← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 8996–9035 · переход к 9001.

стр. 8996

فإن كان البعض قد رأى فى مبادرته على الفور بإقامة مكان للعبادة تقليدا لكنيس اليهود، فقد أورد كايتانى أسبابا قوية لاعتقاده أن هذا المكان لم يكن مبنى مخصصا للعبادة وحدها، حيث إن ما يسمى بالمسجد كان يستخدم أيضا فى أغراض دنيوية شتى، وكان فى الواقع مجرد دار يسكنها محمد [ ﷺ ] وأسرته، بينما كان الاجتماع للصلاة يتم فى المصلَّى. ومع ذلك فإن ما يسمى بمسجد ضرار فى الآية ١٠٧ من سورة التوبة ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، يبدو أنه كان كبناء شبيهًا بالكنيس اليهودى. ورغم التشابه بين الإسلام واليهودية -كديانتى توحيد- فى بعض النقاط إلا أنه بدا واضحًا أن رغبة محمد [ ﷺ ] فى إسلام يهود المدينة لن تتحقق. فمع أنهم كانوا يتوقعون فى لهفة ظهور المسيح، فما كانوا على استعداد للاعتراف لعربى بأنه المسيح اليهودى الذى ينتظرونه منذ أمد طويل. وما لبث محمد [ ﷺ ] أن نعى على اليهود أنه لم يؤمن برسالته منهم غير نفر قليل، ﴿. . . وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ سورة آل عمران آية ١١٠. ونذكر بالأخص أن الاختلاف بين ما كان يتلوه من آيات يذهب إلى أنها مطابقة للكتاب الذى أنزل -من قبل- على موسى النبى ﵇، وبين ما كان يهود المدينة يعرفونه من كتابهم المقدس، أثار سخرية اليهود، خاصة أنه كان كثيرًا ما استشهد فى الماضى بأولئك الذين أوتوا الكتاب من قبل بحيث لم يستطع الآن أن يتجاهل هذا النقد. فأكد القرآن أن اليهود لم يتلقوا غير جزء من الكتاب ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ سورة النساء آية ٤٤، ﴿هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ سورة آل عمران آية ١١٩. وذهب إلى

стр. 8997

أنه حتى هذا الجزء الذى تلقوه يحوى عددًا من القوانين الخاصة التى وضعت لتناسب عصرًا ولّى، ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ سورة النساء آية ١٦٠، ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ سورة الأنعام آية ١٤٦, ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ سورة النحل آية ١١٨. وقد تحدّاهم أن يظهروا توراتهم ﴿. . . قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ سورة آل عمران آية ٩٣، ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. .﴾ سورة النساء آية ٤٦. ثم اتهم معارضو محمد [ ﷺ ] فى المدينة بإخفاء أجزاء من كتابهم المقدس، ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة آية ٤٢، ﴿. . . وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة آية ١٤٦, ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ سورة البقرة آية ١٥٩، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ. . .﴾ سورة البقرة آية ١٧٤, إلى آخره. بل واتهمهم بوضع آيات والزعم بأنها فى كتابهم المقدس، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. . .﴾ سورة البقرة آية ٥٩، ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ. . .﴾ سورة النساء آية ٤١، كذلك فقد اتجه إلى الاعتقاد بأن كتاب النصارى المقدس لم يحفظ الرسالة ولا تعاليم النبى عيسى ﵇ كما كانت فى الأصل. ومع ذلك فقد ظل محمد [ ﷺ ]، كما كان فى الماضى لا يفكر إلا فى إصلاح الديانتين السابقتين وهداية مشركى قريش دين جديد وإنما كان سعيه منصبا على إعادة الديانة الحقة التى نادى بها الأنبياء [﵈] منذ البداية. ومن الواجب حول هذه النقطة أن نميز بين المعتقدات الدينية والصياغات

стр. 8998

الثيولوجية اللاحقة من جانب، وبين النتائج التى تتوصل إليها البحوث التاريخية والاجتماعية من جانب آخر. فالمعتقد الإسلامى مثلا هو أن محمدًا "آخر وأعظم الأنبياء" وهو اعتقاد من الراجح أنه يقوم على تفسير لاحق لتعبير "خاتم النبيين" الذى وصفت النبى به الآية ٤٠ من سورة الأحزاب. كذلك فإنه ينظر إليه لا باعتباره "مؤسسا" بل مصدقا ومعيدا لبناء صرح عقيدة التوحيد القديمة الحقة التى نادى بها النبى إبراهيم. [﵇] وليس من المستغرب أن نجد المؤرخين ينظرون إلى بدء ورود هذه الأفكار فى القرآن خلال السنوات الأولى بعد الهجرة باعتباره بداية لنشأة جماعة دينية جديدة. ويبدو أن معارضة يهود المدينة له كان لها -بالأخص- تأثير كبير فى وضوح صورة الإسلام كدين متميز. ففى تلك المرحلة بالذات، ونتيجة لرفض اليهود الإيمان به، أضحى للجماعة الإسلامية الناشئة طابع خاص واضح. وقد حدث تغير حاسم فى مجرى الإسلام فى السنة الثانية للهجرة (يوليو ٦٢٣ - يونيو ٦٢٤ م). وكانت بداية هذا التغير "تحويل قبلة الصلاة" من القدس إلى الكعبة فى مكة، وهو ما تحدث عنه القرآن الكريم فى الآيات ١٤٢ - ١٤٥ من سورة البقرة: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣) قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ

стр. 8999

مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. وهكذا أضحت مكة موطنه محور الدين الحق، وقبلة الصلوات اليومية، كما أصبحت الوجهة المنشودة للحج السنوى. وقد أدى ربط الإسلام بأمة العرب إلى إضفاء الشرعية على محمد [ ﷺ ] وتوسيع سلطانه إذ يظهر بمظهر الداعى إلى إعادة ملة إبراهيم [﵇] التى أفسدها اليهود والنصارى. فقد غدا إبراهيم الآن الذى يزعم اليهود والنصارى معا أنه أصل عقيدتهم، الحنيف الأكبر وأول المسلمين، عكس الوثنيين، بل والآن عكس أهل الكتاب. ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا. . .﴾ سورة آل عمران آية ٦٧، ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ سورة البقرة آية ١٣٥، ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ سورة آل عمران آية ٩٥، وغير ذلك من الآيات التى يبدو أنها نزلت فى السنوات الأولى بعد الهجرة إلى المدينة. ثم قيل بعد ذلك إن إبراهيم وإسماعيل الذى يعتبر أبًا للعرب، قاما ببناء الكعبة ووضعا الشعائر التى تقام فيها، ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ١٢٥ -

стр. 9000

١٣٢. وكان على محمد أن يعيد الشعائر القديمة إلى أصلها من التوحيد بعد أن أفسدها المشركون. وليس بوسعنا أن نقطع بصدد ما إذا كان اعتبار إبراهيم أول الموحدين فكرة حين اختلف محمد مع يهود المدينة، أو أنها كانت قائمة بالفعل بين اليهود المستعربين مثلًا. وتقول الآية ٦٥ من سورة آل عمران إن أهل الكتاب عارضوا الفكرة ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وبينما كانت هذه التطورات المهمة تجرى فى شعائر الإسلام، كان مركز محمد [ ﷺ ] الشخصى يتغير تدريجيًا بتغير الظروف. وقد ذكر دستور المدينة الذى أشرنا إليه أن كافة الأمور المهمة ينبغى أن يرجع فيها إلى اللَّه ورسوله. فأصبح الآن لزاما على المؤمنين إطاعة اللَّه والرسول، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ سورة آل عمران آية ١٣٢, ﴿. . . وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ سورة النساء ١٣ و ١٤، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ. .﴾ سورة النساء آية ٥٩. كذلك أصبح الآن لزامًا عليهم جنبًا إلى جنب مع الإيمان باللَّه "الإيمان" بالرسول، ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ سورة الفتح آية ٩، ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا. . .﴾ سورة التغابن آية ٨. واللَّه هو مولى النبى، وكذا جبريل، والملائكة تؤازره ﴿. . . وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ سورة التحريم آية ٤. وقد فرض اعتبار مكة مركز الدين على محمد [ ﷺ ] مهمة جديدة لاشك أنه توقعها. فما دامت زيارة الأماكن المقدسة فى مكة وما حولها واجبًا على المسلمين الذين رفض أهل مكة السماح لهم بدخولها، فقد أضحى محتما البحث عن

стр. 9001

وسيلة تجبر المكيين على الإذن لهم بالدخول، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ سورة الحج آية ٢٥. وقد جاء الدخول إثر صدور أمر إلهى جديد تسميه كتب السيرة "الإذن بقتال المشركين" (*). فأما عن الأنصار فلم يكونوا ملزمين بغير الدفاع عن محمد [ ﷺ ] لو أنه هوجم، ولم يكن كفار مكة على استعداد لإرضائه بالبدء بالهجوم عليه، صحيح أن المهاجرين لم يكونوا مقيدين بهذا الشرط، غير أن مشاعرهم العربية كانت تأبى عليهم أن يحاربوا أبناء قبيلتهم وأقرباءهم. وقد ضايقته اعتراضاتهم إلى حد جعله يعاتب أتباعه عتابًا قويًا -وهنا جاء قول اللَّه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ سورة البقرة آية ٢١٦, ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨) أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ سورة الحج الآيات ٣٨ - ٤٠. وبعد إرساله لأشخاص مختلفين بجماعات صغيرة مسلّحة لم تفلح فى لقاء العدو، أرسل بعض أتباعه إلى نخلة حيث نجحوا فى الاستيلاء على غنائم قافلةء وقتلوا أحد المكيين، ربما عن غير قصد، رغم أنهم كانوا فى شهر رجب أحد الشهور المقدسة التى حُرّم فيها القتال. وقد أرسلت الغنيمة الوفيرة إلى المدينة حيث هبت عاصفة من الغضب تركها محمد [ ﷺ ] حتى هدأت، ثم طمأنهم بالآية ٢١٧ من سورة البقرة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ

стр. 9002

قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ. . .﴾. وكان لنجاح الغزوة من الأثر فى المدينة أن عرض الأنصار -لا المهاجرون وحدهم- خدماتهم حين دعا محمد [ ﷺ ] أتباعه فى رمضان من العام الثانى للهجرة إلى غارة جديدة يقودها بنفسه. ذلك أنه علم أن قافلة مكية وافرة السلع كانت فى طريقها عائدة من الشام فقرر رصد كمين لها عند بدر. غير أن أبا سفيان الحذر الذى كان يقود القافلة علم بخطة محمد [ ﷺ ]، وبعث برسله مسرعين إلى مكة يطلب النجدة. وقبل أن يصل جيش مكة ويعسكر عند بدر، كانت القافلة قد وصلت مكة آمنة بعد اتخاذها طريقا جانبيا محاذيا للساحل. وقد أغضب ذلك أهل مكة وعلى رأسهم أبوجهل أحد السادة المكيين البارزين. ويقال: إن جيشهم كان ثلاثة أضعاف عدد جيش محمد [ ﷺ ] الذى قيل: إنه كان من نحو ثلاثمائة رجل. وما كان أهل مكة ليضيعوا هذه الفرصة دون إنزال العقاب بعدوهم. وبعد نزول المكيين بمعسكرهم قرب بدر بقليل، وصل محمد [ ﷺ ] وأصحابه متوقعين أن يجدوا قافلة أبى سفيان العزلاء. وحين تبين لهم أن القافلة قد هربت وأنهم بصدد مواجهة حربية وشيكة مع أهل مكة وحلفائهم، انتابهم الفزع، ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ سورة الأنفال الآيات ٥ - ١٠. وقد رأى محمد [ ﷺ ] فى هذا اللقاء إرادة اللَّه الذى شاء أن يفرض على المشركين حربًا، وقد قتل فى الموقعة عدد من أهل

