ولقد نسب لمعاوية إنشاء ديوان الرسائل وديوان الخاتم وديوان البريد. كما تلقب بلقب خليفة اللَّه مثلما فعل الراشدون من قبله، وقد اتصف معاوية بالحلم الزائد وضبط النفس الشديد فى مواجهة رعيته، وهنالك قول مأثور عنه وهو "لو أن هنالك شعرة بينى وبين الناس ما قطعتها أبدًا فإنهم إذا شدوها أرخيتها وإن هم أرخوها جذبتها".
ولقد كان حكم معاوية لبلاد الشام حكما قويًا، مستندًا إلى قواته التى كانت غالبيتها من حلف قضاعة التى كان ولاؤها لقبيلة "كلب". ولقد نزح الكلبيون إلى بلاد الشام أيام الجاهلية، وكانوا فى خدمة الغساسنة، الذين كانوا يشكلون إمارة حاجزة على حدود سوريا، وكانت موالية للبيزنطيين ومعادية لإمارة اللخميين الموالين للفرس الساسانيين وقد كانوا على حدود العراق. وقد اعتنق الكلبيون المسيحية على المذهب اليعقوبى المونوفيستى، ووقفوا على الحياد حين وقع الغزو العربى على سوريا. على أنهم دخلوا بعد ذلك الإسلام واندمجوا داخل البيئة العربية أثناء ولاية معاوية على الشام. وقد صاهر معاوية الكلبيين بزواجه من ميسون بنت بهدل الكلبية، ابنه بهدل بن عُنيف من عشيرة الحارثة بن جندب، التى كانت بيتًا من بيوت الكلبيين. ولقد انجبت ميسون لمعاوية ولدهما يزيد واستطاع معاوية أن يدعم حكومته بالشام بتحالفه مع الكلبيين وقبائل قضاعة التى استقرت فى وسط وجنوب سوريا، وقبائل كندة اليمنية.
وفى أواخر أيام حياته أخذ معاوية البيعة بالخلافة لابنه ووريثه يزيد، الذى كان آنذاك فى سن الشباب، وكان سديد الرأى، وفوق ذلك كله أنه كان يمثل استمرار التحالف بين الكلبيين وآل سفيان. ولقد قاوم العلويون الهاشميون هذه البيعة، وتزعم المقاومة داخل الحجاز كل من عبد اللَّه بن الزبير والحسين بن على. ولقد ازدادت مقاومة العلويين ليزيد بعد أن تولى الحكم سنة ٦٠ هـ/ ٦٨٠ م، وبموت يزيد المبكر سنة ٦٤ هـ/ ٦٨٣ م اندلعت الحرب الأهلية فى البلاد من جديد.
وبتولى معاوية الحكم وتوريثه لابنه من بعده، وانتقال الخلافة من الحجاز
стр. 9242
إلى الشام، تحولت الخلافة إلى نظام ملكى عضود، وأصبحت تشبه الملكية الفارسية أو البيزنطية وهو أمر لم يتقبله جمهور المسلمين.
على أن صورة معاوية لا تزال صورة متوازنة، وهو لا يظهر من خلالها مجرد رجل حوّل الخلافة إلى ملكية، ولكنه يظهر أيضا كحاكم ماهر ناجح، نال إعجاب المؤرخين. وفى رأى ابن رشد، فإن خلافته تمثل تحولًا من المجتمع المثالى إلى مجتمع العظمة والأبهة، وفى رأى ابن خلدون فهى تمثل مرحلة تحول من العصبية القبلية إلى الملك.
المصادر: وردت فى المتن.
د. عطية القوصى [م. هندس M. Hends]
معبد بن وهب
أبو عباد، أحد المغنين والملحنين العظام فى العصر الأموى. ولد فى المدينة وتوفى فى دمشق عام ١٢٥ هـ/ ٧٤٣ م أو ١٢٦ هـ/ ٧٤٤ م. كان ابن زنجى، لهذا كان عبدًا ثم صار مولى لإحدى عائلات بنى مخزوم يرعى أغنامهم. يقال إنه اتجه للموسيقى بسبب رؤيا رآها، مثله فى ذلك مثل كثير من الموسيقيين الشرقيين. سرعان ما اشتهر فى المدينة ووجهت له الدعوات للغناء فى مكة حيث وضع ابن سريح قواعد الصنعة وحصل على الجائزة فى مباراة فى الغناء نظمها ابن صفوان الأكبر (توفى عام ٧٣ هـ/ ٦٩٢ م). وقد غنى معبد أمام الخليفتين الوليد بن عبد الملك ويزيد بن عبد الملك. وبعد وفاة ابن سريح (حوالى عام ١٠٨ هـ/ ٧٢٦ م) بلغ الذروة فى مهنته كأحد أفراد حاشية الأمير الوليد بن يزيد من الأدباء والفنانين. وعندما تولى الوليد الخلافة عام ١٢٥ هـ/ ٧٤٣ م دعا معبدًا، الذى كان قد كبرت سنه وضعفت صحته، إلى دمشق ولكنه مرض وتوفى فى القصر بعد أن عانى من شلل جزئى، ورافق الخليفة جثمانه إلى أسوار القصر.
كان معبد، الذى يعتبر أحد "أربعة مغنين عظام" فى صدر الإسلام، كبير الموسيقيين فى مدرسة المدينة الموسيقية وقد كتب يصف أسلوبه فى تلحين الأغانى فقال: "أمتطى دابتى وأضبط
стр. 9243
الايقاع بالطرق بالقضيب على السرج وأترنم بالبيت حتى ينضبط اللحن". وكان يفضل الضرب الثقيل من الإيقاع ويكثر من الحليات الموسيقية، وقد عرف عدد من أغانيه بأسماء خاصة مثل أغنية المدن والحصون التى يتغنى فيها بالأماكن التى فتحها قتيبة بن مسلم وأغنيات قتَيْلات وهن ثلاث أغنيات من أبيات للأعشى عن فتاة تدعى قتيلات. وقد جمع تلميذه يونس الكاتب أغانيه (أى نصوص الأغانى) فى كتابه "كتاب فى الأغانى" ثم بعد ذلك جمعها إسحاق الموصلى مع بيان النغمات (الطريقة) والإيقاع فى كتابيه "أغانى معبد" و"أخبار معبد وسريج وأغانيهما". وقد أخذ أبو الفرج من هذه المراجع فى كتابه "الأغانى" بالإضافة إلى مجموعات أخرى من المقالات عن أغانى معبد منها رسالة جامع أغانى معبد للهشامى.
قام معبد بتعليم عدد من المغنيات والمغنين، ومن أفضل تلاميذه المعروفين ابن عائشة ومالك بن أبى السمح والمغنيتان سلامة وحبابة، كما أثر فى نمط الموسيقى فى بغداد من خلال تلاميذه حكم الوادى ودحمان وأشعب وسياط، وكان اسحاق الموصلى (المتوفى عام ٢٣٥ هـ/ ٨٥٠ م) يعتبره "المغنى الكامل" وله "موهبة تفوق أقرانه" وكان يعتبر أغانيه نماذج للأغنية "العربية الخالصة". وكان الحسن بن أحمد الكاتب (بداية القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى) يعد أغانيه من الألحان المثالية، وبالتالى لم يكن يسمح بإضافة أى زخرفة لها، وذلك على غير ما جرت عليه العادة ومنذ عصره إلى يومنا هذا، يعد معبدًا الموسيقى العربى الأول بلا منازع.
المصادر:
(١) الأغانى: جزء ١ صفحة ٣٦ - ٥٩.
(٢) الجمحى: الطبقات، القاهرة ١٩٥٢ م صفحة ٥٣٨ - ٤٠.
(٣) المسعودى: مروج، الجزء ٥١ صفحة ٤٤٧.
(٤) الطبرى: الجزء ٣، صفحة ٤١٧ و ٥٤١ - ٢.
حسين أحمد عيسى [هـ. ج. فارمر H. G. Farmer، إى. نوبياور E. Neubauer]
стр. 9244
المعتزلة
المعتزلة اسم فرقة من أهم الطوائف الدينية نشات فى البصرة، فى النصف الأول من القرن الثانى الهجرى، على يد واصل بن عطاء (توفى ١٣١ هـ/ ٧٤٨ م).
أصل التسمية: لا يزال يكتنفه الغموض. فطبقا لرواية يعترف بها المعتزلة أنفسهم تتصل التسمية بواصل، أو خليفته عمرو بن عبيد (توفى ١٤٤ هـ/ ٧٦١ م) حيث اعتزل أيهما مجلس الحسن البصرى (أو قتادة). وبالنسبة للخلاف على صفة المسلم مرتكب الكبيرة، فقد اعتبره واصل "فاسقًا" أى "فى منزلة بين المنزلتين"، الإيمان والكفر، خروجًا على رأى المرجئة الذين يقولون بإيمانه، والخوارج الذين يقولون بتكفيره. وهو بذلك قد "اعتزل" الفريقين.
ويؤخذ مفهوم الاعتزال عمومًا على إنه الوقوف على الحياد فى مواجهة الفرق المتنازعة، ويقال فى هذا الصدد إنه يطلق على بعض الصحابة الذين وقفوا على الحياد بين على ومعاوية، كعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وسعد ابن أبى وقاص، أنهم "معتزلة". ولكن ليس هناك من صلة بين هؤلاء وحركة الاعتزال التى أسسها واصل بن عطاء لكن هذا التفسير صحيح من حيث المبدأ. .
ولا يعرف إلا القليل عن منشأ هذه الحركة، وإن كان الراجح هو أن واصل هو أول من أنشاها، وقد كان تلميذًا للحسن البصرى، وبعد وفاة الحسن أنضم تلميذ آخر من أشهر تلاميذه، وهو عمرو بن عبيد، لواصل، وهو الذى تولى قيادة الجماعة بعده. على أنه لا يمكن أن يكون المذهب قد تطور فى هذه المرحلة المبكرة إلى الدرجة التى صيغ بها فى فترة لاحقة على يد أبى الهذيل. وما من شك أن المسائل التى ثارت هنا هى التى ثارت سابقًا فى وسط "القدرية" التى كان الحسن ينتمى إليها: إنكار مبدأ الجبر، والتأكيد على مسئولية الإنسان عن أفعاله، ولا يمكن نسبة ما يفعله الإنسان من معاص للَّه. إلا أنه فى موضوع وصف مرتكب الكبيرة، فيبدو أن الحسن قد قبل القول بالمنزلة بين المنزلتين ولكنه وصف
стр. 9245
المسلم مرتكبها بأنه "منافق" وليس فاسقا. كما أن الحسن قد قال بخلود مرتكب الكبيرة فى النار، أسوة بالكافر، إذا لم يتب قبل موته، وهو نفس المبدأ الذى يعرف عند المعتزلة بمبدأ "الوعد والوعيد".
وقد قيل إن الحركة كانت ذات أهداف سياسية على أساس التفسير المنفرد للاعتزال ومبدأ المنزلة بين المنزلتين وبالتحديد الانتصار للدعوة العباسية، وهو قول ثبت خطؤه، ليس فقط لأن المعتزلة لم يثبت تأييدهم للعباسيين، بل إنهم قد انضموا لثورة إبراهيم بن عبد اللَّه عام ١٤٥ هـ/ ٧٦٢ م فإن الاتجاه الذى سلكه واصل كان ذا طبيعة دينية خالصة ولم يكن الأخذ بمذهبهم رسميًا فى عهد المأمون سوى لفترة قصيرة.
التطور التاريخى: ليس عصر ازدهار المعتزلة مقصورا، كما يذهب الرأى الغالب، على العصر العباسى الأول. ذلك أن القرار الذى أصدره المتوكل، بشأن إنهاء المحنة [محنة خلق القرآن، ] فى ٢٣٤ هـ/ ٨٤٨ م لم يكن سوى إنهاء لعصر تمتع فيه أصحاب المذهب بفترة من الحظوة عند خلفاء بغداد امتدت لقرابة ثلاثين عامًا. وفى هذا الوقت كان المذهب قد انتشر فى أرجاء الأقطار الإسلامية، خاصة فى فارس. وعلى الرغم من أنهم حرموا من رعاية الخلافة العباسية ومن ثم فلم يعدم المعتزلة دعمًا من أمراء ذوى نفوذ، وعلى الأخص البويهيين. بل إن هذا العصر، الذى قد نسميه العصر البطولى، أو عصر الأسلاف العظام، ليس من وجهة نظرنا على الأقل، أهم العصور. فمن وجهة تأصيل المذهب، يمكن القول إن عصره قد امتد من الربع الأخير من القرن الثالث إلى منتصف الخامس، (أى بداية عهد السلاجقة).
