المعراج بمعنى حرفى صرف، فيعتقدون أن النبى [ ﷺ ] قد رأى اللَّه سبحانه بعينى رأسه.
المصادر:
١ - G.Th.Pigeaud: The Literature of Java The Hague ١٩٦٧, ٩٩
٥ - المعراج فى الفن الإسلامى:
يعرض المسلمون بناء على مفاهيم دينية عن تصوير البشر أو عمل تماثيل لهم أو لغيرهم من المخلوقات، ناهيك عن تصوير الرسول الكريم [ ﷺ ]. ولكن هذا الحظر لم يعترف به لدى الفرس، وعلى ذلك فعلينا اللجوء للرسومات المنمنمة للفن الفارسى لمشاهدة تصوير حادثة المعراج فنيا. وقد كتب السير توماس أرنولد فى هذا الخصوص: "لقد كان أمرا معتادا للشعراء، أن يضمنوا فى مقدمة أعمالهم، دفقة عاطفية مستوحاة من معراج النبى محمد، ولا توجد حادثة فى التاريخ تماثل هذا الحدث فى التمثيل الفنى".
ولقد شهد الفن أعمالا كثيرة مخصصة لقصة المعراج، وما صاحبه من أحداث. وأولها متضمن فى مخطوطة يرجع تاريخها للقرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى، محفوظة فى ألبوم Topkapi H. ٢١٥٤، تحتوى على رسومات تنسب إلى أحمد موسى. وثانى هذه الأعمال هو المخطوطة الشهيرة المحفوظة فى باريس، والمزينة بأجمل ما رسم فى فن باريس كله، وتعود لعام ٨٤٠ هـ/ ١٤٣٦ م. وهاتان المخطوطتان حالة خاصة، حيث إن الاهتمام يوجه لما يصاحب أعمال الشعراء الكلاسيكيين من تزيين بصور مستوحاة من المعراج.
وأقدم هذه الأعمال يرجع لبداية القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى، فى مجموعة إسكندر سلطان المحفوظة فى المتحف البريطانى، وفيه تصوير للنبى [ ﷺ ] راكبا البراق، مصحوبا بجبريل ومحاطا بالملائكة، والكعبة أسفل الركب. وهذا الرسم مكرر فى لوحة من صفحتين محفوظة بمتحف الفنون الجميلة بمكتبة شستر، وتعود لنفس التاريخ. وفى اللوحتين، وكذا فى لوحة محفوظة بباريس تعود
стр. 9277
لعام ١٤٣٦ م، يصور النبى [ ﷺ ] مكشوف الوجه ولكن فى اللوحة الأخيرة، أعيد الرسم بحيث محى الوجه. واتجاه تصوير النبى [ ﷺ ] مكشوف الوجه كان هو الخط الفنى فى العهد التيمورى، كما فى اللوحة المحفوظة بالمتحف البريطانى وتعود لعام ٩١٠ هـ/ ١٥١٥ م، ولعلها من أوائل أعمال السلطان محمود، وتعتبر من أكثر اللوحات أصالة وتعبيرا عن الحدث، ويصور فيه الرسول [ ﷺ ] مصحوبا بالعديد من الملائكة، ويراقبه آخرون منهم من خلال كوة فى السماء. والكعبة أسفل اللوحة، وفى خلفيتها صحراء ذات نخيل.
وفى عهد الصفويين، حذفت الكعبة من الرسومات، وغطى وجه الرسول [ ﷺ ]، وأجملها ما ينسب لمجموعة الشاه طهماسب، وهى بالتأكيد من أعمال سلطان محمود، وقد تكون لوحة الوداع له.
وتوجد أعمال ذات صفة استثنائية، منها اللوحة من مجموعة Topkapi H ٧٧٤, قد ترجع إلى غرب الهند، يصور فيها الرسول كقرص من ذهب، مخطوط عليه اسمه، ولوحة أخرى بالمتحف البريطانى، يصور فيه المعراج على خلفية من دوائر متحدة المركز، مع تصوير للكواكب تدور حول الشمس.
وفى عهد ما بعد الصفويين، أخذ الموضوع شكلا فجا، فيضاف للبراق ذيل طاووس وتاج بدائى المنظر، ويرمز للنبى [ ﷺ ] للنبى بكتلة غير واضحة المعالم. ولكن خزانة القوارير المحفوظة فى متحف برلين، والتى تعود لعام ١٢٨٨ هـ/ ١٨٧١ م، مزينة برسم دقيق جميل للحدث، صور فيه بالأسلوب التقليدى.
المصادر:
١ - Sir Tomas Arnold: Painting in Islam, Oxford, ١٩٢٨
٢ - Marie-Rose: The miraculous Journey of Mohammed, London, ١٩٧٧
على يوسف على [روبنسون B.W. Robinson] مراجعة د. محمد الشحات الجندى
стр. 9278
معروف الرصافى
شاعر من أبرز شعراء العراق الحديثة، وأكثرهم جرأة وصراحة فى التعبير عن آرائه السياسية. ولد فى بغداد سنة ١٨٧٥ م، أبوه عبد الغنى محمد من أصل كردى من قبيلة الجبارية (بين كركوك والسليمانية فى شمال العراق (وكان رجلا تقيا، عمل كشرطى "درك" خارج بغداد، ولهذا فقد نشأ معروف وتلقى تعليمه على يد أمه فاطمة بنت جاسم، والتى تفرغت له فى منزل أبيها وأصلها من قبيلة عربية، وهى فرع من قبيلة شمر التى استوطنت فى حى قرغول فى بغداد).
ذهب معروف إلى "الكُتاب" فى بغداد حيث تعلم القراءة وترتيل القرآن وحفظه، وبعد أن قضى ثلاث سنوات فى المدرسة الابتدائية التحق بالمدرسة الرشدية العسكرية. ورسب فى امتحانات السنة الرابعة، ولم يستمر فى دراسته المدنية المؤهلة للخدمة العسكرية أو الحكومية ومن ثم فقد تحول إلى الدراسات الدينية، وتتلمذ على يد العالم الشهير محمد شكرى الآلوسى (١٨٥٧ - ١٩٢٤ م)، وآخرين من أمثال شيخ عباس القصاب وقاسم القيس لمدة اثنتى عشرة سنة. وكان تلميذا متميزا، ثم أصبح صوفيا مخلصا، وعرفانا بذلك أطلق عليه أستاذه اسم معروف الرصافى نسبة إلى العالم الصوفى الشهير معروف الكرخى.
ولا تدلنا مصادر السير والتراجم عن الكيفية التى فى دراسته معيشته السنوات فى دراساته الدينية والأدبية، ولا الكيفية التى حقق بها تلك المكانة الشعرية المرموقة. كل ما نعرفه هو أنه كان مضطرا للعمل كمدرس فى مدرستين ابتدائيتين فى بغداد، ثم تركها إلى مدرسة ثالثة فى "المندلى" فى "ديالا" سعيا وراء الأجر الأعلى.
وحاول فيما بعد أن يعود ليستقر فى بغداد واجتاز فيها بتفوق اختبارا فى اللغة العربية والأدب، ومن ثم عُين مدرسا فى مدرسة ثانوية، حتى سنة ١٩٠٨ م. وخلال هذه السنوات نشر قصائد فى المجلات المصرية الدورية الشهيرة مثل المؤيد والمقتطف، مثلما
стр. 9279
فعل غيره من الشعراء المشهورين فى العراق، أمثال الزهاوى، نظرًا لأنه لم تكن هناك مجلات دورية متميزة تصدر فى العراق فى ذلك الوقت وأصاب قدرا من الشهرة فى الأقطار العربية الأخرى وكذلك بين المهاجرين العرب فى أمريكا، ولم تبدأ فى شعره حتى هذه المرحلة أى ميول دينية، فقد كان علمانيا خالصا يدعو إلى حرية التفكير فى مواجهة حكم الاستبداد، ويحث شعبه على الأخذ بروح العلم والثقافة والاقتداء بالنمط الأوروبى، واصفا ومادحا الاختراعات الحديثة، مدافعا عن ضحايا الظلم الإجتماعى، ناعيا الأوضاع المتدهورة التى آلت إليها الدولة العثمانية، وخصوصا فى العراق وأيد أيضا شعار الثورة الفرنسية الذى تبناه حزب التجمع والتقدم، وهو "الحرية والعدالة والمساواة"، كما يتجلى ذلك فى قصائده الصادرة فى "ديوان الرصافى".
وبعد الثورة التركية الفتية فى ١٠ يوليو ١٩٠٨ م ترجم إلى العربية أغنية التجمع لشاعرهم "توفيق فكرت"، والتى أصبحت النشيد المدرسى فى العديد من الأقطار العربية، ويبدو أن تعاطفه مع أيديولوجية حزب الجمع والتقدم، أغرت فرع الحزب فى بغداد، والتى كان يرأسه مراد بك سليمان (شقيق محمود شوكت)، أن يدعوه لرئاسة تحرير القسم العربى فى جريدة الحزب السياسية الثقافية الصادرة بلغتين والناطقة بلسانه.
