كمال الدين عن نيتهم فى الزحف إلى استراباد. . وافرج بيراك عن السادة الذين انضم إليهم الكثير من الأنصار ودخلوا سارى منتصرين ولأن على بن كمال الدين (على سارى) كان قد حكم آمول لثلاث سنوات، فقد تولى حكم "سارى" و"مازانداران" (٨٠٩ هـ - إلى ٨١٢ هـ/ ١٤٠٦ - ١٤٠٧ إلى ١٤٠٩ - ١٤١٠ م) واستبقى يحيى وشرف الدين فى سارى وعهد إلى غياث الدين بحكم "بارفروشده". . وكانت سلالة رضا الدين تريد تنصيب عبد المطلب حاكما على أمول، ولكن على سارى فضل عليه قوام الدين بن رضا الدين (قوام الدين الثانى) الذى حل محله عام ٨١٠ هـ/ ١٤٠٧ - ١٤٠٨ م، على ابن قوام الدين (على امولى) الذى حكمه بالعدل. بذر غياث الدين بذور الشقاق بين على آمول وعلى سارى الذى اضطر إلى الفرار إلى "استراباد" بعد أن هزم على أيدى تحالف عناصر من رستمدار وهازرجاريب (الأمير عز الدين وزوج ابنته سيد مرتضى) وكان حليفه فى هذه العملية شقيقه ناصر الدين الذى بعث به إلى هراة ليبلغ أشاهروخ، بما حدث.
وبعد أن انتصر شعب آمول وضعوا "مرتضى" بن كمال الدين حاكما على "سارى" حيث استمر رغم تهديدات "شاهروخ" يسيطر بتسلط على الحكم لمدة سنة (٨١٢ - ٨١٣ هـ/ ١٤٠٩ - ١٠ م)، قبل أن يخلعه الأهالى بسبب ادمانه الشراب. واستعاد على سارى حكم "سارى" "ومازانداران".
ونوجز فنقول إنه فى هذه المرحلة الثانية، وبعد موت تيمور، انقسم الأسلاف إلى جماعات متطاحنة تتنافس على الحكم فى سارى وآمول وبارفروش ده ومناطق الحدود (فى الشرق قاراطوغان -وفى رستمدار- وفى الجنوب التلال الواقعة عند سفح الجبال) التى -بالإضافة إلى جيلان- كانت توفر الملاذ للمطالبين بالسلطة (والمحرومين مؤقتا منها) وكان الصراع على أشده دائما حول السيطرة على سارى بما يتضمن السيطرة على "مازانداران". فهى فى الاساس كانت تنتمى إلى سلالة كمال الدين على حين كان رضا الدين
стр. 9137
وسلالته يسيطرون على آمول فى الفترة من القرن الثامن الهجرى حتى الرابع عشر الهجرى (التاسع الميلادى حتى الخامس عشر الميلادى) ولكن المطالبين بالسلطة من كلا الفرعين ظلوا فى حالة من التنافس المستمر.
وقد كان من السهل -وقد انحصر نفوذ المرعشيين جهة الشرق بسبب سيطرة التيموريين على "استراباد"- أن ينبسط هذا النفوذ على جانب حلفائهم فى جيلان، خصوصا فى "لاهيجان"، حيث ساعدوا "على كيا" على أن يقيم من نفسه حاكما على "بيا بيش Biya Pish, وأن يمد سيطرته حتى "قزوين" و"طاروم" و"شاميران". . وقد تعقدت الصراعات والتنافس بين المطالبين بالسلطة لأن بعضهم كان يحد عونا وتأييدا من القوى المعاصرة (التيموريين، و"قرا قويونلو" و"اقويونلو" و"الصفويين"، على حين كان آخرون يؤكدون بدرجات متفاوته استقلالهم ورفضهم الولاء لأحد. . وبعد أن تزايدت التهديدات التى يتعرضون لعامة القوى المحلية، سعى المرعشيون إلى إقامة تحالفات، بل مصاهرة العائلات ذات النفوذ (كيا أى جلال - كاركيا - بازافارى - رستمدارى الخ) وكان ذلك فى أواخر القرن الثامن الهجرى، الرابع عشر الميلادى. . وفى أوائل القرن العاشر الهجرى السادس عشر الميلادى. وبعد أن تفوق عليهم فى أراضيهم وممتلكاتهم، لم يستطع المرعشيون أن يواجهوا القوة المتزايدة للصفويين وقد كانت قوة شيعية أخرى يرأسها أمير حسين كيا جولاوى Julawi. اضطرت أن تقبض على "شاه إسماعيل" (١٥٠١ - ١٥٢٤ م) حتى تنشئ سلطة مزعزعة غير ثابتة فى "مازانداران" فى عام ٩٠٩ هـ/ ١٥٠٤ م وفى ١٠٠٥ هـ/ ١٥٩٦ م، عمد شاه عباس -لكى يؤكد حقوقه الوراثية كحفيد لمير عبد اللَّه خان مرعشى (من ناحية الأم) - إلى تولى حكم مازنداران؛ ولكن الزعماء المحليين غير المرعشيين (سيد مظفر مرتضى - الفاند ديف - وبالأخص مالك باهمان
стр. 9138
لاريحانى) اضطروا إلى هزيمة قائده "فرهدخان قارامانلو".
٢ - بعض سلالة أسرة السادة المرعشيين فى "مازانداران "
بالرغم من أنهم كلهم ينتسبون إلى "على المرعش" (أو المرعشى) أو إلى "حسن المرعشى"، فإن السادة المرعشيين ينقسمون إلى فروع مختلفة (فى مازانداران - فى قزوين - فى اصفهان - شوشتار - مشهد - نجف الخ) يصعب معها فى بعض الأحيان تتبع تسلسل نسبهم وقرايتهم. والوحيدون الذين يمكن أن نذكرهم؟ ؟ المشهرون فى الفترة التى اُعقبت تأسيس الاسرة. وبالرغم من مكانتهم كساده، إلا أن القليل جدا هم الذين اكتسبوا شهرة العلماء أو الأدباء. فبجانب كمال الدين بن "ميرى بوزورج -وهو مؤلف وشاعر كثير الإنتاج- يوجد مؤرخان تركا بيانات حية عن عائلتهم: وهما ظاهر الدين بن ناصر الدين، الذى قضى الجزء الأكبر من حياته فى جيلان (حيث لجأ إليها مع أبيه). وقد أصبح واحدا من كبار الضباط لدى ملوك "بيابيش" (لاهيجان) واشترك مع جيش جيلان فى عملياته فى "مازانداران" - (وقد توفى عام ٨٩٤ هـ/ ١٤٨٨ - ١٤٨٩ م). أما المؤرخ الثانى. وهو "ميرتيمور" -والمعروف باسم "م. سوتودا" كأحد أبناء عبد الكريم بن عبد اللَّه، فلا نعرف عنه إلا القليل. أما عمله الوحيد المعروف فهو نوع من الملحق لكتاب "ظاهر الدين بن ناصر الدين" بعنوان "تاريخى طبرستان يان ومازانداران". . والذى انتهى منه فى عام ٨٨١ هـ/ ١٤٧٦ - ١٤٧٧ م، وهو يحكى تاريخ العائلة حتى ١٠٧٥ هـ/ ١٦٦٤ - ١٦٦٥ م.
ومع مطلع القرن التاسع الهجرى، الخامس الميلادى أن هجرة السادة المرعشيين إلى ما وراء "مازانداران" إلى التعجيل بأفولهم. ففى حكم الصفوين استقر كثيرون منهم فى "شوشتار" واصفهان وشيراز وبعد ذلك فى الهند، وفى نجف الخ وفى بعض الأحيان كانت هذه الهجرات تتخذ شكل الترحيل (لغير المرغوب فيهم بالطبع). ومن بين سلالة ممثلى الأسرة، "شاه مير بن مير قوام الدين" حفيد مير على خان، الذى تم ترحيله
стр. 9139
إلى اصفهان وتبعه جماعة من السادة المرعشيين الذين تم ترحليهم إلى شيراز ١٠٣٩ هـ/ ١٦٢٩ م.
وينتسب السادة المرعشيون فى "شوشتار" إلى على مرعش (المرعشى) وإلى سادة "مازانداران". . وعندما خرج "ميرنجم الدين بن أحمد" من آمول فى رحلة حج إلى "العتبات"، استقر فى شوشتار حيث كان نقيبا فى بداية القرن التاسع الهجرى، الخامس عشر الميلادى. وعندما استولى شاه إسماعيل على المدينة (٩١٤ هـ/ ١٥٠٨ م) وضع فى المنصب واحدًا من سلالة الرابعة وهو النقيب "مير نور اللَّه" الذى نشر الشيعية الإمامية. هناك. وبينما اتجه المرعشيون إلى الهجرة إلى شيراز والهند، تقلد العالم الشيعى الإمامى القاضى نور اللَّه بن ميرشريف ابن مير نور اللَّه" (٩٦٥ هـ/ ١٥٤٩ م إلى ١١٩ هـ/ ١٦١٠ م) -ومؤلف العديد من الأعمال من بينها "المجالس" و"الاحقاق"- منصب القاضى فى "لاهور"، فى ظل حكم "أكبر" ولكنه أعلم بأوامر من "جاهانجير" بإيعاز من العلماء السنيين. وقد خلع عليه الشيعيون الإماميون لقب "الشهيد الثالث" وقد ألف ابنه علاء الملك حسين شوشتارى مرعشى كتاب الفردوس. وقد استقرت. سلالة أخيرا فى نجف.
وقد قام كثير من المرعشين الآخرين بأدوار مهمة فى المجال الدينى والسياسى منذ عصر الصفويين -فقد كان العالم" سيد أحمد محمد بن على موسوى مرعشى" رفيقا حميما لـ Fath فتح على شاه قاجار. كما كان من سلالة العلماء "مير محمد حسين شهرستانى حائرى بن مير محمد على ابن محمد حسين حسينى مرعشى، وهو مؤلف العديد من الأعمال، وكذلك ولده حاج شيخ ميرزا على شهرستانى الذى استقر فى "قم" وأبرز عالم من هذه العائلة فى الوقت الحاضر هو "آية اللَّه شهاب الدين محمد حسين بن محمود حسينى مرعش نجفى" (ولد فى نجف فى ١٣١٥ هـ/ ١٨٩٧ م وعندما وصل إلى "قم" فى عام ١٩٢٤ اشتهر بأنه "متولى" لعديد من المدارس من بينها واحدة (ذات مكتبة ثرية) تحمل اسمه.
стр. 9140
وقد رسخ السادة المرعشيون -مثل علماء الامامية الآخرين- أنفسهم فى أجزاء كثيرة من العالم الإسلامى (إيران - العراق - سوريا - تركيا - مصر) وفى أطراف المحيط الهندى وشرق افريقيا (زنزبار) وجاوة.
المصادر:
(١) Moojan Momen: An Introduction to shi'i Islam This history and doctrine of twelver shi'ism
(٢) S. A. Arjomand: The shadow of God and the hidden Iman
(٣) Imam From religions: M. J. Fisher dispute to Revolution
(٤) نور اللَّه شوشتارى: مجالس المؤمنين (جزءان) - "إحقاق الحق".
(٥) القاضى أحمد قمى (نسبة إلى قم): خلاصة التواريحْ.
(٦) عبد الرزاق السمرقندى: مطلع السعدين ومجمع البحرين "جزءان".
(٧) ظاهر الدين مرعشى: تاريخى جيلان وديلمستان.
(٨) جلال الدين منجّم يازوى: روزنامه.
(٩) شرف الدين على يازدى ظفرنامه.
بهجت عبد الفتاح عبده [ج. كالمارد J. Calmard]
مرو الشاهيجان
" مرو" هى المدينة التى كانت تقع فى منطقة الواحة الخصبة، وإن عرفت أيضًا بمناخها غير الصحى فى العصور الكلاسيكية والإسلامية الوسطى. وتمتد على الجزء الأسفل من مجرى نهر "مرغاب" على الأطراف الشرقية الشمالية من فارس. ويطلق عليها أيضًا اسم "مرو العظيمة". وتقع تاريخيًا فى نطاق إقليم "خراسان" وكانت قبل الإسلام قاعدة لحماية الحدود، ومركزًا لحكام الأقاليم فى العصور الإسلامية. وهى، أى مرو القديمة، تدخل الآن فى نطاق "تركمانستان". ويعود اسم "مرو الشاهيجان"، ويعنى (مرو الملكية)، إلى الدور الذى لعبته كمقر لممثلى السلطة الملكية، وحصن أمامى يحمى العالم الإيرانى ضد القادمين من السهوب الأسيوية الداخلية، وهى تختلف عن
стр. 9141
المدنية الأصغر "مرو الروخى" أو "مرو النهرية" الواقعة أعلى النهر.