стр. 9003

مكة، من بينهم أبو جهل، بينما أسر عدد آخر منهم العباس عم النبى [ ﷺ ] وسيقوا أسرى إلى المدينة حيث أمر محمد [ ﷺ ] بقتل اثنين منهم هما: النضر بن الحارث وعقبة بن أبى معيط، وعرض إطلاق سراح الآخرين مقابل الفدية. وقد أضحى لموقعة بدر هذه التى قد تبدو لأعيننا صغيرة غير ذات شأن، أهمية كبرى فى تاريخ الإسلام. وقد رأى محمد [ ﷺ ] فى هذا النصر تأكيدا قويا لإيمانه بوحدانية اللَّه وبرسالته، ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سورة الأنفال آية ١٧، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ سورة الأنفال آية ٦٥، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة آل عمران آية ١٢٣. وحيث إن مدينة مكة التجارية كانت تتمتع بسمعة عظيمة فى شبه الجزيرة العربية، كان لابد للمنتصر على قواتها فى معركة أن يجذب اهتمام الكافة إليه. ولذا فقد رأى محمد [ ﷺ ] نشاطا أكبر من ذى قبل واستطاع أن يستغل المزايا التى أحرزها. فبعد أن وضع ترتيبات افتداء الأسرى من أهل مكة، بدأ فى محاصرة قبيلة بنى قينقاع اليهودية فى حصونها. ولم يجرؤ المنافقون أن يعارضوه معارضة جادة بإبداء تأييدهم لبنى قينقاع صراحة، فى حين تخلت الجماعات اليهودية الأخرى عن إخوتهم فى الدين، فاضطرت هذه القبيلة اليهودية الأولى إلى ترك المدينة، وهاجروا إلى مستوطنات يهودية أخرى فى الشمال، ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ سورة الحشر آية ١٤. ولكى يحمى نفسه وأتباعه من هجمات عدو آخر فى الجزء الشمالى من الحجاز، انتهج محمد [ ﷺ ] فى تلك الفترة خطة هى دليل آخر على قدراته

стр. 9004

السياسية العظيمة. فقد أبرم تحالفات مع عدد من قبائل البدو تلزم كلا من الطرفين بمساعدة الطرف الثانى. وفى العام الثالث الهجرى (٦٢٤ - ٦٣٥ م) واصل محمد [ ﷺ ] هجومه على قوافل مكة مما رأت قريش معه فى النهاية ضرورة اتخاذ إجراءات أقوى والثأر لأنفسهم من هزيمة بدر. لذلك أعدت جيشا قيل إنه من ثلاثة آلاف رجل خرج فى مظاهرة كبيرة قاصدا المدينة بقيادة أبى سفيان الذى كان واضحًا أنه بات أبرز زعماء مكة بعد وفاة أبى جهل. ورغم أن عددًا من أصحاب محمد [ ﷺ ] نصحوه بأن يقيم دفاعه داخل حدود المدينة، فقد قرر الخروج بقواته التى نقص عدد أفرادها بدرجة كبيرة، وفى اللحظة الأخيرة حين انسلخ عنها المنافقون، والتى استقرت عند سفح تل أُحد. وقد كان النصر فى البداية حليف المسلمين رغم التفوق العددى لجيش مكة، بيد أنه ما إن ترك عدد من الرماة المسلمين الذين كانوا يحمون جناح جيشهم مكانهم على التل -مخالفين بذلك أمرًا مشددًا من محمد [ ﷺ ] لمطاردة بعض مقاتلى مكة، بدوا وكأنهم يتقهقرون، حتى تمكن خالد بن الوليد، ذلك الاستراتيجى العسكرى الحاذق، من أن يحتل موقعا ممتازا عند سفح أحد، عندئذ انقلبت الأوضاع، وشروع الكثير من المسلمين فى الهرب خاصة حين انتشرت إشاعة مقتل النبى [ ﷺ ] ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ. . .﴾، سورة آل عمران آية ١٤٤. والحقيقة أنه جرح فحسب واستطاع النجاة مع عدد من أتباعه المخلصين عن طريق وادٍ عند السفح الجنوبى للتل. كان من حسن حظه أن المكيين لم يصلوا نصرهم بمطاردة المنهزمين، إذ اعتقدوا أنهم عاقبوا محمدا [ ﷺ ] بما فيه الكفاية وأنقذوا سمعتهم، فانصرفوا عائدين سريعا إلى مكة. وهكذا نجا النبى [ ﷺ ] من مصير رهيب، وإن كان قد فجع فى كثير من أصحابه الذين قتلوا فى المعركة، ومن بينهم عمه حمزة، وقد حاول بكل ما أوتى من فصاحة أن يرفع من معنويات أتباعه سواء بالنصح أو بالتقريع، وقد نزلت فى هذه

стр. 9005

المناسبة: الآيات ١١٨ و ١٢٠ - ١٢٢ من سورة آل عمران وكذلك الآيات ١٣٩ - ١٥٤ من السورة ذاتها. وقد نجح محمد [ ﷺ ] فى أن يحول دون وقوع عواقب سلبية فى المدينة لهزيمة أحد. غير أن بعض يهود المدينة الذين لم يشتركوا فى القتال لم يخفوا فرحهم بما أصاب محمدا. لذلك كان من الضرورى أن يجعل منهم عبرة للآخرين، ووجد قبيلة يهودية ثانية بالمدينة، هى بنو النضير، هدفا مناسبا، إذ أقدموا على تصرف بررّ ما صنعه بهم. ورغم أن الروايات تنسب إليهم ارتكاب جرائم مختلفة، فإنه من الصعب أن نحدد بالضبط ما اقترفوه. فالآية ٤ من سورة الحشر تكتفى باتهامهم بأنهم ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وقد اضطروا بعد حصار عدة أسابيع إلى الهجرة من المدينة إلى خيبر وغيرها من المستوطنات اليهودية فى الشمال، مخلفين وراءهم أسلحتهم وذهبهم وفضتهم غنيمة وفيرة، احتفظ بها النبى (*) فى هذه المناسبة لنفسه ولم يوزعها، ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧) لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ سورة الحشر الآيات ٦ - ٨. وبينما كان محمد [ ﷺ ] يحاول استعادة سلطته التى أضعفتها هزيمة أحد، دهمه ودهم المدينة خطر جديد مصدره مكة. فقد أدركت قريش التى

стр. 9006

كان لا يزال يهاجم قوافلها والتى كان يهود خيبر يستحثونها أن نصر أحد لم يضعف مركز محمد [ ﷺ ] بالقدر الكافى، وأدركت ضرورة احتلالها للمدينة، وهو ما كان ينبغى عليها القيام به فور انتصارهم فى أحد. وقد أدى شعورهم بضعف كفاءتهم الحربية وهم التجار قليلو الخبرة بالقتال، إلى الجد فى التفاوض مع قبائل شتى من البدو، مما مكنهم من حشد جيش كبير قيل إنه كان مؤلفا من عشرة آلاف مقاتل. وساروا عام ٥ هـ/ ٦٢٦ - ٦٢٧ إلى المدينة. وقد تعددت الروايات عن الفصل الذى حدثت خلاله الغزوة، إذ يقول بعضها إنها كانت بعد شهر من جمع محصول الشعير، بينما يتحدث البعض عن أن الجو وقتها كان شتويا باردا عاصفا. والقول الثانى تؤيده قصيدة لحسان بن ثابت والآية التاسعة من سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا. .﴾. ويمكن التوفيق بين هاتين الروايتين بالقول باحتمال أن يكون الحصار قد استمر زمنا طويلا. وقد أثار زحف هذا الجيش الهائل وجلا عظيما فى المدينة، زاد منه موقف المنافقين المتذبذب، واكتشاف تآمر بين اليهود والعدو، أو ربما كان مجرد شك ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ الأحزاب ١٠ - ١٣. ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ الأحزاب الآيات ٢٦ و ٢٧. ولكى يقوى محمد [ ﷺ ] من دفاعه

стр. 9007

أمر بحفر خندق -وخندق كلمة فارسية- حيال المناطق العارية من الدفاع فى المدينة ولا تذكر سيرة ابن هشام أن فكرة الخندق كانت فكرة سلمان الفارسى. غير أن ثمة روايات أخرى تقول إن سلمان اقترح على محمد [ ﷺ ] حفر الخندق الذى يقال إنه من الاستراتيجيات العسكرية الفارسية. ورغم بساطة الخندق تبين أنه كان حائلًا كافيا دون عبور العدو قليل الخبرة بمثل هذه الفنون الحربية، مما أطال تدريجيا من أمر الحصار. وقد استغل محمد [ ﷺ ] الوقت فى إجراء مفاوضات سرية مع قبيلة غطفان، وبذر بذكائه بذور الشقاق والشك بين صفوف أعدائه. وعندما ساءت الأحوال الجوية ألقى فى أيدى العدو المحاصر فشرع تدريجيا فى الانسحاب. وهكذا فشلت آخر محاولة لقريش لهزيمة محمد عن طريق استخدام القوة. غير أن غزوة الخندق هذه التى تكاد تكون خالية من الأحداث المثيرة، كانت مأساة دموية بالنسبة لجماعة من سكان المدينة. ذلك أنه ما انسحب المكيون وحلفاؤهم حتى أعلن النبى [ ﷺ ] الحرب على آخر قبيلة يهودية كبيرة فى المدينة، وهى قبيلة بنى قريظة، وبدأ فى حصار قلاعهم. وإذ أدرك اليهود حرج موقفهم، طمعوا فى النجاة على نحو نجاة بنى النضير وبنى قينقاع خاصة أن حلفاءهم من قبيلة الأوس القوية كانوا يحاولون جاهدين إقناع محمد [ ﷺ ] بانتهاج سبيل الرحمة معهم. غير أنه فى هذه المرة لم يقبل التساهل معهم على نحو ما فعل مع القبيلتين الأخريين. ويقول ابن هشام إن كافة الرجال -وعددهم ما بين ستمائة وتسعمائة ضربت أعناقهم بناء على مشورة سعد بن معاذ، وهو من الأوس، وأن أموالهم قسمت بين المسلمين، وأسر نساؤهم وأطفالهم. اقترب النبى [ ﷺ ] من إرساء دعائم أمة على أساس دينى محض. ومع ذلك فقد أذن لبعض اليهود من عشائر أخرى بالبقاء فى المدينة. وقد كان فشل حصار أهل مكة للمدينة، واستئصال تلك القبيلة من اليهود التى كانت آخر قبائلهم الكبيرة