والفرق بين هذين العصرين ملموس بين أتباع المذهب أنفسهم، حيث يقولون مثلا عن رجال العصر الأول "المتقدمين" أو "القدماء" أو "السلف" وعن رجال العصر الأخير "المتأخرين".
والأهم من ذلك، فإن المذهب سرعان ما انقسم إلى طائفتين، معتزلة البصرة
стр. 9246
ومعتزلة بغداد (دون أن يعنى ذلك انتماء جغرافيًا حقًا) بل اصطلاحى وبذلك ينقسم المعتزلة إلى أربع فرق فى علم الكلام تتميز كل منها عن الأخرى وهم المتقدمون والمتأخرون من كل من معتزلة البصرة وبغداد.
وأهم ما يميز هذه الفترة هو الخلافات الشديدة فى الآراء، وكان الهدف فى هذه المرحلة كان جمع أكبر عدد من الشخصيات البارزة على حساب الانتماء الفكرى، فعلى المستوى الشخصى، فليس هناك اختلاف أكثر مما بين اثنين من أتباع بشر بن المعتمر: ثمامة، المقرب من المأمون، فى نزعته لمذهب المتعة، وأبو موسى، الملقب "راهب المعتزلة"، فى تزهده، وطعنه فى كل من يتقرب من أصحاب السلطة. وعلى المستوى المذهبى، لم يكن الخلاف أقل مستوى فيختلف ضرار بن عمرو عن بقية أصحاب المذهب بالقول بأن الأفعال الإرادية من الإنسان هى من فعل اللَّه، مقتربا بذلك من جهم بن صفوان [صاحب مذهب الجبرية] لدرجة أنه يعتبر عند البعض خارجا على المذهب، ومن ثم فلا يورده القاضى عبد الجبار فى "طبقات المعتزلة". كما أن النظام يرفض قطعيا المذهب الذرى (انظر لاحقا) التى قال بها عمه واستاذه أبو الهذيل، وهو فى ذلك معتزل عن بقية المعتزلة أيضا. والأصم يرفض أيضا نظريات أبى الهذيل الخاصة بالكون، ولكن على أساس آخر، وهو رفضه لمفهوم "الحوادث" المؤسس عليها تلك النظريات. بل إنه لا يتفق مع المعتزلة فى أساسيات أصل المذهب، وسبب ظهوره، وهو المنزلة بين المنزلتين. كذلك منهم من رفض مبدأ خلود المسلم العاصى فى النار، وهم من يسمون "مرجئة المعتزلة"، ومنهم أبو شمر وابن عمران، من أصحاب أبى الهذيل، ومن بعدهم محمد بن شبيب.
ومن المعتزلة من تبنى آراء متطرفة، كما فى مذهب الزهد الذى نادى به أبو موسى، وتبعه فيه بعض من كبار المذهب. فهذا الاتجاه يقترب من الصوفية، ومن ثم التسمية "صوفية المعتزلة". وهؤلاء اتهموا من البعض بالهذيان، بل إن القاضى عبد الجبار،
стр. 9247
فى طبقاته، لم يتردد فى رمى البعض منهم بالزندقة. وأيضا قال بفكرة "التناسخ" اثنين من أتباع النظّام أحمد ابن خابط أو حابط والفضل الهداثى، وهى الفكرة التى تبناها "غلاة الشيعة".
فإذا ما يممنا شطر الفترة الثانية، نجد أن الوضع مختلف جذريًا فهنا نجد الاهتمام بالتاصيل المذهبى فقد تأسست مدارس حقيقية، ذات مبدأ هيكلى متماسك الذى يمكن أن يسمى بنظام حقيقى فمن البصريين (والذين فى الواقع قضى أغلبهم حياتهم فى خوزستان) نجد الجبائى يمثل مدرسة قائمة بذاتها. ومن البغداديين يظهر أبو الحسين الخياط، والذى ينعت بـ "شيخ المتكلمين من البغداديين". وابنه أبو هاشم حيث تتردد اسماؤهم فى أعمال كل المؤلفين.
ويتضح الفرق بين المدرستين هنا بشكل أكثر تميزًا مما كان فى الفترة الأولى. وقد ضم مؤلف مشهور هو "المسائل فى الخلاف بين البصريين والبغداديين" لأبى رشيد النيسابورى أشهر مواضع الخلاف بينهم، خاصة فى الكونيات وأصل الإنسان. فنظرية "الأحوال" التى قال بها أبو هاشم هى على وجه الخصوص من أشد ما هوجم من جانب البغداديين. وإن كان البعض من البصريين يرفضها أيضا، منهم على سبيل المثال أبو الحسين البصرى. ولذلك فقد نشأ فى داخل الاتجاه البصرى مدرسة فرعية تسمى "البهشمية"، وهم مؤيدو أبى هاشم (وهى تضم أغلب الجبائيين) الذين ذكرناهم.
ويؤرخ لانتهاء الفترة الثانية، وبالتالى العهد الذهبى لمذهب الاعتزال ببدء عهد السلاجقة، (دون ارتباط بين الحدثين)، ولكن المذهب ذاته ظل باقيا.
فقد استمر وجود المذهب المعتزلى ردحا طويلًا من الزمان. ذلك أن الكثير من الحنفيين كانوا من معتنقى المذهب المعتزلى، وكان السلاجقة منحازين للمذهب الحنفى، الأمر الذى أدى إلى أن يكون أغلب القضاة فى بغداد والرى على مدى قرنين من الخلافة العباسية من المعتزلة. وفى خوارزم ظل هو المذهب الرسمى بتأييد من الأمراء المحليين، حتى أن لفظ "خوارزمى" كان
стр. 9248
فى هذا العصر يعنى معتزلى. ولكن يبدو أنه عند هذا الوقت كانت المدرسة البغدادية قد اختفت، ولم يبق من المعتزلة إلا بعض أنصار أبى هاشم وأبى الحسين البصرى. وفقط عند اجتياح المغول للبلدان العربية اختفى المذهب تمامًا.
ومن جهة أخرى، فإن المسائل التى أثارها أصحاب المذهب لم تنحصر فيهم. فطوائف كثيرة من المسلمين وغير المسلمين قد تبنوها وخلدوها ومن وجهة النظر هذه يمكن القول بأن المذهب لازال موجودًا لليوم.
ففى داخل الإسلام هناك الشيعة الزيدية ثم من بعدها الأمامية. أما خارجه فقد تأثر بفكرهم بعض أحبار اليهود المقيمين فى الدولة الإسلامية. ويمكن القول إن الفكر المعتزلى يعاد اكتشافه فى القرن العشرين، بعد قرون من الخمود، حيث تبذل جهود لإعادة بلورته، خاصة فى مصر. فأحمد أمين (١٩٣٦ م) يفرد لهم فى مؤلفه "ضحى الإسلام"، فصلا كاملا يبين فيه فضلهم فى الدفاع عن الإسلام، ويقول إن اختفاءهم كان من أكبر نكبات الإسلام. وأنهم ارتكبوا ذنبًا فى حق أنفسهم. كما يدافع عنهم زهدى حسن جار اللَّه (مصر ١٩٤٧ م) دفاعا مجيدا فى مؤلفه "المعتزلة" فهو يرى أن التخلص منهم، هو انتصار للظلاميين، وسبب من أسباب الانحطاط العربى. ويعتبرهم الكثير من المفكرين المعاصرين، ربما بدرجة مبالغ فيها، أنصار حرية الرأى والتعبير.
الأفكار المذهبية: لن نتناول فى هذا البحث سوى الأفكار التى تميز بها المعتزلة بشكل قاطع، والتى تميز مذهبهم، وتبرر الانتساب لهم، والتى كانت نتيجتها الخصومة بينهم وبين مخالفيهم. ولذا فلن نتعرض لآرائهم عن الكون، والمذهب الذرى والتمييز بين المادة والحوادث، والتى هى شائعة بين المتكلمين جميعا من أهل السنة والمعتزلة كما لن نتناول مسألة الإمامة، فآراؤهم فيها متفقة مع السنة.
رأى أبو الهذيل تأسيس المذهب على أساس من الأصول الخمسة:
١ - التوحيد. ٢ - العدل الإلهى. ٣ - الوعد
стр. 9249
والوعيد، والذى بمقتضاه يعتقد فى خلود المسلم فى النار إذا لم يتب عن ذنوبه قبل موته. ٤ - المنزلة بين المنزلتين، كما سبق بيانه. ٥ - الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وبمعنى آخر أن يشارك المسلم فى الشئون العامة لتكريس سلطان الشريعة، ومقاومة الانحراف.
وبعد قرنين من الزمان يمكن القول بأن هذه الأصول الخمسة ظلت سارية. حيث شكلت الأساس لأفضل بيان للفكر المعتزلى ولكن ذلك لا يؤخذ على إطلاقه. فالمبدا الخامس مثلا لم يعرف عن المعتزلة الاجتهاد فيه (عدا ربما العصر الأول). كما أنه لا يوجد تناسب بين أهمية المبدأين الثالث والرابع، والأول والثانى. فالمبدأين الأول والثانى لهما من الأهمية لدرجة أن أصحاب المذهب ينعتون أحيانًا باسم "أهل العدل والتوحيد"، وهو لقب يسعدون به. بل أن المبدأين الثالث والرابع من الممكن اشتقاقهما من الأول والثانى. كما أن مبدأ التوحيد والعدل غير كافيين وعلى ذلك فسوف يسير بحثنا على أسس أخرى غير هذه الأصول الخمسة.
أ- معرفة اللَّه والصفات الإلهية:
١ - إن الخاصية الرئيسية فى هذا الصدد، هو انكار الصفات الأزلية للَّه. فهم ككل المتكلمين يصفون اللَّه بأنه "قادر"، و"عليم" خالق ورازق وغير ذلك من الصفات بالمعنى الاسمى فكلمة "صفة" هنا لا تعنى أكثر من "وصف"، أو حتى "اسم". ولكن السؤال الذى يثور هنا هو على أى أساس تنسب هذه الأوصاف للَّه؟ فبالنسبة لما يكون بسبب أفعاله، أى "صفات الفعل"، مثل خالق ورازق ومحسن وهكذا، فلا صعوبة فى الأمر. أما حين يتعلق الأمر بما يسمى "صفات الذات أو النفس"، أى الصفات الأزلية التى يتصف بها بحكم ألوهيته، مثل عالم وقادر وحى فإن الأمر إذ ذاك يختلف. ذلك أن الاعتراف بأزلية هذه الصفات يعنى، من وجهة نظرهم، تعدد من يوصف بالأزلية، وهذا يعنى المماثلة مع اللَّه فى هذه الصفة، وهذا يتناقض بشدة مع مبدأ التوحيد، فإن اللَّه سبحانه هو الخالق وحده، فلا يشاركه فى ذلك غيره.
стр. 9250
والسنة على عكسهم يقبلون هذا المنطق دون غضاضة. ويردون على المعتزلة الذين يحتجون بالمماثلة بأن أزلية هذه الصفات لا تعنى المماثلة مع اللَّه، بالضبط كما أنها لا تعنى المماللة بين بعضها البعض. أما المعتزلة فى تعليلهم بنسبة مثل هذه الصفات للَّه، فهو أنه، مثلا، ليس عالما نتيجة علم يلحق به، وبالتالى يتصف ذلك العلم بالأزلية، وهو ما يحاولون تجنبه، ولكن ذلك العلم ليس سوى ذاته هو. [يقول أبو الحسين الخياط المعتزلى فى كتابه "الانتصار" إن اللَّه لو كان عالما بعلم، فإن هذا العلم إما أن يكون قديمًا أو محدثًا ولا يمكن أن يكون قديمًا لأن هذا يوجب وجود اثنين أقدمين، وهو تعدد، وهو قول فاسد. ولا يمكن كذلك أن يكون محدثًا، لأنه لو كان كذلك فإنه يكون قد أحدثه اللَّه، إما فى نفسه، أو فى غيره، أو فى غير محل. فإن كان أحدثه نفسه أصبح محلا للحوادث، وما كان محلا للحوادث فهو حادث، وهذا محال. وإن كان أحدثه فى غيره كان ذلك الغير عالما بما يجعل منه أن يكون دونه. ولا يعقل أن يكون أحداثه فى لا محل، لأن العلم عرض لا يقوم إلا فى جسم، فلا يبقى إلا حال واحد، وهو أن اللَّه عالم بذاته] *
٢ - ومن بين المسائل التى أثارتها مشكلة تعدد الصفات الأزلية مع الذات الإلهية، مسألة كلمة اللَّه وإرادته. وهى المسألة التى دفعتهم للقول بخلق القرآن. فهو بالنسبة لهم، يعتبر "عرضا" بالمعنى الاصطلاحى الذى يستخدمونه لهذه الكلمة، أى حادث من ضمن الحوادث، مكون من "حروف منظمة، وأصوات مقطعة". وقد خلقه اللَّه فى "محل" مجسد.
