون المدنى بين ١٩٢٥ و ١٩٣٤ م، مؤدية إلى تقليص دور المحاكم الشرعية وأمكن الوصول لاتفاقية لإلغاء الامتيازات الأجنبية فى ١٠ مايو ١٩٢٨ م وألغيت المحاكم الخاصة بشئون الأجانب. كما أحيل لوزارة العدل أمر تعديل القانون المؤقت لعام ١٩١١ م، حيث صدرت سلسلة من القوانين المؤقتة تتآزر فى اتجاه تحجيم الاختصاص القضائى للمحاكم الشرعية مع إعادة تنطيمها. ثم صدر أخيرا فى عام ١٩٣٧ م قانون من ٧٨٩ مادة لتنظيم الإجراءات القضائية حل محل القوانين المؤقتة. وبهذه الوسيلة تم تحاشى الصدام مع السلطات الدينية بشأن وضع قانون مدنى ولم تكن القواعد المتعلقة بالزواج والطلاق والأرض البور والمواريث والأوقاف سوى للقواعد الشرعية مع تعديلات طفيفة. وبخصوص الطلاق فقد تغير الوضع جذريا مع صدور قانون حماية الأسرة عام ١٩٦٧ م. ووضع القانون الجزائى فى ١٩٢٨ م متأثرا بالقوانين الغربية ثم عدل فى ١٩٣٩ م. كما صدر قانون تجارى عام ١٩٣٢ م.

стр. 8952

المصادر: (١) D. Hinchcliffe: The Iranian family protection act, in The Internatioal and comparative law quarterly (April ١٩٦٨), ٥١٦ - ٢١ [لامبتون A. K. S. Lambton] ٤ - فى بعض البلدان العربية فى العصر الحديث . ١ - مصر فى فترة الحكم العثمانى المباشر، كانت المحاكم الشرعية ذات اختصاص واسع المدى، يشمل إلى جانب الأحوال الشخصية للمسلمين والوقف المواضيع المدنية والجنائية والإدارية، والمنازعات بين المسلمين وغير المسلمين، وبين غير المسلمين مختلفى الملة، وكذا متحدى الملة عند الاتفاق على اللجوء لها. وقد أنشأ محمد على جهات قضائية أخذت قدرا كبيرا من اختصاص الحاكم الشرعية واتخذت خطوات جوهرية للإصلاح القضائى فى عهد إسماعيل باشا، فكانت المجالس الحسبية (المحاكم الحسبية فيما بعد) المنشأة فى ١٨٧٣ م والمعاد تنظيمها فى ١٨٩٦ هى أول خطوة فى تقليص اختصاص المحاكم الشرعية. . كما أنشأت عدة مجالس قضائية أخرى للأحوال المدنية، ومحاكم مختلطط بقضاة أجانب بجوار القضاة الوطنيين للنظر فى المنازعات ذات العنصر الأجنبى، وكان القضاة الوطنيون فيها متأثرين بالفكر القانونى الغربى. وفى ١٨٨٠ م قصر اختصاص المحاكم الشرعية على الأحوال الشخصية والمواريث والأوقاف والهبة والقتل والدية. ثم تحولت المجالس النظامية إلى محاكم أهلية فى ١٨٨٣ م، وأحيل إليها الكثير من اختصاصات المحاكم الشرعية. وبمناسبة إلغاء الامتيازات الأجنبية، وضع فى ١٩٤٨ م تشريع مدنى جديد كانت الشريعة الإسلامية أحد مصادره، وقد اتخذ هذا القانون نمطا لبلدان عربية أخرى. كما ألغيت المحاكم الشرعية فى ١٩٥٥ م وأحيل اختصاصها للمحاكم المدنية.

