بها. ويستخدم أحيانا هو وآخرون وحدة الـ ميل العربى، وهو ما يبعث على البلبلة حيث قد يأتى كمرادنى وقد أصبح الميل فى الهند هو الميل الانجليزى.
والوحدة التى ضللت البيرونى هى اليوجانا yodjana, وهى تعادل أربعة أمثال مدى سماع حوار البقرة وهذا المسمى نادرا ما يرد فى كتابات المسلمين الذين استخدموا اسما بديلا هو الـ krosa، الذى تحول إلى kos " كوس" أساسية للاطوال، وتتخذ قيما متباينة فى الأماكن والأزمنة المختلفة، فعرف الباكاكوس (الكوس الكبير) والكاكاكوس (الكوس الصغير). وقد دخلت وحدات أخرى فى عهد المغول، كان تغيرها يجرى بمعدلات سريعة يصعب تتبعها.
وجدير بالذكر أن الذراع أحيانا ما يستخدم فى كتابات المسلمين الهنود ولكن بقدر كبير من عدم الدقة، إما للتعبير عن الـ جاز، أو الـ hath، وهو المسافة بين الكوع وطرف الإصبع الأوسط، وأحيانا ما يستخدم كوحدة لقياس الأقمشة، ولكن كان الجاز هو الأكثر شيوعا فى هذا المجال ويأتى على هيئة قضيب مقسم لأربعة أقسام.
(ب) وحدات المساحات كانت الوحدة الغالبة لقياس مساحات الأراضى هى الـ bigha وتقسم إلى عشرين جزءا، يسمى كل جزء biswa. وهذه الوحدات أيضا تتفاوت قيمتها بقدر كبير من مكان لمكان. تقدر الـ biswa بـ ١٣١.٣٣ ياردة مربعة أو ١٠٩.٨ مترا مربعا. وقد وجدت كذلك وحدة تسمى biswhnsa تساوى جزءا من عشرين جزء.
٣) وأخيرا، فإن كلمة مساحة استخدمت أيضا كلفظ تقنى يتجاوز مفهوم مسح الاراضى المجرد ليحمل معنى ضريبة الأراضى محسوبة على ما يبدو على النمط البيزنطى، على أساس المسطح المزروع من الأرض أو النمط الساسانى على أساس طبيعة أو نظام الرى وكذا، بصفة عامة ما تدره من محصول.
المصادر:
(١) J.B. Tavernier: les six voyages Paris, ١٩٨٢
стр. 9172
(٢) ظهر الدين بابور، بابل نامه، ليدن، ٢٩٠٥.
على يوسف [بيرتون - وبيج J.Burton - Page P.A. Andrews]
مسقط
تقع مدينة مسقط على خط عرض ٢٣.٢٨ شمالًا وخط طول ٥٨.٣٦ شرقًا، وهى ميناء على خليج عمان، وكانت -منذ القرن الثامن عشر- فى الغالب الأعم هى عاصمة سلطنة مسقط وعمان التى سميت منذ ١٩٧٠ م سلطنة عمان، وتكتبها المصادر العمانية أحيانا مسكة بالتاء المربوطة. وتشغل المدينة مساحة محدودة حيث تمنع الجبال التى تصل حتى مياه الخليج فى كثير من المواضع امتدادها وعند الطرف الغربى لهذه المساحة المحصورة بين البحر والجبل توجد بقايا القلعة التى كان البرتغاليون قد أنشأوها وتعرف بقلعة ميرانى، وثمة حصن كان البرتغاليون قد أنشاوه أيضًا -هو حصن الجلالى- يقع على واحدة من الجزيرتين الصغيرتين القريبتين من الشاطئ، والسهل الضيق الذى تقع عليه المدينة حصوى. وكان الوصول لمسقط حتى الأزمنة الحديثة شاقا من ناحية البر لذا فقد كان الوصول إليها غالبا عن طريق البحر. ومن الناحية العملية فإن مسقط مجرد جيب لسهل باطنة الساحلى، ومن ثم فإن ميناء مَطْرَح القريب من مسقط هو الأكثر استخداما ومع هذا فإن مسقط هى الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية بسبب موانعها الجبلية وتحصيناتها رغم نسبة الرطوبة العالية بها، وحرارتها الشديدة لتطويق الجبال لها من أكثر من ناحية ومساحتها الضيقة.
المصادر:
(١) D. G. Hogarth: The penetration of Arabia, New York ١٩٠٤
(٢) W. D. Peyton: Old Oman, ١٩٨٣
سامية السيد أحمد [ولكنسون J. C. Wilkinson]
стр. 9173
مسواك
المسواك تشير إلى فرشاة الأسنان بالإضافة إلى أنها تستعمل لتخليل الأسنان، والمسواك أداة لتنظيف الأسنان، ويطلق عليه أيضًا "سواك"، ولم ترد أى من الكلمتين فى القرآن الكريم. وهذه الأداة عبارة عن قطعة من الخشب، مهشم أحد أطرافها لتكون أشبه بالفرشاة.
ولم تستخدم السنة لفظ المسواك، على خلاف كلمة السواك التى استخدمتها مرارًا. وقد روى فى الحديث أن النبى محمدًا [ ﷺ ] استقبل أحد زائريه، وهو محتفظ بمسواكه فى فمه. وتبين الأحاديث أهمية السواك، فقد كان أول عمل يفعله رسول اللَّه عند دخوله منزله هو التوجه له. وقد شاع عن ابن مسعود اسم "صاحب السواك" لاهتمامه بمسواك رسول اللَّه [ ﷺ ]. كما كان الرسول [ ﷺ ] يستخدم السواك قبل الغسل، وعند أداء العبادة ومع الصيام.
ويستخدم السواك أساسًا قبل الوضوء استعدادًا للصلاة، وقد كان ذلك عادة للنبى محمد [ ﷺ ] الذى أولاه عناية فائقة، حيث قال: لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة. وكما قد قيل فى حديث آخر، بأن اعتبار السواك ضرورى عند كل صلاة، منشؤه وجوب الوضوء قبل كل صلاة. وفى حديث آخر، فقد جعل السواك واجبًا قبل صلاة الجمعة ومما يعطى السواك قدرًا متميزًا اعتباره من أعمال "الفطرة". أو لسنة الرسول وتوجيهاته.
وهناك اتفاق على عدم فرض السواك، بل هو مندوب، وقد ذهب الظاهرية إلى أنه واجب قبل الصلاة، كما تدل عليه ظواهر بعض الأحاديث، لكن جمهور الفقهاء ينازع فى ذلك، ويرى أنه مندوب خاصة فى خمس حالات: عند الصلاة، وعند قراءة القرآن، وبعد النوم، وبعد غلق الفم مدة طويلة، وإذا فقد الفم نظافته لأى سبب.
ويرى الشافعى أن استخدام السواك مكروه فى حالة الصيام فى الفترة من الظهر إلى المغرب، حيث إن خلوف فم الصائم أطيب عند اللَّه.
ويندب أن يكون السواك من خشب الأراك، ليس بالصلب ولا بالطرى، وأن
стр. 9174
يشمل السواك اللثة مع الأسنان، بدءًا بالجانب الأيمن، ومن أعلى إلى أسفل، على النحو الذى لا يلحق ضررًا.
المصادر:
(١) فنسنك: معجم كنوز السنة.
(٢) كتب الأحاديث الستة الصِّحَاح.
على يوسف [فنسك J. Wensinck]
مشربية
اسم فن خرط الخشب لانتاج سواتر خشبية (قواطيع) مثل الشِبَاك. مثل تلك التى كانت تزين النوافذ فى العمارة الإسلامية فى الماضى. وفى مصر اشتق هذا المصطلح من العربية "شرب" (يشرب)، وقد أيد إدوارد وليام لين العلاقة بين المشربية والشرب فى القرن الماضى. حيث وصف "المشربة" بأنها دخلة من ضمن هذه النوافذ المصنوعة من الخرط تستعمل لحفظ القلل باردة منعشة للشرب. وتأكد هذا المعنى من وثائق الوقف والتى منذ القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) تشير إلى مثل هذه الدخلات بالمشربة ولفن خشب الخرط بالمشربية. ويقال إن محمد على قد منع استخدام نوافذ "المشربية" لإحلال العمارة الأوروبية محل التقليدية.
المشربية فن تنفرد به مدينة القاهرة دون سواها حيث استخدمت عدة أنماط وتجميعات كتلك التى يعرضها المتحف الإسلامى بالقاهرة بالإضافة إلى بقايا بعض المنازل من العصر العثمانى. وكان لكل أسلوب من المشربية اسم خاص مثل "النجومى" (مثل النجوم)، "الساقية" (مثل الساقية) و"المثلث" و"صليبى فاضى"، "صليبى مليان"، "كنايس قبطى"، "كنايس فاضى"، "عين الكتكوت"، "ميمونى مدَّور"، "ميمونى نجومى" و"معكوس". قاطوع أو ساتر أو حجاب المشربية يتكون من قطع صغيرة من الخشب المخروط بأشكال متعددة مثبتة فى بعضها البعض بالتعشيق بدون مسامير أو غراء وهى بذلك تعطى الساتر مرونة تتماشى مع مرونة الخشب عند تغير درجة الحرارة، ويمكن الحصول على
стр. 9175
تصميمات هندسية بالغة التعقيد والتنوع من خلال مجموعة من قطع الخشب، والنتيجة حجاب (ساتر) شفاف رائع الزُّخرف بسبب تنوع الأشكال وكثافتها الناتجة عن تجميع قطع عديدة متنوعة الشكل من الخشب مع بعضها. ويسمح الساتر (الحجاب) بمرور الضوء وأشعة الشمس بطريقة رائعة وفى نفس الوقت يسمح لمن بالداخل الاطلاع على الخارج بدون أن يراه الخارج. كان لهذا الفن أثر كبير على نظام الفتحات حيث أعطى الفرصة لتصميم حائط كامل من خشب الخرط يقدم للسكان بانوراما زخرفية وفى نفس الوقت يسمح بدخول الهواء المنعش ويمكن أن تحتوى المشربية على الزجاج مضافًا إليها كذلك الستائر لزيادة فى الحماية. ويمكن صنع نوافذ المشربية من خشب مطلى بألوان عديدة أو بلون الخشب الطبيعى بدون ألوان. وعلى هذا فقد تميزت واجهات مبانى القاهرة فى القرن التاسع عشر بنوافذ المشربيات البارزة والتى كانت تكاد تلامس بعضها البعض من كلا الجانبين فى الحارات الضيقة كما شاهدها الرسامون الشرقيون وفى الصور الفوتوغرافية المبكرة.
ومن الناحية التاريخية يبدو أن الخشب الخرط قد استعمل فى وحدات معمارية أخرى قبل استعماله فى الشبابيك وتشير حجج الأوقاف إلى استخدامه فى مواضع أخرى وفى حجج نقل الملكية فى أواخر العصر المملوكى (أول القرن العاشر الهجرى - السادس عشر الميلادى) ورد ذكر الخشب الخرط فى النوافذ بشكل متناثر، ويشار إليها بالخشب الخرط (خشب خرط) وأحيانًا بـ "شُغل الخرّاط" تمييزًا له عن "شُغل النجّار" بينما يخبرنا لين أنه فى أيامه أن بيوت الأغنياء تختلف عن بيوت الفقراء بكبر مساحات أحجبة المشربية (الخرط)، وفى العصر المملوكى كانت بيوت الأغنياء ذات شبابيك بمصبعات حديدية أو برونزية مذهبة تحاكى شبابيك القصور السلطانية بالقلعة؛ بينما الشبابيك العادية الشائعة كانت من الخشب وقد كتب المقريزى يرثى قصر قشتمر قائلًا بأن رخامه قد استبدل
стр. 9176
بالحجر وشبابيكه الحديد استبدلت بالخشب. وحجج الاستبدال المملوكية تشير إلى أن طريقة تصميم شبابيك المساكن كانت بنفس طريقة شبابيك المساجد فالشبابيك السفلية كانت مربعة واسعة مزينة بمصبعات حديدية أو برونزية بينما الشبابيك التى تعلوها كانت معقودة ومشغولة بالزجاج الملون المعشق. أما شبابيك البيوت العادية والشبابيك الغير مهمة فكانت من الخشب وبدون خرط. وهذا طبقا لحجج الأوقاف وأينما ذُكر هذا الفن فى حجج الأوقاف فإنه يشير عادة إلى الدرابزينات كتلك التى تزين المقعد (شرفة كبيرة) أو الشخشيخة الخشبية التى تعلو القسم الأوسط للقاعة أو صالة الاستقبال. وأيضا فى المساجد المملوكية المتأخرة. ويذكر خشب الخرط أيضا مقترنًا "بالمغانى" أو "الأغانى" والتى هى عبارة عن شرفتين متقابلتين عادة تطلان على القاعة من كلا الجانبين والذى تدل أسماءها على أنها كانت للمغنين والموسيقيين والذين كانوا يؤدون عملهم عادة خلف ستائر أو أحجبة.