٣ - وبالإضافة للتوحيد المطلق، يركز المعتزلة على السمو المطلق، وهم بذلك يقصدون أن اللَّه ليس بجسم، ولا يوصف بالتالى بما توصف به الأجسام، كالحلول فى مكان، والحركة، والتشكل، إلخ ويترتب على ذلك نتيجتان هامتان: من جهة لا يجوز أن يمثل بأى شكل إنسانى، وما ذكر فى القرآن من كون أن له يدًا أو عينًا فكلها ألفاظ مجازية،
стр. 9251
فباليد يقصد القدرة وبالعين العلم وبالوجه ذاته العلية وهكذا ومن جهة أخرى لا يمكن رؤية اللَّه ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. أما الآية ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ فيؤلونها بأن ناظرة أى منتظرة، وبأن الانتظار هو لثواب ربها. وأما ما ورد من أحاديث حول رؤية اللَّه يوم القيامة مثل قوله ﷺ "سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر" بفرض صحتها المشكوك فيها، فتؤخذ بالمعنى المجازى، بمعنى التعرف عليه سبحانه.
ثانيا: وصف اللَّه بالعدل، ومبدأ أن اللَّه يشاء، ولا يفعل إلا ما هو خير:
إن ما يميز المعتزلة فى هذا الصدد هو تصورهم للعدل الإلهى، فهو معتقد أساسى عندهم، ويتجلى هذا فى أنهم يسمون أنفسهم أهل العدل الذى هو مفترض فى كافة المذاهب بلا استثناء. فبالنسبة للأشعرى، فإن اللَّه عادل فى كل ما يفعله، حتى لو فعل ما هو مناقض لما نتصوره من عدل. فاللَّه سبحانه لا تحده قواعد. أما بالنسبة للمعتزلة (وهنا تطبيق لمبدأ "حمل الغائب على الشاهد" أى حمل المعلوم على المجهول) فإن اللَّه مرتبط بنفس القواعد التى يرتبطا بها الناس، فما يدلنا عليه عقلنا أنه شر، هو كذلك بالنسبة للَّه، وفى هذا المقام يبدو السؤال الذى ليست له إجابه (والذى ليس له محل فى مذهب الأشعرى)، هل يمكن للَّه أن يفعل ما هو شر أو بمعنى أوسع أو ما هو سيئ وردئ فالإجابة بالإيجاب أو النفى تؤدى إلى القول بعدم العدالة أو عدم القدرة.
وبادئ ذى بدء فالقول بالعدل يتنافى مع الجبرية، فليس من العدل أن يقدر اللَّه شيئا على الإنسان ثم يحاسبه، أن الأمر متروك للإنسان ليقرر مستقبله، تبعًا لاختياره إما مؤمنا أو كافرًا، طائعًا أو عاصيًا. صحيح أن القرآن يذكر أن اللَّه يهدى من يشاء. ولكن هذا يفسر بعيدًا عن منطق الجبرية بأن كلمة "يهدى" إما أن تؤخذ بمعنى التعريف بطريق الحق، وفى هذه الحالة يجب أن تكون لكل البشرية بلا تمييز، حتى تتحقق العدالة، فإن كانت للمؤمنين خاصة، فإن ذلك يكون بعد قيامهم بالاختيار الحر لطريق الإيمان،
стр. 9252
فتكون إما بمعنى يقول ويحكم بأنهم مهتدون أو (وهو التفسير المفضل عند الجبائى) بمعنى أنه يهديهم يوم القيامة إلى الجنة، وتأخذ فى هذه الحالة معنى الثواب، وفى المقابل تأخذ "يضل" إما معنى يقول ويحكم بأنهم ضالون أو معنى العقاب بمعنى عدم تعريفهم بطريق الجنة. وفى تفسير الختم على القلوب، فيأخذه الجبائى بالمعنى الحرفى، أى أن اللَّه "يسم" هذه القلوب بسمة تميزهم يوم القيامة بأنهم من أهل النار.
وليست العدالة تقتضى فقط حرية الاختيار بين الإيمان والكفر بل أيضا ضرورة إعطاء كافة البشر الوسائل المحققة للإيمان. ومن الغريب أن المعتزلى بشر بن عباد، هو الذى قال بأن اللَّه يمكن، لو أراد على عكس رأى المذهب، أن يهدى كل البشر، (ولكنه لا يفعل)، وأنه لديه "اللطف" الذى لو وهبه لمن يعلم أنه لم يكن ليهتدى، فإنه سوف يهتدى. وقد رُفض هذا الرأى بشدة من جانب المذاهب الأخرى وذهب الجبائى الذى قال أيضا باللطف لكنه شوه المعنى بأنه يعنى كافة الوسائل التى منحها اللَّه البشرية للهداية، من عقل ودلائل ورسل. ولكن لا يمكن القول بما يوحى به قول ابن عباد فى رأيه بان المصلحة المحضة، قد يستأثر اللَّه بها البعض ويحرم الآخر فإن اللَّه بمقتضى عدله عليه أن ينعم على الجميع بلا تمييز، لأن القول بغير ذلك بالنسبة للآخر يحمل معنى "إرادة الفساد"، وهو ما يتنزه عنه سبحانه.
ويقتضى العدل أيضا أن الأفراد يكون لهم حرية اختيار الفعل، أى أنهم هم منشئو الأفعال، على عكس قول "المجبرة" [الجبرية] بأن اللَّه هو الذى خلق هذه الأفعال فى العباد. فالثواب والعقاب يقتضيان أن يكونا لمن له المسئولية عن إحداث الفعل فهو صاحب الفعل ومحدثه والقول بغير ذلك يجعل مبدأ "الكسب" قول فاسد.
ولكن اللَّه إذا لم يكن هو الذى يخلق الأفعال فى العباد، فهو الذى يخلق فيهم "القدرة" على الفعل، ولكن ليس كما يذهب من يقول بـ "الكسب"، توضع القدرة فقط حين يوضع الفعل موضع
стр. 9253
التنفيذ. فالقدرة عند المعتزلة مرتبطة بحرية الاختيار، والتى أيضا يوجدها اللَّه فى العباد طبقا لمبدأ العدل. فالقدرة تعنى القدرة على الفعل وضده وهى بالتالى يجب أن توجد قبل الفعل، وهذه المسألة محل نزاع بين أهل السنة والمعتزلة، ويبدو أن القرآن ذاته يتضمن من الدلائل ما يؤيد الرأيين.
ومن البديهى ألا يكلفنا اللَّه إلا بما لدينا من القدرة على تنفيذه، وإلا كان الأمر "تكليفًا بما لا يطاق" -ما يناقض العدل وهذه القدرات هى جزء من الطاقة المطلوبة منه لكل المكلفين بالفروض.
وأخيرًا، فإن العدل يقتضى الثواب لمن يستحق، والعقاب لمن يستحقه فى الآخرة. أما بالنسبة لإمكانية العفو، كما جاء فى الآية ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ. . .﴾ (البقرة، ٢٨٤) فالمغفرة عندهم تكون "بشرط التوبة" والتائب هو أيضا الذى يتوقع الغفران عن طريق شفاعة الرسول. بل إن "قبول التوبة واجب" لمن كان مخلصا فى توبته. ومن جهة أخرى فإن اللَّه لا يوقع العذاب إلا لمن كان مكلفا بالفعل، فلا يتصور منه تعذيب أطفال المشركين بذنب آبائهم. أما ما يقع من عذاب فى الدنيا لمن هو غير مكلف كالأطفال والحيوانات فإن اللَّه سوف يعوضهم فى الآخرة.
هذا هو مفهوم العدل عند المعتزلة بالمعنى المباشر، ولكن المعتزلة أيضا يفهمون العدل بمعنى أوسع، إلا وهو أنه "منزه عن كل قبيح"، بمعنى أنه لا يريد إلا كل ما هو "حسن". ومفهوم الخير والشر لديهم، كمفهوم العدل، يؤخذ بما يقتضيه العقل. فالخير والشر معان مطلقة، يتعرف عليها كل من وهب المنطق. ومن الأهم ألا يقال إن اللَّه محتاج لأن يفعل الشر، لأنه سبحانه "غنى" عن الاحتياج. وعلى ذلك، فاللَّه لا يتجه إلى فعل الشر، من منطلق أن الشر هو أمر قبيح، وليس فى حاجة إلى فعله. صحيح أن نفس المنطق يؤدى إلى أنه لا يفعل الخير أيضا! لعدم احتياجه له، ولكن الجبائى يتحايل على هذه النقطة بأنه الخير يفعل "لذاته" دون احتياج، وذلك لما فيه من حسن.
стр. 9254
وتنزيه اللَّه عن الشر يقتضى أيضا وصفه بالحكمة، بمعنى أن أفعاله يجب أن تكون موجهة لغاية معينة، وإلا كانت نوعا من "العبث". والعبث فى حد ذاته من الأفعال الشريرة، بحسب ما يبينه العقل. فاللَّه إذا كان قد خلق العباد، وأمرهم بالتكاليف، فلابد أن له هدفًا من ذلك. فما هى الحكمة فى الخلق، ثم فى التكليف؟ لا يمكن أن يكون ذلك عن احتياج، فاللَّه منزه عنه. كما لا يتصور أنه خلق العباد للعذاب، وإلا كان ذلك محض ظلم. فالأمر المتصور الوحيد فى هذا الخصوص أن اللَّه خلق البشر لأن فى هذا صلاحهم "لينفعهم". وينطبق نفس القول على التكاليف، فهى لإيصالهم إلى السعادة التى يستحقونها جزاء لما تحملوه من مشقة. بل إن البعض من المعتزلة (أبو الهذيل والنظّام والبغداديون) يرون أن هذا الصلاح متحقق فى الدنيا والآخرة معا، ولكل البشر غنيهم وفقيرهم، صحيحهم وسقيمهم وفى كافة الأحوال. ولكن الجبائى لا يتوسع إلى هذا الحد. غير أن الجميع متفقون على تحقيق ذلك فى الآخرة. بل إن الجبائى يذهب إلى أن اللَّه واجب عليه أن يهب الكافر الحياة، ولو علم الأخير ذلك لاعتنق الايمان (وهذه النقطة هى التى دعت الأشعرى للخروج على الجبائى بعد أن كان من أتباعه).
وأخيرا، فلأن اللَّه لا يمكن أن يريد العذاب للبشر، فهو يتصور أنه يريد لهم ما يؤدى إليه من كفر أو خطيئة واللَّه يريد للبشر الخير والعمل الصالح.
ثالثا: تعريف الإيمان وعقوبة مرتكب الكبيرة: الإيمان بالنسبة للمعتزلة ليس فقط الانتماء لعقيدة الإسلام، بل هو أيضا، كما هو عند الكثيرين غيرهم، مرتبط بالعمل. ولذا فهم يسمونه "جماع الطاعات". والخلاف الوحيد هو فى وضع "النوافل"، هل تدخل فى ذلك أم لا ومن ثم كان الخلاف حول وصف مرتكب الكبيرة، فهو ليس بكافر لكونه لم ينكر شيئا من مبادئ الإسلام، كان يقول إن اللَّه ثالث ثلاثة، ومن جهة
стр. 9255
أخرى فلفظ الإيمان يستخدم فى القرآن للمديح، وهو ما لا يستحقه مرتكب الكبيرة. وليس معنى ذلك عدم استحقاقه الخلود فى النار، وإن كان عذابه فيها أقل من الكافر. وفى الحقيقة فليس كل المعتزلة عند هذا الرأى، الأمر الذى يخول لنا أن تتكلم عن "مرجئة المعتزلة"، وهم الذين لا يرون أن عذاب العصاة من المسلمين أبدى.
رابعا: العقلانية لدى المعتزلة: من الصحيح تماما وصف المعتزلة بالعقلانية، ولكن ما المقصود بذلك؟
ليس معنى ذلك بداهة أنهم يعتمدون على العقل وحده، دون اللجوء للتنزيل. فهم، كما أوضح أحمد أمين، ليسوا فلاسفة (رغم أن جدلهم يحمل مسحة من الفلسفة)، بل هم رجال علم الكلام فهم، مثل غيرهم من المسلمين، ينزعون إلى التفسير الصحيح للقرآن، وبيان العقيدة الحقة.