وتتوافر عن تاريخ "مرو" معلومات أكثر من أى مدينة أخرى فى فارس أو آسيا الوسطى، وإن كانت المصادر لم تفصح عن زمن معين يعود إليه تاريخ وادى "مرغاب"، إلا أن دراسة الآثار فى تلك المنطقة، هى التى يمكن أن يكون لها القول الفصل، ولازالت هذه الدراسة فى مراحلها الأولى. وعلى ضوء المعلومات المتاحة، فإن الأمر قد جرى كما يلى:
فى العصر "الأشمندى" (من القرن السادس حتى الرابع قبل الميلاد)، نشاهد مجتمعًا زراعيًا على درجة عالية من التطور فى إقليم "مرغاب" الواقع فى نطاق الدولة الفارسية ويصف لنا الكتاب الإغريق فى العصور القديمة، ويفيضون فى شرح ذلك، وخصوصًا الجغرافيين منهم والمؤرخين فى حملات الاسكندر الأكبر (٣٣٦ - ٣٢٣ ق. م). فهم لم يجدوا فقط فى هذا الإقليم مجتمعًا مستقرًا من السكان، وإنما أيضًا مجتمعًا ريفيًا يمارس الزراعة بتقنيات متطورة، وكانوا أيضًا يزرعون الكروم، ويصنعون منها خمورًا جيدة.
وتشير المصادر الكلاسيكية إلى "مرغاب" على أنها نهر "مارجوس" وإلى إقليم "مرو" على أنه "مارجيانا" وينسب البعض إنشاء المدينة إلى "الإسكندرا"، بيد أن المرجح أن بناءها أو إعادة بنائها يعود إلى فترة أبعد قليلًا حيث ينسب إلى ملك "السيليوسيين" أنتيكوس الأول سوتر (٢٨٠ - ٢٦١ ق. م)، فى وقت معاصر لبناء السور الذى كان يهدف إلى حماية المنطقة الزراعية من البدو القادمين من السهوب المجاورة ثم استوطنها أسلاف الشعب التركى، ولا يوجد ما يدعونا إلى التشكك فى تاريخ إنشاء "مرو".
وبصرف النظر عن التاريخ الذى يعود إليه إنشاء أقدم بناء فى منطقة وهو القلعة بالتحديد، وهذا ما ستكشف عنه نهائيًا دراسة الآثار. فإن الحقيقه المؤكدة، هى وجود زراعة متطورة فى وادى "مرغاب" اشتلمت على نظام للرى، فى وقت يسبق عصرنا هذا بقرون عديدة. ولا يعزى النمو السريع لواحة مرو إلى هذا فحسب، بل إن الفضل فيه يعود أيضًا
стр. 9142
إلى أن طريق القوافل التجارية الضخمة، الذى كان يربط آسيا الغربية مع الصين، كان يمر عبر أراضيها فى المرحلة "البارثية"، فقد كانت القوافل القادمة من آسيا الغربية تمر عبر "مرو" إلى "بلخ" ومنها عبر "درواز" والجزء الشمالى "بادخشان" إلى "آلاى كاشجار" ثم أخيرًا إلى الصين. وفى الفترة الساسانية تحرك الطريق التجارى أكثر إلى جهة الشمال، فكانت القوافل تعبر "مرو" إلى "كارجوى" و"سمرقند" و"سميريك" أو أرض الأنهار السبعة. ولم تكن "مرو" مجرد مركز مزدهر على الطريق التجارى، بل كانت مدينة صناعية عظيمة، إلا أن التاريخ لم يفصح عن التفاصيل الكاملة للحياة فى هذه المدينة، إلا بعد الفتح العربى.
وبإعادة ترتيب المعلومات التى أضافها المؤرخون والجغرافيون العرب، تكتمل صورة ما كانت عليه "مرو" فى زمانهم وفى التاريخ القديم. ولكى نتفهم الدور الذى لعبته "مرو" فى الحياة الاقتصادية فى غريب آسيا وفى آسيا الوسطى، يجب أن نستعين بما ذكره العرب من الجغرافيين والمؤرخين السياسيين فى القرن (الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى) عن نظام الرى، والمستوى العالى من التنسيق والرقابة والصيانة لقنواته تحت إشراف "المتولى" أو "مقسم الماء" وهو المقابل للمصطلح الفارسى "مسئول الرى المحلى" (مير - آب). ويعمل تحت رئاسة هذا المسئول عن الرى، طاقم ضخم للصيانة المستمرة للقنوات يضم مجموعة من الغواصين. وكان هناك سد على "المرغاب" فوق المدينة، ينظم توزيع مخزون المياه، والذى يقاس عن طريق وحدة قياس أطلق عليها "مقياس" قياسًا على القياس النيلى الشهير. ويتكون هذا المقياس أساسًا من لوح خشبى مقسم إلى فواصل مدرجة بعلامات عند كل "شعيرة"، وكان هناك ديوانًا يسمى "الكاستبزود" (النقص والزيادة) -يحتفظ فيه بسجل لهؤلاء الذين يحق لهم المشاركة فى المياه.
وكانت الفترة من القرن (الثانى الهجرى/ السابع الميلادى) إلى القرن
стр. 9143
(الثامن الهجرى/ الثالث عشر الميلادى)، هى الحقبة التى تحقق فيها لواحة "مرو" رخاء اقتصادى عظيم، عاصرت فيه نظامًا بالغ التطور فى المقايضة والصرف. وتطور فيها العديد من طرق الزراعة وتقنيات الاستزراع، فيما عدا زراعة القمح الذى كانت تستورده من وديان "كاشكا - داريا" و"زاراقشان". وكان الناس يربون دودة الحرير، ووجدت فى "خاراق" جنوب غرب "مرو" قبل قدوم المغول بوقت قصير، مؤسسة تسمى "الديواكوش" لتدريس علم القزازة "تربية دود القز"، وكانت تستورد معظم الحرير الخام لمصانع الحرير الشهيرة بها. واشتهرت الواحة أيضًا بقطنها الناعم الذى كانت تصدره خامًا أو مصنعًا إلى معظم البلاد. وضمت منطقة "مرو" عددًا من المؤسسات الكبيرة التى كانت تدر على ملاكها عائدًا ضخمًا، حتى أنه فى القرن (الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى) كانت مجموعة القرى كلها يملكها رجل واحد. ومن المؤكد أن الفلاحين كانوا خاضعين للقيود الإقطاعية لملاك الأرض (الدهاقين)، فكانوا ملزمين بالسداد العينى فى زمن الفتح العربى، ومن القرن (الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى) إلى القرن (الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى) بالسداد العينى والنقدى، إلا أننا لم نعرف بصورة قاطعة مقدار تلك المبالغ النقدية التى كانوا ملزمين بسدادها. وقدر للمدينة الواقعة فى القلب من منطقة الزراعة الكثيفة. أن يكون لها مستقبلًا مشرقًا. وإذا أضفنا إلى ذلك كونها مركزًا تجاريًا مزدهرًا على طرق القوافل بين غريب ووسط آسيا ومنغوليا والصين، فإننا نتحقق بسهولة من الكيفية التى نمت بها المدينة بسرعة فائقة بمصانعها وأسواقها وزراعاتها ونستطيع أن تميز فى الوقت الحالى داخل نطاق الإقليم القديم لمرو ثلاثة مواقع لمدن قديمة:
١ - قلعة جافور المناظرة لمدينة "مرو" فى المرحلة الساسانية والإِسلامية المبكرة.
٢ - قلعة السلطان القريبة جدًا من الموقع السابق على الجانب الغربى، وهذه هى "مرو" القرون من (الثانى/ السابع الهجرى) إلى (الثامن/ الثالث
стр. 9144
عشر الميلادى) والتى دمرها المغول فى سنة ١٣٢١ م.
٣ - قلعة عبد اللَّه خان جنوب مرو قلعة السلطان، وأعاد بناءها "شاهرخ" فى سنة (٨١٢ هـ/ ١٤٠٩ م). وتلك هى كل بقايا المدينة الشهيرة وضواحيها القريبة.
ويرجع تاريخ قلعة مرو، والتى عاصرت بناء المدينة فى منطقة "قلعة جافور", إلى تاريخ سابق على المدينة نفسها. وكان من المعتقد أن مدينة قلعة جافور هى الموقع الأقدم (وتسمى شهرستان)، لأنها نشأت حول قصر أحد كبار الإقطاعيين (دهقان)، أى حول القلعة نفسها، وعليه فلا يعقل أن تكون "شهرستان" سابقة فى الوجود على بدايات مدينة "مرو" إلا أن الكشف الأثرى هو الأقدر على حسم هذه القضية.
وعند وصول العرب، وجدوا أن الربع الغربى من المدينة قد تطور كثيرًا وأصبح أهم أجزائها وهو الجزء الذى يطلق عليه الجغرافيون العرب اسم "رياضى". وفى البداية كان السوق يقع على حافة "شهرستان" بالقرب من بوابة المدينة، غير بعيد عن السور الغربى، ويمتد أحد أجزائه خلف هذا السور مع امتداد قناة "رازق". وبنى العرب المسجد العظيم فى وسط "شهرستان". وشيئا فشيئًا، مع انتقال النشاط فى المدينة صوب "الرياض" انتقل معه المركز الإدارى والدينى للمدينة إلى هناك أيضًا. وأقيم جامع آخر على ضفة قناة "رازق" والذى خصصة "المأمون" فى بداية القرن (الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى) للشافعيين. وفى منتصف القرن (الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى)، فى زمن القائد "أبو مسلم"، ظل المركز يتحرك أكثر صوب الغرب من ضفتى قناة "ماجان" وبدأت المدينة منذ ذلك التاريخ تحتل بالتدريج موقع "الربض"، لذلك فإن مدينة "مرو" لم تكن تتجاوز "قلعة جافور" فى القرون من (الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى) إلى (السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى). بيد أن المدينة التى ما زالت أنقاضها موجودة إلى الغرب منها، تعرف الآن على أنها "قلعة السلطان". لكن "شهرستان" لم
стр. 9145
تفقد أهميتها مرة واحدة. ويأخذ موقع المدينة القديمة فى قلعة السلطان شكلًا مثلثًا يمتد من الشمال إلى الجنوب بمساحة مساوية لمساحة "قلعة جافور". ويحيط بها سور ضعيف مبنى من الطوب النئ، له عدة أبراج ومبان أخرى ملحقة بالقلعة، التى شيدت بأمر السلطان ملكشاه فى الفترة ما بين سنتى (٤٦٢ هـ/ ١٠٧٠ م)، (٤٧٢ هـ/ ١٠٨٠ م)، وهى واحدة من أروع المبانى التى شيدت فى تلك الحقبة.
وكانت المدينتان -فى زمن الجغرافيين العرب- محاطتين مع ضواحيها بسور ما زالت بقاياه موجودة حتى اليوم. وفيما يتعلق بالسور المبنى فى زمن "أنتيكوس الأول"، فقد ظلت شواهده باقية حتى القرن (الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى) وذكره "الاصطخرى" سنة ٢٦٠ تحت اسم "الراى".