وهناك ثلاثة مساجد فى قاهرة العصور الوسطى تمتاز بنماذج رائعة للخشب الخرط (المشربية): مسجد الصالح طلائع المشيد فى العصر الفاطمى (سنة ٥٥٥ هـ - ١١٦٠ م) وقد رمم أكثر من مرة فى العصر المملوكى، له حجاب من الخشب الخرط يوجد الآن فى صُفّة (سقيفة مقدم المسجد) ولكنها كانت أصلًا فى داخل المسجد والحجاب الحالى عُمل حديثًا طبقًا لرسومات من القرن التاسع عشر.
ضريح السلطان قلاوون (أنشئ سنة ٦٨٣ - ٦٨٤ هـ/ ١٢٨٤ م - ١٢٨٥ م) له مقصورة (حجاب من خشب الخرط) حول التركيبة تم ترميمها فى بداية هذا القرن.
بالإضافة إلى جامع المردانى (٧٣٩ - ٧٤٠ هـ/ ١٣٤٠ م) له حجاب من خشب الخرط على إيوان القبلة يطل على الصحن.
المنهل الاعتيادى للخشب الخرط متصل بنوافذ العمارة السكنية ابتداء من الغزو العثمانى لمصر (٩٢٣ هـ/ ١٥١٧ م) وموجودة أوصافها
стр. 9177
فى الوقفيات، وبالرغم من أن الخشب الخرط مقترن بالعمارة السكنية إلا أنه يوجد مسجد عثمانى فى القاهرة يحتوى على نافذة كبيرة من الخرط (مشربية) ألا وهو مسجد يوسف أغا (١٠٣٥ هـ/ ١٦٢٥ م) الذى أنشئ على شاطئ خليج القاهرة. ويبدو أن الحجاب الخرط قد عُمل ليستمتع المصلون إلى مشاهدة الماء والخضرة.
والآن وبعد أن استقرت العمارة الأوروبية الحديثة فى القاهرة منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر تحت تمهيد محمد على باشا، قد اختفت نوافذ الخرط (المشربية) من واجهات القاهرة. وفى النصف الثانى من ذلك القرن أدخل المعماريون الأوربيون نوعًا من أسلوب العمارة والديكور الشرقى الذى أحيا بعض الحرف التقليدية، وأصبح الخشب الخرط الآن ذا وظيفة زخرفية بحتة لأناقة العصر مثل استعماله لتزيين الموبيليا (الأثاث) الأوروبى ولعمل قطع صغيرة منه. وأصبح فن خشب الخرط الآن حرفة سياحية تمارس فى البازارات وأصبح مصطلح "مشربية" مرادفًا للحرف التقليدية اليدوية المحلية.
المصادر:
(١) المقريزى: خطط، طبعة بولاق سنة ١٢٧٠، جـ ٢، ص ٦٨، ٧١.
Lane: Manners and customs of the modern Egypt
(٢) وثائق الأوقاف (العصر المملوكى والعثمانى) بالقاهرة - وزارة الأوقاف. (الدفترخانة)، ودار الوثائق القومية: (حجج الملوك والأمراء).
د. محمد أبو العمايم [دوريس بهرنس أبو سيف Doris Behrens-Abouseif]
مصدق
مصدق، محمد، سياسى ووطنى إيرانى رئيس الوزراء فى الفترة من ١٩٥١ إلى ١٩٥٣ م. ولد فى طهران عام ١٨٨٢ (غير مؤكد) وتوفى فى ١٩٦٧. من أسرة من أصحاب الأراضى الأثرياء، وشغل والده مناصب مالية هامة، ووالدته حفيدة الشاه فتح على.
стр. 9178
وبعد وفاة والده حصل على لقب "مصدق السلطنة" وهو بعد صبى، وهو الاسم الذى عرف به بعد ذلك.
كان أول دخوله الحياة السياسية عندما انتخب عضوا فى المجلس النيابى عام ١٩٠٦ م، ثم استبعد لعدم بلوغه الثلاثين. وفى ١٩٠٩ م رحل لباريس للدراسة، ثم عاد بعد فترة قصيرة لضعف صحته. وفى عام ١٩١٤ م حصل على الدكتوراه فى القانون الإسلامى، وعمل بالتدريس فى مدرسة العلوم السياسية بطهران. ونشر عدة مقالات قانونية واقتصادية ضد الامتيازات الأجنبية. وفى ١٩١٦ م انتقل إلى سويسرا لسوء حالته الصحية من جهة، والحال المضطربة فى بلاده من جهة أخرى.
وكان مصدق كالكثير من أبناء وطنه معارضا للاتفاقية المعقودة بين إيران وبريطانيا فى ١٩١٩ م. وفى ١٩٢٠ م قبل وظيفة وزير العدل، ولكنه بعد عودته شغل بدلا منها منصب حاكم Fars حتى ١٩٢١ م، ثم سجن فى مارس من نفس العام بناء على أمر رئيس الوزراء السيد ضياء الدين.
وبسقوط رئيس الوزراء عين مصدق وزيرا للمالية، فحاكما لأذربيجان، فوزيرا للخارجية ثم استقال لخلافه مع رضا خان. وفى ١٩٢٤ م دخل البرلمان نائبا عن طهران. وفى ١٩٣٠ م أبعد إلى أحمد أباد لقسوة هجومه على النظام الحاكم. وبعد عدة سنوات سمح له بالسفر لبرلين للعلاج، ثم أعيد نفيه إلى برجاند هذه المرة، ثم سمح له بالعودة لأحمد أباد. وبعزل رضا شاه على إثر الغزو البريطانى الروسى لإيران فى ١٩٤١ م تولى ابنه محمد الحكم، وأصدر عفوا عاما عن المسجونين السياسيين استفاد منه مصدق.
وبسبب معارضته القوية لأسرة بهلوى الحاكمة اكتساح انتخابات المجلس النيابى الرابع عشر عام ١٩٤٣ م. ونتيجة لما لحق البلاد من تدهور اقتصادى من جراء الاحتلال الأجنبى تزايد شعور العداء ضد القوى الأجنبية، ومن ثم كان الاعتراض القوى
стр. 9179
بزعامة مصدق ضد منح الشركات الأجنبية حقوق امتياز البترول. وأعيد انتخاب مصدق للمجلس النيابى الخامس عشر عام ١٩٤٧، وساهم فى رفض عقد اتفاقية مع الحكومة الروسية بشأن استغلال حقول البترول، فكانت بريطانيا هى البديل فى ذلك. ونادى مصدق أثناء فترة الاحتلال بمبدأ "الحياد السلبى" الذى يعنى اتباع سياسة غير خاضعة للضغوط الأجنبية، ومنع عقود الامتياز الأجنبية. وكانت النظرة العامة تجاه شركة النفط الإيرانية الانجليزية (A. L. O. C) أنها واجهة للتدخل الأجنبى.
وفى ١٩٤٩ م وصلت الحكومة الإيرانية إلى اتفاق جديد مع الشركة، رفضته لجنة البترول الذى يرأسها مصدق. وفى هذا الوقت بدأ مصدق يؤسس "الجبهة الوطنية" وهى رابطة غير متينة من عدد من الاتجاهات السياسية، أعلنت بدورها رفضها للاتفاق الجديد كما رفضه أيضا حزب توده الشيوعى. ولكن الدعم الأكبر لتأميم البترول جاء من الزعيم الروحى آية اللَّه كاشانى، مما ألهب الشعور الوطنى. وفى ١٩٥١ م اغتيل رئيس الوزراء الجنرال على رزمارى بواسطة أعوان كاشانى، وفى الشهور التالية صدق المجلس على قانون بتأميم البترول، وفى ٢٩ إبريل عين الشاه مصدق رئيسا للوزراء.
وخابت آمال مصدق الذى لم يكن على دراية بشئون البترول أو بوضع الشركة فى استسلامها بسهولة. ودب النزاع حول حقوق الشركة، ووصل إنتاج البترول إلى التوقف الفعلى. ورفض مصدق إحالة الأمر للتحكيم. وباءت محاولات التدخل من الولايات المتحدة ومن البنك الدولى بالفشل. وفى ١٩٥٢ م قطعت إيران علاقاتها الدبلوماسية مع بريطانيا.
كما خابت آمال مصدق فى أن تضغط أمريكا على بريطانيا لصالح إيران، بل إن رئيس الولايات المتحدة أيزنهاور أصدر قرارا فى ١٩٥٣ م بمنع أية مساعدات عن إيران ما لم تقبل إحالة النزاع لطرف محايد.
стр. 9180
وبدأ مصدق يتخذ عدة إجراءات لمواجهة وضعه المتدهور، ففى انتخابات المجلس السادس عشر، وحين اتضح أن الكثير من الأصوات ستكون ضده، أوقف التصويت فى عدد من الدوائر، الأمر الذى ترتب عليه أن يكون استمرار رئاسته للوزراء بناء على قرار من مجلس مبتسر. وفى ١٧ يوليو استقال مصدق لرفض الشاه إعطاءه وزارة الحربية، فأثار حزب توده القلاقل التى اضطر الشاه على أثرها إلى إعادته فى ٢٢ من نفس الشهر. وعن طريق المجلس الموجه منح مصدق سلطات مطلقة فى الشئون الاقتصادية والقضائية والحربية والادارية لستة أشهر جددت بعد ذلك. وفى أكتوبر حل المجلس النيابى، وبدأ مصدق فى تقليص سلطات الشاه بمساعدة حزب توده. وبدأ العديد من الشخصيات البارزة التى كانت حليفة له كأية اللَّه كاشانى فى إبداء شكوكها فى نواياه تجاه الحركة النيابية.
وبدأ اتجاه مصدق للدكتاتورية واضحا، وفى محاولة من الشاه لعزله ثارت القلاقل حتى اضطر الشاه للفرار، ولكن القوات المسلحة أخمدت الثورة وأعادت الشاه، وحوكم مصدق بتهمة الخيانة العظمى، وحكم عليه بالسجن لثلاث سنوات. وبعد قضاء مدة العقوبة قضى مصدق بقية عمره فى هدوء فى أحمد أباد.
المصادر:
(١) E. Abrahamian: Iran between two revolutions, Princeton ١٩٨٢
على يوسف على [بوريل R. M. Burrell]
مصر *
(أ) مصر -بكسر الميم- اسم شخص سميت باسمه مصر
القطر المعروف. ومصر هذا هو الجد الأعلى للبربر والقبط، وهو -وفق ما ورد فى العهد القديم- ابن حام بن
стр. 9181
نوح، ويتخذ اسمه أشكالًا مختلفة فهو مصرائيم أو مصرام، وبالعبرية مصريم، وأحيانًا يذكر أنه مصر بن بيصار بن حام بن نوح، وأحيانا مصرام بن تابيل، أحد الجبابرة، وقد حكم مصر بعد دليوج Deluge.
المصادر:
(١) الطبرى: تاريخ الأمم والملوك، الجزء الأول.
(٢) اليعقوبى: التاريخ، الجزء الأول.
(٣) محمد عبد المعطى المنوفى: كتاب أخبار الدول، القاهرة ١٣١١ هـ/ ١٨٩٣ - ١٨٩٤ م.
[فنسنك A. J. Wensink]
(ب) - مصر - بفتح الميم- والجمع أمصار يعنى فى التاريخ الإسلامى الباكر تجمعات سكنية تنمو خارج معسكرات الجيوش العربية الفاتحة خارج شبه جزيرة العرب، وتلا ذلك إطلاقه على عواصم البلاد المفتوحة. وكلمة مصر -بفتح الميم- من أصل سامٍ قديم، وفى الأكادية، يدل اسم "مصرو" على "الحد الفاصل" وعلى البلد، وفى العبرية والآرامية تدل كلمة مصر ومصرانا على البيت أو الحقل كمكان معين محدد .
وعرفت المعاجم العربية التقليدية كلسان العرب لابن منظور، معنى المصر بأنه (الحد)، والشئ الذى يفصل بين منطقتين، مثل البصرة والرقة. ويؤكد الجغرافيون العرب القدماء كالمقدسى وابن الفقيه الهمدانى على استعمالها للدلالة على المركز الحضرى الكبير الذى به مقر الحاكم أو الأمير. وقد استخدم العرب لفظ "مَصر" -بفتح الميم- للمرة الأولى للدلالة على محل إقامة معسكرات المقاتلة أو المحاربين فى أماكن مثل البصرة والكوفة عندما زاد سكانها وانقسمت إلى أحياء خُصص كل حى لقبيلة مختلفة. ثم فى خلال قرن أو اثنين أصبح هذا اللفظ أكثر عمومية وصار يُطلق على المراكز الحضرية الكبرى فى الدولة الإسلامية، واستخدمه "الجاحظ" بهذا المعنى فى كتابه: "الأمصار وعجائب البلدان". كما أورد المقدسى قائمة باسماء هذه الأمصار، نقلًا عن الجاحظ، مثل: بغداد، الكوفة، البصرة وغيرها. وعرفت مدينة الفسطاط، أقدم الحواضر العربية فى
стр. 9182
مصر، بهذا الاسم أيضًا، الذى أطلق فيما بعد على القاهرة.