ولكن المعتزلة عقلانيون بالمعنى الصحيح للكلمة، بمعنى أنهم يرون أن هناك إدراكات تدرك بالعقل فى غيبة النص أو بالأسبقية عليه دون لجوء لتنزيل. فوجود اللَّه تدرك بالعقل، ولذا هم يعتبرون أن الواجب الأول على الإنسان هو معرفة اللَّه عن طريق العقل من حيث هو حى قادر حكيم سميع بصير، وأنه ليس بجسم، مكتف بذاته (غنى)، عادل، لا يريد شيئا سوى ما فيه الخير، وهكذا. وفقط حينما يثبت، بالعقل أيضا، صدق رسالة محمد ﵊، (وهو ما يثبت بمعجزاته)، عندئذ يؤخذ بالقرآن. والقرآن فى الواقع لابد أن يؤكد كل ما ثبت بالعقل، وأى تعارض ظاهرى بين النص والعقل يجب تأويله، كما ذُكر سابقا. وليس معنى ذلك أن القرآن لا يمدنا بشئ خلاف ما أثبته العقل، فمن القرآن علمنا أن اللَّه فرض فروضا على العباد، وأنه سوف يبعثهم يوم القيامة، ويحاسبهم على أفعالهم، ويتبقى أن تتفق هذه الحقائق مع التفسير العقلى، خاصة فيما يتعلق بالعدل.
стр. 9256
ولكن الواقع أن المعتزلة لا يختلفون فى هذه النقطة عن معارضيهم. ومن ثم فيجب أن يطلق وصف العقلانية على كل "المتكلمين" فالمعتزلة فقط قد فتحوا الباب لذلك. (أما كونهم واضعى علم الألوهية كما يزعمون، فأمر محل نظر). فالسنة أيضا يرون أن إدراك اللَّه يكون بالعقل، ولا شئ غيره. ولذلك فالمنطق الذى يقال إن أبى الهذيل قد قال به لإثبات وجود اللَّه، وهو منطق "حدوث الجواهر" يأخذ به الأشاعرة وغيرهم. والسنة أيضا يجتهدون فى تفسير القرآن بما يتفق مع معتقداتهم. وإذا كان المعتزلة يبذلون فى ذلك جهدا أكبر ويبدو أنهم يخرجون كثيرا على حرفية القران، كما فى تفسيرهم للهدى والضلال، فما ذلك إلا لأن القرآن فى حرفيته أكثر اتفاقا مع السنة.
والشئ الآخر فيما يتعلق بالعقلانية هو وضع المعتزلة لتصورات عن العالم والبشرية ليست مستقاة من القرآن، بل من فلسفة الإغريق، ثم من افتراضاتهم بعد ذلك: تصور الأجسام كتجميعات من ذرات، التمييز بين المادة والعرض تفسير الظواهر الطبيعية، تعريف الإنسان، والحركة، وكيفية السمع والإبصار، ماهية النفس والروح والإرادة والمشاعر، إلخ. وهذا هو الجانب الذى يعتبر الأكثر إثارة للفكر الحديث. ولكنه أيضا ليس قصرا على المعتزلة، فالسنة لهم فيه نصيب، وكذلك علماء الكلام. ولكن المعتزلة قد أعطوا هذا الأمر أهمية أكثر مما يعطيه السنة، فليس فى السنة مؤلف مكرس بالكامل لقضية المادة والعرض مثل "التذكرة فى أحكام الجواهر والأعراض" لابن متاويه.
وليس الخلاف هنا بين السنة والمعتزلة كطوائف متجانسة، بل بين من يقبل الخوض فى علم الكلام ومن يرفضه، كالحنابلة والأشاعرة.
أما الجانب الخاص بالمعتزلة فى العقلانية فهو قولهم بأن الإنسان بعقله قادر على التمييز بين الخير والشر. وفى هذا الصدد أيضا لا يفعل القرآن
стр. 9257
سوى تأكيد ما أقره العقل، طبعا لا يكفى العقل لبيان كل ما هو حرام أو واجب، فمن القرآن علمنا فرضية الصلاة بشكلها وحرمة الأكل فى رمضان. وقد يكون هناك شئ من التعارض مع العقل فى ذلك، فترك الطعام أمر ضار، وهو بالتالى شر، ولكن العقل يمكنه أن يعلم أن تحمل ضرر بسيط اتقاء لضرر أكبر، وهو عقاب اللَّه الذى توعد به من يعصيه. وحتى القانون قد يكون أساسه عقلى، من واقع إدراك العقل لما يمكن أن يتحقق أو لا يتحقق بالنسبة لعمل معين واستحقاق مرتكب العمل للخلود فى جهنم، وهو ما يسمى هذا العمل بأنه شر أو ضار هو أيضا من الخير.
وفى هذا الموضوع بالذات يبدو المعتزلة فى تعارض بين مع الأشاعرة، الذين يرون أن الأساس لكل شئ هو الوحى وأن الخير هو ما يأمر به اللَّه والشر هو ما ينهى عنه. فما يعتبره اللَّه خير فهو خير، وما يعتبره شر فهو شر، ولا يذهب أهل السنة كلهم إلى هذا الرأى.
المصادر:
(١) الشهرستانى، الملل والنحل.
(٢) J. Van Ess: Art Mutazila in Ency of Relagram N. ١٩٨٧
على يوسف [د. جمرت D. Gimaret]
المعتضد باللَّه العباسى
المعتضد باللَّه أبو العباس أحمد بن طلحة بن المتوكل، وأمه أم ولد وكانت جارية إغريقية اسمها "ضرار"، ولا يعرف متى كان مولده ولكن من المحتمل أن يكون حوالى سنة ٢٤٥ هـ = ٨٦٠ م)، وقد رباه أبوه تربية عسكرية، ونجده منذ سنة ٢٦٧ هـ (= ٨٨٠ م) وهو يدير عمليات ضد الثوار الزنج، وقد نزلت به هزيمة نكراء على يد قوات خمارويه بن أحمد ابن طولون، ولم تكن العلاقات بين المعتضد وبين أبيه طيبة على الدوام، حتى أنه فى إحدى المرات فى سنة ٢٧٥ هـ (= ٨٨٨ م) يأمر بالقبض عليه.
ولما مات أبوه فى صفر عام ٢٧٨ هـ (= يونيو ٨٩١ م) ولى العهد وبويع
стр. 9258
بالخلافة ولقب بالمعتضد، [وإن كان الوارد فى بعض المصادر العربية أنه بويع يوم وفاة أبيه المعتمد على اللَّه لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ٢٧٩ هـ (= ١٥ أكتوبر ٨٩٢ م) ونص خليفة حتى وفاته سنة ٢٨٩ هـ] وقد أيّده فى تولى الخلافة [بعد خلع أخيه المفوّض بن المعتمد] أكبر أنصار والده لاسيما الوزير عُبيد اللَّه بن سليمان بن وهب [الذى ظل وزير، له حتى وفاته سنة ٢٨٨ هـ] كما أيده قائد جيشه بدر المعتضدى، ولما كان المحرم من عام ٢٧٩ هـ (= أبريل ٨٩٢ م) ثم خلع المفوّض خلعًا مستهجنًا من ولاية العهد التى نقلوها إلى المعتضد، الذى صار بعد ستة أشهر (رجب ٢٧٩ هـ) الخليفة ولم يجد أى معارضة.
لقد كان قوة المعتضد الكبرى تتمثل فى العلاقات الوثيقة مع الجيش تلك العلاقات التى ورثها عن أبيه، هذا إلى جانب الروابط القوية المتناغمة بين كبار رجال الدولة المدنيين والقادة العسكريين وراى المعتضد باللَّه أن يستغلّ مصادر القوة هذه لإعادة تأكيد قوة أسرة بنى العباس، وكان يقود جيوشه بنفسه ومضى معظم أيام خلافته فى الحروب، وإن وجد نفسه مضطر، للاعتراف بضياع خراسان والشام ومصر من أيدى العباسيين أو على الأقل فى وقته إذ ذاك، ولقد بذل وجاهد فى محاولة منه لإعادة بسط السيطرة العباسية على الإقاليم المركزية كالعراق والجزيرة التى كانت هامة جدًا باعتبارها مصدر الحبوب لبغداد وغربى فارس.
أما فى الجزيرة فقد اصطدم بوالى "آمد" واسمه أحمد بن عيسى بن شيخ الشيبانى [وتقول المصادر العربية أنه فى أول خلافته سار إلى بنى شيبان بالموضع الذى يجتمعون فيه من أرض الجزيرة، ولما كانت سنة ٢٨٠ هـ (= ٨٩٣ م) أخرج أحمد من الموصل واستولى هو على البلد، كما انتزع مدينة "آمد" فى سنة ٢٨٦ من ولد أحمد بن عيسى وخليفته واسمه محمد، ووقف إلى جانبه فى هذه اللحظة الشيخ حمدان بن حمدون التغلبى، مما أدى عن غير قصد إلى بداية قيام الأسرة الحمدانية.
стр. 9259
كان جوهر سياسة المعتضد فى فارس أى فى خراسان دسجتسان] قيام ألية من العلاقات القوية مع عَمرو ابن ليث القائد الصّفّارى، بما كان ذلك محاولة منه لبث نوع من المشاركة كتلك المشاركة التى كانت لأسلافه مع الطاهريين، وكان الإقليم مقسمًا إلى مناطق نفوذ فكان الصفاريون يحتفظون فى أيديهم بخراسان والشرق وفارس، على حين كان العباسيون يسيطرون على الرى وأصفهان والمناطق الغربية، إلّا أن العباسيين لم يستطيعوا أن يؤكدوا وجودهم فى الرّى التى سلموها إلى الصفاريين سنة ٢٨٤ هـ (= ٨٩٧ م)، أما فى منطقة أصفهان فإن آخر واحد من بنى "دُلف" واسمه "عُمَر بن أحمد بن عبد العزيز قد طرد فى سنة ٢٨٣ هـ (= ٨٩٦ م) ورجعت المدينة لتستظل بظل حكم بنى العباسى، ثم والى المعتضد سنة ٢٨٥ هـ عَمْرًا ولاية تركستان إلّا أنه هزم هزيمة أذلَّتْه على يد إسماعيل السامانى فارسلوه إلى بغداد حيث مات فى حبسه سنة ٢٨٩ هـ فى أعقاب.
ولقد مات المعتضد فى ربيع الثانى سنة ٢٨٩ هـ (= أبريل ٩٠٢ م) بعد أن عهد إلى ولده المكتفى بالحكم من بعده، وكان المكتفى هذا قد تدرب تدريبًا عمليًا أيام ولايته حكومة الرّى والجزيرة، وقد استطاع أن يمد سلطان العباسيين وقوتهم بصورة كبيرة وذلك بفضل نشاطه الحربى وعزمه الكبير، إلّا أن عهده كان شديد القصر فلم يساعده على تحقيق أمله فى إعادة تدعيم السلطة العباسية.
راجع فى ذلك الطبرى، ومروج الذهب للمسعودى، والدولة العباسية لمحمد الخضرى.
De Goeje: Memoire sur, le Carmathes du Bahrain (١٨٦٢) ولى سترانج بلدان الخلافة الشرقية.
أيمن حسن حبشى [هـ كينيدى H. Kenidi]
стр. 9260
المعتمد بن عباد
هو ثالث حاكم من العبابدة وآخرهم فى أشبيلية فى القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى)، أما اسمه الحقيقى الكامل فهو محمد بن عباد المعتَضِد بْن محمد بن إسماعيل بن عبّاد.
حياته: ولد المعتمد سنة ٤٣١ هـ (= ١٠٤٠ م) وما كاد يبلغ الثالثة عشرة من عمره حتى عهد إليه أبوه من الناحية الشكلية بقيادة حملة خرجت ضد "شلْب" التى كانت فى يمين ابن مُزَين، فوقَعت فى يد هذه الحملة كما وقعت "سانتا ماريا دى الجارف" هى الأخرى بعد قليل، وهى المعروفة فى المراجع العربية باسم شنت مرية الغرب ولكنها تعرف اليوم باسم "فارو" التى كانت فى يد محمد بن سعيد بن هارون (٤٤٤ هـ = ١٠٥٢ م)، وحينذاك اختاره أبوه واليًا على هاتين المدينتين، أما أخوه الأكبر "إسماعيل" فقد أُعْدِم عقابًا له على ثورته (٤٥٥ هـ = ١٠٦٣ م)، وحينذاك صار محمد المعتمد وليًا للعهد ووريثًا لعرش أشبيلية، وما انقضى بعض الوقت حتى كان الجيش (الذى كان يقود. وخرج به لمساعدة عرب مالقة الذين تمردوا على ظلم باديس بن حبوس حاكم غرناطة البربرى) قد استؤصل على يد باديس، مما أرغم المعتمد على الفرار إلى رُنْدة، فاستشاط أبوه غيظًا منه لما أصابه من الفشل وانتهى به الأمر إلى أن بعث إليه بعفوه عنه، ولما مات حاكم أشبيلية القوى سنة ٤٦١ هـ (= ١٠٦٩ م) خلفه ولده على مملكة بلغ من اتساعها الشديد أن كانت تشتمل على معظم الجزء الجنوبى الغربى من شبه جزيرة أيبيريا.