واحتفل الرصافى شعرا وفعلا بإعلان الدستور (دستور ١٠ يوليو ١٩٠٨). فقد اقتحم الرصافى مع مجموعة من اصدقاء اليهود والمسيحيين جامع "الوزير" فى يوم من أيام الجمعة، وأزاحوا الخطيب بالقوة من فوق المنبر، وألقوا خطبا دعائية لإيديولوجية حزب التجمع والتقدم. وأثار تصرف الرصافى غضبا عارما بين الدوائر الدينية والمحافظة فى بغداد، وطالبوا بشنقه، وتظاهروا أمام الوالى ناظم باشا، حتى أن الأخير وضعه فى الحجز التحفظى حرصًا على حياته.
إلا أنه فى بداية سنة ١٩٠٩ م وبناء على طلب أحمد جودت محرر جريدة "إقدام"، وصل الرصافى إلى إستانبول
стр. 9280
مارا ببيروت، لإصدار النسخة العربية من المجلة، التى كان الأمل معقودا عليها لخلق تفاهم جديد بين الفصيلين الرئيسيين فى الدولة العثمانية، الأتراك والعرب، ولتكون ناطقة بلسان الحزب. وخاب أمل الرصافى، عندما علم بأن المحرر لم يستطع تدبير الدعم المالى اللازم لإصدار الجزء العربى، لذلك فقد رحل إلى "سالونيكا" ومن هناك سار محمود شوكت، قائد الجيش الثالث لمقدونيا بجيشه إلى إستانبول وخلع السلطان عبد الحميد الثانى فى ١٣ أبريل سنة ١٩٠٩ م، ومؤيديه برئاسة "درويش وحدتى" الذى كان قد تقلد السلطة فى ٣١ مارس ١٩٠٩ م. وفى قصيدته "رقية الصريع" هجا الرصافى الحكومة العثمانية لاستبدادها ووصفها بأنها ضد التقاليد الإسلامية ودعا إلى حكومة جمهورية من أجل تحقيق الحرية كما فى أوروبا. ووصف فى قصيدته (فى سيلانيك) مسيرة الثورة ورحلته مع الجيش إلى إستانبول ضد السلطان. وفى قصيدته "تموز الحرية" حيا الثورة التركية الفتية وعبر عن سعادته بالإطاحة بعبد الحميد.
وعند عودته إلى العراق، عبر بيروت استقبله الأدباء بترحيب جم وعلى رأسهم أمين الريحانى. وكان يعانى أيامها من ضائقة مالية ولكن لحسن حظه، فقد ساعده مالك المكتبة الأهلية بشراء ديوانه، وقام محيى الدين خياط بتنقيح قصائده وترتيبها، وكتابة المقدمة وكانت هذه الطبعة مثل تلك التى تلتها مليئة بالأخطاء المطبعية. وتحتوى طبعة دار العودة فى بيروت سنة ١٩٧٠ م على عدد أقل من الأخطاء، بيد أن الطبعة الجديدة، التى علق على حواشيها مصطفى على الرصافى صديقه الحميم ومريده، والصادرة فى أربعة أجزاء عن الحكومة العراقية فى بغداد سنة ١٩٧٤ م، وهى فقط الطبعة الكاملة والمرخصة، واستبعدت القصائد الجنسية للرصافى من كل الطبعات -فيما عدا قصيدته "بداعة لا خلاعة"- ولم تسمح السلطات العراقية بنشرها أبدا. ولم تتضمن الطبعات الأسبق العديد من الأبيات والقصائد التى تهاجم الملك فيصل الأول وحاشيته وتعارض وصاية عبد اللَّه ونورى السعيد وآخرين.
стр. 9281
واستأنف عمله فى جريدة "بغداد" عند عودته إلى الوطن، ولكنه سرعان ما قبل عرضا جديدا هذه المرة من "جمعية أصدقاء العرب" التى يرأسها "الزهاوى" و"فهمى المدرس" فى إستانبول لتحرير جريدتهم اليومية "سبيل الرشاد" وفى إستانبول كان يلقى محاضرات فى مدرستين عاليتين فى اللغة العربية والأدب. وقام بتعليم "طلعت باشا" -العضو البارز فى حزب التجمع والتقدم- اللغة العربية، وكانت لعلاقته مع طلعت أثرها فى أن يُنتخب فيها سنة ١٩١٢ م فى مجلس النواب العثمانى. نائبا عن منطقة العراق، وتزوج أيضا أرملة اسمها "بلقيس" لم ينجب منها. ويذكرها مرتين فى ديوانه: فى القصيدة الأولى عندما تطلب منه "ألا يرحل، بينما ترغمه طموحاته أن يفعل". وفى القصيدة الثانية، ناشد فيها عائلة الجميل طالبا العون للسفر إلى تركيا، ليرى "من يحن قلبه إلى رؤياها". ويبدو أنه طلقها أخيرا فى سنة ١٩٢٥ م رسميا، لأنه لم يكن قادرا على إعالتها.
كان الشغل الشاغل للرصافى هو الحفاظ على وحدة الدولة العثمانية من خلال توحيد كل الأديان والقوميات المختلفة فيها. وكذلك ابقائها وفقا لإيديولوجية لجنة التجمع والتقدم ولهذا السبب هاجم التجمع العربى فى باريس (يونيو ١٩١٣ م) وانتقد أعضاءه فى قصيدته الساخرة "ما هكذا" متهما إياهم بتعريض وحدة الدولة للخطر، وتشجيع أطماع الفرنسيين فى سوريا، وزرع العداء بين المسيحيين والمسلمين. كان الرصافى فى الواقع مدافعا عظيما عن إحياء الروح والثقافة العربية داخل إطار الدولة العثمانية. وناقدا عنيفا للقوى الأوروبية التى تسعى لتدميرها وحينما اندلعت الحرب العالمية الأولى، نظم قصيدة "الوطن والجهاد" يدعو فيها المسلمين أن يدافعوا عن الإسلام، وينتقد فيها المصريين لتأييدهم البريطانيين، ويعبر عن أمله فى أن يهزم العراق العدو الزاحف نحوها. إن هذا التضامن مع الدولة العثمانية يفسر لنا أيضا لماذا لم يرث الرصافى فى شعره هؤلاء القوميين العرب الذين شنقهم جمال باشا (١٩١٦ م). ويبرر من ناحية أخرى هجومه على
стр. 9282
الشريف حسين فى مكة لثورته ضد العثمانيين ولم يحتفل بتأسيس الحكومة العربية فى دمشق برئاسة الأمير فيصل بن الحسين (١٩١٨ م)، ولا أسف على طرد الأخير من سوريا (١٩١٩ م)، كما أنه لم يذكر كثيرا فى شعره الثورة العراقية ضد بريطانيا فى سنة ١٩٢٠ م.
وبعد نهاية الحرب فى سنة ١٩١٨ م ترك الرصافى إستانبول إلى دمشق، حيث شكل الأمير فيصل حكومته العربية، بيد أن الأمير تجاهله بسبب قصائده الساخرة -فيما سبق- من والد فيصل الشريف حسين ومن القوميين العرب، ولم يتوقع الرصافى فى الواقع استقبالا من هذا النوع من الأمير فيصل زميله السابق فى البرلمان العثمانى، وخاب أمله لأنه كان يعتقد أنه اتخذ الموقف الشريف والصحيح لمصلحة الدولة العثمانية.
وعلى ذلك فقد قبل وظيفة فتن دار المعلمين فى القدس (١٩١٨ - ١٩٢١ م)، حيث أصبح هو محرر النشاط الاجتماعى والأدبى هناك مع الكتاب الفلسطينيين، إسعاف نشاشيبى وخليل سكاكينى وعادل جبر. وفى سنة ١٩٢١ م نشر مدير الكلية خليل طوطاح مجموعة للرصافى من ١٧ أغنية مدرسية مع الخلفية الموسيقية لها تحت عنوان "مجموعة الأناشيد المدرسية"، كتب مقدمتها إسعاف النشاشيبى.
وتناول "صفا خلوصى" فى مقالته "معروف الرصافى فى القدس" هذه الفترة من حياته ويعتقد "خلوصى" أن القصيدة التى نظمها الرصافى بعد حضوره المحاضرة التى ألقاها البروفيسور "ايه. ش يهودا" عن حضارة العرب. بدعوة من "راغب النشاشيبى" عمدة القدس، والتى حضرها الأستاذ هيربرت صمويل المندوب السامى البريطانى لفلسطين، نجحت فى أن تحول الانتباه عن قرارات المؤتمر العربى الفلسطينى المنعقد فى حيفا فى ديسمبر سنة ١٩٢٠ م، وأن تُقلص المعارضة لسياسة صمويل. وفى هذه القصيدة (إلا هيربرت صمويل)، أشاد الرصافى بالمحاضرة وحديث هيربرت صمويل، وأشار كذلك إلى
стр. 9283
روابط الدم العربية اليهودية، منكرا اتهامهما بالعداء المتبادل، وعبَّر أخيرا فيها عن مخاوف العرب من أن يُطردوا من وطنهم وأثارت القصيدة احتجاجات قوية من الوطنيين العرب ومن الشاعر اللبنانى المارونى وديع البستانى الذى كان يعيش فى حيفا، فألف قصيدة يعنف فيها الرصافى. وأدت هذه الحملة القوية ضده إلى اقتناعه بقبول الدعوة للعودة إلى بغداد ليصبح محررا فى جريدة مؤيدة لطالب باشا النقيب الذى كان يطالب بعرش العراق. ورحل الرصافى إلى العراق، بيد أن قيام بريطانيا "النقيب" إلى الهند لتمهيد طريق الأمير فيصل إلى حكم العراق، أوقف إصدار الجريدة، وعُين الرصافى بدلا من ذلك فى منصب نائب مدير مكتب التراجم، والذى اعتبره أدنى من قدرته وتاريخه السابق المجيد.
