(٢) المحمصانى: الأوضاع التشريعية، ص ٣٠٤ - ٣١٣.
[لايش A. Layish]
٧ - المملكة العربية السعودية
كانت شبه الجزيرة العربية تحت السيادة الاسمية للدولة العثمانية، ولكن الإصلاحات القضائية فى القرن التاسع عشر لم تكن مطبقة إلا فى المراكز الحضرية الكبرى فى الحجاز، وبقدر محدود. ومع استيلاء الملك عبد العزيز ابن سعود على الحجاز فى أوائل القرن العشرين أقام نظاما قضائيا متقدما بالنسبة للمناطق الأخرى من شبه الجزيرة، وفى نجد كانت النزاعات فيها بواسطة قاض أو أمير يعين من قبله. أما بين البدو فكان التحكيم يمارس بصفة كاملة.
ولم يشر "دستور" ١٩٢٦ م لنظام قضائى، ولكنه أشار إلى أن الملك محكوم بالشريعة وأن التشريع مصدره القرآن والسنة والإجماع. وقد صدرت فتوى من العلماء فى ١٩٢٧ م تطالب الملك بإلغاء القوانين العثمانية السارية، وأن يعيد وضع المحاكم الشرعية.
وقد أنشا القرار الملكى فى ١٩٢٧ م المحاكم التالية:
١) محاكم مستعجلة للنظر فى الجنح المعاقب عليها بالغرامة أو التعازير، والجنايات المستلزمة لإقامة الحدود عدا القطع والإعدام، وهى من قاض واحد. كما أنشئت فى مكة محكمة من هذا القبيل لمنازعات البدو. أما بين بدو الصحراء فقد كان الأمير يتولى القضاء طبقا للشريعة وللعرف.
٢) محاكم شرعية كبرى للفصل فى الجرائم الكبيرة والمنازعات المدنية فيما يخرج عن ولاية المحاكم المستعجلة، والأحوال الشخصية والوصايا والأراضى. ونصاب هذه المحكمة فى مكة ثلاثة قضاة ينظر واحد منهم القضايا الغير جسيمة ولكن الحكم يصدر من المحكمة بأكملها.
ويجب التصديق على الأحكام الصادرة من المحاكم المختلفة والمتضمنة عقوبات جسيمة كالإعدام أو القطع أو المصادرة من "هيئة التمييز" أو من رئيس القضاة، أو من الحاكم بحسب درجة المحكمة المصدرة للحكم أو مكان صدوره.
стр. 8962
وهناك تجديد قضائى ليس فى النصوص التقليدية بإمكانية استئناف أحكام المحاكم الشرعية أمام إحدى المحاكم العليا.
وبجوار المحاكم العليا توجد وظيفة "مأمور بيت المال" من واجباتها توزيع المواريث ومراعاة أموال القصر.
٣) "هيئة المراقبة القضائية" ومقرها مكة. وتضم مجلسا مكونا من أربعة أعضاء برئاسة رئيس للتفتيش القضائى "هيئة التدقيق"، ويقوم المجلس بوظيفة محكمة النقض "محكمة التمييز".
ويقوم رئيس القضاة بوظيفة رئيس المحكمة العليا ووزير العدل، كما يراقب الأموال العامة "بيت المال"، ويشرف على عملية الإفتاء، وله سلطة تأديبية على القضاة، كما يشرف على "الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر" وعلى مؤسسات التعليم الدينى.
ولم تجر تعديلات جوهرية على النظام القضائى حتى السبعينيات. وأنشأت فى ١٩٧٠ م وزارة للعدل، ثم أعيد تنظيم الشريعة جذريا فى ١٩٧٤ م. فأنشئت ثلاث درجات للتقاضى على النمط الغربى: محاكم جزئية، ومحاكم عامة ومحكمة تمييز. كما أنشئ "مجلس القضاء الأعلى" للإشراف على أعمال القضاة. كما نص على استقلال القضاء وعدم عزل القضاة. ويقوم الملك بتعيينهم بناء على اقتراح مجلس القضاء.
وكان المذهب واجب التطبيق هو الحنبلى. وقد حاول الملك عبد العزيز بتأثير من فكر ابن تيمية صياغة قانون لا يعتمد كلية على هذا المذهب. ولكنه لم ينفذ ذلك تحت ضغط علمائه. وقد سمح فى ١٩٣٠ م بالخروج على المذهب الحنبلى لأسباب جوهرية أو إذا كان ذلك أكثر تحقيقا "لمصلحة الأمة". وفى عام ١٩٣٤ م أخذ بمبدأ المذهب السائد بالنسبة لمنازعات النخيل والزراعة. وتخضع الإجراءات للقواعد الشرعية، والتى صدر بشأنها قوانين فى ١٩٣١, ٣٦, و ٥٢ م.
стр. 8963
وقد سمح مؤخرا بالمحاماة. كما يوجد منذ ١٩٢٧ م نظام لتوثيق الصكوك الشرعية والتوكيلات، أما المتعلقة بالأوقاف فهى من اختصاص المحاكم الشرعية.
وبين الحين والآخر، يحيل الملك لبعض الجهات أمورا شبه قضائية لتحقيق مصالح اجتماعية أو اقتصادية أو إدارية.
ومن قبيل ذلك إنشاء "ديوان المظالم" فى ١٩٥٤ م فى جدة للتظلم من أى إجراء قضائى أو إدارى. ورئيس هذا الديوان يحمل درجة وزير. وللمجلس التحقيق فيما يثار من صور للفساد لرجال الدولة أو الجيش.
المصادر:
(١) المحمصانى: الأوضاع التشريعية، ٣٥٤ - ٣٧٥.
(٢) محمد عبد الجواد محمد: التطور التشريعى فى المملكة العربية السعودية، الاسكندرية ١٩٧٧.
[لايش A. Layish]
٨ - اليمن
لم تفلح محاولات الدولة العثمانية فى السيطرة على النظام القضائى فى اليمن نتيجة لمقاومة إمام اليمن لها. وظلت له سلطة تعيين القضاة فى مناطق تمركز الشيعة الزيدية (صنعاء والمناطق الجنوبية)، وانحصر دور الوالى العثمانى على تنفيذ الأحكام.
وبحصول اليمن على الاستقلال بعد الحرب الأولى، تحولت إلى دولة دينية يسيطر فيها المذهب الزيدى، وهو أقرب المذاهب للسنة وأصبح الإمام هو صاحب لسلطة الروحية، ورئيس السلطتين التنفيذية والقضائية (القاضى الأعلى).
وللمحاكم الشرعية سلطة مطلقة، ويدخل فى اختصاصها المسائل الجنائية. وبتوجيه من الإمام فإن المذهب الزيدى هو المطبق. وللمحاكم الشرعية عدة درجات. فمحكمة أول درجة من قاض واحد تستأنف أحكامها، بعد موافقة الحاكم المحلى
стр. 8964
"العامل" أمام محكمة أعلى، تستأنف أحكامها بدورها امام محكمة الاستئناف العليا فى صنعاء. ويمثل الإمام أعلى سلطة استئنافية، ولكن اللجوء إليه ليس كثيرا. والإمام هو الذى يعين القضاة، ويشرف على المحاكم.
وبالإضافة للمحاكم الشرعية، توجد للمسائل المدنية محاكم فى المحافظات تحت سلطة "العامل"، وأحكامها تستأنف أمام امير الولاية ثم الإمام. هذه المحاكم لا تخضع للمحاكم الشرعية سوى فى الأمور التجارية والضرائب.
وخارج المدن يوجد القضاء القبلى الذى يحكم بناء على الأعراف والتقاليد. وأحكامه تنظر استئنافيا أمام العامل ثم الأمير، وأخيرا الإمام. وقد حاول الإمام إحلال القضاء محل هذا النظام دون تحقيق نجاح يذكر.
وكانت لعدن إبان الحماية البريطانية ازدواج قضائى، الشرعى لمسائل الأحوال الشخصية والجنائية، والعرفى. وقد قَبِل إمام اليمن الوضع شريطة تطبيق القواعد الشرعية، مع توجيه بتطبيق المذهب الشافعى.
وكان قضاة لحج يعينون قبل الاحتلال البريطانى من قبل إمام اليمن، ولم تكن أحكامهم تنفذ إلا بالتراضى. وقد نظمت السلطات البريطانية المحاكم فى السلطنة، وأعطت أحكامها القوة التنفيذية. وتسير القواعد العرفية جنبا إلى جنب مع هذا التنظيم.
وبعد الحصول على الاستقلال عام ١٩٦٧ م، وتشكيل الجمهورية الشعبية لليمن الجنوبى، التى ضمت عدن والمحميات الغربية والشرقية، ظل النظام القضائى بلا تغيير. وفى عام ١٩٧٤ م صدر قانون للأسرة متأثر بالفكر الماركسى.
المصادر:
(١) المحمصانى: الأوضاع التشريعية ص ٣٨٠ - ٣٨٣.
(٢) M. W. Wenner: Modern Yemen ١٩١٨ - ١٩٦٦ Baltimore ١٩٦٧
[لايش A. Layish]
стр. 8965
٩ - دول الخليج .
لم تكن المحميات البريطانية من مشيخات ودويلات الخليج تعرف نظاما قضائيا بالمعنى المفهوم، بل كان القضاء يمارس عن طريق الحكام أنفسهم "تحت النخيل". وكانت الشريعة الإسلامية تطبق بصورة غير دقيقة أو منضبطة، أو بمساعدة من القضاة. وقد عرفت بعض المشيخات نظاما مزدوجا من الشريعة للأحوال الشخصية والقانون المدنى متأثرا بالقانون الانجليزى للأمور الأخرى.
وقد نظم القضاء بعد الاستقلال. وينص دستور دولة الإمارات المؤقت لعام ١٩٧١ م، والممتد لخمس سنوات أخرى ١٩٧٦ م، على أن الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع. ولكن الواقع أن العرف والقوانين الحديثة تطبق مع الشريعة. وقد طبقت بعض الدول قانونا مقتبسًا من القانون المدنى المصرى لعام ١٩٤٨ م، حيث الشريعة الإسلامية أحد مصادره.
وفى الكويت كان الازدواج القانونى قائما بين الشريعة والقانون المدنى إبان الحماية البريطانية. وكان القضاء الشرعى مقصورا على الأحوال الشخصية وقد أنشأ الحاكم محكمتين جديدتين واحدة للأحوال المدنية والأخرى للجنائية. وهى تطبق الشريعة أو الأوامر التنظيمية للحاكم. ولا تطبق فيها الحدود الشرعية. وقد نظم القضاء عام ١٩٦٠ م، فألغيت المحاكم الشرعية وأحيل اختصاصها إلى المحاكم المدنية تحت إشراف وزارة العدل. وأقيمت محاكم وطنية ذات دوائر للشيعة وللسنة ولغير المسلمين. كما أنشئت محاكم جنائية ومدنية ومحكمة استئنافية. ولم يتغير النظام القضائى بعد الاستقلال فى ١٩٦١ م.