стр. 8953

المصادر: (١) Lane: Manners and customs of The Modern Egyptians, ch iv (٢) F. J. Ziadeh: Lawyers, the rule of law and Liberalism in Modern Egypt Stanford, Calif ١٩٦٨ [شاخت (لايش J. Schacht - (A. Layish] ٢ - سوريا كان القضاء فى سوريا مندمجا فى النظام القانونى العثمانى، وفى ١٩٢٦ م أعيد تحديد اختصاصات المحاكم الشرعية لتتضمن الأحوال الشخصية والمواريث والوقف، وكذا منازعات غير المسلمين عدا ما يدخل منها فى اختصاص المحاكم الملية. وكانت منازعات الأجانب من المسلمين، والخاضعة فى دولهم للقضاء المدنى تحال للقضاء المدنى. وكانت المحاكم الشرعية تعقد من قاض واحد تستأنف أحكامه أمام الدائرة الشرعية فى محكمة التمييز. وقد أنشأ فى ١٩٦١ م خمس وعشرون محكمة شرعية من قاض واحد عدا محكمتى دمشق وحلب فمن ثلاثة قضاة. والشيعة فى سوريا غير معترف لهم بقضاء خاص، فيخضعون للمحاكم السنية، ولكن يبدو أنهم يفصلون فى منازعاتهم بالتحكيم غير الرسمى عن طريق رؤسائهم. وقد أجاز قانون ١٩٢٦ م إنشاء محاكم لغير المسلمين باختصاص محدود فى مسائل الأحوال الشخصية. وقد حل قانون ١٩٥٣ م محل قانون الأسرة العثمانى لعام ١٩١٧ م، جعلت فيه الولاية العامة للفقه الحنفى. ونص دستور ١٩٥٠ م على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع. ويسرى القانون المذكور على غير المسلمين (المسيحيين والدروز) عدا ما يدخل فى اختصاص محاكمهم، فهو بذلك محاولة لتوحيد الأحوال الشخصية لكافة السوريين. وقد توحدت الإجراءات فى عام ١٩٤٧، وأخضعت فى ١٩٦١ م بالنسبة لمحاكم المسيحيين والدروز لإجراءات القضاء المدنى.

стр. 8954

ولم يكن الدروز فى العصر العثمانى معترف بهم كطائفة، فكانوا يفصلون فى منازعاتهم عن طريق قضاة غير رسميين خاصين بهم. وقد اعترف بهم فى عهد الانتداب عام ١٩٣٦ م. وكان البدو يفصلون فى منازعاتهم عن طريق لجنة تحكيمية من ثلاثة محكمين، حتى أخضعهم قانون ١٩٥٨ م للقضاء العادى. المصادر: (١) المحمصانى: الأوضاع التشريعية، ص ٢٨٢ - ٢٩٧. (٢) E. T. Mogannam: The practical application of the law in certain Arab states, in George Washington Law Review, xxii (١٩٥٣), ١٤٢ - ٥٥ [لايش A. Layish] ٣ - لبنان النظام القانونى اللبنانى مبنى أساسا على اللائحة التنظيمية لعام ١٨٦١ م والتى منحت جبل لبنان استقلالا إداريا وقضائيا ضمنته الدول الكبرى. وقد أرست اللائحة النظام القضائى على أساس طائفى. وبعد انتهاء العصر العثمانى، أخذت المحاكم الشرعية اختصاص الأحوال الشخصية للمسلمين والوقف وبعض منازعات غير المسلمين، كالمواريث إذا شاء أحد الوارثين طلب ذلك. وقد عينت السلطات الفرنسية مفتى بيروت "المفتى الأكبر" وجعلته ممثل الطائفة السنية. وقد أخذ فى عام ١٩٥٥ م لقب "مفتى الجمهورية"، ويعاونه "المجلس الشرعى الأعلى" المكون من ستة قضاة ورئيس المحكمة الشرعية العليا فى إدارة شئون الطائفة والأوقاف. وكانت الشيعة الجعفرية معترف بها كطائفة لها استقلالها القضائى. وتحدد قوانين ١٩٤٢, ١٩٤٦, ١٩٦٢ م اختصاصات محاكم السنة ومحاكم الشيعة، وهى الأحوال الشخصية والأهلية والبلوغ والهجر مع أمور أخرى. هذا وكان قانون الأسرة العثمانى لعام ١٩١٧ م ساريا، ويطبق الرأى السائد فى الفقه الحنفى فى حالة عدم