وتغير التركيب الاجتماعى لمدينة "مرو" بشكل جذرى فى الفترة التى تمركزت فيها فى قلعة السلطان, مثلما تغيرت الحياة الاجتماعية والاقتصادية فى غرب آسيا ووسطها بشكل عام. إن نمو المدن وتطور الحياة الحضرية وتبادل المنتجات بين المدن والريف وبدو السهوب، وكذلك امتداد مسارات القوافل التجارية، والتى لم تعد مقصورة على تجارة الكماليات وسلع الترف، شجع كل ذلك على نمو طبقات جديدة من المجتمع. فلم يعد هناك وجود "للدهاقنة"، الذين كانوا هم كبار الملاك فى مدينة "مرو" من القرن (الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى) حتى القرن (السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى)، على الرغم من أن "أكشاكهم" فى "قلعة جافور" ظلت متواجدة حتى نهاية القرن (السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى)، فقد أصبح السادة هم التجار الأثرياء والطبقة العليا الحاكمة. وعلى الرغم من انتساب كليهما إلى الارستقراطية المحلية، إلا أن الزراعة تراجعت وحلت التجارة مكانها، وأصبحت أملاك المدينة هى مصدر الثروة، وتغيرت أوضاع الحرفيين الذين امتنعوا عن العمل كعبيد لدى "الدهاقنة". وحتى القرن (الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى) كان ما زال
стр. 9146
هناك من يؤدى رسوم الإقطاع إلى الدهاقنة. ويبدو أنهم قد تحرروا منذ ذلك التاريخ وما تلاه. كما تغير أيضًا مظهر المدينة من الناحية الطبوغرافية ومن ناحية المبانى. فبعد أن كان السوق فى شهرستان (قلعة جافور)، يقع عند نهاية المدينة وفى جزء منه خارجها، استهوت الحياة الحضرية "الرباض" لتصبح الأسواق والورش فى قلب المدينة وغدت "مرو" (قلعة السلطان) فى القرن (الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى)، مدينة تجارية ذات نمط شرقى منتظم، فهى يخترقها شارعان رئيسيان, يصل أحدهما الشمال بالجنوب، والآخر الشرق بالغرب، وتقع عند تقاطعهما "الكارسو", وهى مركز السوق تظلله قبة وتقع فيه الحوانيت ذات الأسطح المستوية وورش الحرفيين الصغيرة. وكان هناك الصرافيين والصائغين والدباغين، وأيضًا النساجين والنحاسين والخزافين إلى آخره. وهى لم تشتمل على المراكز الإدارية والدينية فحسب، بل ضمت أيضًا القصور والمساجد والمدارس ومنشآت أخرى. فكان يوجد فى الشمال من "الكارسو" على سبيل المثال، الجامع العظيم الذى شيد بالفعل فى عهد "أبو مسلم"، وقيل إنه ظل قائمًا حتى غزو المغول، إلا أنه لا بد وأنه قد أعيد بناؤه أكثر من مرة. وإلى جوار الجامع العظيم، كانت هناك قبة الضريح المبنية على مقبرة السلطان "سنجار" وتفصلها عن الجامع نافذة بقضبان حديدية. ويقال إنه كان من الممكن رؤية قبة الضريح بلونها الأزرق التركواز من على بعد يوم سفر. وداخل الأسوار المحيطة بالمسجد، كان هناك مسجدًا آخرًا، بنى فى نهاية القرن (السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى) والذى ينسب إلى الشافعيين". ويبدو أن "أبو مسلم" شيد القبة فى عهد "ياقوت" بالطوب المحروق (الأحمر) ويبلغ ارتفاعها ٥٥ ذراعًا، ولها عدة أروقة ذات أعمدة، والتى يقال عنها إنها كانت تستخدم على أنها "دار الإمارة" ولم يتبق أى أثر فى مكانها إلى جوار الجامع العظيم الذى بناه أبو مسلم.
وكان لمدينة "مرو" فى هذه الفترة -إلى جانب سورها العظيم- متاريسها
стр. 9147
واستحكاماتها الداخلية، والتى كانت تفصل بين أحيائها المختلفة.
واشتهرت المدينة بمكتباتها العامرة قبل أن يجتاحها الطوفان المغولى. أما عن تاريخها، فقد كانت "مرو" تحت حكم الساسانيين عاصمة الحدود الشمالية الشرقية لـ "مرزبان" لكونها القاعدة الأمامية، والتى تقع خلفها المدن التى تشكل دولًا بمفردها مثل "سوغدية" ومملكة خوارزم ودول السهوب مثل الأتراك الغربيين، وقد تكون "مرو" هى موطن (موهو) الرحالة البوذى الصينى "هيورين تسانج". وتظهر على الخريطة الصينية فى أوائل القرن الرابع عشر تحت اسم "ما - لى - ووه". وازدهرت فيها المسيحية النسطورية حتى عهد المغول، حيث كان ينادى بأسماء زعمائها الكنيسيين على أنهم حاضرون فى المجالس الكنسية؛ والتى كانت أسقفية قبل سنة ٥٥٣ هـ، ثم أصبحت فيما بعد مطرانية. وقد كان المطران "إليا" هو الذى قام بدفن جثة "يزدجرد الثالث" الذى قتل فى "باب - بى" (بابان). وكان يوجد بها دير "ماسارجاسان" الذى يقع على الشمال من "قلعة سلطان".
وكان "يزدجرد"، آخر الساسانيين، قد هرب قبل غزو العرب لمرو، وقتل هناك فى سنة (٣١ هـ/ ٦٥١ م) على يد المرزبان ماهوى سورى، لذلك فقد ارتبط بالمدينة الاسم الشائن "خونة الملوك" وقد فتحها العرب فى نفس السنة على يد حاكم خراسان، عبد اللَّه ابن عمير بن كوريز، الذى عقد معاهدة مع "ماهوى" تدفع بمقتضاها إتاوة أو جزية تتراوح بين مليون و ٢ مليون درهمًا بالإضافة إلى ٢٠٠.٠٠٠ جراب من القمح، وأن يكون الدهاقنة المحليون فى الواحة هم المسئولون عن جمع الجزية وتوفير الفتاوى للجنود العرب العاملين بالحامية، فى منازل شعب "مرو". وهكذا فقد كان هناك منذ البداية فرقًا جوهريًا فى نمط الاستيطان عن ذلك النمط الذى ساد فى الأمصار الكبرى العراق وفارس، حيث أقام العرب معسكرات منفصلة كمراكز لنفوذهم. وترك عبد اللَّه بن عمير حامية
стр. 9148
قوامها ٤٠٠ رجل فى "مرو"، ثم أرسل "زياد بن أبيه" فى سنة (٥١ هـ/ ٦٧١ م) حوالى ٥٠.٠٠٠ أسرة من البصرة والكوفة حيث استوطنوا فى قرى الواحة عن طريق الحاكم الربيعى ابن زياد الحارثى وبدأت فى ذلك الحين عملية امتزاجهم مع السكان الإيرانيين المحليين، وخصوصًا حينما بدأ بعض العرب يتملكون الأرض الخاضعة للضريبة فى الريف، ومن ثم أصبحوا خاضعين من الناحية المالية لسداد الأتاوة للدهاقنة، وقد تكون تلك الأوضاع الاجتماعية الشاذة فى واحة مرو، هى التى أسهمت فى الدور الذى لعبته فى أواخر عصر الأمويين كبؤرة للدعوة العباسية فى الشرق، ذلك أن الدعاية المصاحبة للدعوة الهاشمية قد شقت طريقها مبكرًا بين العناصر العربية المستوطنة. وفى سنة (١١٧ هـ/ ٧٣٦ م) اكتشف أمر بعض العملاء العباسيين هناك، وأعدموا وسرعان ما تشكلت بعد ذلك لجنة الاثنى عشر من النقباء، يرأسها "سليمان بن كثير الخزاعى". وكان أبو سلمه الخلال موجودًا فى "مرو" سنة (١٢٦ هـ/ ٧٤٦ م) وبعدها بسنتين وصل أبو مسلم كممثل للإمام العباسى إبراهيم بن محمد بن على بن عبد اللَّه بن عباس.
واستثمر أبو مسلم النزاع القبلى بين قبيلتى قيس ويمان، وجموع السكان العرب المستوطنين، والواقعين تحت وطاة الظلم المالى، الذى لم تفلح فى معالجته نهائيًا الإصلاحات التى أدخلها الحاكم الأموى نصر بن سيار فى سنة (١٢١ هـ/ ٧٣٩ م).
وبمساعدة "اليمانيين" ضد نصر ومؤيديه من "عرب الشمال" استطاع أبو مسلم فى أوائل سنة (١٣٠ هـ/ ٧٤٨ م) أن يحكم قبضته على "مرو".
واستمرت "مرو" عاصمة الشرق فى أوائل حكم العباسيين على الرغم من الرطوبة الخانقة والمناخ القاسى. فقد ظلت هى مقر حكم المأمون عندما كان واليًا على الأقاليم الشرقية وأثناء خلافته حتى سنة (٢٠٢ هـ/ ٨١٧ م)، حينما تركها إلى بغداد. وتوالى عليها الحكام "الطاهريين" من خراسان إلا أن
стр. 9149
"الصفاريين" الذين اقتلعوهم منها، فضلوا أن يجعلوا عاصمتهم فى نيشابور، بالرغم من أن "مرو" ظلت هى المركز التجارى الرئيسى لخراسان واستمر ازدهارها تحت حكم "السمانيين". بيد أن الاضطرابات التى جرت فى خراسان خلال العقود الأخيرة من حكم "السمانيين". حينما وقع الصراع بين القادة العسكريين طمعًا فى السلطة، أثرت بالسلب على ازدهار "صرو". وأصاب الخراب ثلث "الربعى" (المدينة الخارجية)، ودُمرت القلعة أيضًا، علاوة على أن الصراع الطائفى والشقاق الحزبى، كان قد استشرى فى المدينة، والذى يبدو أنه تفشى إلى المدن من خراسان فى ذلك الوقت.
بيد أن "مرو" عادت إلى الانتعاش من جديد تحت حكم السلاجقة، فقد غيرت ولاءها من الغزنوية إلى التركمانية فى سنة (٤٢٨ هـ/ ١٠٣٧ م) وأصبحت عاصمة "كاجرى بيج داوود" حاكم النصف الشرقى للإمبراطورية السلجوقية المؤسسة حديثًا.
ومنذ سنة ١١١٠ م والتى أصبح فيها "سنجر" نائب الملك فى الشرق، قام والد الأخير ملكشاه ببناء سور طوله ١٢٣٠٠ خطوة حول المدينة، والتى تحملت فى عهد "سنجر" هجمات من مختلف أعداء السلاجقة، مثل "خوارزم شاه أتسيز"، والذى أغار على "مرو" فى سنة (٥٣٦ هـ/ ١١٤١ م) وحمل معه خزانة الدولة. وبنى سنجر فى "مرو" ضريحه الشهير الذى يبلغ ارتفاعه ٢٧ مترًا على مساحة مربعة، وأسماه "دار الآخرة" وفى خلال حكم "سنجر" أحكم السلاجقة السيطرة على التركمانيين فى السهوب المحيطة "بمرو" عن طريق الشرطة الرسمية، ولكن فى سنة (٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م). تمرد "الغز" ضد هذه السيطرة، وهزموا "سنجر" ووقعت "مرو" فى أيدى البدو الذين تمسكوا بها مع "بلخ" و"السرخس" إلى أن فرض "الخوارزمشاهيون" حكمهم على شمال خراسان. وقاست "مرو" الويلات فى زمن الغزوات المغولية الأولى، حينما أطاحوا بحكم الخوارزميين، فقد نهبها
стр. 9150
أتباع "تولوى" فى همجية وتوحش فى بداية (٦١٨ هـ/ ١٢٢١ م)، ويقال إنهم قتلوا ٣٠٠ ألفا أو ٧٠٠ ألفًا من أهلها. وبأخذ عنصر المبالغة فى الاعتبار، فمن المؤكد أن "مرو" تلقت لطمة قاسية زلزلت مكانتها، واستغرقت منها قرنين من الزمان حتى تشفى من آثارها. وفى منتصف القرن (الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى)، زحفت الرمال وغطت على الأرض الزراعية للواحة.
فماذا تبقى إذن من مدينة القرن (الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى) إلى القرن (السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى) أكثر من السور الذى ذكرناه بالفعل؟ لقد غطى الركام والربى والأكام موقع قلعة السلطان كله وكذلك مواقع المبانى القديمة.