[بوسورث C. E. Bosworth]
مصر قبل الفتح العربى
ظلت مصر البيزنطية لفترة طويلة إغريقية، رومانية الطابع فى الثقافة والإدارة، ولكن حدثت لها تغييرات هامة، مع الفتح العربى، غيَّرت بناءها الاجتماعى تغييرًا تامًا. وظلت بعض النظم البيزنطية قائمة فى مصر العربية لحوالى قرن من الزمان.
كانت اللغة اليونانية، هى لغة الإدارة فى مصر، خلال التبعية البيزنطية، وكتبت بهذه اللغة كل الوثائق الرسمية، فضلًا عن أنها كانت لغة التخاطب صع اللغة القبطية يتكلم بها علْيَةُ لقوم من المصريين. وعلى الجانب الآخر كان عدد كبير من المصريين لا يعرف الإغريقية ولا يتحدث بها. واستُخدمت النصوص اللغوية اليونانية فى المدارس، وكتب عدد قليل من شعراء المصريين أشعارهم بها على نسق شعراء الإغريق.
وارتبطت الهيلينية فى مصر ارتباطًا وثيقا بالوثنية، التى ظلت باقية. فى مصر رغم غلبة المسيحية، خصوصًا فى جنوب مصر حتى الفتح العربى.
وكانت الكنيسة المصرية غارقة فى خلاف دينى مستمر، بصدد مسألة العلاقة بين الطبيعة الإلهية والطبيعة البشرية للمسيح، وانفصلت كنيستها اليعقوبية عن كنيسة الدولة البيزنطية الملكانية. وفى الوقت الذى أدان فيه الإمبراطور البيزنطى اليعاقبة (المونوفيزيت) المصريين، أيد جانب الأرثوذكس الملكانيين فى مصر.
وفى زمن الفتح العربى لمصر، كان الإمبراطور البيزنطى قد عزل بطريرك الإسكندرية اليعقوبى "بنيامين"، وأحل مكانه قيرس (المقوقس) الأرثوذكسى. ونتج عن ذلك نتائج خطيرة؛ ذلك لأن بنيامين فضلا عن كونه زعيمًا لليعاقبة المصريين، كان من أسرة غنية من ملاك الأراضى أصحاب السلطة فى مصر. وكان ملاك الأرض المصريين أشبه ببارونات العزب الإقطاعيين، فكانوا هم وطبقة التجار، التى اشتغلت بالنشاط التجارى فى البحرين الأحمر والمتوسط، يمثلون الطبقة البرجوازية
стр. 9183
المؤثرة فى اقتصاد مصر وفى نظامها الاجتماعى.
وعانت مصر، من طغيان أباطرة بيزنطة، وبخاصة الإمبراطور فوكاس (٢٠٢ - ٢١٠ م). كذلك عانت من ويلات الحرب بين الفرس والروم وشاركت فى نتائجها، وتعرضت من جراء ذلك لغزو الفرس (٦١٩ - ٦٢٩ م). واحتلالهم لها الذى دام لعشر سنوات، استطاع هرقل بعدها أن يستعيدها منهم لتظل مصر ولاية بيزنطية حتى الفتح العربى.
فتح العرب لمصر:
يقابل الباحث فى دراسة موضوع فتح العرب لمصر الكثير من الصعاب بسبب الروايات المضطربة والمتضاربة عن هذا الفتح فى مختلف المصادر. ولا يتوفر لدينا حتى الآن مصدر شامل يتعامل مع هذا الموضوع. كذلك فإن المصادر البيزنطية، وخاصة تلك التى لثيوفان ونيسيفورس، مصادر غامضة وغير مكتملة. كذلك فإن معلومات الفتح فى المصادر العربية جاءت متناثرة ومحتوية على روايات كثيرة متضاربة. وابن عبد الحكم، صاحب كتاب "فتوح مصر"، هو المؤرخ العربى الوحيد الموثوق فى رواياته.
وأجمعت المصادر على أن فاتح مصر هو "عمرو بن العاص"، الذى وصل إلى مدينة العريش فى العاشر من ذى الحجة ١٨ هـ/ ١٢ ديسمبر ٦٣٩ م، وكان جيشه يتألف من حوالى ٤٠٠٠ مقاتل، كان غالبهم من الفرسان. ومن العريش توجه عمرو إلى ميناء بليزيوم (الفرما)، الذى سقط فى يده بعد حصاره لمدة شهر. وبعد ذلك اتجه عمرو إلى بلبيس، مفتاح الطريق إلى مصر، منذ قديم الأزل، وسقطت فى يده بعد شهر من الحصار. وتوقف عمرو بعد ذلك بقواته عند حصن بابليون المنيع، وطلب مددًا من الخليفة عمر، الذى أرسل له حوالى ٤٠٠٠ رجل تحت قيادة الزبير بن العوام وعند عين شمس، وقعت معركة بين العرب وجيش البيزنطيين فى يوليو ٦٤٠ م، لقى فيها البيزنطيون هزيمة ساحقة.
وكان عمرو بن العاص قد أخذ فى التفاوض مع قيرس (المقوقس) حاكم مصر من قبل الإمبراطور البيزنطى بشأن تسليم حصن بابليون، لكن
стр. 9184
قيرس توجه إلى القسطنطينية ليطلع الإمبراطور على مفاوضاته مع عمرو، وعاد قيرس دون موافقة الإمبراطور على شروط العرب فشدد المسلمون من حصارهم للحصن وقاموا بفتحه عنوة، فلم يكن أمام القوات البيزنطية بعد ذلك إلا الانسحاب إلى الاسكندرية. وعاد قيرس للتفاوض مع عمرو مرة ثانية. وفى هذه المرة كان يحمل تفويضًا بإقرار الصلح مع عمرو. ولما وصل المقوقس إلى الحصن استقبله عمرو استقبالًا طيبا وتم الاتفاق بينهما على ترك مصر وتسليمها للعرب. وكتابة معاهدة بهذا الخصوص. وأطلق بعض المؤرخين المسلمين على هذه المعاهدة اسم "معاهدة عين شمس" بينما أطلق عليها البعض الآخر "معاهدة الإسكندرية". وللأسف ضاع أصل هذه المعاهدة وبالتالى اختلفت المصادر العربية فى أمر فتح مصر، هل فتحت عنوة أم صلحًا بعهد. وبناءً على هذا التحديد يتحدد مصير أرض مصر وأهلها من حيث أمر الخراج والجزية -إلا أن الأمر الوحيد الذى أكدته كل المصادر أن "عمرو بن العاص" أعطى فى هذه المعاهدة الأمان (لكل آل المصر). وتحت لفظ (المصر)، انضوى كل سكان مصر بغض النظر عن أصلهم ومعتقداتهم. ولم يرد فى هذه المعاهدة أى ذكر ليهود مصر، لكن ورد ذكر النوبة والبجة. فلم تسمح المعاهدة للنوبيين خارج حدود مصر بسكنى مصر أو الإغارة على حدودها الجنوبية، كذلك الحال بالنسبة للبجة الذين كانوا يسكنون الصحراء الشرقية ويغيرون على حدود مصر. أما الروم، فنصت المعاهدة على خروجهم من مصر، وقصدت بهم القوات البيزنطية المحاربة. أما بصدد الجزية التى فُرضت على أهل الذمة فى مصر، مسيحيين ويهود، فكانت أربعة دنانير فى العام للذمى الغنى، ودينارين للذمى المتوسط الحال، ودنيار واحد للذمى الفقير. وأعتُبرت الجزية ضريبة على الرؤوس تسقط عن صاحبها باعتناقه الإسلام.
النظم الإدارية والمالية والاجتماعية فى مصر منذ الفتح حتى عهد عبد الملك:
ليست هنالك تغييرات مفاجئة ظاهرة للعيان فى الحد الأدنى للإدارة فى مصر من الفتح حتى حلول القرن
стр. 9185
الثامن الميلادى. ولقد تزامن فرض نظام ثنائى للإدارة أحدهما للمسلمين والآخر للمسيحيين، مع إحلال نظام إدارى مركزى صارم مكان النظام الادارى البيزنطى غير المترابط. ولقد واصل العرب السياسة البيزنطية فى شحن الغلال وإرسال الخراج إلى خارج البلاد، من الفسطاط إلى جدة والمدينة عبر السويس بدلًا من الطريق السابق الإسكندرية - القسطنطينية.
وأصبح حاكم مصر فوق قمة الجهاز الادارى الجديد، وحمل لقب (والى) وكان مسئولًا مباشرة أمام الخليفة؛ وله أيضا سلطة قضائية مطلقة. ووصل العرب فى مصر، وفى غيرها من الولايات، تقليد البيزنطيين فى جعل السلطة الادارية والقضائية فى قبضة يد واحدة.
ومع مطلع القرن السابع الميلادى تقسمت مصر إلى وحدتين جغرافيتين، وهو تقسيم استمر لعدة قرون. القسم الأول وهو (الصعيد) والثانى هو (الدلتا). وأوجد عمرو بن العاص ديوان الخراج فى مصر الإسلامية سنة ٢٥ هـ ٦٤٥ - ٦٤٦ م ووفقًا لمعاهدة عمرو، كان على المصريين أن يدفع كل منهم دينارين فى العام (باستثناء النساء والأطفال والعبيد، والمعدمين). كذلك، فإن الفاتحين العرب الذين شاركوا فى فتح مصر لم يمنحوا أرضًا ليزرعوها فى الأمصار، وأساسًا فى الفسطاط والإسكندرية، ولكنهم منحوا وعائلاتهم عطاء يصرف لهم من ديوان الجند.
وتذكر بعض المصادر أن هناك حالات قليلة مبكرة عن أراض تملكها مسلمون بعد نهاية القرن الأول الهجرى/ السابع الميلادى. والسؤال الذى يطرح نفسه هنا، هو من هم الذين تملكوا الأرض الزراعية التى تركها أهلوها بعد الفتح، وكذلك من هم الذين تملكوا الأرض "الموات" التى لم يكن لها صاحب واستصلحت فى ظل الحكم الإسلامى لمصر؟
وكانت وظيفة صاحب الشرطة من أهم وظائف مصر الإسلامية، بعد وظيفة الوالى. ومنذ عهد عمرو، قامت الشرطة فى مصر لحماية الوالى وحفظ النظام فى المدن. وكانت قوات الشرطة هذه جزءًا من القوات العسكرية، ورئيسها، صاحب الشرطة، يختاره
стр. 9186
الوالى حتى أواخر عهد الأمويين، وهو ينوب عن الوالى فى حالة غيابه أو مرضه، وهو يختار من وجوه القوم. وعادة ما كان أصحاب الشرطة يستمرون فى مناصبهم مدة أطول من تلك التى يستمر فيها الولاة فى مناصبهم.
ومن الوظائف الإدارية الهامة فى مصر الإسلامية وظيفة "صاحب البريد"، الذى يرأس عمال الأمير الذين كانت مهمتهم سلامة الأفراد العامة. وكان قضاء المسلمين فى أيدى قاضى القضاة، وكانت للقضاة سلطة عليا. أما بالنسبة للمسيحيين، فإن سلطة مقاضاتهم كانت فى يد الأساقفة.
وجاء اختيار العرب لعاصمتهم الجديدة فى مصر، الفسطاط، بسبب موقعها الجغرافى، الملائم لهم اكثر من موقع الإسكندرية المدينة الشهيرة: فهى تقع فى منفذ بين الصعيد والدلتا وعلى طريق ملائم يرتبط بالبحر الأحمر. وتأسست الفسطاط خارج أسوار حصن بابليون فى السنوات الأولى لفتح العرب لمصر، وظلت كمعسكر حربى، حيث توزعت القبائل العربية فى أنحائه. وتجمعت خطط أهل الراية فى قلب الفسطاط، بينما استقر ٣٠٠٠ رجل من قبيلة قيس قرب بلبيس فى شرق الدلتا وتم نقل رصدهم من ديوان سوريا إلى ديوان مصر.
ومع نهاية حكم الأمويين، تحولت الفسطاط من مدينة عسكرية إلى مدينة زاهرة نشطة. واستوعبت هذه المدينة أعدادًا كثيرة من المغامرين المسيحيين من التجار والحرفيين. وفى سنة ١١٤ هـ/ ٧٣٢ م استحضر عبيد اللَّه ٥٠٠٠ عربى، ثانية من القيسيين واسكنهم الحوف، شمالى الفسطاط.