стр. 9008

فيها، إحدى نقاط التحول الرئيسية فى حياة محمد [ ﷺ ] فى نشأة الأمة الإسلامية فنحن نعلم أنه بعد نحو ستة أشهر من وصوله إلى المدينة أرسل أول جماعة مغيرة مسلمة بقيادة عمه حمزة لمهاجمة قافلة مكية. وقد واصل منذ ذلك الحين مهاجمة القوافل المكية حتى حدثت غزوة الخندق وحتى استأصل بنى قريطة فتوقفت هذه الهجمات ووجه النبى [ ﷺ ] اهتمامه إلى الشمال. وقد قاد النبى [ ﷺ ] بنفسه غزوتين من تلك الغزوات فى الشمال، إحداهما ضد بنى لحيان فى بداية العام السادس الهجرى (منتصف ٦٢٧ م) وانتهت دون أى قتال والأخرى وهى الأشهر -ضد بنى المصطلق، وقد حدثت فى طريق العودة منها القصة المشهورة عن عائشة وحديث الإفك الذى هدد بقاءها زوجة للنبى لولا الآيات القرآنية التى برأتها: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ سورة النور آية ٤؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ سورة النور آية (١١) والأهم من ذلك فيما يتعلق ببدايات تاريخ الإسلام، هو أن قصة عائشة هذه تسببت فى نشوء صراع خطير فى صفوف المهاجرين البارزين كما تسببت فى صراع بين المهاجرين والأنصار استمر حتى ما بعد وفاة محمد [ ﷺ ]. وقد يفسر لنا هذا الهرج السياسى عقب غزوة بنى المصطلق حقيقة أن هذه الغزوة المهمة التى قادها محمد [ ﷺ ] تختلف المصادر فيما بينها اختلافا كبيرا حول تاريخها فابن هشام يؤكد أن هذه الغزوة حدثت فى الشهر الثامن (شعبان) من العام السادس الهجرى بعد غزوة ذى قرد (المسماة أيضا بغزوة الغابة)، التى يذكر عادة أنها الغزوة التاسعة عشرة التى يقودها النبى [ ﷺ ] بنفسه، فى حين ينقل ابن سعد عن الواقدى أن غزوة بنى المصطلق حدثت فى شعبان من العام الخامس الهجرى بعد غزوة دومة الجندل التى يذكر عادة أنها غزوة محمد [ ﷺ ] الخامسة عشرة. وهذا الاختلاف يثبت صعوبة أو استحالة

стр. 9009

الوصول إلى ترتيب زمنى دقيق للأحداث فى حياة محمد [ ﷺ ] وحتى فيما يتعلق بالفترة المدنية التى يتوفر لدينا كثير من الأخبار عنها. وقرب نهاية العام السادس الهجرى رأى محمد [ ﷺ ] أن مركزه فى المدينة أصبح من الثبات بحيث يمكنه الإقدام على خطوة أكبر. لقد كان هو وأتباعه لا يزالون ممنوعين من زيارة مكة والأماكن المقدسة بها. غير أنه علم عن طريق عيونه فى مكة -وربما كان عمه العباس من بينهم- أن المشاعر فى مكة بدأت تتحول تدريجيا فى جانبه ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ سورة الممتحنة آية ٧. وفى شهر ذى القعدة من العام السادس (مارس ٦٢٨ م) أمر أتباعه بأن يهيئوا الذبائح للقيام بعمرة معه فى مكة ذاكرًا أن اللَّه قد وعده فى رؤيا له بنجاح هذا الحلم القديم ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ سورة الفتح آية ٢٧. وكان الكثيرون فى مكة يميلون إلى تمكينه من بُغيته غير أن الحزب المتشدد كان لا يزال قويا وأرسل جماعة مسلحة للقائد ومنعه من دخول مكة. لذلك عسكر عند الحديبية حيث شرع فى التفاوض مع بعض كبار أهل مكة. وحين فشلت هذه المفاوضات أرسل عثمان، الذى ضمنت له صلاته العائلية الحماية ممثلا له إلى مكة. فلما غاب عثمان عدة أيام شاع الخبر بين المسلمين أنه قتل، فتوتر الوضع، وقطع محمد [ ﷺ ] المفاوضات. وجمع أتباعه تحت شجرة وطلب منهم أن يبايعوه على القتال فى سبيل اللَّه إلى النهاية، وهو ما فعله كافتهم تقريبًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ سورة الفتح آية ١٠؛ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ سورة الفتح آية ١٨.

стр. 9010

وبعد ذلك بقليل وصل عدد من رجال مكة ومعهم عثمان يعرضون حلا وسطا، هو أن يعود المسلمون أدراجهم هذه المرة دون عمرة، على أن يسمح لهم بأداء العمرة فى العام التالى. وقد قبل محمد [ ﷺ ] العرض وأبرم مع قريش هدنة مدتها عشر سنوات واعدا بتسلمهما كافة المكيين من الرقيق والموالى الذين يلجأون إلى المدينة. وقد غضب بعض أتباعه عند سماعهم الشروط التى قبلها النبى [ ﷺ ]، إذ كانوا مصممين على أداء شعائر العمرة فى مكة ذلك العام. غير أنّ محمدًا [ ﷺ ] أمر فى هدوء بذبح الهدى الذى أحضروه معهم والذى كان المفروض أن يذبحوه أثناء العمرة فى مكة، ثم حلق رأسه وأجبر أتباعه المتذمرين بأن يحذوا حذوه وما أدركوا إلا بعد مدة أن محمد [ ﷺ ] قام بحركة دبلوماسية باهرة بإبرامه صلح الحديبية، إذ جعل أهل مكة يعترفون به ندا لهم. وعقد معهم صلحا يبشر بالخير فى المستقبل، وكسب إعجاب الكثيرين فى مكة. وثمة ما يدل على أن عددا من قادة مكة كانوا قد غدوا على استعداد لهجر وثنيتهم إلى التوحيد. وفى مستهل العام السابع الهجرى (٦٢٨ - ٦٢٩ م) فتح الرسول [ ﷺ ] خيبر التى يسكنها اليهود. وكان هذا هو أول فتح حقيقى للمسلمين. وقد استن فى هذه المناسبة سنة صارت تطبق بعد ذلك على اليهود والنصارى القابلين للعيش تحت حكم المسلمين. فهو لم يقتل المهزومين ولم ينفهم وإنما فرض عليهم الجزية كل عام. وقد كانت هذه الغزوة التى تلاها ضم محمد [ ﷺ ] المستعمرات اليهودية فى وادى القرى سببا فى إثراء أمة المسلمين لأول مرة ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ سورة الفتح الآيات ٢٠، ٢١. وتقول الروايات إن هذه هى الفترة -رغم الاختلاف حول تحديد التاريخ بدقة- التى أوفد فيها النبى [ ﷺ ] الرسائل إلى المقوقس عظيم القبط فى

стр. 9011

مصر ونجاشى الحبشة وهرقل الإمبراطور البيزنطى وملك فارس، وعدد آخر من الحكام يطالبهم باعتناق الإسلام. والرسائل بالصيغة التى وصلت إلينا لا يمكن قبول صحتها حيث إنها تحوى من التفاصيل ما يعكس مرحلة تالية من تاريخ الإسلام، بل إنه حتى لو نحن أغفلنا بعض هذه التفاصيل مما قد يكون أقحم فيما بعد فى الرسائل فإن فحوى الرسائل لا يمكن أن تبرر تقبل معظم الناس لها. ذلك أنه من غير المعقول أن يقبل محمد [ ﷺ ] وهو السياسى والدبلوماسى المحنك، على اتخاذ هذه الخطوة قبل فتحه لمكة، وإن كان من غير المستبعد أن يكون قد بعث برسائل إلى ولاة امبراطورى بيزنطة وفارس على الحدود الشمالية من شبه الجزيرة العربية وفى اليمن، كذلك فإنه بوسعنا أن نقبل دون تردد أنه كان يراسل نجاشى الحبشة. قد يكون صحيحا أن ثمة آيات مدنية فى القرآن تتجاوز المفهوم السابق عن أنه بعث نبيا إلى العرب. غير أنه حتى تلك الآيات التى كثيرا ما يشار إليهاء على أنها دليل على أنه كان يؤمن بأن رسالته هى للعالم أجمع لا تدل على ذلك إلا إن نحن تجاوزنا معناها الحرفى إلى تفسير أوسع. فمن المشكوك فيه أن يكون محمد قد اعتبر أمته القائمة على أساس اجتماعى دينى والتى أسسها فى المدينة، نواة دين عالمى كما اعتقد نولدكه وجولدزيهر وتوماس آرنولد مثلا. أما النتائج التى استخلصها سنوك هورجرونجى وهنرى لامانس فأكثر اتفاقا مع دلالات القرآن (*).

стр. 9012

والحقيقة أن محمدا [ ﷺ ] وهو فى ذروة قوته لم يجبر اليهود والنصارى الذين يعيشون فى شبه الجزيرة العربية قط على اعتناق الإسلام، وإنما قنع بخضوعهم السياسى ودفعهم الجزية. والنتيجة السليمة إذن هى رفض الصياغة الراهنة لتلك الروايات التى تؤكد أن محمدا [ ﷺ ] سعى إلى إقناع إمبراطورَىّ بيزنطة وفارس وغيرهما من كبار الحكام خارج شبه الجزيرة باعتناق الإسلام، وأن نبحث عن الأسس التاريخية الحقيقية فى المفاوضات ذات الطابع السياسى الغالب كتلك التى دارت مثلا مع مقوقس مصر الأكثر تعاطفا مع محمد [ ﷺ ] والذى قيل إنه الشخص الذى أهدى إلى النبى [ ﷺ ] مارية القبطية التى ولدت له إبراهيم، فمات للأسف وهو رضيع قبل أشهر قلائل من وفاة محمد [ ﷺ ] نفسه. ومع ذلك فقد تغيرت فى ذلك الوقت طبيعة رسائل النبى [ ﷺ ] الموثوق بصحتها إلى القبائل العربية، إذ لم يعد قانعا باتفاق سياسى بحت، بل أصبح الآن وقد توطدت دعائم سلطته، يطالبهم أيضا باعتناق الإسلام بما يفرضه من أداء الصلاة وإيتاء الزكاة. بل وقد أعطى محمد [ ﷺ ] قبيلة جذام على ساحل الشام أمانا مدته شهران عليها بعدهما أن تختار لنفسها أمرا. وفى أواخر العام السابع الهجرى (مارس ٦٢٩ م) أدى محمد [ ﷺ ] العمرة التى نص عليها صلح الحديبية، وأدى مناسكها عند الكعبة وفى الحرم المكى. وقد كان من بواعث رضاه الشديد. وهو الذى طُرد من بلدته قبل سبع سنوات. أن يتمكن الآن من زيارة مكة بصفته سيد المدينة غير المنازع. وقد كان من بين الإنجازات المهمة التى حققها خلال إقامته هذه بمكة مصالحته لعشيرته من بنى هاشم، وهى مصالحة