وشعر بالإهمال والإهانة فى هذا الوقت، بينما كان من دعاهم "بالمنافقين والمجردين من المواهب" يتبوءون أعلى المناصب ذات النفوذ. وفى نهاية سنة ١٩٢٢ م وسافر إلى بيروت وقرر ألا يعود إلى العراق، ولكن حينما سمع عن الدعوة لانتخابات أول برلمان عراقى، عاد إلى بغداد، وهناك أصدر جريدته اليومية "الأمل" (من أكتوبر - ٢٠ ديسمبر ١٩٢٣ م) والتى امتدح فى افتتاحياتها السياسة البريطانية فى العراق وحاول أن يمد جسور الود مع الملك فيصل الأول، بيد أنه أصيب بخيبة أمل شديدة، إذ لم يُنتخب كعضو فى البرلمان وفى نهاية سنة ١٩٢٣ م عين مفتشا للغة العربية فى وزارة التعليم، وقام بإلقاء محاضرات فى كلية دار المعلمين فى بغداد فى الأدب العربى، وهى المحاضرات التى صدرت تحت غنوان "دروس فى تاريخ أدب اللغة العربية" فى بغداد سنة ١٩٢٨ م.
وساءت أحواله المالية فى هذه الفترة، وفيها كتب معظم قصائده التى تهاجم بضراوة الملك فيصل الأول وحكومته -وخصوصا المسئولين فى وزارة التعليم- وكذلك البريطانيين. ولم ينشر بعض هذه القصائد وإن زاعت شفويا وانتشرت نسخها اليدوية. وفى قصيدته "حكومة الانتداب"، هجا
стр. 9284
فيها الحكومة العراقية باعتبارها شعارا زائفًا للدستور والبرلمان، وأكد فيها على أن الحكومة مُستبعدة من البريطانيين وفى قصيدة له لم يتضمنها ديوانه، اتهم الملك (فيصل) الأول بأنه لا يفعل شيئا، بل "يعد الأيام ويتلقى راتبه". ولعنه هو وقصره متمنيا لهما الدمار.
ومن أجل أن يتغلب على حالة الفقر الملازمة له، كتب قصائد مدح فى عبد المحسن السعدون وآخرين، طلبا للدعم المالى.
وعن طريق معاونة سعدون، نجح فى الانتخابات وأصبح عضوا فى مجلس النواب العراقى، بيد أن انتحار سعدون فى ١٣ نوفمبر سنة ١٩٢٩ م. كان خسارة فاجعة له. ورثاه فى عدة قصائد. إلا أن الرصافى نجح فيما بعد عدة مرات فى أن ينتخب لفترة دامت ثمانى سنوات.
وبين سنتى ١٩٣٣ - ١٩٣٤ م عاش الرصافى فى الفالوجا فى ديالا، وهناك كتب "الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس". ووصفه خلوصى بأنه تحفة أدبية، وأضاف أنه وفقا لما ذكره أصدقاؤه المقربون نصع بألا ينشر قبل سنة ٢٠٠٠ م". وصرح بأن هذا الكتاب وصف على أنه هرطقة، . . . زاخر بالأفكار البغيضة. وتحتفظ الأكاديمية العراقية للعلوم بميكروفيلم له.
ومنذ منتصف سنة ١٩٤١ م، بعد انقلاب رشيد عالى الكيلانى، عاد إلى بغداد حيث عاش فى فقر. وقد أيد الانقلاب فى شعره هاجيا البريطانيين والوصى على العرش "عبد اللَّه" وكذلك نورى السعيد والمسئولين الآخرين، الذين اتهمهم بالفساد. ومع فشل الانقلاب، والذى أعقبه مذبحة اليهود المعروفة بـ "فرهود" احتلت القوات البريطانية بغداد (٢ يونية ١٩٤١ م). وفيما بعد ألقى القبض على الجنرالات الأربعة للكيلانى "المربع الذهبى" ونفذ فيهم الإعدام شنقا. ونظم الرصافى مرثاة طويلة فى فشل الانقلاب وشنق قادته، وتوعد فيها بأنه سيأتى اليوم الذى سيقضى فيه الجيش على العائلة الملكية. إلا أنه لم يعتقل وظل بلا موارد حتى اضطر إلى بيع السجائر فى حانوت صغير.
стр. 9285
أصدر فى سنة ١٩٤٤ م كتابه "رسائل التعليقات" والذى تضمن ثلاثة تفنيدات اثنين لكتابى زكى مبارك "التصوف الإسلامى" (١٩٣٨ م) و"النثر الفنى" (١٩٣٤ م) والثالث تفنيد، لكتاب "كيتانى" عن حياة محمد [ ﷺ ] إن الآراء التى عبّر عنها الرصافى عن الأحذية فى تفنيده كتاب "التصوف الإسلامى". جلبت عليه موجة من الانتقادات والغضب العارم، واتهم بالتجديف وصدرت الفتاوى بإدانته وتحريم كتابه. ويبدو أن هذه الهجمات دفعته إلى كتابة وصيته، والتى أكد فيها أنه كان مسلمًا آمن باللَّه وبمحمد [ ﷺ ] وأنه آمن بجوهر الدين، ولكنه يترفع به عن توافه الأمور.
ومع نهاية سنة ١٩٤٤ م، خصص له أحد الأغنياء من ذوى النفوذ السياسى "مظهر الشادى" مبلغ ٤٠ دينارًا شهريًا إلى نهاية حياته، والتى جاءت فى ١٦ مارس سنة ١٩٤٥ م.
وتقوم الشهرة العريضة التى حققها الرصافى على شعره السياسى والاجتماعى. وينقسم ديوان الرصافى إلى ١١ قسمًا تختلف أطوالها: (١) فى الكون "٨ قصائد" (٢) الموضوعات الاجتماعية "٣٦ قصيدة" (٣) الفلسفة "٩ قصائد" (٤) فى الوصف "٥٩ قصيدة" (٥) فى الحريق "٣ قصائد" (٦) فى الرثاء "٢٤ قصيدة" (٧) فى المرأة "٨ قصائد" (٨) التاريخ "١١ قصيدة" (٩) السياسى "٤٢ قصيدة" (١٠) الحرب "٨ قصائد" (١١) قصائد قصيرة، أقصرها من "بيتين" بعضها مرتجل فى الاستقبالات والحفلات، وأطولها "٢٩ بيتًا". وتتضمن هذه الأقسام مع بعضها "٣٤٦" قصيدة. وتتكون أطول قصيدة بقافية واحدة من ١٠٤ بيتًا، وهى قصيدة عن السيرة الذاتية لأبى بكر الرازى، والقصيدة النثرية فيه هى (الفقر والمرض) فى "٥١" مقطعًا خماسيًا. وعمومًا فإن هذا التقسيم للقصائد هو تقسيم عشوائى. ومعظم قصائده أحادية القافية، ينقسم كل بيت فيها إلى شطرين، ويكون الشطران فى البيت الافتتاحى مصراعين (لهما نفس القافية) وتتخذ القليل من قصائده الشكل المقطعى. والقصيدة النثرية الثانية عن آثار الفقر
стр. 9286
فى العراق. ونظم قصائده مقفاة بالقوافى الصعبة التى يتجنبها الشعراء الآخرون مثل ز، ص، ظ، ض، ط، ن، وله ثمانى قصائد. يحدد المقدار العددى للحروف فى الشطرات الأخيرة تاريخ نظمها (على حساب الاجمل) وهى الطريقة التى كانت مستخدمة فى فترة ما بعد الكلاسيكية إلا أن معظم قصائده غير مؤرخة. وله بعض القصائد الأخرى منظومة على الوزن والقافية لأمثلة كلاسيكية شهيرة لقصائد المتنبى والمعرى، وبعض منها مقتبس حتى من الشعر الجاهلى.