وترتفع فى الوسط مثل النصب التذكارى للماضى العظيم قبة ضريح السلطان سنجر، التى تبرز كواحدة من أجل المبانى حتى القرن (السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى) وهنا يبرز التساؤل عن وجود علاقة بين "دار الإمارة" مع القبة والأروقة الكثيرة ذات الأعمدة السابق ذكرها كانت "مرو" تضم فى تلك الفترة العديد من المبانى داخل منطقة "قلعة سلطان " وكذلك الكثير من المبانى خارج أسوارها، وخصوصا الضاحية الغربية. وفى سنة (١٠٨ هـ/ ١٤٠٦ م) سعى الحاكم التيمورى "شاهروخ" لكى تستعيد تلك المنطقة مكانتها المزدهرة والتى كانت يومًا واحة يانعة. وأعد خطة لذلك سارت على النحو التالى: أعيد بناء السد فى موقعه القديم وجرت المياه مرة أخرى فى قناته القديمة بيد أنه لم يكن رى إلا جزء واحد من الواحة. كما أعيد بناء المدينة، ولكن ليس على الموقع القديم لأنه لم يأت إحضار الماء بكميات وافرة إلى "قلعة السلطان". وتناظر مدينة "مرو" فى هذه الفترة المدنية القديمة "قلعة عبد اللَّه خان" (تنسب الأسطورة الشائعة بناء هذه القلعة إلى الشيبانى عبد اللَّه بن إسكندر)، وكانت مساحتها التى تغطى حوالى ثلاثمائة "بولا" مربعًا، أقل من مساحة "مرو" فى الحقبة المغولية. ولا يمكن مقارنة مدينة "مرو" فى هذه الفترة بتلك التى كانت فى فترة ما قبل
стр. 9151
المغول. ومع مرور الوقت، تراجعت "مرو" وواحتها أكثر فأكثر. وفى فترة المملكة الصفوية كانت عرضة للهجمات المستمرة من جانب الأوزبيجان والتى فاقت من تدهورها.
وتلقت ضربة قاضية مع نهاية القرن الثامن عشر، فقد هاجم معصوم خان (لقب فيما بعد مراد شاه) القاجار التركمانى الحاكم المحلى لمرو القديمة، بيرم على خان، وقتله فى سنة ١٧٨٥ م. ودمر "مراد شاه" أيضًا سد مور غاب ٣٠ ميل/ ٤٨ كم أعلى مرو، ومن ثم تقلصت بشدة الحالة الاقتصادية للإقليم، وحل الخراب على مرو، وعانت المنطقة المحيطة بها من الأهمال الشديد.
وفى سنة ١٨٨٤ م احتل الجيش الروسى واحة "مرو" وتخلصت فى السنة التى تلتها من التهديد الأفغانى، بانتصار الجنرال كوماروف. ومنذ سنة ١٨٨٧ م وما بعدها، بذلت محاولات تحقق لها قدر كبير من النجاح لإعادة الحياة الزراعية إلى الإقليم الخرب، عن طريق إقامة سدين على "المورغاب" وهما "كوش الهندى" و"باند سلطان" ويمر الخط الحديدى، الممتد من "كراسنوفودسك" إلى بخارى وسمرقند وطشقند من خلال عشق أباد ومرو، وأنشا فرع من مرو، فى اتجاه الجنوب إلى كوشا على الحدود الأفغانية.
ودخلت "مرو" منذ سنة ١٩٢٤ م ضمن تركمانستان فى روسيا.
مصطفى محمود محمد [بوسورث C. E. Bosworth] [ياكوبوفسكى A. Yu. Yakubovskii]
مروان بن الحكم
مروان بن الحكم بن أبى العاص أبو القاسم، ثم أبو عبد الملك، أول خليفة من الفرع المروانى من بنى أمية. لم يطل حكمه أكثر من بضعة شهور قلائل، فيما بين سنتى ٦٤/ ٦٥ هـ (٦٨٥/ ٦٨٤ م).
وأمه هى آمنة بنت علقمة الكنانية التى تنحدر من نفس عشيرة بنى أمية من قريش، وهو "أبو العاص". وهو ابن عم "عثمان" مباشرة ويختلف الناس
стр. 9152
فى تاريخ مولده فمنهم من يجعله فى السنة الثانية للهجرة ومنهم من يؤخرها إلى الرابعة، وإن كان الأرجح إنه ولد قبل الهجرة وأيا كان الحال فإنه لابد وأنه عرف النبى [ ﷺ ]، وبذلك يعد من الصحابة وقد أصبح كاتبا لعثمان كما اشتهر بمعرفته العميقة للقرآن الكريم حتى لقد قيل عنه أنه كان من أعمق الناس فهما للقرآن، انظر فى ذلك (الأنساب للبلاذرى جـ ٥ ص ١٢٥) وقد ساعده هذا دون شك فى تحقيق النصوص القرآنية عندما جمع الكتاب الكريم زمن خلافة عثمان. وساهم فى هذه الفترة أيضا فى الحملة على شمال إفريقيا، والتى يقال أن نصيبه من الغنائم فيها كان كبيرا حتى كان سبب ثروته الفاحشة وكثرة أملاكه بالمدينة، وذكر فيما بعد أنه تولى حكومة فارس حينا من الدهر وجرح فى وقعة يوم الدار وهو يدفع ثوار العسكر المصرى عن بيت عثمان فى سنة (٣٥ هـ/ ٦٥٦ م). كما حارب فى معركة الجمل إلى جانب "عائشة" وأتباعها، حيث انتهزها فرصة ليذبح "طلحة" الذى اعتبره المسئول الأول عن مقتل عثمان على أن العجيب من أمره إنه والى عليا بعد المعركة.
وتولى "مروان" فى أثناء خلافة "معاوية" حكم "البحرين"، ثم تناوب مرتين حكم "المدينة" أولاهما من ٤١ - ٤٨ هـ = (٦٦١ - ٦٦٨ م) والثانية من ٥٤ - ٥٧ هـ، وكان ذلك مناوبة مع قريبيه سعيد بن العاص والوليد بن عتبة. وقد تكون الشكوك قد ساورت معاوية مؤخرا إزاء تنامى طموحات مروان، وخصوصا مع إدراكه للكثرة العددية لأسرة "أبى العاص" عن نظيرتها عائلة "حرب" جد معاوية، وكان لمروان كما يقول البلاذرى فى كتابه الأنساب عشرة أبناء وابنتان، أما أخوته فكانوا كما يقول الثعالبى فى اللطائف عشرة وزيادة على ذلك فقد كان عما لعشرة. وقد تكون المخاوف من عائلة "أبى العاص" هى التى دفعت بمعاوية إلى "استلحاق" زياد بن سمية المعروف بزياد بن ابيه والى إسراعه على غير المألوف بتعيين ابنه "يزيد" وريثا للخلافة أثناء حياته. وصحيح أن "السفيانيين" كانت تعوزهم الخبرة
стр. 9153
وبلوغ السن (باستثناء الوليد بن عتبة ابن شقيق معاوية) لكى يخلف أحدهم معاوية، وأن الأمويين كانوا قد طُردوا من "الحجاز" فكان مروان هو أبرز الشخصيات الأموية، بما له من هيبة ونفوذ وكبر سن.
وحينما ظهرت العقبات فى سنة (٦٠ هـ/ ٦٨٠ م) أمام تولى يزيد بن معاوية إلى جانب رفض مدن الحجاز له قام مروان بن الحكم ينصح "الوليد بن عتبة" حاكم "المدينة" باستخدام القوة ضد المتمردين. وبعد أن انسحبت قوات "مسلم بن عقبة المرى" وعادت إلى بلاد الشام فى (بداية سنة ٦٤ هـ خريف ٦٨٣ م)، أجبر أنصار ابن الزبير الأمويين وأحلافهم الذين كانوا قد طُردوا من المدينة ثم عادوا إليها مع عسكر يزيد وفيهم على وجه الخصوص أفراد من آل العاص بقيادة مروان، قد ارغمهم أنصار مدعى الخلافة عبد اللَّه بن الزبير أن يتخلوا عن أملاكهم الموجودة بالحجاز والفرار إلى الشام مرة ثانية. وعاد مروان إلى الشام مع بداية سنة ٦٨٤ م. وتقول بعض المصادر إنه لم يمض مباشرة إلى بلاط قصر معاوية بن يزيد فى دمشق، فلما مات الأخير جابه مروان تأييدًا واسعا (حتى فى فلسطين وشمالى الشام) لقيام خليفة زبيرى فداخل اليأس مروان فى أن تكون ثمَّة خلافة للأمويين واضطر هو ذاته لمبايعة عبد اللَّه بن الزبير، غير أنه قوى ساعده بإلحاح عبيد اللَّه بن زياد بن أبيه بذهاب ممثله إلى اجتماع أهل الشام فى "الجابية"، والمنعقد للدعوة إلى خلافة "معاوية" الثانى. وأن يؤيد استخلاف واحد آخر بتأييد من قائد جذام وهو "روح بن زنباع" أن ينادى به خليفة ويكون ولى عهده كل من "خالد بن يزيد بن معاوية" و"عمرو بن سعيد الأشدق" كخلفاء من بعده. واستطاع مروان، بهذه المبايعة والتأييد من "كلب" بقيادة "ابن بَحْدَل"، أن يهزم "القيسيين " بقيادة "الضحاك بن قيس الفهرى" فى معركة "مرج راهط" التى وقعت فى يوليو أو أوائل أغسطس سنة ٦٨٤ م. وبعد فترة قصيرة من استقراره كخليفة فى دمشق، تزوج مروان من أم هاشم واسمها الفاخته بنت أبى هاشم بن عتبه، وهى أرملة "زياد الأول" وأم ولديه، فوثقت هذه
стр. 9154
المصاهرة الدبلوماسية بينه وبين "السفيانيين". وأصبح مروان قادرا حينئذ على تثبيت دعائم حكمه فى الشام وفلسطين واتسمت فترة حكمه القصيرة بالنشاط العسكرى فبدأ بطرد الحاكم الزبيرى "عبد الرحمن بن عتبة الفهرى"، والملقب "بابن جحدم" من مصر. ويبدو أن مروان قد ضمن هذا الإقليم الأخير فى رجب سنة ٦٥ هـ (فبراير - مارس سنة ٦٨٥ م) واستعمل عليه ابنه "عبد العزيز" وعلى الرغم من تضارب المصادر فيما بينها تضاربا كبيرا فى هذا الموضوع، إلا أنه يبدو أن قوات مروان قد دحرت أيضا هجوما زبيريا على فلسطين كان يقوده مصعب بن الزبير. ومن الممكن -وإن لم يكن ثم ما يؤكده- أن إحدى كتائب الجيش المروانى غزت "الحجاز" تحت قيادة حبيش بن دُلجة إلا أنه اندحر فى "الربذة" شرقى المدينة وليس من شك فى أن مروان قد اتخذ الإجراءات لتأمين العراق القى أعلنت ولاءها للزبيريين فأرسل إليها جيشا بقيادة "عبيد اللَّه بن زياد" ألذى تفادى المرور من مركز العداء القيسى فى قيرقيسياء فى "الجزيرة"، ووصل "الرقة" حيث وافته الأنباء بوفاة مروان التى كانت فى ربيع سنة (٦٥ هـ/ ٦٨٥ م)، ويحتمل أن يكون موته بسبب وباء الطاعون الذى انتشر فى الشام فى ذلك الحين، وتتضارب المصادر فى تحديد تاريخ وفاته وتقدر فترة حكمه ما بين ست أشهر إلى عشرة أما عمره وقت وفاته فلا يعرف إذ تقول بعض المصادر أنه مات عن عمر يناهز ٦٣ سنة، وإن كان الأرجح أنه قبض وقد جاوز السبعين.
وانتهز مروان فرصة نجاح حملته المصرية ليجعل الخلافة من بعده لولديه عبد الملك وعبد العزيز فتولاها عبد الملك فى دمشق بعد وفاة أبيه بدون معارضة ظاهرية -على الأقل فى دلك اللحظة- وكانت حياة مروان حياة زاخرة بالعمل، وخصوصا فى سنيه الأخيرة إذ كثرت حملاته العسكرية والمفاوضات المتعلقة بتوليه الخلافة. ويبدو أنه عانى أخيرا من أثار الجروح المختلفة التى أصيب بها. ولُقب بسبب طوله وهيئته النحيلة
стр. 9155
باللقب الساخر "خيط باطل"، راجع الثعالبى اللطائف ٣٥ - ٣٦، ونظرا لفظاظته وافتقاره للكياسة الاجتماعية، وصُف بأنه "فاحش".