وتطبق الحاكم نتاج تشريعات وضعية حديثة، فقد صدرت تشريعات
стр. 8966
إجرائية وجنائية وتجارية. ولا تزال المسائل المتعلقة بالأحوال الشخصية للمسلمين خاضعة لقواعد الشريعة. أما القانون المدنى فمتأثر بصفة خاصة بالقانون المصرى. وقد شكلت لجنة لمراجعة القوانين لمطابقتها للشريعة الإسلامية.
وفى البحرين، كان الازدواج القضائى بين الشريعة والقانون المدنى فى عهد الحماية. وكانت الشريعة مقسمة بين السنية والشيعية الجعفرية. وكان الشيخ يمارس مع أفراد أسرته القضاء المدنى. وكان المطبق هو أوامر الشيخ والعرف.
وظل الازدواج ساريًا بعد الاستقلال عام ١٩٧١ م. واختصت المحاكم المدنية بالمسائل المدنية والتجارية والجنائية والأحوال الشخصية لغير المسلمين وينص الدستور على أن الشريعة هى المصدر الأساسى للتشريع، وينص تشريع ١٩٧١ م أنه فى غيبة نصوص قانونية تطبق مبادئ الشريعة، وإن لم يوجد فيها نص فيلجأ للعرف. وإذا لم يوجد عرف تطبق قواعد العدالة والمنطق.
وفى قطر ساد أيضا الازدواج القضائى فى عهد الحماية بين الشريعة طبقا للمذهب الحنبلى والمحاكم المدنية التى طبقت العرف وأوامر الحاكم. وكان للحاكم مستشارون لضمان عدم حيود قضائه عن الشريعة وقد كان القانون الإنجليزى كما كان مطبقا فى السودان والهند ذا تأثير على القانون الجنائى فى قطر. واستبدلت الحدود الشرعية بالسجن. وقد جعل التظيم القضائى عام ١٩٧١ م المحاكم الشرعية مختصة بالأحوال الشخصية وأنشئت محاكم مدنية وجنائية للمسلمين وغيرهم.
وينص الدستور على كون الشريعة مصدرا أساسيا للتشريع. وقد شهدت السنوات الأخيرة نشاطا كبيرا فى التشريع المدنى والجنائى تطبقه المحاكم المدنية. وصدر القانون المدنى والتجارى عام ١٩٧١ م، مؤسس على القانون المصرى لعام ١٩٤٨ م. كما صدرت قوانين فى مجالات أخرى، كقانون
стр. 8967
الشركات عام ١٩٦١ م لحسم المنازعات مع شركات البترول.
وقد نظم القانون فى "أبو ظبى" عامى ١٩٦٧ و ١٩٦٨ م. وقد جعل اختصاص المحاكم الشرعية للأحوال الشخصية والمواريث، وللقضاء المدنى الأمور الأخرى. على أنه يمكن اللجوء للمحاكم الشرعية فى غير اختصاصها بموافقة الأطراف. ويعين الحاكم القضاة للقضائين.
وللمحاكم الشرعية فى دبى اختصاص واسع، حيث لا تتمتع المحاكم المدنية إلا باختصاص محدود. ولكن يجوز للأمير أن يحيل موضوعات للقضاء المدنى، وقد أحيل مؤخرا أغلب الموضوعات التجارية. وفى المحاكم الشرعية، باستثناء بعض الموضوعات التى تطبق فيها الأعراف والتقاليد، فقواعد الشريعة هى المطبقة. أما فى المحاكم المدنية، فالمطبق هو العرف السارى، وقواعد القانون الطبيعى، والعدالة، بالإضافة لقوانين الإمارة وللشريعة. ويعين الأمير القضاة بما فيهم القاضى الأعلى.
وفى الشارقة، وحتى ١٩٦٨ م، كانت المحاكم الشرعية على مذهبين، السنى والشيعى. ولم يكن هناك قضاء آخر. وقد نظم القضاء فى ذلك العام فأنشئ القضاء. المدنى مما استتبع تحديد اختصاص المحاكم الشرعية فى الأحوال الشخصية والوقف والمواريث والدية. وتطبق المحاكم الشرعية المذهب السنى أو الشيعى حسب الأحوال، كما تطبق المحاكم المدنية قوانين المشيخة، والشريعة، وآراء الفقهاء المسلمين، والقانون الطبيعى، والعرف، ثم المبادئ الأساسية للقانون الإنجليزى: الحق والعدالة والمساواة. وقد جرت حركة تشريع مكثفة فى مجالات العقود والقانون الجنائى والتجارى جعلت الشارقة أكثر دول الخليج تقدما من الناحية التشريعية.
ويعتبر قانون الشارقة هو القانون الأساسى لعجمان وأم القيروان ورأس الخيمة والفجيرة. وتعرف عجمان ورأس الخيمة المحاكم المدنية أيضا. وقد تأسس فى رأس الخيمة نظام مبنى على نموذج نظام دبى عام ١٩٧١ م.
стр. 8968
وفى مسقط، تعتبر الشريعة فى نفس قوتها فى السعودية. فليس هناك دستور مكتوب، وللشريعة اختصاص واسع بما فى ذلك المسائل الجنائية، متضمنة الحدود. وهناك اتجاهات للتخفيف من ذلك، فالقطع قد تم منعه. وتطبق المحاكم الشرعية المذهب العبيدى الذى يتبعه أغلب السكان من تعديلات فى المسائل المدنية والتجارية بناء على قوانين السلطنة التى تصدر لمواجهة متطلبات الحياة الحديثة، كقانون الاستثمار الأجنبى والشركات الأجنبية والبنوك. وأحكام المحاكم ذات القاضى الواحد تستأنف أمام محكمة من عدة قضاة وأمام القاضى الأكبر وأمام السلطان.
وهناك محاكم خاصة بالأجانب فى مسقط كما أنشئت محكمة تجارية فى ١٩٧٤ م.
المصادر:
(١) Liebesny: The law of the Near and Middle East, ١٠٨ - ١١١
(٢) H. M. Albaharna: The Arabian Gulf States legal and political their status and their international problems, Beirut ١٩٧٥
[لايش A. Layish]
١٠ - مراكش
احتفظت الحكومة بحقها فى تعيين القضاة. وكان للقضاة مساعدون من الشهود "عدل"، وتجمع "عدول". وبينما كان القضاة يتقاضون مرتبات، كان العدول يعتمدون على أريحية المتقاضين. وكان للمتقاضين الحق فى الحصول على فتوى تؤيد دعواهم.
كما كان لممثلى السلطان، الباشوات والقواد، مع تنفيذ أحكام المحاكم، الحق فى الفصل فى بعض المنازعات إلى نصاب معين، ليس طبقا لقانون ما، ولكن بحسب المنطق والأعراف.
وكانت الأحكام تنفذ فوريا. إلا أن الحكومة كانت تضم "وزيرا" للشكايات التى كانت ترفع للسلطان، فيفصل فيها أو يحيلها للصدر الأعظم.
وفى مناطق البربر، حيث كانت سلطة الحكومة ضعيفة، كان الفصل فى
стр. 8969
المنازعات يتم عن طريق "الجماعة" الخاصة بالقبيلة طبقا للعرف.
وكان من أوائل مهام سلطات الحماية إصلاح النظام القضائى. فشكلت لجنة لفحص أعمال القضاة المشبوهة.
وسمح بدءا من ١٩٢٤ م بتمثيل المتقاضين عن طريق "وكيل". أما المحامون فقد كان لهم الحق فى الترافع أمام المحاكم الاستئنافية.
أما المحاكم "المخزنية"، وهى محاكم الباشوات فى المدن والقادة بين القبائل، فقد نظمت بعدة قرارات أهمها الصادر فى ١٩١٨ م. وقد كان لمفوضى الدولة، وهم ممثلو سلطة الحماية، الحق فى مراقبة هذا القضاء، فيطلب إحالة النزاع إلى "المحاكم العليا الشريفة". وكانت المحاكم من هذا النوع ذات دائرتين، إحداهما استئنافية، والأخرى للنظر فى قضايا الجرائم الجسيمة، والتى يحققها القضاة من الدرجة الأدنى. وكان للباشوات فى المناطق البعيدة أعوان لهم نفس اختصاصهم القضائى.
وكان القضاء فى كل هذه المحاكم بناء على الشريعة، ولكن فى الأغلب. على العرف السائد.
أما فى مناطق البربر، فقد استمر اللجوء للقضاء المحلى. ومع تقدم الفرنسيين داخل البلاد كان القضاة يعينون، ولكن استمر اللجوء للقضاء المحلى الذى لم يكن يتقاضى رسوما. وقد نظر فى ١٩١٤ م فى العودة للقانون العرفى الذى قامت محاولة لتقنينه. وقد اتهمت فرنسا فى ذلك بمحاولة سلخ المغرب عن الإسلام، بينما لم تكن تحاول سوى تقنين الوضع السائد.
وكان لطائفة اليهود محاكمهم الخاصة. وكذا محكمة حاخامية عليا. كما كان الأجانب ومعهم بعض الوطنيين من ذوى الوضع الخاص يتمتعون بالامتيازات فتنظر منازعاتهم أمام المحاكم القنصلية. وقد حل محل هذه المحاكم محاكم خاصة للنظر فى منازعات الأجانب عامة فى كل من القسمين الفرنسى والأسبانى.
стр. 8970
وبعد الاستقلال، كان أمام السلطات الوطنية ثلاث مهام: الفصل بين السلطات بمنع السلطة التنفيذية من القيام بأعمال قضائية وتأكيد عروبة الدولة عن طريق "المغربة"، ووضع تقنين حديث مؤسس -على الأقل جزئيا- على الشريعة.
وفى ١٩٥٦ م ألغيت المحاكم التى تطبق العرف، وشكل بدلا منها محاكم شرعية. كما شكلت فى نفس الفترة محاكم لليهود ومحكمة عليا لهم. أما المحاكم الفرنسية والأسبانية فقد تغير اسمها إلى "محاكم حصرية".
وانهى فى نفس الوقت كافة اختصاصات السلطة التنفيذية القضائية. فألغيت محاكم الباشوات والقادة (المحاكم المخزنية) وأنشأ بدلا منها محاكم أول درجة "محاكم عادية"، ومحاكم "إقليمية" مع المحكمة العليا الشريفة، لتختص بالمنازعات الجنائية والمدنية. كما تحول مجلس الصلح الخاص بالمنازعات العمالية المنشأ فى ١٩٢٩ م إلى محكمة عمالية "محكمة الشغل" عام ١٩٥٧ م.
وبالنسبة للمحاكم الشرعية، فقد شكلت محاكم جديدة بالإضافة للتى حلت محل المحاكم العرفية، منها محاكم بدرجة استئنافية. كما شكلت لجنة لتقنين الفقه عام ١٩٥٧ م، فقامت بعملها فى وقت قصير. وفى ١٩٦٢ م صدر التقنين الجنائى مؤسسا بقدر كبير على القانون الفرنسى.
