← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

١٦٣٠ م لولاة المخا، وقد بنى هناك ثغر كبير وجامع ومسجد وكان العبيد يرسلون منه إلى الثغر اليمنى، وقام المنصور باللَّه الذى أعلن نفسه إماما سنة ١١٢٨ هـ (١٧١٦ م)، إلى المخا لينوب عنه فى مراقبة الدخول. وذكر نيبور أن فى أيامه (١٧٦٣ م) كانت تأتى كل سنتين سفينة من سفن شركة الهند الشرقية البريطانية لتأخذ حمولتها من القهوة، على حين كان الهولنديون قليلا ما يأتون، ولم يحضر الفرنسيون إلى هناك على مدى سبع سنوات، أما البرتغاليون فلم يحضروا زمنا طويلا. كانت الضرائب المفروضة تقدر ١٠ % وكانت تدفع فى الميناء، ويدفع منها الأوربيون ٣ % فقط، ثم أذن لهم فيما بعد بترك بضاعتهم فى مستودعات خاصة بهم، أما ٧ % الباقية فكان يقوم بسدادها العرب المشترون، كذلك كان يدفع الأوربيون رسوما قدرها ٣ % للبن المبدع، وعلى الرغم من أن الحصار الاقتصادى الذى فرضه البرتغاليون على جنوب شبه الجزيرة العربية فى القرن السابع عشر قد أدى إلى تدهور النشاط فى صناعة الزجاج فى عدن، إلا أننا نجد "نيبور" يتكلم عن إنشاء مؤسسة حديثة جدا لمصنع زجاجى فى المخا، والتى مات بها رفيقه "فون هاجس"، أما هو فقد أبحر من المخا إلى الهند. وجاء فى سنة ١٨٠١ م سير "هوم بوفام" زائرا المخا فى محاولة منه لإعادة الحركة التجارية الكبيرة التى كانت بين اليمن وشركة الهند الشرقية الانجليزية، ولما ألقى الفيكونت فالنتيا مراسيه عند المخا سنة ١٨٠١ م شاهد المنارات الثلاث العالية وقبة المسجد الرئيسية إلى غيرها من القباب ودار الرئيس وقصر الحريم الكبير الذى كان العثمانيون قد شيدوه، ويستدل من وصفه للمدينة على أنها كانت فى طريقها إلى الانهيار، وكان هناك كثير من اليهود الذين يصنعون عصير التمر ونبيذ البلح ويبيعونها إلى التجار الأوربيين الذين كان أغلبهم يسلك سلوكا شائنًا حتى بعد إسلامهم وأصبحت السفن الأمريكية تزور الميناء،

стр. 9067

ولكن تجارة البن أخذت فى التضاؤل، ويرجع تدهور المخا فى القرن التاسع عشر إلى ظهور عدن، وظهر هذا التدهور فى أن أصبح سكانها ألف وخمسمائة بعد أن كانوا عشرين ألفًا. وحدث فى سنة ١٨٣٢ م أن حّرك السلطان العثمانى محمد أغا الملقب بتركشى بلمز (أى الذى لا يتكلم التركية) وكان من ضباط قوات محمد على باشا، الحجاز- أفول حركة للتمرد على مولاه الباشا فسلط نيران مدفعيته على المخا والحديدة وزبيد وغزاها كلها، وحينذاك قامت قوات عثمانية مصرية بحصار المخا وعاونها فى هذا الحصار الشريف حسين بن على من أبى عريش وكذلك بنو عسير وهاجموا كلهم الميناء برا, ولما كانت السنة الثالثة قام إبراهيم باشا (القائد المصرى العثمانى)؛ وأرغم بنى عسير على تسليم المخا إليه بعد طرده محمد أغا، ومع ذلك فقد انسحب المصريون منها سنة ١٨٤٠ م واستعادها الإمام المنصور على فى السنة التالية لكن ما لبثت المخا أن سقطت بعد قليل فى يد الشريف حسين الذى حكمها نيابة عن الباب العالى لقاء جزية سنوية قدرها سبعون ألف ريال يدفعها لباشا مصر، ثم عاد الإمام المتوكل محمد بن يحيى بفتح المخا وبيت الفقيه وزبيد، إلا أن العثمانيون تمكنوا فى سنة ١٨٤٩ من احتلال المخا التى ظلت فى أيديهم حتى قيام الحرب العالمية الأولى. وصارت المخا بعد الحرب العالمية الثانية "قضاءٌ" من أقضية "تعز" التى أصبحت مقسمة إلى. . المخا، والمقبرة". ولقد تعرضت "المددينة" وما حولها إلى كثير من الزلازل فى تاريخها، فيذكر الخزرجى أنها قاست فى يوم واحد من أيام سنة ٧٩٦ هـ (= ١٣٩٣ م) أربعين هزة أرضية، وإذا كانت شوارعها ضيقة إلا أن بعض مساجدهما لا تزال تجذب الأنظار بسبب منائرها الشامخة الارتفاع، وضريحى الشاذلى والشيخ العمودى الموجودين خارجها، وأصبح عدد سكانها فى سنة ١٩٧٠ م يقدر بخمس وعشرين ألف نسمة. مها سيد معبد [أ. فان دونزيل Von Dontzel]

стр. 9068

مخزوم، بنو بطن من بطون قريش حاز مكانة بارزة فى مجتمع ما قبل الإسلام فى مكة، ومعظمهم ينحدر من المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم. وتشير الروايات إلى دخولهم فى حلف مع بطون عبد الدار وسهم وعدى فى القرن السادس الميلادى، وفى نهاية هذا القرن أصاب هشام بن المغيرة مكانة بارزة فى الحياة السياسية بمكة حتى وصف بأنه قريشى، وقيل إن قريشًا اتخذت من وفاته بداية لنظام تأريخى لها (انظر الأنساب للبلاذرى والكامل للمبرد)، وقيل كذلك إن وفاة أخيه الوليد بن المغيرة هى بداية هذا التاريخ, ويبدو أنهم أثروا من التجارة مع اليمن والحبشة. وكان زعيمهم عمرو بن هشام بن المغيرة (أبو جهل) على رأس معارضى الدعوة الإسلامية فى مهدها ولعب دورًا كبيرًا فى فرض القاطعة على بنى هاشم (٦١٦ - ٦١٨ م) كما كان الوليد بن المغيرة ممن نعتهم القرآن الكريم بالمستهزئين. وفى معركة بدر أصيبوا بخسارة فادحة حيث قتل منهم سبع أو ثمانية، من بينهم أبو جهل. ومع ذلك كان منهم ثلاثة قاتلوا فى صفوف المسلمين فى تلك الموقعة من بينهم الأرقم بن عبد مناف. وفى السنوات التالية أسلم بعضهم وهاجروا إلى المدينة، ومنهم خالد بن الوليد، الذى قاد قريش إلى نصرها فى أحد، ومع هذا، ظل زعيمهم عكرمة بن أبى جهل على عدائه للإسلام حتى فتحت مكة، ففر إلى اليمن، ولكن الرسول [ ﷺ ] عفا عنه بعد ذلك، فدخل فى الإسلام وشارك فى حروب الردة وحركة الفتوح الإسلامية، كما شارك غيره من بنى المخزوم فيها، ومن أبرزهم خالد بن الوليد والحارث بن هشام، الذى زوج ابنته للخليفة عمر بن الخطاب، ورغم هذا، ورغم أن عمر بن الخطاب نفسه كان ينحدر من جهة أمه من بنى مخزوم (من المغيرة) لكنه فرض له عطاءً قليلًا بسبب تأخره فى دخول الإسلام، مما أحنقه، فتوجه بأهله إلى الشام حيث استشهد بعضهم فى القتال وتوفى بعضهم الآخر بالوباء الذى اجتاح تلك المناطق.

стр. 9069

ولكن معظم المخزوميين ظلوا مقيمين فى مكة والمدينة بالحجاز، وانحاز بعضهم إلى طلحة والزبير فى صراعهم مع على بن أبى طالب وشاركوا فى موقعة الجمل، ثم أيدوا معاوية ضد على، وكان عبد الرحمن بن خالد بن الوليد حامل راية الجيش الشامى فى موقعة صفين، ومع هذا، لم يعد انتصار بنى أمية عليهم بالكثير، لأن صلات نسبهم كانت أقوى مع الزبيريين وبنى عثمان والحكم منها مع بنى سفيان، ثم توترت العلاقات بين الفريقين بعد أن راجت دسائس حول وفاة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد مسمومًا بأمر من معاوية الذى خشى من شعبيته المتزايدة التى اكتسبها من انتصاراته على الروم. وانضم المخزوميون، باستثناء الحارث بن خالد، إلى ثورة ابن الزبير على الأمويين، مما أثر على مكانتهم ونفوذهم كثيرًا بعد قمع تلك الثورة. ورغم أن عبد الملك بن مروان رأى أنه من الحكمة أن يبدى لهم شيئًا من اللين، فقربهم منه وولى الحارث بن الخالد على مكة وهشام بن إسماعيل على المدينة، ثم تزوج من ابنته التى أنجبت له ابنه وخليفته هشامًا، ورغم أن هشامًا هذا برّ بخاليه إبراهيم، ومحمد وولاهما على المدينة، لكن الخلفاء التالين قلبوا لهم ظهر المجن، وقد اعتقل إبراهيم ومحمد وعذبا حتى الموت فى عهد الوليد بن يزيد. ومع اضمحلال دورهم السياسى، تحولوا إلى نوع من الأرستقراطية المحلية، واتجه الكثيرون منهم إلى التفقه فى الدين، حيث يورد لنا الطبرى قائمة بالمحدثين منهم. وفضلًا عن ذلك توجد دلائل تشير إلى توثق الصلة بينهم وبين العلويين فى مطلع العصر العباسى، خاصة وأن أم إدريس بن عبد اللَّه، مؤسس أسرة الأدارسة فى المغرب فى نهاية القرن الثامن الميلادى كانت منهم. المصادر: بالإضافة إلى أمهات الحوليات العربية كتاريخ الطبرى والكامل لابن الأثير وكتب الأنساب كالبلاذرى وابن دريد, انظر:

стр. 9070

Schwarz: Der Diwan des cumat ibn Abi Raboa ١ - ٣٣, ٢ s p. ٩ - ١٢ سامية سالم [م. هندس M.Himds] المخزومى أبو الحسن على بن عثمان القرشى، وهو قاض شافعى مصرى ينحدر من بنى مخزوم، وتولى فى عهد الفاطميين ديوان الخراج، وترك مؤلفًا هامًا عن نظم الإدارة المالية فى مصر فى ذلك العصر ظل مجهولًا حتى اكتشف مؤخرًا فى المتحف البريطانى واسمه "المنهاج فى علم الخراج" وهو شبيه بقوانين الدواوين لابن مماتى، ولكنه يركز على الأنشطة المادية الملموسة لوظفى ديوان الخراج، وتنبع أهميته من وصفه الدقيق للإجراءات المالية والأنشطة الاقتصادية للموانى المصرية فى ذلك العصر، كما أنه خصص فى كتابه فصلًا عن الجيش وآخر عن العملة المصادر: C i. Cahen: Makhzumiyyat, Leiden ١٩٧٨ سامية سالم [م. هندس M.Himds] المدائنى على بن محمد بن عبد اللَّه بن أبى سيف، أبو الحسن، مؤرخ عربى، ولد عام ١٣٥ هـ/ ٧٥٢ م ولا يعرف عن حياته إلا القليل. كان من أتباع سمرة ابن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، أى الصحابى عبد الرحمن بن سمرة، وطبقا لما ورد فى الفهرست صفحة ١٠١، فقد كتب المدائنى رسالة عنه. كان المدائنى تلميذا لمعمر بن عباد السلمى (ت ٢١٥ هـ/ ٨٣٠ م) المعتزلى الذى عاش فى بغداد. كما وجد فى الموسيقى العالم اسحق بن إبراهيم الموصلى (ت ٢٣٥ هـ/ ٨٥٠ م) صديقا ونصيرا، ويقال إنه توفى فى منزله. وتختلف الأقوال فى تاريخ وفاته فى بغداد، وأرجح الأقوال أنه توفى عام (٢٢٨ هـ/ ٨٤٣ م). كتب المدائنى، أكثر من ٢٠٠ عملًا. وتتناول أهم أعماله موضوعات تاريخُية من بداية الإسلام إلى عصره. ولم يقتصر اهتمامه على مغازى الرسول ﵊ فحسب بل امتد إلى معاهداته وخطبه ومفاوضاته