وفيما بعد وصمته المصادر المعادية للامويين "بالطريد ابن الطريد"، حيث ربطت بينه وبين أبيه "الحكم" والذى قيل أن النبى [ ﷺ ] قد نفاه إلى الطائف، كما لُقب هو بأبى الجبابرة لأن ابنه وخمسة من أحفاده خلفوه فى سدة الخلافة واحدا إثر واحد. لكن الواضح أنه كان قائدا عسكريا ورجل دولة من الطراز الأول. يتمتع بمهارة فائقة وحسم للأمور ويتصف بسعة الصدر والحلم. وعُرف عنه أنه داهية، وهى الصفة التى ميزت الصفوة البارزة فى العشيرة الأموية، وأن وصوله إلى الخلافة اعتمادا على كفاءته الشخصية دون سند خارجى -حيث لم يكن له قاعدة نفوذ فى الشام، لأنه قضى معظم حياته فى الحجاز-، قد مكن خلفه عبد الملك من أن يثبت أركان الخلافة الأموية. حتى أنها دامت لما يزيد عن ٦٠ عاما من بعده.
وللمزيد راجع عنه تاريخ خليفة بن خياط، وتاريخ اليعقوبى، وولاة مصر للكندى، ومروج الذهب للمسعودى، والتنبيه والاشراف للمسعودى، وابن سيد والبلاذرى فى أنساب الأشراف، والمعارف لابن قتيبة، وأسد الغابة لابن الأثير، وابن عبد ربه والأصفهانى.
مصطفى محمود محمد [ث. أ. بوسورث Bosworth]
مروان بن محمد بن الحكم
هو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، آخر الخلفاء الأمويين فى بلاد الشام وقد امتد حكمه من سنة (١٢٧ هـ/ ٧٤٤ م إلى سنة ١٣٢ هـ/ ٧٤٩ - ٧٥٠ م). وهو حفيد الخليفة مروان الأول من جانب الأب. إلا أن الأقوال تضاربت فيما يتعلق بمولده وبأمه وإن كان الإجماع منعقد على أنها امرأة غير عربية، ويقال أحيانا أنها كردية، وكانت مملوكة لمحمد والد مروان إذ صارت ملك يمينه بعد هزيمة عبد الملك لمصعب ابن الزبير وقائده إبراهيم بن الاشتر فى سنة ٧٢ هـ/
стр. 9156
٦٩١ م. وتذكر بعض المصادر أن المرأة كانت حاملا بالفعل حينما ملكها وأنها ولدت مروان "فى فراش محمد". ولم تشر سلاسل الأنساب إلى أم مروان، وهى الحقيقة التى ربما تؤكد أنها على الأقل لم تكن معروفة بانتسابها إلى إحدى عائلات العرب المهمة. وإذا كانت أمه حاملا حقيقة عند انتزاعها من الزبيريين، فمن المرجح أنه ولد سنة ٧٣ هـ/ ٦٩٢ م. ويذكر الطبرى أن ميلاده جاء فى سنة ٧٦ هـ (٦٩٥ - ٦٩٦ م)، وقيل إن عمره كان يتراوح بين ٥٨، ٦٩ سنة حين وافته منيته عام ١٣٢ هـ (= ٥٧٠ م) وتقول الأخبار إنه لقب بلقبين هما "الجعدى" و"حمار الجزيرة" (أو يختصر فيقال الحِمَار). ويقال إن الاسم الأول مشتق من اسم "جعد بن درهم" مؤدب مروان، وتختلف الآراء فى تفسير اللقب الثانى إذ أكثر ما يقال فيه فى المؤلفات المتأخرة إنه يشير إلى ما طبع عليه من عناد وشجاعة فى القتال، ومن قائل إنه يشير إلى ولع مروان بورد الحمار.
وهناك رواية ذكرها الطبرى عن حبشى أراد النَّيل من مروان بن محمد فمثَّل ما يقبح ذكره بالرسم على جدران حمص.
وتتركز المعلومات عن سيرة مروان قبل توليه الخلافة، على أنشطته فى أقاليم أذربيجان وأرمينيا والقوقاز. إذ يبدو أنه إثر هزيمة الجراح بن عبد اللَّه الحكمى على يدر الخرز فى سنة ١١٢ هـ/ ٧٣٠ م، رافق ابن عمه مسلمة ابن عبد الملك. (الذى عينه الخليفة هشام على الإقليم) فى مهمة لاستعادة مكانة المسلمين فى أرمينيا وجنوب القوقاز. ونظرا لتميزه فى القتال، أصبح حاكما على أذربيجان وأرمينينا من قبل هشام ولا يتضح لنا، إذا كان قد خلف "مسلمة" فى الحال كحاكم فى سنة ١١٤ هـ/ ٧٣٢ م وهو ما يقرره الطبرى، أم أنه تولى مكانه بعد سعيد بن عمرو الحَرَسى، فإذا كان الأمر الأخير هو الصحيح فإن بدايات حكم مروان لهذه المنطقة ترجع إلى سنة ١١٦ هـ/ ٧٣٤ م) أو السنة التى تليهما، وأثناء حكمه فى أرمينيا ناصر البجرانيين ضد أعدائهم الماميكونيين.
стр. 9157
ولقد تعاون الأرمن مع المسلمين فى مواجهة ما يلقاه الأخرون من الخرز فى الشمال، حين ساهم الأرمن مع عسكر مروان فى هجومهم على القوقاز وكان لهم دور بارز فى تلك الحملة: سنة ١١٩ هـ (٧٣٧ م) وكما هو جدير بالملاحظة فى سنة ١١٩ هـ/ ٧٣٧ م. أن القوات الأرمينية ساهمت فيما بعد فى مساعدة مروان من أجل فرض سلطته فى بلاد الشام فى أعقاب موت "يزيد بن الوليد".
وهناك فقرتان أوردهما الطبرى فى تاريخه (جـ ٢/ ١٩٤١، ١٩٤٤) تشير أن إلى تبنى مروان للتشكيل العسكرى المعروف "بالكردوس" وتخليه عما هو مصطلح عليه باسم "الصف" والكردوس هى مفرزة محكمة من الجنود صغيرة العدد نسبيا وتكون عادة من الفرسان بينما الصفوف هى الخطوط الطويلة التقليدية التى كان العرب ينظمون بها أنفسهم فى المعركة. وهناك من يرى أن مروان هو أول من أدخل تشكيل الكراديس فى جيوش المسلمين، وأن خبرته القتالية على الحدود الشمالية -حيث كان النفوذ البيزنطى قويًا- هى التى دعته إلى انتهاج هذا الاسلوب. وعموما فهذه القضية موضع خلاف، ذلك أن تقارير "الطبرى" لا ترجع إلى الفترة التى كان مروان يحارب فيها على الحدود الشمالية، بل تعود إلى القتال الأخير ضد "الخوارج" فى أرض الحرب بين النهرين بعد أن تولى الخلافة.
ويبدو أن مروان كان قد عقد النية على التوجه جنوبا إلى الشام، والتدخل فى الأحداث الجارية هناك، حينما قتل الوليد الثانى إثر الانقلاب الذى أطاح به، وتولى يزيد الثالث الخلافة فى جمادى الآخرة سنة ١٢٦ هـ/ ٧٤٤ م، إلا أن انسحاب الكلبيين من جيشه بقيادة ثابت بن نعيم ثبط من عزمه، ولقد اعتبر مروان بن محمد نفسه الحاكم المطلق فى أرض الجزيرة بالعراق إبان خلافة يزيد الثالث القصيرة واتخذ مقره فى حران، فلما مات يزيد الثالث (فى ذى الحجة ١٢٦ هـ = سبتمبر ٧٤٤ م) رفض التسليم بسلطة خلفه المعين إبراهيم شقيق يزيد
стр. 9158
الثالث، وعبر الفرات بجيشه، ويبدو أنه حتى هذه المرحلة. لم يكن دافعه الاستحواذ على الخلافة، لكن باعتبار أنه النصير المدافع عن حق ولدى الوليد الثانى، اللذين كانا مسجونين فى دمشق.
وبتأييد من قوات القَيْسِييِّن فى قنسرين فرض سيطرته على حمص وشمال سوريا، ثم هزم طائفة من الكلابيين بقيادة سليمان بن هشام فى "عين الجر" على الطريق الواصل من دمشق إلى بعلبك. وفى أعقاب هذه المعركة، قتل ولدا الوليد الثانى فى دمشق، وفرّ إبراهيم وسليمان أبنا هشام إلى مركز "الكلبية" فى تدمر وتمكن مروان من دخول دمشق. وهناك، يقال أنه بمبادرة من أبى محمد -الذى هو من الفرع السفيانى الأموى، والذى زعم أن ولدى الوليد الثانى قد عينا مروان خليفة لهما- نودى بخلافته وأخذ البيعة فى صفر سنة ١٢٧ هـ/ ديسمبر ٧٤٤ م، وبالتالى فقد قبل إبراهيم وسليمان بن هشام بسلطته ومنحهما الأمان إلا أن مروان لم يؤثر البقاء فى سوريا، بل عاد إلى "حَرّان" فى العراق، حيث يشعر بالأمان أكثر. وتلك هى المرة الأولى التى يحاول فيها أحد الخلفاء الأمويين أن يحكم من خارج بلاد الشام.
إلا أنه تعين عليه العودة سريعا لمواجهة حركة تمرّد فى الشام، وهى حركة بدات بين كلبيِّى فلسطين بقيادة ثابت بن نعيم، وسرعان ما امتد شرارها إلى الشمال حين خرجت حمص لاعتراض مروان. وفى شوال ١٢٧ هـ/ يوليو ٧٤٥ م إستطاع مروان بنفسه أن يخضع حمص، ثم أرسل قوة إلى الجنوب لنجدة دمشق من الهجوم الواقع عليها فهزمت النجدة يزيد بن خالد القصرى وقتلته، ومضى جيش مروان لياسر ثابت بن النعيم، الذى كان يهاجم طبرية، واضطرمت النيران فى معسكر الكلبيين فى المزّة القريبة من دمشق، وأخيرا وافق الأبرش الكلبى فى تدمر على التسليم إلى مروان. وبدا أن حكمه فى سوريا قد أصبح مستقرا مرة أخرى، فجمع عند ذلك الأسرة الأموية وأخذ منهم البيعة لولديه الاثنين. بيد أن
стр. 9159
المعارضة لمروان فى سوريا لم تكن قد انتهت بعد، فحينما دفع بقوة شامية لكى تلحق بالجيش العراقى تحت قيادة "يزيد بن هبيرة"، فى محاولة لبسط السيادة المروانية فى العراق، تركت مواقعها عند مرورها على "الرصافة" حيث كان يعيش سليمان بن هشام، وانضم الشوام إلى سليمان فى الوقوف ضد مروان. واستولى سليمان على قنسرين وحظى بتأييد من باقى الشام.
وسحب مروان معظم قواته العراقية من جيش "ابن هبيرة" وهاجم سليمان وهزمه بالقرب من قنسرين مما أدى إلى هروب القائد الأموى المقهور مع حلول جيشه إلى حمص ومنها إلى الكوفة وذلك بعد أن ترك قواته هناك تحت قيادة أخيه، وقام مروان بمحاصرة حمص للمرة الثانية وحينما استسلمت المدينة فى النهاية بعد عدة شهور، قام بدك أسوارها مع العديد من أسوار المدن السورية الرئيسية. وتمكن مروان مع صيف سنة ١٢٨ هـ/ ٧٤٦ م من إحكام قبضته وبسط سيطرته نهائيا على سوريا. واستغرق منه مد نفوذه على العراق وكل أراضى الجزيرة وقتا أطول.
وقد حاول فى البداية أن يضعف حاكم العراق المعين من قبل يزيد الثالث وهو "عبد اللَّه بن عمر بن عبد العزيز" وأن يحل مكانه النّضر بن سعيد الحرشى القيسى -إلا أن كلا الحاكمين المتناحرين- وقد دحر فى سنة ١٢٧ هـ/ ٧٤٥ م بسبب "حركة الخوارج" والتى بدأت فى العراق بين قبيلة "شيبان" والمرتبطة بقيادة الضحاك بن قيس الشيبانى، الذى وطد دعائمه فى الكوفة، لكنه عاد فى ربيع سنة ١٢٨ هـ/ ٧٤٦ م إلى الشمال واستولى على الموصل ساعيا إلى استغلال المصاعب التى تواجه مروان فى الشام. إلا أن عبد اللَّه "ابن مروان" استطاع أن يعطل حركة الخوارج ويكبح جماحهم، حتى يفرغ مروان من إخضاع حمص وتحويل قواته إلى الشرق لمجابهة ما يهدّده من هذه الناحية، وتمكن مروان -فى آخر الصيف- من هزيمة الضحاك وقتله وأرغم الخوارج على ترك الموصل.