وقد أحاط المعتمد نفسه منذ البداية بالكثير من الأدباء والشعراء وبذلك خلق له مكانا عظيما فى تاريخ الأدب العربى بالأندلس وربما كان ابن زيدون (المتوفى سنة ٤٦٣ هـ = ١٠٧٠ م) هو الذى علّمه قواعد الشعر العربى قبل أن يصبح وزيرًا، وهى الوظيفة التى شغلها ابنه أبو بكر بن زيدون من ٤٧٨ هـ إلى ٤٨٤ هـ (= ١٠٨٥ - ١٠٩١ م) بعد نكبة ابن عمار المتوفى سنة ٤٧٩ هـ (= ١٠٨٦ م)، على أن صلاته بجارية
стр. 9261
شابة اسمها "الرميكية" (التى كانت هى الأخرى شاعرة موهوبة) كانت موضوع أبحاث أدبية، وكانت الرميكية تدعى "اعتمادًا" ومن هنا يقال إن المعتمد اختار لنفسه هذا الاسم الذى هو مشتق من الاسم "اعتماد"، وقد صارت الرميكية زوجته الحبيبة وأنجبت له بضعة أولاد.
أما فيما يتعلق بابن عمار، فبعد أن نفاه المعتضد استدعى إلى أشبيليه ثم مضى ليكون واليًا على شلب قبل أن يصبح الوزير الأكبر، وقد استطاع المعتمد فى السنة الثانية من حكمه أن يضم إلى مملكته إمارة قرطبة التى كان يحكمها بنو جهور رغم جهود المأمون ملك طليطلة، وأصبح الأمير الشاب "عباد" واليًا على عاصمة الأمويين القديمة، غير أن مغامر، اسمه "عكاشة" تمكن فى سنة ٤٦٨ هـ (= ١٠٧٥ م) -بتحريض من ملك طليطلة- أن يباغت قرطبة فيستولى عليها ويفتك بالشاب "عباد" وقائده "محمد بن مارتين" واستولى المأمون على المدينة ومات بها بعد ستة أشهر فقط من ذلك التاريخ.
أما المعتمد الذى حركت عاطفته الأبوية وأهينت كرامته فقد ظل على مدى ثلاث سنوات يحاول استرداد قرطبة فذهبت محاولاته أدراج الرياح، ولم يقدر له النجاح إلا سنة (= ١٠٧٨ م)، فقد اغتيل ابن عكاشة واستولت جيوش أشبيلية على ذلك القسم من مملكة طليطلة الواقع بين الوادى الكبير والوادى اليانع، ومع ذلك فلم يقدر للوزير ابن عمار أن يقصد السلم مع ألفونسو السادس ملك قشتالة واقتضى ذلك منه بذل كل جهوده، ولم يتم الصلح إلّا حين أرسل حملة لمهاجمة أشبيلية.
فى هذه الأثناء كان الأمراء، النصارى قد نشطوا واستغلوا فرصة المنازعات الدائرة بين الحكام المسلمين المعروفين بملوك الطوائف وظهرت براعم حركة "الاسترداد المسيحى" التى استطاع آخر الأمويين صدّها ولكنها تابعت تقدمها على جنوب شبه جزيرة إيبيريا.
على أنه لا يجوز أن يغيب عن الأذهان أنه فى منتصف القرن الخامس
стр. 9262
الهجرى (الحادى عشر الميلادى) اضطر كثير من أشراف ودول أسبانيا المسلمة أن تلتمس وقوف جيرانها النصارى على الحياد مؤقتًا وذلك بدفعها لهم الضرائب الباهضة، حتى أنه قبل قليل من استيلاء ألفونسو السادس على طليطلة سنة ٤٧٨ هـ (= ١٠٨٥ م) وجد المعتمد نفسه غارقًا فى لجة من الصعاب الخطيرة، ومن ثم استمع إلى نصيحة وزيره ابن عمار الخائبة وحاول أن يضيف إلى مملكته مملكة مرسية التى كانت تحت حكم أمير عربى الأصل هو محمد بن أحمد بن طاهر، ومن ثم ذهب ابن عمار إلى "رامون برنجوير الثانى" كونت برشلونة والتمس منه أن يمد إليه يد المساعدة لغزو "مرسية"، وتعهد له بدفع مبلغ قدره عشرة آلاف دينار، على أن يظل "الرشيد" ابن المعتمد رهينة فى يد "رامون" حتى يفى والده بدفع المبلغ كاملًا، ودارت مفاوضات مرهقة انتهت بدفع ثلاثة أضعاف المبلغ لكونت برشلونه وحينذاك تابع ابن عمار خطته لفتح "مرسية" وسرعان ما نجح فى تنفيذ هذه الخطة بفضل مساعدة أمير قلعة "بِلْج" له (وهى القلعة المعروفة الآن باسم "فلخز") على أن ابن عمار ما لبث أن سلك مسلكًا كريهًا كل الكراهية تجاه سيده حين ظهر بمظهر الحاكم المستقل، فلما لامه المعتمد على ما كان منه ردّ عليه ردا ملأه بالشتائم والإهانات، فلما غدر به ابن رشيق لم يجد بدا من الالتجاء إلى مرسيه، ثم فرّ إلى ليون وسرقسطة ولاردة، ولما كان فى سرقسطة حاول أن يساعد حاكمها المؤتمن ابن هور فى هجومه على "شقورة" Segura، ولكنه وقع فى الأسر. وسلموه إلى المعتمد، فلم تأخذه فيه رعاية لروابط الصداقة التى ربطت بينهما زمنًا طويلًا فقتله بيده شر قتلة.
لم يُخْف ألفونس السادس فى هذه الأثناء خططَه نحو طليطلة ولم يبقها سرًا مكتوبًا بل هب لحصارها فى سنة ٤٧٣ هـ (= ١٠٨٠ م) وحدث بعد سنتين من ذلك التاريخ أن أرسل سفارة لأخذ الجزية السنوية التى كان من الواجب أن يدفعها المعتمد إلى ألفونس، فما كان من الأخير أن عامل رجالها معاملة تنطوى على الإهانة وأمر
стр. 9263
بقتل "ابن شلين" خازن بيت المال اليهودى الذى كان يصحب هذه السفارة إذ رفض أن يقبل عملة مزيفة، وحينذاك قام ألفونس فغزا مملكة أشبيلية وخرّب مدن "الشرف" aljarafe الأعلى فصارت يبابا بعد أن كانت مزهرة وتقدم عبر إقليم "شذونة" Sidons وجاس خلاله حتى بلغ "طاريف" Tarifa وهنا قال مقالته الشهيرة التى ازدهى فيها بأنه بلغ أقصى حدود أسبانيا.
لقد كان استيلاء ألفونس السادس على طليطلة ضربة قاصمة للإسلام فى الأندلس، إذ سرعان ما طلب ملك قشتاله من المعتمد أن يسلم له الأراضى التى فى يده والتى كانت تؤلف فى الماضى جزءًا من مملكة "ذى النون"، والواقع أن مطالبه التى كانت تزداد يومًا بعد يوم وفى أسبانيا وعلى رأسهم المعتمد إلّا أنهم اضطروا إلى التماس النجدة من سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين الذى كان قد فرغ منذ وقت قريب من فتح كل المغرب دون أن يجد مقاومة، واتفق رأى ملوك الإسلام فى الأندلس على أن يرسلوا لابن تاشفين سفارة تتألف من الوزير أبى بكر بن زيدون وقضاة بطليوس Badagoz وقرطبة وغرناطة، وأمكن التوصل فى شئ من الصعوبة فعبر يوسف بن تاشفين مضيق جبل طارق وأنزل يوم ١٢ رجب ٤٧٩ هـ) (= ٢٣ أكتوبر ١٠٨٦ م) بالقوات المسيحية هزيمة ساحقة فى وقعة زلاقة الشهيرة التى لا تبعد كثيرًا، عن بطليموس، ولسنا فى حاجة هنا لأن نقول كيف عاد يوسف بن تاشفين إلى أفريقية وكيف أنه لم يتابع نصره على الوجه الذى كان يطمع حكام أسبانيا المسلمون أن يكون عليه، على أنه ما كاد ابن تاشفين يرحل عن الأندلس حتى شرع المسيحيون فى معاودة مضايقاتهم للأراضى الإسلامية إلى الحدّ الذى حتم على المعتمد أن يذهب بنفسه إلى يوسف ابن تاشفين يسأله أن يعبر الندوة مرة ثانية على رأس قواته، فاستجاب له يوسف وأرسى فى الجزيرة الخضراء فى ربيع العام التالى (٤٨٢ هـ = ١٠٩٠ م) وحاصر قلعة حصن الليط Liyyit وإن لم يستطع الاستيلاء عليه،
стр. 9264
ثم حضه الشعور العام ونصائح الفقهاء إلى أن الخير له أن ينادى بقيادته بالجهاد فى أسبانيا وأن يُسقط الأمراء الذين كانوا قد التمسوا من قبل تدخله ويخلفهم من عروشهم فوضع هذه الغاية نصب عينيه وأنفذ جيشًا لغزو مملكة أشبيليه بقيادة "سير أبى بكر" الذى استطاع فى ختام سنة ١٠٩٠ م أن يستولى على رأس طريف ثم من بعده على قرطبة التى كان يقوم بحراسة قلعتها أحد أولاد المعتمد واسمه "فتح المأمون" ولكنه قتل لما سقطت كل من قرمونة وإشبيلية الواحدة بعد الأخرى على الرغم من قتال المعتمد البطولى بل إن المعتمد نفسه سقط أسيرًا فى أيدى المرابطين الذين أرسلوه ونساءه وأطفاله فى البداية إلى طنجة ثم بعدئذ إلى "مكناس" التى أقاموا بها بضعة أشهر ثم نقلوهم إلى "أغمات" القريبة من مراكش حيث عاش فيها معيشة ضنكًا لمدة بضع سنوات حتى وافاه أجله سنة ٤٨٧ هـ (= ١٠٩٥ م) وهو فى الخامسة والخمسين من عمره.
ولقد مست النهاية التى انتهى إليها المعتمد بن عباد شغاف قلوب كل من ترجموا له لاسيما الذين أطنبوا كثيرًا فى ماضيه وأضفوا عليه من المواهب الشعرية، وامتدحوا كرمه البالغ، وفروسيته، والحق أنه واحد من تلك النماذج العظيمة للمسلمين الأسبان المتنورين فى العصور الوسطى، وكان شديد الحرص على الأدب حفيًا برجاله، حر التفكير متسامحًا، ولكنه عاش فى جو من الترف والبلهنية والراحة التى لم تأذن له برعاية مملكة ذات حدود مفتوحة لجيران طماعين يحيطون بها من كل جانب، ولم يكن المعتمد حاكمًا عظيمًا قويًا كأبيه المعتضد إلا أنه كان أكثر منه جذبًا للأنظار وربما كان ذلك راجعًا إلى ما لقيه من نكد الحظ وسوء الطالع، وأنه لأهل أن يوضع فى صف واحد مع كبار الشخصيات الأندلسية العظيمة إلى جانب عبد الرحمن الناصر والحكم الثانى والمنصور بن أبى عامر ثم عندما جاء بعد زمن كلسان الدين بن الخطيب.
стр. 9265
وإن المصادر التى كتبت عنه لكثيرة نذكر منها الذخيرة لابن بسام والحلة السيراء لابن الآبار والمعجب لعبد الواحد المراكشى والإحاطة لابن الخطيب وأعلام الإعلام له أيضًا والبيان المغرب لابن عذارى وقلائد العقيان للفتح بن خاقان والعبر لابن خلدون وروض القرطاس لابن أبى زرع، ولقد جمع دوزى أغلب المصادر التى كتبت عن المعتمد وضمّنها كتاب Scrihtarum arabim lai de Abbadidis (ليدن ١٨٤٦)، والجزء الثالث من كتاب "المسلمون" فى الأندلس الترجمة العربية لحسن حبشى، وكتاب المعتمد بن عباد الخالص (بغداد ١٩٥٨ م). كما أن أحمد شوقى وضع للمسرح رواية أميرة الأندلس ومثلت بالقاهرة، كذلك فإن هناك العديد من المقالات التى ربما اعتبرت ثانوية والتى ظهرت فى السنوات الأخيرة ومعظمها بمصر وتناولت المعتمد بن عباد، كما تناولت ماضى أسبانيا الإسلامية.