стр. 9071

السلمية وبعوثه ورسائله. كما لم يكن اهتمامه بالأحداث التى حدثت فى زمان الخلفاء الأربعة الراشدين أقل من اهتمامه بتاريخ بنى أمية والعباسيين ومغازى وزواج الأشراف، وقد كتب عن أخبار الشعراء والمغنين، وتناول موضوعات جغرافية مثل المدينة وما حولها من جبال ووديان كما تحدث عن مشاهير الحمقى والخونة وعن سك العملة واستبدال المال، وعن البخل وعن المغيرة، وعن الحيوانات عمومًا والخيل بصفة خاصة. ولم يصلنا من أعماله إلا مخطوطتا كتاب المردفات من قريش وكتاب التعازى (فى جزأين). يعتبر المدائنى، فى نظر العلماء المسلمين، متخصصا عظيما فى الأخبار يعتمد عليه إلى أقصى درجة، فيقول عنه أحمد بن الحارث الخراز إن العلماء يعتبرون المدائنى خبيرًا فى أخبار خراسان والهند وفارس، كما يقول عنه المرزبانى: "من ابتغى أخبار الإسلام فعليه بأعمال المدائنى". ويعتبره أبو زكريا الأزدى حجة فى السيرة النبوية وأخبار العرب، ويضيف الخطيب البغداى: "وأيضًا فى أنساب العرب والفتوح والمغازى ونقل الشعر". ويمكننا أن نشعر بالقيمة الكبيرة لأعمال المدائنى من استشهاد العديد من علماء المسلمين به فى أعمالهم. وغالبا ما كان يذكر فى الفترة الأولى من حياته ضمن إسناد، سواء بكنيته أو نسب أو اسمه أو بابن أبى سيف، ولكنه كان يذكر بعد ذلك مع اسم الكتاب. وكان عبد القادر البغدادى من أواخر من استشهد به فى كتابه خزانة الأدب. ولم يكن اهتمام العلماء والمسلمين قاصرا على أعمال المدائنى التاريخية فحسب بل أيضا بكتبه فى الأدب والجغرافيا وعلم الحيوان والشعر. وإذا كان اهتمام المدائنى الأساسى بالتاريح يضعه فى مصاف المؤرخين، إلا أن طريقته فى العمل كانت طريقة المحدثين، فهو ينتقى من أعمال الآخرين ما يناسبه ثم يؤلف كتابه من هذه اللبنات مختلفة الأحجام، وكان فى بعض الأحيان يذكر إسناد هذه المعلومات إلى أن يصل إلى من شاهد الحدث أو عاصره، وفى أحيان أخرى

стр. 9072

كان يقتصر فى الإسناد على المصدر المباشر والمرجح أو الناقل. ولا يتغير هذا الأسلوب حتى فى الفقرات التى يلخص فيها أعمال الثقات أو فى أعماله الأدبية مثل كتاب التعازى فيذكر الأحداث بالتفصيل وبدون أى تعليق، ولا يهتم برونق الكلام قدر اهتمامه بالإطار التاريخى الذى تصاغ فيه الكلمات. ويلاحظ فى الفقرات المقتبسة من أعمال المدائنى أن هناك فقرات متشابهة ولكن فى نفس الوقت بينها اختلاف، ويمكن تفسير ذلك بأن المدائنى، فى حياته الطويلة كعالم، لا شك أنه راجع أعماله الأولى واستكملها فى سنوات لاحقة، ونقل كل منها كما هو, لهذا نرى المواد متداخلة وذلك لأنه كتب رسائل عن أشخاص (مثل كتاب أخبار الحجاج ابن يوسف) وكتب فى موضوعات منفصلة (مثل كتاب التعازى) الذى ذكر فيه الحجاج بن يوسف أيضا وكتب مختصرات (مثل كتاب أخبار الخلفاء الكبير). ولم يصل إلينا من أعمال المدائنى الكاملة إلا كتاب المردفات من قريش وكتاب التعازى. وقد استشهد (ت ٢٨٦ هـ/ ٨٩٨ م) فى كتابه التعازى بعدد كبير من فقرات كتاب التعازى للمدائنى لدرجة أنه يمكن استعادة الفقرات التى فقدت من مخطوطته من خلال هذه الاستشهادات. ذكر المؤلفون المتأخرون أسماء أعمال للمدائنى منها كتاب (الفرج بعد الشدة) وكتاب (الختم والرسل) وكتاب السمير وكتاب (الجوابات). المصادر: (١) H. A. Gibb: Ta, rikh فى دائرة المعارف الإسلامية الطبعة الأولى صفحة ٢٥٢. (٢) على جواد: موارد تأريخ الطبرى، فى مجلة المجمع العلمى العراقى. حسين حمد عيسى [أورسولا سزجين Ursula Sezgin] مدراس مدينة وميناء رئيسى على الساحل الجنوبى الشرقى للهند، وهى عاصمة ولاية تاميل نادو الهندية منذ الاستقلال.

стр. 9073

١ - التسمية: أثار أصل اسم "مدراس" جدلا كثيرا، وهناك تفسيران مقبولان لهذه التسمية. يشير أولهما إلى أن "الخرائط الأولى" للمنطقة توضح أن مدراس كانت مستوطنة إسلامية ومن ثم فإن هذا الاسم مشتق من كلمة "مدرسة" العربية. وتوضح خريطة فريّر (Fryer) فى نهاية القرن السابع عشر بيت الحاكم المبنى على الطراز الإسلامى وتعلوه قبة، ويحتمل أن هذا البيت كان المدرسة ذاتها فى الماضى. غير أن الكتيب الخاص بإدارة رئاسة مدراس يقدم تفسيرا بديلا وهو أن اسم "مدراس" باللغة السنسكريتية مشتق من "مَنْدَرادْزو"، وهو اسم حاكم محلى بلغة التيلوجو. ٢ - التاريخ: حتى بداية القرن الحادى عشر الهجرى (السابع عشر الميلادى) كانت مدراس مجرد قرية صغيرة يقطنها صيادون، وفى عام ١٦٣٩ حصل فرنسيس داى من شركة الهند الشرقية على "قطعة أرض طولها خمسة أميال وعرضها ميلا واحدا" فى قرية مدراس الصغيرة ليبنى عليها المدينة وحصن سان جورج ولتصبح نواة لمدينة مدراس الحديثة. ظلت مدراس متابعة لرئيس مستوطنة بتنام فى جاوة حتى عام ١٦٣٣, حتى أصبحت رئاسة مستقلة. وفى عام ١٧٠٢ حوصرت مدراس على يد قائد عسكرى يدعى داود خان يعمل فى خدمة الإمبراطور أورانجزيب، حاكم دولة المغول الإسلامية، لكنه فشل فى اقتحامها بعد حصار استمر عدة أسابيع. وفى عام ١٧٤٣ تم توسيع حصن سان جورج وتقويته، إلا أن ذلك لم يمنع لابوردونيه Labourdonnais من الاستيلاء عليه فى عام ١٧٤٦. وبعد عامين، وبموجب معاهدة إكس شاييل استعاد البريطانيون مدراس، التى كانت تعد أكبر مدن جنوب الهند فى ذلك الوقت. وفى عام ١٧٥٨ قام الفرنسيون بمحاولة فاشلة ثانية للاستيلاء على مدراس، حيث تم احتلال المدينة ولكن الحصين لم يسقط، وبعد شهرين، اضطر الفرنسيون إلى الانسحاب. ومنذ ذلك الحين وحتى الاستقلال فى عام ١٩٤٧ ظلت المدينة بين أيدى البريطانيين.

стр. 9074

وتعتبر مدراس رابع أكبر المدن وثالث أهم الموانى فى الهند. وطبقا للتعداد الذى أجرى عام ١٩٧١ بلغ عدد سكان مدراس ٢.٤٦٩.٤٤٩ نسمة منهم ٢١٠.٠٨٣ مسلما. ويتكلم أغلب مسلمى مدراس لغة التاميل، ويستوى فى ذلك السنيون الذين يتبعون مذهب أبو حنيفة ولا يدعون أصولا عربية ويتمركزون فى المناطق الداخلية من تاميل نادو، أو أتباع المذهب الشافعى الذين ينتشرون على امتداد ساحل كروماندل ويدعون أن أصولهم عربية. المصادر: (١) J.T.Wheeler: Modras in the olden times. Modras ١٨٦١ (٢) Monual of the administration of the Modras Presidency, Modras ١٨٨٥ - ١٨٩٣ in ٣ vols لبنى الريدى [أ. د. و. فوربس A.D.W. Forbes] مدين شعيب مدين شعيب. مدينة فى شمال غريب الجزيرة العربية إلى الداخل من الشاطئ الشرقى لخليج العقبة ذكر الجغرافيون المسلمون فى العصور الوسطى أنها فى طريق الحج بين الحجاز والشام وأن الحجاج كانوا يتجهون عندها إلى الداخل لتجنب الشاطئ الجبلى للخليج. ويرتبط هذا الاسم بقبيلة مدين التى ذكرت فى العهد القديم، وإن كان من الصعب أن نذكر هذا من غير محاولة التعرف على الموطن الأصلى لهذه القبيلة، إذ ربما صارت هذه المدينة مستقرا لمدين فى العصور المتأخرة، بجانب صعوبة تحديد الموطن الحقيقى لهذه القبائل الرجل. على أى حال لم تذكر مدينة مدين فى العهد القديم. ولكن ذكر يوسفوس Josephus أن مدين مدينة على البحر الأرترى (الأحمر) وكذلك قال أيضا يوسبيوس Eusebins، أما بطليموس فقد ذكر مدينة على الساحل تسمى موديانا Modiana أو مودونا Modouna، بينما ذكرها فى فقرة أخرى على أنها مدينة فى الداخل أسمها ماديا ما Madiama, وهذا الاختلاف فى الأسماء يفسره اختلاف المواقع المذكورة للمدينة ولا يوجد فى عهد محمد (عليه

стр. 9075

الصلاة والسلام) إلا إشارة واحدة فعلا إلى مدينة مدين (ذكرت فى سيرة ابن اسحق) وذلك عندما أرسل الرسول ﵊ سرية بقيادة زيد بن حارثة إليها. كما وردت إشارات عارضة إليها فى شعر كُثَيّر حيث ذكر الرهبان الذين يعيشون هناك كما ورد ذكرها فى رحلة محمد بن الحنفية إلى أيله. ويقول ياقوت أن الأمير الأموى عبد الواحد بن سليمان أقام فى مدين فترات متقطعة، وكان الشاعر بن هَرْمة يزوره هناك. وبالنسبة للجغرافيين، فإن مدين مجرد مدينة قرب الساحل على مسافة ستة أيام من تبوك، وكانت المحطة الثانية فى طريق الحجاج من أيلة إلى المدينة المنورة كما كانت تتبع من الناحية الإدارية - المدينة المنورة، وفى القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى تحدث اليعقوبى عن موقعها فى منطقة غنية بجداول الماء والقنوات والحدائق والنخيل وسكانها الذين يتألفون من عدة أجناس ووصفها الإصطخرى بأنها أكبر من تبوك، ووصف ضمن مشاهداته النبع الذى سقى منه موسى ﵇ غنم شعيب والذى كان فى ذلك الوقت فى حوزة بيت بنى عليه. وبعد ذلك أخذت المدينة فى الذبول تدريجيًا، وفى القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى قال عنها الإدريسى إنها مركز تجارى صغير قليل الأهمية ذو موارد ضئيلة، ووصفها المقريزى فى خططه أنها تقدم لأهلها أسبابًا متواضعة للعيش مع تجارة قليلة، كما قال إنه لازال بها مبان قديمة وأطلال. وقى القرن ١٩ بدأ الرحالة الغربيون مثل روبيل Ruppell وبيرتون Burton فى زيارة منطقة مدين ووصفها ميوسيل Musil وفيلبى Phiby وصفا دقيقا فى القرن الحالى، كما قام فريق بقيادة ب. ج بار P. G. Parn باستكشافات أولية لآثارها وتقع هذه المدينة فى المناطق الوسطى للوادى الأبيض (أو وادى العفال كما تسمى المناطق السفلى منه) التى كان فيها طريق الحجاج القديم إلى الجنوب، وفى الجانب الغربى من الوادى، على خط طول ٢٨ ْ ٣٠ َ ٣٠ ْ،

стр. 9076

وعلى بعد ٢٥ كيلومترًا شمال شرق مقنا Ma kna على شاطئ خليج العقبة، يقع المكان الأثرى المسمى مغائر شعيب، وهى مقبرة كبيرة قبورها منحوته داخل حجر جيرى ناعم جدا وهش مما جعلها فى حالة أسوأ من مقابر البتراء Petra. ويعتقد موسيل وفيلبى أن هذه المقابر نبطية، وهما على حق فى اعتقادهما هذا، فالأسطح الفخارية تحمل الطابع النبطى والرومانى إلى درجة كبيرة، كما وجدت قطعة عليها نقوش أثرية بالاوتينية، كما لاحظت بعثة بار Parr أيضا مساحات كبيرة بها خرائب قريبًا من الجانب الشرقى من الوادى، ويميل أعضاء البعثة إلى الاعتقاد بأن هاتين المنطقتين اللتين تسميان الملقطة والمليحة هما مكان مدين الإسلامية. وقد أشار القرآن إلى مدين كشعب أكثر من مرة، منها ما ورد فى قصة موسى ﵇ ومقامه معهم (طه آية ٤٠ والقصص آية ٢٢ وما يليها وآية ٤٥) وما ورد فى قصص الأنبياء التى تكررت أكثر من مرة وذكر فيها عقاب أهل مدين لكفرهم نبيهم شعيب (سورة الأعراف آية ٨٥ إلى ٩١ وهود آية ٤ إلى ٩٥ والعنكبوت اية ٣٦). وقد عرف بعد ذلك أن شعيبا هو حمو موسى. وفى السور الأولى (الحجر آية ٧٨ والشعراء آية ١٧٦ إلى ١٩١ وحتى آية ١٣)، لم يذكر اسم مدين وإنما ذكر أصحاب الأيكة الذين كفروا برسالة شعيب. ويرى أ. ف. ل بيستون A. F. L أن أصحاب الأيكة كانوا من عباد الصنم النبطى ديوسارس أو ذى الشرى (وقد لاحظ ميوسيل أن الجزء الأسفل من الوادى الأبيض كان مليئا بشجيرات كثيفة) ولهذا كانوا على اتصال وثيق بمدين، وبغض النظر عن أن المفسرين قد قالوا أن شعيبا أرسل إلى قومين مختلفين، فإن ما ذكر عن رسالة شعيب فى السور المكية يمكن أن نعتبره موجهًا إلى قوم لهم دراية بعبادة ذى الشرى فى شمال غرب الجزيرة العربية من خلال الصلات التجارية، أما ما ورد فى السور المدنية فهو موجه إلى قوم لهم دراية بوجود مدين بصفة عامة.