وبرغم سرعة تعريب مصر فى الربع الأخير من عهد حكم الأمويين، إلا أنه يجب أن نلاحظ أن اللغة القبطية استمرت مستعملة من عدد من المصريين حتى أواخر القرن من الثالث إلى الخامس الهجرى/ ٩ - ١١ م. وكان الاتجاه الأخير الهام الذى بدأ فى أواخر أيام الأمويين واستمر أيام العباسيين هو إحلال الحكومة أشخاص تختارهم مكان أولئك المشاهير من المصريين الذين كانت فى يدهم مهمة جمع
стр. 9187
الضرائب، وكانت تلك ضربة قوية لدور القبط القيادى فى مجتمعاتهم، وتعزيزًا إسلاميا فى هذه الأماكن.
من العباسيين إلى الفاطميين ٧٥٠ - ٩٦٩ م:
كانت مصر وقت قيام دولة العباسيين ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م، قطرًا لا يزال الإسلام والثقافة العربية فيه مقصورين على الطبقة الحاكمة، وكان غالبية سكانه لايزالون أقباطًا مسيحيين. وكانت الفسطاط هى العاصمة وهى مركز السكان العرب، مع جامع عمرو المكان الرئيسى للعبادة. وعُرف قادة العرب باسم "الوجوه". وهم فى معظمهم ينحدرون من عائلات استقرت فى مصر بعد الفتح الإسلامى الرئيسى واحتلوا مكانة ممتازة بها، مكونين الفرق العسكرية الوحيدة فى البلاد المستحقة للعطاء. ويُختار صاحب الشرطة فى العادة من هذه الطبقة. بالإضافة إلى ذلك هنالك القبائل العربية المتواجدة فى مصر، وبخاصة فى صحراء الحوف إلى شرق وغرب دلتا النيل.
ومن الممكن أن يُقسم تاريخ مصر فى تلك الفترة إلى عدد من الفترات المميزة. أولها تلك التى استمرت حتى وفاة الخليفة هارون الرشيد، فى سنة ١٩٣ هـ/ ٨٠٩ م، وهى أساسًا امتداد للشكل الأموى، بحكام يرسلون من بغداد لا من دمشق، وبها تغيير قليل فى السكان أو الشكل السياسى، دون استقرار لمشايعى العباسيين من الشرق، وتميز التاريخ السياسى لهذه الفترة بتغييرات متعددة للولاة وثورات متقطعة. ولم يستمر والٍ من الولاة خلال هذه الفترة فى ولايته مدة طويلة سوى يزيد بن حاتم المهلبى (١٤٢ - ١٥٢ هـ/ ٧٥٩ - ٧٦٩ م) الذى استمر واليًا لعدة سنوات قليلة وتولى فى الفترة ما بين سنوات ١٧٠ إلى ١٨٢ هـ ستة عشرة واليًا متغيرًا.
واقتصر الاستمرار على أصحاب الشرطة الذين كانوا الحكام الفعليين للبلاد. وكان من أهم الأحداث فى تلك الفترة، ثورة العلويين التى وقعت سنة ١٤٥ هـ/ ٧٦٣ م، التى قضى عليها يزيد بن حاتم فى بدايتها. كذلك ثورة
стр. 9188
١٦٨ هـ/ ٧٨٥ م ضد إمارة مصعب، الذى ذاعت شهرة حكمه السيئ لإقليم الجزيرة وتطور أمر هذه الثورة حين رفض جند الفسطاط الوقوف إلى جانب مصعب وقتل الثوار له. وترك لصاحب الشرطة عمرو المعافرى أمر إقرار النظام فى البلاد. كذلك شهدت هذه الفترة ثورات المزارعين الأقباط المستمرة، احتجاجًا على المعاملات المالية السيئة.
وفى أواخر القرن الثانى/ الثامن الميلادى، عانى الإقليم من زيادة الضرائب التى فرضتها بغداد عليه. وبعد وفاة هارون الرشيد سنة ١٩٣ هـ/ ٨٠٩ م، دخلت الولايات فى حالة فوضى بما فيها مصر، وقبل وفاة الرشيد بفترة قصيرة، قامت قوات خراسانية تحت قيادة السرى بن الحكم بالقدوم إلى مصر، وأحرزوا السلطة فى الفسطاط سنة ٢٠٠ هـ/ ٨١٥ م، لكنهم وجهوا بمقاومة من قبل القائد المحلى عبد العزيز الجروى. ومما زاد من تعقيد الأمور، احتلال ثوار الربض الأندلسيين، الذين طردهم الأمير الأموى الحكم من الأندلس لدينة الإسكندرية. ولم يستعد العباسيون الإسكندرية من أيدى هؤلاء المهاجرين، قبل سنة ٢١١ هـ/ ٨٢٦ م على يد عبد اللَّه بن طاهر، وقد طردوا منها ليستقروا فى جزيرة كريت.
وأثرت الحرب الأهلية، بشدة على مصر الإسلامية، إذ حطمت هناك سلطة وجوه القوم المحليين واكتمل ذلك حين أسقط العرب من الديوان سنة ٢١٨ هـ/ ٨٣٢ م وحُرموا من العطاء. وصارت القوة فى مصر فى يد مجموعة من الأشخاص العسكريين، القادمين من الخارج، بعض هؤلاء الرجال كان تركى الأصل والبعض الآخر أرمنى الأصل، خدموا كمساعدين لشخصيات البلاط الهامة فى بلاط سامرا. وأعطى سوء الأحوال فى مصر، وإجراءات ابن المدبر المالية المجحفة الفرصة للحكام الطامعين فى احتفاظهم بخراج مصر ودخلها لأنفسهم لاستخدامها فى بناء قوتهم العسكرية. وبهذه الطريقة نجح أحمد بن طولون، النائب عن عمه، الذى بقى فى سامرا، فى حكم مصر، وفى إحراز السلطة بها.
стр. 9189
وكانت فترة حكم أحمد بن طولون (٢٥٤ - ٢٧٠ هـ/ ٨٦٨ - ٨٨٤ م)، فى عمومها فترة أمان ورخاء لمصر، ويكفى سببًا لذلك أن الأموال التى كانت تحمل للخليفة بقيت لها.
وجنَّد ابن طولون جيشًا جديدًا، غالبيته من اليونانيين والزنوج استطاع به أن يوطد قوته. وحتى يتمكن من إسكانهم ابتنى لهم ضاحية إلى الشمال من الفسطاط، سماها "القطائع" وابتنى بها جامعًا خاصًا، عُرف حتى اليوم بجامع ابن طولون، كذلك ابتنى قصرًا له للحكم.
وكان حكم ابن طولون بداية تغلغل النفوذ المصرى فى الشئون السورية. وكانت هنالك أسباب عدة وراء استمرار هذا التدخل، من بينها الحاجة لتوفير مختلف الإمدادات الغذائية لمصر فى حالة قصور النيل، وكذلك مسألة الأمن، حيث إن مصر من الممكن أن تُغزى من فلسطين إذا ما وقعت فى أيدى الأعداء. كذلك هناك جاذبية الحدود البيزنطية، خصوصا "لابن طولون" الذى تحمل مسئولية الدفاع عن الخلفاء الضعاف، مما يعطى حكمه مكانة وشرعية.
ولم يقم ابن طولون أو خليفته خمارويه أو الاخشيديون بكسر الولاء للخلافة العباسية. فلقد احرزوا استقلالًا إداريًا وماليا فى مصر، ولكنهم ظلوا تابعين لدولة الخلافة ولمذهبها السنّى. وحاول كل من ابن طولون ومحمد طغج الإخشيد أن يطلب من الخليفة القدوم إلى الفسطاط والإقامة بها.
وانتهت دولة الطولونيين باحتلال الجيش العباسى للبلاد سنة ٢٩٢ هـ/ ٩٠٥ م، وأن تظل البلاد ولاية من ولايات الخلافة حتى سنة ٣٢٣ هـ/ ٩٣٥ م وشهدت هذه الفترة بداية تطورين جديدين. الأول هو ازدياد قوة الفاطميين سنة ٢٩٧ هـ/ ٩٠٩ م وإحرازهم السلطة فى المغرب، وهذا يعنى أن مصر صارت دولة حدودية لهم. كذلك قيام حكم الأغالبة فى إفريقية كحكام مستقلين، دون أن تكون لديهم نوايا للتوسع ناحية الشرق. وادعى الفاطميون بأنهم الحكام الشرعيون لكل مسلمى العالم ولم يخفوا تصميمهم على أخذ مصر
стр. 9190
كمرحلة تالية لتقدمهم. ووقعت هجمات فاطمية هامة على مصر سنوات ٣٠١ - ٣٠٢ هـ/ ٩١٣ - ٩١٥ م و ٣٠٧ - ٣٠٩/ ٩١٩ - ٩٢١ م، مما استوجب إرسال قوات من العراق لدعم والى البلاد.
وكان التطور الثانى الهام هو زيادة الهجرة من العراق. إد شهد القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى كوارث اقتصادية ومشاكل سياسية وقد شعر الكثيرون بأن الأحوال الهادئة فى مصر تتيح فرصا أكثر لهم. ومن المحتمل أن وصول هؤلاء القوم كان عاملا هامًا فى زيادة اعتناق الإسلام فى هذه الفترة، كذلك كان عاملًا هامًا فى نمو الصناعة فى مصر فى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى.
واحتوت هجرات أخرى على كثير من اليهود. ولا يبدو أن مجتمع مصر الإسلامى الأول كان به مجتمع يهودى ذو أهمية كبرى، لكن ذلك الأمر تغير بهجرة عدد كبير من يهود بابل العراقية إلى مصر، مثل عائلة "يعقوب بن كلس" الوزير المستقبلى للفاطميين، وكان ذلك وقت ازدهار عهدهم الذى وجدنا وصفًا كاملًا له فى وثائق الجنيزة.
وفى سنة ٣٢٣ هـ/ ٩٣٥ م انتقلت السلطة فى مصر إلى يد رجل عسكرى آخر من أصل إيرانى شرقى، وهو محمد بن طغج الإخشيد ومن كل الوجوه تشابه حكم الإخشيد مع حكم ابن طولون، ولكن الإخشيد كان أقل طموحا من ابن طولون.
وعند غزو الفاطميين لمصر، كان أهلها المسلمون لا يزالون غير قادرين على النهوض بها كقوة كبرى. وبرغم ازدياد عدد سكان مصر آنذاك إلا أن الغالبية لم تكن منهم. واختفت طبقة وجوه القوم القديمة ليحل مكانهم عناصر أخرى. لكن مصر قد صار لها الحق آنذاك فى تبوّء مكانها الصحيح بين القوى الإسلامية.
الفترة الفاطمية ٩٦٩/ هـ ١١٧١ م:
كان الوضع السياسى والاقتصادى فى مصر عقب وفاة كافور مضطربًا للغاية لدرجة أن أعيان البلاد فى الفسطاط قرروا الاعتراف بسيادة خليفة المغرب الفاطمى عليهم، رغم
стр. 9191
عقيدته الإسماعيلية. دون مقاومة تذكر، احتل جوهر الصقلى، قائد الفاطميين دلتا النيل فى ربيع ٣٥٨ هـ/ ٩٦٩ م؛ وفى شعبان ٣٥٨ هـ/ يوليو ٩٦٩ م، احتل الفسطاط.
وإلى شمال شرقى الفسطاط، أسس جوهر مدينة عسكرية، سُميت بالمنصورية، ثم سمَّاها المعز بالقاهرة. وأسس جوهر جامع الأزهر، ليكون مركزًا للمذهب الإسماعيلى الشيعى، بينما ظلت الفسطاط، وجامع عمرو العتيق قلعة للمذهب السُنى.
وكان غالبية سكان مصر آنذاك لا يزالون مسيحيين ويتحدثون باللغة القبطية، واحتل الكتاب الأقباط أهم مناصب الدولة الادارية، وبخاصة فى عهد الخليفة العزيز باللَّه (٣٦٥ - ٣٨٦ هـ/ ٩٧٥ - ٩٩٦ م). وجرت محاولة من قبل الخليفة الحاكم بأمر اللَّه لإحلال كتاب مسلمين مكان الكُتاب المسيحيين ولكنها باءت بالفشل، وحاول الحاكم بأمر اللَّه إجراء تمييز لليهود والنصارى فى الملبس والمسكن والركوب، كذلك نُسب إليه هدم بعض الكنائس والأديرة المسيحية وبعض معابد اليهود.