стр. 9160
ثم طردهم طردا نهائيا فى العام التالى من أرض الجزيرة فى السنة التالية وانتهى خطرهم، حينما استطاع مروان جلب عسكر من العراق واجه بهم قائد الخوارج الجديد أبا دُلف. إن قدرة مروان على احضار الرجال من العراق، كان نتيجة لانتصارات قائده "يزيد بن هبيرة" فى أواخر سنة ١٢٩ هـ/ ربيع ٧٤٧ م، فقد هزم ابن هبيرة وإلى الكوفة الخارجى عبد اللَّه بن معاوية العلوى.
وحان للهيمنة التى فرضها مروان فى نهاية سنة ١٢٩ هـ/ صيف ٧٤٧ م، أن تنتهى بعد سنتين بسبب الهاشمية التى كانت قد ظهرت وعلا شأنها فى خراسان منذ رمضان ١٢٩ هـ/ يونية ٧٤٧ م.
فلما كان شهر ربيع الثانى ١٣٢ هـ/ (نوفمبر ٧٤٩ م)، قوضت عساكر الهاشمية حكم الأمويين فى فارس والعراق. وأعلنت الخلافة العباسية فى الكوفة. وفى جمادى الثانية ١٣٢ هـ (يناير ٧٥٠ م)، قاد مروان قواته بنفسه فى محاولة أخيرة لهزيمة المنشقين فى معركة "الزاب الكبرى". التى كانت هزيمة قواته بها إيذانا بنهاية الدولة الأموية. وهرب مروان ذاته مع عصبة صغيرة من مؤيديه، وفروا عبر الشام إلى مصر وتعقبتهم القوات العباسية وراحت تطاردهم حتى أمسكته أخيرًا فى ذى القعدة ١٣٢ هـ/ يونية ٧٥٠ م عند "بوصير" فى منطقة الأشمونيين فى صعيد مصر، حيث سقط الخليفة الأموى الأخير بعد صراع قصير.
وتوضح سيرة مروان بعضا من أوجه الضعف التى أثرت على الخلافة الأموية فى أواخر أيامها فلقد كانت قوة مروان نتيجة لصلاته الوثيقة بجيش شمالى أرض الجزيرة القيسى الذى كان معاديا لنظام يزيد الثالث الذى يعتمد على الكلبيين ولقد أدى هذا الاتصال الدقيق من جانب الخليفة إلى تقليص الكيان الدينى والأخلاقى الذى قامت على أساسه الخلافة الأموية، وزيادة على ذلك فإن محاولته نقل مركز الخلافة إلى العراق قد زاد من اتساع هوّه الشقاقات الحزبية بين
стр. 9161
العرب والتى طغت على الشام نفسه الذى كانت قاعدة الحكم الأموى حتى ذلك الحين.
وقد يبدو أن مروان كان سئ الحظ فى أنه بعد أن عزز سلطته أخيرا على الأقاليم الوسطى، سرعان ما أطاحت به الحركة التى نشأت خارج مناطق نفوذه، إلا أن الدولة الأموية فى الواقع، كانت قد ضعفت بسبب عجزها عن تلبية مطالب الإسلام ولسبب التخربات بين الجنود والعرب، ولولا قوة شخصية مروان وحيويته التى مدت فى وجودها. ما كان لها أن تستمر إلى هذا الحد.
انظر فى ذلك صلاح المجند فى معجم بنى أمية، وما جاء عن مروان فى الاصفهانى الذى كان يدعى أنه من نسل مروان، ومروان بن محمد وأسباب سقوط الدولة الأموية لأبى غيب السعدى، بيروت ١٩٧٢.
مصطفى محمود محمد [ج. ر. هوتنج G.R. Hawting]
مريم ﵍
هى مريم ابنة عمران ﵍، وأم المسيح عيسى ﵇، والاسم عند المسلمين معناه "العابدة" وعادة ما يرد الاسم فى القرآن الكريم مقترنًا بابنها فى شكل "عيسى ابن مريم" حيث إنه ولد بغير أب. وقد وردت مريم ﵍ فى القرآن الكريم فى السور المكية والمدنية على السواء.
أ) نعم اللَّه على مريم ﵍ ومنزلتها: البشارة
وفى سورة المؤمنون المكية آية ٥٠ ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ﴾ إشارة إلى البشارة وأكدتها آيات أخرى، ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ سورة مريم آية: ٢٠، ووردت البشارة فى موضع آخر فى سورة التحريم المدنية، آية ١٢ ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾.
كما وردت فى موضع ثالث فى سورة آل عمران آيات ٤٢ - ٥١.
стр. 9162
ب) منزلة مريم ﵍ الدينية
يؤكد القرآن الكريم رفض الإسلام الاعتقاد بألوهية المسيح وأمه مريم ﵉، كما ورد فى سورة المائدة "آية ٧٥" ويحذر القرآن الكريم أهل الكتاب من الكذب على اللَّه وادعاء غير الحقيقة والقول بالتثليث، كما ورد فى سورة النساء آية ١٧١، وكذلك سورة المائدة آية ١١٦، التى يتبرأ فيها عيسى ابن مريم ﵇ من الادعاء بأنه ابن اللَّه أو هو اللَّه، وإنما أبلغ الرسالة كما أمره اللَّه تعالى، وعليه، فإن مريم ﵍ تحتل منزلة كريمة فى الإسلام، ولكنها لا تصل إلى حد التقديس والعبادة.
قصة مريم وعيسى ﵉
فى القرآن الكريم ترد قصة ميلاد المسيح عيسى ابن مريم ﵇ فى سورتى مريم وسورة آل عمران.
تفتتح سورة مريم بقصة النبيين زكريا ويحيى ﵉، وتليها قصة مريم وعيسى ﵉. أما سورة آل عمران فتشمل.
١) ميلاد مريم ﵍ .
٢) البشارة بيحيى ﵇.
٣) البشارة بعيسى ﵇.
١ - ميلاد مريم ﵍:
ومريم هى ابنة عمران وأخت هارون (وعمران وهارون يختلفان عن موسى ﵇ وأخيه). ولم يذكر اسم امرأة عمران جدة المسيح فى القرآن الكريم، وإن ذكر أن اسمها "حنة" فى المصادر المسيحية عند الاخباريين، وقد أورد الاخباريون فقط نسبها كما يلى:
فاقوذ
|
أشياع (اليصابات) امرأة زكريا ﵇ ... حنة امرأة عمران
|
يحيى ﵇ ... مريم ﵍
|
. . . ... عيسى عليه السلام
стр. 9163
كان عمران وحنة عاقرين. وفى أحد الأيام، رأت حنة طائرًا على شجرة يطعم صغاره مما أثار حنينها للولد. ودعت اللَّه إن استجاب لها فلتنذر ما فى بطنها للَّه.
وغفلت أن يكون ما فى أحشائها أنثى، والشريعة اليهودية لا تجيز أن تعمل الأنثى فى المعبد، إلا أنها دعت اللَّه أن يتقبلها ويعيذها من الشيطان الرجيم وسمتها مريم أى "العابدة".
تربت مريم ﵍ فى محراب بالمعبد بعناية اللَّه وكفالة زكريا ﵇ -حيث توفى عمران قبل ميلادها وفقًا للمصادر الإسلامية غير القرآنية- بوصفه زوج خالتها، إلا أن الأحبار لم يعترفوا بهذه الكفالة إلا بعد أن احتكموا للَّه بإلقاء أقلامهم فى النهر حيث غاصت جميعها إلا قلم زكريا ﵇ الذى طاف على المياه فاستحق كفالتها. وكلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقًا من عند اللَّه.
وأوردت المصادر الإسلامية غير القرآنية عن شخص يدعى جريج كان يعمل نجارًا وتقدم لخطبة مريم ﵍، وكان أول من انتبه إلى حملها وآمن بالمعجزة الألهية.
٢ - بشارة عيسى ﵇:
تعد القصة التى وردت فى سورة مريم أكثر تفصيلًا من غيرها وفيها أنها انتبذت من أهلها مكانا شرقيًا واتخذت من دونهم حجابًا، والمفسرون لم يحددوا مفهوم المكان الشرقى إن كان المقصود به شرق بيت المقدس أو الجانب الشرقى من بيتها الذى كانت تعتزل فيه الناس لتتعبد، وتشير المصادر الإسلامية إلى أن المخاض جاءها إلى جذع النخلة وأن جبريل ﵇ ناداها من تحتها ألا تخاف وألا تحزن وأن تهز إليها بجذع النخلة وتأكل الرطب الساقط وأن تصوم عن الكلام نذرًا للَّه تعالى وقد حدث كل ذلك أثناء هجرتهم إلى مصر وفقًا للمصادر المسيحية.
ويرى المفسرون المسلمون أن امتناع مريم ﵍ عن الكلام سببه تجنب الأسئلة الملحة وهو أمر لم يرد عند النصارى، وإن تردد عند البعض منهم أن مريم ﵍ كانت فى السادسة عشرة من عمرها عندئذ.
стр. 9164
وأنها اختبأت من بنى إسرائيل فى كهف أربعين يومًا. وتواصل الآيات الكريمة سرد القصة بأن مريم ﵍ أتت به قومها تحمله وتعجبوا ظنًا أن تكون قد جاءت شيئًا فريا، فأشارت إليه أن يكلمهم فتكلم الطفل لتتحقق المعجزة. كما أورد القرآن الكريم افتراء اليهود على مريم ﵍ فى سورة النساء آية ١٥٦ ولكن لم ترد فى القرآن الكريم الهجرة إلى مصر، ما لم يكن المقصود من الربوة ذات القرار والمعين الواردة فى سورة "المؤمنون" آية ٥٠ أن تكون مصر. ووفقًا للمصادر الإسلامية غير القرآنية فقد عادت الأسرة إلى الناصرة بعد غياب اثنى عشر عامًا وعقب موت هيرودس.
وتحتل السيدة مريم ﵍ مكانة خاصة عند المسلمين باعتبارها المصطفاة على نساء العالمين حسب نص القرآن الكريم سورة آل عمران آية ٤٢.
المصادر:
(١) الطبرى: تاريخ الأمم والملوك، الجزء الأول.
(٢) الطبرى: "التفسير" الجزء ٣.
(٣) الكسائى: قصص الأنبياء، طبعة Eisnberg.
(٤) الثعلبى: عرائس المجالس، القاهرة ١٢٩٠ هـ.
بالإضافة إلى آيات القرآن الكريم والمصادر الإسلامية المختلفة والمصادر النصرانية المختلفة.
وائل البشير [فنسنك (وجونستون A.J.Wensinck, Peneloue Johnstone]
المزدلفة
مكان يقع فى منتصف الطريق تقريبًا بين "منى" وعرفات، حيث يقضى الحجاج العائدون من عرفات الليل ما بين التاسع والعاشر من ذى الحجة بعد أداء صلاتى المغرب والعشاء. وفى الصباح التالى ينهضون قبل شروق الشمس ويصعدون عبر وادى محسِّر إلى "منى" -وهناك أسماء أخرى لهذا المكان هى "المشعر الحرام" (سورة البقرة الآية ١٩٨) وأيضا "جمع وهناك رواية أخرى تقول إن جمع تشمل المنطقة الممتدة بين
стр. 9165
عرفات ومنى"، كلها ومن ثم يكون يوم الجمع هو يوم عرفات، وأيام الجمع هى أيام منى، والشعائر التى تتصل بليلة المزدلفة ترجع إلى الفترة الوثنية القديمة، والتى يعترف بها العرب أنفسهم عندما يجعلون "قُصّى" تشعل النار المقدسة فى هذه الليلة، ويقولون إن إرشاد الحجيج وهم يرحلون إلى منى إنما هو امتياز لأسرة أدوان Adwen (*) والمكان المقدس فى المزدلفة هو تل قزح -وحتى بعد أن أعلن محمد [ ﷺ ]- مناقضًا عن عمد ما كان يمارسه الوثنيون- أن المزدلفة كلها "موقف ظل هذا التل يحتفظ بقدسيته القديمة ويقول "الأزرقى" إنه كان هناك برج متين مستدير فوق هذا التل، كانت تشتعل عليه نيران المزدلفة، وقد كانت النيران تشعل بالخشب فى عهد هارون الرشيد وبعد ذلك أصبحت تضاء بالشموع - وفى العصر الإسلامى تم تشييد مسجد محمد [ ﷺ ] على بعد أربعمائة متر من البرج، والأزرقى يقدم وصفا تفصيليا له، على حين يتحدث المقدسى عن مكان للصلاة ونافورة عامة ومئذنة ويذكر بيرتون أيضا برجا عاليا منعزلا فى المزدلفة، ولكن الإنارة فى ليلة المزدلفة تتم فوق المسجد.