стр. 9077

المصادر: (١) اليفى فى REJ العدد ٥٤ صفحة ٤٥ وما يليها. (٢) ابن هشام: طبعة فستنفلد صفحة ٥١٦ إلى ٥١٧. (٣) الإصطخرى جزء ١٢ صفحة ٢٠. (٤) اليعقوبى: البلدان صفحة ترجمة وايت صفحة ١٩٩ - ٢٠٠. حسين أحمد عيسى [ف. بول F.Buhl س. ى. بوسورث C. E. Bosworth] المدينة الزاهرة المدينة الزاهرة مدينة أسست عام ٣٣٦ هـ/ ٩٧٨ م لتكون مقرًا للمنصور ابن أبى عامر على شاطئ نهر الجواد الكبير قريبًا من قرطبة وإلى الشرق منها. لم تعمر هذه المدينة طويلًا إذ دمرت تماما عام ٣٣٩ هـ/ ١٠٠٩ م. فى زمن ثورة محمد الثانى المهدى على عبد الرحمن سانشويلو وتدل بقايا هذه المدينة على أن مبانيها كانت من مواد متوسطة. حسين أحمد عيسى [م. أوكانيا خيمينير M. Ocana Jimenez] المدينة المنورة المدينة المنورة هى مقر الرسول [ ﷺ ] بعد الهجرة، وهى واحدة من المدن ذات القداسة عند المسلمين. تقع فى الحجاز بالمملكة العربية السعودية عند خط عرض ٢٨ َ ٢٤ ْ شمالًا وعند خط طول ٣٦ َ ٣٩ ْ شرقًا. وتبعد عن البحر الأحمر حوالى ١٦٠ كيلو مترا، وتبعد عن مكة المكرمة حوالى ٣٥٠ كيلو مترا إلى الشمال. لقد تطورت المدينة من مجرد واحة مستوية بين جبل أحد فى الشمال وجبل عير فى الجنوب. أما إلى الشرق والغرب منها فثمة حرَّان وهو اللفظ العربى الدال على مساحات تغطيها مقذوفات البراكين. وثمة مسيلات (أودية أو أحجار تكونت بفعل جريان الماء) تعبر الواحة من الجنوب إلى الشمال، ولا تكون هذه المسيلات عامرة بالماء إلا عقب هطول الأمطار، وبالمدينة عدد كبير من الآبار والينابيع، وإذا نزل المطر مدرارًا جعل من منطقة المناحة الواقعة فى الوسط -

стр. 9078

بحيرة، وتسببت السيول فى هدم بعض الأبنية، وفى عهد عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، تم تشييد سد على أحد هذه المسيلات لحماية المدينة من السيول (فتوح البلدان للبلاذرى) وسجلت كتب التاريخ حدوث فيضانات مدمرة فى أعوام ٤٠ هـ/ ٦٦٠ م و ١١٦ هـ/ ٧٣٤ م, و ١٥٦ هـ/ ٧٢٢ م. ومياه بعض العيون والآبار مالحة لا تستساغ، لذا فقد أمر عدد من الولاة والحكام بمد قنوات لمد المدينة بالمياه المستساغة من آبار وعيون تقع إلى الجنوب منها. وتتكون تربة المدينة من رمال مالحة وكلس وطمى طفلى، وهى تربة خصبة خاصة فى الأنحاء الجنوبية، وكانت المدينة معروفة بنخيلها الوافر منذ ما قبل أيام محمد ﷺ ، كما كانت معروفة بزراعة الحبوب، وبعد ذلك عرفت المدينة زراعة البرتقال والليمون والرمان والموز والخوخ (الدرّاق) والمشمش، وشتاء المدينة بارد قليل مطره، وصيفها حار لكنه قلما يكون محرقًا ممعنًا فى قسوته. وكان هواؤها فى أزمنة مضت منعشًا. لكنه -فيما يقول البلاذرى- سبب للحمّى (Wensinch: Mohammed en de Joden, ٣١ Goldzihen, Muh. stud. II. ٢٣٤) وكان الأمويون يسمونها (الخبيثة) وهذا اللفظ مقابل (معاكس) للاسم الذى أطلقه الرسول [ ﷺ ] وهو طيبة (١) (Goldziher. op.cit,II). تاريخ المدينة حتى سنة ١٩٢٦ م: كانت تسمى قبل الإسلام يثرب رغم أن السمهودى يذكر أن (يثرب) كانت تطلق -فقط- على جزء من الواحة. وقد ورد اسم يثرب فى القرآن الكريم مرة واحدة ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا. . .﴾ سورة الأحزاب الآية ١٣. وقد أشار بطلميوس وستيفانوس Stephanus إليها باسم يثريبا Iathrippa، كما وردت فى

стр. 9079

النقوش المعينية بدون تحريك يثرب Ythrb. أما لفظ المدينة فيعنى -عامة- موطن الحكم وهى كلمة ذات صلة بالكلمة الآرامية مدنتا Medinta, ولقد ورد لفظ مدينة فى القرآن الكريم مرات عشر كما ورد جمعها (مدائن) ثلاث مرات. وكان ورودها جميعًا -مفردًا وجمعًا- فى سياق الحديث عن الأنبياء السابقين على محمد [ ﷺ ]، وفى آيات متأخرة فى نزولها نسبيًا وردت لتشير إلى الواحة (المدينة المنورة المقصودة هنا) التى أصبح غالب سكانها من المسلمين سورة التوبة الآيات: ١٠١، ١٠٢, ١٢٠, ١٢١ وسورة الأحزاب الآية: ٦٠ وسورة المنافقون الآية: ٨). لكن هناك احتمالا ألا تكون قد أصبحت حتى ذلك الحين اسم علم لا يقصد به إلا المدينة المنورة التى نتناولها فى هذا المقال. وفى بعض مواثيق المدينة التى اوردها ابن هشام (انظر ص ٣٤١ - ٣٤٤ من طبعة ابن هشام التى حققها فستنفلد) ورد اسم يثرب فقط، وهناك افتراض أن (المدينة) مجرد اختصار لعبارة (مدينة النبى) لكن هذا لا يتفق مع الاستخدام القرآنى للكلمة خاصة فى الآية الثامنة من سورة المنافقون ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أما فيما يتعلق بشعراء هذه الواحة (المدينة المقصودة فى مقالنا هذا) فلم يذكرها الشاعر الجاهلى قيس بن الخطيم إلا باسم يثرب، بينما ذكرها الشعراء المعاصرون للرسول [ ﷺ ] مثل حسّان بن ثابت وكعب بن مالك بالاسمين معًا: يثرب والمدينة. ولم تكن المدينة المنورة فى البداية مدينة متصل عمرانها وإنما كانت مجموعة من المستقرات المتناثرة تحيطها بساتين النخيل والحقول، لهذا فقد تم تشييد عدد كبير من القلاع والحصون لدرء الأخطار عنها، وربما يكون عدد هذه القلاع والحصون قد بلغ المائتين وكان اللفظ الدال على واحدها هو أُطُمُ (بضم الألف والطاء) وجمعه آطام أو أجُمُ (بضم الألف والجيم). وربما كانت

стр. 9080

فكرة الآطام أو الآجام مأخوذة عن أهل اليمن وفقًا لاستنتاج المستشرق لامنس، ولا يبدو المؤرخون المسلمون المتأخرون زمنًا على دراية موثقة بالتاريخ الباكر للمدينة المنورة (انظر السمهودى، الباب الثالث، الفصل الأول) فمعلوماتهم تتسم بالتخمين غير الموثق، فالسمهودى مثلًا يذكر أن أول من زرعها كانوا هم العماليق، ويبدو منطقيًا أنه كان فى المدينة عدد من العرب قبل وصول أى من اليهود إليها, ولا شك أنه وقت استقرار الأوس والخزرج بالمدينة كان أجداد بعض أجداد هؤلاء العرب السابقين على استقرار الأوس والخزرج، تابعين لليهود، وربما فسرت لنا هذه العلاقة الوثيقة بين هؤلاء العرب واليهود، لِمَ رُفضت بعض العشائر العربية الصغيرة نبوة محمد [ ﷺ ] (خطمه، ووائل، وواقف، وأمية ابن زيد، وقسم من عمرو بن عوف) ويلف الغموض تاريح يهود المدينة الباكر، فربما كان بعضهم اللاجئين القادمين من فلسطين، وربما كانوا من الذين غادروا فلسطين هاربين بعد هزيمة بار كخبه Bar Kokhba, لكن ربما كان بعضهم أيضًا من العرب الذين اعتنقوا اليهودية كدين، خاصة وأن يهود المدينة تزاوجوا مع العرب وكانت عاداتهم -اليهود والعرب- متشابهة. وعلى أية حال فإنه يتضح لنا من القرآن الكريم (على سبيل المثال: سورة البقرة، آية ٤٤ وما بعدها) أنهم كانوا يدعون الانتساب إلى بنى إسرائيل أى أنهم من أصول عبرية، رغم حقيقة أن معظم أسماء يهود المدينة أسماء عربية، وتنسب بعض القصائد العربية الجاهلية إلى شعراء يهود، وهى قصائد يمكن تمييز بنائها الأدبى ومحتواها عن قصائد عرب الصحراء. (Noldeke: Beitrage Zur Kenntnis der poesie der alten Araber, ٥٢ ff) وعند هجرة الرسول [ ﷺ ] كان فى المدينة المنورة ثلاث قبائل يهودية رئيسية هى: بنو قريظة، وبنو النضير،

стр. 9081

وبنو قينقاع، وكانت أراضى بنى قريظة أخصب أراضى الواحة، وكان بنو قينقاع صانعى أسلحة وصاغة وتجارًا، ويعدد لنا السمهودى بالإضافة لهؤلاء اثنتى عشرة عشيرة يهودية أخرى، ويذكر لنا بعضًا منها ذات سلاسل نسب عربية. وبعد استقرار الأوس والخزرج (أحيانًا يطلق عليهما معًا اسم بنى قيلة) تلاشى النفوذ اليهودى فى المدينة ويقال: إن الأوس والخزرج قد قدما من اليمن بعد انهيار سد مأرب. وظل الأوس والخزرج هما القوى المسيطرة فى المدينة حتى قبل الهجرة بفترة طويلة، وقد تدخل اليهود فى الخلافات التى نشبت بينهما كما كان اليهود يؤازرون بعض القبائل المتحاربة ضد قبائل أخرى. لقد وصلت معلومات عن رسالة [ ﷺ ] إلى المدينة المنورة فى وقت باكر من ظهور الدعوة، إذ يقال: إن سويد بن الصامت الذى توفى قبل يوم بُعاث قد أسلم وقبل بالقرآن الكريم فيما يقول ابن هشام. أما أول من تحول للإسلام بشكل واضح ومحدد فهم ستة رجال من الخزرج التقوا بمحمد [ ﷺ ] سنة ٦٢٠ م تقريبًا، وفى موسم حج سنة ٦٢١ م أحضروا معهم مجموعة من اثنى عشر رجلا (منهم اثنان من الأوس) أسلموا جميعًا، وفى سنة ٦٢٢ م قدم للرسول ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان وأسلموا جميعًا فى موسم حج هذا العام. وتعاهدوا على حماية الرسول [ ﷺ ] وصحبه كما يحمون أهليهم. وبناء على هذا بدأ أصحاب الرسول فى الهجرة إلى المدينة فى جماعات صغيرة بلغ عدد أفرادها حوالى سبعين وأخيرًا هاجر الرسول [ ﷺ ] وصاحبه أبو بكر فوصلا قُباء فى جنوب الواحة (المدينة) فى ١٢ ربيع الأول (٢٤ سبتمبر سنة ٦٢٢ م)، وقد رجب مسلمو المدينة بالمهاجرين القادمين من مكة المكرمة، أما الرسول [ ﷺ ] فترك ناقته تبرك حيث شاءت ثم اشترى الأرض التى بركت فيها وبنى

