Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9031–9070 · переход к 9036.
стр. 9031
مدرسة القضاء الشرعى. وفى نفس العام عين فى المجلس النيابى. وأخيرا سمح له بتحقيق رغبته فى العودة للتدريس، فعين عضوا فى جماعة كبار العلماء التى أنشئت بناء على اقتراحه، ومن خلال هذا الموقع أتيح له أن يلعب دورا هاما فى تطوير الأزهر. ومع هذه الأنشطة المتعددة وجد الوقت على مدى خمسة عشر عاما ليكتب العديد من الكتب، من أشهرها "رسالة التوحيد". كما نشر كتابا للدفاع عن الإسلام ضد مدنية الغرب" الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية". أما تفسيره للقرآن فلم يكمله، وقد نشرت مقتطفات منه فى صحيفة تلميذه وصديقه محمد رشيد رضا "المنار" والذى تولى نشره بأكمله فى المنار بعد وفاته. كما قام طلعت حرب بنشر ترجمة لكتابه "الإسلام وأوربا" باللغة الفرنسية. وقد أثارت آراؤه التجديدية والإصلاحية حفيظة التقليديين والمحافظين، والذين لم يكتفوا بتفنيد أفكاره، بل تعدوا ذلك إلى التهجم والتشهير والدسائس. ولكن تعاليمه لاقت قبولا واسعا من المفكرين المسلمين المستنيرين حيث كانت آراؤه تنشر فى الصحيفة الشهرية "المنار". وتوفى محمد عبده فى ١٩٠٥ م، وإن كانت تعاليمه ما تزال تحتفظ بأثرها مضطردا حتى اليوم.
ويضع محمد عبده ثلاثة مبادئ لبرنامجه الإصلاحى:
١ - العودة بالدين لأصوله الصحيحة.
٢ - تجديد اللغة العربية.
٣ - الدفاع عن حقوق الشعب لدى الحكومة. وينبع كفاحه السياسى من مفهوم الوطنية التى كان بلا شك رائدا لها فى مصر الحديثة. وبينما كان خصما لكل من السيطرة السياسية الأوربية والاستبداد الشرقى فى ديار الإسلام، فإنه كان ينادى بالأخذ بالحضارة الغربية مع التمسك بالدين ومبادئه. فهو رجل دين فى المقام الأول، كرس حياته للدفاع عن الإسلام ضد الهجمة الغربية. وبصرف النظر عن مدى تأثره بالحضارة الغربية، فتعاليمه كانت تنبع أساسا من مبادئ ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية التجديدية، وكذا من الفكر الدينى للغزالى. ومن منطلق اقتناع عميق بسمو الإسلام كان
стр. 9032
يهدف إلى تخليصه من كل ما يشوهه، وأن يجعله مواكبا للحياة العصرية وتهيئته لكل تقدم حقيقى عن طريق العودة به إلى مبادئه الأصلية. ومن ثم فقد هاجم التقليد والمذاهب مناديا بالعودة للاجتهاد وخلق إجماع حديث يتمشى مع أحوال العصر ويقوم على أساس من القرآن الكريم والسنة الصحيحة. كما كان ينادى بإزالة الفروق المغالى فيها بين المذاهب، ونبذ البدع والتمسح بالأولياء، كما نادى بتعديل الفقه فى صورته التقليدية إلى قوانين حديثة قابلة للتطور، مبنية على المصالح المرسلة، مؤسسة على روح الإسلام، وبتغليب المنطق على حرفية النص، ، مع اقتناع كامل بأن المنطق لا يمكن أن يتناقض مع الدين، إذا ما فهم على وجهه الصحيح. كما سعى إلى التوفيق بين الدين والعلم الحديث. وفى المسائل العقائدية تبنى مفاهيم عقلانية تتوافق تماما مع الأفكار الأصولية. فالوحى عنده علم ربانى يوهب للأنبياء بهدف تعليم الجماهير، ومن ثم فيجب أن تكون الدعوة الدينية موجهة إليهم وليس للصفوة من المثقفين. ونظر بشك لمسألة الكرامات. وقد بذل محمد عبده جهدا خارقا ليخفف من غلواء النظرة التقليدية للدين، وفى تفسير العلم الحديث بما يتفق مع المنطق الدينى الأصيل. وبالنسبة للتكاليف الدينية فقد كان تمسكه بها كقواعد روحية وقيمية أكثر من كونها طقوسا شكلية.
ومن هذا المنظور الدينى أصبح التدين لديه يتمثل فى التسليم المطلق للَّه وتوقير الأنبياء والالتزام بالقرآن الكريم، والتمسك بقيم أخلاقية وروحانية تؤدى لتقدم الإنسان وتطوره، بصورة تتفق مع بساطة الإسلام وفطريته.
المصادر:
(١) Berg Siraosser: Islam and Abendland, in Auslandsstudieu, Konigshery ١٩٢٩
(٢) J.M.Ahmed: The in tellectaal origins of Egyption Nationalism, Oxford ١٩٦٠, index
على يوسف [ج. شاخت J. Schacht]
стр. 9033
محمد على باشا
يعتبر محمد على باشا -والى مصر العثمانى من ١٨٠٥ حتى ١٨٤٨ م- واحد، من أعظم الشخصيات التى تثير الجدل فى تاريخ مصر الحديث، ويمكن تقسيم سيرته إلى أربعة أقسام:
(١) وصوله إلى مرتبة الحاكم العام وهى تمتد من ١٨٠١ حتى ١٨١١ م.
(٢) أما الفترة الثانية فمن سنة ١٨١٢ م حتى ١٨٢٧ م والتى وضع خلالها الأسس الحربية والقواعد الاقتصادية لما سوف يصبح إمبراطورية إقليمية مركزها مصر.
(٣) أما الفترة الثالثة فتمت من ١٨٢٨ حتى ١٨٤١ م وهى التى بلغت فيها العظمة المصرية ذروتها والتى شهدت أيضا أوليات انحلال نظامه الاقتصادى
(٤) أما الفترة الرابعة فمن ١٨٤١ حتى ١٨٤٨ م وقد اصطبغت بصبغة الإنحلال.
ولد محمد على فى أخريات الستينيات من القرن الثامن عشر إذ إن تاريخ مولده المؤكد لا يزال موضع جدل، وقد أطل على الوجود فى ثغر قوله المقدونى الصغير، كان أبوه جنديا عثمانيًا ألبانى الأصل والتبعة ارتقى فى سلم القيادة حتى بلغ رئاسة القوة المحلية من الجند غير النظاميين، ولكنه احترف أيضًا مهنة التجارة فى الطباق (الدخان)، أما أمه فكانت من عائلة والى البلدة؛ وسلك محمد على نهج أبيه فى عمله حتى صدر الأمر بتعيينه سنة ١٨٠١ م نائب قائد العسكر الذين جُنِدَّوا فى قوله للانضمام إلى القوات العثمانية بمصر، وكانت هذه الكتيبة القولية جزءًا من الفريق العثمانى الألبانى الذى أرسلته تركيا لمقاتلة الفرنسيين فى مصر، وكان هذا بداية ظهور نجمه الذى استرعى الأنظار ووصوله إلى ذروة القوة فى هذه الولاية العثمانية التى كانت إذ ذاك مجال حرب.
سرعان ما تمكن محمد على من أن يأخذ بيده أزمةَ التنافس على القوة التى كانت تعم مصر إذ ذاك وإن يسيطر عليها سيطرة مكنّته من أن يوظّف -فى مهارة فائقة- جميع الفئات ويجعلها تعمل لصالحه، كما ظل على مدى أربع سنوات ونصف يناور هنا وهناك ليعيّنه
стр. 9034
الباب العالى واليا على مصر، وربما كانت تفاصيل هذه الأمور أقل أهمية من الطريقة التى أمكنه بها تحقيق هذه الغاية تحقيقا فوق العادة، وكانت الإدارة الرئيسية التى حققت آمال الضابط الشاب هى الوحدة العثمانية الألبانية التى ساعدته فى منتصف عام ١٨٠٣ م من أن يصبح قائدها فكان ذلك حجر الأساس فى قيام سلطته وتبوّئه مكان الصدارة، ولقد كانت الجماعات الأخرى المنافسة له هى طوائف البكوات المماليك والوالى العام العثمانى والفرق العسكرية العثمانية وكبار رجالات البلد المحليين، وكان جوهر اللعبة -يمثل فى حفظ التوازن وقيام محالفات قوية، واللعب بالطوائف المعارضة فى ضرب كل واحدة منها بالأخرى، ومعرفة الطريقة التى يمكنه بها تحويل هذه الطوائف جميعها إلى معاونته، وقد نجح محمد على فى كل هذه الأمور.
على أن هناك أحداثا خطيرة أدت إلى ارتفاع شأن محمد على جرت فيما بين عامى ١٨٠٣ و ١٨٠٥ م، منها أن المحاربين المماليك كانوا قد انقسموا فيما بينهم إلى طائفتين متنافرتين احداهما بقيادة عثمان بك البرديسى والثانية بزعامة محمد بك الألفى. كما أن المعسكر العثمانى كان هو الأخر منقسم على نفسه بين الوالى خسرو باشا وقائد القوة الألبانية طاهر باشا، وقد أدى هذا إلى صراع عنيف بين الجماعات المختلفة، وحدث فى ابريل ١٨٠٣ م أن ثار الألبان العثمانيون بالقاهرة لتأخر رواتبهم ففرّ خسرو إلى دمياط، وحينذاك أخذ طاهر القيادة فى يده واستدعى المماليك من الصعيد ولكنه ما لبث أن اغتيل، فكان هذا الحَدَث مساعدًا لمحمد على على أن تكون له قيادة الوحدة الألبانية العثمانية التى يمكن اعتبارها أقوى القوى الفعالة فى مصر حينذاك. ونجح محمد على فى تحالفه مع المماليك وهزم خورشيد باشا فى دمياط وجاء به إلى القاهرة يرسف فى أغلال الأسر، ولما كان محمد الألفى قد اتصل فى هذا الوقت بانجلترا فى طلب العون لفريقه فإن التحالف المؤقت اعتمد على العلاقات السياسية بين البرديسى ومحمد على، فأرسلت استانبول واليا آخر إلّا أن هذا التحالف
стр. 9035
قضى عليه فى مستهل ١٨٠٤ م، وعاد الألفى فلم يجد ترحيبا به، واضطرته كتيبة ألبانية عثمانية على الهروب إلى الصعيد، ومن ثم أصبح الهدف الثانى هو التخلص من البرديسى، وكانت الوسيلة إلى ذلك هى بث الاضطراب فى القاهرة، فثارت قوات محمد على فى طلب رواتبهم المتأخرة مما حمل البرديسى على فرض ضريبة جديدة تُجْبَى من الأهالى فأصبح الموقف على وشك الانفجار والثورة وحينذاك ظهر محمد على كأنه المبعوث لخلاص أهل القاهرة فألغى الضريبة وأخرج البرديسى من المدينة، وبذلك وضع أساس تحالفه مع وجهاء البلد من العلماء والتجار الذين أتاحوا له شرعية أخذ السلطة فى يديه فى السنة التالية.