وفى نهاية حياته تحرر من هذا التأثير الكلاسيكى على أسلوبه الأدبى والاستعارات، واستطاع أن يستخدم شعره السياسى بأسلوب تلقائى مرن. ومن الواضح تأثره بالمتنبى فى سماته الشخصية مثل الكبرياء والصدق وطريقته المحببة فى التعبير عن أفكاره واستخدام الأمثال فى شعره مثل المتنبى، وتباهى بنفسه وشعره فى قصائد المدح التى نظمها يطلب فيها المساعدة، بينما كان تأثير "المعرى" عليه واضحًا فى نظرته الفلسفية وأفكاره عن الدين واللَّه، بما فى ذلك مذهب الشك والأحديه. وعلى العكس من ابن سيناء كان الرصافى يشك فى خلود الروح وصعودها إلى السماء، وفى الدين كوحى من السماء. واعتبر أن الدين من اختراع حكماء لصالح النوع البشرى. لكنه مثل "وليام بلاك" آمن بتناغم الجسد والروح ووحدتهما وأنه حتى وإن افترض خلود الروح، فهو يحيل إلى الاعتقاد بأنها غير مطلعة على الحياة. ومن ناحية أخرى فهو يستحث لدى العرب الحاجة إلى إحياء العلوم والثقافة من أجل الوحدة والحرية. ودافع عن حرية النساء وخصوصًا المسلمات. ودافع أيضًا عن حرية الفكر والسلوك والصحافة. وكان يرى أنه حرى بالرجل الحر أن يخرق العادات والتقاليد إذا شعر أنه من الضرورى أن يفعل. وناصر المقهورين والمضطهدين وضحايا المجتمع من الفقراء والمرضى، ودعا إلى الأمن الاجتماعى والمساواة. وأنحى بالأئمة على العرب لقصورهم وعجزهم، ولتغنيهم بتاريخم ومجدهم القديم. إن القصيدة المتميزة، التى
стр. 9287
توضح موقفه تجاه المضطهدين وضد التعصب الدينى، هى قصيدته "أم اليتيم". وهو يربط فى قصة الأرملة الأرمنية وابنها اليتيم بين ضحايا التعصب والكره العنصرى، حيث قتل زوجها فى مذبحة الأرمن فى تركيا فى سنة ١٩١٥ م، وأعلن أن الإسلام برئ من مثل هذه القسوة. ووصف أيضًا الاختراعات التقنية الجديدة مثل التلغراف والسكك الحديدية والسيارة والساعة، إلى آخره. وأبدى إعجابه باختراع محرك البخار والكهرباء.
وفضل العروض أو الأوزان الطويلة التى تناسب نغماته الحماسية والبلاغية، مثل الطويل والوافر والكامل والبسيط والخفيف. واتسم شعره بالعقلانية دون العواطف. فقد عبر عن أفكاره بأسلوب تعريفى مباشر غير قائم على الاستعارات والرموز، وكان مغرمًا بالمفردات الكلاسيكية.
وفى أعماله العلمية دل على معرفته العريضة والعميقة باللغة العربية وآدابها وبالإسلام وتاريخه، إلا أنه اعتمد أكثر على موهبته وعلى ما درسه فى شبابه. وفيما يلى أعماله المنشورة على حسب الترتيب الزمنى لظهورها:
١ - الرقية (رواية) لنامق كمال ترجمها من التركية إلى العربية الرصافى فى سنة ١٩٠٩ م.
٢ - ديوان الرصافى.
٣ - مجموعة الأناشيد المدرسية.
٤ - دفع الهجنة فى ارتضاخ اللكنة (مفردات عربية مستخدمة باللغة التركية وبالعكس).
٥ - نفع الطيب فى الخطابة والخطيب.
٦ - تمائم التربية والتعليم.
٧ - محاضرات الأدب العربى.
٨ - محاضرة فى صلاح اللغة العربية للتدريس.
٩ - دروس فى تاريخ اللغة العربية.
١٠ - رسائل التعليقات.
١١ - على باب سجن أبى العلاء.
١٢ - علام الضباب.
١٣ - الأدب الرفيع فى ميزان الشعر.
وهناك ستة أعمال أخرى غير منشورة ما زالت غامضة، أهمها الشخصية المحمدية.
стр. 9288
المصادر:
١ - بدوى طياته: معروف الرصافى دراسة أدبية للشعر العراقى وبيئته السياسية والاجتماعية، القاهرة، ١٩٤٧ م.
٢ - مصطفى على: الرصافى، صلتى به، القاهرة، ١٩٤٨ م.
معرة النعمان
موضع هام فى أحد أقضية شمال سوريا الذى يضم القسم الجنوبى من جبل الزاوية الذى يتكون من الجزء الجنوبى من مصياف وما يلحق به من القرى. وتشتهر معرة النعمان بأنها مسقط رأس الشاعر الضرير أبى العلاء المعرى. وهى تقع فى نطاق شمالى فينيقيا على مسافة رحلة يومين (سبعين كيلومترا) إلى الجنوب من حلب، كما تقع على الحافة الشرقية من إقليم غنى بالآثار القديمة. وإذا مضينا من الغرب إلى الشرق شاهدنا الأحجار الجيرية التى ترجع إلى العصر الأيوسينى - الحجرى كما يوجد البازلت على بعد اثنى عشر كيلو مترا إلى الشرق وهو يرجع إلى العصر (البليوسينى).
وليست هناك مياه جارية فى المناطق المجاورة، ويكون على السكان أن يجمعوا مياه الأمطار فى صهاريج. وقد أتاحت مياه الأمطار وما يستخرج من الآبار الفرصة لزراعة وفيرة منذ العصور القديمة. ويقول "ابن جبير" إن عبور المنطقة التى تغطيها الحدائق والتى تمتد إلى محيط المدينة كلها يستغرق يومين. وقد كانت هذه الأرض، فى العصر الأيوبى، من أخصب الأراضى وأغناها فى العالم. فمنذ العصور الكلاسيكية القديمة كانت الأراضى الواقعة غربى معرة النعمان مشهورة بزراعة أشجار الزيتون والكروم. كما كان يزرع بالقرب من المدينة وفى الحدائق أشجار الفستق واللوز كما تمتد إلى الشرق حقول الحبوب من حنطة وشعير. وهذه المنطقة تنتج ثلاث سلع رئيسية هى القمح والزيتون والزبيب للتصدير المباشر، الأمر الذى يؤدى إلى الجمع المتكرر بكميات كبيرة لهذه المنتجات.
стр. 9289
وإذا قَبِلْنا قول القائل إن معرة النعمان هى "أرا" Ara لما بينهما من تشابه فى النطق فإن وجود مستوطنة بشرية فى موقع المدينة الحالى بالقرب جدا من "تل مَنَاس" يرجع إلى الألف الأولى قبل الميلاد. والواقع أن "أرا" قد وردت فى النصوص الأشورية ضمن أراضى الإمبراطورية (الأشورية) فى عام ٧٣٨ قبل الميلاد. وليس هناك شك فى أنها هى نفس المدينة التى تظهر باسم "أرَا" Arra كواحدة من المدن اليونانية الرومانية التى وردت فى مذكرات الرحالة "أنطونين" والتى يمكن أن تتطابق مع "ميجارا" Megaara (التى تحدث عنها سترايو، والتى ينطقها المؤرخون اللاتين فى العصور الوسطى باسم Marra، على حين يطلق عليها المؤرخون الغربيون للحروب الصليبية "لامار" La Marre أو "لامير" La Maire) . . ولكن معرة النعمان بنطقها الحالى، وحسبما يقول المؤلفون العرب، كانت تشير فى العصر الأموى إلى مدينة وإقليم يقعان فى المنطقة المناخية الرابعة ويدخلان ضمن جند حمص، ومن عهد هارون الرشيد اندمجتا فى قنسرين وهذا هو السبب فى أن مؤرخا مثل "خرداذبة" (المتوفى قبل عام ٢٧٢ هـ/ ٨٨٥ م) يعد هذه المنطقة واحدة من "العواصم". أما البلاذرى (المتوفى عام ٢٧٩ هـ/ ٨٩٢ م). واليعقوبى (المتوفى عام ٢٧٨ هـ/ ١٣٥٥ م) ومن بعدهما ابن بطوطة (٧٥٦ هـ/ ١٣٥٥ م) وخليل الظاهرى (٨٧٢ هـ/ ١٤٦٨ م) فى "الزبدة"، فيقولون إنه مرّ على المدينة وقت كانت تسمى فيه "بذات القصور" أما الدمشقى فيتحدث عن "ذات القصرين".
أما الجزء الثانى من الاسم فإنه -حسبما ذكر البلاذرى الهراوى فيما بعد- مأخوذ من اسم أحد صحابة رسول اللَّه [ ﷺ ] وهو النعمان بن بشير الأنصارى الذى كان -فى خلافة معاوية- واليا على الكوفة ومنطقة حمص ثم مات ابنه فى معرة -والتى يقال إن حاكمها عندما مات يزيد- كان نعمان بن بشر، الذى مات فى عام ٦٥ هـ/ ٦٨٤ م. وهناك قول آخر بأن اسم المدينة مأخوذ من "النعمان بن عدى الساطع" من أسرة بنى تنوخ التى عاشت فى المدينة والمنطقة.