стр. 9082

بها مسجدًا ودارًا، ولم يقبل تبرعًا من أحد حتى لا يسخط عليه واحدة من القبيلتين المتنافستين، وربما للسبب نفسه لم يكن من بين زوجات محمد [ ﷺ ] واحدة من الأوس أو الخزرج. ولاشك أن أثر التكوين الاجتماعى كان واضحًا فى الوثيقة المعروفة بميثاق المدينة (دستور المدينة) الذى ناقشه المستشرق فلهوزن Wellhausen فى مبحثه ٨٣ - ٦٥. Skirzen and Vorabeiten. IV وفنسنك Wenssinck فى مبحثه Mohammed en de Joden, ص ٧٤ - ٨١ وكيتانى Caetani, ووات Watt فى كتابه عن محمد رسول اللَّه فى المدينة Mohammead at Madina وأفراد سيرجانت R.B. Serjeant مبحثا لهذا الموضوع The Constitution of Madina وغيرهم. ويبدو من الصياغة والتعبيرات المستخدمة أن النص الذى بين أيدينا يرجع إلى تاريخ لاحق لقضية بنى قريظة سنة ٥ هـ/ ٦٢٧ م، وإن كانت بعض البنود عائدة إلى بيعة العقبة الثانية (بيعة الحرب). ووفقًا لبنود هذا الميثاق فإن كل الذين يعيشون فى المدينة يشكلون أمة (جماعة متكاملة) بمعنى أن يكونوا متحالفين وفقًا للمفاهيم العربية التقليدية عن التحالف، وكان هذا التحالف يضم ثمانى عشائر محلية (ثلاث من الأوس وخمس من الخزرج) وجماعة المهاجرين القادمين من مكة المكرمة، ولقد آمنوا جميعًا بنبوءة محمد ﷺ ، ومن هنا اختلف هذا التحالف عن التحالف الجاهلى باصطباغه بصبغة إيمانية. فقد أشار الميثاق لكل هذه العشائر والجماعات باسم المؤمنين، بالإضافة لإشارات لقدرة اللَّه سبحانه وتوحيده وعبادته وحده. وورد ذكر حوالى عشر جماعات يهودية فى بنود منفصلة تقرهم على دينهم وتعطيهم بعض الحقوق وتفرض عليهم بعض الواجبات، بل وبدا أن الوثنيين كانوا مقبولين فى هذا المجتمع الجديد إلا أن حقوقهم لم تكن واسعة، وكانوا مقيدين فى ممارسة نشاطاتهم،

стр. 9083

ولم يكن للرسول [ ﷺ ] فى هذا الميثاق سوى رسول ونبى يرجعون إليه فى أمور دينهم ودنياهم، وحتى سنة ٥ هـ/ ٦٢٧ م كان الرسول [ ﷺ ] لا يصدر أمرًا إلا بعد مناقشة رؤساء العشائر الآنف ذكرهم، لكن بعد فتح مكة ٨ هـ/ ٦٣٠ م كان لانتصار الإسلام بشكل رائع أثره فلم يعد أحد من غير المسلمين بقادر على تحدى قراراته. وسمى أهل المدينة بالأنصار تمييزًا لهم عن القبائل الأخرى التى أسلمت ودخلت فى (الأمة) الإسلامية. وقد شهدت الفترة من هجرة الرسول [ ﷺ ] إلى موته سلسلة من الغزوات تزيد على السبعين كان عدد المحاربين المسلمين فيها يتراوح بين بضعة أفراد إلى ثلاثين ألفًا. وكان مقاتلو الغزوات الأولى الصغيرة من المهاجرين فقط، لكن فى غزوة بدر ٢ هـ/ ٦٢٤ م كان مقاتلو المدينة المنورة (الأنصار) يشكلون ثلاثة أرباع قوة المسلمين المقاتلة، وبعد انتصار بدر أصبح أهل المدينة جميعًا متقبلين لسياسة الرسول [ ﷺ ] فيما عدا قلة من المنافقين. وبعد غزوة تبوك لم يغادر الرسول المدينة إلا ليحج حجة الوداع فى ذى الحجة/ مارس ٦٣٢ م، وبعد شهرين مرض ولقى ربه فى ٨ يونية سنة ٦٣٢ م، ولم يكن قد أوصى بمن يخلفه إلا أنه فهم من إنابته أبابكر ليصلى بالناس أنه قد استخلفه. وقد أقام أبو بكر ومن بعده عمر وعثمان رضى اللَّه عنهم فى المدينة فأصبح من الواضح أن المدينة -فى عهودهم- كانت هى عاصمة الدولة الإسلامية، وبعد مقتل عثمان لم يحظ على رضى اللَّه عنه بالقبول من بعض الولاة، فقد فضل الشوام أن يحكمهم معاوية، كما عارض طلحة والزبير عليًا رضى اللَّه عنه فى مكة ثم فى البصرة، وغادر على المدينة إلى الكوفة فى أكتوبر سنة ٦٥٦ م، ولم يعد، وهكذا حلت الكوفة محل المدينة المنورة كعاصمة، وعندما تم الاعتراف بمعاوية

стр. 9084

كخليفة سنة ٦٦١ م أصبحت العاصمة هى دمشق. المدينة من ٦٦١ م إلى ١٩٢٩ م: قلت الأهمية السياسية للمدينة المنورة بعد أن حلت مدن أخرى كعواصم للدولة وإن كان هذا لا يمنع من شغلها لبؤرة الاهتمام السياسى بين الحين والحين. لقد كان عدد كبير من قادة المدينة غير راضين عن تولى يزيد بن معاوية الخلافة بعد أبيه فى ٦٠ هـ/ ٦٨٠ م وبدا بعضهم متعاطفًا مع عبد اللَّه بن الزبير الذى كان ينظم المعارضة ضد الأمويين فى مكة المكرمة فأرسل يزيد جيشًا بقيادة مسلم بن عقبة المرى فعسكر فى الحرّة إلى الشمال الشرقى من المدينة وهزم جيش الثوار وأباح المدنية لعسكره الشوام ثلاثة أيام، ويبدو أن هناك مبالغة فى الفظائع التى ارتكبها جيش يزيد بقيادة مسلم بن عقبة من قبل المؤرخين المناوئين لبنى أمية، ولم ينتج عن هذه الثورة ارتفاع لشان المدينة، وإنما تضاءلت قيمتها السياسية أكثر من ذى قبل. وفى ١٣٠ هـ/ ٧٤٧ م. أرسل جماعة من الإباضية المتمركزين فى اليمن جيشًا إلى الحجاز، وبعد أن هزموا جيش والى المدينة واحتلوها لثلاثة أشهر أخرجهم منها جيش قادم من الشام. وبعد قيام الدولة العباسية كانت المدينة مركزًا -لفترة يسيرة- لمعارضة الحسنيين: محمد بن عبد اللَّه النفس الذكية والحسين بن على. ومن الأحداث الكبيرة أيضًا قيام القائد التركى بغا الكبير بتأديب قبائل البدو سنة ١٦٩ هـ/ ٧٨٠ م التى أحدثت اضطرابًا وفوضى فى منطقة المدينة. ومع كل هذا فقد ظلت المدينة مركزًا للثقافة الدينية، لا يمكن التقليل من شأنه. كما كانت مركزًا أقام به كثيرون من العلماء وذوى الحيثية. فحتى فى اثناء الحكم الأموى كانت المدينة محلًا مختارَا لأولئك الراغبين فى البعد عن مشاكل السياسة ومن هؤلاء عبد اللَّه بن

стр. 9085

عمر بن الخطاب وفى المدينة أقام الحسن بن على، وزوجات الحسين وابنه محمد بن الحنفية بعد مأساة كربلاء، كما استقر فى المدينة عدد من القرشيين المكيين، واختلف الناس للمسجد النبوى ومساجد المدينة لمناقشة الأمور الدينية، ولعل أول مدرسة دينية مهمة فى المدينة كانت تلك التى أرسيت دعائمها فى المدينة رغم أن الباحث شاخت فى كتابه Origins of Muhammadan Jurisprudance يرى أنها لم تكن إلا امتدادًا للمدارس العراقية. وهناك إشارات كثيرة لفقهاء المدينة السبعة, وهم مجموعة علماء وافتهم منيتهم قبل سنة ١٠٦ هـ/ ٧١٨ م أو بعدها بقليل كان أهمهم عروة بن الزبير الذى كان أيضًا جامعًا لأحاديث الرسول ﷺ وكاتبًا لسيرته وكان من بين تلاميذه ابنه هشام ومحمد بن شهاب الزهرى (المتوفى ١٢٤ هـ/ ٧٤٢ م) وهناك أيضًا مالك بن أنس (المتوفى ١٧٩ هـ/ ٧٩٥ م) مؤسس المذهب المالكى، أما فى مجال الدراسات القرآنية فقد شهدت المدينة نافع الليثى (المتوفى ١٦٩ هـ/ ٧٨٥ م) الذى اعتمدت قراءته كواحدة من القراءات السبع. ولم يبن سور حول المدينة إلا بعد أن فتح الفاطميون مصر، إذ شعر عضد الدولة البويهى باهمية ذلك خوفًا من استيلاء الفاطميين عليها. وفى سنة ٥٥٧ هـ/ ١١٦٢ م بنى نور الدين محمود سورًا آخر، له بوابات وبعد الفتح العثمانى أمر سليمان القانونى (١٥٢٠ - ١٥٦٦ م) ببناء أسوار بارتفاع حوالى اثنى عشر مترًا من الجرانيت والبازلت كما قام بإنشاء قناة مغطاة لجلب المياه العذبة للمدينة من الجنوب، وقد قام السلطان عبد العزيز (١٨٦١ - ١٨٧٦ م) بزيادة ارتفاع هذه الأسوار بمقدار خمسة وعشرين مترًا. وتعرضت المدينة سنة ٦٥٤ هـ/ ١٢٥٦ م لتأثير انفجار بركانى وهزات أرضية لكن المقذوفات البركانية اتجهت شرقًا فشمالًا، وبذلك لم تصب المدينة بسوء، وفى سنة ١٨٠٤ م. استولى السلفيون الإصلاحيون

стр. 9086

(الوهابيون) على المدينة فمنعوا زيارة قبر الرسول [ ﷺ ] (المترجم: منعوا التوسل إليه باعتبار ذلك شركا) كما جردوا القبر مما عليه من حلى وجواهر (المترجم: باعتبار ذلك بدعًا)، وفى ١٨١٣ استعادها طوسون من السلفيين، وفى ١٩٠٨ م أنشأ العثمانيون سكة حديد الحجاز لتصل المدينة بدمشق لتسهيل الحج رغم استخدامه لأغراض عسكرية وعلى أية حال، فإن قوات فخرى باشا العثمانى ظلت فى المدينة حتى نهاية الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٨ م وفتح ابن سعود الحجاز سنة ١٩٢٤ م وبذلك أصبحت المدينة جزءًا من المملكة العربية السعودية. المصادر: (١) السمهودى: وفاء الوفا. (٢) ابن هشام: السيرة، تحقيق Wustenfeld, جوتنجن ١٨٥٩, ١٨٦٠ م. (٣) الواقدى: المغازى تحقيق مارسدن جونز. (٤) البلاذرى: فتوح البلدان، تحقيق De Goeje ليدن ١٨٦٦ م. (٥) المقدسى: أحسن التقاسيم. (٦) ياقوت الحموى: معجم البلدان، تحقيق Wustenfeld ليبزج ١٨٦٦ - ١٨٧٣ م. (٧) Burckhardt: Travels in Arabia. London, ١٩٢٩ وقد ترجم إلى العربية فى ثلاثة أجزاء: د. عبد العزيز الهلالى ود. عبد الرحمن عبد اللَّه الشيخ. بيروت، دار التعائس (مع تعليقات وشروح). (٨) R. F. Barton: Personal Narratian of a pilgrimage . . London, ١٨٥٧ (٩) A. J. Wensinck: Mohammed en de Joden to Medina. Leiden, ١٩٠٨ (١٠) J. Sauvaget: la Mosquee de Medine, Paris, ١٩٤٧ (١١) W. M. Watt: Muhammad at Medina, Oxford, ١٩٥٦ د. عبد الرحمن الشيخ [و. مونتجمرى. وات W. M. Watt]