هذا ولم يحاول الفاطميون على الإطلاق فرض مذهبهم الإسماعيلى على المصريين، لكنهم دعوا لهذا المذهب بطريقة منتظمة فى كل أقاليم الإمبراطورية. وإلى جانب كل قاضٍ كان هناك داعٍ إسماعيلى. على أن نجاح الدعوة الإسماعيلية بدا سريع الزوال، واختفى المذهب الإسماعيلى سريعًا بعد سقوط دولة الفاطميين.
وقوبل ادعاء الخليفة الفاطمى السيادة العالمية بحقيقة الوضع السياسى العالمى، إذ كانت قوة الفاطميين من الضعف بمكان لدحر خلافة بغداد العباسية، فى الوقت الذى فقدت سيطرتها على شمال أفريقيا وصقلية.
وبرغم ذلك، فإن مصر تحت حكم كل من العزيز والحاكم والظاهر (٤١١ - ٤٢٧ هـ/ ١٠٢١ - ١٠٣٦ م) والمستنصر (٧٢٧ - ٤٨٧ هـ/ ١٠٣٦ - ١٠٩٤ م) لعبت دورها كقوة رئيسية هامة نجحت فى التغلب على الدولة
стр. 9192
البيزنطية فى البر وفى البحر، فى جنوب إيطاليا وكذلك فى شمال سوريا. وقاوم الفاطميون المحاولات المتكررة من جانب البيزنطيين لاستعادة سيطرتهم على سوريا (من ٣٥٤ هـ/ ٩٦٥ م فصاعدًا) وفى سنة ٤٢٩ هـ/ ١٠٣٨ م عُقدت معاهدة سلام لمدة ثلاثين عامًا وجُددت سنة ٤٤٠ هـ/ ١٠٤٨ م.
وبرغم أن المغرب قد نجح، بداية من سنة ٤٤٣ هـ/ ١٠٥١ م فصاعدًا، فى الخروج عن سيادة الفاطميين تحت حكم بنى زيرى، إلا أن مصر أحكمت سيطرتها على البحر الأحمر، وظلت المدن المقدسة تحت حماية الفاطميين منذ بداية حكمهم، وتعهدت بإرسال الحبوب إليها بصفة منتظمة.
ومن سنة ٤٣٩ هـ/ ١٠٤٧ م فصاعدًا، حكم الفاطميون اليمن بمساعدة الصليحيين، سلالة الدعاة الإسماعيليين، الذين تحكموا فى طريق التجارة بين المحيط الهندى والبحر المتوسط عن طريق البحر الأحمر. وعلى هذا النحو أصبحت مصر مركز التجارة العالمية.
وقد تكوَّن الدخل الأساسى للدولة الفاطمية، إلى جانب الخراج، من رسوم الجمارك المحصلة على التوابل وعلى سائر أصناف الكماليات المستوردة من الهند والشرق الأقصى. إضافة إلى أن مصر كانت قد تحكمت فى جلب ذهب السودان وأنها قامت بتصدير المواد الخام التى ازداد الطلب عليها فى أوروبا، مثل الشب، والمنسوجات الصوفية الفاخرة (التى تنتج فى الصعيد) والمنسوجات الكتانية (من دمياط وتنيس)، والحرير والديباج وأنواع الأوانى الزجاجية الفاخرة التى توجد حاليًا كميات كبيرة منها فى المتاحف وذخائر الكنائس الأوربية، وكان الرحالة الفارسى ناصرى خسرو شاهد عيان لفخامة مصر، عندما زار القاهرة سنة ٤٣٩ هـ/ ١٠٤٧ م وترك لنا وصفا للمدينة وهى فى كامل ازدهارها. وأدى مركز مصر السائد فى التجارة العالمية إلى توافد التجار الأوربيين عليها. وفى بداية سنة ٨٢٨ م اشترى البنادقة (أو بالأحرى سرقوا) مخلفات القديس مرقص المحفوظة فى الإسكندرية. ومنذ مطلع القرن السادس
стр. 9193
الهجرى/ الثانى عشر الميلادى، تواجد الجنويون فى الاسكندرية، وورد ذكر فندق البيازنة فى الإسكندرية لأول مرة زمن الخليفة الظافر (٥٤٤ - ٥٤٩ هـ/ ١١٤٩ - ١١٥٤ م) وفى سنة ٥٣٧ هـ/ ١١٤٣ م عقد الخليفة الحافظ معاهدة تجارية مع ملك صقلية النورماندى، روجر الثانى.
وبدأ استقرار مصر يتقلقل وازدهارها يتداعى، منذ عام ٤٤٤ هـ/ ١٠٥٢ م فصاعدًا وثانية من عام ٤٥٧ هـ/ ١٠٦٥ م فصاعدًا، بسبب نقص الفيضان الذى سبب تناقصًا فى الطعام ثم المجاعة التى تلاها اكتساح البلاد بوباء الطاعون. فنهبت قصور الخليفة، وأصاب الناس الهلع وكثر عدد الموتى. ولم ينقذ الفاطميين سوى مجئ بدر الجمالى، الأرمنى المسيحى، الذى استدعاه الخليفة المستنصر من عكا إلى القاهرة شتاء ٤٦٦ هـ/ ١٠٧٣ - ١٠٧٤ م، والذى استطاع إعادة النظام إلى البلاد والتغلب على "الشدة المستنصرية". وبدر الجمالى هو الذى أمَّن القاهرة ببنائه فى سنة ٤٨٠ هـ/ ١٠٨٧ م التحصينات الجديدة ذات الثلاثة الأبواب (التى لا تزال قائمة) من باب زويلة إلى الجنوب وباب النصر وباب الفتوح إلى الشمال. ومن سنة ٤٦٤ هـ إلى سنة ٥١٥ هـ/ ١٠٧٤ - ١١٢١ م، حكم بدر الجمالى (ت ٤٨٧ هـ/ ١٠٩٤ م) وابنه وخليفته الأفضل بسلطة فعلية مطلقة، وقد جمع كل منهما بين وظيفة الوزير المدنية ووظيفة أمير الجيوش العسكرية. وقام بدر وابنه بجلب أعداد كبيرة من الأرمن المسيحيين إلى مصر. وأعطى حكم بدر وابنه فرصة فترة استقرار داخلى وازدهار اقتصادى للبلاد.
وحرم الغزو السلجوقى لسوريا، من ٦٤٢ هـ/ ١٠٦٩ - ١٠٧٠ م فصاعدًا، وتأسيس الإمارات الصليبية على الساحل السورى وفلسطين (١٠٩٨ - ١٠٩٩ م)، مصر من ممتلكاتها فى سوريا وحائط دفاعها الطبيعى. وفى سنة ٥٢٦ هـ/ ١١٣٢ م حدث انقسام دينى فى اليمن أدى إلى عودة الصليحيين إليها، ومن سنة ٤٦٢ هـ/ ١٠٨١ م فصاعدًا (وأخيرًا فى سنة ٤٧٣ هـ/ ١٠٨١ م) خضعت مكة
стр. 9194
لنفوذ السلاجقة واعترفت بسيادة الخلافة العباسية. وتقلصت الدولة الفاطمية آنذاك إلى حدودها الطبيعية فى مصر وعانت تقلصًا سريعًا فى قوتها. وباغتيال الأفضل تدهور الوضع فى البلاد وصارت مصر مطمعًا لجيرانها المسلمين والمسيحيين. وعقد الإمبراطور البيزنطى مانويل مع ملك بيت المقدس المسيحى اتفاقًا يقضى بتعاونهما على احتلال مصر، وهو مشروع لم يتم تحقيقه؛ وفى ثلاث مناسبات تدخل أمارليك، ملك بيت المقدس، فى مصر بجيش صليبى ليمنع اغتصاب أمير حلب نور الدين محمود للبلاد (١١٦٢، ١١٦٤، ١١٦٧ م)؛ ولكن عندما ظهر الملك الصليبى فى مصر للمرة الرابعة، بهدف احتلال البلاد، صارت للسوريين اليد العليا؛ وفى سنة ٥٦٤ هـ/ ١١٦٩ م دخل القائد شيركوه القاهرة على رأس جيش سورى ونصب نفسه وزيرًا للخليفة الفاطمى العاضد. وبعد موت شيركوه، الذى وقع يوم ٢٢ جمادى الآخرة ٥٦٤ هـ/ ٢٣ مارس ١١٦٩ م، خلفه ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب فى الوزارة، وهو الذى خلع الخليفة الفاطمى العاضد، آخر خلفاء الفاطميين، من الخلافة، وكان يبلغ من العمر آنذاك تسع سنوات، وجعل الخطبة باسم الخليفة العباسى المستضئ. وتوقف الأذان بالطريقة الإسماعيلية، وأوقفت مجالس الحكمة، وعادت البلاد إلى المذهب السُنى.
٤ - الفترة الأيوبية ١١٧١ - ١٢٥٠ م:
كانت دمشق، تحت حكم صلاح الدين، العاصمة الأولى لدولة الأيوبيين وهجرت قاهرة الفاطميين، وحين زار السلطان الأيوبى القاهرة، أقام فى القلعة التى بُنيت بعد سنة ٥٧٩ هـ/ ١١٨٣ - ١١٨٤ م. وبعد موت صلاح الدين (٥٨٩ هـ/ ١١٩٣ م)، حكم فرع العائلة الأيوبى مصر. وظلت بقية الممالك الأيوبية المختلفة فى إقليم الجزيرة وسوريا ومصر مرتبطة مع بعضها، بروابط عائلية، وشكلت الإمبراطورية الأيوبية ما يشبه الاتحاد الكونفيدرالى العائلى. ولقد كان نظام الإقطاع العسكرى المطبق فى سوريا منذ حكم السلاجقة هو التجديد
стр. 9195
الجوهرى الوحيد الذى أخذ به صلاح الدين. وفى سنة ٥٧٢ هـ/ ١١٧٦ م أمر السلطان بعمل (روْك) جديد، وهو مسح للأراضى، وكان الهدف منه قياس مساحة كل الأراضى فى مصر، ليعئيئ قيمتها بصدد الخراج ولتوزيعها على ضباطه وجنوده (كإقطاع)، كبديل لرواتبهم. ولقد ألُغى نظام (القبالة) الفاطمى، وهى (المقابل) الذى كان الفلاح يدفعه ضريبة عن أرضه بدلا من الخراج. ووُضع روْك صلاح الدين موضع التنفيذ سنة ٥٧٧ هـ/ ١١٨١ م. ووفقًا لحسابات (متجددات) وزيره القاضى الفاضل فإن قيمة الأرض التى تحولت من أرض خراج إلى أرض إقطاع ارتفعت قيمتها ذلك العام إلى ٣.٦٧٠.٥٠٠ دينار.
وأبقى الأيوبيون على تقسيم مصر الإدارى الفاطمى؛ وأورد ابن مماتى فى كتابه (قوانين الدواوين) قائمة مكتملة بمقاطعات وقرى البلاد، وفى سنة ٥٨٥ هـ/ ١١٨٩ م وضع القاضى الفاضل قائمة لدخل مقاطعات مصر، بلغت القيمة الكلية له ٤.٦٤٣.٠١٩ دينار، ولما كان دخل الخراج قد خرج آنذاك من تحت يد بيت المال، فقد اضطرت الحكومة المركزية أن تحتفظ لنفسها بجانب من أرض الإقطاع أعتبرت ملكًا للحاكم. وأورد القاضى الفاضل دخل هذه الأراضى الخاصة فى السنتين الأخيرتين من حكم صلاح الدين (٥٨٧ - ٥٨٩ هـ/ ١١٩١ - ١١٩٣ م) فوجد أن قيمتها تقريبًا ما بين ٣٥٤.٤٤٤ و ٣٥٤.٤٥٠ دينار.
وتكون سلاح الفرسان الذى قام صلاح الدين بتعبئته من مرتزقة أحرار، كانوا فى غالبيتهم من أصل كردى مثل السلطان نفسه. وبدأ السلطان الملك الصالح فى شراء بعض الأطفال الأتراك وأسكنهم فى جزيرة الروضة ليدُربوا تدريبا عسكريًا وليقوموا بالخدمة كحرس سلطانى. وكان هؤلاء هم المماليك الذين نجحوا فى سنة ٦٥٠ هـ/ ١٢٥٢ م فى وضع نهاية حكم بيت سلاطين الأيوبيين.