стр. 8955

النص فيه على أمر معين. كما تطبق المحاكم أيضا التقنين الذى وضعه قدرى باشا المصرى الجنسية للشريعة الإسلامية على المذهب الحنفى. أما المحاكم الشيعية فتطبق مبادئ المذهب الجعفرى، ومواد القانون العثمانى المتفقة معه. وفى حالة عدم الانتماء لأى من المذهبين، تحدد المحكمة القانون الواجب التطبيق. المصادر: (١) بشير البسلانى: قوانين الأحوال الشخصية فى لبنان، القاهرة ١٩٧١. (٢) المحمصانى: الأوضاع التشريعية، ص ٢٤٦ - ٢٧٣. [لايش A. Layish] ٤ - العراق لم يكن للشيعة الجعفرية الاثنى عشرية استقلال قضائى فى العصر العثمانى رغم تكوينهم لنصف أهل البلاد. وقد كان قضاؤهم يتم بصفة رسمية أمام "المجتهدين" دون اللجوء للمحاكم السنية التى كانت مختصة بمنازعاتهم من الوجهة النظرية. وقد نظمت السلطات البريطانية المحاكم الشرعية عام ١٨١٨ م، وجعل قضاءها خاضعا للنقض أمام "مجلس التمييز الشرعى". وقد أحيلت منازعات الشيعة والمسيحيين واليهود إلى المحاكم المدنية، والتى كانت تطبق مبادئهم الدينية فيما لا يخالف العدالة أو المساواة أو المنطق. وفى ١٩٢١ م أنشئت محاكم للسنة وللشيعة أسوة بالمحاكم السنية. وبعد الاستقلال سارت قوانين التنظيمات القضائية على أساس محاكم للسنة وللشيعة. وحتى ١٩٦٣ م كان قضاء المحكمتين قابلًا للنقض أمام مجلس تمييز شرعى ذى دائرتين. وكان لوزير العدل تعديل أحكام هذه المحكمة. وقد ألغى هذا المجلس وأحيل اختصاصه إلى "محكمة تمييز العراق". وفى العصر العثمانى كانت المحاكم تطبق الفقه الحنفى. كما كان يطبق أيضا على المسيحيين واليهود فى مسائل المواريث، حتى أحيل ذلك للمحاكم المدنية فى عام ١٩١٨ م. وبعد الحرب الأولى، كان القاضى الحنفى يطبق بالنسبة لغير أتباع هذا المذهب من السنة أحكام مذهبهم، أو

стр. 8956

يطلب رأى عالم فى ذلك المذهب. وفى عام ١٩٢٣ م حدد القانون فى حالة عدم اتفاق مذهب الأطراف قانون المتوفى فى حالة المواريث والوصية، والزوج فى مسائل الزواج، والواقف فى حالة الوقف، والمدعى عليه فى مسائل النفقة. وفى أماكن عدم وجود قاض من المذهب الشيعى فيحكم القاضى السنى بناء على فتوى من عالم شيعى، والعكس بالعكس. وقد منيت محاولات تقنين الأحوال الشخصية فى القرن الماضى بالفشل. فى عهد عبد الكريم قاسم صدر قانون فى ١٩٥٩ م لكافة العراقيين تتضمن تعديلات هامة تمثل خليطا من المذهبين السنى والشيعى، كما كانت قواعد المواريث فيه مستوحاة من الفكر الغربى، وفى عهد عبد السلام عارف، وبضغط من العلماء ألغيت القواعد الغير متفقة مع الشريعة، فاستبدلت قواعد المواريث بقواعد المذهب الشيعى. كما أجريت تعديلات هامة على قواعد الزواج والطلاق والحضانة والمواريث عام ١٩٧٨ م. هذا وبالنسبة للإجراءات فكان القانون المطبق هو القانون العثمانى، والذى عدل فى أعوام ١٩٢٢, ١٩٢٩ و ١٩٣١ م. وكان البدو يخضعون فى العصر العثمانى لمحاكم عشائرية تطبق أعرافهم. وقد صدر فى ١٩١٨ م نظام دعاوى العشائر، والذى عدل فى (١٩٢٤, ٣٣ و ٥١) وقد ألغيت هذه المحاكم بعد انقلاب ١٩٥٨ م، بهدف دمج البدو فى النظام القضائى للدولة. المصادر: (١) المحمصانى: الأوضاع التشريعية، ص ٣٢١ - ٣٤٠. (٢) محمد شفيق العانى: كتاب المرافعات والصكوك فى القضاء الشرعى، بغداد ١٩٥٠. (٣) المؤلف نفسه: أحكام الأحوال الشرعية فى العراق، القاهرة ١٩٧٠. [لايش A. Layish] ٥ - فلسطين بعد هزيمة الدولة العثمانية فى الحرب العالمية الأولى وخضوع