стр. 9087

المرابطون ١ - أصلهم وتاريخهم فى الشمال الإفريقى: حدث فى النصف الأول من القرن الخامس الهجرى (= الحادى عشر الميلادى) أن شيخًا ورعًا من أهل جدالة الذين أقاموا نواحى "الساقية الحمراء" و"توارزا" بموريتانيا، حج إلى مكة وكان يعرف بالجوهر بن سكوم وفى طريق عودته التقى فى القيروان بمدرس الفقه المالكى أبى عمران الغفجومى الفاسى الذى نصح الفقيه بزيارة "وجَّاج بن زَلوى اللَّمْتى" الذى كانت داره "دار المرابطين" فى "سوس" المراكشية، فزاره فأعجب وجاج من الجوهر، ورغبته القوية فى تفقيه قبيلته بالفقه المالكى، كما رأى وجاج فيه حليفًا عسكريًا قويًا وبعث به جنوبا إلى الصحراء وفى صحبته أكبر تلاميذه "عبد اللَّه بن ياسين الجزولى" الذى درس فى قرطبة سبع سنوات. أقام عبد اللَّه بن ياسين بعض الوقت بين "الجداليين"، ويبدو أنه قد توثقت المعرفة بينه وبين عائلات "لمتونة" البرفيعة الذين كان بينهم وبين "جدالة" وشيجة نسب رغم ما كان بين الجماعتين من منازعات قبلية كثيرة، والذين كانوا يتمركزون جغرافيا فى القسم الجنوبى من "أدرار" موريتانيا وفى "تَجانِت" وكان عبد اللَّه بن ياسين مالكيا مغاليًا فى مالكيته، وراح يطبق العقوبات الشرعية تطبيقا شديدا حتى لقد أفتى بجواز قتل الجوهر بن سَكّوم الذى كان أول من صحبه فى هذه الصحراء، ويصف كل من القاضى عياض والبكرى النظام القاسى الذى فُرض على هؤلاء المرابطين الذين دخلوا فى "رباط" ابن ياسين، ويقرّر القاضى عياض فى كتابه المدارك (٤/ ٧٨١) أن الجميع كانوا يطيعونه ويطيعون العقيدة التى يتبعها والتى يسير أموره هناك بمقتضاها، وأنه دوّن لهم قراراته فحفظوها عن ظهر قلب وعرفوها أحسن معرفة، وأنهم حفظوا فتاويه وردودها (على الأسئلة الفقهية)، ولازموه على الدوام وجعلهم مقيمين للصلوات وعاقب المقصّر فى أدائها فكان يجلده عشر جلدات عن كل ركعة فاتته لم يؤدّها فلم يغادروه أبدًا. هذه الإجراءات التنظيمية جعلت من الضرورى أن يعود عبد اللَّه بن ياسين ليشاور شيخة وجّاج بن زاوى، كما

стр. 9088

يقول البكرى. وتتفق جميع المصادر (حتى التى تخالفه) على أن حركة المرابطين كانت تحركها مثالية متأصلة فى نفس ياسين؛ على أنه يستمد مما كتبه القاضى عياض أن الحركة لم تكن قد نشأت أولًا فى دار "وجاج بن زاوى" التى شيدت فى "سوس" من أجل الدراسة ومن أجل الأغراض الدينية، ويركز المؤرخون المتأخرون على نشاط المرابطين فى هذه المرحلة إلى صومعة كانت قاعدة لعبد اللَّه بن ياسين ويحيى بن إبراهيم (أو الجوهر بن سكوم) وأمراء متونة الذين انضموا إلى الحركة، ويصف لنا البكرى مدينة أسسها عبد اللَّه بن ياسين لتكون مركزا لعملياته وكانت جميع مساكنها بقدر واحد من الارتفاع وسماها بأرشننّا. وعلى الرغم مما قد حدث من تغيرات فى قيادة الصحراء إلا أن عبد اللَّه بن ياسين ظل محتفظا لنفسه بأن يكون الموجه الأعلى لكافة الأمور ولإدارة "الإخوان" السياسية والمالية، وعهد إلى مريده المخلص يحيى بن عمر اللمتونى بقيادة الجيش ولقّبه بأمير المسلمين، رغم أنه كان قد أمر ذات مرة بضربه بالسياط، وقد استبسل هذا الجيش بالرماح حتى الموت، وواجه "جدَّاله" فى اقليم "الساقية الحمراء" فى معركة أسفرت عن نصره سياسيا. ولكنها أدّت إلى انصراف "جدّالة" عن مساعدة الحركة واتخاذها موقفا معاديا لأهدافها الصحراوية والسودانية، فقد قامت لمتونة بفتح مدن الحدود الصحراوية مثل "أوْدَاغُسْت" التى كانت تخضع خضوعًا اسميا لغانة، ولقد ظل اللمتونيون حتى قرب نهاية دولة المرابطين محتفظين بالقوة فى أيديهم. ودخل معظم الصحراء -كما يقول القاضى عياض- تحت سيطرة المرابطين وكذلك ما وراء بلاد مصمودة والقبلة والسوس وذلك بعد حروب طوَيلة، استشهد فى إحداها عبد اللَّه بن ياسين سنة ٤٥٠ هـ/ ١٠٥٨ م، ولكن كانت حملات المرابطين فى "وادى درعة" وبلاد السوس نصرًا لهم فى المغرب وكل شمال أفريقيا. وخلفه خليفته الروحى "سليمان بن عَدُّو" (ت ٤٥٢ هـ = ١٠٦٠ م) وكان فقيها، وهناك فقيه آخر ذكره القاضى عياض اسمه "لمناد (أو لمتان؟ ) بن نضير اللمتونى وكان من المجددين الروحيين وظل أثره باقيا ومحل تقدير فى الصحراء حتى القرن التالى.

стр. 9089

وقتل يحيى بن عمر سنة ٤٤٧ هـ (= ١٠٥٥ م) فخلفه أخوه أبو بكر بن عمر قائدًا للمرابطين فزحف إلى قلب مراكش وسقطت فى يده "أغمات" وتزوج من زينب أرملة مليكها وكانت من بربر "نفوازة" اشتهرت بجمالها وذكائها وثراها، وقد بلغ أبو بكر فى هذه مكانة القائد الأوحد للمرابطين ولحركتهم وسُكت العملة باسمه وأخضع "برغواطة" ثم ما لبث أن علم بعد قليل أن "بلجين" صاحب قلعة بنى حماد زاحف بجيش كبير ضد البلاد الواقعة فى أقصى المغرب وضد بقايا صنهاجة الموجودين فى الصحراء، فغادر أبو بكر الإقليم الشمالى كإجراء مؤقت حتى يعيد الوفاق بين المرابطين، على أنه قبل رحيله عهد بقيادة العسكر وتسيير دفة الأمور إلى يوسف بن تاشفين، وطلق زينب فزوجها ابن تاشفين سنة ٤٥٣ هـ (= ١٠٦١ م) ووصلت فتوح المرابطين على يد ابن تاشفين إلى ما وراء تلمسان والمغرب الأوسط" ثم جاءت الأخبار إلى أبى بكر بمدى النصر الذى حازه قريبه فعاد إلى الشمال ليعاود قيادته للمرابطين، وحينذاك استجاب يوسف لنصائح زينب فأغدق عليه الهدايا الجمة وأفهمه من طرف خفى أنه غير راغب فى التخلى له عن رئاسة حركة المرابطين، ولم يجد أبو بكر إلا الرضوخ لهذا الأمر فما كان له من طريق سواه، ومن ثم عاد إلى الصحراء الغربية بعد أن أقام بعض الوقت فى "أغمات"، ويقال إن مهمته كانت بعدئذ فتح غانة وهداية أهلها، واختلف فى سنة هذا الفتح إذ يرجعه كتاب الاستبصار إلى عام ٤٦٢ هـ, ويؤخرها ابن عذارى إلى سنة ٤٦٨ هـ (= ١٠٧٥ م)، كذلك يختلف المؤرخون متى كان إسلام غانة، وإن كان من المرجح الآن أنه تم فى مستهل القرن الثانى عشر وقت أن كانت حركة المرابطين تكاد تلفظ أنفاسها فى المغرب. ولما مات يوسف بن تاشفين سنة ٥٠٠ هـ (= ١١٠٦ م) كانت شهرته موضع كبرياء المسلمين فى المشرق حتى أن حامد الغزالى ودّ لو أنه لقيه، وقد عهد يوسف بالسلطة من بعده إلى ولده "على" فكانت له امبراطورية شاسعة تضم كل أقطار المغرب وبعض

стр. 9090

أفريقية وأسبانيا المسلمة، وتعاقبت ذرية يوسف بن تاشفين على عرش مراكش واحدا بعد آخر لمدة تقرب من نصف قرن من الزمان، على أنه بموت يحيى ابن غانية المسَتُوفى والى أسبانيا المرابطى، تلاشت قوة المرابطين من شبه الجزيرة. واتسم تدهور المرابطين بالسرعة ويمكن تلخيصه فى أن سقوط دولتهم حين أدركوا ألَّا فِبل لهم بمحاربة جبهتين فى آن واحَد هما: المسيحيون فى الأندلس ومصمودة فى جنوبى مراكش، ولم يستغرق سقوطهم زمنا طويلًا فقد بدأت طلائعه سنة ١١٢١ م ثم ازداد حدة سنة ١١٤١ م، كما أن صراعهم ضد مصمودة استمر من ١١٢٥ حتى ١١٤٧ م، وانتهى حكمهم إلا فى جزائر البليار وأفريقية وقد أشار يوسف على ولده على ألا يعمل ما يثير عليه ثائرة أهل جبال أطلس ومصمودة ولكن الخطة فشلت فشلًا ذريعا. على أنه يمكن أن يضاف إلى أسباب هذا السقوط ما كان من نزاع أخذ يشتد بين لمتونة ومسّوفة صنهاجة الذين كانوا من المرابطين وكان هذا الأمر يظهر جليا فى شرقى المغرب حيث الطرق التجارية التى تربط الأندلس لاسيما "المِرَيّة". هذا بالنسبة لتاريخ المرابطين فى المغرب وشمال أفريقية، أما فى الأندلس فيصح أن يقال أن حركة المرابطين قد تحولت من حركة أفريقية إلى حركة أندلسية، ويمكن إجمال تاريخها فى أنه بين عامى ٤٧٠ و ٤٧٦ هـ تم احتلال طنجة وقامت حملة ضد أشبيليه وكان يوسف بن تاشفين قد تلقى استغاثات كثيرة تدعوه للتدخل فى أعمال ملوك الطوائف والنصارى، على أن سنة ١٠٨٥ م تعتبر السنة التى تقرر فيها استقرار المرابطين فى أسبانيا وذلك حين سقطت طليطلة فى يد الفونسو السادس ملك قشتالة حيث اتضح بجلاء أنه لا قدرة مطلقا لملوك الطوائف على احتواء ضغط الممالك النصرانية عليهم ومن ثم كان استدعاؤهم للمرابطين، وكان أول المستنجدين بهم ملوك أشبيلية وغرناطة وبطليدس، وبذلك أصبح يوسف ملتزما بالدفاع عنهم وتخليصهم من الضغط المسيحى عليهم،