وفى خلال الستة عشر شهرا التالية قبل محمد بتعيين وال عثمانىّ وانشغل هو بالزحف مع جنده على المماليك، وحاول الوالى الجديد دَعْم موقفه المضطرب أمام القاهريين بجلب قوات جديدة غير نظامية شامية فلم يجن من سلوكهم الفوضوىّ سوى زيادة غضب العلماء وكبار الأهالى، وبعد عودة محمد على إلى المدينة استطاع بتعاونه مع أهل المكانة أن ينادى به واليًا على مصر، وبعد قليل أدرك الباب العالى مدى قوة محمد على وثبات مركزه فأخّر تعيينه واليًا، ولم تنجح بعد ذلك المحاولات التى بذلت لتحويله من ولاية إلى غيرها مثل جدة وسالونيكا، ولم يكن هذا الاعتراف من الباب العالى سوى اعتراف بقوة مكانة الباشا فى وجه منافسيه للاستحواذ على السلطة فى مصر، وقد استطاع محمد على فى السنوات الست من ١٨٠٥ حتى ١٨١١ أن ينجح فى تثبيت حكمه بتصفية جميع معارضيه، وكانت هذه صفحة جديدة فى تاريخ مصر الحربى والسياسى وفى تاريخ محمد على نفسه، إلّا أن أكبر خطر كان يهدد سلطانه على مصر جاءه من ناحية المماليك، الذين وإن كانوا منقسمين فيما بينهم إلا أنهم اعتصموا بالصعيد، فلم يدخر محمد على وسعا فى استعمال كل الأساليب فى مواجهتهم فحاول استمالة أكبر عدد منهم إلى جانبه أما
стр. 9036
من لم يُجْد ذلك معهم نفعا فقد رأى مقاتلتهم. ولقد جرت أول نقطة تحوّل فى نضال محمد على ضد المماليك فى أخريات سنة ١٨٠٦ م ومطلع السنة التالية فقد مات فى خلال أربعة أشهر كل من البرديسى والألفى، وأصبح المعسكر المملوكى خاليا من قيادة تستجيب لها الجماهير فى الوقوف فى وجه الوالى, وعلى الرغم من أن ممثل الحكومة البريطانية وقنصلها العام بذلا جهدا كبيرا فى إعادة النظام المملوكى إلا أن ذلك لم يُجد نفعا، فقد استطاع محمد على أن يشدّد قبضته على البلاد بواسطة بعض المناوشات هنا وهناك, حتى إذا كان مارس عام ١٨١١ وجّه للمماليك ضربة قاتلة باغتياله غدرا قوادهم الذى دعاهم إلى حفل أقامه بالقلعة بمناسبة ترقية ولده طوسون وسفره للحجاز، وتلى ذلك تصفية على مجال أوسع للمماليك فى ولايات مصر وبلغ قتلاهم مئات عدة، وتعتبر مذبحة القلعة هذه نهاية قوة المماليك بمصر وإن دخل الكثيرون منهم فى الطبقة العثمانية المصرية الرفيعة، واستمر هؤلاء فى الخدمة فى الوظائف الحربية والمدنية الكبرى طوال عهد محمد على وما بعده. على أن الباشا صادف تحدّيات داخلية وخارجية فلقد أرست فى ميناء الإسكندرية فى مارس ١٨٠٧ م قوة بريطانية وكذلك قوة فرنسية بقصد مساعدة المماليك فى الاستيلاء على الحكومة فى مصر، وعجزت القوات البريطانية عن احتلال رشيد وحاصرتها قوات محمد على بالإسكندرية وضيقت عليها الخناق فجلَتْ عن البلاد بعد الاتفاق. وقد أدّت هذه التطورات إلى إعطاء محمد على فرصة كان محتاجا إليها لإلتقاط أنفاسه من التدخل العثمانى والبريطانى على السواء. غير أنه صادف قوة داخلية معارضة له تلك هى جماعة العلماء بالقاهرة. ولقد رتب محمد على خلال الفترة الأولى من حكمه أن يمكّن لنفسه بتجريده كل ذوى الشأن من السلطة والقوة السياسية فى مصر، وكانت طبقة العلماء هى أكثر هذه الجماعات تأثرا بهذه الخطة من جانبه، إذ كان اعتمادهم الرئيسى على ما يدره
стр. 9037
عليهم اشرافهم على أملاك الأوقاف من دَخْل كان يساعدهم على أن يكون لهم النفود القيادى فى البلد، كذلك كان للعلماء نفود إجتماعى من خلال الطرق الصوفية الموجودة بمصر فى دلك الوقت، وإذ أخذ سلطانه فى القوة بدأ فى العمل على إضعاف نفوذ العلماء ووضعهم تحت سيطرة الدولة، وكان أول هدف له هو عمر مكرم. الذى كان قد توثق ما بينه وبين محمد على أثناء أزمة ١٨٠٤/ ١٨٠٥ م حيث دفع جماهير القاهرة للوقوف إلى جانب الوالى، فلما كان منتصف عام ١٨٠٩ م أقدم محمد على خطوة شديدة الخطورة على العلماء لم يسبق لها مثيل من قبل تلك هى فرضه الضرائب على أراضى الأوقاف فى محافظة البحيرة. فقام العلماء بقيادة نقيب الأشراف عمر مكرم بالاحتجاج على هذا العمل وبدأ الصراع بين الجانبين، ودفعته حاجته للمال للصرف على تحركاته الحربية الداخلية إلى العمل السريع للتخلص من عمر مكرم، وحاول تفريق وحدة العلماء بالتهديد تارة والإغراء تارة أخرى، حتى ينفضوا من حول عمر مكرم ويتركوه وحيدا، فلما لم يفلح فى ذلك نفاه.
ولقد بدأ محمد على خلال فترة دعم مركزه إلى إدخال تنظيم اقتصادى وإحكام قبضته على الأراضى، فعمد فى البداية إلى أن يحل أهل بيته وأعضاء أسرته من حوله محل "الملتزمين"، ثم عمد إلى احتكار الناتج والصادر فى الأراضى التى دخلت تحت سيطرته كلما سنحت له الظروف بهذا الاحتكار، ثم عرف مدى أهمية استقطاب دوى النفود من كبار أهالى البلد والبارزين منهم وبعض شيوخ البدو الأقوياء.
لم يكن محمد على يختلف عن المماليك السابقين فى أساليبه فى تحقيق استقلاله بمصر، ولكن سيره بحذر فى هذا الطريق ساعده على النجاح، فاستطاع أن يُرَوّض أضعف معارضيه، كما عمل على استرضاء أعدائه الذين كان من الصعب عليه أن يهزمهم، وأخيرا فإنه وثّق روابطه واطمأن إلى مجموعة صغيرة من رفاقه
стр. 9038
وأفراد عائلته وأصحابه القولتيين [أى من قوله] وهذه الطائفة هى التى ستكون فى العقود التالية قوام الحكومة العثمانية المصرية المنتقاة.
أما الفترة الثانية من عهد محمد على باشا فقد أمضاها فى وضع أسس إمبراطورية إقليمية وذلك من ١٨١٢ حتى ١٨٢٧ م، ففى خلال هذه الخمس عشرة سنة كرّس الوالى قسما كبيرا من نشاطه فى جمع وتدريب طائفة من الصفوة المخلصة له لتكوين قوات قوية حسنة التدريب فى البر والبحر على السواء، وأقام قاعدة اقتصادية مزدهرة وإدارة حكومية فعالة وشبكة من الخدمات الإجتماعية قادرة على تخريج طبقة رفيعة تعمل فى خدمة الحكومة فيعمل هؤلاء جميعا يدا واحدة؛ ليجعل من مصر داخليا قوة ثانية تعمل على دعم الإمبراطورية التى يسعى الباشا لتأسيسها فى هذه الناحية من العالم خارجة عن سيطرة أملاك مولاه العثمانى الواسعة، وبينما كان محمد على يعمل على بناء هذه الكفايات أرسل أولاده القادرين على رأس حملات حربية إلى الحجاز والسودان وكريت والمورة ولقد أكدّت هذه الحملات مكانة مصر كقوة فعالة إقليميا. وما كاد محمد على يأخذ مقاليد الأمور فى يده بشدة حتى شرع فى تنفيذ مدّ سلطانه على ولايات الشام، وأفضى بهذه الرغبة سرا إلى القنصل البريطانى العام فى سنة ١٨١٢ م، ولم يكفّ عن الافصاح عن هذه الرغبة فى العقدين التاليين، كما أنه ما كاد يقضى على القوة المملوكية حتى اتجه للسيطرة على ثروة البلد، فمسح جميع الأراضى الزراعية ووضع نظاما لجمع الضرائب يخدم مالية البلد، وما أطل ١٨٢١ م حتى كانت جميع الأراضى فى بحرى مصر وقبليها قد حُصرَت وسجلت فى السجلات وقدرت ضرائبها، وبلغت الأراضى الزراعية والقابلة للزراعة خمسة ملايين ونصف مليون فدان، أما الأراضى التى تستحق عليها الضرائب فقاربت ٦٠ % من هذه الأراضى، وقام محمد على فيما بين عامى ١٨١٢, ١٨١٥ م بإلغاء جميع "الالتزامات" وعوّض "الملتزمين" تعويضات بسيطة عما فى أيديهم وقدّر
стр. 9039
الضرائب التى تجبى على أراضى الأوقاف واعتمد فى ذلك على شيوخ القرى والجباة الأقباط.
واتبع محمد على نظام الإحتكار لزيادة الأرباح فى التجارة والتصدير، فراقبت الحكومة كل مظاهر النشاط الزراعى وثبّتت الأسعار والضرائب، ونظمت عمليات المبادلات التجارية والانتاج واهتمت بنظام الرى وجعلت الماء على مدار السنة، وقضت على المنافسة فى غلات البلد الرئيسية من القمح والشعير والفول والأرز والسكر والسمسم والنيلة والقطن القصير التيلة والقنّب، وأدخلت زراعة محصولات جديدة وأخصها القطن الطويل التيلة، مما زاد دخل الحكومة من سنة ١٨٢٠ م فصاعدًا، واهتم محمد على باشا خلال هذا النصف الثانى من حكمه بالصناعة حتى تستطيع أن تزود الجيش بحاجاته فأقام أول ما أقام مصانع لصنع الذخيرة، وشهدت مصر منذ سنة ١٨١٥ م الترسانات فى قلعة القاهرة وبولاق ورشيد والإسكندرية، وأنشأ حول القاهرة مصانع النسيج وامتدت حتى غطت الوجهين البحرى والقبلى سنة ١٨٢٠ م وأشارت الحكومة بتشغيل معامل تكرير السكر والنيلة ومطاحن الأرز ومدابغ الجلود، على أنه فى النصف الثانى من ثلاثينيات القرن التاسع عشر قامت صعوبات كثيرة فى وجه تجربة محمد على الصناعية التى كانت تعتمد على التكنولوجيا الأوروبية والخبراء الأوربيين مما أدى إلى تدهور هذه الناحية.
كذلك تميّز النصف الثانى من حكم محمد على بتغيرات جذرية فى تكوين قوات مصر الحربية وطبيعتها، وبدأت هذه التغيرات خلال حملاته على الأماكن البعيدة، وقد أدت هذه الحملات إلى تعزيز مكانة مصر وارتفاع شأوها واعتبارها القوة العظمى فى المنطقة وحسَّنت علاقاتها بالحكومة العثمانية، وأدرك السلطان أنه يمكن اعتبار محمد على حليفا مُجّديا وقت الحاجة وليس قوة تهديد [وأن كانت قد حدثت مواجهات بينهما فيما بعد]، كذلك أدّى نجاح الوالى إلى زيادة اهتمام الدول الأوربية بالأحوال المصرية، ونافست
стр. 9040
كل من إنجلترا وفرنسا الأخرى فى اهتمامها بزيادة نفوذهم السياسى بمصر، ووثق علاقاته بكل منهما كما يتبين ذلك من تقارير قنصل كل منهما العام وإن اهتم محمد على بفرنسا فاستعان بمستشارين فرنسيين وأصبح إيثار فرنسا واضحا منذ ذلك الحين مما جعل بريطانيا تقف ضده فيما بعد وتنصر الدولة العثمانية عليه، ولما كانت سنة ١٨١١ م طلب الباب العالى من محمد على إخماد الثورة الوهابية فى بلاد العرب واحتلال المدينتين المقدستين بالحجاز، واستغل محمد على هذه الفرصة فى إبعاد عسكره عن الأمور السياسية ليكسب من ورائهم شكر دولة تقف منهم موقفا بعيدا عن الصداقة، وأصبح ولده طوسون القائد الأعلى لحملة أعادت السيطرة العثمانية على الحجاز سنة ١٨٣٠ م، وكان محمد على قد ذهب بنفسه إلى الحجاز لمساعدة ولده طوسون وذلك سنة ١٨١٣ م، ونجح فى إقرار السلام بمقتضى معاهدة أبرمها بعد ذلك بعامين.