ومثلما فعل الفاطميون، فإن الأيوبيين نظموا التجارة بين المحيط الهندى والبحر المتوسط. على أن ظهور
стр. 9196
الصليبيين فى فلسطين والأردن هدد طريق البحر الأحمر البحرى كما هدد طرق الحج. وأدى ذلك إلى ازدهار ثغر عيذاب على ساحل البحر الأحمر (مقابل جدة)، الذى يتصل بمصر عبر طريق صحراوى ينتهى فى وادى النيل، أولًا عند أسوان وأخيرًا عند قوص. وفى سنة ٥٧٨ هـ/ ١١٨٣ م سار الرحالة الأندلسى "ابن جبير" فى طريق حجه فى هذا الطريق وقام بوصفه فى كتاب رحلته. وازدادت العلاقات التجارية بين مصر والغرب فى العصر الأيوبى. وأعطى صلاح الدين تصريحًا لدوق البندقية سباسيتانوزانى (١١٧٢ - ٧٨ م) الحق فى إقامة فندق للبنادقة فى الاسكندرية؛ وفى سنة ١١٧٧ م، وعقد معاهدة تجارية مع جمهورية جنوه بأن يكون لها تمثيل قنصلى فى الاسكندرية؛ وفى سنة ١٢٠٧ م أبرم الملك العادل معاهدة مع مدينة بيزا. ولكن فى السنوات ما بين ٦١٥ - ٦١٨ هـ/ ١٢١٨ - ١٢٢١ م قامت الجمهوريات الايطالية الثلاث بمساعدة الصليبيين فى دمياط الذين كانوا يستهدفون غزو مصر وفرض سيطرة مباشرة على التجارة ما بين البحر المتوسط والبحر الأحمر؛ ولكن فشل المغامرة وضع نهاية لهذه المشروعات.
٥ - الفترة المملوكية ١٢٥٠ - ١٥١٧ م:
قام القاضى والمؤرخ المصرى أبو حامد القُدسى (ت ٨٨٨ هـ/ ١٤٨٤ م) بتلخيص وضع مصر الذى وصلت إليه وتطورت خلال قرنين من حكم المماليك مقارنة بالعالم المعاصر لها آنذاك بوصفه بأنها بيضة (أى قلب) الإسلام ومقعد الأمامة، وفى هذا التقرير المختصر لخص الكاتب ثلاثة تطورات هامة فى تاريخ البلاد تتصل جميعها بقيام حكم دولة المماليك فى مصر فى منتصف القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى. وأصبحت مصر مع انضمام الشام لها، قوة مسيطرة ناهية فى الشرق الأدنى ودان لها الحجاز مدة قرنين ونصف من الزمان، كذلك حافظت على حدودها فى الغرب مع برقة وفى الجنوب مع النوبة.
وغدت مصر نفسها حصنًا لثقافة المذهب السُنى والمحافظة الدينية وشهد العهد المملوكى انتقال مقر الخلافة من
стр. 9197
بغداد إلى القاهرة مما حفظ للخلافة مكانها وأعطى الشرعية لحكم المماليك الذين اعتبروا حماة الرعية فى مصر وسوريا والمدافعين عنهم ضد أعداء الدين وخاصة ضد المغول. كذلك فإن كفاءة المماليك العسكرية سمحت لهم باقتلاع بقايا الوجود الصليبى من بلاد الشام. وعزز هذا الإنجاز العظيم دعواهم بأنهم ورثة الزنكيين والأيوبيين الذين أذكوا روح الجهاد ضد الغزو الصليبى للمنطقة.
وكان السلطان الملك الصالح أيوب قد جلب إلى مصر رقيق القبجاق من الأراضى شمال وشرق البحر الأسود بأعداد كبيرة، وأسكنهم فى جزيرة الروضة الحصينة على النيل، حيث أسس قلعته الجديدة هناك، وبذلك كوَّن لنفسه فرقة مسلحة موالية لشخصه وليس للبيت الأيوبى ككل، هذا البيت الذى انقسم على نفسه بعد وفاة صلاح الدين.
ونجح المماليك فى سنة ٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م فى تولى زمام أمور السلطة السياسية فى مصر. وعجلت حادثة واحدة بهذا الإجراء، وهى انتصارهم فى المنصورة على قوات الصليبيين بقيادة القديس لويس التاسع فى ربيع ٦٤٨ هـ/ ١٢٥٠ م. ووقع هذا النصر فى الفترة التى تُوفى فيها الملك الصالح، وانتظار ابنه وولى عهده المعظم توران شاه ليتولى الحكم بعد قدومه من حصن كيفا على نهر دجلة. وتولت الحكم فى مصر شجرة الدر زوجة الملك الصالح، بعد قتل المماليك لتوران شاه، ثم تنازلت شجرة الدر عن الحكم لزوجها الأتابك أيبك التركمانى، أحد قواد الصالح أيوب.
ويعتبر معظم المؤرخين لمصر الإسلامية أن حكم أيبك هو حكم أول سلاطين المماليك للبلاد.
وفى العقد الأول لحكم المماليك لمصر، جرت محاولات من جانب حاكم حلب الملك الناصر يوسف الثانى، لغزو مصر. وتعرض قائد البحرية الفارسى أقطاى للقتل على يد سيف الدين قُطز بإيعاز من أيبك. ويُعتبر بيبرس البندقدارى الذى عُرف فيما بعد بالظاهر بيبرس المؤسس الحقيقى لدولة
стр. 9198
المماليك، وتسببت الحرب مع المغول فى عقد المصالحة بين قواد المماليك. وسمح قطز لبيبرس وزملائه، الذين كانوا قد هربوا إلى سوريا، بالمشاركة فى قتال المغول وفى معركة عين جالوت الشهيرة (٢٥ رمضان ٦٥٨ هـ/ ٣ سبتمبر ١٢٦٠ م) التى وقعت فى فلسطين، حقق جيش المماليك الموحَّد بقيادة قطز وبيبرس الانتصار على قوات كتبغا، قائد هولاكو. ونتيجة لهذه المعركة تم تحرير دمشق وحيل بين المغول وغزوهم لمصر تمامًا.
ولم يجن قطز ثمار نصره، إذ قام بيبرس بقتله أخذًا بالثأر للقائد أقطاى. ودخل بيبرس القاهرة وهو يضع على رأسه إكليل الغار سلطانًا على مصر. وحكم بيبرس فى الفترة ما بين سنوات ٦٥٨ - ٦٧٦ هـ/ ١٢٦٠ - ١٢٧٧ م. ونجح بيبرس فى إحياء الخلافة العباسية ونقل مقرها إلى مصر، حيث ظلت هنالك قائمة حتى الفتح العثمانى لمصر سنة ٩٢٣ هـ/ ١٥١٧ م.
وفى عهد بيبرس توسعت حدود مصر بالتدريج غربًا وجنوبًا. فحين
أبحر الملك الصليبى لويس التاسع، بعد هزيمته فى مصر، إلى تونس ٦٦٨ - ٦٦٩ هـ/ ١٢٧٠ م طلب حاكم تونس الحفصى المساعدة من المماليك، ولقد اتُخذت إجراءات مبدئية نحو إقامة خطط دفاعية للجيش المصرى الذى أرسله المماليك إلى الغرب. وفى مملكة النوبة وقعت مشاكل أسرية أعطت لبيبرس الفرصة للتدخل وإخضاع أراضى الشلال الثانى للنيل للوضع الإقطاعى، ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا نقرأ فى المصادر أن مملكة المماليك امتدت من الفرات إلى دنقلة.
واستمرت سياسة بيبرس الناجحة بعد وفاته سنة ٦٧٦ هـ/ ١٢٧٧ م، دون أى تغيير مميز. وساعد السلطان قلاوون (٦٧٨ - ٦٨٩ هـ/ ١٢٧٩ - ١٢٩٠ م)، الذى ورث أبناؤه السلطنة عنه، على دمج نظام المماليك السياسى مع نظامهم العسكرى.
ومن أهم أعمال هذا السلطان، أنه كان أول من جلب المماليك الجركس إلى مصر سنة ٧٠٨ - ٧٠٩ هـ/ ١٣٠٩ - ١٣١٠ م ليؤدوا دورهم القيادى فى
стр. 9199
الجيش والدولة. واستولى قلاوون وابنه الأشرف الخليل (٦٨٩ - ٦٩٣ هـ/ ١٢٩٠ - ١٢٩٣ م) على آخر قلاع الصليبيين، طرابلس وعكا. كذلك تقدمت مواجهته لحدود مملكة إرمينيا المتقلصة وللإمبراطورية الايليخانية على الفرات، خلافًا لذلك، وأدى قلاوون واحبابة كحاكم مسلم ملتزم غاية فى الالتزام. وأنشا البيمارستان المنصورى، فى وسط القاهرة فى موقع قصر من قصور الفاطميين. وخلف الملك الناصرى محمد أخاه الأشرف خليل على عرش السلطنة، وتولى الناصر السلطنة ثلاث مرات، كان آخرها فى الفترة ما بين ٧٠٩ - ٧٤١ هـ/ ١٣١٠ - ١٣٤١ م. وفى سنة ٧٢٣ هـ/ ١٣٢٣ م، وقعت معاهدة سلام بين المماليك وبوسعيد الايليخان المغولى. وقام الناصر محمد بفرض السيادة المصرية على حكام بنى رسول فى اليمن، كما تثبتت المغارز المملوكية فى المواقع الاستراتيجية فى شبه الجزيرة العربية. وقام السلطان الناصر محمد بإلغاء وظيفة نائب السلطان مما يشير إلى سلطته المطلقة فى حكم البلاد.
وفى تتابع سريع، تناوب عرش السلطنة ثمانية من أبناء الملك الناصر واثنان من أحفاده واثنان من أبناء أحفاده فى الفترة ما بين سنوات ٧٤١ - ٧٩٢ هـ/ ١٣٤١ - ١٣٩٢ م. وحكم غالبيتهم دون أن يبلغوا سن الرشد، وكان معظمهم مجرد دمى فى أيدى القواد الأقوياء أمثال: قوصون، وأرجون العلائى، وصرغتمش، ويلبغا ومنتاش. وينفرد بين هؤلاء السلاطين الملك الناصر حسن بالشهرة بسبب مدرسته الشهيرة التى ابتناها أسفل القلعة والتى تُعد من أبرز الآثار المعمارية المملوكية.
وكان النصف الثانى من القرن الثامن الهجرى/ ١٤ م فترة هدوء نسبى لمصر عمومًا وللدولة المملوكية خصوصًا فى علاقاتها مع القوى الأجنبية. فقد خفف تزايد الاضطراب فى الدولة المغولية الايليخانية وفى ولاياتها التابعة لها الضغط على حدود دولة المماليك.
وجاء التهديد الأكبر لدولة المماليك من ناحية الشرق حين غزا تيمورلنك
стр. 9200
بلاد الشام فى سنة ٨٠٣ هـ/ ١٤٠٠ م، واستولى على حلب وحماة ودمشق دون مقاومة تذكر. وقام تيمورلنك بتخريب البلاد التى سقطت فى يده وقتل أهلها وتدمير منازلها وترحيل الحرفيين منها إلى عاصمته سمرقند. وكانت هذه الضربات التتارية الجديدة بداية النهاية لدولة المماليك فى الشام ثم فى مصر.
وتزامن مع هذا الهجوم المغولى قيام دولة المماليك البرجية فى مصر على يد برقوق الجركسى سنة ٧٩٢ هـ/ ١٣٩٠ م، وهى التى عرفت أيضًا بدولة سلاطين المماليك الجراكسة (الأفخاذ). وكان فرج بن برقوق، أحد أهم سلاطين هذه الدولة، وبوفاته لم يعد عرش السلطنة وراثيًا فى دولة المماليك. وكان النظام المتبع فى ولاية عرش السلطنة أن يتولى ابن السلطان المتوفى لفترة مؤقتة حتى يخرج عليه رجل قوى ينتزع السلطة منه. وقد خلف المؤيد شيخ فرج بن برقوق على عرش السلطنة، وكان رجلًا تقيًا عالمًا ورعًا. وكانت له (خانقاه) خاصة به يخلو بنفسه فيها إلى جوار باب زويلة.
وشهدت مصر فى عهد سلطنة الأشرف برسباى (٨٢٥ - ٨٤١ هـ/ ١٤٢٢ - ١٤٣٨ م) فترة هدوء داخلية وازدهار اقتصادى، وتجددت فى عهده السيطرة على غرب الجزيرة العربية وعادت كما كانت قبل ذلك بقرن من الزمان أيام حكم السلطان الناصر محمد بن قلاوون. وصار بندر جدة، فى عهد هذا السلطان، المركز التجارى الرئيسى لسفن تجارة الهند والشرق الأقصى المحملة ببضائع غالية الثمن والمتجهة إلى مصر بدلًا من ميناء عدن. ووضع برسباى هذا الميناء تحت سيطرة السلطان مباشرة، ورصد هنالك حامية عسكرية لحمايتها وحماية تجارة البحر الأحمر ذات الأرباح الوفيرة.
وكان تجار الكارم يسيطرون على تجارة العبود هذه بين الشرق والمغرب منذ عهد الفاطميين والأيوبيين، لكن برسباى احتكر هذه التجارة لصالحه
стр. 9201
دون تجارة الكارم. وأجبر برسباى التجار الأوربيين على شراء ما يحتاجونه من سلع الشرق من متجر السلطان فى الإسكندرية وبالأسعار التى يحددها. وفى بداية سنة ٨٢٥ هـ/ ١٤٢٣ م، أخضع برسباى صناعة السكر المصرى لسيطرة الدولة، مما أضر بمصالح القائمين بأمر هذه الصناعة من أبناء الشعب.