المصادر:
(١) عبد الحميد البنشنهو: البيان المطرب لنظام حكومة المغرب، الرباط ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥٧ م.
(٢) إدريس الضحاك: العدالة المغربية من خلال ربع قرن (غير منشور).
[هيئة التحرير]
تعديلات القوانين المطبقة فى المحاكم الشرعية
شهد القرن العشرين تعديلات كثيرة، كان بعضها ذا أثر كبير، للقوانين المطبقة فى المحاكم الشرعية فى مسائل الأحوال الشخصية والأوقاف والمواريث. من أهم هذه التعديلات: رفع سن الزواج ووضع قيود على زواج
стр. 8971
القصر، ومنع الزواج الإجبارى، ومنع الاعتراض على زواج الراشدين، والقيود على الفرق سن الزوجين، وتقييد قواعد الكفاءة بين الزوجين لدرجة قد تبلغ الإلغاء، ومنع المغالاة فى المهور ومنع التعدد وجعله بموافقة القضاء (اليمن الجنوبى ١٩٧٤ م)، عقد الزواج عن طريق المحاكم (العراق ١٩٧٨ م).
كما أدخل نظام مسئولية الزوجين عن نفقات الأسرة والأولاد كل على حسب يساره (اليمن الجنوبى ١٩٧٤ م)، ودفع الدولة النفقات المحكوم بها للزوجة والأبناء ثم تحصيلها من المدعى عليه (مصر ١٩٧٦, إسرائيل ١٩٧٢ م).
ووضعت قواعد لمنع إساءة استعمال الحق فى الطلاق، مع تطبيق مبدأ عدم وقوعه حالات السكر أو الإكراه أو بقصد التهديد دون نية الطلاق. كما اعتبر الطلاق ثلاثا فى مناسبة واحدة طلقة واحدة. ومنع الطلاق دون إرادة الزوجة (إسرائيل ١٩٥٩ م) واستلزم الحصول على حكم به (اليمن الجنوبى)، ومضاعفة تعويضات المرأة عن الطلاق (مصر ١٩٧٩ م، سوريا ١٩٥٣، الأردن ١٩٧٩ م) وتقسيم أموال الأسرة بالتساوى بين الزوجين (إسرائيل ١٩٧٣ م). كما زيدت أسباب اللجوء لصلب الطلاق.
وبالنسبة لسن الحضانة مع الأم فقد رفعت تحقيقا لمصلحة الأبناء. وفى المواريث اتخذ مبدأ الرد على الزوجة قبل دوى الأرحام. وطبق نظام المواريث الشيعى الغير مؤسس على التعصيب (العراق ١٩٦٣ م)، والتساوى بين الجنسين فى المواريث (العراق ١٩٥٩ م، فلسطين ١٩٢٣ م).
وشهدت قواعد الوقف تعديلات أيضا، كما حدث فى مصر من إلغاء للوقف الأهالى.
وأدخلت تعديلات على قواعد الإثبات، حيث يؤخذ حاليا بالمستندات الكتابية أسوة بالشهادة.
وقد لجأ الحكام والبرلمانات لوسائل عديدة لإجراء هذه التعديلات.
١) وسائل إجرائية، كمنع سماع الدعوى فى حالات المخالفة لقاعدة منصوص عليها.
стр. 8972
٢) الاختيار من بين الأحكام الشرعية، سواء من داخل الفقه المتبع أو من خارجه.
٣) وسائل تنظيمية مؤسسة على مبدأ طاعة ولى الأمر، بحيث لا تتعارض مع أحكام الشريعة.
٤) العقوبات الجنائية عند الخروج على تنظيم معين كسن الزواج.
٥) الاجتهاد: وذلك بتفسير القرآن والسنة تفسيرا عصريا.
٦) إلغاء المحاكم الشرعية ونقل اختصاصها لمحاكم مدنية تطبق قوانين الدولة.
المصادر:
(١) J. N. D. Anderson: Recent developments in Shari`a law, i-ix
(٢) idem: Islamic Law in the modern world, London ١٩٥٩
[لايش A. Layish]
١١ - إندونيسيا
يبدو تعقد تاريخ المحاكم الشرعية فى إندونيسيا من كثرة ما أطلق عليها من مسميات مشتقة من جذور إسلامية وغير إسلامية. وقد استقرت وزارة الشئون الدينية منذ عام ١٩٨٠ م على تسمية الدرجة الأولى منها بالمحكمة الدينية، أما محكمة الدرجة الثانية فيطلق عليها المحكمة الدينية العليا.
وعلى العكس مما جرى فى أغلب البلدان الإسلامية من تقليص دور المحاكم الشرعية، فإنها فإن التطورات السياسية فى إندونيسيا كانت فى صالح تزايد هذه المحاكم عددا وتأثيرا، رغم المحاولات المضادة المستمرة منذ نهاية القرن الماضى. وهى من الوجهة القانونية تخضع للمحاكم المدنية، وتعتمد عليها فى تنفيذ أحكامها، ولكنها تمتعت على المستوى الاجتماعى بقدر كبير من الاستقلال والسلطة بفعل القوى السياسية والدينية.
ويبدأ التاريخ الحديث لهذه المحاكم فى عام ١٨٨٢ م. فقبل ذلك كانت منتشرة بصور متعددة فى جزيرة جاوة، أما فى غيرها من الجزر الكبيرة فقد كانت تخضع للسلطات
стр. 8973
الأرستقراطية فيها، والتى كان تمسكها الدينى محل شك. وكانت فى جاوة ترتبط بالمحاكم المدنية من زاويتين، استلزام الحصول على القوة التنفيذية منها، واشتراك القضاة الشرعيين فى المحاكم المدنية كمستشارين. والمبدأ الأول ما زال ساريا بينما اختفى الثانى منذ أمد.
وقد نظمت السلطات الهولندية المحاكم الشرعية فى ١٨٨٢ م تنظيما بنى على تصور خاطئ لطبيعتها بتأثير الفكر الغربى ولكن الأثر الملموس كان إعطاؤها الاستقلالية فى مواجهة السلطات الأرستقراطية التى تعودت أن تعين قضاتها وتتحكم فيهم.
وبتأثير ما وجه للتنظيم المشار إليه من نقد، أعيد تنظيم المحاكم الشرعية فى ١٩٣١ م، مع تأجيل التطبيق لأسباب اقتصادية إلى ١٩٣٧ م، وفى هذا التنظيم قررت مهايا للقضاة، كما أنشأت محكمة عليا لهذا النوع من القضاء، وقد نزع الإخصاص بمسائل الوقف والمواريث من المحاكم الشرعية إلى المدنية، وهو ما أثار موجة عارمة من السخط لدى الجماعات الدينية، الذى كان عليهم فى نفس الوقت مواجهة معركة أخرى متعلقة بحق تعدد الزوجات. وكان التنظيم المشار إليه مقصورا على جاوة وجزيرة مادورا المجاورة لها، وفى خارجها فقد شهدت جزيرة بورنو فقط تنظيما مشابها.
ومن الملاحظ أنه استمر اللجوء القضاء الشرعى لنظر الموضوعات المتعلقة بالمواريث رغم التنظيم المشار إليه، ومن جهة بسبب الجهل بالتطورات القانونية، ومن جهة لسهولة الإجراءات عنها بالنسبة للقضاء المدنى، ومن جهة ثالثة لمجرد الشعور الدينى، إلا أن قرارات المحاكم فى هذا الشأن كانت تصدر فى الغالب على صورة فتاوى.
وفى عهد الاحتلال اليابانى، وأثناء الثورة ضد الاستعمار الهولندى العائد باءت كافة محاولات إلغاء المحاكم الشرعية بالفشل أمام الاصرار على الحفاظ على الهوية الإسلامية. وكخطوة توفيقية أعيد تنظيم وزارة الشئون الدينية ١٩٦٤ م، والتى مارست الإشراف على القضاء الدينى من خلال "إدارة العدالة الدينية" وقد بذلت هذه
стр. 8974
الوزارة جهدا فى دعم هذه المحاكم ونشرها فى عموم إندونيسيا المستقلة.
وأثناء الثورة كان من الموضوعات الرئيسية نشر المحاكم الدينية خارج جاوة، خاصة فى سومطرة حيث كانت هذه المحاكم قليلة ومختلفة. وفى ١٩٤٦ قام الثوار الإسلاميون فى جنوب هذه الجزيرة بإنشاء محكمة شرعية أخذت مع موجة الحماس قدرا كبيرا من الاختصاص، ثم استجابت حكومة الجمهورية التى أسست فى الجزيرة لهذا الاتجاه بتعميمه فى كل سومطرة عام ١٩٤٧ م، الأمر الذى واجهته السلطات الهولندية والتى بدورها كانت تنشأ محاكم دينية هنا وهناك. وقد قاصت الحكومة المركزية بعد ذلك بتنظيم اختصاصها مع إنشاء المحاكم المدنية.
ومع الاستقلال عام ١٩٥٠ م، ثار النزاع حول نشر المحاكم الشرعية بين العلمانيين، ومن ورائهم وزارة الداخلية التى كانت متولية أمور الطبقات المتميزة التى كانت تقاوم نشر السلطان الدينى. وبين الإسلاميين ومن ورائهم وزارة الشئون الدينية التى كانت تضغط بجهود لا تكل لتعميم المحاكم الشرعية فى ربوع البلاد، حتى كلل مجهودها بالنجاح وفى عام ١٩٥٧ م، كما حصلت محاكم سومطرة على الاعتراف بها وفى نفس العام.
وتمخض الموقف عن وجود نوعين من المحاكم الشرعية، القديمة منها فى جاود وسومطرة والمؤسسة على أساس قوانين ١٨٨٢ م و ١٩٣١ م السابق ذكرها، والجديدة فى المناطق الذى استحدثت فيه تلك المحاكم، وكان الاختلاف يكمن فى مدى الاختصاص.
وكانت مسألة تنظيم هذه المحاكم أكثر صعوبة عن مسألة انتشارها. فمن الوجهة السيكولوجية أدت هذه المحاكم دورها، ولكن على المستوى العملى فقد كانت تفتقر للمال، والعمالة المدربة، والوضع الاجتماعى، والعزلة. أما من الوجهة القانونية فقد كان القضاء بشقيه عرضه للنقد العنيف. وقد بدأت فى السبعينات خطوات إصلاحية مستلهمة بقدر كبير من خارج المحاكم الدينية.
وقد سعت إدارة القضاء الدينى خلال الستينات إلى الاستجابة لما يوجه من
стр. 8975
نقد بإدخال التعديلات التدريجية، حتى صدر التنظيم القضائى عام ١٩٧٠ م، والذى أقر القضاء الشرعى كجهة قضائية مع الجهات الأخرى، المدنى والعسكرى والإدارى. كما أنشأت محكمة نقض قوبلت بالشك من القضاء الشرعى والمدنى على السواء، ولأسباب متباينة ولكنها استقرت كأعلى سلطة قضائية فى البلاد. إلا أن القضايا المحالة لهذه المحكمة لم تزل قليلة، ومن السابق لأوانه الحكم على تأثيرها على القضاء الشرعى.