стр. 9290
وقد كانت معرة النعمان، منذ إنشائها، ملتقى طرق هاما، ومركزا اقتصاديا نشطا، فالمدينة تقع على محور يمتد من "قورس" عند سفح جبال طوروس، حتى فلسطين، مارا بحلب وحماة وحمص ودمشق وهذا الطريق يمر موازيا بالسفح المنحدر الشرقى لجبل "زاوية"، ويلتف حول السهل الذى يمتد إلى الشرق. . وثمة طريق آخر يمر بها وهو يربط بين حماة وأنطاكية. . وفى منتصف الطريق بين أنطاكية والمعرة توجد "روجيّة" وهى "قشطيل الروح" الواقعة فى إقليم الروح الذى يفصل أنطاكية إلى الجنوب. . وهناك طريق لهم يمضى تجاه الغرب من "معرة" عن طريق الحَسّ والبارة ويمضى فوق "جبل زاوية" ثم يعبر نهر العاصى عند جسر "الثغر" قبل أن يصل إلى اللاذقية.
وإلى الجنوب يمر الإنسان بمعرة النعمان إلى كفر طاب، حيث يمكن أن يصل الإنسان إلى أفامية أو شيزر. ويجب أن نلاحظ أن طريق حلب وحمص القديم والذى سلكه اليعقوبى فى القرن الثالث الهجرى أى التاسع الميلادى، لم يكن يمر بمعرة النعمان، ولكن عن طريق "تل ماناس" الواقع على بعد عدة كيلومترات إلى الشرق عن الطريق الحالى، ومع ذلك فإن رحلة "أنطونين" تشير إلى طريق حماة (الذى يعرف باسم طريق "أرا إبيفانيا" لقد كانت هناك شبكة طرق محكمة تربط القرى الزراعية التى إلى الشرق بمعرة النعمان ولم تكن هذه المدينة مكانا للراحة فحسب بل أيضا مركزا للتبادل "التجارى" بين الجبل والسهل؛ كما كانت مركز تجميع كبير للمنتجات الزراعية؛ وكانت فى عام ٣٤٠ هـ/ ٩٥١ م مدينة مزدهرة بالفعل. . ولأنها "مفتاح" حماة، فقد فرض عليها قدرها فى العصور الوسطى، أن تكون الهدف الأول الذى يسعى للحصول عليه أى عدو قادم من الشمال الغربى أو من الشمال أو من الشمال الشرقى، على حين كانت تشكل بالنسبة لأى حاكم لحماة، خط دفاع متقدم. أما فى العصر العثمانى فقد تأكدت الأهمية الاقتصادية للمدينة فى أن سنجق معرة النعمان كان يتولى لوائحها المالية. . وكانت
стр. 9291
الضرائب تدفع على البضائع فى أثناء مرورها. . كما كانت الحيوانات والمنتجات تنتقل من القرى إلى المدينة. . وفى عام ١٩١٣ كان هناك مدرسة فرنسية فى هذه المدينة. وتحتفظ معرة النعمان فى الوقت الحاضر بدورها كمركز للتجارة والحرف تؤكده سيارات النقل الكبيرة الرائحة والغادية، وكذلك الآلات الزراعية والأوتوبيسات وسيارات الأجرة وكذلك شارعها الرئيسى المملوء بالجراجات والورش للإصلاحات الميكانيكية والمقاهى والمطاعم. .
وقد تماشى النمو السكانى لهذه المدينة فى القرن العشرين مع النمو السكانى فى البلاد كلها فبعد أن كان عدد السكان فى عام ١٩٣٢ خمسة آلاف ومائتين وخمسين نسمة، ارتفع فى عام ١٩٤٥ إلى تسعة آلاف ومائة وأربعين نسمة ليصل فى عام ١٩٧٠ إلى عشرين ألفا.
المعرة تاريخيا: فى عام ١٦ هـ/ ٦٣٧ م احتل جيش أبو عبيدة بن الجراح معرة - حمص. . وفرضت الجزية والخراج على من لم يدخل فى الإسلام، ولما مات الخليفة الورع عمر بن عبد فبراير ٧٢٠ م دفن فى "دير سمعان" بالنقيرة إلى الجنوب الغربلى من قرية المعرة التى عاش بها الصوفى "يحيى المغربى" الذى قام صلاح الدين بزيارته. . وقد كان هذا مكانا يرتحل إليه الكثيرون ويختلفون إليه فى القرن السابع الهجرى - الثالث عشر الميلادى. . .
وفى عام ٢٠٧ هـ/ ٨٢٢ م قام عبد اللَّه بن طاهر الذى عين بعد أبيه حاكما للشام من قبل الخليفة المأمون، بمحاربة المتمرد نصر بن شبث، ومن ثم قام بتدمير تحصينات معرة وغيرها من القلاع مثل قلاع الكَفْر والحُناق.
وفى عام ٢٩٠ هـ/ ٩٠٣ م قدم القرامطة، بقيادة "صاحب الخال" فخربوا منطقة حمص وحماة والسلامية ومعرة النعمان وقتلوا الكثيرين وسبوا النساء وأسروا الأطفال. وفى عام ٣٢٥ هـ/ ٩٣٦ - ٩٣٧ م تسلل بعض بدو بنى كلاب إلى سوريا قادمين من نجد.
стр. 9292
وعندما اقتربوا من معرة النعمان، خرج "معاذ بن سعيد" قائد هذه المنطقة لصدّهم، ولكنهم أخذوه أسيرا عند "البُرَاغيثى" (ومكانها غير معروف) مع جزء من جيشه. وقد أفرج عنه بعد ذلك أبو العباس أحمد بن سعيد، قائد حلب من بنى كلاب.
وفى عام ٣٣٢ هـ/ ٩٤٣ - ٩٤٤ م طرد الحسين بن سعيد، عم سيف الدولة، أبا العباس بن سعيد و"يانس" المؤنسى الكلابى من حلب ومر بمعرة النعمان وهو فى طريقه إلى حمص، على حين هرب "يانس" إلى مصر وفى شوال من عام ٣٣٣ هـ/ مايو - يونيه ٩٤٥ م غادر حاكم مصر الإخشيدى دمشق وزحف لقتال سيف الدولة؛ واستولى على معرة النعمان واستعمل "معاذ بن سعيد" واليا عليها للمرة الثانية، ولكنه قتل بعد ذلك بفترة قصيرة على يد سيف الدولة فى معركة "قُنَسرين" وفى عام ٣٤٨ هـ/ ٩٥٩ م إزداد القرامطة فى منطقة معرة النعمان، وخرج الوالى العُقَيلى شبيب بن جرير على رأس زمرة من هؤلاء المتمردين وزحف على دمشق، وفى نهاية عام ٣٥٧ هـ/ ٩٦٨ م، غزا "نقفور فوكاس" معرة النعمان، وخرّب مسجدها الكبير وهدم جزءا كبيرا من تحصيناتها. وفى بداية عام ٣٥٨ هـ/ ٩٦٩ م تم توقيع معاهدة سلام، وأصبحت المدينة من المدن التى فرضت عليها الجزية للبيزنطيين لكن الأخيرين لم تكن لديهم قوات كافية لتنفيذ الاتفاقية. واستطاع أبو المعالى ابن سيف الدولة أن يسترد المعرة.
وفى عام ٣٥٨ هـ/ ٩٦٠ م وفى الوقت الذى انسحب فيه البيزنطيون من منطقة حلب، جاء أبو المعالى إلى معرة النعمان الذى كان يُخطب له فيها باسمه. وفى أكتوبر من العام نفسه، وعند عودة البيزنطيين، لجأ أبو المعالى إلى معرة النعمان حيث تلقى التعزيزات والمؤن والعلف. وعيّن نائبا له هناك اسمه "زهير" -وهو أحد غلمان أبيه- وذهب إلى حمص -وعند عودته رفض زهير أن يفتح أبواب المدينة للأمير الحمدانى الذى صمم على أن يستخدم القوة وأخيرا طلب زهير الأمان وحصل عليه.
стр. 9293
وعندما تولى "قرغويه" السلطة فى حلب فى شهر ذى الحجة ٣٥٨ هـ/ أكتوبر ٩٦٩ م، تحالف زهير -حاكم معرة النعمان- مع سيف الدولة الحمدانى واشترك فى الحملة على حلب ولكن ما إن هب "بيتر ستراتو بيداركوس" -الذى يسميه كمال الدين ابن الأثير بالتربازى لنجده قرغويه، حتى رفع أبو المعالى الحصار عن حلب وانسحب مع زهير إلى "الخُناصره" و"معرة النعمان". وفى عام ٣٦٤ هـ/ ٩٧٥ م مضى سعد الدولة أبو المعالى -بمساعدة بنى كلاب- لمحاصرة زهير فى مدينته، واقتحمها من "باب احُنَاق"، وعندما ردته قوات المدينة قرر أبو المعالى حرق باب حمص، مما اضطر زهيرًا إلى الاستسلام فأمر أبو المعالى بشنقه. وفى شوال عام ٣٦٦ هـ/ مايو، يونية ٩٧٧ جرى النهب والسلب على قلعة معرة النعمان.