стр. 9013

توجها زواجه من ميمونة بنت الحارث أخت زوجة عمه العباس الذى كان وقتها سيد العشيرة. وتذهب بعض المصادر إلى أن العباس كان حتى قبل ذلك حليفا سريا لمحمد [ ﷺ ]. كذلك فإنه مما كان له أهمية كبرى فى التاريخ اللاحق للإسلام أن بعض أبرز الشخصيات المكية، كخالد بن الوليد القائد الحربى العبقري, وعمرو ابن العاص الذى يكاد يماثل خالدا فى عبقريته والذى فتح مصر فيما بعد أثناء خلافة عمر، تحولوا إلى الإسلام. ولابد أن هؤلاء المكيين أدركوا أن الغلبة ستكون لمحمد [ ﷺ ] فى شبه الجزيرة فانضموا صراحة إلى صفه، بينما حاول العباس عم النبى [ ﷺ ] وأبو سفيان أبرز زعماء مكة أن يضمنا عن طريق المفاوضات السرية مع محمد [ ﷺ ] أفضل معاملة لأهل مكة عند استسلامها المؤكد للمسلمين. وواصل محمد [ ﷺ ] فى هذه الأثناء غزواته. وقد صادفت قواته هزيمة خطيرة فى أول محاولة كبيرة له لبسط نفوذه على العرب فى الأراضى البيزنطية بالأردن، وذلك فى موقعة مؤتة التى فقد فيها محمد [ ﷺ ] ابنه بالتبنى زيد بن حارثة الذى كان فيها قائد فرقة يقال إنها كانت من ثلاثة الآف رجل. كذلك قتل فى تلك الموقعة ضد البيزنطيين جعفر بن أبى طالب الذى كان هو أيضا ممن تتطلع أمة المسلمين فى البداية إلى زعامته، والذى لم يلحق إلا مؤخرا بالمسلمين فى المدينة بعد سنوات قضاها فى الحبشة مع من هاجر إليها من المسلمين قبل ذلك بنحو خمسة عشر عامًا. وبالرغم من هزيمة مؤتة فقد بدأت عدة قبائل من البدو تدرك بعض المنافع التى ستعود عليها من جراء الانضمام إلى محمد [ ﷺ ]. بل إن بعض القبائل الكبيرة مثل سليم أسلمت طواعية والتفت حول رايته. ثم كان أن قرر الحزب المتشدد فى مكة -ضد مشورة أبى سفيان- أن يناصر إحدى العشائر الموالية لقريش، وهى بكر، ضد قبيلة خزاعة الموالية لمحمد، وهو ما كان فى عرف العرب وقتذاك يمثل لدى الطرفين نقضا لصلح الحديبية، مما أتاح الفرصة للنبى أن

стр. 9014

يتحرر من شروط ذلك الصلح فيهاجم قبائل المكيين بِل ومكة ذاتها. وفى رمضان من العام الثامن الهجرى (ديسمبر ٦٢٩ م) خرج على رأس جيش من المهاجرين والأنصار والبدو، فأثار خبر خروجه قلقا شديدا فى مكة حيث كان عدد أولئك الراغبين فى القتال يتناقص يوميا وأصبح بإمكان الأكثر حذرا أن يتولوا مقاليد الأمور. وقد أرسل أبو سفيان مع آخرين، من بينهم صديق محمد بُدَيل بن ورقة الخزاعى لمقابلة محمد [ ﷺ ] قرب مكة، معظمين إياه، وحصلوا منه على عفو عن قريش كلها شرط ألا تقاومه بالسلاح. وهكذا تمكن النبى [ ﷺ ] من دخول بلدته دون قتال، واعتنق معظم أهلها الإسلام. وكان موقف النبى منهم كريما للغاية، وحاول تأليف كافة القلوب بالعطايا السخية التى أصبحت تشكل وجها جديدا من وجوه إنفاق الصدقات ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة ٦٠. ولم يطلب النبى [ ﷺ ] غير تحطيم الأوثان داخل مكة وحولها. وقد جاءت سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾، معبرة عن سعادته بهذا النصر، وكذا تلك الآيات قوية التأثير ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ الفتح ١ - ٣. ومن الشائق أن نلاحظ فى هاتين السورتين ذكر غفران اللَّه لذنوب محمد [ ﷺ ] بعد ذكر الفتح الذى فتحه اللَّه له، مما يوحى بأن تحقق أحد الأهداف الرئيسية للنبى، وهو استسلام بلدته دون قتال، فيه دليل مباشر على أن اللَّه قد غفر له كافة ذنوبه. وبعد استسلام مكة بزمن قصير بدأت قبائل هوازن فى وسط شبه الجزيرة فى الاستعداد لمعركة حاسمة، وكانت لا تزال هناك مدينة الطائف وثيقة الصلة بمكة لا سلطان له عليها. وقد قاتل النبى ( ﷺ ) هوازن وحلفاءها عند حنين على الطريق إلى الطائف، وبدا فى

стр. 9015

مستهل المعركة أن قوات النبى كادت تواجه كارثة قاضية. وكان السبب الرئيسى فى ذلك تصرفات مريبة من عدد من المسلمين الجدد. غير أن بعض أتباعه نجحوا بعد ذلك فى إرجاع الفارين وإلحاق الهزيمة بالعدو ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ التوبة ٢٥ و ٢٦. غير أن جنده غير المدربين عجزوا عن الاستيلاء على الطائف بسبب دفاعاتها القوية. وبعد ذلك بنحو عام، بعد نجاح غزوة تبوك التى اشترك فيها حوالى ثلاثين ألفًا من أتباع النبى [ ﷺ ]، قبل أهل تبوك مصيرهم وأوفدوا الرسل إلى محمد [ ﷺ ] يعلنون استسلامهم للنبى واعتناقهم الإسلام. وبعد رفع الحصار عن مدينة الطائف الحصينة فى بداية عام ٦٣٠ م عام محمدًا [ ﷺ ] إلى الجعرانة للإشراف على توزيع غنائم حنين. وقد غضب الأنصار غضبًا شديدا -وهم الذين كانوا قد عبّروا بعد فتح مكة مباشرة عن خوفهم من أن يختار محمد [ ﷺ ] الإقامة فيها- إذ رأوه يعطى العطايا السخية لأعدائه القدامى حتى يؤلف قلوبهم، ولم يعطهم شيئا. غير أنه خاطبهم فى رقة متناهية أدت إلى انخراطهم فى البكاء وإعلانهم رضاءهم. وكانت أهم أحداث العام التاسع الهجرى (٦٣٠ - ٦٣١ م) عند المسلمين تقاطر الوفود العديدة على المدينة من مختلف أنحاء شبه الجزيرة لأداء فروض الطاعة نيابة عن قبائلها لفاتح مكة. وفى خريف ذلك العام، قرر محمد [ ﷺ ] القيام بغزوة واسعة النطاق ضد شمالى شبه الجزيرة، ربما انتقاما لهزيمة مؤتة. وذلك حتى يبقى على ما بات يتمتع به من احترام، ولأن ملك الغساسنة كان يتخذ موقفا عدائيا من محمد [ ﷺ ] وأتباعه. وقد دهش النبى [ ﷺ ] أن يرى أتباعه بعد انتصارهم فى حنين، عازفين عن الاستجابة لمناشدته الخروج فى الغزوة الجديدة، ربما خشية تكرر هزيمة مؤتة.

стр. 9016

فقد تراضى المهاجرون وبعض البدو، بل وكان هناك من بين أتباعه المخلصين من أبدى اعتراضات شتى مبعثها خوفهم إزاء حملة تذهب بهم بعيدا فى قيظ شديد ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ التوبة الآية ٤٢. . ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾. ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ التوبة ٤٢ - ٤٥، ٨١ - ٨٤, ٩٧. والظاهر أن محمدا [ ﷺ ] لقى فى ذلك الوقت معارضة قوية فى المدينة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾. ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ

стр. 9017

طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾. ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ التوبة ٥٨, ٦١, ٦٤ - ٦٦, ١٢٤ - ١٢٧. ومن هنا كانت الآيات القرآنية التى نزلت فى هذه الفترة قريبة فى أسلوبها من الآيات الكريمة التى نزلت قبل الهجرة: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ التوبة ٧٠؛ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ التوبة ١٢٨ - ١٢٩. غير أن محمدا [ ﷺ ] رغم كل هذه المعارضة مضى قدما فى سبيل نشر الدعوة. لكنه ما إن وصل إلى تبوك هو وثلاثون ألفا من المسلمين وحلفائهم بعد مصاعب طائلة، والتقى بالعدو عند الحدود مع الأراضى الببزنطية، حتى اشتبك معه فى معركة غير حاسمة، بيد أن سمعته كانت قد بلغت من القوة بحيث خضعت له المستعمرات المسيحية واليهودية الصغيرة فى شمال شبه الجزيرة خلال إقامته بتبوك. مثال ذلك الملك المسيحى يوحنا فى أَيلة، وأهل أَذْرُح ويهود ميناء مَكْنَة. وقد قيل إن النبى مكث فى تبوك عشر ليال. كذلك فتح خالد بن الوليد مركزا هاما هو دُومة الجندل خلال غزوة تبوك. ولا نعلم للأسف كيف تطوّرت الأمور فى المدينة وهى التى تأزّمت بسرعة. ولكن بوسعنا أن نفترض أن وفاة عبد اللَّه بن أُبَىّ بعَيْد غزوة تبوك،