أيمن حسن حبشى [أ. ليفى بروفنسال Levi-Provencal]
+ المعتمد بن عباد "شاعرًا": توجد فى المخطوطات التى لديوان ابن زيدون أشعار للمعتمد ولأبيه، وتزخر مصادر الأدب والتاريخ الأندلسى فى العصور الوسطى بأشعار له، كما توجد مائه وثمان وثمانون قصيدة وموشح له محفوظة ووصلت إلينا حسب ما ذكره سوليتى فى نشرة لديوان المعتمد سنة ١٩٧٥ م، ومعظم القصائد الموجودة بين أيدينا قصيرة تناولت فنون الشعر كالمديح، وإن ما نظمه لا يمكن مقارنته بما تركه كبار شعراء الأندلس وإن كان قراء العصور الوسطى ينزلونه منزلة سامية ويلاحظ أن جميع قصائده الخفيفة ترجع إلى الفترة التى سبقت خلعه ويدور معظمها حول "الغزل" مع أشعار قليلة مما يسمى بالخمريات والوصف وهى أرق من الرقة كما يقول سويسى فى كتابه "المعتمد وأشعاره" المطبوع فى تونس ١٩٧٧ م، وغزلياته مميزة عن غيرها فهى موجهة إلى أحبائه من الذكور والإناث على السواء، لاسيما لجيبته اعتماد ومن بينها واحدة إذا جمعت حروف أول كل بيت فيها. يتألف منها اسمها، ولعل أكثر قصائده
стр. 9266
التى تدل على شخصيته هى تلك القصائد التى نظمها ووصلها إلى المعتضد لاسيما رائعته والتى هى أطول قصائده "الرائية" التى يعتذر فيها عند خسارته "مالقة"، كذلك قصيدة أخرى له تعرف أيضا بالرائية وهى التى وجهها إلى ابن عمار يذكره فيها بصداقتهما فى "شِلب".
أما قصائده الأربعون التى نظمها فى المنفى ففريدة فى بابها، وهى من القصائد "الشخصية" التى تعكس المراحل التى يصوّر فيها عواطفه فى الحبس، والتى يذيب فى بعضها أيامه ويقارن فيها بين ماضيه الزاهى بحاضره التعيس الشقى، وتفيض هذه القصائد بالدموع والبكاء، وقد ينفجر غاضبًا من حظه النكد، ويعلل نفسه فى بعضها الآخر بالصبر، ويصوّر معاندة القدر له، كما أن يهدهد نفسه بالأفكار الدينية، كما أننا نرى قصائد دافئة له يوجهها إلى زائريه، أما قصائده التى يخاطب فيها غربان أغمان السوداء ويتحدث فيها إلى أصفاده، فمثيرة للمشاعر وكذلك القصيدة التى نظمها لتكتب على قبره.
ويستعمل المعتمد بن عباد فى شعره الكلمات البسيطة ولكنه يستخدم جميع الصور البلاغية لاسيما الطباق وشتى ضروب الجناس.
ويمكن للقارئ بالإضافة إلى ما ذكره ليفى بروفنسال من المصادر فى القسم الأول من فصل "المعتمد" أن يرجع أيضًا إلى زيدان المعتمد الذى طبعه أحمد بدوى وحامد عبد المجيد سنة ١٩٥١ م، والى المعتمد بن عباد: دراسة أدبية تاريخية لصالح خالص (بغداد ١٩٥٨ م).
أيمن حسن حبشى [ر. ب. سيندلين R.B.Scheindlin]
المعجزة
مشتقة من "عجز"، ويقصد بها الوسيلة الإلهية التى بها يفحم الرسول مكذبيه. وهذا اللفظ لم يرد فى القرآن، وقد أصبحت المعجزة مرادفة للآية، يقصد بها الفعل الخارق الذى به يثبت اللَّه سبحانه صدق النبوة أو الرسالة. أما الكرامة فهى تنسب للأولياء. وهى تختلف عن المعجزة فى أنها لا تعنى شيئا أكثر من كونها تميز شخصًا تفضل اللَّه بها عليه.
стр. 9267
وقد جاء ذكر المعجزات للرسل والأنبياء، بما فيهم محمد [ ﷺ ]، فى كتب السيرة والأحاديث. ولكن لفظ معجزة لم يكن مستخدما، ففى "الفقه الأكبر" ذكر لآيات الأنبياء وكرامات الأولياء. وقد وردت كلمة معجزة فى كتابات النسفى، الذى قال إن اللَّه يؤيد رسله بمعجزات هى من خوارق العادات.
ويُعرف التفتازانى المعجزة بأنها أمر على خلاف المألوف، تظهر على يد النبى كتحد لمخالفيه. وبذلك يثبت اللَّه بها صدق رسالته.
ويتناول كتاب المواقف للإيجى المعجزة بشكل دقيق وفطن، أما شروط المعجزة فهى:
١ - أن تكون من فعل اللَّه.
٢ - أن تخالف المألوف.
٣ - من المستحيل دحضها.
٤ - أن تكون ممن يقول بالرسالة. حتى تكون دليلا على صدقه.
٥ - أن تكون متفقة مع ما يعلنه عنها، وليست للتنصل من دعوته.
٦ - أن تكون مقترنة ومعضدة لدعوته.
على يوسف على [أ. فنسنك A. J. Wensinck]
معد
" معد" اسم جمع للقبائل العربية الشمالية (انظر جزيرة العرب (جـ ٦) = جـ ١، ورقة ٥٤٤ ب). ووفق سلسلة النسب المتفق عليها، يكون معد هو ابن عدنان (انظر هذه المادة). وكان لابنه نزار ثلاثة أبناء، هم: مضر، وأياد وربيعة، ويزعم أن معظم العرب الشماليين من سلالة ابنه الأول، وابنه الثالث.
ويقال إن معدًا وسلالته قد عاشوا فترة من الزمان فى مجاورة لمكة، وأنهم تزاوجوا مع جرهم. ونجد اسم معد عند شعراء العصر الجاهلى مثال ذلك فى أبيات لامرئ القيس (طبعة Ahlwardt، رقم ٤١، جـ ١، ص ٥) كما أن اسم "معد" مستخدم لبعض رجال القبائل الذين قدموا للاستقرار فى المدينة قرب نهاية حياة النبى محمد [ ﷺ ] (وهم الذين يشار إليهم أيضا بأسماء نزار ومضر)؛ وثمة سلاسل نسب متباينة لأسلاف معد فى ابن قتيبة: المعارف (ص ١٨/ ٣٤؛ ٣٠ وما بعدها/
стр. 9268
٦٣ وما بعدها)، وفى ابن هشام: السيرة (ص ٥ - ٧)، وفى المسعودى: (مروج الذهب، جـ ٤، ص ١١٥ - ١٨). ويقال إن النبى محمدًا [ ﷺ ] قد نهى عن اقتفاء سلاسل النسب فيما وراء معد (المرجع نفسه، جـ ٤، ص ١١٥ - ١١٨ وما بعدها).
المصادر:
(١) الطبرى: جـ ١، ص ٦٧١ وما بعدها.
(٢) ابن الكلبى جمهرة الأنساب طبعة Caskel.
(٣) المسعودى: تنبيه الفهرس (شاهد للنزاعات حول سلاسل النسب).
حسن شكرى [مونتجمرى وات W. Montgmery Watt]
المعراج
يقصد به أصلا "سلم"، ولكن أصبح يقصد -اصطلاحا- به "الصعود"، وبالذات صعود الرسول [ ﷺ ] للسماء.
١ - فى التفسير الإسلامى والتقاليد الشعبية والصوفية للعالم العربى .
تتحدث سورة التكوير، الآيات من ١٩ إلى ٢٥، وسورة النجم، الآيات من ١ إلى ١٢ عن رؤية بدت للنبى الكريم، ثم تتحدث الآيات من ١٢ إلى ٢٥ من سورة النجم عن رؤية أخرى. وفى الحالتين لا تتكلم الآيات عن صعود للرسول بذاته للسماء، بل رؤيته لصورة سماوية تقترب منه. على أن الأمر يختلف بالنسبة للآية الأولى من سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، فقد ذكرت ثلاثة تفاسير لهذه الآية:
(١) التفسير القديم، والذى لم يعد له ذكر تقريبًا فى كتب التفسير الحديثة يرى فى هذه الآية إشارة للمعراج، ويفسر المسجد الأقصى بأنه "أقصى مكان للعبادة" أى السماء، والإسراء طبقا لهذا الرأى يكون مرادفا للمعراج. البخارى، القاهرة، ١٩٢٧ م، باب كان النبى تنام عينه ولا ينام قلبه).
стр. 9269
(٢) التفسير الثانى والمأخوذ به فى كل كتب التفسير الأحدث يفسر المسجد الأقصى بأنه بيت المقدس، دون دليل. ويقال إن ذلك كان بتأثير الأمويين لإعطاء قداسة لبيت المقدس اثناء الحرب مع عبد اللَّه بن الزبير. [لاحظ أن قدسية بيت المقدس ترجع لعهد الرسول الكريم، راجع الحديث "لا تشد الرحال. . . " وغيره من الأحاديث]. ويبدو أن الطبرى يرفض ذلك فى تاريخه. بعبارة تفصح عن رأى نهائى للمؤرخ، تشكلت على اعتبار الدليل الماثل أمامه.
وفى كلا التفسيرين، يفسر "بعبده" بأنه الرسول [ ﷺ ] وهذا حق. ويأخذ الإجماع بكلا التفسيرين، فيفسر الإسراء بأنه الرحلة من مكة إلى المسجد الأقصى والمعراج بأنه الصعود للسماء، واعتبر أنه حدث فى تاريخ آخر لاحق على الإسراء.
وتجرى قصة الإسراء على الوجه التالى:
ذات ليلة والرسول نائم بجوار الكعبة، (أو فى بيت أم هانى) جاءه جبريل فأيقظه وقاده إلى حيوان مجنح يسمى "البراق"، امتطاه وانطلقا به إلى بيت المقدس، حيث مرا فى الطريق بمشاهد لبعض القوى الشريرة والطيبة، وزارا الخليل وبيت لحم، وفى بيت المقدس قابل إبراهيم وعيسى وموسى ﵈ فصلى بهم إماما.
(٣) ويعتمد التفسير الثالث على الآية ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (الإسراء، ٦٠)، فيفسر الإسراء على أنه رؤيا، وبالتالى لم تكن رحلة حقيقية. فقد كان الرسول واقفا على "الحجر" يصف بيت المقدس للمشركين وهو يراه بالفعل. فأثناء إخبار النبى [ ﷺ ] لقريش برحلته لبيت المقدس ليلا، وما أعقبها من إنكار المشركين عليه ذلك، وارتداد بعض المسلمين، سألوه عن تفاصيل نسيها، فأراه اللَّه بنت المقدس رأى العين.
وقد ثار الجدل حول ما إذا كان الإسراء بالروح أم بالجسد، ويذهب الأصوليون من المفسرين إلى أنه كان بالجسد يقظة، ويسوق الطبرى الأدلة
стр. 9270
التالية على ذلك:
١ - لو كان النبى قد أسرى به بالروح مناما، لما كان هناك أساس لطلب البرهان على صدق روايته ونعت مخالفيه بالكفر.
٢ - تقول الآية الكريمة أن اللَّه أسرى بعبده، وليس بروح عبده.
٣ - لو كان الإسراء بالروح لما كان هناك ضرورة للبراق، لأن الركوب عليه يكون للجسد لا للروح.
وتسوق الأحاديث تفاصيل أكثر عن المعراج، وهنا نجده مرتبطا بالإسراء، بحيث أن المعراج تم من ذلك المكان المقدس، وإن كنا نجد روايات تقول إن المعراج كان من مكة، ولا تذكر شيئا عن الإسراء. ومن هذه الروايات ما يجعل المعراج تاليا لشق صدر الرسول، وذلك بعد البعثة بقليل كإعداد لمرحلة النبوة، ومنها ما لا يربط بين الحدثين، على أساس أن شق الصدر كان فى مرحلة الطفولة.
وتزيد بعض الروايات فى التفصيل لتصف السلم الذى كان به الصعود للسماء، فتتحدث عن بهائه وروعته. ويطلق على هذا السلم اصطلاحا "المعراج". ففى سورة المعارج يصف اللَّه نفسه بأنه "ذو المعارج" الذى ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾.
وقد ثار الجدل حول ما إذا كان المعراج حقيقة أم رؤيا، أى بالروح أم بالجسد. كما رفضت الروايات المتواترة أن يكون الرسول [ ﷺ ] قد رأى اللَّه رؤى العين عند مثوله أمام العرش.