وجاء التطور الجذرى التالى فجائيا وغير متوقع، إذ كان بمناسبة اقتراح قانون موحد للزواج فى عام ١٩٧٣ م, أثار موجة عارمة من الغضب لتعارضه مع المبادئ الإسلامية خاصة فى موضوع تعدد الزوجات. وقد تمت لذلك مراجعة الاقتراح للوصول إلى حلول توفيقية. فكان وضع قواعد أكثر صرامة لضمان استقرار الأسر، كاستلزام لجوء الرجال للمحكمة لإجراء الطلاق أسوة بالنساء. كما استمر المبدأ التقليدى باستلزام الحصول على القوة التنفيذية لأحكام القضاء الشرعى من المحاكم المدنية. وهذا وقد زادت اختصاصات المحاكم الشرعية زيادة كبيرة فيما يتعلق بالأحوال الشخصية فشملت الإذن باتخاذ زوجة ثانية والولاية على النفس وحقوق المطلقات وطلب الزواج فى حالة رفض الأولياء وغير ذلك من أمور.
ونتيجة لذلك نشطت وزارة الشئون الدينية فى طلب زيادة المحاكم الشرعية وتدعيمها.
وهكذا استمرت المحاكم الشرعية كرمز اجتماعى إسلامى، مع نجاح دمجها فى النظام القضائى للدولة بإعطائها ولاية خاصة فى موضوعات الأحوال الشخصية.
المصادر:
(١) Daniel S. Lev: Islamic courts in Indonesia, ١٩٧٢
(٢) J. Prins: Adet en Islamietische Plichteuleer in Indonesie, ١٩٥٤
على يوسف على [د. س. لف D. S. Lev] مراجعة: المستشار/ حسين عبد العزيز
стр. 8976
محمد [ ﷺ ] نبى الإسلام
من الصعب الإجابة بدقة قاطعة عن أول سؤال يفرض نفسه على كاتب السيرة، وهو: متى ولد محمد [ ﷺ ]؟ لقد استغرق نشاط محمد [ ﷺ ] فى المدينة نحو عشر سنوات (من وقت هجرته عام ٦٢٢ م إلى عام وفاته وهو ٦٣٢ م). غير أن معلوماتنا عن الفترة المكية من حياته غير أكيده. ومع ذلك فليس ثمة سبب وجيه يدعونا إلى الشك فيما ذهبت إليه قصيدة ينسبها البعض إلى أبى قيس بن أبى أنس، والبعض الآخر إلى حسان بن ثابت، من أن دعوة محمد [ ﷺ ] إلى الإسلام فى مكة دامت "عشرًا وبضع سنين". ويذهب كتاب السيرة عادة إلى أنه كان عند بدء الدعوة فى الأربعين، بينما يذكر البعض أنه كان فى الثالثة والأربعين. فإن أخذنا هذا وغيره من التواريخ التى ذكرناها فى الحسبان، أمكن القول بأن محمدا [ ﷺ ] ولد حوالى عام ٥٧٠ م. ومع ذلك فإنه حين تذكر الروايات أنه ولد عام الفيل، فالواجب اعتبار هذا القول غير مقبول حيث إن هجوم أبرهة على مكة حدث قبل عام ٥٧٠ م بمدة طويلة. والأفضل القول إنه ولد بعد عام ٥٧٠ م خلال العقد الثامن من القرن السادس، وأن نترك موضوع تحديد عام مولده مفتوحا (١). أما عن الفترة التى سبقت ظهوره، فليس لدينا ما نهتدى به لتحديدها سوى تعبير غير قاطع ورد فى الآية ١٦ من سورة يونس ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ﴾، حيث إن كلمة "عُمرًا" قد تعنى خمسة وثلاثين أو أربعين أو ثلاثة وأربعين عاما.
стр. 8977
أما عن اسم "محمد" [ ﷺ ] فقد سُمِّى به عدد من العرب قبله (انظر ابن دريد وابن سعد)، ولذا فإنه لا حاجة إلى اعتباره لقبا لقب به النبى [ ﷺ ] فيما بعد. وقد ورد اسم "محمدة" للإناث عدة مرات فى "كتاب الحميريين" السريانى.
وأما عن نسبه فإن عدة قصائد قديمة لشعراء مثل حسان بن ثابت والأعشى وكعب بن مالك، قيلت فى النبى [ ﷺ ] أو فى جعفر أو حمزة أو أبى لهب تؤكد ما ذكرته الروايات من أنه من بنى هاشم، أى أنه من أنسب عشائر مكة. ومع ذلك فإن أعداء النبى [ ﷺ ] من أهل مكة يقولون له كما توضح الآية ٣١ من سورة الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، أى أنهم كانوا أكثر استعدادا لقبول دعوته لو أنه كان من كبار رجال مكة أو الطائف. وعلى أى الأحوال فما كان يمكن مقارنة بنى هاشم بكبار العشائر مثل مخزوم وأمية. ويُوحى ما رُوى عن فقر محمد [ ﷺ ] وبعض أقربائه أن بنى هاشم كانوا وقت شبابه فى ضائقة.
ومما يذكر أن أبا محمد [ ﷺ ] مات قبل مولده. وهو شخصية تبدو فى المصادر غير واضحة المعالم. ويمكن أن يكون اسمه "عبد اللَّه" قد حلَّ فيما بعد محل اسم وثنى. وجدُّه شَيبة أو عبد المطلب، والعلاقة بين الاسمين غامضة غموض الصلة بين عبد المطلب وبنى المطلب. أما من ناحية أمه آمنة بنت وهب فكانت لها صلة غير واضحة بالمدينة. ولا نكاد نعلم شيئًا آخر مؤكدا عن نسب محمد [ ﷺ ] غير دلك. وقد كان أعمامه هم أول الشخصيات التاريخية الواضحة من أقاربه: أبو طالب (واسمه عبد مناف)، والعباس، وحمزة، وعبد الغُزَّى (أو أبو لهب).
ويؤكد القرآن فى سورة الضُّحى أن محمدا [ ﷺ ] نشأ يتيما، وهو الأمر الوحيد تقريبًا الذى نعرفه عن نشأته الأولى، فقصة تطهير قلبه من العلقة السوداء مثلا قد لا تكون غير تفسير للآية الأولى من سورة الشرح ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾. كذلك فإنه من الأوفق رفض تصديق ما قيل عن رحلاته للتجارة إلى الشام أثناء
стр. 8978
طفولته فى صحبة أبى طالب، ثم كتاجر فيما بعد لحساب خديجة (١). فالقالب الذى صيغت فيه هذه الروايات (كما فى قصة الراهب المسيحى بحيرا) يُوحى بأنها روايات هادفة. أما عن قصة دور محمد [ ﷺ ] فى إعادة بناء الكعبة فهى أيضا غير جديرة بالتصديق (٢).
وفى سورة الضحى أن اللَّه أغنى محمدا اليتيم. وقد تكون فى ذلك إشارة إلى زواجه من خديجة، الأرملة الثرية. وتذكر المصادر أن خديجة ولدت له أربع بنات لعبن دورا فيما بعد، وعدة أبناء مات جميعهم صغارًا رُضًعا. غير أن هذه المصادر لا تكاد تذكر شيئًا عن حياة محمد [ ﷺ ] من وقت زواجه (وهو فى الخامسة والعشرين) حتى قبيل مبعثه فى الأربعين أو الثالثة والأربعين.
أما ما ينبغى أن يعطى أكبر قدر من الاهتمام فالمشاكل المتعلقة بظهور محمد [ ﷺ ] كمصلح دينى، (قبل أن يبعثه اللَّه نبيا ورسولًا) وإن كانت هذه المشاكل تثير للباحث صعوبات بالغة بالنظر إلى طبيعة المصادر والتعقيدات المواكبة لتفسيرها. . . (٣) ففى سورة
стр. 8979
الضحى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، وفى الآية ٥٢ من سورة الشورى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ. . .﴾. وفى كتب السيرة أن ابنتين من بناته تزوجتا من ابنين لأبى لهب، وكان أبو لهب من أكثر المدافعين عن الوثنية حماسة. وكانت مكة بحرمها مكانا مقدسا عند النبى ( ﷺ ) حتى ربطها بإبراهيم وإسماعيل، ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ سورة النمل آية ٩١. كذلك فقد سمح للمسلمين بالاشتراك فى الحج إلى مكة حتى قبل أن يصبح هذا الحج ركنا من أركان الإسلام.
ويمكن أن نضيف إلى هذه النتائج المستقاة من دراسة القرآن الكريم عن تطور دعوة محمد [ ﷺ ]، ما نستقيه من دراسة الروايات عنه والتى تقول إنه لم يكن هو وحده الذى يبحث عن دين يقول بالتوحيد. فقد حُكى عن عدة أشخاص ذكرت أسماؤهم كانوا غير راضين عن الوثنية القديمة للعرب ويبحثون عن عقيدة أكثر عقلانية. وقد كان منهم ابن عم لخديجة هو ورقة بن نوفل وكان هناك الحنفاء الذين لم تحفظ الروايات عنهم غير صورة باهتة. وكذا أمية بن أبى الصلت الذى تتفق قصائده فى كثير من النقاط مع القرآن؛ وهى قصائد كان يمكن أن تكون ذات أهمية عظيمة لو أن -جزءًا منها على الأقل- ثبتت صحة نسبته إليه.
ومن الصعب أن نحدد مدى تأثر محمد [ ﷺ ] بالأفكار والحركات المختلفة القائلة بالتوحيد والتى شهدتها شبه الجزيرة العربية فى أوائل القرن السابع الميلادى. أما المؤكد فهو أن أمرًا غيّر وعيه بأكمله وملأه بقوة روحية قررت مجرى حياته، وإعلان ما يوحى به إليه فبدأت بذلك مرحلة نبوته. وقد ذهب كايتانى إلى أن ظهور محمد [ ﷺ ] كمصلح دينى [قبل أن يبعثه اللَّه نبيًا] إنما كان تدريجيا وعلى مدى فترات طويلة من التفكير والتأمل تصفها كتب السيرة بالتحنّث.
وتذهب بعض الروايات إلى أن السورة التى بدأت بها الدعوة هى سورة العلق، بينما تذهب أخرى إلى أنها سورة المدثر. غير أنه ينبغى أن
стр. 8980
نأخذ فى الاعتبار احتمال ألا تكون أوليات السور قد دونت أو حُفظت (١).
وتقول الروايات إن "فترة" مدتها ثلاث سنوات فصلت بين وقت نزول الوحى عليه بالسور الأولى وبين نهوضه بالدعوة.