стр. 9018

ساهمت فى تخفيف التوتر. وقد شهدت تلك السنوات زيادة ضخمة فى انتشار صيت محمد [ ﷺ ] فى المناطق المحيطة مباشرة بالمدينة. فقد باتت مكة الآن بيده، وكان هناك بين البدو فى أماكن عدة ميل ملحوظ إلى الإذعان لإرادة فاتح مكة حتى يأمنوا هجماته، وينالوا نصيبا من الغنائم الوفيرة فى غزواته. مثال ذلك مجموعة قبائل عامر بن صَعْصَعَة، وبعض بطون قبيلة نفيم الكبيرة، وقبيلة أسد المجاورة، وقبيلتا بكر وتغلب فى الشمال بل وحتى فى المناطق البعيدة عن المدينة مثل البحرين وعُمان داخل نطاق النفوذ الفارسى، وبين الرؤساء فى جنوب شبه الجزيرة، توغّل الدين والنظام الجديد ولقيا أنصارا متحمسين فى بعض البقاع. وبالإضافة إلى اليهود الذين خبروا بأسه من قبل، كان هناك أيضا عدد كبير من المسيحيين والزرادشتيين (المجوس) فى المناطق الشرقية والجنوبية من شبه الجزيرة العربية. وكانت هناك تسوية طيبة مع أهل الكتاب، هى السماح بالزواج من الكتابيات وبالأكل مما يعدّه أهل الكتاب من طعام. ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ. .﴾ المائدة الآية ٥. ويذكر ابن سعد أن محمدا [ ﷺ ] اعتبر المجوس (الزرادشتيين) من أهل الكتاب وذلك فى رسالة بعث بها إلى جماعة منهم فى هَجر. غير أنه حُظر على المسلمين الزواج من نسائهم أو الأكل من لحوم ما يقتلون من حيوان أو طير. غير أن هذا التوسع فى تفسير عبارة "أهل الكتاب" لا نجده فى القرآن الكريم. ومع هذه الاستثناءات نجد النبى ( ﷺ ) قد اقترب من الهدف الذى ينشده، ألا وهو تكوين أمة على أساس دينى بحت. فقد ارتبط أهالى عدة أجزاء من شبه الجزيرة العربية برباط من الدين، مما كان كفيلا -فيما يبدو- بإنهاء النزاعات القديمة بين القبائل، ومشاحناتها التى لا تنتهى، وثاراتها الدموية، والهجاء اللاذع المتبادل بينها مما كان يثير دوما منازعات جديدة. وقد أصبح على المؤمنين أن يشعروا بأنهم إخوة ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ

стр. 9019

وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ الحجرات الآيات ١٠ - ١١ و ١٣ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ. . .﴾ التوبة الآية ١١. وقد أدى هذا التوسع السريع جدا فى مجال نفوذ محمد ( ﷺ ) عن طريق مختلف صنوف المعاهدات والاتفاقات الأخرى، إلى أن أصبح ثمة الآن مسلمون جُدد لا يعرفون إلا القليل عن تعاليم الإسلام وشعائره. ذلك أنه إلى جانب أتباع محمد القدامى الذين آمنوا إيمانا عميقا حقيقيا بتعاليمه والذين امتحنوا فى إيمانهم بما عانوه من حرمان وخبروه من مخاطر، أضحى الآن هناك عدد كبير ممن اعتنقوا الإسلام بفضل التحالفات السياسية وعن خوف من تزايد سلطان النبى. ورغم أن محمدا [ ﷺ ] أوفد إليهم من يفقههم فى الدين، فلاشك أن تحول هؤلاء العرب إلى الإسلام لم يكن عميق الجذور، وأن الروح العربية القديمة ظلت قائمة وقوية بينهم، كاستمرار الفخر والهجاء فى القصائد التى أوردها ابن هشام فى سيرته. وقد سجل القرآن نفسه بكل وضوح كيف أن إيمان الأعراب بعيد كل البعد عن الإيمان الصحيح ﴿. . . قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ. . .﴾ الحجرات ١٤. ويلاحظ أن الأوامر المتعلقة بالدين والعبادة -وهى التى كانت تشغل محمدًا إلى حد بعيد فى السنوات الأولى من إقامته فى المدينة، بدأت تفسح الطريق، بصورة ملفتة للنظر، للترتيبات الاجتماعية والسياسية الواردة فى أواخر السور القرآنية، نتيجة للتوسع السريع فى مجال نفوذ الدولة الإسلامية. وأخيرا تمت كافة الاستعدادات، وتمكن محمد ( ﷺ ) فى نهاية العام

стр. 9020

العاشر من الهجرة (مارس ٧٣٢ م) من أداء أول حج إسلامى صحيح (حجة الإسلام) التى أصبحت نموذجا يُحتذى أبد الآبدين. ولم يورد القرآن الكريم إلا إشارات قليلة إلى شعائر الحج السنوى، مما يدفع المسلمين إلى الاعتماد فى حجهم على ما ورد فى كتب الحديث وأئمة المذاهب. ولا شك فى أن المعالم الرئيسية للصورة التى يتم عليها الحج فى العصر الحديث أساسها ما فرضه النبى ( ﷺ ) فى تلك المناسبة المشهورة. ويقال إن حجة الوداع شملت خطبة ألقاها النبى ( ﷺ ) وصلتنا عنها روايات بها بعض الاختلاف. وهى خطبة تمثل ذروة نشاطه وكفاحه. وقد تعبر عن مشاعره وقتها الآية الثالثة من سورة المائدة ﴿. . . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. . .﴾. استعد محمد [ ﷺ ] قبل وفاته بشهر واحد لقيادة غزوة كبيرة إلى شرق نهر الأردن بنفسه غير أنه فى النهاية اختار أسامة بن زيد الشاب قائدا للجيش المؤلف كما يقال من نحو ثلاثة آلاف رجل، ربما من أجل تمكين أسامة من الانتقام لمقتل أبيه زيد بن حارثة هناك. وقد شكا عدد من كبار المسلمين من اختيار محمد ( ﷺ ) لهذا الشاب الحدث قائدا لجيش مكلف بمهمة عسيرة. غير أن النبى ( ﷺ ) كان مصمما على إتاحة الفرصة لأسامة كى ينتقم من هزيمة المسلمين فى مؤتة، وهى الهزيمة التى أودت أيضا بحياة ابن عم النبى جعفر بن أبى طالب. وفى نحو ذلك الوقت ظهر فى عدة أنحاء من شبه الجزيرة العربية عدة أشخاص يدعون النبوة ويثيرون الاضطرابات بدعاويهم. وهنا مرض محمد [ ﷺ ] فجأة، ربما بحمى المدينة المألوفة. ولكن الحمى كانت خطرا على رجل مرهق جسمانيا وذهنيا. وقد تحسنت صحته قليلا بعد ذلك، غير أنه توفى على صدر زوجته الأثيرة عائشة يوم ١٢ من ربيع الأول عام ١١ هجرية (٨ يونيو عام ٦٣٢ م). وهذا هو التاريخ الوحيد لوفاته الذى

стр. 9021

يتفق مع ما ذكره حسان بن ثابت فى قصيدة له، وما ذكرته كافة الروايات من أنه توفى يوم الاثنين. ولم يخلف محمد [ ﷺ ] وريثا شرعيا له يخلفه فى الحكم، فاضطر كبار الصحابة ممن كانوا لصيقين به إلى اختيار قائد، أما ابنه إبراهيم الذى ولدته له زوجته مارية القبطية ربما فى أوائل عام ٦٣٠، فكان قد مات قبله فى عام ٦٣٢ م. ويقال إن النبى ( ﷺ ) دفن فى مسكن عائشة. إن الصعوبة الكبرى التى تواجه كاتب سيرة محمد [ ﷺ ] فى كل صفحة، هى أن المصادر الأولى لم تذكر شيئا -ولم يكن بوسعها أن تذكر شيئا- عن السر الحقيقى لنجاحه وقوة شخصيته المذهلة وقدرته على التأثير فيمن حوله، فكتاب السيرة المسلمون الأوائل كانت نقطة البداية عندهم الإيمان بأن أعماله العظيمة وانتصاراته الباهرة لم تكن من صنع بشر، بل هى براهين إلهية على أن النبى [ ﷺ ] إنما كان يأتى به طاعة للَّه. صحيح أن القرآن الكريم يعرفنا بالسور العظيمة التى أوحى بها إليه فى البداية والتى تؤثر فينا اليوم تأثيرها وقت تلاوة محمد ( ﷺ ) لها أول مرة. كذلك فإن بوسع المؤرخين المحدثين أن يروا مواهبه السياسية الخارقة التى كثيرا ما أبداها خلال سنوات إقامته فى المدينة. إذ من ذا بوسعه أن ينكر أن القائد فى معركة بدر، أو المفاوض فى الحديبية، هو رجل فائق الذكاء، وذو مهارة دبلوماسية خارقة، غير أن هذه الدلائل على عبقرية محمد [ ﷺ ] التى تظهر بوضوح فى كتب السيرة، هى مجرد لمحات خاطفة متفرقة، وعلينا فى معظم الأحيان أن نستطلع الأمور الجوهرية من بين السطور. لقد كان العامل القوى حقا فى حياة محمد، والمفتاح الأساسى لنجاحاته الخارقة، -إيمانه الذى لا يتزعزع، ومن البداية إلى النهاية، بأنه رسول اللَّه. فإيمان كهذا لا يتطرق إليه أدنى شك بوسعه أن يؤثر تأثيرا لا حدّ له فى

стр. 9022

الآخرين. وكانت روح الثقة التى برز بها لتنفيذ إرادة اللَّه هى ما أعطى لكلماته وأوامره سلطانًا أجبر الناس فى النهاية على الإذعان لها. وقد رأت الآيات المتأخرة فى القرآن الكريم، كلام اللَّه الذى لا يدانيه شئ، الذى أوحى إلى يتيم عربى قيل إنه لا يعرف القراءة أو الكتابة. معجزته الوحيدة. ويحمل هذا الاعتقاد فى طياته افتراض أن محمدا [ ﷺ ] كان بشرا كسائر البشر، ليست له قدرات تسمو على قدرات البشر. وكثيرا ما يشير القرآن الكريم إلى أنه إنسان كغيره من الناس وأنه ملاقٍ الموت: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ الزمر ٣٠؛ ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ الأنبياء ٣٤ و ٣٥؛ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ. . .﴾ آل عمران ١٤٤. وهذه بالضبط هى النقط التى شعرت إزاءها الأجيال التالية من أتقياء المسلمين بعدم الرضا ولذلك فسرعان ما نجد المسلمين بعده مدفوعين بلا شك بمجادلاتهم مع المسيحيين -يحيطون شخص النبى [ ﷺ ] وحياته بهالة من الأمور الخارقة. المصادر: (١) القرآن الكريم. (٢) كتب التفسير. (٣) كتب الحديث، خاصة صحيح البخارى وصحيح مسلم ومسند أحمد ابن حنبل. (٤) سيرة ابن اسحاق التى هذّبها ابن هشام. (٥) تاريخ الرسل والملوك للطبرى. (٦) المغازى للواقدى. (٧) الطبقات الكبرى لابن سعد. (٨) Tom Andrae: Mohamed the man and his faith (٩) F. Bull: Das Leben Mummeds (١٠) W. Montgnery watt: Muhemmed at Mecca&Muhemmed at Medina (١١) M. Goudefry intonbynes: Mahomet حسين أحمد أمين [ف. بول. ت. ولت F.Buhl - OA.T. Welet]