ومات طوسون على غير توقع فخلفه أخوه الأكبر إبراهيم باشا وقاد حملة ناجحة على نجد انتهت بهزيمة الوهابيين سنة ١٨١٨ م مما أبهج استانبول كذلك عقد محمد على بعد عامين من ذلك مع إمام اليمن معاهدة مدّت نفوذ الباشا على طول المنطقة الساحلية حتى باب المندب، غير أن الوهابيين استردوا سيطرتهم على نجد سنة ١٨٢٤ م وإن ظل الحجاز تحت النفوذ العثمانى. وبعد أن فرغ محمد على من مشكلة بلاد العرب اتجه بنظره نحو السودان فاندفع بدوافع حربية واقتصادية إلى احتلال النوبة وسنار وكردفان، كما أنه شغل جنوده بأماكن بعيدة عن مصر واستغلهم فى القضاء على بقايا القوة المملوكية فى دنقلة، وكان هدف الباشا من ذلك أيضا السيطرة على تجارة السودان ومناجم الذهبء ولكن كان هناك ما هو أكبر من ذلك ألا وهو تكوين جيش من السودانيين، كما أراد أن يخلق قوة عسكرية على النمط الأوربى الحديث لتحلّ محل القوات التى تسير على النمط القديم، وقد استغرق فتح
стр. 9041
السودان عامين من ١٨٢٠ حتى ١٨٢٢ م، ومات فى هذه الأثناء. ولقد تم تدريب الجيش الجديد على يد الكولونيل سيف المعروف بسليمان باشا وكان جنديا فرنسيا استقال من الجيش الفرنسى بعد ١٨١٤ م وعين فى مصر ولما رأى محمد على ما عليه جند السودان من ضعف عمد إلى تكوين جيش من المصريين مما كان له نتائجه الكبيرة والبعيدة فى المجتمع المصرى وفى تكوين الطبقة العثمانية العليا المصرية، وأتيحت الفرصة لمحمد على لاختبار كفاءة جيشه الجديد حين التمس منه السلطان العثمانى محمود الثانى إخماد ثورة باليونان، وكان جزاؤه على ذلك أن منحه السلطان كلا من كريت وقبرص ثم المورة، وكان ابنه إبراهيم باشا يقود هذه الجيوش الجديدة من نصر إلى نصر حتى تمكن من الاستيلاء على أثينا فى يونيو ١٨٢٧ م. ثم قامت روسيا وبريطانيا وفرنسا -على غير ما كان ينتظر محمد على- بأن فرضوا الهدنة فعارضتها الحكومة العثمانية ولكن بلا جدوى، وتحطم الأسطول العثمانى المصرى فى "نفارينو" فى أكتوبر ١٨٢٧ م، وجلت قوات إبراهيم باشا من المورة بعد ذلك بسنة، وقد برهنت هذه الأحداث على أن محمد على كان المنافس والعدو الأكبر لكل من السلطة العثمانية والمخططات الأوروبية، وانصرف محمد على بعد أحداث اليونان انصرافًا تامًا لاحتلال بلاد الشام، مما حمل البعض على اعتباره استعماريا.
ولقد أدّى نظام الاحتكار وإدخال القطن الطويل التيلة وتكوين جيش جديد إلى حدوث تنظيم إدارى لم يكن موجودا من قبل وكان جوهر هذا التظيم هو تحويل حكومة الباشا إلى منظمة بيروقراطية إجتماعية، وقد أخذ هذا الاتجاه الجديد يظهر منذ مستهل الفترة الثانية من حكمه وذلك بتعيين أعضاء من آل بيته لمراقبة ما يجرى، ثم تلى ذلك إدخاله العناصر المحلية القيادية كموظفين تدفع لهم أجور من الإدارة, وإذا كان هذا التنظيم الادارى
стр. 9042
قد تأثر إلى حد كبير بالتجربة العثمانية فإنه فى الوقت ذاته قام على مثال التنظيم البونابرتى، كذلك قامت باصلاحات إجتماعية من بينها الاهتمام بالتعليم والصحة، فأُرسلت البعثات من التلاميذ إلى أوربا ذلك بدءا من سنة ١٨٠٩ م على أنها أخذت فى الزيادة حتى بلغت أقصاها منذ منتصف العشرينيات فصاعدًا وأنشئت مدرسة المساحة ١٨١٦ م، وتلتها عدة مدارس عسكرية فى صعيد مصر والقاهرة والإسكندرية، وكان القائمون بالتدريب فيها من الأوربيين كذلك كانت برامجها هى الأخرى أوروبية.
أما الفترة الثانية من عهد محمد على باشا فلم تكن فترة تتسم بالهدوء فيما يتعلق بالطبقة الدنيا فى المجتمع المصرى فقد حدثت عدة أوبئة فى الصعيد فى عام ١٨١٣، ١٨١٦ م وراح ضحيتها الكثيرون، وازدادت الأعباء على كاهل السكان، وأدت زيادة الضرائب والشدة فى جمعها والرقابة النافذة إلى ظهور وزيادة السخرة فى مشاريع الرىّ والزراعة كما كثرت المصادرات، وأحس بالعبء كل من الفلاحين والمدنيين، واضطرت النساء تحت هذه الظروف إلى القيام بالخدمة إلى جانب أعباء عملهن ببيوتهن. وتحت هذه الظروف القاسية قامت محاولة للإطاحة بالباشا من داخل الطبقة المختارة، فقد حدث فى أثناء قيام محمد على بالحج أخريات سنة ١٨١٣ م ومرافقته للحملة على الحجاز أن أذاع أحد كبار الموظفين إشاعة بأن الوالى مات وحاول أن يأخذ مقاليد الأمور فى مصر فى يده، إلّا أن نائب محمد على بمصر وكان وفيًا له قضى على الثائر وحفظ العرش لمولاه الباشا حتى أنه أطال بقاءه فى الحجاز دون أن يتسرب الخوف إلى نفسه.
محمد على حاكما لامبراطورية اقليمية (١٨٢٨ - ١٨٤١ م):
لقد كانت هذه الفترة من حياة محمد على فترة بلوغه القمة، بدأت بارتقائه ذروة القوة وانتهت بتحطيم حلمه وكانت الثلاثينيات من القرن التاسع
стр. 9043
عشر ملأى بالمتناقضات، فقد شهدت أعظم نجاحات الوالى ولكنها رأت أيضا بداية انهيار بعض مخططاته الطموحة، فقد تمكنت مصر خلال هذه الفترة أن تمكن لحاكمها المستقل فرض سياسته على سكان إقليم واسع كل السعة وزيادة موارده الاقتصادية، كما أدت معارضة أوربا لتوسعه الذى أدّى إلى انهيار امبراطوريته، هذا إلى جانب أن مشكلاته الاقتصادية وصعوباته الادارية عطلت تنظيماته. أما الفترة الثالثة فقد بدأت مع عودة حملة إبراهيم باشا من المورة، إذ انصبت جهوده على تكوين قوة بحرية وبرية استعدادا لتكوين امبراطورية ضخمة، وإذ كان محمد على يعد ولايات الشام واقعة داخل مجاله من الناحيتين الاستراتيجية والتاريخية، فقد وجّه عنايته بتقدمها ومن ثم عقد محالفات مع زعمائها المحليين، حتى إذا وجد أن قواته البرّية والبحرية أصبحت على أتم أهبة للزحف شمالًا راح يتلمس ذريعة تبرر له الهجوم عليها، وكانت هذه الذريعة حين رفض والى عكا عبد اللَّه باشا -وكان حليفا سابقا له- أن يشارك إلى جانب محمد على، فكان من جراء ذلك خروج إبراهيم باشا بحملة سنة ١٨٣١ م لمحاصرة عكا، واحتلت هذه الحملة فى منتصف ١٨٣٢ م وأقاليم فلسطين، كما استطاعت بالمساعدة التى قدمها لها فى لبنان بشير الثانى، أن تستولى على صيدا وبيروت وطرابلس ودمشق، وفى ديسمبر من السنة ذاتها أنزلت القوات المصرية الهزيمة بالجيش العثمانى قرب "قونية" وأسرت الوزير الأعظم، حتى إذا تقدمت الجنود المصرية نحو "كُتاهية" لم تعد المشكلة مشكلة عثمانية داخلية، واتهم السلطان العثمانى محمد على بالعصيان وكان السلطان إذ ذاك هو مراد الثانى الذى طلب تدخل روسيا الحربى، الأمر الذى حرك كلا من بريطانيا وفرنسا لبذل وساطتهما عند القاهرة لكن كان هدفهما وقف تقدم محمد على ووضع حد لتوسعه، وقد تمكن هو وولده إبراهيم من الحصول على تنازلات كبيرة من جانب السلطان
стр. 9044
أثناء المفاوضات التى جرت، والتى انتهت بحصول محمد على الاشراف على الشام وكريت وأدنة نظير انسحاب جيوشه وهكذا أصبح محمد على يحكم بلادا شاسعة تمتد من السودان والحجاز إلى القسم الشرقى من الأناضول.
ولقد أدت حاجة الجيش والإدارة إلى مجموعة من المهرة المدربين فى مجالات العلوم العسكرية والمهن المدنية إلى الاهتمام بمسألة التعليم والتدريب على جميع المستويات، وكانت الخطوة الأولى إلى التعليم الغربى تتمثل فى إرسال بعثات من التلاميذ المصريين إلى أوربا للتدريب حتى أنه بلغ عدد التلاميذ الذين أرسلوا للخارج ثلاثمائة وخمسين طالبا فيما بين ١٨٠٩, ١٨٤٨ م، وأخذ الباشا منذ منتصف العقد الثالث من القرن التاسع عشر يهتم بالتعليم داخل البلاد من القاع إلى القمة حتى يسد حاجات البلد, فشرع فى تأسيس التعليم العالى والمدارس الحرفية ثم انتقل بعد ذلك إلى الاهتمام، بالتعليم الابتدائى فأنشأ مدرسة ابتدائية وأخرى ثانوية، كما كثرت المدارس العليا ونشر شبكة من التعليم على المستويَيْن الأَولى والمتوسطة، وأنشأت الحكومة أيضا المدارس التالية فيما بين ١٨٢٥, ١٨٣٦ م. المعاهد البحرية الحربية لتخريج ضباط مدربين وعسكر فى شتى الدرجات العسكرية (من مشاة وخياله وسلاح مدفعية)، وأسس مدرس الطب وأخرى للصيدلة، وغيرهما للحرف والصناعات والهندسة المدنية والإدارة ومدرسة للغات والترجمة، كذلك أسس مدارس أخرى أقل من هذه أهمية لم يقتصر وجودها على القاهرة والإسكندرية بل تعداهما إلى المحافظات، وقامت وزارة المعارف، غير أنه بحلول العقد الخامس تضاءل عدد هذه المدارس بل وأغلقت بعضها أبوابها وإن قامت غيرها ولكن بأعداد صغيرة. وقد اهتم التعليم بالدرجة الأولى بكل ماله صلة بالعسكرية. ونستمد من تعداد جرى سنة ١٨٥٠ م أن عدد الذين تعلموا القراءة والكتابة
стр. 9045
ارتفع فى هذه السنة فبلغ ٣ % هن الكبار بعد أن كان ١ % فى سنة ١٨٣٠ كما تأسست مطبعة بولاق سنة ١٨٢٠ م وبدأت فى إخراج مطبوعاتها سنة ١٨٢٢ م، وتلى ذلك فى السنوات القلائل بعد ذلك قيام ثمانى مطابع أخرى، كما صدرت فى سنة ١٨٢٨ م جريدة رسمية باللغتين التركية والعربية باسم الوقائع المصرية، كذلك فإنه فتح مدرسة للترجمة سنة ١٨٣٦ م ومكتبا لها سنة ١٨٤١ م أدّى إلى أن زخر عهد محمد على بترجمة المئات هن الكتب والمراجع الأوربية إلى العربية وتم معظم ذلك بإشراف رفاعة رافع الطهطاوى أحد أعظم رجال التنوير المصريين فى القرن التاسع عشر. كما طرأ تطور كبير على فن العمارة الذى بلغ ذروته فى العقد الرابع من ذلك القرن حيث حلت الفنون المعمارية اليونانية والإيطالية والإسبانية محل الفنون المملوكية والعثمانية القديمة وكانوا يطلقون على العمارة العثمانية فى العربية اسم "الرومية" وحلت منذ هذا العقد النوافذ (أو الشبابيك) محل "المشربيات". كذلك اهتم محمد على بإقامة السدود ومعسكرات الجند ومرافئ للسفن والمستشفيات والقصور الضخمة لأهل الجاه، وحفرت قناة المحمودية وأنشئت القناطر الخيرية والمسجد الكبير بالقلعة، وزاد الاهتمام بتحسين الطرق لنقل التجارة والمنسوجات، وفتحت بعض الشوارع الكبيرة لاسيما فى القاهرة، ووسع بعض ما كان موجودا من قبل لتتسع لمرور العربات. ولم يقتصر على الاهتمام بتعليم الجيش والموظفين وتدريبهم، بل صرف عنايته أيضا إلى صحة الجميع فعهد إلى الطبيب الفرنسى "كلوت بك" بالإشراف على هيئة صحية عسكرية للاهتمام بصحة جنده العامة ورفع روحهم المعنوية وأنشئ مجلس للصحة وعزل المرضى نتيجة انتشار وباء الكوليرا سنة ١٨٣٠ - ١٨٣٢ م، وسن قانونا للصرف الصحى لمدينة الاسكندرية فى أعقاب انتشار الطاعون سنة ١٨٤١ م، وأقيم
стр. 9046
مركز للتطعيم فى الصعيد، وأنشئت المستشفيات فى كافة المديريات بمصر، وعلى الرغم من كل هذه الإنجازات إلّا أن البلاد لم تخل مما يقلق الهدوء الداخلى، وإذا كانت هذه الإضطرابات قد ظهرت فى الداخل إلا أنها ما لبثت أن ظهرت أيضا فى البلاد الخارجية الخاضعة لحكم محمد على لاسيما فى بلاد الشام، ذلك أنه فى إعداده للحملة على سورية استنفد موارد مصر مما جعل الناس يعيشون فى مغبة بالغة أرهقتهم كل الإرهاق، وضجر الفلاحون من أثار الطواعين والأوبئة التى اجتاحت البلاد عام ١٨٣٠, ١٨٣٥ م.