ولا يلمح القرآن الكريم إلا قليلا إلى طريقة حدوث هذا الوحى. وربما كان الدثار الذى أشارت إليه سورة المزمل وسورة المدثر يشير إلى نوع من الاستعداد لتلقى ما يوحى به على نهج كهان العرب الأقدمين (٢).
وثمة ضوء غير مباشر يلقيه على الموضوع اتهام أعدائه بأنه مجنون، أو كاهن، أو ساحر، حيث إن الاتهام يبين أن محمدًا [ ﷺ ]-فى لحظات تلقيه الوحى- كان يترك لديهم انطباعا كذلك الذى يحدثه المجنون أو الكاهن أو الساحر (٣)، وهى شخصيات كانت مألوفة فى شبه الجزيرة. وبالإضافة إلى ذلك نجد روايات عدة تصف حالته فى مثل تلك اللحظات وصفا أوفى، ويمكن اعتبارها صحيحة حيث إنه لا يمكن أن يكون المسلمون فى العهود المتأخرة قد اخترعوها، بينما كانت هذه النوبات الغريبة تمثل بالنسبة لمعارفه أصدق دليل على ألوهية مصدر الوحى.
وقد كانت الأفكار بسيطة فى تلك السور الأولى المتوهجة عاطفة، ولا تقوم هذه الأفكار على أساس المفهوم
стр. 8981
التقليدى عن التوحيد، وإنما تقوم على انطباع دينى وخلقى قوى، لم يكن ثمة مفر. من أن يؤدى به إلى قطيعة بينه وبين الوثنية. وقد كان ذهنه ممتلئًا بالأخص بفكرة المسئولية الأخلاقية التى ألقاها اللَّه على الإنسان، وفكرة الحساب يوم القيامة. وقد أضاف القرآن الكريم إلى ذلك أوصافا حية لعذاب الكفرة فى نار جهنم وتنعم المؤمنين بنعيم الجنة.
وتمة موضوع رئيسى آخر فى تلك المرحلة الأولى السابقة على بدء المعارضة القوية له من جانب العائلات المكية واسعة النفوذ، ألا وهو آيات اللَّه فى الطبيعة مما ينبغى أن تقنع الناس متى فكروا فيها بأن هناك قوة أعظم من قوة الإنسان. وثمة تأكيد على عجائب الحياة اليومية خاصة ظاهرة الإنسان الرائعة.
أما الواجبات الدينية التى فرضها القرآن الكريم على محمد [ ﷺ ] وأتباعه خلال الفترة المكية فكانت بسيطة قليلة العدد فعلى المرء أن يؤمن باللَّه، وأن يلتمس منه الصفح عن خطاياه، ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ سورة المؤمنون الآيات ١، ١١. وعليه المحافظة على الصلاة حتى بالليل ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ. . .﴾ سورة هود آية ١١٤. وعليه مساعدة الناس خاصة الفقراء منهم، وأن ينزه نفسه من حب الثراء الخادع، وعن كل أشكال الغش، وهو أمر له أهمية فى الحياة التجارية المكية ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ سورة الشعراء ١٨٢ - ١٨٣. وعليه الالتزام بالعفة وألا يئد البنات وفق العادة المتوحشة لذلك العصر التى عزاها القرآن الكريم إلى الفقر.
стр. 8982
لم يلق محمد [ ﷺ ] فى البداية معارضة ذات شأن، بل وصادفت دعوته تربة خصبة فى حالات ليست بالقليلة. وقد نفهم من الآية ٦٢ من سورة هود ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾، إنه أثار فى البداية توقعات كثيرة لدى المكيين. وقد كانت خديجة -باتفاق كافة الروايات- أول من آمن به، كما تذكر المصادر أن من أوائل أشياعه أبا بكر، والعبد المعتق زيد بن حارثة، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد اللَّه وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وابن عم محمد [ ﷺ ] عليا بن أبى طالب. غير أن أكثر من اتبعه فى مكة كانوا أحداثا أو ممن لا يتمتعون بمركز اجتماعى مرموق، فى حين رفض اتباعه الأغنياء وذوو النفوذ، ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ سورة مريم آية ٧٣. ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ سورة المزمل آية ١١. ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ سورة هود آية ٢٧. وقد زاد عزوف الأغنياء وذوى النفوذ عن رسالته حين أضحت العواقب الكاملة لأفكاره واضحة وهاجم صراحة وثنية أهل مكة. أما قبل ذلك فما كان أكثرهم يكترثون باجتماع المسلمين للعبادة أو بنشاط محمد [ ﷺ ].
وقد جاءت مهاجمة آلهة مكة تدريجيا. فقد ذكر أن الحرم المكى هو للَّه ربه الذى يعترف المكيون أيضا بأنه ربهم الأعلى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ سورة الزمر آية ٣٨. وسيحمى اللَّه بيته والحرم ويباركهما لو أذعنوا لإرادته، ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا. . .﴾ سورة النمل آية ٩١، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ
стр. 8983
أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ سورة العنكبوت آية ٦٧، ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ سورة قريش. حينئذ أدرك تجار مكة أن التحول للإسلام قد يُهدد أسواقهم وتجارتهم. وقد كان هذا فى الواقع النقطة الرئيسية فى معارضتهم لمحمد [ ﷺ ]، ويثبت ذلك محاولات القرآن العديدة تهدئة مخاوف قريش فى هذا الصدد. وكان هناك بالإضافة إلى ذلك موقف التجار المحافظ فى مجال الدين، وعداؤهم للأفكار الجديدة الغريبة عليهم، خاصة فكرة البعث والنشور بعد الموت.
وتنبع قوة محمد [ ﷺ ] من إحساسه بأنه يعيش فى عالم ذهنى أسمى لا يرقى إليه المشركون، وأن ما يوحى إليه من عند اللَّه ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾، سورة الإسراء آية ٨٨. وكثيرا ما يشير القرآن الكريم بحق إلى افتقار أعدائه إلى المنطق إذ يعترفون بأن "اللَّه" هو الإله الحق دون استنباط النتائج المنطقية من هذه الحقيقة. غير أن حتى أكثر حججه إفحامًا لم تفلح فى اختراق السدّ المنيع الذى أقامه تعصبهم على أساس من مصالحهم المادية. وحين كان خصومه يهزأون به إذ لم يتحقق ما أنذرهم له من عقاب اللَّه، ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ سورة ص آية ١٦، ذكر القرآن الكريم أن أقوام الأنبياء قبله كذبوهم فحق عليهم بتكذيبهم أشد عقاب. ولم تكن هذه التهديدات بعقوبة فى الحياة الدنيا جزءا من أوائل السور بدليل أن دعوته لم تثر فى البداية عداء قومه وترتبط فى القرآن الكريم الأفكار الدينية الجديدة التى دعا محمد [ ﷺ ] إليها باهل الكتاب، وهو تعبير يشير إلى طائفتى اليهود والنصارى. وكان هناك وعى بهذا الارتباط بدليل ما تردد تأكيده فى القرآن الكريم من اتفاق تعاليم الإسلام والتعاليم اليهودية والمسيحية. وثمة آية مهمة فى سورة يونس ٩٤ يتحدى القرآن الكريم فيها خصوم محمد [ ﷺ ] أن يشاوروا أهل الكتاب بصدد صدق
стр. 8984
رسالته: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ. . .﴾.
ومن الواضح تماما أن محمدا [ ﷺ ] لم يفكر خلال الفترة المكية فى تأسيس ديانة جديدة. (١) فمهمته؛ كانت مجرد الإنذار والتذكرة ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ سورة الذاريات آية ٥٠؛ ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ سورة المدثر ١، ٢، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ سورة النازعات آية ٤٥؛ ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ سورة الغاشية آية ٢١, ٢٢. فهو ينذر بقرب يوم الحساب قومه الذين لم يرسل إليه رسول من قبل ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ. . .﴾ سورة الأنعام آية ١٥٧ ﴿. . . لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦) وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، سورة القصص آية ٤٦, ٤٧. ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾، سورة السجدة آية ٣. وقد أنزل عليه الوحى ليبلغهم إياه فى صورة قرآن عربى مبين، وحتى يقيهم غضب اللَّه. وعلى اليهود والنصارى أيضا أن يشهدوا بصدق ما جاء به حيث إن نفس الوحى كان قد أرسل إليهم من قبل ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة النحل آية ٤٣. ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ سورة القصص آية ٥٢.
وبإمكان هذا السياق أن يقودنا إلى فهم أفضل لكلمة كثيرا ما دار النقاش حَوْلها، وهى كلمة "أُمّى". فحين تشير الآية ١٥٧ من سورة الأعراف إلى محمد [ ﷺ ] على أنه النبى الأمى، فالظاهر أنها تعنى "الشخص الذى لم يبلَّغ من قبل بكتاب اللَّه"، أى عكس أهل الكتاب الذين سبق أن تلقوا كتاب اللَّه
стр. 8985
بلسانهم. وقد كان محمد [ ﷺ ] أميا قبل تلقيه الوحى لا بعده، ولايؤثر هذا التفسير فى نتيجة التساؤل عما إذا كان بمقدور محمد [ ﷺ ] أن يقرأ وأن يكتب، اللهم إلا إن كانت كلمة "أمى" تحمل فى طياتها معنى عجزه عن قراءة الكتب المقدسة لليهود والنصارى. ولابد أن اشتغاله بالتجارة كان يستلزم قدرا من الإحاطة بقراءة العربية وكتابتها. وتشير الآيات ٤ - ٦ من سورة الفرقان إلى اتهام الكفار له بالافتراء ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ولم تكتسب كلمه "أمى" معناها الشائع الآن (وهو الجهل بالقراءة والكتابة) إلا فيما بعد (١)، وفى الدوائر الدينية، كتدليل على معجزة تلقى محمد [ ﷺ ] الوحى من اللَّه عن طريق جبريل [﵇].
وتقصّ الروايات بتفصيل وافٍ ما لقيه محمد [ ﷺ ] وأتباعه من الاضطهاد والأذى على أيدى أهل مكة، وهو ما تصوَره كتب السيرة على أنه من الأحداث المهمة فى حياة محمد [ ﷺ ] إبّان الفترة المكية. غير أنها للأسف روايات غير واضحة قابلة لتفسيرات هى الأخرى غامضة. وثمة اعتبار آخر يجعل من الصعب التحدث فى ثقة عن المراحل الرئيسية فى حياة محمد [ ﷺ ] قبل الهجرة، وهو أن القرآن الكريم الذى كثيرا ما يشير إلى أحداث مهمة فى حياة محمد [ ﷺ ] والأمة الإسلامية فى المدينة بعد الهجرة، وببعض التفصيل، لا يكاد يذكر شيئا عن الوقائع التى تقول كتب السيرة إنها حدثت فى الفترة المكية.