стр. 9023

محمد بن إبراهيم بن طهماسب محمد بن إبراهيم بن طهماسب هو سادس حكام أسرة "عادل شاهى" التى كانت لها الولاية فى غربى الدكن، وولى الحكم بعد وفاة أبيه وظل فى سُدَة الحكم فى عاصمته "بيجابور" من ١٠٣٥ هـ حتى ١٠٦٦ هـ (١٦٢٦ - ١٦٥٦ م)، وحدث إن اجتاحت الدكن سنة ١٠٤٤ هـ = ١٦٣٤ م) جحافل الحاكم المغولى "شاه جهان"، ولما رأى محمد بن إبراهيم بن طهماسب ما كان من استسلام قلعة دولت أباد وسواها من الحصون وافق على أن يدفع مبالغ ضخمة إلى امبراطور دهلى، وكان محمد بن إبراهيم بن طهماسب آخر ملك من ملوك "بيجابور" يسك عملة عليها اسمه، ولما كانت الفترة الأخيرة من حكمه استطاع تابعه "سيواجى" ابن القائد "شاهجى بونسلى" أن يجمع كلّ السلطة فى يده بالمكر والخيانة كما دب الضعف فى أوصال مملكة "بيجابور" بسبب كل من المغول والمراثايين. وقد مات محمد بن إبراهيم بن طهماسب سنة ١٠٦٦ هـ (= ١٠٥٦ م) وذلك كما جاء بنقش على قبره فى بيجابور. بدرية الدخاخنى [م. هدايت حسين] محمد بن حازم محمد بن حازم بن عمر الباهلى، أبو جعفر الشاعر العربى الهجاء الذى ظهر فى أوائل العصر العباسى قرب ختام القرن الثانى الهجرى (الثامن للميلاد) ومستهل الثالث الهجرى، ولسنا نعرف متى كان أول ذهابه إلى بغداد التى استقر فيها وأمضى حياته بها كذلك لا ندرى تاريخ وفاته. ولقد كان أبرز الشخصيات التى اتصل بها وتعرف عليها إبراهيم المهدى، (المتوفى سنة ٢٢٤ هـ/ ٨٣٩ م) والحسن بن سهل المتوفى سنة ٢٣٦ هـ (= ٨٥٠ م) كاتب الخليفة المأمون، وقد عرفه الحسن بن سهل وقت أن كان مقيما بواسط والأرجح أن ذلك كان بعد مقتل أخيه الفضل بن سهل. وليس بين أيدينا من سفر ابن حازم سوى ثلاثمائة وثمان وتسعين بيتا، ولسنا نعرف على وجه التأكيد عما إذا

стр. 9024

كان قد نظم المزيد عليها، وكان الباهلى شاعرًا هجاءً وصاحب دعابة موجعة لم يسلم منها ضحاياه وطالما وجد المعاملة الجافة، من جراء ذلك. على أنه كان إلى جانب ذلك أيضا مؤلف قطع أخلاقية ظهر فيها بمظهر المدافع عن التواضع والاعتدال والقناعة فى مواجهة صعوبات الحياة، وأن هذه السمة لا تتفق ولا تلائم شاعرًا ملحفًا أشد الإلحاف فى مطالبه وفى ردود أفعاله الحادة، لكن الواقع أنه لا يوجد أى تضارب فى هذه الأمور ذلك لأن الباهلى كان رجلًا شديد التشاؤم تنطوى نفسه على نظرة متدنية للطبيعة البشرية، ولم يكن يعنيه مراعاة أصحاب السلطة والقوة بل أنه يصدر ضدهم أحكامًا قاسية ضد تكالبهم على النفوذ، وقد بعد كل البعد عن جميع أصدقائه الذين أرادوا أن يولوه الوظائف السامية، فهو واحد من اثنين أما أنه لا يعرف كيف ينظم فيهم المدائح أوأنه لا يحب هذا الضرب من الكتابة ولم يؤثر عنه إلا بعض أبيات قلائل فى مدح المأمون والحسن بن سهل. وأن ذاكرة العرب الثقافية لتعده شاعرًا جزلًا على حين يقال إن كبار علماء اللغة يقدرون شعره أشد التقدير، وأن قراءة أكثر من ست وثمانين قطعة من شعره وهى التى وصلت إلينا لتؤدى بنا إلى القول بأن اللغة كانت مطواعة له وإنه كان فارسًا حقًا من فرسان النظم وأن كل القليل منه لما يمكن لغته بالفن الشعرى الأصيل. أما عن المصادر فقد قام محمد خير البقاعى بنشر الديوان فى دمشق سنة ١٩٨١ م، وانظر مدونة الشعراء المقلين فى العصر العباسى الأول لإبراهيم نجار، وهى رسالة قدمت بباريس سنة ١٩٨٤ م، وانظر هنا الأغانى ومعجم الشعراء للمرزبانى وطبقات الشعراء للمرزبانى وطبقات الشعراء لابن المعتز والديارات للشابشنى، والورقة لابن الجراح وتاريخ بغداد للخطيب البغدادى ومعجم البلدان لياقوت، وانظر أيضًا الأعلام للزركلى. المصادر: وردت فى المتن. بدرية الدخاخنى [ح. أ. بن شيخ G. A. Ben sheikh]

стр. 9025

محمد بن الحسن بن دينار وكنيته أبو العباس ويشتهر بابن دينار الأحول ويعرف براوية بغداد، عاش فى القرن الثالث الهجرى التاسع الميلادى، ومات بعد سنة ٢٥٠ هـ (= ٨٦٤ م) واشتغل بحرفة الوراقة وصرف همته إلى النسخ، فكان يأخذ عشرين درهما على كل مائة ورقة يبيضها ومما نسخ بيده ترجمات حنين بن اسحق ومؤلفاته وكذلك كتابات اليزيدى مع متابعته لدروسه ودروس نفطويه وذلك بسبب ما طبع عليه من شغف قوى بعلم اللغة، كما ألّف هو نفسه مجموعة من الكتب حفظ أسماءها لنا مترجموه منها كتاب الأمثال وكتاب الدواهى وكتاب السلاح وكتاب ما اتفق لفظه واختلف معناه وكتاب فعل وافعل ثم كتاب الأشباه، ويظهر أنه لم يبق من كل هذه المؤلفات شئ على الإطلاق. ويرجع إلى الأحول الفضل فى نقل أعمال مائة وعشرين شاعرا غير أنه مما لا شك فيه أن شرحه لديوان ذى الرّمة هو الذى أكسبه ذيوع الصيت والشهرة، ويتمثل ذلك فى أن البغدادى كان حريصا أشد الحرص على الحصول لنفسه على نسخة من هذا الكتاب (انظر الخزانة طبعة بولاق (جـ ١، ص ٥١، جـ ٤، ص ٤٩٦) إلا أنه من الأمور الملحوظة هو أن هذا الشرح الذى وضعه ابن دينار كان من الكتب التى ذاع خبرها فى الأندلس، وإن قطعة من هذا الكتاب دون سائر مؤلفات هذا العالم اللغوى قد نقلت إلى الغرب وظلت موجودة هناك فلما جاء أبو على القالى أُدرجها فى أماليه وأما هذه القطعة التى هى قسم من مخطوط الحميدبه (استانبول ١٤٠٨، ورقة ١٨٨ - ٢٠٨) فتشتمل على أربع وعشرين قصيدة منها ما يقرب من ثلثها قصائد من نظم ذى الرمة، ولما كان هذا الشاعر يختار الغريب من الألفاظ إلى جانب ما تتسم به هذه الكلمات من الحوشيِّة فإن أصحاب المعاجم لاسيما صاحب لسان العرب يكثرون من الاستعانة بمقطعات الأحول، وقد اعتمد محقق الديوان (عبد القدوس أبو صالح دمشق ١/ ١٣٩٢, ص ٤٨ - ٥١, ٨١, ١٢٤) إلى حد كبير على القطعة الباقية من هذا

стр. 9026

التعليق فى "تخريج" القطعة التى علّق هو عليها. وفى هذا الصدد: راجع الفهرست لابن النديم ص ١١٧، والطبقات للزبيدى ١١٤, والأنباء للقفطى ٣/ ٩١ - ٩٢، ومعجم البكرى والارشاد لياقوت ومعجم الأدباء له أيضا، والمزهر للسيوطى ١/ ٥٠٦ - ٥١٦، وبقية الدعاه ص ٣٣، والوافى بالوفيات للصفدى، ٢/ ٣٤٤، ودائرة معارف البستانى ٣/ ٨١ - ٨٢) بدرية الدخاخنى [ش. بيلات Ch. Pillat] محمد بن الحنفية محمد بن الحنفية هو محمد بن على ابن أبى طالب وأمه خولة، وكانت امرأة من قبيلة بنى حنيفة بنت جعفر الحنفية وكانت فى السبى الذى جئ به إلى المدينة بعد وقعة عقرباء فصارت ملك يمين علىّ. وعلى الرغم من أن محمد بن الحنفية هذا لم يكن يجرى فى عروقه دم النبى [ ﷺ ] إلّا أنه كان محور تحركات سياسية، كما جعله غلاة الشيعة محورا لمبالغات لا نهاية لها عن حقوقه وقتل الحسين فى كربلاء سنة ٦١ هـ (٦٨٠ م) اتجه الكثيرون إلى محمد بن الحنفية واعتبروه كبير الأسرة، مما آثار شكوك ومخاوف عبد اللَّه بن الزبير الذى جاهر علانية بحقه وادعى الخلافة لنفسه لا سيما بعد مقتل الحسين، أما القول بأنه لم يكن لابن الحنفية هوى مع المعارضة بالحجاز فواضح مما يقرره البلاذرى من أن محمدا أعلن عدم صحة الاتهامات التى يرمى أهل المدينة بها الخليفة يزيد بن معاوية، واخذت المسألة شكلا خطيرا حينما قام المختار -بعد بضع محاولات فاشلة لضم محمد إليه- فدعا بدعوة شملت كل العراق سنة ٦٦ هـ (= ٦٨٥ م) يؤيد فيها حقوق ابن الحنفية، لكن كان الأخير -حتى هذه اللحظة- يعمل فى تحفظ شديد حتى أنه لم يرحب باللقب العظيم "المهدى" الذى أرادوا مناداته به، ومن الواضح أنه لم يكن يكترث قط بالمختار، لكنه لم يشأ أن يخاصمه علانية، نظرا للأخطار الجمة التى كانت تحوط به وربما أيضا لعدم قدرته على اتخاذ القرار النهائى، ومن ثم فلما جاءه نفر من الكوفة

стр. 9027

يسألونه موقفه تجاه المختار رد عليهم ردًا دبلوماسيا ليس فيه شئ من الالتزام عليه نحوه، ولكنهم فسروا رده هذا كأنه نوع من الموافقة طالما أنه لم يشجبه شجبا تاما، وترتب على هذا أن انتشرت الحركة الثورية انتشارًا واسعًا، وأريقت دماء كثيرة ثأرًا للحسين ولسواه من العلويين، إلا أن محمد بن الحنفية كان معارضا لهذا الأمر أيضا، غير أنه لما أصبح اتجاه عبد اللَّه بن الزبير المعادى يزداد وضوحًا يوم بعد يومًا (حتى لقد سجن ابن الحنفية ورهطًا من أقاربه من بينهم عبد اللَّه بن عباس وكان حبسها أياهم بمحلة قرب بئر زمزم) لم يجد محمد إلا أن يتجه إلى المختار يسأله العون والنجدة وكان هذا هو ما يسعى إليه المختار ومن ثم أسعفه بطائفة من الفرسان فى الحال بعث بهم إلى مكة وخلصوا ابن الحنفية ومن معه من أسرهم وجاء ذلك العمل فى اللحظة المناسبة، ولكن سرعان ما أمر بن الحنفية بتجنب محاربة عسكر بن الزبير حتى لا يُدنَّس الموضع الطاهر بالدماء المهراقة، ثم فر ابن الحنفية وأهل بيته إلى منى واعتصموا بها، ثم ذهبوا بعدها إلى الطائف، ولم يحاول محمد استغلال المختار، ومن ثم لم يمكن التوصل معه إلى وضع محدد حين فشلت الثورة. وينسب الناس دائما سلبيته الشديدة فى ساحة السياسة إلى دوافع دينية خالصة، فقد كان يرى أنه ما من قوة بشرية إلا مشيئة اللَّه وحده تستطيع أن تعيد لبيت علىّ حقوقهم، لكن يجب أن نضيف إلى ذلك سبب آخر ونعنى به أنه كان ينقصه القدرة على المغامرة والثقة بالنفس. والأمر الذى يبلغ منتهى العجب هو أن الشيعة اعتبروه فى أعقاب ذلك وبعد موته أنه لم يمت ولكنه يعيش فى مملكة جميلة على جبل رضوى غرب المدينة، وأنه سوف يعود كقائد جيش منتصر، وكان هذا هو فكرة الرجعة التى ربطها عبد اللَّه بن سبأ بعلىّ وها هى تنتقل منه إلى ابن الحنفية.