وكان محمد على يصر على وجود جهاز حكومى مركزى يكون هو رئيسه الأعلى ولذلك أصدر قانون ١٨٣٧ م ألغى به جميع المجالس وكوّن إدارات جديدة. على أن اهتمام الوالى بدخول مصر سوق الاقتصاد العالمى عرّض البلد وأسواقها لهزات مثل للك الهزة التى حدثت أولا فى سوق المال الدولى سنة ١٨٣٦ - ١٨٣٧ م مما أدى إلى تدهور أسعار القطن تدهورا شديدا فعانى البلد نضب موارده، يضاف إلى ذلك المصاعب التى صادفها فى حكم الشام، إذ تزايدت الكراهية هناك من الحكم المصرى نتيجة لمحاولة تطبيق النظم المصرية بسورية، وكذلك بسبب زيادة الضرائب بل وفرض ضريبة الرؤوس حتى على المسلمين وإدخال نظام الاحتكار وتطبيق السخرة. وكانت متطلبات الصرف على الجيش الضخم عبئا ثقيلا باهظا على الخزانة، وما كاد العقد الرابع يقارب الانتهاء حتى أغلقت عشرات من المؤسسات، كما أن الأهالى راحوا يفرون من قراهم، فلما رأى الباشا ما فيه من أزمة اقتصادية وتزايد تأفف السكان الذين أرهقهم الوضع إذ ذاك أخذ يتراجع عن سياسته الإدارية لاسيما فى الزراعة، وبدأ منذ سنة ١٨٣٨ م فصاعدا يقطع الاقطاعات الكبرى إلى أفراد من أسرته مما ترتب عليه قيام الاقطاعيين الكبار، كما قام فى الوقت ذاته بإنشاء ما عرف بنظام "العهدة"، وهو أن يعهد إلى رجال من
стр. 9047
الطبقات الكبيرة نواحى تتألف من قرى قد تأخرت عن دفع التزاماتها الضرائبية، يقوم أصحابها الجدد بدفع ما على الناحية للخزانة ويكون له مطلق التصرف فى زراعتها واستعمال السخرة فى ذلك ويكون دخل هذه النواحى ملكا لهؤلاء الكبار، وكان معنى هذا رجوع الباشا إلى النظام الذى كان قد ألغاه فى العقد الثانى من ذلك القرن. لكن على الرغم من كل هذه المشكلات الداخلية إلّا أن الوالى لم تبارحه مطامعه فى الاستقلال ففى منتصف عام ١٨٣٨ م أعلن للدول الأوروبية عزمه على إعلان استقلاله، وعلى الرغم من أن ردّ الدول على هذا العزم كان سلبيا إلّا أنه لم يتراجع عنه وعارضه السلطان محمود الثانى رغم حركاته الاصلاحية واعتبره خائنا ولبث بجيش عثمانى مدرب على الأساليب القديمة فعبر الفرات وزحف حتى إذا صار على الحدود الشمالية لحلب أنزلت به قوات إبراهيم باشا فى يونيو هزيمة ساحقة؛ ومات السلطان باستانبول قبل أن تصله أخبار هذه الفاجعة، فلما اختير خسرو باشا (عدو محمد على اللدود) وزيرا أول، حدث أن سلم الأسطول العثمانى كله الموجود بالإسكندرية للباشا، وقام السلطان الجديد عبد المجيد فأعلن حكم مصر وراثيا فى أسرة محمد على، ولم يكتف محمد على بذلك بل طالب بأن تكون له امتيازات فى الشام وأدنة ولم يمكن الوصول فى المفاوضات إلى حل بل وصلت إلى طريق مسدود بسبب وجود خسرو باشا فى الوزارة العثمانية، لكن ما أن تم خلعه سنة ١٨٤٠ م حتى عادت الاتصالات من جديد، وكادت أن تنجح لولا تدخل الدول الأوربية لما رأته فى ذلك من ضرر بمصالحها فقامت بريطانيا والنمسا وبروسيا وروسيا بامضاء ما عرف باتفاقية لندن (يوليو ١٨٤١ م) وفرضت على الطرفين: السلطان والوالى وضعًا يقضى بأن يكون حكم مصر وراثيا لمحمد على وإن يكون له الحكم فى ولاية عكا طول حياته، وكان هذا الاتفاق جزءًا من موضوع كبير يتعلق بالصراع حول المضايق المائية، وكانت فرنسا فى
стр. 9048
بادئ الأمر تؤيد محمد على لكنها -وقد عرفت الاتجاه- انضمت إلى الحلفاء، وقدم هذا الاتفاق إلى محمد على على لم نه انذار نهائى فان لم يقبله ارغمته الدول على قبوله بقواتها الحربية المشتركة، فلما لم يتزحزح الباشا عن موقفه تم الاستيلاء على بيروت بعد عمليات برية وبحرية، وقامت ثورة فى لبنان أدت إلى قيام قوات الحلفاء بالاستيلاء على عدة مدن ساحلية، كما ظهرت وحدات بحرية بريطانية أمام شواطئ الاسكندرية، وترتب على هذه الأمور كلها أن قام إبراهيم باشا بالخروج من سورية وقبول محمد على بشروط اتفاقية لندن والنزول على ارادة الدول الأوربية وأعاد الاسطول العثمانى إلى بلاده وأصدر السلطان فرمانا يوافق فيه ويؤكد حق محمد على فى أن تكون مصر وراثية فى أسرته وكان ذلك فى شهر يونيو ١٨٤١, وقد أدى هذا القرار السلطانى إلى تحديد حجم جيش مصر، وأن لا يتم عقد اتفاق لمحمد على مع دولة أجنبية إلا بعد الموافقة العثمانية، على أن الجيش أصبح أكبر قليلا من ثمانية عشر ألف عسكرى.
أما الفترة الرابعة من حكم محمد على (١٨٤١ - ١٨٤٨ م) فهى الفترة الأخيرة له وتعتبر أيضا بداية عهد جديد فى تاريخ مصر فى القرن التاسع عشر أى أنها كانت الفترة النقضية بين سقوط الامبراطورية الإقليمية وقيام إسماعيل باشا فى منتصف الستينيات، أما ما كان بينهما من حكم عباس (١٨٤٨ - ١٨٥٤ م) وسعيد (١٨٥٤ - ١٨٦٣ م) والفترة الأولى من حكم إسماعيل، ففى هذه السنوات كانت مصر تتخلص شيئا فشيئًا من نتائج حروب محمد على التوسعية واصلاحاته التعسفية، وكان الفصل فى "القضية المصرية" مؤديا إلى خروج مصر من "الأجندة" الدولية وعلى أثر ذلك تمكن الباشا من تغيير طبيعة معاملاته مع الدول الأوربية وأن يعيد النظر فى صلاته بالسلطان وتحسن علاقاته باستانبول، حتى
стр. 9049
لقد زارها وذلك سنة ١٨٤٦ م وصار إلى فلك الدولة العثمانية، وراح يتاجر مع الدول الأوربية ويستعين بالقناصل الأوربيين فيما يتعلق بالاحتكارات ويستفيد من التجربة الأوربية فى تقدم البلد، وأذن فى سنة ١٨٤١ م لإنجلترا التى كانت من أكبر الدول التى عملت على إضعافه، أن تنشئ خطا منتظما لتجارتها مع الهند، تنقل فيه تجارتها برا. من الإسكندرية إلى السويس، كما رتب زيارة له لإنجلترا ولكن لم يقدر لها أن تتم، ولقد تزامن بلوغ قوة محمد على الحربية والسياسية ذروتها مع انهيار مركزيته الإدارية والاقتصادية. أما من ناحية الأراضى فقد ظل الأمر على ما هو عليه من إقطاع أسرة الوالى أراضى زراعية كبيرة، سميت "بالابعاديات" وذلك منذ العقد الثالث من القرن، وقد بلغ هذا النظام ذروته فى العقد الخامس من قلة المحصول وانتشار وباء الكوليرا وتفشى طاعون الماشية والأغنام مما أدّى إلى تأخير الضرائب وتراكمها، هذا إلى جانب أن ملاك الاقطاعيات رأوا أن الخير لهم فى القضاء على الرقابة الحكومية على الأسواق وفى اتصالهم المباشر بالمشترين، وبهذا قام صراع داخلى فى منتصف الأربعينيات بين ملاك الأراضى ومشايخ القرى حول انتفاع كل جانب منهم بالفلاحين، وقد أدى هذا كله إلى استمرار ضعضعة الاحتكارات وسقوط نظام الرقابة فى الريف الذى ابتدعه الباشا، مما ترتب عليه قلة دخل الحكومة وتدخل التجار الأجانب فى موضوع الزراعة فى الداخل، كما أخذت المصانع فى التوقف وكان هذا نتيجة طبيعية إلى انتهاء العمر الافتراضى للآلات وعدم حسن صيانتها وقلة المهارات الفنية، كما قلت موارد المياه التى تضخها الآلات التى أخذت هى الأخرى فى الضعف لسبب عدم موالاتها بالإصلاح كما يرجع بعض منه إلى نفوق كثير من ثيران إدارة السواقى نتيجة لانتشار الطاعون، كذلك أدى تقليل عدد الجيش إلى اضعاف قوة الشراء من السوق المحلية مما نجم
стр. 9050
عنه قلة الاقبال على منتجات مصانع الباشا، ويضاف إلى ذلك كله ما ترتب على اتفاقية "بالطة ليمان" ١٨٣٨ م، البريطانية العثمانية إلى تحسين أحوال التجار البريطانيين فى الدولة العثمانية، فقد ألغت هذه الاتفاقية نظام الاحتكار ونظمت قواعد جمع الضرائب الجمركية والواقع أنها فتحت الأبواب أمام المنافسات الخارجية، وأضعفت قوة المنتجات المحلية أمام المنتجات الأجنبية، ولقد حاول محمد على الحيلولة دون تطبيق هذه الاتفاقية فى مصر ولكنه اضطر فى النهاية للاستسلام لها. ومهما كان الأمر فقد استطاع محمد على تكوين ادارة مصرية عثمانية عظيمة كانت احدى انجازات عهده الكبرى الجليلة، وقد اختار لتسييرها جماعة من حاشيته وآل بيته، فكان فيهم رفاقه من أهل "قَوَله" وأخرين من الموظفين العثمانيين الذى ارسلتهم استانبول ومن خاصة مماليكه ومماليك من العهد السابق والكتاب اقبط والمترجمين الأرمن وكبار أهل الريف المصريين، هذا إلى جانب مجموعة من المستشارين الأوربيين الذين وكل الباشا إليهم الوظائف الكبرى والذين اعتنق بعضهم الإسلام. وقد تم بلوغ هؤلاء جميعا ذروة التمكن فى خلال العقدين الأخيرين من حكم محمد على، وأصبح الجميع من أشد المخلصين فى أداء خدماتهم له كذلك شغل العملاء والناطقون بالعربية والتجار مكانة مرموقة فى أمور الدولة المصرية السياسية، وبجانب هذا نجد أن الحكومة استطاعت فى سنة ١٨٤٠ فى جعل مشيخات الطرق الصوفية تحت اشرافها بتنظيمها جميعا تحت "شيخ البكرية" ولقد كان أبرز الشخصيات فى رجال الدولة فى العهد الأخير من حكم الباشا وولده إبراهيم وحفيده عباس، ولما كانت سنة ١٨٤٧ م وهن الباشا. "العجوز" كما عرف بعدئذ، وانحل بدنه ويقال أن ذلك راجع إما إلى تقدمه فى السن أو لتأثير نترات الفضة التى كانت تدخل فى أدوية معالجته من "الدوسنتاريا", وأصبح الامر فى يد إبرهيم الذى القيت إليه
стр. 9051
رسميا مقاليد الحكومة فى سنة ١٨٤٨ م، لكنه ما لبث أن مات بعد ذلك بأربعة شهور فقط. وحينذاك خلفه عباس باشا (الأول) الذى استطاع تأكيد وراثة مصر فى الأسرة. أما الباشا "العجوز" فقد مات بالاسكندرية يوم الثانى من أغسطس ١٨٤٩ م وهو لا يدرى بما يجرى حوله ودفن بجامع القلعة الذى كان قد شرع فى بنائه ثم أتم عباس اصلاحات محمد على وامبراطوريته ولم تكن مصر تفرغ من حرب حتى نهاية الفترة الأخيرة من حكمه إلا لتدخل فى حرب، وكانت جهود الباشا فى عهد تدعيم وإرساء الدولة منصبة على محاربة منافسيه وخصومه المحليين واتجه خارجيا فحارب "الوهابيين" فى شبه الجزيرة العربية ثم كان دخوله السودان عقب انتصاره فى الحجاز وتلى ذلك حملاته فى بلاد اليونان وحربه فى الشام وكان هدفه من كل هذه الحروب تأكيد قوة مصر وجعلها دولة إقليمية كبرى مع حرية التحرك داخليا وخارجيا، ولا يعرف على وجه التأكيد أكان يهدف حقا فى أخريات الثلاثينيات إلى الاستقلال التام أم كان ذلك مجرد طلب ليضمن أن يكون الحكم وراثيا فى كل امبراطوريته تحت السيادة العثمانية. ولقد رأى الفلاحون فى التجنيد الاجبارى مضرة بهم، وكان أبناء الأسرات والأقوياء يؤخذون بالسلاسل، وما يكاد الجيش يُجمع حتى تصرف له الملابس والأطعمة ويتم تدريبه ويُمد بالسلاح ويعنى به صحيا وتدفع للجند رواتبهم، وقد تطلب ذلك كله أموالًا كثيرة، فوقع عبء ذلك على وجه الخصوص على الريف، وإذا كان قد قصد بالتجارة فى المحصولات الزراعية تمويل الحملات فإن الصناعة قد خصصت للصرف على ملابس العسكر وتجهيزهم. ولقد عده المؤلفون المصريون بطلا قوميا، كما أن رغبته فى اقتباس المعرفة والتكنولوجيا من الأوربيين لإنشاء جيش حديث وأقامة قاعدة اقتصادية فيه وضعته فى مصاف المستنيرين المتقدمين ولقد نُعِتَ بأنه "مؤسس مصر
стр. 9052
الحديثة" مما كان له وقع جذاب فى أذهان الأوربيين والشرقيين على السواء، وقد استطاع محمد على باشا -وهو الجندى العثمانى- أن يرقى بفضل مواهبه وأطماعه وقوة عزيمته وبعد نظره، فانتزع من السلطان دولة ظل الحكم فيها وراثيًا لأسرته حتى عام ١٩٥٢ م، ولم يكن محمد على يعرف العربية ولا الإنجليزية ولا الفرنسية ولكنه كان يتكلم التركية، وجعل مصر غايته وأقام بها حكومته وأتاح لمصر أن تكون دولة قوية منظمة، وإن تكون أداة فعالة لا يمكن الاستغناء عنها فى العالم الحديث.