стр. 9091

وبذل الفقهاء والقضاة فى عواصم هذه الممالك جهدا كبيرا فى هذا السبيل مؤملين من وراء ذلك إحياء الإسلام والفضائل الأخلاقية وتخفيف الضرائب. وقد أخذ تاريخ مرابطى الأندلس منذ ذلك الحين يمر بأدوار ثلاثة هى الأزمة الأندلسية ودور الإصلاح ثم الانهيار. أما عن الموضوع الأول وهو يتعلق بظروف استدعاء الموحدين فيتلخص فى أن اختفاء العامريين من على مسرح الأحداث سنة ٣٩٩ هـ (= ١٠٠٩ م) أتاح الفرصة للممالك النصرانية الأسبانية للظهور بصورة المساعد الذى لم يكن سوى احتلال وتمثل هذا فى الحملات القشتالية وضياع طليطلة وفتوح "السيد Cid"، وسقوط وشقة Huesca، وسرقسطة، ولاردة وطرطوشة. هذا إلى جانب محاولات تنصير المسلمين التى قام بها من يعرف فى تاريخ هذه الفترة براهب فرنسا، وكذلك كانت هناك دوافع اقتصادية كنفقة المرتزقة وسياسية كإيجاد مناطق نفوذ للنصارى. ولقد أدت هذه العوامل المختلفة لإيجاد موقف أندلسى يطالب بسرعة العمل على وقف المتقدم النصرانى وراء حدود البلاد وإعادة النظام الإسلامى فى الداخل وتخفيض الضرائب والجباية والعودة إلى نظام الخلافة ولكن بصورة محدودة، وكان معنى هذا كله أن هناك أزمة عسكرية وأنه لا يمكن حلها إلّا فى ظل حلّ سياسى اجتماعى اقتصادى، وأدرك الجميع أن هذا الحل يتمثل فى استدعاء المرابطين ليتدبروا الأمر. أما عن الإصلاح فقد رأى الأندلسيون أنه لا يتحقق إلّا على يد المرابطين، ولذلك ما كاد خبر عبور يوسف المضيق يعم حتى بادر الفونسو السادس فرفع الحصار عن سرقسطة. كما أن انتصار "الزلاقة" كان صدمة قوية للتدخلات القشتالية الكبيرة ولقد كان مفهوم الإسلام ممثلا فيما اتبعه هو نفسه ألا وهو "تحريم الخمر، ومنع الاستماع إلى القيان، وعدم التمتع باللهو بالصيد وغير ذلك من ضروب التسلية" وأصبح كل من يوسف بن

стр. 9092

تاشفين وولده على لا يتخذ قرارًا إلّا وتصحبه فتوى بإجازته، وقد أدّت هذه المسائل إلى استفحال شأن الفقهاء وتطلعوا للاستحواذ على السلطة والثروة، وكانت الحركة الإصلاحية فى بادئ الأمر قد جنحت إلى تخفيف عبء الضرائب التى أصبحت تجارى ما يقضى به الشرع. وجاءت فترة -لم تكن بالطويلة- ظهر الوفاق على أتم صوره بين الأندلس والمرابطين، وبين يوسف بن تاشفين وملوك الطوائف، حتى أنه لما ذاع خبر النصر فى الزلاقة قام الأمير الزيرى عبد اللَّه وأمر بدق الطبول وتسيير المواكب احتفاءً بهذه المناسبة. ٢ - سقوط المرابطين: كانت كل هذه الانتصارات حقيقة ثابتة لكنها كانت انتصارات مؤقتة، وكان المرابطون حريصين على أن يكونوا فوق المؤاخذة، وإن لهم من القوة والفعالية ما يمكنهم من احتواء الضغط النصرانى الذى أخذ فى الزيادة، وإذ كان يعوزهم المعونة الأندلسية واستخدام قوات جديدة من المرتزقة فقد وجهوا همتهم لإقامة نظام دفاعى قوى، إلا أن ترميم الحصون وإقامة حصون أخرى جديدة وتزويدها بما يساعدها على أداء مهمتها والنفقة على من بها من المدافعين. . . كل ذلك تطلب أموالًا طائلة تفوق ما يمكن أن تجمعه الدولة من الضرائب الشرعية، وقد أدى هذا إلى فقدان الفقهاء لاستقلالهم وزلزل من هيبتهم ونظرة الناس المعنوية إليهم إذ لم يعودوا لسان العامة والمترجمين عن آمالها وأغراضها، ومن ثم نسمع عن "حب المرابطين فى المال" وظهر من جديد شتى أنواع "المعاونين والوظائف واللوازم ومغارم السلطان"، وترتب على ذلك أن عم الفساد وأصبحت معايب السلطة طابعًا عامًا، على أن أشد المعايب كان ما أتصف به القادة من عدم القدرة على تنظيم قواتهم حتى أمكن لقوات دونهم حجما أن تحرز النصر عليهم فى سهولة ويسر ويتكلم المراكشى عن ظهور قطاع الطرق واللصوص والسوقة والسكارى والخلعاء، ووجد الكثيرون من هؤلاء من يحميهم ممثلين فى كبار نساء لمتونة ومسوفة على حين أن "أمير المسلمين عاكف على نسكه

стр. 9093

وتصوفه، غير ناظر أبدًا لشئون رعيته". كذلك عانت الحركة الفكرية اضطهادا ولم يعد أمير المسلمين يكترث لأساتذة علم الكلام وأصبح المتكلم فى هذا العلم مرميًا بالكفر. ثم كانت هناك حقائق ثابتة، ذلك أنه حوالى سنة ٥٣٤ هـ (= ١١٤٠ م) عمت روح من التصوف والزهد فى كل من المرية (على يد ابن العريف) وغرناطة (على يد أبى بكر محمد الميورقى) وفى اشبيليه (على يد ابن بَرَّ جان)، كما قام أبو القاسم أحمد بن قَسى بتكوين جماعة عرفت بالمريدين فى شلب، وعمّت الثورات كثيرا من النواحى فثار القاضى ابن حمدين فى قرطبة وسيف الدولة بن هود فى حبان وغرناطة، وابن وزير فى ايفورا Evora وباجة Bega بطليدس، وابن أبى جعفر فى مرسية وابن عبد العزيز فى بلنسية، وحينذاك حاول كل واحد من ملوك الطوائف أن يستقل بإمارة لا يشاركه فيها أحد، فقام ابن حمدين بالتماس العون من الفونسو السابع، والتمسها على بن ميمون فى قادش من الموحدين، وقام الفونسو السابع صاحب قشتاله باحتلال المرية وإن لم يدم احتلاله إياها سوى أشهر قلائل. كما أن ابن قَسِىّ عبر البحر إلى المغرب يلتمس المعونة من عبد المؤمن ويسأله غزو الأندلس، على أن الواقع يبين أن الموحدين قصروا نشاطهم فى سنة ٥٤٠ - ٥٤١ هـ (= ١١٤٦ - ١١٤٧ م) على احتلال النواحى التى أمكنهم فيها الاعتماد على من بها وزوّدوها بالجند يحميها، أما ميمون بن جدَّار فكان الوحيد الذى أقام فى غرناطة حتى سنة ٥٤٩ هـ (= ١١٥٥ م) على حين أن بنى غانية أقاموا دولة تميل إلى المرابطين وهى الدولة التى نقلت الصراع ضد الموحدّين إلى بلاد "جريد" فى تونس وذلك سنة ٥٨٠ هـ. هذا موجز لدولة المرابطين فى الشمال الإفريقى وفى الأندلس ونسوق جدولًا بحكامهم: ١ - يحيى بن إبراهيم الجدّالى. ٢ - يحيى بن عمر (ت ٤٤٧ هـ أو ٤٤٨ هـ).

стр. 9094

٣ - أبو بكر بن عمر (ت ٤٨٠ هـ = ١٠٨٧ م وكانت وفاته بالسودان). ٤ - يوسف بن تاشفين أمير المسلمين (٤٥٣ - ٥٠٠ هـ). ٥ - على بن يوسف أمير المسلمين (٥٠٠ - ٣٧). ٦ - تاشفين بن على أمير المسلمين (٥٣٧ - ٥٣٩). ٧ - إبراهيم بن تاشفين أمير المسلمين (سرعان ما خلع عن العرش) ٨ - اسحق بن على أمير المسلمين (قتل عند استيلاء الموحدين على مراكش سنة ٥٤٦). مروان حسن حبشى [هـ. ت. نوريس، ب شالميتا H.T. Nonis, P. Chalmeta] مراد, بنو بنو مراد قبيلة عربية تعد واحدة من قبائل مَذْحِج الذين يعيشون فى جنوب شبه الجزيرة العربية، وإذا أخذنا بما يقوله ابن الكلبى فى جمهرة الأنساب وتابعه فيه ابن دريد فى كتاب الاشتقاق فإن كلمة "مراد" نعت لهذه القبيلة التى "تمرّدت" قديمًا باليمن، وإن قيل إن اسم "مراد" كان فى الأصل يطلق على يُحَابر ابن مَذْحج وكان) حد أخوة عَنْس وسعد العشيرة ولكن ابن حزم فى جمهرة أنساب العرب (طبعة بروفنسال) يعتبر مراد بن مالك بن عُدَد أخًا ليحابر، وعلى الرغم من أن بنى مراد عاشوا مجاورين للحضارة العربية التى كانت فى الجنوب من شبه الجزيرة إلّا أنهم ظلوا محافظين على طابعهم البدوى، كما أن أرضهم وتعرف عادة بالجوف الواقعة شرقىّ نجران ومأرب كانت أرضا قاحلة جرداء (وقد أشار إليها الأغانى ١٨/ ١٣٥ فوصفها بقوله جبال مراد)، وكانت الناحية التى ينزلونها وينزلها جيرانهم الهمدانيون من أرض طىّ الذين غادروها ليستقروا فى شمال شبه الجزيرة العربية وقد عبد المراديون والهمدانيون صنمًا يسمونه "يغوث" وهناك نقش يرجع إلى سنة ٥٢٢ يشير إلى أنهم كانوا خلفاء لذى نُواس فى محاربته مدينة نجران، ومن خبرهم أنه فى أخريات أيام الأسرة اللخمية بالحيرة قام الملك عمرو بن المنذر بن ماء السماء بخلع

стр. 9095

أخيه غير الشقيق عمرو بن أسامة من مشاركته حكم المملكة ففرّ الأخير إلى قبيلة مراد الذين زعّموه عليهم إلّا أنهم وثبوا عليه فقتلوه حين طغى واستبدّ بهم، ويقال إن مصرعه كان على يد رجل تسميه المراجع بابن الجُعَيدْ كما يقول ابن الكلبى فى الجمهرة، أما ياقوت فيذكر أن مقتله كان على يد هبيرة بن عبد يغوث الملقب بالمكشوح الذى كان له ولد اسمه "قيس" تشير الأخبار إلى أنه كان من أقوى شيوخ مراد وقت ظهور الإسلام ولقد لاقى المراديون هزيمة منكرة فى هذه الحقبة بالذات أضعفتهم إلى حد كبير، وقد أنزلها بهم الهمدانيون إثْر نزاع شبّ بين الجانبين حول من يكون له الأمر فى عبارة "يغوث"، وتعرف هذه الهزيمة بيوم "الرَّزْم" وتقول الأخبار التى وصلت إلينا أنها وقعت فى نفس السنة التى شهدت غزوة بدر التى جعلت المراديين يفكرون تفكيرًا جديًا فى محالفة النبى [ ﷺ ] غير أن "قيس بن المكشوح" رفض مسايرتهم فى هذه الخطة، ومن ثم قام شيخ آخر من شيوخ مراد اسمه "فروة بن مُسَيْك" وشخص إلى المدينة المنورة وكان ذلك فى السنة العاشرة من الهجرة [ويقول ابن إسحاق أن فُروة قدم على رسول [ ﷺ ] مفارقا لملوك كندة ومباعدًا لهم، واسلم، واستعملة الرسول [ ﷺ ] على مراد وزبيد ومذحج كلها واستعمله على الصدقة] لكن إلى أى حدّ بصدق القول بأنه عُهِد إليه بجمع زكاة كل قبائل اليمن. . ذلك ما لا نستطيع التأكّد منه، على أن حركة الردة التى تزعَّمها الأسود العنسى الذى ادَّعى النبوة فى اليمن وجدت معارضة لها من جانب المراديين وإذا كان بعض زعماء اليمن قد ساندوا النبى [ ﷺ ] فى مناهضتهم للأسود مما أدّى إلى فشله فإن هؤلاء الشيوخ أنفسهم وفقوا -بعد موت الرسول [ ﷺ ]- زمن أبى بكر موقف العداء، وقام قيس بن مكشوح المرادى بدور رئيسى فى هذه الأحداث حتى وقع فى الأسر لكن الصّديق مَنَّ عليه بالحياة مما ترتّب عليه قيام قيس وقبيلته بمساهمة بطولية فى الفتوح الإسلامية فنراهم تارة فى الشام وأخرى فى العراق كما أن قيسًا ذاته أثبت كفاءته كمحارب فذ فى كثير من