стр. 9028

راجع فى ذلك الطبرى وابن سعد وأنساب الأشراف للبلاذرى ومروج الذهب للمسعودى والكامل للمبرد. أيمن حسن حبشى [ف. بول F. Paul] محمد بن خلف محمد بن خلف بن المرزران، عالم لغوى من أهل العراق عاش فى محلة باب المحوّل ببغداد ومات عام ٣٠٩ هـ (= ٩٢١ م)، وكان ابن المرزران كما يقول ابن النديم (فى الفهرست، ص ٨٦, ١٤٩ - ١٥٠) مشهورا بنقله للأخبار التاريخية والشعر والمُلح، إلى جانب أنه كان عارفا بالعلوم القرآنية، وألف فى ذلك كتاب "الحاوى" الذى يقع فى سبع وعشرين مجلدة، ويضيف ياقوت إلى ذلك (فى إرشاد الأريب ٧/ ١٠٥) إن ابن المرزبان نقل إلى العربية ما يقرب من خمسين كتابا من الفارسية وإنه كتب مما يقرب من اثنى عشر مؤلفا فى "الوصف" على أنه لم يصل إلينا إلا النزر اليسير من إنتاجه الغزير، وقد وصلنا منه كتابه "تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب" الذى فسره لويس شيخو فى المشرق (١٩١٢) جـ ١٥/ ٥١٥ - ٥٣١, راجع فى ذلك المؤلفون العرب ٩/ ٣٤٨، والزركلى: الإعلام ٦, ٣٤٨, والمسعودى مروج الذهب. المصادر: وردت فى المتن. بدرية الدخاخنى [ج. تروبو G.Troubeau] محمد بن طاهر الحارثى محمد بن طاهر بن إبراهيم الحارثى من قبيلة هى فرع من قبائل همدان من الشخصيات البارزة بين إسماعيلية المستعلى الطيبى فى اليمن، ولما مات استاذه على بن الحسن بن جعفر بن إبراهيم الوليد سنة ٥٥٤ هـ (= ١١٥٩ م) اختاره إبراهيم الحامدى ليكون الداعى "المطلق" الثانى الذى يساعده فى كل ما يتعلق بأمور الدعوة مع حاتم الذى شن حروبا طويلة مع الداعى، فلما تم للأيوبيين فتح المدينة رحب بالسيل الجارف ممن هربوا التماسا لملجأ للدعوة فى الحجاز، ومات بصنعاء فى شوال ٥٨٤ هـ (= نوفمبر وديسمبر

стр. 9029

١١٨٨ م). ومؤلفه "مجموع التربية" الواقع فى مجلدين هو فى الحقيقة مختارات فى الأب الاسماعيلى اتخذه من جاءوا بعده من المؤلفين مثالا يحذون حذوه فيه، ويرجع الفضل إلى كتابه هذا فى أن كثيرا من المقتطفات من الكتب الأخرى والرسائل القصيرة كادت أن تكون فى عداد المفقودة لولا أن حفظت بين دفتى هذا الكتاب. ولمحمد الحارثى كتاب آخر يسمى بالأنوار اللطيفة ويعتبر مصدرا هاما عن "الحقائق" التى يقرؤها الطلاب الذين بلغوا مستوى عاليا فى دراساتهم. المصادر: (١) إدريس بن الحسن: نزهة الأفكار: (مخطوط بمجموعة الهمدانى). (٢) حسن بن نوح البهتروشى: كتاب الأزهار، (نشره عاد العوّا) دمشق سنة ١٩٥٨. (٣) فهرست اسماعيل بن عبد الرسول (طهران ١٩٦٦). بدرية الدخاخنى [أ. بوناوالا I. Poonawala] محمد عبده رجل دين مصرى، ورائد مدرسة التحديث فى مصر. ولد فى ١٨٤٩ م لعائلة ريفية من قرية محلة نصر بمديرية البحيرة. وبعد أن أتم حفظ القرآن الكريم، وأرسله والده فى ١٨٦٢ م إلى المعهد الدينى بطنطا لكنه تركه بعد عام ونصف. وتحت تأثير عم والده الذى حفز فيه الولع بالصوفية، عاد إلى طنطا فى ١٨٦٥ م، وفى العام التالى انتقل إلى الأزهر. وفى عام ١٨٧٢ م تعرف على السيد جمال الدين الأفغانى، الذى كان قد وصل لتوه إلى القاهرة، وسرعان ما أصبح من أقرب تلاميذه معتبرا إياه أبا روحيا. فهو الذى قدم له العلم التقليدى برؤية جديدة، ووجه نظره للفكر الغربى، وجذب انتباهه للمشاكل العصرية لمصر وللإسلام. وفى ١٨٧٦ م اتجه محمد عبده للصحافة متأثرا بصحبته لجمال الدين الأفغانى والحوادث السياسية التى صاحبت عزل الخديوى إسماعيل. وفى عام ١٨٧٩ م، وبعد حصوله على العالمية، التحق

стр. 9030

بالتدريس فى دار العلوم المنشأة حديثا لتطوير التعليم الدينى وبعد تولى الخديوى توفيق فصل محمد عبده ونفى إلى بلدته، وطرد الأفغانى من البلاد. وعند تولى حكومة ليبرالية مقاليد الحكم أسند لمحمد عبده رئاسة تحرير "الوقائع المصرية" التى كانت إلى جوار نشرها للقرارات الإدارية تحاول التأثير فى الرأى العام، بل وأصبحت تحت رئاسة محمد عبده لسان حال الاتجاه التحررى ومع اتفاق محمد عبده مع الأفغانى على المبادئ العامة الهادفة إلى الصحوة الإسلامية وتحرر الشعوب الإسلامية، فقد خالفه فى الوسيلة، فلم يكن محمد عبده من أنصار الثورة كوسيلة لبلوغ هذه الأهداف، بل كان رأيه يميل للإصلاح التدريجى وتركزت اهتماماته حول الإسلام ووضعه فى العالم الحديث ولكن ثورة عرابى وضعت حدا لنشاطه فى هذا الاتجاه. وإذا كان دوره فى هذه التورة لم يتضح بالقدر الكافى للآن، فإن المؤكد هو أنه لم يكن يشارك العسكريين تفاؤلهم ولا يقر استخدامهم للقوة. . لقد وقف فى جانب الوطنيين المتصدين للاستبداد وحاول الحد من شطط قادتهم. وبإخماد تلك الثورة نفى محمد عبده، فسافر إلى بيروت ثم إلى فرنسا حيث قابل الأفغانى فى ١٨٨٤ م، وأسسا معا جمعية "العروة الوثقى" وأصدرا صحيفة بنفس الاسم، توقفت بعد ثمانية أشهر، ولكنها تركت أثرًا هاما فى العالم الإسلامى. وفى تونس واصل محمد عبده الدعوة للجمعية، ثم انفصل عنها ليعود لبيروت فى ١٨٨٥ م، حيث قام بالتدريس فى المدارس الدينية وانكب على الدراسات الإسلامية والعربية، فترجم عن الفارسية "رسالة الرد على الدهريين" لجمال الدين الأفغانى، وعملين من أهم الأعمال اللغوية، "شرح نهج البلاغة" و"شرح مقامات بديع الزمان الهمذانى". وحين سمح له بالعودة عام ١٨٨٩ م عين قاضيا بالمحاكم الأهلية وفى ١٨٩٩ م تولى أعلى منصب دينى فى مصر، وهو منصب المفتى وظل به حتى وفاته. ومن عمله فى القضاء وضع رسالة عن إصلاح المحاكم الشرعية كان لها أكبر الأثر فيما حدث بعد ذلك من تطور لهذه المحاكم وإنشاء

стр. 9031

مدرسة القضاء الشرعى. وفى نفس العام عين فى المجلس النيابى. وأخيرا سمح له بتحقيق رغبته فى العودة للتدريس، فعين عضوا فى جماعة كبار العلماء التى أنشئت بناء على اقتراحه، ومن خلال هذا الموقع أتيح له أن يلعب دورا هاما فى تطوير الأزهر. ومع هذه الأنشطة المتعددة وجد الوقت على مدى خمسة عشر عاما ليكتب العديد من الكتب، من أشهرها "رسالة التوحيد". كما نشر كتابا للدفاع عن الإسلام ضد مدنية الغرب" الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية". أما تفسيره للقرآن فلم يكمله، وقد نشرت مقتطفات منه فى صحيفة تلميذه وصديقه محمد رشيد رضا "المنار" والذى تولى نشره بأكمله فى المنار بعد وفاته. كما قام طلعت حرب بنشر ترجمة لكتابه "الإسلام وأوربا" باللغة الفرنسية. وقد أثارت آراؤه التجديدية والإصلاحية حفيظة التقليديين والمحافظين، والذين لم يكتفوا بتفنيد أفكاره، بل تعدوا ذلك إلى التهجم والتشهير والدسائس. ولكن تعاليمه لاقت قبولا واسعا من المفكرين المسلمين المستنيرين حيث كانت آراؤه تنشر فى الصحيفة الشهرية "المنار". وتوفى محمد عبده فى ١٩٠٥ م، وإن كانت تعاليمه ما تزال تحتفظ بأثرها مضطردا حتى اليوم. ويضع محمد عبده ثلاثة مبادئ لبرنامجه الإصلاحى: ١ - العودة بالدين لأصوله الصحيحة. ٢ - تجديد اللغة العربية. ٣ - الدفاع عن حقوق الشعب لدى الحكومة. وينبع كفاحه السياسى من مفهوم الوطنية التى كان بلا شك رائدا لها فى مصر الحديثة. وبينما كان خصما لكل من السيطرة السياسية الأوربية والاستبداد الشرقى فى ديار الإسلام، فإنه كان ينادى بالأخذ بالحضارة الغربية مع التمسك بالدين ومبادئه. فهو رجل دين فى المقام الأول، كرس حياته للدفاع عن الإسلام ضد الهجمة الغربية. وبصرف النظر عن مدى تأثره بالحضارة الغربية، فتعاليمه كانت تنبع أساسا من مبادئ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية التجديدية، وكذا من الفكر الدينى للغزالى. ومن منطلق اقتناع عميق بسمو الإسلام كان