وقد جمع محمد على بين القائد الموهوب والادارى البارع، وكان رجلا عصاميا قل أن يجود الزمان بمثله، ومن ثم فلا عجيب أن كرس الباشا كل جهوده ونشاطه لإنشاء قاعدة حربية قوية وقاعدة اقتصادية ثابتة الدعائم حتى يظل محتفظا باستقلاله فى هذا القسم من العالم ويؤكد المؤرخون المحدثون تأكيدا كبيرا على شخصيته وأفعاله وفتوحاته وإصلاحاته وأفكاره مما عمل على تكوين أمة مصرية حديثة.
المصادر:
(١) د. رؤوف عباس: النظام الإجتماعى فى مصر فى ظل الملكية الزراعية.
(٢) د. أحمد عزت عبد الكريم: تاريخ التعليم فى عصر محمد على.
(٣) د. على الجريتلى: تاريخ الصناعة فى مصر.
(٤) عبد الرحمن الرافعى: عصر محمد على.
(٥) د. محمد محمود السروجى: الجيش المصرى فى القرن التاسع عشر.
(٦) Tucher: Women in ١٩ th Cent Eygpt
(٧) G. Wiet: moh. Ali et les beaus arts
د. حسن حبشى [أ. ر. توليدانو E.R. Toledano]
стр. 9053
محمد بن القاسم
محمد بن القاسم الثقفى من أشهر القادة العسكريين فى الدولة الأموية. وقد غزا الهند. وكان من أشراف ثقيف فى زمانه، وممن كان الحجاج يميل إليهم حتى لقد اعتبره كفؤا لأخته زينب فزوجها له، وترجع شهرته أساسًا إلى حملاته التى قام بها فى ولاية السند فى القسم الغربى من الهند، وقد اختاره الحجاج لقيادة حملة كانت خارجة لغزو السند فيما بين عامى ٨٩, ٩٢ هـ بعد أن فشل اثنان من القواد فلجأ فى تأديب داهر حاكم السند بسبب عدم قدرته (أو بسبب عدم توفر الرغبة عنده) فى الضرب على أيدى القرصان الذين طالما اعترضوا طرق السفن الإسلامية قرب ساحل ولايته، واهتم محمد بن القاسم بتجهيز حملته الحربية هذه اهتماما بالغا، وسلك جيشه الرئيسى الطريق البرى عبر صحراء مكران وكانت الامدادات والتعزيزات الحديثة تصله بحرا، وكانت أول مدينة هندية يتم فتحها على يد ابن القاسم هى مدينة "دَيْبل" الواقعة عند مدخل نهر السند، فلما فرغ محمد من إقامة مستوطنة إسلامية هناك تقدم شطر الشمال الشرقى واشتبك مع داهر فى معركة أسفرت عن مقتل داهر كما تم له فتح عدد من المدن الأخرى كانت أهمها، ملتان التى اشتهرت بمعبدها وكانت مركزًا هامًا من مراكز الحج الهندوسى.
على أن حياة محمد بن القاسم انتهت على حين غرة نهاية مؤلمة بموت كل من الوليد بن عبد الملك والحجاج وتولى سليمان بن عبد الملك الخلافة سنة (٩٦ هـ/ ٧١٥٠ م)؛ فقد أعفى هو وآخرون من أنصار العهد السابق مما فى أيديهم من أعمال، وأعفى هو من القيادة وزج به فى السجن وراحوا يعذبونه حتى أسلم الروح.
كان محمد بن القاسم فى السابعة عشرة من عمره (وقيل بل فى الخامسة عشرة) حين سار على رأس حملته لفتح الهند وأصبح واسطة عقد حركة فتح حربى ناجحة فى هذه السنّ المبكرة كما يقول ابن قتيبة فى كتابه عيون الأخبار، وكانت فتوحاته ومعاملاته مع الحكام الذين تغلب عليهم ومع الأهالى
стр. 9054
تمثل فكرة كتابه فى التاريخ الهندى الإسلامى لتعرف باسم "شاش نامة"، وبناء على ما جاء فى هذا الكتاب فلم يكن مقتل محمد بن القاسم راجعًا فقط إلى تغير الحكومة فى دمشق بل لقيام ابنتى داهر فى طلب الثأر لأبيهما فاتهمتا ابن القاسم زورًا وبهتانًا بالاعتداء على عرضهما حينما كانتا فى كفالته قبل ارسالهما إلى بلاط الخليفة بدمشق (وهذا ما جاء فى كتاب شاش نامة لمؤلفه على بن حميد بن أبى بكر الكوفى وترجمته) على أنه قال كما جاء فى فتوح البلاذرى "ما البد إلّا ككنائس النصارى واليهود وبيوت نيران المجوس" وهو قول يؤكد وضع الهندوس منذ القديم فى جماعة أهل الذمة، على حين أن المصادر العربية الأخرى توضح وضوحا تاما أن سياسة محمد بن القاسم تجاه الشعوب المفتوحة كانت تختلف بعضها عن بعض تبعا لاختلاف الأماكن، وأن هذا القول المذكور أعلاه حمل كثيرًا من الكتَّاب المسلمين المحدثين لاعتبار محمد مثالًا للتسامح فى الإسلام فى أوليات عهده.
انظر فى هذا كله: تاريخ اليعقوبى والطبرى، تاريخ الرسل والملوك وابن سعد، وابن الأثير الكامل، والعراقى بالوفيات للصفدى، ونزهة الخواطر لعبد الحىّ الحسنى، وتاريخ ما للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة للبيرونى.
Elliot, Dowsow: Hist of India as told ly its own hestorions (١٩٦٧), Jofor: End of muh. ibn Qasim' Eriedmann. The Temple of multan
وانظر أيضا بطل ثقيف محمد القاضى.
ومحمد بن القاسم فاتح الهند لعمر أبى النصر.
مروان حسن حبشى [ى. فريدمان Y. Fredmann]
محمد بن محمود أبو شجاع
محمد بن محمود بن ملك شاه، أبو شجاع غياث الدنيا والدين السلطان السلجوقى الذى حكم من ٤٤٨ هـ حتى ٤٥٥ هـ (= ١١٥٣ - ١١٥٩ م)، ولقد أدى موت السلطان مسعود بن محمد سنة ٥٤٧ هـ (دون أن يترك ولدا
стр. 9055
يخلفه) إلى فترة من الفوضى التى انتشرف فى دولة السلاجقة الكبرى, وتمثل ذلك مع العديد من الأمراء السلاجقة حيث طالب كل منهم بالعرش نفسه، وكان من بين هؤلاء الأمراء سليمان شاه أخو مسعود وأخوه محمود وطغرل بك ولكنهم كانوا جميعًا -باستثناء محمد- ضعافًا، يعتمد كل منهم على الأتابكة الأتراك وغيرهم من الأمراء الذين احتفظ بعضهم بالأمراء السلاجقة وعاشوا فى بلاطهم يتخذون ذريعة لتحقيق أطماعهم الشخصية، ولم يتبين عماد الدين على أحد منهم إلّا على محمد فعدّه أعظم السلاجقة وأعلمهم.
وقد ولد محمد فى ربيع الثانى سنة ٥٢٢ هـ (= ١١٢٨ م) وتربى مع أخو ملك شاه وتعهده أتابك فارس ليكون منافسًا قويا لمسعود عم محمد، ثم تبناه مسعود وكان يفكر فى أن يجعله خليفته من بعده، وبعد أن أظهر ملك شاه عدم كفاءته بعثوا فى استدعاء محمد من خوزستان سنة ٥٤٨ هـ وسلطنة الأمير خاص بك، ومع ذلك فسرعان ما قضى على قوة خاص بك فقبله، لكنه ما لبث أن وجد نفسه فى صراع مع عمه سليمان باشا من أجل العرش، وكان عمه هذا قد نجح فى الفرار من أسرة زمن مسعود، ولكنه لم يستطع الصمود أمام عسكر محمد، غفر إلى بغداد سنة ٥٥٠ هـ (= ١١٥٥ م) ولجأ إلى الخليفة المقفى فبسط عليه حماه وأدخله فى كنفه، وكان المقتفى مدفوعا فى ذلك بأن يتخذه سلاحا يشهره فى وجه محمد شاه.
كانت هذه الفترة هى الفترة التى اعتبرت فترة بعث للقوة العباسية فى العراق، وقد ساعد على ذلك مهارة عون الدين يحيى بن هُبَيْرة وزير المقتفى، ذلك أنه بعد موت مسعود سنة ٥٤٧ هـ أخرج شحنة بغداد السلجوقى من المدينة التى لم يعد ثم من أثر بها للنفوذ السلجوقى. كما أن مخاطرات سلمان شاه لم تثمر قط عن أى جدوى بل انتهت بهزيمته [وكان الخليفة المقتفى حين علم بوفاة مسعود طرد شحنة السلجوقية وأخذ داره ودور أصحاب السلطات ببغداد، واستولى على كل ما كان لهم فيها وجمع الرجال العساكر، واستولى جنوده على سائر
стр. 9056
البلاد العراقية: الحلة وواسط وغيرها] ولما أحس محمد شاه بقوته حاصر بغداد وهاجمها فى ذى القعدة سنة ٥٥١ هـ وانضم إليه فى هذا الهجوم الأمير على بن دُبَلْيس بن مزيد، ولكنه رفع الحصار فى السنة التالية حين جاءته الأخبار بظهور أتابك أذربيحان أمام همذان ومعه الأميران ملك شاه ورسلان بن طغرل بن محمد.