وعند الصوفيين، فإن المعراج رمز لارتفاع الروح عن نطاق المحسوسات. ولعل قصة المعراج كان لها أثر فى رواية أبى العلاء المعرى "رسالة الغفران"، والتى بدورها كان لها تأثير على رواية دانتى "الكوميديا الإلهية".
وطبقا لابن سعد، فقد وقع الإسراء فى السابع من ربيع الأول، والمعراج فى السابع عشر من رمضان. ولكن الاحتفال بليلة المعراج يتم منذ قرون فى ليلة السابع والعشرين من رجب.
٢ - فى الأدبيات العربية:
تذهب قصص المعجزات المبنية على الرؤى، سواء كانت كتابية أم شفوية،
стр. 9271
فى مسيرة التطور إلى أبعاد تتجاوز ما يقبله التحليل الدينى. وعلى ذلك، فإن أدبيات المعراج ينبغى أن تفهم من خلال مجموع ما قدمه مؤلفوها سواء كانوا معروفين أو مجهولين، الذين كرسوا جهودهم لبحث المعراج.
ولسنا فى وضع يسمح لنا أن نضع تسلسلا زمنيا لتطور هذا القصص. ولكن دراسة الرحلة المقدسة، بصرف النظر عما يرفضه رجال الدين منه، يسهم فى تحليل الخيال القصصى لدى المسلمين.
وتبنى القصص بصفة رئيسية على أساس رواية ابن عباس، ابن عم الرسول [ ﷺ ] وهو ما يأخذه فى الاعتبار فى قصة المعراج بعض المؤلفين المعروفين إلا أن اغلبها مشكوك فى نسبه لمؤلف معين.
أما المعروفون من المهتمين بهذا الموضوع فنذكر منهم:
- القشيرى، أبو القاسم عبد الكريم، المتوفى فى ٤٦٥/ ١٠٧٣، وقد نشر كتابه "كتاب المعراج" فى القاهرة عام ١٩٦٤ م.
- البكرى، أبو الحسن أحمد بن عبد اللَّه، يعتقد أنه عاش فى النصف الأخير من القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى، وفى كتابه "كتاب قصص المعراج" يقدم رواية قريبة من المنسوبة لابن عباس.
- الغيطى، محمد بن أحمد على المتوفى عام ٩٨٤ هـ/ ١٥٧٦ م، مؤلف "الابتهاج بالكلام على الإسراء والمعراج"، مطبوع فى ١٩٧٠ م.
- البرزنجى، المفتى الشافعى للمدينة ومؤلف "قصة المعراج". وكان حفيده جعفر بن إسماعيل المتوفى فى ١٢١٧ هـ/ ١٨٩٩ م من فقهاء الشافعية ومن المتخصصين فى السيرة، وهو مؤلف "تاج الابتهاج على النور الوهاج فى الإسراء والمعراج"، مطبوع فى القاهرة عام ١٣١٤ هـ وعلى حاشيته كتاب جده. وتختلف رواية البرزنجى عن المنسوبة لابن عباس من حيث اللغة والرواية، فهى رواية موجزة متحفظة، بما يدل على فقيه مهتم بمصداقية ما يرويه.
стр. 9272
إن تطور أدبيات المعراج قد أدى إلى دمجها فى ثلاث قصص تروى كمعجزات للنبى:
(أ) قصة شق الصدر، وتذكرها بعض الروايات كتمهيد للمعراج.
(ب) قصة الإسراء، وقد ربطت فى بعض الروايات بالمعراج، على الرغم من ذكر تاريخين مختلفين للحدثين.
(ج) وأخيرا قصة المعراج ذاته، بما تتضمنه من صعود للسماوات ومثول أمام العرش وحوار مع اللَّه ورؤية الجنة والنار والعودة إلى مكة.
وقد تم تصنيف هذه الموضوعات على النحو الآتى:
(أ) قصص الأنبياء، والتى تتحدث فى بدايتها عن نشأة الكون.
(ب) التاريخ العام والذى يتحدث فى أمور متعلقة بالكون، وتعطى الدراسة المقارنة بينه وبين قصص المعراج دلالات هامة.
(ج) قصة الحشر والتى تستشهد بالنصوص المتعلقة بالقيامة والتى تتحدث عن مصير البشر بعد البعث. والعلاقة بين قصص المعراج وقصص القيامة جد وثيقة، فنفس أسلوب تصوير المشاهد، ونفس الصور الخيالية، هو ما أخرج كلا النصين.
ولنا أن نلاحظ أيضا اقتباس هذه الصور فى أعمال أخرى، فكتاب "عجائب المخلوقات" للقزوينى يتكلم باستفاضة عن الملائكة، وما تضمنته قصص ألف ليلة وليلة من حوادث كونية، مؤسس فيما يبدو على كتاب "قصص الأنبياء" للثعلبى. وما نتحدث عنه هنا هو ما يصح أن نطلق عليه مجموعات الكتابات غير الموثقة المتعلقة بالجحيم والجنة والملائكة والعرش، والسماوات، والتى تمثل كل مجموعة منها نوعا مستقلا بذاته، تضمن تراثا إسلاميا وغير إسلامى. والتحليل المفصل لهذه الأعماله سوف يمكننا من التوثيق التاريخى لهذه الأدبيات.
كما لا يمكننا أن نعزل قصص المعراج عن الأعمال الصوفية لأمثال ابن العربى وابن سينا والسهروردى، فكتاب "ككتاب التوهم" للمحاسبى يتضمن العديد من هذه الموضوعات.
стр. 9273
على أن قصص المعراج يجد له روافد أيضا من الأدب الشفوى، ومن صوره المواعظ، حيث نجد التواصل بين الرغبة والوسيلة، الرغبة فى المعجزة لدى المؤمنين الذين هم بحاجة إلى الإيمان، والوسيلة لتلبية ذلك عن طريق إطلاق الخيال من قبل الوعاظ.
ولا يوجد تجميع للقصص الشفوى للمعراج، وقد تضمنت النصوص صورا مزخرفة تشبع رغبات المستمعين وهى الحالة التى أورثت شكوكا فى الدين، الأمر الذى واجه فيه الفقهاء والمتكلمون المبتدعين، فقد شن ابن حنبل والغزالى وابن الجوزى والسيوطى، حربًا شعواء، تنزيها للدين عن الخرافات والأساطير المؤسسة على أحاديث مشكوك فى إسنادها.
وقد ثار نفس السؤال حول طبيعة المعراج، من حيث كونه بالروح أم بالجسد، ولدينا هنا تفاسير ثلاثة:
(أ) كان الإسراء بالروح، كإشراق روحى يتجاوز حدود الطبيعة البشرية، ويربط النفس الطاهرة باللَّه سبحانه. وانبعاث الإيمان من قلب المؤمن يمكن أن يؤدى لنتيجة مشابهة.
(ب) كان الإسراء بالجسد، أما المعراج فبالروح، وذلك حين يربط بين الحادثتين.
(ج) كان المعراج بالجسد والروح، والتى كان فيها النبى فى كامل وعيه وهنا تكمن المعجزة التى أصبحت مجالا للجدل الدينى.
وبذلك وجدت الرغبة فى إضفاء بعد للرسول يتجاوز التاريخ له، فنسج من قصة شق الصدر والإسراء والمعراج وحدة واحدة تتجاوز المنطقة الهامة فى أعماق الخيال الدينى.
هذا التصور ينفى كون المعراج بالروح، دون أن يخل بدرجة الرسول الإيمانية. وبنفى تصور المعراج كدفقة إيمانية روحية، فتح الباب أمام كافة شطحات الخيال.
ومن الآن فصاعدا، نجد التناقض بين القصص القرآنى فى إيجازه، وما تفرزه خيالات القصاصين.
٣ - أدبيات المعراج فى شرق وغرب أفريقيا:
لقد كانت الاحتفالات بذكرى الإسراء والمعراج مناسبة لظهور نوع من الأدب
стр. 9274
الشعبى واسع الانتشار، من مصر إلى شواطئ شرق أفريقيا، حيث أكثر المؤلفات انتشارا لهذه المناسبة هى كتاب البرزنجى [انظر بعاليه].
وتوجد باللغة السواحلية ترجمتان، مصاغتان شعرا، وبالإضافة لهما يوجد العديد من النسخ المعدلة. كما توجد قصيدة مطولة وضعها الشاعر محمد ابن أبو بكارى كيجوما.
ويحتفل بليلة الإسراء والمعراج فى المساجد فى شرق أفريقيا بإنشاد هذه الأشعار بعد ليلة من العبادة، ثم يكون الوعظ للحديث عن هذه المعجزة ومدلولاتها.
وفى مناطق الهاوسا فى شمال نيجيريا، تعتبر أشعار الإسراء والمعراج جزءا من أدب "المعجزات"، وهى قصائد كتبت فى مدح الرسول [ ﷺ ]، يمكن تلاوتها أو إنشادها، وتسمى "مداحو"، من المديح. وهى من الأدب الشعبى واسع الانتشار، وتتلى غالبا فى رمضان حيث تكون النفوس متقبلة للروحانيات.
وفى غانا، يمثل موضوع الإسراء والمعراج جزءا من الاحتفال بالمولد النبوى الشريف (كما هو الحال فى شرق أفريقيا)، ويحتفل به فى كوماسى والمناطق الساحلية.
كما توجد قصيدة طويلة باللغة الفولانية شائعة بدرجة كبيرة تنشد فى شمال الكاميرون، تسمى "بوسارو" من "البشارة"، بها جزء كبير مخصص لقصة الإسراء والمعراج.
المصادر:
Abdullahi Bayaro Yahya: The Hausa vese category of Madahu, Univ of Sokotk, Nigeria ١٩٧٨
٤ - المعراج فى الأدب الإندونيسى:
الاحتفال بالإسراء والمعراج فى غرب جاوة من الاحتفالات الشعبية، ويتم فى المساجد أو فى المنازل أو فى ما يسمى "لاجر"، وهو مكان للعبادة ملحق بالمنزل. وفى ليلة السابع والعشرين من رجب، وفى بعض الأماكن قبل ذلك بليلة، تتجمع الأسر، وقد يدعى الأصدقاء، ويكون الاحتفال عادة بشكل
стр. 9275
منفصل بين النساء والرجال. ولا يدخن الرجال، حيث أن الملائكة لا تحب التدخين. ويبدأ الاحتفال بعد صلاة المغرب، وينتهى فى منتصف الليل بوليمة تسمى "سلاتامان salataman" بعد صلاة العشاء. وتقص القصص على الحضور، وفى الملايو يتلى عادة أجزاء من "الزهر الباسم فى أطوار أبى القاسم" من تأليف سيد عثمان بن عبد اللَّه بن عاقل بن يحيى. ويحرق أثناء التلاوة خشب يعطى أريجا طيبا يسمى "جاهورو". وفى المدن، حيث يوجد من يستطيع التلاوة باللغة العربية، تتلى ما يعرف بـ "الدردير" "حاشية الإمام العارف باللَّه تعالى أبى البركات سيدى أحمد الدردير على قصة المعراج للعلامة الهمام بركات الأنام نجم الدين الغيطى" كما توجد قصيدة عن المعراج بلغة أهل الملايو من تأليف الحاج آدم بن الحاج قاسمان تسمى " Syair Mi'raj Nabi Muhammad ".
وفى المسجد يبدأ، الإمام بـ " nasiha" أى الموعظة، يفسر فيها ما يتعلق بالإسراء والمعراج من سورتى الإسراء والنجم، وقد يستشهد بمؤلف البرزنجى. وينتهى الاحتفال بإنشاد للصلاة على النبى، أيضا مقتبس من مؤلف البرزنجى، ينشده الحاضرون وقوفا مع الإمام. كما أنه من المعتاد أن يتحدث الإمام عن المعراج فى خطبة الجمعة السابقة على ليلة السابع والعشرين من رجب.
وتزدان المساجد بالأنوار بهذه المناسبة، وقد تطلق الألعاب النارية، وفى المنازل يظل أحد المصابيح مضاء طوال الليل. وقد يظل الاحتفال حتى صلاة الفجر، تذكيرا بلا شك لكون الرسول قد رجع من المعراج فى ذلك الوقت. ويقوم الواعظ بسرد القصة، مضمنا إياها العبر والمواعظ. هذا وقد ظهر اتجاه بين الحربين العالمين بين الشباب من المسلمين، يعارضون هذه الاحتفالات، باعتبارها بدعة تصل إلى عبادة النبى على حساب عبادة اللَّه ويفسر المحدثون هذه الاحتفالية على أنها رمز لتطور روحانى ولكن المحافظين على التقاليد يتمسكون بالعادات فى هذا الأمر، ويأخذون
стр. 9276
المعراج بمعنى حرفى صرف، فيعتقدون أن النبى [ ﷺ ] قد رأى اللَّه سبحانه بعينى رأسه.