وعقب موت برسباى، تولى جقمق عرش السلطنة، ثم تولاه من بعده اينال (٨٤١ - ٨٦٥ هـ/ ١٤٣٨ - ١٤٦١ م)، ويعدان آخر جيل مماليك برقوق (الخاصكية). وفى عهد حكمهما، عانت البلاد من تدخل قوة الأتراك العثمانيين.
وجاءت نهاية دولة المماليك الجراكسة على يد العثمانيين، وذلك حين تقدم السلطان العثمانى سليم الأول لغزو سوريا سنة ٩٢٢ هـ/ ١٥١٦ م، وقام خاير بك، حاكم حلب، بالدفاع عنها لكنه لقى الهزيمة على يد قوات العثمانيين. وتُوفى السلطان قنصوه الغورى، خلال الحرب مع العثمانيين فى معركة مرج دابق. وتتبع السلطان سليم قوات خاير بك المنهزمة إلى مصر، وفى مصر انتخب طومان باى سلطانًا فى أحلك الظروف. وتصدى طومان باى لقوات العثمانيين لكن قواته لاقت هزيمتين إحداهما فى الريدانية والأخرى عند الجيزة، ووقع طومان باى أسيرًا فى يد العثمانيين الذين قاموا بقتله وتعليق جثته على باب زويلة. وبذلك زالت دولة المماليك وانتهى فصل رائع من فصول تاريخ مصر، وانقضى تاريخ هؤلاء الأبطال الذين خلفوا لنا آثارًا خالدة لا زالت تشهد على عظمتهم وشدة بأسهم حتى اليوم.
٦ - الفترة العثمانية ١٥١٧ - ١٧٩٨ م:
استولى سليم الأول على مصر (٢٩ ذى الحجة ٩٢٢ هـ/ ٢٣ يناير ١٥١٧ م)، وبذلك صارت مصر ولاية عثمانية تُحكم من استانبول. وتولى أمر حكم مصر ولاة عثمانيون يساعدهم مجلس من الأعيان (الديوان). وانقسم المجتمع المصرى، خلال الحكم العثمانى
стр. 9202
- المملوكى إلى طبقتين: طبقة حاكمة وطبقة محكومة تضم غالبية الشعب المصرى. وتزاوج بعض رجال الحامية العثمانية (الأوجاك) من المصريات الأمر الذى أدى إلى إنجاب أبناء متمصرين (مصرلية).
ومن المحتمل أن يكون تجار القاهرة وحرفيوها قد جندوا بأعداد كبيرة، خاصة فى فرق الإنكشارية والعزبان، وكانت الدولة فى حاجة لجهودهم العسكرية.
وظهرت طبقة البكوات فى مصر، التى حلت محل كبار أمراء سلاطين المماليك، ولم تستحوذ على إقطاعات ولكنهم كانوا يتقاضون أجورهم كضباط وجمعوا لأنفسهم مؤخرًا ثروات طائلة من وراء نظام الالتزام. وفى القرنين التاليين صار بكوات المماليك أفراد بيت عسكرى قوى، وبخاصة جماعة الذولفقارية، والقاسمية، والقادوغلية. وقاموا بقيادة القوات المحاربة وأصبحوا "سرداريين"، وحكامًا للولايات، وتولوا مناصب: الدفتردارية وإمارة الحج والقائمقامية.
وفى ظل هذا النظام ضعُفت شخصية الوالى العثمانى، الذى عادةً ما يكون غريبًا عن القطر الذى يقوم نيابة عن السلطان. وكان كل همّ الوالى هو جمع الضريبة السنوية (الإرسالية) المفروضة على الولاية وإرسالها إلى خزانة السلطان، وجمع ثروة خاصة له يسدد منها تكاليف حصوله على المنصب الذى يشغله -وكانت تلك مهمة الملتزمين الذين عليهم أن يجمعوا أكبر قدر ممكن من الأموال للوالى من المزارعين. وحدث فى سنة ٩٩٤ هـ/ ١٥٨٦ م تمرد عسكرى فى البلاد بسبب اختلاس الوالى العثمانى لأموال الإرسالية وتأخره عن دفع مستحقات الحامية العثمانية. وأدى هذا الحادث إلى سلسلة تمردات أخرى بلغت مداها فى سنة ١٠١٣ هـ/ ١٦٠٥ م بقتل المتمردين للوالى العثمانى. وبرغم اتخاذ السلطات العثمانية عدة تدابير مشددة فى الفترة ما بين سنوات ١٠١٦ - ١٠٢٠ هـ/ ١٦٠٧ - ١٦١١ م، إلا أن هذه التدابير لم تُعد للوالى
стр. 9203
سيطرته على البلاد. ومنذ ذلك التاريخ فصاعدًا أصبح الولاة العثمانيون يعتمدون فى حفاظهم على منصبهم على الإيقاع بين أمراء المماليك بعضهم وبعض. وخلال القرن الثانى عشر الهجرى/ الثامن عشر الميلادى أصبحوا بالفعل سجناء القلعة، يلقون رضاء أمراء المماليك أحيانا ويطردون من القلعة معزولين محتقرين على أيديهم فى بعض الأحيان الأخرى.
وأصبح بكوات المماليك فى منتصف عقود القرن الحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى العنصر البارز فى السياسة المصرية. ففى سنة ١٠٤٠ هـ/ ١٦٣١ م قاموا بعزل والٍ عثمانى تسبب فى مقتل واحد من جماعتهم، كذلك تقلد هؤلاء البكوات منصب القائمقام، وتولوا إمارة الحج. وتقاسم بيت الفقارية وبيت القاسمية باكوية المماليك، وكان الأوائل جراكسة والآخرون بوسنيين. وتقلد رضوان بك زعيم الفقارية إمارة الحج بصفة دائمة مدة ربع قرن من الزمان (١٠٤١ - ١٠٦٦ هـ/ ١٦٣١ - ١٦٥٦ م). وتدهور أمر البيت الفقارى بعد وفاته، ووقع صراع بين هذا البيت وبيت القاسمية انتهى بانتصار القاسمية فيما عُرف "بواقعة السناجق".
وترأس السنجق أحمد بك بيت القاسمية، وتوقف بكوات المماليك آنذاك عن الاعتراض على سلطة الوالى العثمانى وتفرغوا للسيطرة على مناصب الدولة الهامة ووظائفها الإدارية والعسكرية، فى الوقت الذى بلغت فيه فرق الانكشارية أقصى مكانة لها فى البلاد.
وبعد ٣٢ عامًا تزعم فيها بيت القاسمية باكوية المماليك، نجح البيت الفقارى فى انتزاع هذه السيادة له وتولى رجاله معظم وظائف الدولة الهامة، واستمر الحال على ذلك حتى سنة ١١٢٣ هـ/ ١٧١١ م حين نجح القاسمية فى إحراز النصر على الفقارية واستعادة سيادتهم وسيطرتهم على البلاد، وصارت فى أيديهم الرئاسة الحقيقية رغم وجود نظام الحكم القديم على ما عليه بوجود الوالى والديوان. وبعد سنة ١١٦٨ هـ/
стр. 9204
١٧٥٤ م صار البك المملوكى يجمع بين البكوية ومنصب حاكم القاهرة "شيخ البلد". وشكَّل بكوات المماليك جمعية لهم كانت لها السلطة الفعلية فى حكم البلاد دون الديوان العثمانى. وصار رؤساء الصعيد، برئاسة الشيخ همام ابن يوسف الهوارى، أحلافًا للقاسمية. وكانت السلطة العليا فى الصعيد قد صارت للشيخ همام منذ سنة ١١٥٣ هـ/ ١٧٤١ م فصاعدًا.
ونازع بيت القازوغلية البيت القاسمى على مشيخة البلاد ومناصب الدولة العليا، منذ منتصف القرن ١٢ هـ/ ١٨ م، واستحوذوا على السلطة فى البلاد حتى مجئ الحملة الفرنسية إلى مصر. وكان القازوغلية قد دخلوا فيما بينهم فى صراعات عائلية انتهت سنة ١١٦٨ هـ/ ١٧٥٤ م بعد موت زعيمهم إبراهيم بك كخيا إلى ظهور على بك الكبير، الذى حكم مصر حكمًا مطلقا وانفرد بحكمها بعد أن تغلب على قوة همام حاكم الصعيد سنة ١١٨٣/ ١٧٦٩ م. واتجه على بك بأنظاره إلى آفاق التوسع الخارجى ففتح الحجاز سنة ١١٨٤ هـ/ ١٧٧٠ م. وأرسل بعد ذلك قائده المملوكى المخلص محمد أبو الدهب لفتح الشام سنة ١١٨٥/ ١٧٧١ م. لكن أبا الدهب، بعد أن استولى على دمشق، عاد إلى القاهرة وانقلب على سيده على بك وقام بنفيه إلى الشام فى العام التالى. وحاول على بك أن يستعيد سلطانه لكنه فشل فى ذلك وألقى القبض عليه وتوُفى سنة ١١٨٧ هـ/ ١٧٧٣ م متأثرًا بجراحه. واستمر أبو الدهب فى حكم البلاد، إلا أنه توفى سنة ١١٨٩ هـ/ ١٧٧٥ م أثناء قيامه بحملة ضد ضاهر العمر حاكم فلسطين.
وشهد العقد التالى صراعًا للاستحواذ على السلطة فى مصر بين آخر بكوات القازوغلية إسماعيل بك واثنين آخرين من بكوات المماليك وهما إبراهيم بك ومراد بك. وظل الصراع قائمًا بين الطرفين حتى مجئ الحملة الفرنسية إلى مصر بقيادة نابليون
стр. 9205
بونابورت واحتلالها لها سنة ١٢١٣ هـ/ ١٧٩٨ م.
٧ - فترة التاريخ الحديث الأولى ١٧٩٨ - ١٨٨٢ م
(أ) الاحتلال الفرنسى ١٧٩٨ - ١٨٠١ م:
فى الليلة الأولى من شهر يوليو ١٧٩٨ م، رسى فيلق حربى فرنسى بقيادة الجنرال نابليون بونابورت فى مياه غرب ميناء الاسكندرية، بهدف احتلال مصر وتهديد طريق الانجليز إلى مستعمراتها فى الهند. وهزمت القوات الفرنسية الجيش المملوكى، الذى كان يقوده مراد بك فى معركة الأهرام (يوم ٢١ يوليو)، وانتهى بذلك حكم دولة المماليك فى مصر. وأقام الفرنسيون لهم إدارة جديدة لحكم البلاد، فى الوقت الذى بحثوا فيه عن كسب تعاون المصريين معهم من خلال إنشاء ديوان يُشكل من أعيان البلاد فى القاهرة والأقاليم يشاركهم فى الحكم. إلا أن المصريين لم يتقبلوا الاحتلال الفرنسى وثاروا ضده فى القاهرة لأول مرة (يوم ٢١ أكتوبر ١٧٩٨ م)، ثم تلا ذلك ثورات أخرى ضدهم فى معظم أرجاء البلاد.
ولم تتح أى فرصة للفرنسيين كى يقوموا بتقوية حكمهم فى البلاد، بسبب تربص الأسطول البريطانى لهم وتحطيم أسطولهم فى مياه أبى قير فى معركة أبى قير البحرية. وبعد فشل حملة أرسلها نابليون إلى سوريا، عاد إلى فرنسا، فى ٢٣ أغسطس ١٧٩٩ م، تاركًا قيادة الحملة لقائده عبد اللَّه مينو، الذى اعتنق الإسلام وتزوج من زبيدة المصرية الرشيدية. وأصبحت مهمة مينو هى إعادة رجال الحملة سالمين إلى فرنسا، وقد تم بالفعل رحليهم النهائى عن الاسكندرية فى ٢ سبتمبر ١٨٠١ م. ومن أهم إنجازات الحملة الفرنسية على مصر إنجازها كتاب "وصف مصر"، الذى تناول دراسة مختلف نواحى الحياة فى البلاد، وكشف حجر رشيد الذى حل رموز اللغة الهيروغليفية المصرية القديمة. وليس حقيقة ما يُدعى من أن هذه الحملة قد تسبب فى حدوث كل التطورات الحديثة فى مصر، لكنها فى
стр. 9206
الحقيقة هى وضعت البلاد فى المواجهة المباشرة مع الحضارة الغربية، وأنها أدخلت مصر فى فلك لعبة السياسة الأوربية والاستعمار الأوربى.