стр. 9096

المواقع، ولقد فقد إحدى عينيه فى وقعة اليرموك إلّا أن خبر موته فى الحرب التى شبّت بين على ومعاوية فى موقعه صفّين ليس سوى خلط بينه وبين رجل آخر تشابها فى الاسم ولكنه من قبيلة بجيلة، ولقد لاحظ ذلك ابن حجر فى كتابه الإصابة. ونصادق بنى مراد مرة أخرى فى أحداث فتح مصر، غير أن معظمهم استقر فى الكوفة، وخرج من بينهم رجل اسمه عبد الرحمن بن ملجم هو الذى اغتال عليًا بن أبى طالب كما أنه واحد من بنى مراد هو "هانئ بن عروة المرادى" قُتِل بأمر من الوالى عبيد اللَّه بن زياد فقَد رُمِىَ عنده بتآمره مع مسلم بن عقيل للثأر للحسين بن على، وكان من الشعراء القلائل الذين انجبتهم هذه القبيلة، وكما أننا نشير إلى أويس القرنى من بنى قَرن بن ردْمان بن ناجية بن مراد وكان أحد الزهاد، ولما أطلّ القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) استقر بقية بن مراد فى "سَرْو مَذْحِجْ" كما يقول الهمدانى. المصادر: (١) ابن الكلبى: جمهرة الأنساب. (٢) الأغانى لأبى الفرج الأصفهانى. (٣) Rothstein: Die Dynastie. der Lahmiden مروان حسن حبشى [ج. ليفى دى لافيدا G. her Dell Vida] مراسم تعنى الاحتفالات الرسمية سواء مصحوبة بمواكب أم لا، ويتضمن المصطلح نظام التشريفات الدبلوماسية أو العسكرية (البروتوكول) وقواعده (الإتيكيت)، "بالرسوم"؛ وهنالك تسميات أخرى تقابلها كثيرًا ما تتكرر مثل: "مواسم" و"مواكب" وكلمة "مواكب" عادةً ما تحمل أيضًا المعنى العام للإحتفالات. مراسم الخلافة والفاطميين: وشعار الخلافة، وفقا لما أورده القلقشندى (فى كتاب صبح الأعشى، جـ ٣، ص ٢٦٩, ٢٧٠) هو "الخاتَم"، والمقصود به خاتم النبى [ ﷺ ]، "والبُردة" والمقصود بها بردة النبى

стр. 9097

التى كان الخليفة يلبسها فى المواكب، و"القضيب"، وهو عود قيل إن النبى [ ﷺ ] كان يأخذه بيده، و"ثياب الخلافة"، و"اللون" فى الأعلام والخلع ونحوها. بالإضافة إلى "الخُطبة" و"السكة". فحين استدعى الوزير ابن الفرات، قبل اعتقاله سنة ٣٠٦ هـ/ ٩١٨ م، بقليل إلى قصر الخليفة المقتدر، سأل هل يحضر بثياب المواكب أم بالدُراعة. أما الخلفاء العباسيون فيرتدون قِباء أسود "ورُصافية" سوداء (قلنسوة عَلى شكل العمامة)، وحذاء أحمر عالى الساق، ويتقلدون سيف النبى [ ﷺ ] ويحتفظ الخليفة فى جانبه الأيسر بسيف آخر، وأمامه مصحف عثمان. ويرتدى الخليفة العباسى البُردة ويمسك بالقضيب. وتفيدنا مصادر التاريخ الفاطمى بمعلومات وافرة عن ملابس الخلفاء فدار الكسوة تزود الخليفة وحاشيته بها فى كل احتفال، كما تزوده بالخلع التى تمنح فى المناسبات ولقد اتخذ الفاطميون اللون الأبيض شعارًا لهم، وملابس الخليفة غالبًا ما كانت تُصنع من "الدبيقى" الأبيض، وهو قماش حريرى ناعم ولفظة "بدلة" هى أكثر الألفاظ شيوعًا للدلالة على كسوة البلاط الفاطمى وهى ثوب خاص يتألف من أحدى عشرة قطعة. ويختار الخلفاء الطيلسان الأبيض للقضاة والمشرعين خلال شهر رمضان والعيدين. ويُعتبر حق إختيار ألوان ملابس الأسرة الحاكمة امتيازًا للخلفاء ونقرأ عن خليفة فاطمى يمنح بدلته الحمراء لوزيره، ولقد كانت مجالس (جلوس) الخلفاء التى تتم فى قصر الخليفة من أكثر الاحتفالات المألوفة. ويورد القلقشندى ثلاثة أنواع للمجالس الفاطمية: المجالس العامة أيام المواكب، وجلوس القاضى والشهود، والجلوس فى مولد النبى [ ﷺ ] والموالد الآخرى. ويُعد امتياز حق الركوب، حتى فى المواكب غير الرسمية، رمزًا هامًا للسلطة ويستحوذ الخلفاء على اصطبلات كبيرة، وخيول غالبًا ما تُوزع كهدايا للقواد والرؤساء من كبار رجال الدولة، وحتى فى داخل قصر الخلافة يركبها الخلفاء من موقع لآخر. ونفس

стр. 9098

الشئ، بالنسبة للبوابات وللأبواب فهى رموز للسيادة والسلطة وهى مواقع لأنشطة الاحتفالات الهامة. وعادةً ما يركب الخليفة أو يترجل عن فرسه عند البوابة أو الباب، ويترجل كبار المسئولين فى بعض الأحيان عند بوابة القصر ويقبلونها حتى فى أوقات تواجد الخليفة. وتحت حكم كل من العباسيين والفاطميين، حظى الوزير بامتياز دخوله أسوار القصر راكبًا، وهو امتياز احتفظ به الخلفاء بالطبع لأنفسهم. ويترجل وزير الفاطميين عند أول دهليز للقصر. وعندما مُنح الأمير البويهى "عضد الدولة" لقب "تاج الملة" سنة ٣٦٧ هـ/ ٩٧٧ م، طلب الأمير من الخليفة الإذن له بأن يدخل صحن قصر السلام راكبًا جواده، كنوع من أنواع التمييز الذى عُرف به وضعه السامى ولقد استجاب الخليفة لطلبه، ولكنه أخذ حذره بإقامة حائل من البناء عبر باب الدهليز، ليجبر الوزير على الترجل قبل الدخول إليه. وتتركز فرصة التقرب من الخليفة فى يد "الحاجب" فهو الذى يمتلك الإذن بالدخول إلى الخليفة وحجبه عن أولئك الذين لا يعنيه أمرهم. وهو أيضًا يُشرف على ضياع الخليفة وأمانة خزانة الدولة. إلى جانب الحاجب هنالك عدة موظفين آخرين يشرفون على استعدادات وإدارة الاحتفالات ولقد استخدم العباسيون "صاحب الستر"، و"صاحب المراتب" فى هذا الخصوص. وبخصوص الفاطميين، فإن معلوماتنا مستوفاة بعض الشئ عن هذا الأمر. فصاحب الباب، الذى جُند من ضمن "أرباب السيوف" قد شغل وظائف أمين الحُجاب. هو، مع اسفهسلار الجيش، لهما أيضًا الإشراف على احتفالات المواكب. وتُزود خدمة الخليفة الخاصة بـ "الأستاذون المحفكون"، الذين يقومون بانجاز جزء كبير من مهام الاحتفالات. من هذا السلك، جاءت وظيفة صاحب المجلس (أو متولى المجالس)، الذى يضع الناس فى مراتبهم ويُبلَّغ عن الوزير عندما يكون الخليفة فى سريره، ويُدعى أيضا بـ "صاحب الستر". كذلك يقوم صاحب

стр. 9099

الرسالة، وصاحب بيت المال، وحامل الدواة وصاحب المائدة، بمهام الاحتفال. وتتشابه مراسم احتفالات خلفاء العباسيين والفاطميين فيكون الخليفة محجوبًا خلف "سِتر" حتى يجلس الحاضرون على طبقاتهم وعلى مراتبهم ثم يُرفع السِتر ليظهر الخليفة، الذى يقوم الوزير بتحيته أولًا ثم بنظام متدرج فى الرتب يحييه كبار رجال الدولة المسئولين. ويكون الأدب فى السلام والأدب فى الخدمة بتحية الخليفة بعبارة: "السلام على (أو عليك) أمير المؤمنين ورحمة اللَّه وبركاته". على أن هذه العبارة كانت حقًا مقصورًا خاصًا لقاضى القضاة وكان العنصر الثانى وهو تقبيل الأرض، قد عُرف مؤخرًا أما فى أول الأمر، فقد اكتفى كبار المسئولين (الوزراء والأمراء) بالتحية فحسب، وكتشريف للمسئولين المقربين من الخليفة، من الممكن أن يمد الخليفة يده، المغطاة بكمه، ليقبلوها. وتقبيل الأرض أمام الخليفة هى عادة ظهرت متأخرة فى العصر العباسى. وقد حدثت انحرافات فى التقبيل، بتقبيل يد الخليفة وقدمه، وتقبيل رِكاب سرجه. واحتفل الفاطميون بستة موالد (فى بعض المصادر أربعة) مختلفة: مولد النبى [ ﷺ ]، مولد الحسن والحسين، مولد على وفاطمة، ومولد الخليفة (أو الإمام) الحاضر ويتم الاحتفال بالمولد تحت المنظرة التى تعلو باب الذهب، وتشتمل كثير مما تشتمل عليه ليالى الوقود بالإضافة إلى توزيع الصدقات وكمية طيبة من الطعام تُعد فى دار الفُطرة. ولقد أبطل الأفضل بن أمير الجيوش الاحتفال بهذه الموالد حين صار له النفوذ فى الدولة، لكن الخليفة الآمر أعاد الاحتفال بها حين استعاد السلطة. ولقد أعد كل من الفاطميين والعباسيين استقبالات متقنة للسفراء، وبخاصة للبعثات البيزنطية. فيركب السفراء إلى القصر ويترجلون عند بوابته، ثم يدخلون صالة الاستقبال الرسمى عبر صف من الجنود ويقف صاحب الباب ونائبه إلى جوار الخليفة، الذى يجلس على سريره، محاطًا بوزيره وأصحاب الرتب العالية من بطانته. ويصف المقريزى استقبال

стр. 9100

مبعوثين من هذه الاستقبالات فى كتابه الخطط (جـ ١، ص ٤٠٣, ٤٦١)، وكذلك يصف أبو هلال الصابى فى كتابه (رسوم دار الخلافة) بالتفصيل استقبال (وارد) السفير البيزنطى. كذلك يعقد الخلفاء كل ليلة الجلوس للمظالم. ويعقد الخلفاء الفاطميين هذه المجالس فى سقيفة القصر. ولقد ورد فى كتب التاريخ أحاديث كثيرة عن تقاليد لكبار الموظفين مع منحهم خلع وألقاب. هذه التقاليد عادة ما يرد ذكرها فى سياق الحديث عن الحفلات التى يتُبع فيها نفس نظام التشريفة الرسمى. ولبعض احتفالات هذه المناسبات سماط خاص. وتُمد هذه الأسمطة خلال رمضان والعيدين، وفى بداية العام، وفى مولد النبى [ ﷺ ]. ويمتد سماط الفاطميين على طول صالة الاستقبال الرسمى، وهى تمتلئ بكل أصناف المشهيات، بما فيها تماثيل الحلوى والقلاع المسكرة. وخلال شهر رمضان، يتناوب الأمراء فى الاعتناء بالولائم كل ليلة، برغم أن حضورهم لم يكن مطلوبًا وهم، كالعادة يجلسون وفقًا لمراتبهم. ومن المظاهر المميزة لهذه المآدب أنه مسموح بأخذ الطعام خارج القصر وتوزيع الشخص له لعائلته ولا أصدقائه ووصف هذه المآدب وارد فى كتاب النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى، وخطط المقريزى. فى أسبانيا الإسلامية ليس بين أيدينا معلومات وافيه أو مصادر مباشرة على نحو ما كان الحال عليه بالنسبة للشرق الإسلامى (رسوم دار الخلافة للصابى) فعلينا -إذن- تحليل المعلومات القليلة التى أوردتها المصادر عن البيعة أو مناسبات توقيع المعاهدات أو وصف المواكب. وفى سنة ١٣٨ هـ/ ٧٥٦ م، حين حوَّل عبد الرحمن الداخل الأندلس إلى إمارة، كان هو البادئ بوضع قواعد التشريفات القرطبية. ومن هنا كان تنظيمه لحاشيته مفهومًا إلى حد ما. ووفقًا لقول المقرى (نفح الطيب، جـ ٢، ص ٢٥): فى غضن الأندلس الرطيب جعل بينه وبين الناس مساحة ولم يعد يظهر للناس علانية. لكن عبد الرحمن الثانى بتأثير زرياب هو الذى نظم قواعد التشريفات