стр. 8957

فلسطين للانتداب البريطانى، أقامت سلطات الانتداب عام ١٩٢١ م "المجلس الإسلامى الأعلى" للقيام بالشئون الإسلامية وعينت مفتى القدس رئيسا وتنص المادة ٥٢ من الأمر الصادر عام ١٩٢٢ م المحدد لاختصاصات المحاكم الشرعية إلى اليوم على أن هذه المحاكم تعتبر جهة القضاء الوحيدة فى مسائل الأحوال الشخصية والمواريث، أما الأوقاف فوزع الاختصاص بها بين هذه المحاكم والمجلس الإسلامى الأعلى، وفى تعديل ١٩٣٧ م أحيل الاختصاص الأخير إلى الحكومة. وبالنسبة لغير المسلمين فقد اختصت المحاكم المدنية بمنازعاتهم. أما القانون واجب التطبيق أمام المحاكم الشرعية فهو القانون العثمانى للأسرة لعام ١٩١٧ م وللمواريث لعام ١٩١٣ م. ويلجأ القضاة أحيانا إلى تقنين قدرى باشا بصفة غير رسمية (انظر مصر). وتتبع هذه القوانين المذهب الحنفى رغم كون أغلبية السكان على المذهب الشافعى. وهكذا أقرت سلطات الانتداب الأمر الواقع للسكان المسلمين. وقد نظمت إجراءات المحاكم الإسلامية فى ١٩١٧ م، وما زال هذا القانون قائما مع بعض التعديلات. كما نظمت قوانين فى عامى ١٩١٨ و ١٩١٩ م. محكمة استئناف للمحاكم الشرعية. وقد خول المجلس الإسلامى الأعلى تعيين القضاة بعد أخذ موافقة الحكومة وعزلهم. وتبلغ المحاكم الشرعية خمس عشرة محكمة من قاض واحد، ومحكمة استئناف فى القدس من ثلاثة قضاة. ويعين رجال الإفتاء فى المجلس الأعلى. هذا وللمفتى (المفتى الأكبر لمفتيى فلسطين) مركز متميز منذ العصر العثمانى، ولكونه يشغل مع منصبه هذا منصب رئيس المجلس الأعلى. ويسمح للمحامين الشرعيين بالترافع أمام المحاكم الشرعية، كما يضم النظام القضائى مأذونى الزواج، ومديرى أموال الأيتام. وكانت الحكومة تدفع مرتبات القضاة وموظفى المحاكم. كما وجد أيضا نظام لمحاكم العشائر للبدو. وقد خصصت الحكومة

стр. 8958

فى الفترة من ١٩١٩ إلى ١٩٢٢ م مجلسا خاصا لجرائم القتل، ثم أنشأت فى ١٩٢٢ م محاكم من ثلاثة قضاة لهذا الغرض، تمثل فيها العشائر الهامة، وفى ١٩٣٣ م أنشئت محكمة استئنافية عشائرية. وقد أقرت حكومة إسرائيل المحاكم الشرعية كما كانت فى عهد الانتداب مع تغييرات طفيفة. فجعل قانون الزواج لعام ١٩٥٠ م السماح بزواج الفتاة تحت السابعة عشر للمحكمة، كما جعل قانون المواريث لعام ١٩٦٥ م اختصاص المحاكم الشرعية وغيرها من المحاكم الدينية غير مطلق كما هو الحال فى اختصاص مسائل الأحوال الشخصية. كما عدل تنظيم ١٩٦١ م من اختصاص المحاكم الشرعية بالنسبة للأوقاف. ولا يوجد اختلاف كبير بين القضاء الدينى والمدنى إلا فى مسائل المواريث. وقد أدمجت المحاكم الشرعية فى النظام القضائى فور إقامة الدولة، كما ألغيت المحاكم العشائرية، مع الاحتفاظ بالقواعد المطبقة المستمدة من العرف، فاختصت المحاكم الشرعية بقضاياهم، كما أنشئت محكمة خاصة لهم فى بير سبع. ولم يكن الدروز فى فلسطين معترفا بهم فى العصر العثمانى كطائفة دينية، فكانت المحاكم الشرعية هى المختصة بمنازعاتهم. وقد كانوا يلجأون إليها فى مسائل المواريث، أما فى مسائل الأحوال الشخصية والوصية فقد كانوا يلجأون فيها لأعرافهم. وقد أبقى الانتداب على هذا الوضع مع تحويل الاختصاص بمنازعاتهم إلى المحاكم المدنية. ولكنهم استمروا فى اللجوء للمحاكم الشرعية. وقد اعترفت حكومة إسرائيل بوضعهم فى ١٩٥٧ م. وأنشأت محاكم لهم. ولم يكن للدروز قبل الاعتراف بهم كطائفة دينية قانون مكتوب للأحوال الشخصية والمواريث. وفى ١٩٦١ م أقر القادة الروحيون لهم قانون طائفة الدروز اللبنانية الصادر فى ١٩٤٨ م مع تعديل بالنسبة لحالات عدم النص فى الأحوال الشخصية فجعلت الولاية فيها، بدلا من الفقه الحنفى, لـ "القانون