وبعث الفاطميون فى عام ٣٨٦ هـ/ ٩٩٦ م بحملة على حلب ولكنها ارتدت على أعقابها -على حين استطاع المصريون أن يبسطوا نفوذهم حتى معرة النعمان. والحق أن "رُمَّاحا" مملوك سيف الدولة الذى كان يحكم المنطقة، قد ثار على سيده أبى الفضائل سعيد الدولة أمير حلب وناشد مَنْجُو تكين -وهو قائد تركى فى خدمة الفاطميين- أن يريحه من الضغط الذى يتعرض له من قوات حلب. ويبدو أن "لؤلؤ" -أتابك حلب- قد استعاد المعرة عقب اتفاق تم بينه وبين الفاطميين، وفى عام ٣٩٣ هـ/ ١٠٠٣ م تعرض إقليم معرة النعمان لهجوم من جانب لؤلؤ الذى كان قد تولى السلطة فى حلب فى العام السابق. . وقد جرد القلاع الموجودة فى هذه المنطقة وفى منطقة "الروج" أيضا من أسلحتها ودفاعاتها حتى لا يستخدمها الأعداء ضده.
وفى منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) -وبعد ظهور المرداسيين على المسرح السياسى بالاستيلاء على حلب فى عام ١٠٢٤ م، تعاقب على معرة النعمان حكام عديدون. ففى عام ٤٣٤ هـ/ ١٠٤٢ - ٤٣ م واجه "ناصر الدولة" الحمدانى "ثمال" المرداسى صاحب
стр. 9294
حلب، واستولى على معرة النعمان. وفى عام ٤٥٢ هـ/ ١٠٦٠ م، وفى أثناء حملة قام بها ثمال ضد ابن أخيه محمود، مكث ثمال فى المدينة التى عانى سكانها الأمرين من احتلال العدو. . وبعد خمس سنوات، وبعد أن دخل محمود المرداسى حلب، بعث بأحد قادته الأتراك واسمه "هرون"، للاستيلاء على معرة -وفى السابع عشر من شوال ٤٥٨ هـ/ (العاشر من سبتمبر ١٠٦٦ م)، تسلل هرون إلى المدينة ومعه أكثر من ألف رجل من الأتراك والديلم والأكراد ومن رجال من قبيلة الأوج ولكنهم تركوا المدينة لمساعدة "محمود" فى معاركه مع بنى كلاب.
وفى عام ٤٦٢ هـ/ ١٠٧٠ م هاجم بعض الأتراك المقيمون فى الأراضى البيزنطية مدينة حلب وكان هؤلاء الأتراك بقيادة "صُنْدَق"، ثم مضوا إلى "الجَزْر" وخربوا أراضى معرة النعمان و"كفر طاب" وحماة وحمص و"رفِنيّة"، وبعد ذلك بفترة قصيرة ظهر السلاجقة فى شمال سوريا. وفى عام ٤٧٢ هـ/ ١٠٧٩ - ٨٠ م أجبر "تُلُتُش" شقيق السلطان ملكشاه سكان سَرْمين ومعرة النعمان -اللتين سلبا قراهما الشرقية- على أن يدفعوا مبالغ كثيرة.
وفى عام ٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥ م أصبحت المعرة تالية "العقيليين" ففى بداية ربيع الثانى استطاع سليمان بن "قُتْلْمش" أن ينزعها منهم، وكان قد استولى على انطاكية فى العام السابق. وفى عام ٤٨٥ هـ/ ١٠٩٢ م، تسلم "ياغى سيان" من تتش عددا معينا من الأماكن "اقطاعًا" من بينها معرة النعمان -وبعد ثلاث سنوات، أعطى رضوان الأمير السلجوقى لحلب المدينة والأراضى التابعة لها إلى سقمان بن الارتق، وفى العام التالى استولى "جراح الدولة" اتابك رضوان على معرة النعمان بعد نزاع بينه وبين رضوان وقد كان موقع المكان الاستراتيجى ذا أهمية أيضا عند الصليبيين، فبالقرب من المدينة إلى الغرب، يمكن أن تتمركز القوات، فى حماية قلاع "تل ماناس" وكفر "رومة" إلى الشرق وكفر "طاب" إلى الجنوب والتى يمكن فيها الدفاع عن
стр. 9295
المدخل من أفامية ومهاجمة "شيرز" على نهر العاصى. . وفى عام ٤٩٨ هـ/ ١٠٩٨ م قرر "ريموند" الصقيلى أن يهاجم معرة النعمان وهو يترك انطاكية يؤيده المسيحيون فى المنطقة ولكنه ارتد على أعقابه -وفى نهاية شهر نوفمبر وقع هجوم جديد قاده "روبرت" دى "فلاندرز" وقد استخدم الصليبيون -للاستيلاء على معرة النعمان- قلعة خشبية تتحرك على عجلات يتجاوز ارتفاعها ارتفاع أسوار المدينة حتى يتمكن من مهاجمة العدو بشكل أفضل، وهو العدو الذى عمد -لكى يكسر حدة المقذوفات- إلى تغطية الأسوار بأكياس من القش والقطن. ولكن مهندسى ريموند بيليه نجحوا فى فتح ثغرة فى السور -ولعدم وجود قوات كبيرة معه، تفاوض ريموند من أجل استسلام مشرف حتى ينقذ حياة الرجال واستسلمت المدينة فى الرابع عشر من المحرم ٤٩٢ هـ/ الحادى عشر من ديسمبر ١٠٩٨ م. وفى ليلة عيد الميلاد لعام ١٠٩٨ م ترك ريموند معرة النعمان ليستقر فى قشطيل الروج كما ذهب "بوهيموند" إلى هناك بعد أن وضع السلطة على هذا الموضع فى يد رئيس أساقفة الببرة. وفى بداية يناير عام ١٠٩٩ م، وبينما الأمراء ينظمون حملة على القدس من قشطيل الروج تمردت العناصر الأكثر فقرا فى جيش الفرنجة، والذين كانوا يريدون الذهاب إلى القدس دون مماطلة؛ وبالرغم من احتجاجات أسقف الببرة قام الجنود بنهب المدينة وتدمير التحصينات وعاد ريموند وجمع رجاله وترك معرة النعمان التى جلا عنها فى السابع عشر من صفر، ٤٩٢ هـ/ (الثالث عشر من يناير ١٠٩٩)، حافى القدمين كرئيس للحج. . فى عام ٤٩٦ هـ/ ١١٠٣ م، استرد رضوان حاكم حلب القلاع المفقودة، واحتل فى العام التالى معرة النعمان التى اضطر الفرنجة إلى الجلاء عنها مؤقتا. وفى عام ٥٠٥ هـ/ ١١١١ م تحالف "مودود" اتابك الموصل و"طغتكين" اتابك دمشق ضد حلب وزحفا إلى معرة النعمان، التى كان يعيش فى منطقتها فى ذلك الوقت أعداد كبيرة من "الحشاشين". وفى الثالث
стр. 9296
والعشرين من ربيع الثانى ٥٠٩ هـ/ الخامس عشر من سبتمبر ١١١٥، هزم "برسق" الموصلى على يد "روجر" حاكم أنطاكية فى معركة "تل دانت" الواقعة إلى الشمال من معرة النعمان، وعلى الطريق من الفرات إلى البحر المتوسط وبعد ذلك بعامين، وبعد اغتيال "لؤلؤ" فى حلب، سيطر الفرنجة على الطريق التى تربط هذه المدينة بدمشق. وفى عام ٥١٣ هـ/ ١١١٩ م زحف بولدوين الثانى على معرة النعمان، وفى العام التالى أبرم رضوان معاهدة مع فرنجة انطاكية استرد الفرنجة بمقتضاها معرة النعمان والجزر التى تقع إلى الشمال من المدينة، وكقرطاب والبارة وجزء من جبل السّماق -ويذكر أنه بعد عدة سنوات (٥١٩ هـ/ ١١٢٥ م) استطاعت طائفة كبيرة من الأسرى المسلمين أن يهربوا من قلعة "معرة".
وفى بداية جمادى الأولى من عام ٥٢٩ هـ/ أواخر ابريل ١١٣٥ م استولى زنكى على معرة النعمان وطرد الفرنجة من القلعة؛ وقد أعاد توطين المسلمين فى أراضيهم شريطة أن يقدموا سندات الملكية، أما إذا كانوا قد فقدوا هذه السندات فإنه كان يرجع إلى السجلات الخاصة بالأراضى ليتأكد من دفعهم الخراج حتى يمكن أن يعيد أراضيهم إليهم -وفى العام التالى اجتاز القيصر جون الثانى كومنينوس" أراضى معرة النعمان -دون أن يهاجمها ومضى سريعا إلى "شيرز" التى حاصرها بلا جدوى.
وفى أثناء الزلزال العنيف الذى وقع فى عام ٥٥٢ هـ/ ١١٥٧ م، وكان مركزه حماة، تعرضت معرة النعمان لتدمير خطير. وقد زارها "نور الدين" فى رمضان ٥٥٢ هـ/ اكتوبر ١١٥٧ م.