ومثال ذلك ما ذكرته روايات عديدة عن هجرة بعض أتباع محمد [ ﷺ ] من مكة إلى الحبشة. ويتحدث ابن سعد عن هجرتين إلى الحبشة، قائلا إن معظم المهاجرين من الجماعة الأولى عادوا إلى مكة قبل الهجرة إلى المدينة، فى حين كان معظم مهاجرى الجماعة الثانية لا يزالون فى الحبشة وقت الهجرة، وحين
стр. 8986
تركوا الحبشة توجهوا مباشرة إلى المدينة. أما ابن هشام والطبرى فلا يتحدثان إلا عن هجرة واحدة للمسلمين من مكة إلى الحبشة. غير أن كافة هذه الروايات تتفق على أن اضطهاد المسلمين فى مكة كان إلى حدّ كبير وراء قرار محمد [ ﷺ ] أجمع إرسال عدد من أتباعه يطلبون المأوى بين مسيحيى الحبشة، أما مونتجومرى وات فيذهب فى كتابه "محمد فى مكة" إلى أن الأمر أكثر تعقيدا مما توحى به الروايات الإسلامية، وأن ثمة ما يوحى بأن نوعا من الخلاف قد دب بين المسلمين ولعب دورًا فى هذه الهجرة، وأن بعض المهاجرين ربما توجه إلى الحبشة لممارسة التجارة، ربما لمنافسة العائلات التجارية الكبيرة فى مكة. ويقول عروة ابن الزبير إن معظم هؤلاء المهاجرين عادوا إلى مسقط رأسهم حين قوى الإسلام بدخول عدد من ذوى النفوذ فيه، مثل عمر بن الخطاب وحمزة.
غير أن ثمة قصة مختلفة عن عودتهم إلى مكة كانت محل جدل كبير. فالطبرى يذكر أنه أثناء تلاوة محمد [ ﷺ ] لسورة النجم بحضور عدد من مشركى مكة. وحين وصل فى تلاوته إلى أسماء ثلاثة من آلهتهم المفضلة، وهى اللات والعزى ومناة نطق الشيطان على لسانه جملتين قصيرتين هما: "تلك الغرانيق العلا. وإن شفاعتهن لترتجى" (١) وقد فسر المشركون هاتين الجملتين على أن محمدا [ ﷺ ] اعترف بآلهتهم وبجدوى شفاعتها عند اللَّه الذى يعتبرونه كبير الآلهة، فسجد الحاضرون منهم مع المسلمين بعد انتهاء تلاوة السورة بآية ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ وتقول الرواية إن ذلك أدى إلى مصالحة عامة بين محمد [ ﷺ ] وأهل مكة وإن المسلمين الذين كانوا قد
стр. 8987
هاجروا إلى الحبشة شرعوا فى العود إلى بلادهم غير أنهم حين عادوا تبينوا أن جبريل [﵇] كان قد أخطر محمدا [ ﷺ ] أن جملتى الغرانيق ليستا جزءا من السورة وإنما هما من تلبيس الشيطان، فاضطر المسلمون العائدون إلى طلب حماية بعض العشائر قبل تمكنهم من دخول مكة من جديد.
هذه القصة الغريبة التى نجدها أيضا فى ابن سعد (دون سيرة ابن هشام) يرفضها معظم المسلمين ويرونها اختراعا لاحقا، وإن معظم كتاب السيرة من الأوروبيين يقبلونها على أساس أنه من غير المعقول أن تكون من اختراع المسلمين فى عصور تالية. غير أن هذا السبب غير كاف فى حد ذاته، ولا يمكن قبول القصة كما رواها الطبرى والواقدى وابن سعد كحقيقة تاريخية لأسباب عدة أوردها القرآن الكريم. وإن لم يكن من المستبعد تماما احتمال وجود أصل لها.
غير أن هناك قصة أخرى من الفترة المكية يصعب تفسيرها، وهى قصة مقاطعة بنى هاشم. فقد كانت مساندة عشيرة محمد [ ﷺ ] له هى التى وفرت له الحماية أثناء صراعه مع أهل مكة. فمعظم أفراد عشيرته أدوا واجبهم فى شهامة تجاهه، وإن لم يؤمن برسالته إلا القليلون منهم. ويبدو أن عمه عبد العزى (أبا لهب) كان الوحيد ذا النفوذ فى العشيرة الذى عارضه وهى معارضة أضحت من القوة بحيث لعنه القرآن الكريم هو وزوجه فى سورة المسد.
ولذا فقد كان من الطبيعى أن يحاول أهل مكة فى النهاية أن يضعفوا بنى هاشم بأسرهم دون أن يجلبوا على أنفسهم عار إراقة الدماء فى هجوم صريح. غير أن القصة التى تروى كيف اضطروا الهاشميين إلى الانسحاب إلى شعبهم فى مكة، وكيف أقسموا ألا يتزاوجوا أو يتاجروا معهم تبدو مبالغا فيها. وقد اعترفت القصة نفسها بفشل محاولة أهل مكة. ومع ذلك فمن المحتمل أن تكون ثروة خديجة تأثرت تأثرًا شديدا نتيجة التزامات محمد [ ﷺ ] تجاه المعوزين من أتباعه، ونتيجة عداء كبار القوم من التجار ذوى النفوذ. ونجد القرآن الكريم هنا أيضا خاليا من
стр. 8988
الإشارة إلى هذه الواقعة التى تعتبرها كتب السيرة حدثا مهما فى حياة محمد [ ﷺ ].
وتتزايد الروايات فى المصادر عن أحداث السنوات الأخيرة التى قضاها محمد [ ﷺ ] فى مكة وما حولها من القرى قبل هجرته إلى المدينة، وإن كانت الأغراض والمصالح اللاحقتين قد صبغتا الكثير من هذه الروايات. وقد ذكر عروة بن الزبير أن محمدا [ ﷺ ] نجح فى استمالة بعض رجال مكة البارزين (ومن بينهم عمر بن الخطاب) إلى رسالته وذلك بعد هجرة عدد من أتباعه إلى الحبشة. ومع ذلك يمكن القول بوجه عام إن محاولته الإصلاح الدينى فى بلدته قد فشلت. وعندما ماتت زوجه خديجة وعمه أبو طالب فى فترة زمنية قصيرة، زاد وضعه حرجًا. وقد كان بإمكانه أن يعزى نفسه بأنه أدى مهمته كنذير، وأن إرادة اللَّه هى التى حالت دون خلاص قومه ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ سورة يونس آية ٩٩، ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، سورة الزخرف آية ٨٩. غير أن إحساسه بأنه هو الذى اختاره اللَّه لنشر الدعوة كان قد زاد تدريجيًا قوة إلى درجة أنه لم يستسلم [ ﷺ ] ولم يقبل أن يعيش خامل الذكر دون أن يدرك هدفه.
وقد حاول نشر دعوته فى الطائف، غير أن الروايات تذكر أن هذه المحاولة فشلت وعرّض نفسه أثناءها للخطر. وبعد رحلته إلى الطائف شمله رجل من مكة، هو مطعم بن عدى بحمايته حتى يأمن عند عودته إلى بلده، وهى قصة تؤكدها قصيدة لحسان بن ثابت.
وتذهب بعض كتب السيرة إلى أن قصة الإسراء الشهيرة حدثت خلال هذه الفترة العصيبة من حياة محمد [ ﷺ ]. ويقص ابن سعد قصة المعراج ثم قصة الإسراء على أنهما حادثتان مستقلتان وقعتا بعد زيارة محمد [ ﷺ ] للطائف. بل إنه يذكر تاريخين محددين لهاتين الحادثتين، قائلا إن معراج النبى [ ﷺ ] إلى السماء من موقع قرب الكعبة (بين مقام إبراهيم وزمزم) حدث
стр. 8989
فى ليلة السبت ٢٧ من رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا، وإن الإسراء به ليلا من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى ببيت المقدس حدث فى "الليلة السابعة عشرة من شهر ربيع الأول السابق للهجرة. والمعروف أن الروايات المتأخرة تربط بين هاتين القصتين فى سياق واحد. وينبغى أن نذكر أيضا أن روايات أخرى فى كتب السيرة تنسب هذين الحدثين إلى تواريخ متباينة من حياة النبى [ ﷺ ] بعد تكليفه بالرسالة.
فابن هشام يذكر الإسراء أولا ثم المعراج ويقول إنهما حدثا قبل وفاة خديجة وأبى طالب. أما الطبرى فلا يورد غير قصة المعراج من المسجد الحرام بمكة إلى السماء الدنيا ثم طواف جبريل به فى كل من السموات السبع، قبل أن يصحبه إلى الجنة. ويذهب الطبرى إلى أن المعراج حدث قبل نهوض محمد [ ﷺ ] بدعوة قومه إلى الإسلام. وبربط القصتين إحداهما بالأخرى قيل إن نهاية رحلة الإسراء كانت عند جبل المعبد بالقدس حيث أمَّ محمد [ ﷺ ] الأنبياء [﵇] قبله فى الصلاة، ثم عرج إلى السماء من عند نتوء صخرى عالٍ نجده اليوم فى قبة الصخرة الشهيرةً، ثم عاد جبريل ومحمد [﵉] إلى مكة وانتهت بعودتهما تلك الرحلة الليلية. وقد أدى ارتباط سيرة محمد [ ﷺ ] بجبل المعبد فى هذه القصة إلى أن أضحت القدس عند المسلمين ثالث المدن المقدسة بعد مكة والمدينة.
وقد ثابر محمد [ ﷺ ] فى سعيه إلى العثور على ميدان جديد لنشاطه خارج مكة رغم استقباله السيئ فى الطائف. فقد تكون تجربة الإسراء والمعراج قد رفعت من معنوياته لو أنها كانت قد حدثت فى تلك الفترة حتى لو أنها كانت بالروح لا بالجسد.
وقد كانت تفد إلى مكة قبائل عديدة لحضور أسواق الربيع والخريف، وكذا لأداء شعائر الحج عند الكعبة، وهو ما هيأ لمحمد فرصا ممتازة كى يحاول العثور على موطن جديد لنفسه ولأتباعه. وبعد عدة مفاوضات فاشلة، وجد تربة طيبة لمطامحه فى بعض
стр. 8990
رجال يثرب (التى سميت فيما بعد بالمدينة). وربما سهل عليه الوصول إلى اتفاق معهم وجود أقارب له فيها. من حسن الحظ أن لدينا معلومات عن الأحوال فى المدينة عشية ظهور الإسلام غير أنها لا تزال معلومات قليلة لا توفر إجابات عن الكثير من الأسئلة المهمة. غير أنه يمكننا أن نفترض أن كثرة عدد اليهود بها ساهمت فى إلمام سكانها العرب بفكرة التوحيد.