ولقد أمضى محمد سنواته الأخيرة فى حملات أخذ يشتتها على الدنيز (اتاكب اذربيجان) ومن يساعده ويؤيده ويبسط رعايته عليه ومن هؤلاء سليمان شاه، واستطاع أبو شجاع من التغلب عليهم فى وقعة "تخشفان" وأوشك الزحف على بغداد مرة أخرى لولا أن هاجمه المرض فمات بهمذان فى العشر الآخر من ذى القعدة ٥٥٤ هـ = ديسمبر ١١٥٩ م، فخلفه سليمان شاه.
المصادر:
بالإضافة إلى ما ورد بالمتن كتاب الزيدة لبندارى، وراحة الصدور للراوندى، وأخبار الدولة السلجوقية للحسنى والمنتظم لابن الجوزى.
بدرية الدخاخنى [بوسورث C.E. Bosworth]
محمد بن مروان
محمد بن مروان بن الحكم، أبو عبد الرحمن، ابن الخليفة مروان.
أرسله أبوه سنة ٦٥ هـ (= ٦٨٤ م) إلى الجزيرة وربما كان ذلك من أجل أن يضم إليه أرمينية مرة أخرى، فلما هزم عبد الملك بن مروان، مصعب بن الزبير سنة ٧٢ هـ كان محمد بن مروان على طليعة الجيش الشامى، ولما كانت السنة الثالثة ولّاه عبد الملك حكومة الجزيرة وأرمينية وكان عليه محاربة البيزنطيين.
وفى سنة ٧٣ هـ (= ٦٩٢ م) دارت الدائرة فى الحرب على جيشنا الثانى وهزم فى وقعة سبسطة فى قيليقية ثم أخذ محمد القيادة بعد سنتين وخرج لقتال الروم وانتصر عليهم فى "مَرْعش"، ثم غزا أرمينية فى العام التالى ودخلها، ثم أرسلوه ومعه ابن أخيه عبد اللَّه بن عبد الملك إلى والى العراق والمشرق الحجاج بن يوسف الثقفى وذلك سنة ٨٢ هـ (= ٧٠١ م) لمساعدته ضد الثائر المتمرد عبد الرحمن ابن محمد بن الأسقف، ولما جرت
стр. 9057
المفاوضات مع أهل العراق قبل وقعة دير الجماجم كان محمد بن مروان وعبد اللَّه بن عبد الملك يمثلان الخليفة. وقاد محمد حملة ضد أرمينية التالية أيضا. على أنه يتولى الوليد بن عبد الملك سدة الخلافة فى شوال من سنة ٨٦ هـ (= أكتوبر ٧٠٥ م) وأخذ نجم محمد بن مروان فى التوارى شيئا بعد شئ، على حين أصبح مسلمة بن عبد الملك (الأخ غير الشقيق لعبد الملك) هو القائد الفعلى، على أن الأول ظل واليًا كما هو فترة من الزمن امتدت حتى سنة ٩١ هـ (= ٧٠٩/ ٧١٠ م) حين خُلع من الولاية وحل محله هنا مسلمة.
وكانت وفاة محمد بن مروان سنة ١٠١ هـ (= ٧١٩/ ٧٢٠ م)
بدرية الدخاخنى [ك. ف. تسترشتين Zettersteen]
محمد بن وصيف
كان محمد بن وصيف من كتاب الدولة الصفارية فى سِبْستان واحد الشعراء الأوائل الذين نظموا الشعر الفارسى الجديد حسب قواعد العروض العربية، ويرد فى تاريخ سبستان المحلى المعروف بتاريخى سبستان أربع قصائد يظهر أنها من نظم محمد بن وصيف (انظر: Lozard: Les Premiers poetes persans awk Ix - siecles
ويقرر أحد المؤرخين المجهولين أن أولى هذه القصائد إنما تم نظمها قريبًا من الوقت الذى فرغ فيه يعقوب بن الليث من فتح هراة سنة ٢٥٣ هـ (= ٨٧٦ م أو قبل ذلك العامين) أعنى وقت أن قتل عمارًا الخارجى، ويقول هذا المؤرخ أن يعقوب بن الليث لم يتمكن من فهم المدائح العربية التى امتدحه بها شعراء بلاطه، ولقد ظل إنتاج محمد بن وصيف الشعرى موصولا على مدى جاوز نصف قرن من الزمان؛ لأن آخر واحدة من هذه القصائد تتعلق ياسر حفيدى عمر بن الليث وهما طاهر ويعقوب سنة ٢٩٦ هـ (= ٩٠٨ م).
وليس من اليسير البرهنة عما إذا كانت قصيدة ابن وصيف المنظومة سنة ٢٥٣ هـ (= ٨٧٦ م) هى أول قصيدة فارسية على الإطلاق نظمت وفق قواعد العروض العربية، وإذا ما أشرنا إلى
стр. 9058
الشعراء الآخرين الذين نظموا الشعر الفارسى الجديد فى الحلقات الصفارية والإقليم الخراسانى (أمثال حنظلة البارغيسى وبسامى كرد) فإنه يبدو أن فكرة الشعر الدارج بالعروض الجديدة ظهرت بوضوح خلال النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى (التاسع الميلادى) ومع أن "شيترن" يرى أنه من المحتمل أن يكون دور شعر يعقوب المؤثر كان مشجعًا للأدب الشعبى، إلّا أن شيترن كان حذرًا، فقد شكّ فيما يتعلق بدور محمد بن وصيف كرائد من الشعراء والرواد فى الأدب الفارسى الجديد مشيرًا إلى أن صاحب كتاب تأريخى سبستان كان مدركًا لطبيعته المحلية باعتبار أن أولية الشاعر هذه قد تشير إلى المناطق السبستانية فقط.
المصادر: وردت فى المتن.
بدرية الدخاخنى [بوسورث Bosworth]
المحمل
المحمل، نوع من المحفات ذات الزخارف المترفة تثبت على جمل، وكان يستخدم فى الماضى لنقل الأشخاص، خاصة نساء النبلاء، إلى مكة (المكرمة).
وبمعنى أكثر تحديدا, تشير كلمة محمل إلى محفات من النوع نفسه أصبحت رمزا سياسيا بدءا من القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى)، حيث كان الحكام يرسلونها مع قوافلهم للحج إلى مكة المكرمة إظهارا لهيبتهم ودعما لمكانتهم. وفى العصر الحديث فى مصر، كان لجام الجمل الذى يحمل المحمل يقدم فى احتفال مهيب إلى أمير الحج، وسط مراسم يقطع الجمل خلالها سبع دورات أمام المنصة الرسمية يتبعه بعض الموسيقيين.
وكان المحمل بما يحيط به من بهاء ومجد الأراضى المقدسة يحظى من الجماهير بتبجيل شديد أصبح موضع تنديد واستنكار. ويذكر الرحالة الأوربيون أن مسيرات المحمل الرائعة التى كانت تشهدها القاهرة كان يوجد مثيل لها فى دمشق واستانبول فى وقت رحيل وعودة قوافل الحج.
ولا توجد سوى القليل من الأدلة على شكل هذه المحامل فى القرون
стр. 9059
الوسطى. بينما تم فى العصور الحديثة وصف المحامل وتصويرها وعرضها فى المتاحف. ففى مصر كان آخر نماذج المحمل مصنوعا من الخشب على شكل شبه مكعب يبلغ طوله ١.٣٥ مترا وعرضه ١.٧٥ مترا، يعلوه هرم رباعى الأوجه بالإضافة إلى أربع كرات مذهبة على الزوايا العلوية للمكعب, وعلى قمة الهرم كرة أكبر بكثير يتوجها نجم وهلال، ويكسو كل هذا قماش مشغول. وهناك نوعان من الكسوة: الأولى تستخدم للاستعراض والسير فى المدن وهى مصنوعة من قماش ثمين مطرز ومقصب ومزين بشراريب ويطرز على الواجهة فى مواجهة الهرم وعلى شريط يحيط بقمة المكعب اسم الحاكم وآيات من القرآن الكريم أما الكسوة الثانية فمصنوعة من قماش أبسط أُخضر اللون وتوضع على المحمل أثناء السفر والتوقف فى المحطات الصغيرة. وأقدم كسوة تم الاحتفاظ بها كانت لمحمل السلطان قنصوة الغورى (المتوفى ٩٢٢ هـ/ ١٥١٦ م) وتوجد حاليا فى متحف طبقابى Topkapi فى استانبول. وقد ذكر بعض المؤرخين شراء بعض الكسوات مثل كسوة المحمل العراقى فى ٧٢١ هـ/ ١٣٢١ م التى كانت مرصعة بالذهب واللؤلؤ والأحجار الكريمة.
ويبدو أن المحمل (السياسى) من ابتكار السلطان المملوكى بيبرس الذى أرسله لأول مرة فى عام ٦٦٤ هـ/ ١٢٦٦ م وحدث ذلك فى سياق انتقال الخليفة العباسى إلى القاهرة بعد سقوط بغداد فى أيدى المغول، وقد كان هناك تنافس بين اليمن ومصر على من يقدم كسوة الكعبة (وهى هدية ظلت دائما من الامتيازات الشرفية للخليفة) إلى أن تلقى السلطان قلاوون وعدا من شريف مكة أن تعلق الكسوة المصرية فقط على الكعبة (٦٨١ هـ/ ١٢٨٢ م). وتزامن إرسال المحمل مع إعادة فتح طريق الحج عبر السويس والعقبة والساحل الشرقى للبحر الأحمر. وفى مكة، ثم فى عرفات بعد ذلك، كان يتم وضع المحمل فى مكان يسمح برؤيته بسهولة.
وسرعان ما أرادت لو دول أخرى منافسة مصر مثل اليمن والعراق، وكان
стр. 9060
لكل منهما محمل وكسوة, إلا أن مصر أصرف على أن يكون لها المكان الأول فى تعليق الكسوة. وبعد استيلاء الدولة العثمانية على مصر وسوريا حظيت استانبول بمظاهر النفوذ والهيبة تلك حيث أصبحت مسئولة عن إرسال المحمل.
وعندما استولى السلفيون (الوهابيون) على الأماكن المقدسة فى عام ١٨٠٧ م وقع المحمل المصرى فى أيديهم وحرقوه. ولم يستأنف ارسال المحمل المصرى إلا بعد هزيمة السلفيين (الوهابيين) ووضعت حرب ١٩١٤ م نهاية لإرسال المحمل السورى، وظل المحمل المصرى يأخذ طريقه إلى الأماكن المقدسة حتى عام ١٩٢٦ م عندما وقع صدام بين جنود الموكب والسلفيين أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب و (الوهابيين) مما أدى إلى إلغاء إرساله نهائيا. وبعد أن أصبح ابن سعود ملكا على الحجاز جرت مفاوضات حول المحمل حيث كان السلفيون يرفضون بعض الممارسات مثل الموسيقى المصاحبة للموكب، ولأن الكسوة والمحمل يرمزان للحماية السياسية للأماكن المقدسة لم يعد لهما مبرر فى نظر السلفيين بعد إلغاء الخلافة ورغبتهم فى الاستقلال.
وفى القرون الوسطى كان الاحتفال الشعبى بالمحمل يتم فى مصر من خلال ثلاثة مواكب سنوية. كان الاحتفال الأول يعلن عن قرب موسم الحج فيجوب المحمل وجزء من القافلة المدينة فى موكب ضخم ومهيب تصاحبه قوات مسلحة بالحراب. وقد اعتادت النساء الخروج لرؤية الموكب. وكان الاحتفال الثانى خاصا بموكب الرحيل إلى الأراضى المقدسة، أما الاحتفال الثالث فهو موكب العودة.
وفى الصحراء، كان المحمل مركز القافلة الرئيسى. ومنذ عام ١٨٨٢ لم تعد القافلة المصرية تتخذ طريق لصحراء، وإنما كانت تستقل القطار حتى السويس ويوضع المحمل فى عربة قطار خاصة وينتقل منها إلى الأراضى المقدسة على ظهر السفن.
وفى الفترة من عام ١٩١٠ م إلى ١٩١٣ م سلك المحمل طريقا آخر حيث كان يتوجه إلى الاسكندرية ومنها بحرا
стр. 9061
إلى حيفا ثم يصل إلى المدينة عن طريق السكك الحديدية. ويعاد تجميع القافلة فى الحجاز ويكون المحمل دائما مركزا لها.