وقد كانت هذه المدينة تقع -فى عهد هذا الأمير- على الحدود الجنوبية لمنطقة حلب، كانت المكوس على البضائع والسلع تدفع هناك. وقد أقام نور الدين برجا للحمام هناك كمكان يستريح فيه البريد الطائر (حمام البريد) بين حماة وحلب، الذى اندمج فى نظام البريد "المحمول جوًا" فى عهد المماليك، قبل أن يتوقف تماما فى بداية القرن الخامس عشر. .
стр. 9297
وفى عام ٥٧٤ هـ/ ١١٧٨ م أقطع صلاح الدين بعض قرى معرة إلى الأمير شمس الدين بن المقدم -وقد تعاقب على معرة النعمان فى العصر الأيوبى- بسبب موقعها على حدود حلب وحماة- أكثر من عشرة حكام فى أقل من قرن. .
وفى عام ٥٨٤ هـ/ ١١٨٨ م ذهب صلاح الدين من حلب إلى معرة النعمان ليقوم بزيارة الشيخ إلى زكريا المغربى الذى كان يعيش على مقربة من قبر الخليفة عمر بن عبد العزيز -وفى عام ٥٨٧ هـ/ ١١٩١ م استولى الملك المظفر تقى الدين على معرة النعمان على غير رغبة من مظفر الدين، ومات بعد ذلك بفترة قصيرة.
وبعد عامين سلم الملك الظاهر غازى المدينة إلى المنصور/ محمد. وفى عام ٥٩٦ هـ/ ١٢٠٠ م، كان ابن المقدم يمتلك "أفامية" وكفر طاب وخمسة وعشرين مكانا فى إقليم معرة النعمان -وفى العام التالى، وفى أثناء حملة على حماة، قام الملك الظاهر غازى بنهب وسلب المنطقة المحيطة والمدينة كذلك، وقد كانت تشكل لفترات متقطعة جزءا من ممتلكاته. وفى عام ٥٩٨ هـ/ ١٢٠٢ م تم التوصل إلى اتفاقية بين الملك العادل سلطان مصر، وبين الملك الظاهر حاكم حلب والملك المنصور محمد الذى تسلم معرة النعمان. وهذه المدينة تقع إلى الشمال من شيزار وأفامية "وكفر طاب" وهى ثلاث قرى يمتلكها الملك الظاهر أمير حلب، الذى كانت قواته -بالاشتراك مع بعض حلفائها من البدو- تغير على المعرة من وقت إلى آخر وتنهبها.
وفى عام ٦٠٤ هـ/ ١٢٠٧ - ٨ م كان حاكم المدينة هو مرشد بن سالم ابن المهذب، أحد اتباع الملك الظاهر. وفى عام ٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م هاجم الملك الأعظم عيس، أمير دمشق، معرة النعمان، التى هرب حاكمها، تاركا مهمة التفاوض للشخصيات البارزة، وكان من بينهم والد المؤرخ "ابن واصل" وقد قام الملك المعظم بتعيين من يقوم بأعمال الإدارة.
وفى العقد التالى كانت المدينة موضع نزاع بين "الأشرف موسى" فى
стр. 9298
دمشق، والمظفر محمود صاحب حماة وقد قام هذا الأخير باعادة بناء قلعة معرة النعمان فى عام ٦٣١ هـ/ ١٢٣٣ م. وفى عام ٦٣٥ هـ/ ١٢٣٨ م، وبموت الملك الكامل فى مصر، استولى على معرة القلعة الملك الناصر يوسف فى حلب بعد حصار قصير استخدم فيه المنجنيق بعد أن طرد "جنكيزخان" الخوارزميين، وعبروا الفرات فى عام ٦٣٨ هـ/ ١٢٤٠ م ودخلوا بلاد الشام ومضوا إلى جنوب حلب عبر "جَبّول" و"سَرْمين" ونهبوا المنطقة حتى معرة النعمان، التى كان يحكمها فى ذلك الوقت الملك المنصور. وبعد انتصار بيبرس فى عين جالوت تخلى السلطان الملك المظفر قطز فى ٦٥٨ هـ/ ١٢٩٥٩ م عن مدينتى "بعزين" ومعرة النعمان للملك المنصور، وقد اخذهما منه بعد ذلك أمير حلب.
ومنذ ذلك الوقت فصاعدا، باستثناء فترات قصيرة، خضعت المدينة والمنطقة بأسرها لأمراء حماة؛ وقد تسلمها أبو الفداء وهو امير أيوبى ومؤرخ جغرافى كإقطاع من السلطان محمد بن قلاوون عام ٧١٠ هـ/ ١٣١٠ م؛ ولكنه اضطر بعد ثلاث سنوات إلى أن يتخلى عنها لحاكم حلب وهذا هو السبب فى أنه فى عام ٧١٦ هـ/ ١٣١٦ م تخلى للسلطة. -على سبيل الهبة- المدينة والقلعة، الأمر الذى لم يمنعه من التخلى عن المدينة إلى محمد ابن عيس فى نهاية العام نفسه.
وفى العصر المملوكى، وفى بداية عام ٧٤٢ هـ/ ١٣٤١ م، خمد نشاط إمارة حماة.
وأصبح الإقليم منذ ذلك الحين فصاعدًا يتبع حاكم مصر وأصبحت معرة النعمان تشكل ولاية فى هذا الأقليم. وبعد معركة مرج دابق (٩٢٢ هـ/ ١٥١٦ م) أصبحت المدينة عثمانية -وفى عام ٩٢٤ هـ/ ١٥١٨ م كانت تقع على الحدود الشمالية لإقليم دمشق. وبعد قرن من الزمان مَرَّ بمعرة النعمان الرحالة بيترو ديلا فالى حيث كان يحكمها أحد أمراء الأسرة العثمانية.
стр. 9299
وفى القرن السابع عشر كانت معرة النعمان تقع على الحدود الجنوبية لبشالق حلب، والحدود الشمالية لدمشق، حيث يمر الطريق من "باليس" إلى البحر المتوسط، ويقطع نهر العاصى عند جسر الشعر.
ويصف "يثفينو" Thevenot معرة النعمان فى عام ١٦٥٨ بأنها مدينة فقيرة يحكمها "سنجق" ويقول إنها محاطة بأسوار -أما الرحالة الألمانى فرانز فرديناند فون ترويلو Ferdinand Von Troil فقد وجد فى منتصف القرن السابع عشر فندقين أحدهما مهدم والآخر فى حالة جيدة، ويجدر الإشارة إلى أنه فى تلك الفترة نزلت عائلة عربية منطقة قونية إلى المدينة واستقرت هناك؛ وهذه العائلة هى "أسرة العظم" التى خاضت فى النصف الثانى من القرن السابع عشر معترك الحياة السياسية حتى الأزمنة الحديثة.
وفى عام ١٦٥٠ م وصل اثنان من أفرادها هما قاسم وإبراهيم إلى دمشق، ثم ذهبا إلى حماة ومعرة النعمان وقد خدم إبراهيم -كجندى- فى الجيش العثمانى، واستعرض المعرة وعهد إليه بتنظيم دفاعات المدينة ضد هجمات التركمان. أما ولده إسماعيل باشا بن العظم النعمانى، فقد ولد فى معرة فى عام ١٠٧١ هـ/ ١٦٥٩ - ١٦٦٠ م حيث شغل نفسه بالزراعة، وأصبح شخصية مهمة فى المدينة التى ولد بها حتى أنه عين حاكمًا لدمشق فى ٢٣ جمادى الثانية ١١٣٧ هـ/ ٩ مارس ١٧٢٥ هـ (وأقيل فى نهاية جمادى الأولى ١١٤٣ هـ/ ديسمبر ١٧٣٠ م). ويصف "بوكوك" Pococke الذى زار معرة فى تلك الفترة، المدينة بأنها "فقيرة يتولاها أغا مستغل يدفع الجزية للباب العالى، ويفرض الضرائب على المسافرين. وكان لإسماعيل ولدان: أسعد باشا، وسعد الدين، وقد ولد الأول فى عام ١١١٧ هـ/ ١٧٠٦ م، وكان أول متسلم فى حماة ومعرة النعمان، ثم حاكمًا لدمشق فى عام ١١٥٦ هـ/ ١٧٤٣ م. وفى القرن الثامن عشر كانت المدينة مثل حمص وحماة واحدة من المناطق الممنوحة مدى الحياة لباشا
стр. 9300
دمشق، الذى أجرها من الباطن لأحد الأغوات. وفى رجب عام ١١٣٥ هـ/ اكتوبر ١٧٧١ م أقيل عثمان باشا الكرجى الذى ولى حكومة دمشق منذ عام ١٧٦٠ م، وفقد ملكيته للمعرة والتى راحت لمحمد باشا العظم.
وفى منتصف القرن التاسع عشر، كانت معرة النعمان أقصى (مجلة) من بشالق شمالى دمشق كانت "سنجقا" يحكمها متصرف، ثم أصبحت "قضاء" فى لواء حلب وفى عام ١٨٧٣ م أصبحت محل إقامة القائمقام. ويقول "ساخاو" الذى زارها فى عام ١٨٧٩ م، إن بها أربعمائة منزل، وتحيا حياة سهلة فى وسط منطقة جيدة الفلاحة والزراعة. ومن جهة أخرى -وبعد سنوات قليلة، يعدها فاكس فون بيرخيم قرية كبيرة كئيبة المنظر فى سهل تحسن فيه الزراعة وتجود.