وما من شك مع ذلك فى أن أهل المدينة ما كانوا بالراغبين فى اجتذاب نبى (*) إليهم بقدر رغبتهم فى أن يكون بينهم زعيم سياسى يعيد تنظيم علاقاتهم السياسية التى حطمتها النزاعات القبلية البالغة ذروتها يوم بعاث والواقع أن المسئولية التى كان على محمد [ ﷺ ] أن يأخذها على عاتقه كانت مسئولية رهيبة. إذ كانت تعنى أنه سيكون مسئولا عن أمن أتباعه وسبل عيشهم وهم الذين سيقطعون صلاتهم بقبائلهم وأسرهم وأنه سيتحمل المسئوليات الجسيمة الملقاة على عاتقه فيما يتعلق بمن سيهاجر معه من أتباعه، كما سيواجه التحدى ألذى تمثله محاولة تسوية النزاعات بين قبائل غير معروفة لديه إلى حد كبير ويحمل بعضها لبعض أحقادا قديمة.
وهنا نلمس مشكلة من أعقد المشاكل فى سيرة محمد [ ﷺ ]، ألا وهى الازدواج الذى يواجهنا به. ذلك أن هذا المتحمس الملهم الورع الذى تركزت أفكاره أساسا حول يوم الحساب، والذى تحمل الإهانات والهجوم والذى لم يفكر إلا فى تردد ووجل فى احتمال المقاومة مقاومة إيجابية ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ سورة النحل آية ١٢٦, مفضلا أن يترك كل شئ لإرادة اللَّه يصنع ما يشاء، وأنه [ ﷺ ] دخل بهجرته إلى المدينة مرحلة دنيوية ظهر فيها سياسيًا عبقريًا فذا. غير أن النقطة الفاصلة هنا هى أن أهل المدينة ما كانوا بكل تأكيد ينشدون
стр. 8991
الخلاص على يديه من مشاكلهم الاجتماعية والسياسية ما لم تكن قدراته فى هذا المجال قد تركت فى نفوسهم انطباعا عميقا.
وبعد أن أقام محمد [ ﷺ ] علاقات مع بعض أهل المدينة القادمين إلى مكة للحج عام ٦٢١ م، بدأ هؤلاء فى نشر الإسلام فى المدينة جنبا إلى جنب مع رجال أرسلهم هو إليها. وهكذا تمكن بعد اجتماع تمهيدى فى العقبة من أن يعقد خلال حج العام التالى (سنة ٦٢٢ م) وفى المكان ذاته، اتفاقا رسميا مع عدد كبير من أهل المدينة، تعهدوا فيه نيابة عن مواطنيهم أن يأخذوه عندهم وأن يحموه حمايتهم لأى منهم، وهو تعهد يسرى أيضا كما أوضح التاريخ اللاحق- على أتباعه المكيين متى هاجروا إلى المدينة. ولا شك فى أن الروايات مصيبة إذ لم تذكر سوى وعد أهل المدينة بحماية محمد [ ﷺ ] دون التزام بأمر سواه.
وما كان بالوسع أن تبقى هذه المفاوضات سرا على أهل مكة. فما علموا بها حتى أثارت مرارة شديدة، وبدأت على حد قول عروة- فتنة ثانية تعرض لها المؤمنون، لابد أنها ثبتت عندهم قرار الهجرة إلى المدينة. وقد ذكر أنهم تسللوا فى جماعات كبيرة أو صغيرة حتى لم يبق بمكة سوى محمد [ ﷺ ] وأبى بكر وخادم لأبى بكر. وتقول روايات أخرى قد تكون شيعية إن عليا أيضا بقى فى مكة حتى اللحظة الأخيرة. والأرجح أن يكون تخلف محمد عن الآخرين جزءا من خطته أن تبقى الهجرة غير ملحوظة قدر الإمكان.
ومن الصعب أن نقدر مدى استطاعة قادة مكة أن ينجحوا لو أنهم شاءوا منع محمد [ ﷺ ] وأتباعه من الخروج، والراجح أن أهل مكة وقت الهجرة لم يكونوا يرون فى محمد [ ﷺ ] خطرا عليهم سواء بقى فى مكة أو رحل إلى المدينة. أما عن الرواية التى أضيفت إليها فيما بعد تفاصيل والتى تقول إن محمدًا [ ﷺ ] وأبا بكر بقيا فى مكة حتى غادرها غيرهما من المسلمين آمنين، ثم اختبآ فى غار بالطريق، فقد نجد لها سندا فى الآية ٤٠ من سورة التوبة، ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ
стр. 8992
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾.
* * *
لقد كان المسلمون على حق إذ اتخذوا من سنة هجرة محمد [ ﷺ ] وأتباعه من موطنه بمكة إلى يثرب (المدينة، أو مدينة النبى)، بداية لتقويمهم. فقد كانت بداية مرحلة دامت عشر سنوات من حياة محمد [ ﷺ ] أسس خلالها مجتمعا دينيا جديدا نما فى فترة قصيرة للغاية فأضحى نواة إحدى الحضارات الكبرى فى تاريخ العالم.
وقد وصل محمد [ ﷺ ] إلى قباء (وهى من ضواحى المدينة) يوم ١٢ من ربيع الأول من العام الهجرى الأول (٢٤ سبتمبر عام ٦٢٢ م).
وقد فرضت المهام التى كانت تنتظره عبئا عظيما تطلب قدرات دبلوماسية وتنظيمية كبيرة، فأثبت أنه كفء لمجابهة التحدى من جميع الوجوه.
لم يكن بوسع محمد [ ﷺ ] فى البداية أن يعتمد فى ثقة إلا على أولئك الذين هاجروا معه من مكة (وهم من سموا بالمهاجرين) وقد بات لهؤلاء الأتباع المخلصين -الذين بقوا على ولائهم لمحمد [ ﷺ ] وعلى إيمانهم بقضيته خلال الأعوام المكية العصيبة- مكانة خاصة بين المسلمين. وقد دخل الإسلام بعض أهل المدينة قبل وصول محمد [ ﷺ ] إليها، غير أنهم كانوا يشكلون نسبة صغيرة من سكان يثرب. وقد اعتنق أهل المدينة الإسلام، بطيئا فى بادئ الأمر، ثم فى أعداد أكبر. وقد سمى أولئك الذين أسلموا منهم أثناء حياة محمد [ ﷺ ] بالأنصار وباتت لهم أيضا مكانة خاصة داخل الأمة الإسلامية لا يعلوها غير مكانة المهاجرين. ولم يصادف محمد [ ﷺ ] معارضة مباشرة من قبل القبائل العربية فى المدينة إلا من بضع عشائر مثل أوس اللات. غير أنه كان ثمة عدد من الناس لم يعارضوه صراحة، وإن لم يقبلوا العلاقات الجديدة إلا على مضض. وكان من بين هؤلاء فئة أكثر إزعاجا للمسلمين من غيرها، التفت حول رجل من الخزرج هو عبد اللَّه بن
стр. 8993
أبى الذى ما كان يغفل كل فرصة بوسعه انتهازها من أجل إضعاف مركز محمد [ ﷺ ].
كان ثمة خطر آخر يتمثل فى استمرار جذوة النزاع القديم المرير بين الطائفتين الرئيسيتين بالمدينة، وهما الأوس والخزرج، وكان يمكن للنار أن تشتعل من جديد فى أية مناسبة.
وبالإضافة إلى القبائل العربية فى المدينة، كان هناك عدد من الجماعات اليهودية، وأهمها "الكاهنان" أى بنو النضير وبنو قريظة. ومن بين الجماعات اليهودية الأخرى كان بنو قينقاع فيما يبدو أهمها. وقد لعبت هذه القبائل اليهودية الثلاث دورا بارزا فى حياة المدينة بفضل ثرائها وبفضل ما كانت تلقاه من تأييد المستعمرات اليهودية فى خيبر والمستوطنات الأخرى فى الشمال. وقد كرس محمد [ ﷺ ] خلال عامه الأول فى المدينة جهدا كبيرا من أجل أن يقبل هؤلاء السكان اليهود المتكلمون بالعربية دعواه أنه رسول اللَّه. أما عن علاقاته بالمسيحيين فى المدينة فلا يمكن تخمين طبيعتها إلا من الإشارات الواردة فى القرآن الكريم إليهم. وبعد أن أصبح واضحا أن يهود المدينة لن يقبلوا دعواه النبوة، وردت بالقرآن آيات تعطى انطباعا بأن رأيه فى النصارى أضحى بالتدريج أكثر تعاطفا، ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ سورة المائدة ٨٢ و ٨٣، ﴿. . . وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً. . .﴾ سورة الحديد آية ٢٧.
وكان على محمد [ ﷺ ] أن يكون جماعة متآزرة من هذه العناصر المختلفة. وكانت أولى المشاكل كيفية توفير الوسائل اللازمة لإعاشة المهاجرين الذين كان معظمهم لا يملك شيئا. وقد خفف من حدة هذه المشكلة، بصورة مؤقتة على الأقل، مؤاخاة
стр. 8994
محمد [ ﷺ ] بين كل مهاجر ورجل من المدينة، غير أن الآية السادسة من سورة الأحزاب التى نزلت بعد موقعة بدر تفسر عادة على أنها إلغاء للمؤاخاة، على الأقل فيما يتعلق بالمواريث، ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾.
وقد يكون من بين الاعتبارات الأكثر أهمية فى إلغاء هذه الترتيبات الأولى بالمدينة الاتفاق الذى أبرمه محمد مع كافة القبائل والعشائر المهمة. ومن حسن الحظ أن ابن اسحاق حفظ لنا وثيقة بالغة الأهمية خاصة بهذا الاتفاق، تسمى عادة بدستور المدينة. ويبدو أن هذه الوثيقة لا تنتمى إلى عام محمد [ ﷺ ] الأول فى المدينة كما زعم البعض، حيث إنها تعكس التوتر اللاحق الذى طرأ على علاقة النبى [ ﷺ ] بالأطراف اليهودية فى التسوية. وينم الاتفاق عن مواهب محمد [ ﷺ ] الدبلوماسية العظيمة، إذ يضع فيه الاعتبارات العملية فى المقام الأول. صحيح أنه نص على أن الأمر للَّه ولرسوله يفصلان فى كافة الشؤون المهمة، غير أن الأمة كانت تشمل يهودا ووثنيين مما دعا إلى الاحتفاظ إلى حد كبير بالأشكال القانونية عند قبائل العرب القديمة. ولكن المواد التى نصت عليها هذه الوثيقة لم يكن لها مع ذلك أهمية عملية كبيرة ولم يذكرها القرآن البتة رغم قول بعض المفسرين إن الآية ٥٦ من سورة الأنفال تشير إليها ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾. وعلى أى الأحوال فقد باتت غير ذات موضوع بسبب التغير السريع الحاسم الذى طرأ على الأحوال فى المدينة.
ومن دلائل حكمة محمد [ ﷺ ] السياسية محاولاته الأولى فى المدينة استمالة اليهود هناك إلى دعوته بتأكيده على وجود أمور مشتركة بين العبادات اليهودية والعبادات الإسلامية. فقد فرض مثلا صوم العاشر من محرم على المسلمين، وكان فيما يبدو -صوما
стр. 8995
ليوم واحد على مدى أربع وعشرين ساعة، كصوم اليهود فى يوم الكفارة، وهو العاشر من شهر تشرى فى التقويم اليهودى. ويدلنا على أن هذه الشعيرة الإسلامية المؤقتة التى يبدو أنها لم تستمر إلا عاما واحدا مستمدة من عادة يهودية، فمجرد اسمها وهو "عاشوراء" المشتق من اللغة الأرامية والذى يطلقه بعض يهود شبه الجزيرة على يوم الكفارة يدل على ذلك.