المصادر
(١) الطبرى: تاريخ الرسل والملوك تحقيق De Goeje ليدن ١٨٧٩ - ١٩٠١ م.
(٢) الأزرقى، تاريخ مكة.
(٣) Burton: Personal Narrahue of a Pilgrimage to el Medinah and Meccah
وقد ترجمت هذه الرحلة كاملة للعربية - نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب.
بهجت عبد الفتاح [ف. بوهل F. Buhl]
المساحة، علم
علم المساحة: اسم يطلقه العرب على العلم المختص بالقياس وبالهندستين
стр. 9166
المستوية والفراغية؛ وهو بمعناه الواسع يشمل قياس كل ما يمكن أو يلزم قياسه، وبصفة خاصة الأطوال والمساحات والحجوم والأوزان والأعداد، ومن ثم فهو يختلف عن الجيوديسيا Geodesy (دراسة شكل الأرض وقياس سطحها) التى تناولها العرب فى كتابات مستقلة.
والتعاريف التى وضعها المسلمون لعلم المساحة تتباين كثيرا؛ فمنها ما هو واسع مثل تعريف العُماوى "قياس يعتمد على تقدير كمية مجهولة بمقارنتها بكمية معلومة بوحدات معينة"، وإن كانت أغلب التعاريف تحصر معناه فى قياس الأطوال والمساحات والحجوم. ونجد الرسائل المختصة بالهندسة تتوالى طوال الفترة التى قام فيها المسلمون بدور ناقلى الثقافة القديمة (من بداية القرن التاسع إلى أفول نجم الرياضيات العربية حوالى عام ١٦٠٠ م). وكان الغرض من هذه الأعمال تزويد المعماريين والجنود والمساحين بالوسائل المناسبة والأرضية النظرية لأعمالهم. ويمكن تمييز ثلاث مجموعات من هذه الرسائل تبعا للأساليب التى تتبعها فى المعالجة: -
أ- رسائل شبيهة إلى حد كبير بما لدينا من قوانين رياضية، وهى مختصرة بقدر الإمكان، وتوضح طريقة الحساب دون تقديم أمثلة (ومن أمثلتها رسالة ابن البنا).
ب- رسائل تشتمل على أمثلة محلولة بالكامل (ومن أمثلتها رسالة البغدادى).
جـ- رسائل تشتمل فقط على سلاسل من المسائل المحلولة بالكامل، وهى عبارة عن ضرب من كراسات التمارين (ومن أمثلتها رسالة أبى بكر).
وفيما يتعلق بطريقة العرض فى تلك الأعمال لا يسعنا الحديث عن قوانين رياضية بالمعنى المعروف الآن، إذ لم تُعْرَف صياغة القوانين الرياضية بهذا الأسلوب إلا فى عصر متأخر وبين العرب المغاربة، بل وربما كان ذلك فى مجال الجبر فقط، فقواعد حساب المساحات كانت تكتب بالكلمات بما فى ذلك أحيانا الأشكال الواردة بالنص.
стр. 9167
وكانت الأعمال المختصة بعلم المساحة -خصوصا الكبيرة منها- تشتمل على ما يلى: -
أولا: مدخل الكتاب؛ ويشمل التعريف بالعلم وشرح وتصنيف الأشكال الهندسية والتعريف بالوحدات المستخدمة فى القياس. ثانيا: قواعد الحساب للسطوح المستوية كالأشكال الرباعية (المربع والمستطيل ومتوازى الأضلاع. . إلخ)، والمثلثات بأنواعها وعديدات الأضلاع، والدائرة وأجزائها، وكذلك الأجسام الفراغية (كالمنشور والإسطوانة)، والأجسام الهرمية والمخاريط، والكرة وأجزائها، وغير ذلك من الأجسام المنتظمة وشبه المنتظمة.
ثالثا: أمثلة عملية؛ وهذه كانت بصفة عامة نادرة الورود فى الأعمال الخاصة بالمساحة، وكثيرا ما نجد تمارين على تقسيم الحقول مصاغة على نمط أعمال إقليدس وهيرو، ولسفاسوردا (مساح يهودى) تمارين على تقسيم الحقول الواقعة على المنحدرات، وعلى القمم والارتفاعات والأجسام المجوفة، وللحنبلى بعض التمارين الخاصة بالمواضع غير الميسور قياسها كقاع البئر وعرض النهر. ومن المسائل الأخرى المطروقة حساب مقدار الأحجار أو الطوب اللازم لبناء منزل أو سقف وتحديد ارتفاع حائط.
ومن هذه الأعمال ما يُعَدُّ مرجعا شاملا كأعمال الحنبلى والكاشى، ومنها ما هو مختصر للغاية حتى أنه غالبا ما يتناول جوانب فقط من الموضوع. وطرق حساب الحجوم هى نفسها ما نجده عند الإغريق والمصريين، وفى الحالات التى لا يكون فيها الأمر كذلك تكون طرق الحساب مستنبطة بطريقة استقرائية وتجريبية؛ فللكرخى مثلا طريقة لحساب حجم الكرة استنبطها من مقارنة وزن مكعب من الشمع بوزن كرة منه صنعت من هذا المكعب وقطرها مساو لطول ضلعه. ومن الجلى أن مثل هذه الطرق لابد وأن تؤدى إلى نتائج تقريبية وقوانين قائمة على التقريب، وتلك هى طبيعة الهندسة العملية.
стр. 9168
وسبب بقاء هذه القواعد (العملية) طويلا أنها تفى بحاجات المستخدمين العمليين الذين كانوا بحاجة إلى قيم سهلة الحساب لا دقة رياضية فائقة. ولأسباب مشابهة -وتمشيا مع الممارسات التقليدية- لم تكن كل الأعمال المختصة بالمساحة تقريبًا تقدم أية براهين هندسية علمية على درجات دقة القوانين التى تستخدمها.
ومن الاتجاهات التى ارتبطت بالمؤلفين العرب أيضا إعطاء مجموعة من الصيغ الرياضية التى تتفق تماما من حيث الجوهر فى صورها الرياضية المختلفة؛ إذ نجد مثلا فى المخطوط رقم ٥٩٥٤ بمتحف برلين طريقة لحساب وتر المثلث قائم الزاوية باربع صيغ مختلفة. ولعل السبب وراء ذلك توفير الخيارات المختلفة لينتقى منها المستخدم العملى ما يناسب الحالة التى تعن له،
ويمكن التماس أصول الهندسة العربية فى مؤلفات الأغريق والهنود؛ فالقواعد -من حيث الشكل والجوهر- تكاد تكون إغريقية تماما، خصوصا لدى قدامى المؤلفين. ويبدو أن إنجازات "هيرو" الباهرة -والتى ترجع بدورها لأصول مصرية- كانت النموذج المحتذى للمؤلفات العربية فى علم الهندسة، أما الهنود فتعود إليهم النسبة ط (II) واستخدام الصيغة: م = مضروب أطوال الأضلاع فى حساب مساحة الرباعى المرسوم داخل دائرة.
وفضل العرب فى علم الهندسة لا يتمثل فى التوصل إلى حقائق جديدة -برغم ما نجده فى مؤلفات علم المساحة من قواعد مستحدثة- بقدر ما يتمثل فى إثراء هذا العلم بطرق حساب وطرق تدريس جديدة، ويتمثل كذلك وبصفة خاصة فيما قام به العرب من صيانة تراث القدماء وتسليمه إلى العالم الغربى.
المصادر:
(١) Zahir al-Din Muhammed Babur: Baburnama, Leiden and London ١٩٠٥
(٢) I Fran Habib: The agrarian system of mughal India, Bombay ١٩٦٣
على يوسف على [بيرتون J. Burton] [بيج وأندروز Page & P. A. Andrews]
стр. 9169
مساحة
مساحة، قياس الأسطح المستوية، وفى اللغة الحديثة تعنى أيضا مسح الأراضى وتقنية مسح الاراضى وفى هذا المقام سنتناول قياس الأطوال والمساحات بالنسبة لوحدات الحجوم والأوزان، انظر مكاييل، موازين. وبالنسبة لتقنية مسح الأراضى، انظر مساحة، علم المساحة.
فى البلدان الإسلامية الوسطى كانت وحدات الأطوال والمساحات قبل العصر الحديث متعددة بطريقة مربكة وغالبا ما كانت الوحدة نفسها تستخدم بقيم مختلفة بين مكان وآخر أما الموازين والمكاييل فنظرا لدخولها فى المعاملات التجارية اليومية كانت مقاييسها أكثر دقة وتخضع للرقابة سواء من الحكومة أو المحتسب. أما الأطوال والمساحات فكانت تهم بدرجة أكبر موظفى المساحة الذين يحصرون الأراضى والمحاصيل لتقدير الضرائب والخراج.
(أ) وكانت الوحدات الأولية لقياس الأطوال تعتمد، كما فى الكثير من الحضارات الأخرى، على مقاييس جسم الإنسان فهناك الإصبع، وهو عرض العقلة الوسطى فى الاصبع الأوسط ويساوى جزءًا من ٢٤ من الذراع، والقبضة، والشبر، الباع أو القامة، وهو طول الذراعين ممتدين، وقد اعتبرا مساويين لأربعة أذرع. وهناك أيضا القصبة، بقيمة تتراوح بين خمسة أذرع وثمانية، ولكنها فى المتوسط تساوى أربعة أمتار. وفى بلدان فارس، كان الـ جاز معادلا للذراع فى البلدان العربية. وفى القرن السابع عشر وضع الـ جاز الشاهانى ليساوى ٩٥ سم تقريبًا، وفى عام ١٩٢٦ وبعد تولى الشاه رضا بهلوى الحكم، قربه إلى المتر، ثم ما لبثت إيران أن أخذت بالنظام المترى، وإن ظلت الوحدات القديمة مستخدمة بين العامة.
(ب) وكانت الوحدة الأساسية للمساحة فى العصور الإسلامية القديمة هى الـ جارب، ولما كان يعد أيضا وحدة للمكاييل، للحبوب وما شابه تساوى أربعة قفيز، أخذ الجارب مقياسا لمساحة تكفى لبذر جارب من القمح. وقد اختلفت قيمة الجارب،
стр. 9170
ورسميا كانت تساوى مائة قصبة، أو ١٦٠٠ مترا تقريبًا. وفى فارس كانت هذه القيمة تسمى الجارب الصغير، أما الجارب الكبير فكان يساوى ٥٨٣٧ مترا مربعا. وفى القرن الحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى قلت قيمة الجارب إلى ٩٥٨ مترا مربعا فى إيران ومنذ ١٩٢٦ أصبح مساويا للهكتار، ولكنه ظل فى المعاملات المحلية يتراوح بين ٤٠٠ و ١٤٥٠ مترا مربعا، بحسب الممارسات الزراعية، فالجارب للأراضى المروية يقل عنه للأراضى الجافة.
أما الوحدة الأساسية فى مصر فهى الفدان، قدره القلقشندى فى القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى بـ ٤٠٠ قصبة، أى ٦٣٦٨ مترا مربعا. ومنذ ١٨٣٠ أصبحت قيمته ٤٢٠٠.٨٣٣ مترا مربعا، بعد أن انخفضت نسبة الفدان إلى الأكر acre الانجليزى.
وفى تركيا فى عهد العثمانيين، والعراق وسوريا وفلسطين، كانت الوحدة الأساسية هى الدونم، وكانت فى الأصل هى المساحة التى تحرث فى يوم واحد. وكانت تساوى فى تركيا ٩٣٩ مترا مربعا (أى زهاء ١٠٠ ياردة مربعة) ولكن القيمة الحديثة له منذ القرن التاسع عشر صارت تساوى هكتارا، ثم أدخلت الوحدات المترية فى تركيا رسميا منذ ١٩٣٤. والدونم فى سوريا وفلسطين يساوى حاليا ١٠٠٠ مترا مربعا، أى ٢٤٧، أكرا. أما فى العراق فهو ٢٥٠٠ مترا مربعا، رغم إدخال المقاييس المترية منذ ١٩٣١. وفى كافة الأحوال، ظلت المقاييس التقليدية مستخدمة فى هذه البلدان على المستوى الشعبى بجانب المقاييس المترية.