стр. 9101

الأندلسية فاتخذ سترا -أى عزل نفسه وراء ستارة- ويفيدنا ابن حيان بأنه هو الذى رتب رسوم الدولة للخدمة وقد أكد هذه المعلومات كل من ابن عذارى وابن سعيد الأندلسى. وكان هو أول من فصل وظيفة الشرطة عن وظيفة السوق وهو ما أشار إليه كل المؤرخين. وعند أخذ البيعة له فى سنة ٣٠٦ هـ/ ٨٢٢ م، قدّم كل إخوته وأعمامه، وأقرباؤه، ورجاله، وقضاته، وقواده، وأصحاب المقام الرفيع، والعامة البيعة له وتبعه بقية الحكام والخلفاء فى ذلك. وقد حرص خلفاء الأمويين على إظهار هيبة الخليفة. ولا يعرف شئ عن رسوم المرابطين، لكن رسوم الموحدين اثبتت أنها كانت نفس الرسوم السابقة التى اتبعت فى عهد إمارة وخلافة الأمويين فى الأندلس. فى إيران كانت عهود المجتمع الإيرانى فى معظمها إن لم تكن جميعها مفرطة فى الرسمية: فالمجتمع الايرانى فى سلوكياته، وعاداته، وملابس وأسلوب كلام كل طائفة من طوائفه محكوم تمامًا بالعُرف والعادة. فاحترام السنن والمكانة موجودان فى كل مكان. ولقد تطور فى المجتمع الإيرانى أدب كان القصد من ورائه تنظيم كل مظاهر الحياة والسلوك الاجتماعى. ولقد صممت الطقوس الفارسية لتأكيد الرهبة من الحاكم. ولقد شعر الناس بوطأة هذه الطقوس منذ أيام الأمويين وصارت واضحة تحت حكم العباسيين وتعود تقاليد المراسم الفارسية إلى القرون الأولى. ولقد كانت المظلة التى تظلل رأس الحاكم، عادة قديمة تعود على الأقل إلى أيام الأخمينيين، بينما يعود "اللواء" إلى عهد البارثيين والساسانيين، وكذلك فن ضرب (النوْبة) على شرف الحاكم عادة موغلة فى القدم. ولقد كانت الطبول وآلات أخرى يُعزف بها يوميًا عند غروب الشمس أو شروقها وفى أيام الأعياد، ويوم عيد ميلاد الحاكم والأعياد التى يتخذها. ويصطحب الحاكم معه الآلات الموسيقية فى حالة قيامه برحلة أو إقامته لمعسكر. ولقد استمرت "النقارة خانة" تُستخدم فى طهران حتى سنة ١٩٣٧ وهنالك أيضًا أمر مهم تعلق بالعرش ففى القرون الأولى كان الملك يجلس على أريكة، أو

стр. 9102

منصة عالية، وإلى جانب هذه المراسم القديمة، هنالك أيضًا مراسم إسلامية جديدة، مثل حق الحاكم فى أن يُذكر اسمه فى الخطبة وعلى السكة. أما شرف منح الخلعة، فبرغم أنه لم يكن من المراسم الملكية، ولكنه كان أمرًا متبعا عند الصفويين والقاجار، كما وجدت عادة توزيع الصرر (جمع صرة) التى تضم عملات ذهبية وفضية عند جلوس الحاكم الجديد على العرش فى بلاطه. كذلك تنثر العملات، والجواهر والأشياء الثمينة، بواسطة الحاكم وحاشيته، وفى احتفال بالنيروز (عيد رأس السنة الفارسى) تنثر الجواهر والأموال على الحضور وكان عيدى الأضحى والفطر مناسبتين شرعيتين للاحتفال العام. وكان على الحاكم، مد سماط مفتوح، وخاصةً إذا كان أتباعه ينتسبون إلى مجموعات قبلية. وكانت الاحتفالات بالأعياد شائعة أيام حكم الغزنويين، والإيلخانيين، والتيموريين. فقد اعتاد مسعود بن محمود الغزنوى باتخاذ "خوان" موضوع على المنصة التى يجلس عليها ليشرف على الجماهير، المتواجدين فى حديقة مجاورة أو فى سرادق، ويدعو كبار رجال الدولة ليجلسوا معه عند الخوان ويوزع النبيذ بالمجان خلال هذه الاحتفالات. وقد لعب المنجمون دورًا مهما فى البلاط، وبخاصة تحت حكم الصفويين والقاجاريين، فى تحديد اللحظة السعيدة لتتويج الحاكم أو لبعض تحركاته كموعد دخوله المدينة، أو تحديد "متى يجلس، متى يستيقظ، متى يغادر، متى يأكل، ومتى يأوى إلى فراشه". وحين توّج مردويخ الزيارى (ت ٣٢٣ هـ/ ٩٣٥ م) بتاج ذهبى، كان مُقلدًا للعادة الساسانية ولقد كان عضد الدولة البوهى محاطًا بأبهة عظيمة حين يقابل الجماهير. ويصف هلال الصابى استقبال الخليفة الطائع لعضد الدولة فى بغداد سنة ٣٦٧ هـ/ ٩٧٧ - ٩٧٨ م والأوسمة الملكية التى منحها له سنة ٣٦٨ هـ/ ٩٧٨ - ٩٧٩ م. ولقد طوّر السامانيون والغزنويون احتفالًا محكمًا, مستوحى من بلاط الساسانيين والبلاط الخلافى. وكانت

стр. 9103

من عادة مسعود بن محمود أن يعقد بلاطه على منصة، فى قصر من قصوره أو فى حديقة من حدائقه. ويبدو أن عرشه كان مصنوعًا أساسًا من الخشب. ولكن هذا العرش أُستبدل فى سنة ٤٢٩ هـ/ ١٠٣٨ م بعرش من ذهب استغرق إعداده ثلاث سنوات. ويصف البيهقى روعة المنظر عندما إعتلى مسعود العرش، وهو مرتديًا عباءة من الحرير الأحمر مرصعة بالذهب، لأول مرة فى ٢١ شعبان ٤٢٩ هـ/ ٨ يوليو ١٠٣٨ م. بينما وقف عشرة من الغلمان يرتدون أفخر الثياب على يمين المنصة وعشرة آخرون على يسارها يحملون السلاح. وحين دخل رسول الخليفة قام بالسلام على مسعود، وقام رئيس الحُجاب بوناصر، بإجلاسه فى مقعد خُصص له. وبعد ذلك سأل مسعود عن صحة الخليفة القادر، فأخبره المبعوث بموته وبعد أن خاطب أحمد بن حسن المبعوث بكلمات عربية قليلة، أعطاه إشارة بأن يسلم مسعودا خطاب الخليفة فنهض الرسول، وأخذ الخطاب وأعطاه لمسعود ثم عاد إلى مقعده ثم استدعى مسعود بوناصر لتسلم الخطاب وقرأه لمسعود الذى أمر بترجمته إلى الفارسية. وفى اليوم التالى أقيم عزاء للخليفة القادر، وارتدى مسعود وكل رجاله ثيابًا بيضاء. وأغلقت المحال وعطل الديوان مدة ثلاثة أيام. وحينما أعيد فتحها دُقت الطبول وفى الجمعة التالية قرئت الخطبة باسم الخليفة الجديد وجلس مسعود بجوار المنبر المغطى بقماش مذهب. وجلس بالقرب منه رئيس الوزراء وكبار رجال البلاط، وبعد الخطبة خصص بيت المال الملكى ١٠.٠٠٠ دينار وخمسة أكياس دراهم حريرية هدية للخليفة. ثم أحضرت بعد ذلك هدايا أبناء مسعود، ورئيس الوزراء وكبير الحجاب وآخرين للخليفة، وغادر مسعود فى الوقت الذى قام به المستوفون بأخذ الهدايا إلى بيت المال الملكى. وبعد عدة أيام، أعُطى المبعوث خلعة، وبغلة وفرسين، أُرسلوا مع الهدايا إلى الخليفة. وفى العام التالى ٤٢٤ هـ/ ١٠٣٣ م، جاء مبعوث آخر من قبل الخليفة، ومعه

стр. 9104

خادم، وأحضر خلعة من الخليفة لمسعود، الذى كان حينئذ بالرى. وحين دخل مبعوث الخليفة على مسعود قام بتقبيل يده، بينما قبَّل الخادم الأرض. وبعد أن استفسر مسعود عن صحة الخليفة، أخذ بوناصر المبعوث تحت الساوح وأجلسه قرب العرش على المنصة، وكان رئيس الوزراء متغيبًا. ولقد سادت عادةُ اصطحاب المبعوثين تحت السلاح عند مثولهم أمام الحاكم عند بلاط التيموريين والصفويين والأفشاريين ثم تقدم بوناصر وطلب من الرسول أن ينهض ويأخذ الوثيقة الرسمية، ويضعها على العرش وعندما وقف الرسول طلب من مسعود ارتداء خلعة الخليفة وطلب مسعود إحضار المُصلاة. واتجه إلى القبلة، دُقت الطبول فى الحديقة وعند بوابة القصر هرع بعض القواد العسكريين لمساعدة مسعود للنهوض من فوق العرش ليجلس على المصلاة. ثم طلب الرسول صندوق الخلعة الذى يُخرج منه سبعة أثواب وبعض الملبوسات الأخرى. وقام مسعود بتقبيلها وصلى ركعتين ثم عاد واعتلى العرش، ثم أتى بعد ذلك بعقد وأسورة مطعمتين بالجواهر، ووضعا على يمين مسعود، بينما تقدم "القادم" بعمامة قبلها مسعود ووضعها على رأسه وكان المبعوث قد أحضر معه "لواء" تسلمه مسعود بيده اليمنى. ولقد بدا من كتاب التاريخ المسعودى، أن السلطان مسعود كان دائما يمنح الخلع لرعاياه فى المناسبات المختلفة وفقا لرتبهم. وقام السلاجقة، عندما جاءوا إلى خراسان، باقرار أشكال الاحتفالات التى وجدوها قائمة فحينما دخل طغرلبك نيسابور سنة ٤٢٩ هـ/ ١٠٧٣ - ١٠٧٨ م، جلس على عرش مسعود بن محمود، ليتلقى التهانى. وكان مظهره الشخصى متواضعًا مقارنة بما كان عليه مظهر مسعود. وكان بلاط السلاجقة حتى بعد إرتقاء دولتهم، أقل شأنًا من بلاط الغزنويين، للطبيعة القبلية البدوية للسلاجقة فضلا عن انشغالهم بالحروب التى تتطلب كثرة السفر والترحال. ذكر الراوندى أن السلطان ملكشاه لم يكن يحجبه حجاب عن رعيته، وأن أى شخص يجئ إليه بطلب تعويض يكلمه وجهًا لوجه.

стр. 9105

ولقد جلب الايليخانيون بعض الاحتفالات الجديدة من أقاصى آسيا، بقى بعضها بعد إسلامهم واندثر الآخر ولقد عرفوا مراسم الحداد عند موت الإيليخان، وكان الأمراء وأميرات المغول يجتمعون لانتخاب الايليخان الجديد وكان يتبع اختيار أحد أمرائهم للعرش إقامة ولائم وإحتفالات. وقد كان لغازان خيمة مذهبة وعرش مُذهب، مثل عرش مسعود الغزنوى استغرق صنعه أيضًا ثلاث سنوات. ولقد نُصب فى "يوجان" فى سنة ٧٠١ هـ/ ١٣٠١ - ١٣٠٢ م، ووضع فوقه مقعد مرصع بالجواهر. وبعد ثلاثة أيام، أقيمت خلاله احتفالات دينية، أقام غازان وليمة كبيرة، ارتدى فيها ملابس مطرزة بالذهب، ووضع على رأسه تاجًا مذهبًا وتمنطق بحزام مشابه فى روعته روعة التاج. وتحت حكم الصفويين ضُبطت الاحتفالات بإحكام. ويعطينا "دستور الملك" فى كتابه "ميرزا رفيعة" وصفًا لواجبات موظفى البلاط ولمراتب الموظفين المدنيين والعسكريين وأين يقفون وأين يجلسون فى الاجتماع الملكى وكذلك عن أثواب التشريفة وبعض الشارات التى تُعطى لهم عند اختيارهم للوظائف. ولقد صحب استقبال الرُسل المبعوثين عند الصفويين بمد مآدب الطعام. فحين لجأ همايون إمبراطور المغول، إلى فارس سنة ٩٥١ هـ/ ١٥٤٤ - ١٥٤٥ م، رجب به الشاه طهماسب بحرارة. وأقيمت له مآدب كثيرة وفى آخر هذه المآدب أغدق طهماسب على همايون بالهدايا. ولقد اكتسبت عادة تقبيل الأرض أمام الحاكم، أمام عرشه وأمام بوابات قصره أهمية كبرى، ولم تكن تلك العادة لمجرد إظهار التبجيل للحاكم فحسب، لكن فى الاعتقاد بأن هذا التبجيل يعود أيضا على الشخص الذى يقوم بهذا العمل. وهنالك احترام مبالغ فيه يجب أن يظهر تجاه أى مكتوب يصل إلى أى شخص من طرف الشاه. فيجب على مستلم الخطاب الملكى أو الفرمان الملكى أن يقبله وأن يضعه على رأسه وبين عينيه. ولقد كان عيد النيروز من أهم الأعياد التى كان يحتفل بها الصفويون. وعادةً ما يتواجد السلطان فى العاصمة فى هذا العيد للاحتفال به. ويقوم
следующие страницы →