стр. 8959

المقبول لطائفة دروز فلسطين". كما تعدلت الولاية العامة فى غير ذلك إلى القانون الإسرائيلى بدلًا من اللبنانى. وبالنسبة لدروز الجولان فقد كان القانون المطبق قبل الغزو الإسرائيلى هو قانون الأسرة السورى، إلى أن كان التعديل القضائى لهم ١٩٧٠ م فأصبح التطبيق لقانون جبل الدروز فى لبنان. وتحت الحكم المصرى لقطاع غزة كانت هناك محاكم شرعية على درجتين، يطبق فيها قانون الأسرة العثمانى لعام ١٩١٧ م. وقد زادت إسرائيل من محاكم أول درجة محكمتين. المصادر: (١) F. M. Goadby: Inter-religeous private law in Palestine, Jerusalem ١٩٢٦ (٢) E. Vitta: The conflict of laws in matters of personal status in Palestine Tel-Aviv ١٩٤٧ (٣) A.Layish: Muslim Waaf in Israel, in Asian and African Studies, ii ١٩٦٥, ٤٣ - ٥١ [لايش A. Layish] ٦ - الأردن كان النظام القضائى لضفتى نهر الأردن إبان الحكم العثمانى والانتداب البريطانى خليطا من الأعراف القضائية. فكانت الضفة الشرقية، وهى المملكة فيما بعد، تحت تأثير القانون العثمانى بينما كان القانون الإنجليزى أوضح أثرا فى الضفة الغربية. وبعد ضم الضفة الغربية بدأت خطوات توحيد النظامين القضائيين. وواكب ذلك تعيين أحد الأعوان المخلصين للملك عبد اللَّه كـ (مفتى) للقدس بدلا من أمين الحسينى، وجعل الرئاسة الدينية لمفتى المملكة بدلا من مفتى القدس. كما حل قاضى القضاة فى الأردن محل المجلس الإسلامى الأعلى للضفة الغربية، ومارس اختصاص تعيين القضاة ورجال الإفتاء بالإضافة إلى رعاية كافة الأمور الإسلامية. وكان مركزه مساويا لمنصب وزير، ويتبع بالتالى رئيس الوزراء. وخولت التنظيمات القضائية فى الخمسينات المحاكم الشرعية اختصاصات واسعة فى مسائل الأحوال الشخصية والأوقاف والمواريث والدية،