стр. 9032

يهدف إلى تخليصه من كل ما يشوهه، وأن يجعله مواكبا للحياة العصرية وتهيئته لكل تقدم حقيقى عن طريق العودة به إلى مبادئه الأصلية. ومن ثم فقد هاجم التقليد والمذاهب مناديا بالعودة للاجتهاد وخلق إجماع حديث يتمشى مع أحوال العصر ويقوم على أساس من القرآن الكريم والسنة الصحيحة. كما كان ينادى بإزالة الفروق المغالى فيها بين المذاهب، ونبذ البدع والتمسح بالأولياء، كما نادى بتعديل الفقه فى صورته التقليدية إلى قوانين حديثة قابلة للتطور، مبنية على المصالح المرسلة، مؤسسة على روح الإسلام، وبتغليب المنطق على حرفية النص، ، مع اقتناع كامل بأن المنطق لا يمكن أن يتناقض مع الدين، إذا ما فهم على وجهه الصحيح. كما سعى إلى التوفيق بين الدين والعلم الحديث. وفى المسائل العقائدية تبنى مفاهيم عقلانية تتوافق تماما مع الأفكار الأصولية. فالوحى عنده علم ربانى يوهب للأنبياء بهدف تعليم الجماهير، ومن ثم فيجب أن تكون الدعوة الدينية موجهة إليهم وليس للصفوة من المثقفين. ونظر بشك لمسألة الكرامات. وقد بذل محمد عبده جهدا خارقا ليخفف من غلواء النظرة التقليدية للدين، وفى تفسير العلم الحديث بما يتفق مع المنطق الدينى الأصيل. وبالنسبة للتكاليف الدينية فقد كان تمسكه بها كقواعد روحية وقيمية أكثر من كونها طقوسا شكلية. ومن هذا المنظور الدينى أصبح التدين لديه يتمثل فى التسليم المطلق للَّه وتوقير الأنبياء والالتزام بالقرآن الكريم، والتمسك بقيم أخلاقية وروحانية تؤدى لتقدم الإنسان وتطوره، بصورة تتفق مع بساطة الإسلام وفطريته. المصادر: (١) Berg Siraosser: Islam and Abendland, in Auslandsstudieu, Konigshery ١٩٢٩ (٢) J.M.Ahmed: The in tellectaal origins of Egyption Nationalism, Oxford ١٩٦٠, index على يوسف [ج. شاخت J. Schacht]

стр. 9033

محمد على باشا يعتبر محمد على باشا -والى مصر العثمانى من ١٨٠٥ حتى ١٨٤٨ م- واحد، من أعظم الشخصيات التى تثير الجدل فى تاريخ مصر الحديث، ويمكن تقسيم سيرته إلى أربعة أقسام: (١) وصوله إلى مرتبة الحاكم العام وهى تمتد من ١٨٠١ حتى ١٨١١ م. (٢) أما الفترة الثانية فمن سنة ١٨١٢ م حتى ١٨٢٧ م والتى وضع خلالها الأسس الحربية والقواعد الاقتصادية لما سوف يصبح إمبراطورية إقليمية مركزها مصر. (٣) أما الفترة الثالثة فتمت من ١٨٢٨ حتى ١٨٤١ م وهى التى بلغت فيها العظمة المصرية ذروتها والتى شهدت أيضا أوليات انحلال نظامه الاقتصادى (٤) أما الفترة الرابعة فمن ١٨٤١ حتى ١٨٤٨ م وقد اصطبغت بصبغة الإنحلال. ولد محمد على فى أخريات الستينيات من القرن الثامن عشر إذ إن تاريخ مولده المؤكد لا يزال موضع جدل، وقد أطل على الوجود فى ثغر قوله المقدونى الصغير، كان أبوه جنديا عثمانيًا ألبانى الأصل والتبعة ارتقى فى سلم القيادة حتى بلغ رئاسة القوة المحلية من الجند غير النظاميين، ولكنه احترف أيضًا مهنة التجارة فى الطباق (الدخان)، أما أمه فكانت من عائلة والى البلدة؛ وسلك محمد على نهج أبيه فى عمله حتى صدر الأمر بتعيينه سنة ١٨٠١ م نائب قائد العسكر الذين جُنِدَّوا فى قوله للانضمام إلى القوات العثمانية بمصر، وكانت هذه الكتيبة القولية جزءًا من الفريق العثمانى الألبانى الذى أرسلته تركيا لمقاتلة الفرنسيين فى مصر، وكان هذا بداية ظهور نجمه الذى استرعى الأنظار ووصوله إلى ذروة القوة فى هذه الولاية العثمانية التى كانت إذ ذاك مجال حرب. سرعان ما تمكن محمد على من أن يأخذ بيده أزمةَ التنافس على القوة التى كانت تعم مصر إذ ذاك وإن يسيطر عليها سيطرة مكنّته من أن يوظّف -فى مهارة فائقة- جميع الفئات ويجعلها تعمل لصالحه، كما ظل على مدى أربع سنوات ونصف يناور هنا وهناك ليعيّنه

стр. 9034

الباب العالى واليا على مصر، وربما كانت تفاصيل هذه الأمور أقل أهمية من الطريقة التى أمكنه بها تحقيق هذه الغاية تحقيقا فوق العادة، وكانت الإدارة الرئيسية التى حققت آمال الضابط الشاب هى الوحدة العثمانية الألبانية التى ساعدته فى منتصف عام ١٨٠٣ م من أن يصبح قائدها فكان ذلك حجر الأساس فى قيام سلطته وتبوّئه مكان الصدارة، ولقد كانت الجماعات الأخرى المنافسة له هى طوائف البكوات المماليك والوالى العام العثمانى والفرق العسكرية العثمانية وكبار رجالات البلد المحليين، وكان جوهر اللعبة -يمثل فى حفظ التوازن وقيام محالفات قوية، واللعب بالطوائف المعارضة فى ضرب كل واحدة منها بالأخرى، ومعرفة الطريقة التى يمكنه بها تحويل هذه الطوائف جميعها إلى معاونته، وقد نجح محمد على فى كل هذه الأمور. على أن هناك أحداثا خطيرة أدت إلى ارتفاع شأن محمد على جرت فيما بين عامى ١٨٠٣ و ١٨٠٥ م، منها أن المحاربين المماليك كانوا قد انقسموا فيما بينهم إلى طائفتين متنافرتين احداهما بقيادة عثمان بك البرديسى والثانية بزعامة محمد بك الألفى. كما أن المعسكر العثمانى كان هو الأخر منقسم على نفسه بين الوالى خسرو باشا وقائد القوة الألبانية طاهر باشا، وقد أدى هذا إلى صراع عنيف بين الجماعات المختلفة، وحدث فى ابريل ١٨٠٣ م أن ثار الألبان العثمانيون بالقاهرة لتأخر رواتبهم ففرّ خسرو إلى دمياط، وحينذاك أخذ طاهر القيادة فى يده واستدعى المماليك من الصعيد ولكنه ما لبث أن اغتيل، فكان هذا الحَدَث مساعدًا لمحمد على على أن تكون له قيادة الوحدة الألبانية العثمانية التى يمكن اعتبارها أقوى القوى الفعالة فى مصر حينذاك. ونجح محمد على فى تحالفه مع المماليك وهزم خورشيد باشا فى دمياط وجاء به إلى القاهرة يرسف فى أغلال الأسر، ولما كان محمد الألفى قد اتصل فى هذا الوقت بانجلترا فى طلب العون لفريقه فإن التحالف المؤقت اعتمد على العلاقات السياسية بين البرديسى ومحمد على، فأرسلت استانبول واليا آخر إلّا أن هذا التحالف

стр. 9035

قضى عليه فى مستهل ١٨٠٤ م، وعاد الألفى فلم يجد ترحيبا به، واضطرته كتيبة ألبانية عثمانية على الهروب إلى الصعيد، ومن ثم أصبح الهدف الثانى هو التخلص من البرديسى، وكانت الوسيلة إلى ذلك هى بث الاضطراب فى القاهرة، فثارت قوات محمد على فى طلب رواتبهم المتأخرة مما حمل البرديسى على فرض ضريبة جديدة تُجْبَى من الأهالى فأصبح الموقف على وشك الانفجار والثورة وحينذاك ظهر محمد على كأنه المبعوث لخلاص أهل القاهرة فألغى الضريبة وأخرج البرديسى من المدينة، وبذلك وضع أساس تحالفه مع وجهاء البلد من العلماء والتجار الذين أتاحوا له شرعية أخذ السلطة فى يديه فى السنة التالية. وفى خلال الستة عشر شهرا التالية قبل محمد بتعيين وال عثمانىّ وانشغل هو بالزحف مع جنده على المماليك، وحاول الوالى الجديد دَعْم موقفه المضطرب أمام القاهريين بجلب قوات جديدة غير نظامية شامية فلم يجن من سلوكهم الفوضوىّ سوى زيادة غضب العلماء وكبار الأهالى، وبعد عودة محمد على إلى المدينة استطاع بتعاونه مع أهل المكانة أن ينادى به واليًا على مصر، وبعد قليل أدرك الباب العالى مدى قوة محمد على وثبات مركزه فأخّر تعيينه واليًا، ولم تنجح بعد ذلك المحاولات التى بذلت لتحويله من ولاية إلى غيرها مثل جدة وسالونيكا، ولم يكن هذا الاعتراف من الباب العالى سوى اعتراف بقوة مكانة الباشا فى وجه منافسيه للاستحواذ على السلطة فى مصر، وقد استطاع محمد على فى السنوات الست من ١٨٠٥ حتى ١٨١١ أن ينجح فى تثبيت حكمه بتصفية جميع معارضيه، وكانت هذه صفحة جديدة فى تاريخ مصر الحربى والسياسى وفى تاريخ محمد على نفسه، إلّا أن أكبر خطر كان يهدد سلطانه على مصر جاءه من ناحية المماليك، الذين وإن كانوا منقسمين فيما بينهم إلا أنهم اعتصموا بالصعيد، فلم يدخر محمد على وسعا فى استعمال كل الأساليب فى مواجهتهم فحاول استمالة أكبر عدد منهم إلى جانبه أما
следующие страницы →