وقد تم وصف هذه القافلة ورحلتها السنوية ذهابا وإيابا فى تقارير قيمة كتبها الأطباء المرافقدن للقافلة. ويمكن العثور على هذه المعلومات والصور فى كتاب "الرحلة الحجازية" للبتنونى (القاهرة ١٣٢٩ هـ).
وفى عام ١٩٣٧ م عاودت قافلة المحمل رحلتها إلى الأراضى المقدسة بعد أن كانت قد توقفت عقب صدام ١٩٢٦ م، وتم قبول الكسوة المصرية من جديد رغم رفض المحمل على الصعيد الرسمى,. وظلت هذه المواكب تشق طريقها كل عام فى شوارع القاهرة حتى عام ١٩٥٢ م حيث تم وقفها نهائيا بقرار حكومى.
المصادر:
(١) السمعانى: كتاب الأنساب، تحت كلمة المحاملى.
(٢) J.Jomier: le Mahmal et la caravane Egyptenne des pelerins de la Mecque (Xiii - xx siecles), Caire ١٩٥٣
(٣) عبد القادر الأنصارى الجزرى: الدرر الفرائد المنظمة فى أخبار الحج وطريق مكة المعظمة. النسخة الكاملة طبعتها المطبعة السلفية فى القاهرة ١٣٨٤ م. وشغل الكاتب منصب الكاتب الرسمى لديوان الحج فى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى).
لبنى الريدى [بول ج. جومير J. Jomier و Fr. Buhl]
مخا
المُخا ميناء على ساحل البحر الأحمر فى تَعِزّ بجمهورية اليمن، ويفسر "لاندبيرج الاسم" بأنه يقصد به "الموضع الذى توزع عنده المياه" ويقول الأهالى إن "المخا" تأسست على يد الشيخ على بن عمر الشاذلى المتوفى سنة ٨٢١ هـ والذى يزعم الناس أنه قدم مشروبا (قالوا هو القهوة) كدواء لناخوذة هندى كان مريضا فشفى فذاعت شهرة هذا الشراب فى سرعة عجيبة، [وبلغ من تقدير الناس للشاذلى] أن بنوا فوق قبره مسجدًا فاجتذب إليه الكثيرون، وسُمِى رافد الماء الرئيسى فى المخا، والبوابة الفريدة إلى
стр. 9062
الداخل باسمه. على أن بعض المصادر الأخرى -ولعلها أكثر دقة مما سبق- تقول إن "القهوة" دخلت بلاد العرب من الحبشة على يد "ازدمير باشا" فى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى)، وقد يقال إنها دخلتها من فارس عن طريق عدن، وخلفت "المخا" اسمها على نكهة القهوة.
ولما كانت سنة ٥٩٠ م أصبح الساسانيون بقيادة وهريز أصحاب الأمر فى المخا وظلوا مسيطرين عليها حتى فتح المسلمون اليمن سنة ٨ هـ (= ٦٢٩ م). ولقد ظلت "المخا" حتى مستهل القرن العاشر للهجرة (السادس عشر للميلاد بلدة ليست لها أهمية كبرى، ولم يرد لها ذكر عند أبى الضدا أو ابن بطوطة أو ياقوت، أما عمارة فلم يذكرها إلا مرة واحدة باعتبارها موضع استراحة يتوقف عنده المسافرون وهم فى طريقهم إلى "تهامة" فيما بين عدن ومكة. على أن الهمدانى فى كتابه صفة جزيرة العرب لم يذكرها بين مدن تهامة، وإنما كان كل ما أشار إليه هو أن الوادى المعروف بوادى الغَصِيد ينتهى إلى البحر شاقا "الموزع" وعبر "المُخا"، كما أننا نجد من ناحية أخرى أن المقدسى من أهل القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) يتكلم عن مدينة تنتج زيت السمسم، كما يشير إلى أن العنبر كان يوجد على طول الساحل بين عدن والمخا. ونسمع أنه فى سنة ١٥٠٧ م بعث السلطان المملوكى قنصوه الغورى حملة بقيادة الأمير حسين مشرف الكردى حاكم جده لمساعدة محمود شاه والى ججرات لقتال البرتغاليين وأن هذه الحملة توقفت عند "المخا"، ولم يرد ذكر الميناء إلا مرة واحدة عند "دى باروس" إلّا أنها أخذت تزداد أهمية بعد أن هاجم "البوكيرك" ميناء عدن سنة ١٥١٣ م وبعد أن ظهر الترك العثمانيون فى البحر الأحمر، إذ اعتبروا أنفسهم خلفاء المماليك فى المناطق التى كانوا أصحاب النفوذ فيها, ولقد أخذت "المخا" تحتل مكانة عدن لاسيما بعد أن وقعت عدن فى قبضة العثمانيين وتدهورت تجارتها، كما أن "محمد باشا" زاد فى سنة ١٥٣٨ م فى تحصين قلعة "المخا" التى كانت آخر معقل عثمانى على
стр. 9063
التراب اليمنى، على أن "نيبور" الرحالة وصف منذ أكثر من قرنين من الزمان أسوار المدينة والقلعتين اللتين تحميان الميناء، ولقد كانت "المخا" خلال القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) وقبل وصول الأوروبين موضعا يرتاده التجار من كثير من نواحى الشرق الأوسط والهند التى كان تجارها يتاجرون مع الوافدين بحرا من السويس أيام هبوب الرياح الغربية فى شهر أغسطس ويعودون إلى بلادهم مع الخريف، وكانت "المخا" تصدر القهوة البن وزيت الصبار والبخور والسنابكى والعاج وتستورد عرق اللؤلؤ والذهب وبعض المعادن الخام مثل الحديد والصلب والرصاص والبنادق والمنسوجات.
وفى سنة ١٠١٣ هـ (= ١٦٠٤ م) استعملت تركيا الجنرال العثمانى سنان باشا الكخيا واليا على اليمن، فقام ببعض الأعمال الهامة العظيمة وظل هناك حتى مات بالمخا ودفن إلى جوار الشيخ الشاذلى.
ولقد ذاع صيت المخا ذيوعًا كبيرا فى شمال وغرب أوربة بظهور الإنجليز والهولنديين، فقد كتب الإنجليزيان جون جوردان ووليام ريفيت تقريرا لحكومتهما ذكرا فيه أن "مبانى المخامهدمة كل التهديم وإنها فى حاجة قصوى للترميم", ومع ذلك فقد ارتفعت دخول الجمارك العثمانية من الميناء حتى بلغت سبعة وثلاثين الف جنيه إنجليزى فى سنة ١٦١١ م، وكان سير هنرى ميدلتون قد البحر قبل ذلك بعام إلى المخا والقى القبض عليه ولكنه فرّ من الحبس، ثم عاد مرة أخرى واستولى على بعض السفن الججرانية وشاركه فى هذا العمل "جون ساريس" الذى حصل على إذن عثمانى بالمتاجرة هناك، كما أن سير "توماس رو" وهو أول سفير انجليزى إلى بلاط أسرة المغول فى الهند طلب إرسال سفينة واحدة من سفن اسطول الهند الشرقية إلى البحر الأحمر كل سنة، كما قام المستكشف "بافين" برسم خرائط للناحية، وعلى الرغم مما قوبل به اقتراح "رو" من الامتعاض فى "سوران" ولدى حكومة المغول، إلّا أنه
стр. 9064
قامت تجارة وإن كانت غير منتظمة وساعد على عدم انتظامها قيام حرب اليمن للاستقلال عن الدولة العثمانية.
وحدث فى أثناء زيارة التاجر الهولندى "بيتر فان بن بروك" للمخا سنة ١٦١٦ م أن وصلت قافلة مؤلفة من ألف جمل، ولما عاد من صنعاء تاجر معهم وكان ربحه كبيرا فى الميناء ثم ترك فى سنة ١٦٢٠ م بضاعة فى عدن حيث نقلتها إلى المخا السفن الشراعية المعروفة باسم "الدهو"، ثم هاجمت السفن الهولندية بعض القوارب القادمة من الهند، وحينذاك ألقى العثمانيون القبض على ربابنة هذه السفن الهولندية وصادروا بضائعهم الموجودة بالمخا انتقاما وتعويضا عمَّا حدث، ولقد أفاض سارجانب فى كتابه The Portuguere off the santh Orabran Caost فى ذكر هجوم الهولنديين على "المخا".
على أنه لا يرد ذكر للفترة فى مبيعات شركة الهند الشرقية البريطانية حتى ١٦٦٠ م على الرغم من أنها كانت تحتل الصدارة بين السلع التى تصدرها "المخا"، ولقد كانت أول حمولة من البن أرسلت إلى هولنده سنة ١٦٦٣ م وإذا كانت الوكالات الهولندية تتعامل تارة فى القهوة وتتوقف تارة أخرى إلّا أنها عادت للعمل المستمر سنة ١٧٠٨ م، وأذن للهولنديين بتصدير ٦٠٠ بالة من القهوة سنويا وتكون معفاة من الضرائب، على أنه فى هذا الوقت كانت راخا قد أخذت فى زراعة البن.
وقامت رحلة فرنسية خاصة زارت الشرق سنة ١٥٢٩ م، وتلاها بعد قرن إلا قليلا (سنة ١٦١٩ - ١٦٢٠ م) البحار "بيليو" الفرنسى على طول الساحل الجنوبى لبلاد العرب، وحدث بعدئذ أن أراد "كولبيوت" إحياء التجارة فى حوض البحر الأحمر معتمدا على مساعدة العثمانيين له، كما أراد إقامة قناصل فى موانيه ولكن لم يتحقق شئ من مشاريعه، وفى سنة ١٧٠٨ - ١٧٠٩ م, ١٧١١ - ١٧١٣ م أرسلت شركة "سنت مالوا" الفرنسية سفينتين مسلحتين إلى المخا، وترتب على ذلك قيام التجارة وفتحت وكالة فرنسية هناك، غير أن الفرنسيين غضبوا من بعض الأحداث فأطلقوا نيران بنادقهم
стр. 9065
على المخا سنة ١٧٣٧ م، وعلى الرغم من أن القهوة كانت تباع فى فرنسا بما يقرب من ضعف ثمنها فى بلاد العرب إلّا أن تجارتها لم تكن مربحة. كذلك قام لفترة من الوقت فى المخا فى القرن الحادى عشر الهجرى بيت تجارى هولندى، وأبحرت إليه بضعة سفن من ميناء "أوستنلر".
ولما كانت سنة ١٦٢٠ م هاجم الإمام الزيدى المؤيد باللَّه محمد بن القاسم مدينة المخا التى كان للعثمانيين فيها حامية منذ سنة ١٦٠٩ م تقدر بمائة رجل، غير أن نيران البنادق العثمانية أخذت تنهار عليهم من الأسطح والسفن الراسية فى الميناء، وجاءت من مصر نجدة عثمانية ففر المهاجمون الزيديون واستطاعت قوة عثمانية مشتركة فى البر والبحر بقيادة "أحمد قانصوه" من استرداد تهامة سنة ١٦٣٠ م، غير أنه لما عاود الإمام مهاجمتها سنة ١٦٣٥ م جلا عنها العثمانيون على شروط اتفق عليها بين الجانبين، منها جلاء العثمانيين عن كل من المخا وزبين وكمران للأمام وظل الميناء فى أيدى الزيدية حتى عام ١٨٤٩ م.
وقد أدى فتح حضر موت إلى أن أصبح الزينون يواجهون قوة عثمان البحرية القوية، حتى إذا كان ١٠٧٩ هـ (= ١٦٦٩ م) هاجم العثمانيون ساحل عدن والمخا، التى كان واليها فى هذه اللحظة الحسن بن المُطهر الجرموزى مؤلف "السيرة المتوكلية" وقد ترجم له الشوكانى فى كتابه "البدر الطالع".
وفى مارس ١٦٦١ م أبحرت "بارى صاحبة" ملكة "بيجايور" الأرملة حاجَّة على ظهر سفينة هولندية حتى إذا بلغت السفينة المخا لم يؤذن لها بمتابعة الرحلة إلى أن تتهيأ جميع السفن الإسلامية للمغادرة، فشكى الهولنديون إلى الإمام المتوكل على اللَّه اسماعيل. ونعود مرة أخرى إلى كتاب سيرجنت فنقول إنه فصل العلاقات بين العثمانيين والبرتغاليين والانجليز والهولنديين من ناحية ومن مكان المخا من ناحية أخرى، ولما كانت سنة (١١٠٧ هـ = ١٦٩٥ م) أرسل الإمام الناصر محمد والمعروف بصاحب المواكب إبراهيم باشا إلى ميناء زيلع الأفريقى الذى كان تابعا منذ سنة
стр. 9066
١٦٣٠ م لولاة المخا، وقد بنى هناك ثغر كبير وجامع ومسجد وكان العبيد يرسلون منه إلى الثغر اليمنى، وقام المنصور باللَّه الذى أعلن نفسه إماما سنة ١١٢٨ هـ (١٧١٦ م)، إلى المخا لينوب عنه فى مراقبة الدخول.