стр. 8960

كما قصر اختصاصها فى مسائل الأحوال الشخصية على المسلمين. واختصت المحاكم المدنية بقضاء غير المسلمين إلا إذا اختاروا اللجوء للمحاكم الشرعية. وكان القانون المطبق إلى عام ١٩٥١ م هو قانون الأسرة العثمانى لعام ١٩١٧ م، ثم تم تعديله حتى استبدل بدوره فى ١٩٦٧ م. وللبدو فى الأردن محاكم عشائرية منظمة عام ١٩٦٦ م الذى حل محل قانون ١٩٢٤ م. وقد جعل قانون ١٩٤٧ م اختصاص هذه المحاكم لكافة منازعات البدو عدا المتعلقة بالملكية العقارية. ويجوز للمتصرف أو الحاكم العسكرى إحالة النزاع للمحاكم المدنية. وللمحاكم العشائرية محكمة استئنافية. وتطبق المحاكم العشائرية أعراف البدو عدا ما يتنافى فيها مع القانون مثل إعطاء الفتيات مقابل الدية. ولا يزال القانون الأردنى مطبقًا فى الضفة الغربية بعد استيلاء إسرئيل عليها عدا فى القدس الشرقية حيث كان يطبق القانون الإسرائيلى. ولذا فالمحاكم الشرعية محرومة من محكمتها الاستئنافية التى مقرها عمان. ولا يعترف أغلب أهل القدس الشرقية بالمحكمة الشرعية التى أقامتها إسرائيل فى حيفا، ولكن السارى عملا هو أن يكون التعيين من قبل قاضى القضاة وتدفع الحكومة الأردنية مرتبات القضاة. وتعترف السلطات الإسرائيلية بهذا التعيين كأمر واقع. وتطبق المحاكم الشرعية فى الضفة الغربية والقدس الشرقية القانون الأردنى للأحوال الشخصية والإجراءات. وبالإضافة للوظيفة القضائية يقوم أغلب القضاة فى القدس الشرقية بأعمال أخرى متعلقة بالشئون الإسلامية، كالإفتاء. كما أحال المجلس الإسلامى اختصاصات كثير من المؤسسات الإسلامية الأردنية لمحكمة الاستئناف الشرعية. المصادر: (١) أديب الهلسة: أسس التشريع والنظام القضائى فى الأردن، ١٩٧١.

стр. 8961

(٢) المحمصانى: الأوضاع التشريعية، ص ٣٠٤ - ٣١٣. [لايش A. Layish] ٧ - المملكة العربية السعودية كانت شبه الجزيرة العربية تحت السيادة الاسمية للدولة العثمانية، ولكن الإصلاحات القضائية فى القرن التاسع عشر لم تكن مطبقة إلا فى المراكز الحضرية الكبرى فى الحجاز، وبقدر محدود. ومع استيلاء الملك عبد العزيز ابن سعود على الحجاز فى أوائل القرن العشرين أقام نظاما قضائيا متقدما بالنسبة للمناطق الأخرى من شبه الجزيرة، وفى نجد كانت النزاعات فيها بواسطة قاض أو أمير يعين من قبله. أما بين البدو فكان التحكيم يمارس بصفة كاملة. ولم يشر "دستور" ١٩٢٦ م لنظام قضائى، ولكنه أشار إلى أن الملك محكوم بالشريعة وأن التشريع مصدره القرآن والسنة والإجماع. وقد صدرت فتوى من العلماء فى ١٩٢٧ م تطالب الملك بإلغاء القوانين العثمانية السارية، وأن يعيد وضع المحاكم الشرعية. وقد أنشا القرار الملكى فى ١٩٢٧ م المحاكم التالية: ١) محاكم مستعجلة للنظر فى الجنح المعاقب عليها بالغرامة أو التعازير، والجنايات المستلزمة لإقامة الحدود عدا القطع والإعدام، وهى من قاض واحد. كما أنشئت فى مكة محكمة من هذا القبيل لمنازعات البدو. أما بين بدو الصحراء فقد كان الأمير يتولى القضاء طبقا للشريعة وللعرف. ٢) محاكم شرعية كبرى للفصل فى الجرائم الكبيرة والمنازعات المدنية فيما يخرج عن ولاية المحاكم المستعجلة، والأحوال الشخصية والوصايا والأراضى. ونصاب هذه المحكمة فى مكة ثلاثة قضاة ينظر واحد منهم القضايا الغير جسيمة ولكن الحكم يصدر من المحكمة بأكملها. ويجب التصديق على الأحكام الصادرة من المحاكم المختلفة والمتضمنة عقوبات جسيمة كالإعدام أو القطع أو المصادرة من "هيئة التمييز" أو من رئيس القضاة، أو من الحاكم بحسب درجة المحكمة المصدرة للحكم أو مكان صدوره.