المصادر:
١ - G.Th.Pigeaud: The Literature of Java The Hague ١٩٦٧, ٩٩
٥ - المعراج فى الفن الإسلامى:
يعرض المسلمون بناء على مفاهيم دينية عن تصوير البشر أو عمل تماثيل لهم أو لغيرهم من المخلوقات، ناهيك عن تصوير الرسول الكريم [ ﷺ ]. ولكن هذا الحظر لم يعترف به لدى الفرس، وعلى ذلك فعلينا اللجوء للرسومات المنمنمة للفن الفارسى لمشاهدة تصوير حادثة المعراج فنيا. وقد كتب السير توماس أرنولد فى هذا الخصوص: "لقد كان أمرا معتادا للشعراء، أن يضمنوا فى مقدمة أعمالهم، دفقة عاطفية مستوحاة من معراج النبى محمد، ولا توجد حادثة فى التاريخ تماثل هذا الحدث فى التمثيل الفنى".
ولقد شهد الفن أعمالا كثيرة مخصصة لقصة المعراج، وما صاحبه من أحداث. وأولها متضمن فى مخطوطة يرجع تاريخها للقرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى، محفوظة فى ألبوم Topkapi H. ٢١٥٤، تحتوى على رسومات تنسب إلى أحمد موسى. وثانى هذه الأعمال هو المخطوطة الشهيرة المحفوظة فى باريس، والمزينة بأجمل ما رسم فى فن باريس كله، وتعود لعام ٨٤٠ هـ/ ١٤٣٦ م. وهاتان المخطوطتان حالة خاصة، حيث إن الاهتمام يوجه لما يصاحب أعمال الشعراء الكلاسيكيين من تزيين بصور مستوحاة من المعراج.
وأقدم هذه الأعمال يرجع لبداية القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى، فى مجموعة إسكندر سلطان المحفوظة فى المتحف البريطانى، وفيه تصوير للنبى [ ﷺ ] راكبا البراق، مصحوبا بجبريل ومحاطا بالملائكة، والكعبة أسفل الركب. وهذا الرسم مكرر فى لوحة من صفحتين محفوظة بمتحف الفنون الجميلة بمكتبة شستر، وتعود لنفس التاريخ. وفى اللوحتين، وكذا فى لوحة محفوظة بباريس تعود
стр. 9277
لعام ١٤٣٦ م، يصور النبى [ ﷺ ] مكشوف الوجه ولكن فى اللوحة الأخيرة، أعيد الرسم بحيث محى الوجه. واتجاه تصوير النبى [ ﷺ ] مكشوف الوجه كان هو الخط الفنى فى العهد التيمورى، كما فى اللوحة المحفوظة بالمتحف البريطانى وتعود لعام ٩١٠ هـ/ ١٥١٥ م، ولعلها من أوائل أعمال السلطان محمود، وتعتبر من أكثر اللوحات أصالة وتعبيرا عن الحدث، ويصور فيه الرسول [ ﷺ ] مصحوبا بالعديد من الملائكة، ويراقبه آخرون منهم من خلال كوة فى السماء. والكعبة أسفل اللوحة، وفى خلفيتها صحراء ذات نخيل.
وفى عهد الصفويين، حذفت الكعبة من الرسومات، وغطى وجه الرسول [ ﷺ ]، وأجملها ما ينسب لمجموعة الشاه طهماسب، وهى بالتأكيد من أعمال سلطان محمود، وقد تكون لوحة الوداع له.
وتوجد أعمال ذات صفة استثنائية، منها اللوحة من مجموعة Topkapi H ٧٧٤, قد ترجع إلى غرب الهند، يصور فيها الرسول كقرص من ذهب، مخطوط عليه اسمه، ولوحة أخرى بالمتحف البريطانى، يصور فيه المعراج على خلفية من دوائر متحدة المركز، مع تصوير للكواكب تدور حول الشمس.
وفى عهد ما بعد الصفويين، أخذ الموضوع شكلا فجا، فيضاف للبراق ذيل طاووس وتاج بدائى المنظر، ويرمز للنبى [ ﷺ ] للنبى بكتلة غير واضحة المعالم. ولكن خزانة القوارير المحفوظة فى متحف برلين، والتى تعود لعام ١٢٨٨ هـ/ ١٨٧١ م، مزينة برسم دقيق جميل للحدث، صور فيه بالأسلوب التقليدى.
المصادر:
١ - Sir Tomas Arnold: Painting in Islam, Oxford, ١٩٢٨
٢ - Marie-Rose: The miraculous Journey of Mohammed, London, ١٩٧٧
على يوسف على [روبنسون B.W. Robinson] مراجعة د. محمد الشحات الجندى
стр. 9278
معروف الرصافى
شاعر من أبرز شعراء العراق الحديثة، وأكثرهم جرأة وصراحة فى التعبير عن آرائه السياسية. ولد فى بغداد سنة ١٨٧٥ م، أبوه عبد الغنى محمد من أصل كردى من قبيلة الجبارية (بين كركوك والسليمانية فى شمال العراق (وكان رجلا تقيا، عمل كشرطى "درك" خارج بغداد، ولهذا فقد نشأ معروف وتلقى تعليمه على يد أمه فاطمة بنت جاسم، والتى تفرغت له فى منزل أبيها وأصلها من قبيلة عربية، وهى فرع من قبيلة شمر التى استوطنت فى حى قرغول فى بغداد).
ذهب معروف إلى "الكُتاب" فى بغداد حيث تعلم القراءة وترتيل القرآن وحفظه، وبعد أن قضى ثلاث سنوات فى المدرسة الابتدائية التحق بالمدرسة الرشدية العسكرية. ورسب فى امتحانات السنة الرابعة، ولم يستمر فى دراسته المدنية المؤهلة للخدمة العسكرية أو الحكومية ومن ثم فقد تحول إلى الدراسات الدينية، وتتلمذ على يد العالم الشهير محمد شكرى الآلوسى (١٨٥٧ - ١٩٢٤ م)، وآخرين من أمثال شيخ عباس القصاب وقاسم القيس لمدة اثنتى عشرة سنة. وكان تلميذا متميزا، ثم أصبح صوفيا مخلصا، وعرفانا بذلك أطلق عليه أستاذه اسم معروف الرصافى نسبة إلى العالم الصوفى الشهير معروف الكرخى.
ولا تدلنا مصادر السير والتراجم عن الكيفية التى فى دراسته معيشته السنوات فى دراساته الدينية والأدبية، ولا الكيفية التى حقق بها تلك المكانة الشعرية المرموقة. كل ما نعرفه هو أنه كان مضطرا للعمل كمدرس فى مدرستين ابتدائيتين فى بغداد، ثم تركها إلى مدرسة ثالثة فى "المندلى" فى "ديالا" سعيا وراء الأجر الأعلى.
وحاول فيما بعد أن يعود ليستقر فى بغداد واجتاز فيها بتفوق اختبارا فى اللغة العربية والأدب، ومن ثم عُين مدرسا فى مدرسة ثانوية، حتى سنة ١٩٠٨ م. وخلال هذه السنوات نشر قصائد فى المجلات المصرية الدورية الشهيرة مثل المؤيد والمقتطف، مثلما
стр. 9279
فعل غيره من الشعراء المشهورين فى العراق، أمثال الزهاوى، نظرًا لأنه لم تكن هناك مجلات دورية متميزة تصدر فى العراق فى ذلك الوقت وأصاب قدرا من الشهرة فى الأقطار العربية الأخرى وكذلك بين المهاجرين العرب فى أمريكا، ولم تبدأ فى شعره حتى هذه المرحلة أى ميول دينية، فقد كان علمانيا خالصا يدعو إلى حرية التفكير فى مواجهة حكم الاستبداد، ويحث شعبه على الأخذ بروح العلم والثقافة والاقتداء بالنمط الأوروبى، واصفا ومادحا الاختراعات الحديثة، مدافعا عن ضحايا الظلم الإجتماعى، ناعيا الأوضاع المتدهورة التى آلت إليها الدولة العثمانية، وخصوصا فى العراق وأيد أيضا شعار الثورة الفرنسية الذى تبناه حزب التجمع والتقدم، وهو "الحرية والعدالة والمساواة"، كما يتجلى ذلك فى قصائده الصادرة فى "ديوان الرصافى".
وبعد الثورة التركية الفتية فى ١٠ يوليو ١٩٠٨ م ترجم إلى العربية أغنية التجمع لشاعرهم "توفيق فكرت"، والتى أصبحت النشيد المدرسى فى العديد من الأقطار العربية، ويبدو أن تعاطفه مع أيديولوجية حزب الجمع والتقدم، أغرت فرع الحزب فى بغداد، والتى كان يرأسه مراد بك سليمان (شقيق محمود شوكت)، أن يدعوه لرئاسة تحرير القسم العربى فى جريدة الحزب السياسية الثقافية الصادرة بلغتين والناطقة بلسانه.
واحتفل الرصافى شعرا وفعلا بإعلان الدستور (دستور ١٠ يوليو ١٩٠٨). فقد اقتحم الرصافى مع مجموعة من اصدقاء اليهود والمسيحيين جامع "الوزير" فى يوم من أيام الجمعة، وأزاحوا الخطيب بالقوة من فوق المنبر، وألقوا خطبا دعائية لإيديولوجية حزب التجمع والتقدم. وأثار تصرف الرصافى غضبا عارما بين الدوائر الدينية والمحافظة فى بغداد، وطالبوا بشنقه، وتظاهروا أمام الوالى ناظم باشا، حتى أن الأخير وضعه فى الحجز التحفظى حرصًا على حياته.
إلا أنه فى بداية سنة ١٩٠٩ م وبناء على طلب أحمد جودت محرر جريدة "إقدام"، وصل الرصافى إلى إستانبول
стр. 9280
مارا ببيروت، لإصدار النسخة العربية من المجلة، التى كان الأمل معقودا عليها لخلق تفاهم جديد بين الفصيلين الرئيسيين فى الدولة العثمانية، الأتراك والعرب، ولتكون ناطقة بلسان الحزب. وخاب أمل الرصافى، عندما علم بأن المحرر لم يستطع تدبير الدعم المالى اللازم لإصدار الجزء العربى، لذلك فقد رحل إلى "سالونيكا" ومن هناك سار محمود شوكت، قائد الجيش الثالث لمقدونيا بجيشه إلى إستانبول وخلع السلطان عبد الحميد الثانى فى ١٣ أبريل سنة ١٩٠٩ م، ومؤيديه برئاسة "درويش وحدتى" الذى كان قد تقلد السلطة فى ٣١ مارس ١٩٠٩ م. وفى قصيدته "رقية الصريع" هجا الرصافى الحكومة العثمانية لاستبدادها ووصفها بأنها ضد التقاليد الإسلامية ودعا إلى حكومة جمهورية من أجل تحقيق الحرية كما فى أوروبا. ووصف فى قصيدته (فى سيلانيك) مسيرة الثورة ورحلته مع الجيش إلى إستانبول ضد السلطان. وفى قصيدته "تموز الحرية" حيا الثورة التركية الفتية وعبر عن سعادته بالإطاحة بعبد الحميد.
وعند عودته إلى العراق، عبر بيروت استقبله الأدباء بترحيب جم وعلى رأسهم أمين الريحانى. وكان يعانى أيامها من ضائقة مالية ولكن لحسن حظه، فقد ساعده مالك المكتبة الأهلية بشراء ديوانه، وقام محيى الدين خياط بتنقيح قصائده وترتيبها، وكتابة المقدمة وكانت هذه الطبعة مثل تلك التى تلتها مليئة بالأخطاء المطبعية. وتحتوى طبعة دار العودة فى بيروت سنة ١٩٧٠ م على عدد أقل من الأخطاء، بيد أن الطبعة الجديدة، التى علق على حواشيها مصطفى على الرصافى صديقه الحميم ومريده، والصادرة فى أربعة أجزاء عن الحكومة العراقية فى بغداد سنة ١٩٧٤ م، وهى فقط الطبعة الكاملة والمرخصة، واستبعدت القصائد الجنسية للرصافى من كل الطبعات -فيما عدا قصيدته "بداعة لا خلاعة"- ولم تسمح السلطات العراقية بنشرها أبدا. ولم تتضمن الطبعات الأسبق العديد من الأبيات والقصائد التى تهاجم الملك فيصل الأول وحاشيته وتعارض وصاية عبد اللَّه ونورى السعيد وآخرين.