وذكر نيبور أن فى أيامه (١٧٦٣ م) كانت تأتى كل سنتين سفينة من سفن شركة الهند الشرقية البريطانية لتأخذ حمولتها من القهوة، على حين كان الهولنديون قليلا ما يأتون، ولم يحضر الفرنسيون إلى هناك على مدى سبع سنوات، أما البرتغاليون فلم يحضروا زمنا طويلا.
كانت الضرائب المفروضة تقدر ١٠ % وكانت تدفع فى الميناء، ويدفع منها الأوربيون ٣ % فقط، ثم أذن لهم فيما بعد بترك بضاعتهم فى مستودعات خاصة بهم، أما ٧ % الباقية فكان يقوم بسدادها العرب المشترون، كذلك كان يدفع الأوربيون رسوما قدرها ٣ % للبن المبدع، وعلى الرغم من أن الحصار الاقتصادى الذى فرضه البرتغاليون على جنوب شبه الجزيرة العربية فى القرن السابع عشر قد أدى إلى تدهور النشاط فى صناعة الزجاج فى عدن، إلا أننا نجد "نيبور" يتكلم عن إنشاء مؤسسة حديثة جدا لمصنع زجاجى فى المخا، والتى مات بها رفيقه "فون هاجس"، أما هو فقد أبحر من المخا إلى الهند.
وجاء فى سنة ١٨٠١ م سير "هوم بوفام" زائرا المخا فى محاولة منه لإعادة الحركة التجارية الكبيرة التى كانت بين اليمن وشركة الهند الشرقية الانجليزية، ولما ألقى الفيكونت فالنتيا مراسيه عند المخا سنة ١٨٠١ م شاهد المنارات الثلاث العالية وقبة المسجد الرئيسية إلى غيرها من القباب ودار الرئيس وقصر الحريم الكبير الذى كان العثمانيون قد شيدوه، ويستدل من وصفه للمدينة على أنها كانت فى طريقها إلى الانهيار، وكان هناك كثير من اليهود الذين يصنعون عصير التمر ونبيذ البلح ويبيعونها إلى التجار الأوربيين الذين كان أغلبهم يسلك سلوكا شائنًا حتى بعد إسلامهم وأصبحت السفن الأمريكية تزور الميناء،
стр. 9067
ولكن تجارة البن أخذت فى التضاؤل، ويرجع تدهور المخا فى القرن التاسع عشر إلى ظهور عدن، وظهر هذا التدهور فى أن أصبح سكانها ألف وخمسمائة بعد أن كانوا عشرين ألفًا.
وحدث فى سنة ١٨٣٢ م أن حّرك السلطان العثمانى محمد أغا الملقب بتركشى بلمز (أى الذى لا يتكلم التركية) وكان من ضباط قوات محمد على باشا، الحجاز- أفول حركة للتمرد على مولاه الباشا فسلط نيران مدفعيته على المخا والحديدة وزبيد وغزاها كلها، وحينذاك قامت قوات عثمانية مصرية بحصار المخا وعاونها فى هذا الحصار الشريف حسين بن على من أبى عريش وكذلك بنو عسير وهاجموا كلهم الميناء برا, ولما كانت السنة الثالثة قام إبراهيم باشا (القائد المصرى العثمانى)؛ وأرغم بنى عسير على تسليم المخا إليه بعد طرده محمد أغا، ومع ذلك فقد انسحب المصريون منها سنة ١٨٤٠ م واستعادها الإمام المنصور على فى السنة التالية لكن ما لبثت المخا أن سقطت بعد قليل فى يد الشريف حسين الذى حكمها نيابة عن الباب العالى لقاء جزية سنوية قدرها سبعون ألف ريال يدفعها لباشا مصر، ثم عاد الإمام المتوكل محمد بن يحيى بفتح المخا وبيت الفقيه وزبيد، إلا أن العثمانيون تمكنوا فى سنة ١٨٤٩ من احتلال المخا التى ظلت فى أيديهم حتى قيام الحرب العالمية الأولى.
وصارت المخا بعد الحرب العالمية الثانية "قضاءٌ" من أقضية "تعز" التى أصبحت مقسمة إلى. . المخا، والمقبرة".
ولقد تعرضت "المددينة" وما حولها إلى كثير من الزلازل فى تاريخها، فيذكر الخزرجى أنها قاست فى يوم واحد من أيام سنة ٧٩٦ هـ (= ١٣٩٣ م) أربعين هزة أرضية، وإذا كانت شوارعها ضيقة إلا أن بعض مساجدهما لا تزال تجذب الأنظار بسبب منائرها الشامخة الارتفاع، وضريحى الشاذلى والشيخ العمودى الموجودين خارجها، وأصبح عدد سكانها فى سنة ١٩٧٠ م يقدر بخمس وعشرين ألف نسمة.
مها سيد معبد [أ. فان دونزيل Von Dontzel]
стр. 9068
مخزوم، بنو
بطن من بطون قريش حاز مكانة بارزة فى مجتمع ما قبل الإسلام فى مكة، ومعظمهم ينحدر من المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم. وتشير الروايات إلى دخولهم فى حلف مع بطون عبد الدار وسهم وعدى فى القرن السادس الميلادى، وفى نهاية هذا القرن أصاب هشام بن المغيرة مكانة بارزة فى الحياة السياسية بمكة حتى وصف بأنه قريشى، وقيل إن قريشًا اتخذت من وفاته بداية لنظام تأريخى لها (انظر الأنساب للبلاذرى والكامل للمبرد)، وقيل كذلك إن وفاة أخيه الوليد بن المغيرة هى بداية هذا التاريخ, ويبدو أنهم أثروا من التجارة مع اليمن والحبشة.
وكان زعيمهم عمرو بن هشام بن المغيرة (أبو جهل) على رأس معارضى الدعوة الإسلامية فى مهدها ولعب دورًا كبيرًا فى فرض القاطعة على بنى هاشم (٦١٦ - ٦١٨ م) كما كان الوليد بن المغيرة ممن نعتهم القرآن الكريم بالمستهزئين. وفى معركة بدر أصيبوا بخسارة فادحة حيث قتل منهم سبع أو ثمانية، من بينهم أبو جهل. ومع ذلك كان منهم ثلاثة قاتلوا فى صفوف المسلمين فى تلك الموقعة من بينهم الأرقم بن عبد مناف.
وفى السنوات التالية أسلم بعضهم وهاجروا إلى المدينة، ومنهم خالد بن الوليد، الذى قاد قريش إلى نصرها فى أحد، ومع هذا، ظل زعيمهم عكرمة بن أبى جهل على عدائه للإسلام حتى فتحت مكة، ففر إلى اليمن، ولكن الرسول [ ﷺ ] عفا عنه بعد ذلك، فدخل فى الإسلام وشارك فى حروب الردة وحركة الفتوح الإسلامية، كما شارك غيره من بنى المخزوم فيها، ومن أبرزهم خالد بن الوليد والحارث بن هشام، الذى زوج ابنته للخليفة عمر بن الخطاب، ورغم هذا، ورغم أن عمر بن الخطاب نفسه كان ينحدر من جهة أمه من بنى مخزوم (من المغيرة) لكنه فرض له عطاءً قليلًا بسبب تأخره فى دخول الإسلام، مما أحنقه، فتوجه بأهله إلى الشام حيث استشهد بعضهم فى القتال وتوفى بعضهم الآخر بالوباء الذى اجتاح تلك المناطق.
стр. 9069
ولكن معظم المخزوميين ظلوا مقيمين فى مكة والمدينة بالحجاز، وانحاز بعضهم إلى طلحة والزبير فى صراعهم مع على بن أبى طالب وشاركوا فى موقعة الجمل، ثم أيدوا معاوية ضد على، وكان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد حامل راية الجيش الشامى فى موقعة صفين، ومع هذا، لم يعد انتصار بنى أمية عليهم بالكثير، لأن صلات نسبهم كانت أقوى مع الزبيريين وبنى عثمان والحكم منها مع بنى سفيان، ثم توترت العلاقات بين الفريقين بعد أن راجت دسائس حول وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد مسمومًا بأمر من معاوية الذى خشى من شعبيته المتزايدة التى اكتسبها من انتصاراته على الروم.
وانضم المخزوميون، باستثناء الحارث بن خالد، إلى ثورة ابن الزبير على الأمويين، مما أثر على مكانتهم ونفوذهم كثيرًا بعد قمع تلك الثورة. ورغم أن عبد الملك بن مروان رأى أنه من الحكمة أن يبدى لهم شيئًا من اللين، فقربهم منه وولى الحارث بن الخالد على مكة وهشام بن إسماعيل على المدينة، ثم تزوج من ابنته التى أنجبت له ابنه وخليفته هشامًا، ورغم أن هشامًا هذا برّ بخاليه إبراهيم، ومحمد وولاهما على المدينة، لكن الخلفاء التالين قلبوا لهم ظهر المجن، وقد اعتقل إبراهيم ومحمد وعذبا حتى الموت فى عهد الوليد بن يزيد.
ومع اضمحلال دورهم السياسى، تحولوا إلى نوع من الأرستقراطية المحلية، واتجه الكثيرون منهم إلى التفقه فى الدين، حيث يورد لنا الطبرى قائمة بالمحدثين منهم. وفضلًا عن ذلك توجد دلائل تشير إلى توثق الصلة بينهم وبين العلويين فى مطلع العصر العباسى، خاصة وأن أم إدريس بن عبد اللَّه، مؤسس أسرة الأدارسة فى المغرب فى نهاية القرن الثامن الميلادى كانت منهم.
المصادر:
بالإضافة إلى أمهات الحوليات العربية كتاريخ الطبرى والكامل لابن الأثير وكتب الأنساب كالبلاذرى وابن دريد, انظر:
стр. 9070
Schwarz: Der Diwan des cumat ibn Abi Raboa ١ - ٣٣, ٢ s p. ٩ - ١٢
سامية سالم [م. هندس M.Himds]
المخزومى
أبو الحسن على بن عثمان القرشى، وهو قاض شافعى مصرى ينحدر من بنى مخزوم، وتولى فى عهد الفاطميين ديوان الخراج، وترك مؤلفًا هامًا عن نظم الإدارة المالية فى مصر فى ذلك العصر ظل مجهولًا حتى اكتشف مؤخرًا فى المتحف البريطانى واسمه "المنهاج فى علم الخراج" وهو شبيه بقوانين الدواوين لابن مماتى، ولكنه يركز على الأنشطة المادية الملموسة لوظفى ديوان الخراج، وتنبع أهميته من وصفه الدقيق للإجراءات المالية والأنشطة الاقتصادية للموانى المصرية فى ذلك العصر، كما أنه خصص فى كتابه فصلًا عن الجيش وآخر عن العملة
المصادر:
C i. Cahen: Makhzumiyyat, Leiden ١٩٧٨
سامية سالم [م. هندس M.Himds]
المدائنى
على بن محمد بن عبد اللَّه بن أبى سيف، أبو الحسن، مؤرخ عربى، ولد عام ١٣٥ هـ/ ٧٥٢ م ولا يعرف عن حياته إلا القليل. كان من أتباع سمرة ابن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، أى الصحابى عبد الرحمن بن سمرة، وطبقا لما ورد فى الفهرست صفحة ١٠١، فقد كتب المدائنى رسالة عنه. كان المدائنى تلميذا لمعمر بن عباد السلمى (ت ٢١٥ هـ/ ٨٣٠ م) المعتزلى الذى عاش فى بغداد. كما وجد فى الموسيقى العالم اسحق بن إبراهيم الموصلى (ت ٢٣٥ هـ/ ٨٥٠ م) صديقا ونصيرا، ويقال إنه توفى فى منزله. وتختلف الأقوال فى تاريخ وفاته فى بغداد، وأرجح الأقوال أنه توفى عام (٢٢٨ هـ/ ٨٤٣ م).
كتب المدائنى، أكثر من ٢٠٠ عملًا. وتتناول أهم أعماله موضوعات تاريخُية من بداية الإسلام إلى عصره. ولم يقتصر اهتمامه على مغازى الرسول ﵊ فحسب بل امتد إلى معاهداته وخطبه ومفاوضاته
следующие страницы →