стр. 8962

وهناك تجديد قضائى ليس فى النصوص التقليدية بإمكانية استئناف أحكام المحاكم الشرعية أمام إحدى المحاكم العليا. وبجوار المحاكم العليا توجد وظيفة "مأمور بيت المال" من واجباتها توزيع المواريث ومراعاة أموال القصر. ٣) "هيئة المراقبة القضائية" ومقرها مكة. وتضم مجلسا مكونا من أربعة أعضاء برئاسة رئيس للتفتيش القضائى "هيئة التدقيق"، ويقوم المجلس بوظيفة محكمة النقض "محكمة التمييز". ويقوم رئيس القضاة بوظيفة رئيس المحكمة العليا ووزير العدل، كما يراقب الأموال العامة "بيت المال"، ويشرف على عملية الإفتاء، وله سلطة تأديبية على القضاة، كما يشرف على "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" وعلى مؤسسات التعليم الدينى. ولم تجر تعديلات جوهرية على النظام القضائى حتى السبعينيات. وأنشأت فى ١٩٧٠ م وزارة للعدل، ثم أعيد تنظيم الشريعة جذريا فى ١٩٧٤ م. فأنشئت ثلاث درجات للتقاضى على النمط الغربى: محاكم جزئية، ومحاكم عامة ومحكمة تمييز. كما أنشئ "مجلس القضاء الأعلى" للإشراف على أعمال القضاة. كما نص على استقلال القضاء وعدم عزل القضاة. ويقوم الملك بتعيينهم بناء على اقتراح مجلس القضاء. وكان المذهب واجب التطبيق هو الحنبلى. وقد حاول الملك عبد العزيز بتأثير من فكر ابن تيمية صياغة قانون لا يعتمد كلية على هذا المذهب. ولكنه لم ينفذ ذلك تحت ضغط علمائه. وقد سمح فى ١٩٣٠ م بالخروج على المذهب الحنبلى لأسباب جوهرية أو إذا كان ذلك أكثر تحقيقا "لمصلحة الأمة". وفى عام ١٩٣٤ م أخذ بمبدأ المذهب السائد بالنسبة لمنازعات النخيل والزراعة. وتخضع الإجراءات للقواعد الشرعية، والتى صدر بشأنها قوانين فى ١٩٣١, ٣٦, و ٥٢ م.

стр. 8963

وقد سمح مؤخرا بالمحاماة. كما يوجد منذ ١٩٢٧ م نظام لتوثيق الصكوك الشرعية والتوكيلات، أما المتعلقة بالأوقاف فهى من اختصاص المحاكم الشرعية. وبين الحين والآخر، يحيل الملك لبعض الجهات أمورا شبه قضائية لتحقيق مصالح اجتماعية أو اقتصادية أو إدارية. ومن قبيل ذلك إنشاء "ديوان المظالم" فى ١٩٥٤ م فى جدة للتظلم من أى إجراء قضائى أو إدارى. ورئيس هذا الديوان يحمل درجة وزير. وللمجلس التحقيق فيما يثار من صور للفساد لرجال الدولة أو الجيش. المصادر: (١) المحمصانى: الأوضاع التشريعية، ٣٥٤ - ٣٧٥. (٢) محمد عبد الجواد محمد: التطور التشريعى فى المملكة العربية السعودية، الاسكندرية ١٩٧٧. [لايش A. Layish] ٨ - اليمن لم تفلح محاولات الدولة العثمانية فى السيطرة على النظام القضائى فى اليمن نتيجة لمقاومة إمام اليمن لها. وظلت له سلطة تعيين القضاة فى مناطق تمركز الشيعة الزيدية (صنعاء والمناطق الجنوبية)، وانحصر دور الوالى العثمانى على تنفيذ الأحكام. وبحصول اليمن على الاستقلال بعد الحرب الأولى، تحولت إلى دولة دينية يسيطر فيها المذهب الزيدى، وهو أقرب المذاهب للسنة وأصبح الإمام هو صاحب لسلطة الروحية، ورئيس السلطتين التنفيذية والقضائية (القاضى الأعلى). وللمحاكم الشرعية سلطة مطلقة، ويدخل فى اختصاصها المسائل الجنائية. وبتوجيه من الإمام فإن المذهب الزيدى هو المطبق. وللمحاكم الشرعية عدة درجات. فمحكمة أول درجة من قاض واحد تستأنف أحكامها، بعد موافقة الحاكم المحلى