(ب) الفترة العثمانية الانتقالية؛ محمد على (١٨٠٥ - ١٨٤٨ م):
بعد انسحاب الفرنسيين من مصر، حاول العثمانيون من ناحية والمماليك من ناحية أخرى الاستحواذ على الحكم، بينما قررت بريطانيا فرض نفوذها على مصر. وظهرت على السطح فى مصر آنذاك جماعة "علماء" القاهرة الذين أحرزوا مكانة مهمة أثناء الاحتلال الفرنسى وقيادتهم الشعب فى ثوراتهم ضده. والتف العلماء حول محمد على الضابط المقدونى الطموح، الذى وفد على مصر صحبة القوات العثمانية سنة ١٨٠١ م. وفى ١٣ مايو ١٨٠٥ م، أعلن العلماء بقيادة عمر مكرم نقيب الأشراف وعبد اللَّه الشرقاوى شيخ الجامع الأزهر، عزل الوالى العثمانى خورشيد باشا وتقليد محمد على سلطات الوالى. واضطر الباب العالى أن يرضخ لإرادة الشعب المصرى ورضى عن اختياره لمحمد على واليًا عليهم. وأشرك محمد على العلماء معه فى السلطة بادئ الأمر، لكنه سرعان ما استبد بالحكم وتنكر للشعب الذى اختاره بإرادته، وتخلص محمد على من قيادة الشعب المصرى بإبعاده السيد عمر مكرم سنة ١٨٠٩ م عن البلاد. ونجح محمد على فى التخلص من نفوذ المماليك فى الصعيد، ثم قام بتدبير مذبحة القلعة الشهيرة فى أول مارس ١٨١١ م التى قضى فيها على معظم أمرائهم. ومنذ ذلك التاريخ أصبح هو السيد الوحيد الحاكم فى مصر مع الاعتراف بتبعيته للباب العالى.
وقام محمد على بعدة حملات عسكرية خارج مصر، شنها أولًا باسم السلطان العثمانى، ثم واصل أمرها بهدف توسعة مملكته. فأرسل سنة ١٨١١ م حملة إلى الجزيرة العربية ضد الحركة الوهابية، وهزم قواتها فى الدرعية سنة ١٨١٨ م، وفرض السيادة المصرية على شبه الجزيرة العربية حتى بداية الأربعينيات. وفى سنوات ١٨٢٠ - ١٨٢١ م استولت قواته على
стр. 9207
السودان حتى خط الاستواء، ثم استولت على موانى سواكن ومصوع، بعد ذلك، سنة ١٨٤٠ م.
ولمَّا بدأت حرب الاستقلال اليونانية سنة ١٨٢١ م، وطلب السلطان العون من واليه المصرى، سارت القوات المصرية لقمع التمرد على السلطان فى كريت وقبرص سنوات ١٨٢٢ - ١٨٢٣ م. وفى فبراير ١٨٢٥ م نزلت هذه القوات فى شبه جزيرة المورة واحتلت غالبيتها آخر ذلك العام. واحتلت القوات المصرية ميسلون، شمال خليج كورنثة سنة ١٨٢٦ م. وبعد أن حطم الإنجليز والفرنسيون والروس الأسطول العثمانى المصرى فى معركة نافارينو (فى ٢٠ أكتوبر ١٨٢٧ م)، قرر محمد على إنهاء مشاركته فى هذه الحرب وتخلى عن مساعدته للسلطان العثمانى، فعقد فى ٦ أغسطس ١٨٢٨ م اتفاقًا مع بريطانيا بسحب قواته من المورة، لكن كريت ظلت تحت القيادة المصرية حتى سنة ١٨٤٠ م.
وميَّز انسحاب محمد على من الحرب اليونانية بداية مرحلة جديدة فى سياسته توجهت بوضوح ضد الإمبراطورية العثمانية. وبدأ محمد على هذه السياسة بغزو بلاد الشام، إذ أرسل لها جيشًا يقوده ابنه إبراهيم الذى نجح فى احتلال عكا ثم دمشق (١٦ يونيو ١٨٣٢ م). وأحرز الجيش المصرى فى ٣٠ يوليو انتصارًا عند بيلان فتح الطريق أمامه إلى أطنة فى داخل الأناضول. كذلك انتصر الجيش عند قونية، وفى فبراير ١٨٣٣ م وصلت قوات إبراهيم إلى كوتاهية، على بعد ٢٠٠ كم من استانبول، عندئذ تدخلت القوى الأوربية لإنقاذ الإمبراطورية العثمانية. وفى أوائل مايو، تم الاتفاق على انسحاب المصريين من الأناضول، مع حصول محمد على على إيالات صيدا وطرابلس ودمشق وحلب، مع تعيين ابنه إبراهيم على إيالة أطنة.
وخلال السنوات التسع التى قضاها الوجود المصرى فى بلاد الشام، قام المصريون بإدخال بعض التجديدات السياسية والاقتصادية الهامة فى البلاد. ورغم ذلك فقد واجه التواجد المصرى هنالك صعوبات التمرد
стр. 9208
والثورات. وفى سنة ١٨٣٩ م تقدم الجيش العثمانى للقاء المصريين فى بلاد الشام، لكنه هُزم هزيمة كبيرة عند نصيبين، غرب أعالى الفرات (يوم ١٤ يونيو). وعندما ازداد تهديد محمد على (لرجل أوربا المريض)، تدخلت الدول الأوربية ثانية حتى تمنع تصدع الباب العالى وقيام بديل قوى له فى المنطقة، ولم تقف إلى جانب محمد على سوى فرنسا. ولما رفض محمد على شروط مؤتمر لندن (١٥ يوليو - ١٨٤٠ م)، تقدمت القوات الغربية وحطمت قوة محمد على العسكرية وأجبرته على أن يوقع مع بريطانيا معاهدة إنهاء الحرب فى ٢٧ نوفمبر، وقيام قواته بالجلاء نهائيًا عن بلاد الشام فى فبراير ١٨٤١ م. ولقد قبل محمد على بعد ذلك اتفاقًا، بعد تحطيم قواته، فى ١٠ يونيو ١٨٤١ م، بترك كل الأراضى التى احتلها ما عدا الأراضى السودانية، والموافقة على تخفيض عدد قواته وأن يدفع ضريبة سنوية للباب العالى. وتعهد بأن تكون ولاية العهد من بعده فى مصر فى أبنائه الذكور حسب السن، بأن يكون أكبر أبناء الأسرة سنا خلفًا له فى الحكم، مثلما هو الحال فى البيت العثمانى.
وحين أصبح محمد على غير قادر على الاستمرار فى الحكم، تولى أمر الحكومة بعده ابنه إبراهيم فى ابريل ١٨٤٨ م، الذى عين واليًا بمقتضى فرمان السلطان العثمانى فى ٢ سبتمبر. لكن إبراهيم توفى قبل والده فى ١٠ نوفمبر ١٨٤٨ م، فتولى أحد أحفاد محمد على وهو عباس حلمى الأول الوصاية على العرش. وتوفى محمد على يوم ٢ اغسطس ١٨٤٩ م.
(جـ) عباس الأول (١٨٤٨ - ١٨٥٤ م)، سعيد (١٨٥٤ - ١٨٦٣ م) وإسماعيل (١٨٦٣ - ١٨٧٩ م):
بعد فترة توقف دامت لسنين قليلة، استأنف خلفاء محمد على سياسة التحديث فى البلاد. وتمت هذه السياسة تحت ظروف مختلفة. وفتحت مصر صدرها لكل التأثيرات الأجنبية، ونتج عن ذلك تقدمٌ، لكن هذا التقدم أعقبه خراب اقتصادى ثم احتلال أجنبى. وواصل الخديو عباس سياسة جده محمد على الرامية إلى تخفيض الإنفاق
стр. 9209
فى الدولة، لكنه اغتيل فى ظروف غامضة يوم ١٣ يوليو ١٨٥٤ م. وخلف عباس فى حكم مصر: محمد سعيد (باشا)، الذى توفى فى ١٨ يناير ١٨٦٣ م، ثم إسماعيل (باشا) ابن إبراهيم، وكان كل من سعيد واسماعيل مسئولين عن سياسة انفتاح مصر على الأجانب. كما قام هذان الخديويان بإنجازات هامة منها بناء السكك الحديدية وإنشاء الجسور والموانى وحفر الترع والقنوات والارتقاء بالزراعة والصناعة والعمران.
وكان حفر قناة السويس، هو أهم المشروعات التى تستدعى الانتباه فى عهد هذين الحاكمين. وكان الخديو سعيد قد أعطى موافقته على حفر قناة تربط ما بين البحرين المتوسط والأحمر للفرنسى فرديناند دى لسبس فى ٣٠ نوفمبر ١٨٥٤ م. وبُدئ العمل فى حفر هذه القناة فى ٢٥ أبريل ١٨٥٩ م، وتم الفراغ من حفرها وافتتاحها للملاحة فى ١٧ نوفمبر ١٨٦٩ م، فى احتفال كبير حضرته شخصيات بارزة وضيوف ممثلين لدول كثيرة مختلفة.
وتركز التقدم الاقتصادى فى مصر آنذاك فى الزراعة، فتوسعت البلاد فى زراعة القطن، الذى كانت الدولة فى حاجة لانتاجه بعد أن توقف استيراده من الولايات المتحدة الأمريكية بسبب وقوع الحرب الأهلية فيها. وكذلك قامت فى البلاد بعض الصناعات التى كانت تعتمد على المنتجات الزراعية مثل صناعة السكر من القصب وصناعة استخراج الزيت. وفى التعليم، قامت جهود كبيرة بتطويره فحلت المدارس النظامية محل الكتاتيب، وفى سنة ١٨٧١ م أُسست كلية دار العلوم بهدف إعداد الدارسين الأزهريين للتدريس فى المدارس، وفى سنوات ١٨٧٣، ١٨٧٤ م افتتحت أول مدارس نظامية لتعليم البنات.
ولمَّا كانت موارد دخل البلاد لا تغطى مصروفاتها، لجأ حكام مصر إلى الاستدانة من البنوك الأجنبية، ولم تصل هذه الديون إلى مبالغ كبيرة فى عهد عباس، لكنها بلغت ذلك فى عهد كل من سعيد وإسماعيل. وكان يصحب هذه القروض فوائد كبيرة،
стр. 9210
وفى نهاية عهد حكم إسماعيل وصلت ديون مصر إلى ١٠٠ مليون جنيه استرلينى. وقام إسماعيل، لسداد فوائد هذه الديون، برهن بعض المنشآت الحكومية العامة، كذلك قام ببيع حصة مصر فى قناة السويس مقابل مبلغ زهيد. ومع تزايد الديون ازداد التدخل الأجنبى فى شئون مصر وازدادت سيطرة القوى الأوربية عليها. واضطر الخديو اسماعيل إلى الموافقة على إنشاء "صندوق الدين" من مندوبى فرنسا وبريطانيا وإيطاليا والنمسا، وكانت مهمته تسديد ديون رعايا هذه الدول. ومنذ ذلك الوقت فصاعدًا، ازداد عدد الأوروبيين العاملين فى فروع الإدارة المصرية، وصار وزير المالية إنجليزيًا ووزير الأشغال فرنسيًا فى الحكومة التى شكلت فى سبتمبر ١٨٧٨ م.
وبدأ فى ذلك الوقت تكوين رأى عام قومى، عبر عن نفسه فى صحف مستقلة ظهرت فى البلاد منذ سنة ١٨٧٦ م، وفى حلقات نقاش، مثل تلك التى أقامها جمال الدين الأفغانى فى القاهرة سنة ١٨٧١ م بتشجيع من الحكومة المصرية. وفى أوائل سنة ١٨٧٩ م قام أكثر من ثلثمائة موظف مدنى وضابط عسكرى وعلماء وأعيان بتوقيع عريضة قومية (لائحة وطنية) أوردوا فيها مطالبهم الوطنية وقدموها للخديو. وفى ٧ أبريل قام الخديو إسماعيل بحل الوزارة التى كانت تضم الوزراء الأجانب، وقام فى اليوم التالى بتشكيل حكومة وطنية جديدة. واستتبع ذلك نشاط دبلوماسى فى العواصم الأوربية للتشاور فى الأمر. وفى نهاية الأمر أصدر السلطان العثمانى قرارًا بعزل إسماعيل عن حكم مصر (٢٦ يونيو ١٨٧٩ م) وتعيين ابنه محمد توفيق مكانه.
(د) القسم الأول من عهد حكم توفيق والثورة العرابية (١٨٧٩ - ١٨٨٢ م):
عادت السيطرة الأجنبية على مالية مصر فى عهد حكم الخديوى الجديد، لكن لم يعد هنالك مكان فى الوزارة الجديدة للوزراء الأجانب. وتم اتفاق نهائى بين الدائنين والحكومة على أن يُوحد الديْن ويُصبح مجموعه ٩٨.٣٧٨.٠٠٠ جنيها استرلينى، وأن يخصص نصف دخل موارد البلاد