على يوسف [بوسورث C. E. Bosworth]
٢ - فى بلاد الهند الإسلامية:
(أ) وحدات الأطوال: ترد الأيام فى أقاصيص الرحالة كمقياس للمسافة، فيقال أن مدينة كذا تقع على بعد كذا يوم من مدينة كذا، وهو مقياس لا تغفل قيمته العملية للمسافرين، وهو لا يزال مطبقا للآن فى السفر خلال الجبال. وهناك رحالة آخرون، كالبيرونى، يقدرون المسافة بالـ فرسخ، ولكن تقديرات البيرونى فى هذا الصدد لا يعتد
стр. 9171
بها. ويستخدم أحيانا هو وآخرون وحدة الـ ميل العربى، وهو ما يبعث على البلبلة حيث قد يأتى كمرادنى وقد أصبح الميل فى الهند هو الميل الانجليزى.
والوحدة التى ضللت البيرونى هى اليوجانا yodjana, وهى تعادل أربعة أمثال مدى سماع حوار البقرة وهذا المسمى نادرا ما يرد فى كتابات المسلمين الذين استخدموا اسما بديلا هو الـ krosa، الذى تحول إلى kos " كوس" أساسية للاطوال، وتتخذ قيما متباينة فى الأماكن والأزمنة المختلفة، فعرف الباكاكوس (الكوس الكبير) والكاكاكوس (الكوس الصغير). وقد دخلت وحدات أخرى فى عهد المغول، كان تغيرها يجرى بمعدلات سريعة يصعب تتبعها.
وجدير بالذكر أن الذراع أحيانا ما يستخدم فى كتابات المسلمين الهنود ولكن بقدر كبير من عدم الدقة، إما للتعبير عن الـ جاز، أو الـ hath، وهو المسافة بين الكوع وطرف الإصبع الأوسط، وأحيانا ما يستخدم كوحدة لقياس الأقمشة، ولكن كان الجاز هو الأكثر شيوعا فى هذا المجال ويأتى على هيئة قضيب مقسم لأربعة أقسام.
(ب) وحدات المساحات كانت الوحدة الغالبة لقياس مساحات الأراضى هى الـ bigha وتقسم إلى عشرين جزءا، يسمى كل جزء biswa. وهذه الوحدات أيضا تتفاوت قيمتها بقدر كبير من مكان لمكان. تقدر الـ biswa بـ ١٣١.٣٣ ياردة مربعة أو ١٠٩.٨ مترا مربعا. وقد وجدت كذلك وحدة تسمى biswhnsa تساوى جزءا من عشرين جزء.
٣) وأخيرا، فإن كلمة مساحة استخدمت أيضا كلفظ تقنى يتجاوز مفهوم مسح الاراضى المجرد ليحمل معنى ضريبة الأراضى محسوبة على ما يبدو على النمط البيزنطى، على أساس المسطح المزروع من الأرض أو النمط الساسانى على أساس طبيعة أو نظام الرى وكذا، بصفة عامة ما تدره من محصول.
المصادر:
(١) J.B. Tavernier: les six voyages Paris, ١٩٨٢
стр. 9172
(٢) ظهر الدين بابور، بابل نامه، ليدن، ٢٩٠٥.
على يوسف [بيرتون - وبيج J.Burton - Page P.A. Andrews]
مسقط
تقع مدينة مسقط على خط عرض ٢٣.٢٨ شمالًا وخط طول ٥٨.٣٦ شرقًا، وهى ميناء على خليج عمان، وكانت -منذ القرن الثامن عشر- فى الغالب الأعم هى عاصمة سلطنة مسقط وعمان التى سميت منذ ١٩٧٠ م سلطنة عمان، وتكتبها المصادر العمانية أحيانا مسكة بالتاء المربوطة. وتشغل المدينة مساحة محدودة حيث تمنع الجبال التى تصل حتى مياه الخليج فى كثير من المواضع امتدادها وعند الطرف الغربى لهذه المساحة المحصورة بين البحر والجبل توجد بقايا القلعة التى كان البرتغاليون قد أنشأوها وتعرف بقلعة ميرانى، وثمة حصن كان البرتغاليون قد أنشاوه أيضًا -هو حصن الجلالى- يقع على واحدة من الجزيرتين الصغيرتين القريبتين من الشاطئ، والسهل الضيق الذى تقع عليه المدينة حصوى. وكان الوصول لمسقط حتى الأزمنة الحديثة شاقا من ناحية البر لذا فقد كان الوصول إليها غالبا عن طريق البحر. ومن الناحية العملية فإن مسقط مجرد جيب لسهل باطنة الساحلى، ومن ثم فإن ميناء مَطْرَح القريب من مسقط هو الأكثر استخداما ومع هذا فإن مسقط هى الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية بسبب موانعها الجبلية وتحصيناتها رغم نسبة الرطوبة العالية بها، وحرارتها الشديدة لتطويق الجبال لها من أكثر من ناحية ومساحتها الضيقة.
المصادر:
(١) D. G. Hogarth: The penetration of Arabia, New York ١٩٠٤
(٢) W. D. Peyton: Old Oman, ١٩٨٣
سامية السيد أحمد [ولكنسون J. C. Wilkinson]
стр. 9173
مسواك
المسواك تشير إلى فرشاة الأسنان بالإضافة إلى أنها تستعمل لتخليل الأسنان، والمسواك أداة لتنظيف الأسنان، ويطلق عليه أيضًا "سواك"، ولم ترد أى من الكلمتين فى القرآن الكريم. وهذه الأداة عبارة عن قطعة من الخشب، مهشم أحد أطرافها لتكون أشبه بالفرشاة.
ولم تستخدم السنة لفظ المسواك، على خلاف كلمة السواك التى استخدمتها مرارًا. وقد روى فى الحديث أن النبى محمدًا [ ﷺ ] استقبل أحد زائريه، وهو محتفظ بمسواكه فى فمه. وتبين الأحاديث أهمية السواك، فقد كان أول عمل يفعله رسول اللَّه عند دخوله منزله هو التوجه له. وقد شاع عن ابن مسعود اسم "صاحب السواك" لاهتمامه بمسواك رسول اللَّه [ ﷺ ]. كما كان الرسول [ ﷺ ] يستخدم السواك قبل الغسل، وعند أداء العبادة ومع الصيام.
ويستخدم السواك أساسًا قبل الوضوء استعدادًا للصلاة، وقد كان ذلك عادة للنبى محمد [ ﷺ ] الذى أولاه عناية فائقة، حيث قال: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. وكما قد قيل فى حديث آخر، بأن اعتبار السواك ضرورى عند كل صلاة، منشؤه وجوب الوضوء قبل كل صلاة. وفى حديث آخر، فقد جعل السواك واجبًا قبل صلاة الجمعة ومما يعطى السواك قدرًا متميزًا اعتباره من أعمال "الفطرة". أو لسنة الرسول وتوجيهاته.
وهناك اتفاق على عدم فرض السواك، بل هو مندوب، وقد ذهب الظاهرية إلى أنه واجب قبل الصلاة، كما تدل عليه ظواهر بعض الأحاديث، لكن جمهور الفقهاء ينازع فى ذلك، ويرى أنه مندوب خاصة فى خمس حالات: عند الصلاة، وعند قراءة القرآن، وبعد النوم، وبعد غلق الفم مدة طويلة، وإذا فقد الفم نظافته لأى سبب.
ويرى الشافعى أن استخدام السواك مكروه فى حالة الصيام فى الفترة من الظهر إلى المغرب، حيث إن خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه.
ويندب أن يكون السواك من خشب الأراك، ليس بالصلب ولا بالطرى، وأن
стр. 9174
يشمل السواك اللثة مع الأسنان، بدءًا بالجانب الأيمن، ومن أعلى إلى أسفل، على النحو الذى لا يلحق ضررًا.
المصادر:
(١) فنسنك: معجم كنوز السنة.
(٢) كتب الأحاديث الستة الصِّحَاح.
على يوسف [فنسك J. Wensinck]
مشربية
اسم فن خرط الخشب لانتاج سواتر خشبية (قواطيع) مثل الشِبَاك. مثل تلك التى كانت تزين النوافذ فى العمارة الإسلامية فى الماضى. وفى مصر اشتق هذا المصطلح من العربية "شرب" (يشرب)، وقد أيد إدوارد وليام لين العلاقة بين المشربية والشرب فى القرن الماضى. حيث وصف "المشربة" بأنها دخلة من ضمن هذه النوافذ المصنوعة من الخرط تستعمل لحفظ القلل باردة منعشة للشرب. وتأكد هذا المعنى من وثائق الوقف والتى منذ القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) تشير إلى مثل هذه الدخلات بالمشربة ولفن خشب الخرط بالمشربية. ويقال إن محمد على قد منع استخدام نوافذ "المشربية" لإحلال العمارة الأوروبية محل التقليدية.
المشربية فن تنفرد به مدينة القاهرة دون سواها حيث استخدمت عدة أنماط وتجميعات كتلك التى يعرضها المتحف الإسلامى بالقاهرة بالإضافة إلى بقايا بعض المنازل من العصر العثمانى. وكان لكل أسلوب من المشربية اسم خاص مثل "النجومى" (مثل النجوم)، "الساقية" (مثل الساقية) و"المثلث" و"صليبى فاضى"، "صليبى مليان"، "كنايس قبطى"، "كنايس فاضى"، "عين الكتكوت"، "ميمونى مدَّور"، "ميمونى نجومى" و"معكوس". قاطوع أو ساتر أو حجاب المشربية يتكون من قطع صغيرة من الخشب المخروط بأشكال متعددة مثبتة فى بعضها البعض بالتعشيق بدون مسامير أو غراء وهى بذلك تعطى الساتر مرونة تتماشى مع مرونة الخشب عند تغير درجة الحرارة، ويمكن الحصول على
стр. 9175
تصميمات هندسية بالغة التعقيد والتنوع من خلال مجموعة من قطع الخشب، والنتيجة حجاب (ساتر) شفاف رائع الزُّخرف بسبب تنوع الأشكال وكثافتها الناتجة عن تجميع قطع عديدة متنوعة الشكل من الخشب مع بعضها. ويسمح الساتر (الحجاب) بمرور الضوء وأشعة الشمس بطريقة رائعة وفى نفس الوقت يسمح لمن بالداخل الاطلاع على الخارج بدون أن يراه الخارج. كان لهذا الفن أثر كبير على نظام الفتحات حيث أعطى الفرصة لتصميم حائط كامل من خشب الخرط يقدم للسكان بانوراما زخرفية وفى نفس الوقت يسمح بدخول الهواء المنعش ويمكن أن تحتوى المشربية على الزجاج مضافًا إليها كذلك الستائر لزيادة فى الحماية. ويمكن صنع نوافذ المشربية من خشب مطلى بألوان عديدة أو بلون الخشب الطبيعى بدون ألوان. وعلى هذا فقد تميزت واجهات مبانى القاهرة فى القرن التاسع عشر بنوافذ المشربيات البارزة والتى كانت تكاد تلامس بعضها البعض من كلا الجانبين فى الحارات الضيقة كما شاهدها الرسامون الشرقيون وفى الصور الفوتوغرافية المبكرة.
ومن الناحية التاريخية يبدو أن الخشب الخرط قد استعمل فى وحدات معمارية أخرى قبل استعماله فى الشبابيك وتشير حجج الأوقاف إلى استخدامه فى مواضع أخرى وفى حجج نقل الملكية فى أواخر العصر المملوكى (أول القرن العاشر الهجرى - السادس عشر الميلادى) ورد ذكر الخشب الخرط فى النوافذ بشكل متناثر، ويشار إليها بالخشب الخرط (خشب خرط) وأحيانًا بـ "شُغل الخرّاط" تمييزًا له عن "شُغل النجّار" بينما يخبرنا لين أنه فى أيامه أن بيوت الأغنياء تختلف عن بيوت الفقراء بكبر مساحات أحجبة المشربية (الخرط)، وفى العصر المملوكى كانت بيوت الأغنياء ذات شبابيك بمصبعات حديدية أو برونزية مذهبة تحاكى شبابيك القصور السلطانية بالقلعة؛ بينما الشبابيك العادية الشائعة كانت من الخشب وقد كتب المقريزى يرثى قصر قشتمر قائلًا بأن رخامه قد استبدل