стр. 8964

"العامل" أمام محكمة أعلى، تستأنف أحكامها بدورها امام محكمة الاستئناف العليا فى صنعاء. ويمثل الإمام أعلى سلطة استئنافية، ولكن اللجوء إليه ليس كثيرا. والإمام هو الذى يعين القضاة، ويشرف على المحاكم. وبالإضافة للمحاكم الشرعية، توجد للمسائل المدنية محاكم فى المحافظات تحت سلطة "العامل"، وأحكامها تستأنف أمام امير الولاية ثم الإمام. هذه المحاكم لا تخضع للمحاكم الشرعية سوى فى الأمور التجارية والضرائب. وخارج المدن يوجد القضاء القبلى الذى يحكم بناء على الأعراف والتقاليد. وأحكامه تنظر استئنافيا أمام العامل ثم الأمير، وأخيرا الإمام. وقد حاول الإمام إحلال القضاء محل هذا النظام دون تحقيق نجاح يذكر. وكانت لعدن إبان الحماية البريطانية ازدواج قضائى، الشرعى لمسائل الأحوال الشخصية والجنائية، والعرفى. وقد قَبِل إمام اليمن الوضع شريطة تطبيق القواعد الشرعية، مع توجيه بتطبيق المذهب الشافعى. وكان قضاة لحج يعينون قبل الاحتلال البريطانى من قبل إمام اليمن، ولم تكن أحكامهم تنفذ إلا بالتراضى. وقد نظمت السلطات البريطانية المحاكم فى السلطنة، وأعطت أحكامها القوة التنفيذية. وتسير القواعد العرفية جنبا إلى جنب مع هذا التنظيم. وبعد الحصول على الاستقلال عام ١٩٦٧ م، وتشكيل الجمهورية الشعبية لليمن الجنوبى، التى ضمت عدن والمحميات الغربية والشرقية، ظل النظام القضائى بلا تغيير. وفى عام ١٩٧٤ م صدر قانون للأسرة متأثر بالفكر الماركسى. المصادر: (١) المحمصانى: الأوضاع التشريعية ص ٣٨٠ - ٣٨٣. (٢) M. W. Wenner: Modern Yemen ١٩١٨ - ١٩٦٦ Baltimore ١٩٦٧ [لايش A. Layish]

стр. 8965

٩ - دول الخليج . لم تكن المحميات البريطانية من مشيخات ودويلات الخليج تعرف نظاما قضائيا بالمعنى المفهوم، بل كان القضاء يمارس عن طريق الحكام أنفسهم "تحت النخيل". وكانت الشريعة الإسلامية تطبق بصورة غير دقيقة أو منضبطة، أو بمساعدة من القضاة. وقد عرفت بعض المشيخات نظاما مزدوجا من الشريعة للأحوال الشخصية والقانون المدنى متأثرا بالقانون الانجليزى للأمور الأخرى. وقد نظم القضاء بعد الاستقلال. وينص دستور دولة الإمارات المؤقت لعام ١٩٧١ م، والممتد لخمس سنوات أخرى ١٩٧٦ م، على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع. ولكن الواقع أن العرف والقوانين الحديثة تطبق مع الشريعة. وقد طبقت بعض الدول قانونا مقتبسًا من القانون المدنى المصرى لعام ١٩٤٨ م، حيث الشريعة الإسلامية أحد مصادره. وفى الكويت كان الازدواج القانونى قائما بين الشريعة والقانون المدنى إبان الحماية البريطانية. وكان القضاء الشرعى مقصورا على الأحوال الشخصية وقد أنشأ الحاكم محكمتين جديدتين واحدة للأحوال المدنية والأخرى للجنائية. وهى تطبق الشريعة أو الأوامر التنظيمية للحاكم. ولا تطبق فيها الحدود الشرعية. وقد نظم القضاء عام ١٩٦٠ م، فألغيت المحاكم الشرعية وأحيل اختصاصها إلى المحاكم المدنية تحت إشراف وزارة العدل. وأقيمت محاكم وطنية ذات دوائر للشيعة وللسنة ولغير المسلمين. كما أنشئت محاكم جنائية ومدنية ومحكمة استئنافية. ولم يتغير النظام القضائى بعد الاستقلال فى ١٩٦١ م. وتطبق الحاكم نتاج تشريعات وضعية حديثة، فقد صدرت تشريعات
следующие страницы →