أما صلاة الجماعة الأسبوعية الإسلامية، وهى التى ربما تكون قد فرضت قبل وصول محمد [ ﷺ ] إلى المدينة فهى تشبه ما يسمى عند اليهود بيوم الاستعداد للسبت وهو يوم يبدأ مساء يوم الجمعة عند غروب الشمس. ولذا فقد كان الجمعة فى المدينة فى زمن محمد [ ﷺ ] هو يوم السوق الأسبوعية الرئيسى، وفيه يتوافد على المدينة أكبر عدد من المسلمين من المناطق المجاورة، فيصبح أنسب الأوقات لاجتماع المسلمين فى صلاة جامعة.
وأما عن استقبال القدس الواقعة إلى الشمال أثناء الصلاة (وهو ما توقف بعد العام الأول من إقامة محمد [ ﷺ ] بالمدينة)، فإنه ليس من المؤكد ما إذا كان القصد منه استمالة يهود المدينة إلى الإسلام، حيث إن الروايات تختلف بصدد قبلة المسلمين فى مكة قبل الهجرة، ومن المستبعد أن يكون محمد [ ﷺ ] وأتباعه قد اتخذوا الكعبة قبل الهجرة قبلة لهم، وإلا لكان من الصعب تفسير اختلاف الروايات بصدد هذا الموضوع. فإن كان محمد وأصحابه يستقبلون بيت المقدس فى صلواتهم قبل الهجرة فإن هذا لا يعنى بالضرورة اقتداء باليهود حيث إن بيت المقدس كان القبلة فى صلاة جماعات أخرى فى الشرق الأدنى. وربما كان المسلمون يستقبلون الشرق فى صلواتهم بمكة شأن بعض الجماعات المسيحية [قبل تحول القبلة للقدس ثم للكعبة المشرفة].
أو ربما لم تكن لديهم قبلة على الإطلاق. وليس بالقرآن الكريم أى ذكر لهذه النقطة الفاصلة فى حياة النبى وفى نشأة الإسلام. وقد يكون من الأفضل قبول افتراض أن يكون المسلمون اتخذوا من بيت المقدس قبلة لهم خلال عام محمد [ ﷺ ] الأول فى المدينة كممارسة مؤقتة.
стр. 8996
فإن كان البعض قد رأى فى مبادرته على الفور بإقامة مكان للعبادة تقليدا لكنيس اليهود، فقد أورد كايتانى أسبابا قوية لاعتقاده أن هذا المكان لم يكن مبنى مخصصا للعبادة وحدها، حيث إن ما يسمى بالمسجد كان يستخدم أيضا فى أغراض دنيوية شتى، وكان فى الواقع مجرد دار يسكنها محمد [ ﷺ ] وأسرته، بينما كان الاجتماع للصلاة يتم فى المصلَّى. ومع ذلك فإن ما يسمى بمسجد ضرار فى الآية ١٠٧ من سورة التوبة ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، يبدو أنه كان كبناء شبيهًا بالكنيس اليهودى.
ورغم التشابه بين الإسلام واليهودية -كديانتى توحيد- فى بعض النقاط إلا أنه بدا واضحًا أن رغبة محمد [ ﷺ ] فى إسلام يهود المدينة لن تتحقق. فمع أنهم كانوا يتوقعون فى لهفة ظهور المسيح، فما كانوا على استعداد للاعتراف لعربى بأنه المسيح اليهودى الذى ينتظرونه منذ أمد طويل. وما لبث محمد [ ﷺ ] أن نعى على اليهود أنه لم يؤمن برسالته منهم غير نفر قليل، ﴿. . . وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ سورة آل عمران آية ١١٠. ونذكر بالأخص أن الاختلاف بين ما كان يتلوه من آيات يذهب إلى أنها مطابقة للكتاب الذى أنزل -من قبل- على موسى النبى ﵇، وبين ما كان يهود المدينة يعرفونه من كتابهم المقدس، أثار سخرية اليهود، خاصة أنه كان كثيرًا ما استشهد فى الماضى بأولئك الذين أوتوا الكتاب من قبل بحيث لم يستطع الآن أن يتجاهل هذا النقد.
فأكد القرآن أن اليهود لم يتلقوا غير جزء من الكتاب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ سورة النساء آية ٤٤، ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ سورة آل عمران آية ١١٩. وذهب إلى
стр. 8997
أنه حتى هذا الجزء الذى تلقوه يحوى عددًا من القوانين الخاصة التى وضعت لتناسب عصرًا ولّى، ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ سورة النساء آية ١٦٠، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ سورة الأنعام آية ١٤٦, ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ سورة النحل آية ١١٨. وقد تحدّاهم أن يظهروا توراتهم ﴿. . . قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ سورة آل عمران آية ٩٣، ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. .﴾ سورة النساء آية ٤٦. ثم اتهم معارضو محمد [ ﷺ ] فى المدينة بإخفاء أجزاء من كتابهم المقدس، ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة آية ٤٢، ﴿. . . وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة آية ١٤٦, ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ سورة البقرة آية ١٥٩، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ. . .﴾ سورة البقرة آية ١٧٤, إلى آخره. بل واتهمهم بوضع آيات والزعم بأنها فى كتابهم المقدس، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. . .﴾ سورة البقرة آية ٥٩، ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. . .﴾ سورة النساء آية ٤١، كذلك فقد اتجه إلى الاعتقاد بأن كتاب النصارى المقدس لم يحفظ الرسالة ولا تعاليم النبى عيسى ﵇ كما كانت فى الأصل.
ومع ذلك فقد ظل محمد [ ﷺ ]، كما كان فى الماضى لا يفكر إلا فى إصلاح الديانتين السابقتين وهداية مشركى قريش دين جديد وإنما كان سعيه منصبا على إعادة الديانة الحقة التى نادى بها الأنبياء [﵈] منذ البداية. ومن الواجب حول هذه النقطة أن نميز بين المعتقدات الدينية والصياغات
стр. 8998
الثيولوجية اللاحقة من جانب، وبين النتائج التى تتوصل إليها البحوث التاريخية والاجتماعية من جانب آخر.
فالمعتقد الإسلامى مثلا هو أن محمدًا "آخر وأعظم الأنبياء" وهو اعتقاد من الراجح أنه يقوم على تفسير لاحق لتعبير "خاتم النبيين" الذى وصفت النبى به الآية ٤٠ من سورة الأحزاب. كذلك فإنه ينظر إليه لا باعتباره "مؤسسا" بل مصدقا ومعيدا لبناء صرح عقيدة التوحيد القديمة الحقة التى نادى بها النبى إبراهيم. [﵇] وليس من المستغرب أن نجد المؤرخين ينظرون إلى بدء ورود هذه الأفكار فى القرآن خلال السنوات الأولى بعد الهجرة باعتباره بداية لنشأة جماعة دينية جديدة. ويبدو أن معارضة يهود المدينة له كان لها -بالأخص- تأثير كبير فى وضوح صورة الإسلام كدين متميز. ففى تلك المرحلة بالذات، ونتيجة لرفض اليهود الإيمان به، أضحى للجماعة الإسلامية الناشئة طابع خاص واضح. وقد حدث تغير حاسم فى مجرى الإسلام فى السنة الثانية للهجرة (يوليو ٦٢٣ - يونيو ٦٢٤ م). وكانت بداية هذا التغير "تحويل قبلة الصلاة" من القدس إلى الكعبة فى مكة، وهو ما تحدث عنه القرآن الكريم فى الآيات ١٤٢ - ١٤٥ من سورة البقرة: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ
стр. 8999
مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وهكذا أضحت مكة موطنه محور الدين الحق، وقبلة الصلوات اليومية، كما أصبحت الوجهة المنشودة للحج السنوى.
وقد أدى ربط الإسلام بأمة العرب إلى إضفاء الشرعية على محمد [ ﷺ ] وتوسيع سلطانه إذ يظهر بمظهر الداعى إلى إعادة ملة إبراهيم [﵇] التى أفسدها اليهود والنصارى. فقد غدا إبراهيم الآن الذى يزعم اليهود والنصارى معا أنه أصل عقيدتهم، الحنيف الأكبر وأول المسلمين، عكس الوثنيين، بل والآن عكس أهل الكتاب. ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا. . .﴾ سورة آل عمران آية ٦٧، ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ سورة البقرة آية ١٣٥، ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ سورة آل عمران آية ٩٥، وغير ذلك من الآيات التى يبدو أنها نزلت فى السنوات الأولى بعد الهجرة إلى المدينة. ثم قيل بعد ذلك إن إبراهيم وإسماعيل الذى يعتبر أبًا للعرب، قاما ببناء الكعبة ووضعا الشعائر التى تقام فيها، ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ١٢٥ -
стр. 9000
١٣٢. وكان على محمد أن يعيد الشعائر القديمة إلى أصلها من التوحيد بعد أن أفسدها المشركون. وليس بوسعنا أن نقطع بصدد ما إذا كان اعتبار إبراهيم أول الموحدين فكرة حين اختلف محمد مع يهود المدينة، أو أنها كانت قائمة بالفعل بين اليهود المستعربين مثلًا. وتقول الآية ٦٥ من سورة آل عمران إن أهل الكتاب عارضوا الفكرة ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
وبينما كانت هذه التطورات المهمة تجرى فى شعائر الإسلام، كان مركز محمد [ ﷺ ] الشخصى يتغير تدريجيًا بتغير الظروف. وقد ذكر دستور المدينة الذى أشرنا إليه أن كافة الأمور المهمة ينبغى أن يرجع فيها إلى اللَّه ورسوله. فأصبح الآن لزاما على المؤمنين إطاعة اللَّه والرسول، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ سورة آل عمران آية
١٣٢, ﴿. . . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ سورة النساء ١٣ و ١٤، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. .﴾ سورة النساء آية ٥٩. كذلك أصبح الآن لزامًا عليهم جنبًا إلى جنب مع الإيمان باللَّه "الإيمان" بالرسول، ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ سورة الفتح آية ٩، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا. . .﴾ سورة التغابن آية ٨. واللَّه هو مولى النبى، وكذا جبريل، والملائكة تؤازره ﴿. . . وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ سورة التحريم آية ٤.
وقد فرض اعتبار مكة مركز الدين على محمد [ ﷺ ] مهمة جديدة لاشك أنه توقعها. فما دامت زيارة الأماكن المقدسة فى مكة وما حولها واجبًا على المسلمين الذين رفض أهل مكة السماح لهم بدخولها، فقد أضحى محتما البحث عن