وفى عام ١٩١٣ ربط أحد المكاتب التلغرافية النادرة فى سوريا بين حماة وحلب ومنذ إقرار الانتداب الفرنسى فى الشرق، أصبحت هذه المدينة مركزًا نشطًا للمقاومة من جانب الوطنيين السوريين. وفى عام ١٩٣٠ كانت قبائل "موالى" رعاة الأغنام، تحوز الكثير من الأراضى التى كان يمكن من خلالها المرور بين معرة النعمان وحلب. ومنذ عام ١٩٦٥ استعادت المدينة نهضتها عبر التنمية الاقتصادية والصناعية والزراعية فى منطقة حماة حمص.
الآثار: كان للمدينة سور يحميها، وكثيرًا ما تعرض للهجمات والتدمير والترميم.
وكان لها سبعة أبواب مثل الكثير من مدن الشرق وهى باب حلب - الباب الكبير - باب شيش - وباب الجنان والحُناق - باب قوناق - باب حمص - باب كذاء. وكان بها برج على نمط العصور الوسطى يسمى "بالقلعة".
ثم إن هناك الجامع الكبير الذى يشغل موقع معبد قديم حلت محله كنيسة تحولت إلى جامع بعد وصول المسلمين. وقد بنى على مرتفع فى وسط المدينة وكان الوصول إليه يتطلب ارتقاء ثلاث عشرة درجة. وله مئذنة مربعة وهى واحدة من أجمل المآذن فى
стр. 9301
سوريا وعلى واجهتها الغربية توقيع المهندس المعمارى قاهر بن على بن قانت السرحانى، الذى شيد فى عام ٥٩٥ هـ/ ١١٩٩ م المدرسة الشافعية فى المدينة. وهناك بعض الأسواق القديمة جدًا تحيط بالجامع الكبير كما لا يزال بالمدينة بعض آثار شوارع مقنطرة (كالأقبية) ومغطاة مثل تلك التى فى القدس. وقد رأى ناصرى خسرو عند زيارته لمعرة النعمان عمودًا قديمًا ارتفاعه عشرة أذرع منقوشًا عليه بحروف غير عربية ما يعتبر تعويذه أو طلسمًا، مثل ذلك الذى فى حمص وأنطاكية، وذلك لحماية المدينة من العقارب.
وإلى الجنوب من الجامع الكبير تقع مدرسة الشافعية التى يعزى وضع أساسها فى بعض الأحيان إلى نور الدين. وقد بنيت فى عام ٥٩٥ هـ/ ١١١٩ م فى عصر أمير حماة الأيوبى الملك المنصور أبو المعالى محمد. وقام ببنائها أبو الفوارس نجا.
كما يلاحظ وجود خان من العصر العثمانى، ويقع إلى الجنوب من الجامع الكبير فى الجزء الشرقى من المدينة وهو خان مربع كبير مبنى بالحجر به اسطبلات -كما أن بوسطه مسجدًا صغيرًا. وهناك نقوش على المدخل الجنوبى الجميل يرجع تاريخها إلى ٩٧٤ هـ/ ١٥٦٦ - ١٥٦٧ م، تقول إن هذا المبنى من "الأعمال الكريمة لدفتردار حلب، مراد جلبى" المتوفى عام (٩٨١ هـ/ ١٥٧٣ - ١٥٧٤ م) وهناك نقوش أخرى كتبت نظمًا على المدخل الشمالى لعام ١١٦٦ هـ/ ١٧٥٢ - ١٧٥٣ م، أى فى عهد أسعد باشا العظيم.
وهناك أماكن كثيرة يمكن أن يحج إليها الناس ويزورها وكذلك أماكن للصلاة (مصليات) فهناك مقام يوشع ابن نون، الذى يذكر على أنه جامع أو مشهد وهو يقع خارج الأسوار الجنوبية للمدينة والمحتمل أن يكون قبر "يوشع" قد قام على موقع لدير قديم قبل الإسلام.
ويقول ياقوت إن هذا ليس قبر يوشع، الذى هو فى الواقع بالقرب من نابلس. وهناك نقوش فوق الباب من
стр. 9302
عشرة أسطر يرجع تاريخها إلى ٦٠٤ هـ/ ١٢٠٧ م تقول إن هذا المكان للصلاة قد أعيد إنشاؤه بناء على أوامر الملك الظاهر الغازى عندما كان مرشد ابن سالم بن المهذب واليًا على معرة النعمان -كذلك يوجد بها الضريح الحديث للشاعر الكفيف الشهير أبى العلاء المعرى.
وعلى مقربة من باب شيش، يوجد قبر شيث الابن الثالث لآدم، والذى قضى فترة من حياته فى سوريا ويقول البلاذرى، وبعده ابن بطوطة وياقوت إن قبر "عبد اللَّه بن عمار بن ياسر" حفيد أحد صحابة رسول اللَّه [ ﷺ ] موجود فى معرة النعمان. وهناك أيضًا مشهد يوسف الذى استعاده الملك الظاهر غازى.
وعلى مسافة قصيرة إلى الشرق من معرة النعمان عند دير نقيرة، الذى يتشابه مع "دير سمعان" فى هذا الإقليم، يوجد قبر الخليفة عمر بن عبد العزيز وكان ابن واصل (المتوفى ٦٩٧ هـ/ ١٢٩٨ م) أول من ذكر هذا الموقع -وقد ذكرنا آنفا أن صلاح الدين قد زار هذه المنطقة التى كان يختلف إليها الكثيرون فى العصر الأيوبى.
وفى عام ١٩٥٣ قام "تشالينكو" فيما يتعلق بمعرة النعمان: "إن هذا المكان بسبب موقعه وسماته الحضرية وأهمية آثاره التى ترجع إلى العصور الوسطى يستحق دراسة خاصة مثل العديد من المدن الصغيرة الأخرى التى تقع على حافة السيف.
المصادر:
(١) ابن حوقل فى صورة الأرض.
(٢) المقدسى فى أحسن التقاسيم.
(٣) ابن جبير فى الرحلة.
(٤) أبو الفداء فى المختصر.
(٥) ابن بطوطة فى الرحلات.
(٦) ياقوت فى معجم البلدان.
(٧) ابن الشداد فى الاعلاق الخطيرة.
(٨) خليل الظاهرى فى زبدة كشف الممالك.
R.Dussaud: Topographie historiqne de la syrie
بهجت عبد الفتاح [ف. اليسييف N-Elisseeff]
стр. 9303
المعرى (*)
هو أبو العلاء أحمد بن عبد اللَّه بن سليمان، الشاعر والناثر العربى المشهور، عاش فى العصر العباسى الأخير. وكان مولده سنة ثلاث وستين وثلثمائة هجرية ٩٧٣ م، فى معرة النعمان، وهى مدينة تقع بين حلب وحمص فى الجزء الشمالى من سوريا، وقد توفى فيها أيضًا وكان ذلك فى عام ٤٤٩ هـ/ ١٠٥٨ م. وكان جدوده الأوائل من بنى سليمان الذين كانوا من العائلات المرموقة فى "معرة" ولما كانوا من علماء الشافعية، فقد تولوا منصب القضاء وهو منصب تولاه لأول مرة على التوالى جد لأحد أجداد أبى العلاء -وبالإضافة إلى ذلك نجد أن بعضًا من بنى سليمان كانوا شعراء مجيدين.
وقد أصيب أبو العلاء المعرى وهو فى الرابعة من عمره بمرض الجدرى مما ترتب عليه فقد بصره. لكن اللَّه عوضة إذ وهبه حافظة واعية غير عادية، وصلت -كما جاء فى سيرته- إلى أبعاد مذهلة، وقد أفرد الحجة الثقة ابن العديم فصلًا فى دراسة عن أبى العلاء) عن إدراكه العميق وقدراته الطبيعية وفكره المشرق المتوهج وبصيرته النافذة، أما أنه بدأ حياته كشاعر فى سن مبكرة تناهز الحادية عشرة أو الثانية عشرة، فهذا لا يدهشنا، أو أن هناك مثالًا مماثلًا فى أبى الطيب المتنبى وشعره المبكر أيضًا وقد أكمل أبو العلاء تعليمه المدينى واللغوى والأدبى، وفى هذا قرأ النصوص المطلوبة تحت إشراف كثير من "المشايخ" وعلى وجه الخصوص هؤلاء الذين كانوا فى المعرة وفى "حلب". ويقول ابن القفطى" فى كتابه "تعريف القدماء" إن من بين شيوخه رفاقا من حلقة "ابن خالويه"، الذى كان واحدا من الذين يشتركون فى اللقاءات الأدبية فى بلاط سيف الدولة فى حلب. كما يجب إن نذكر من بين أساتذته محمد بن عبد اللَّه بن سعد، الذى كان "راوية" لشعر المتنبى. . ويذكر ابن العديم فى الإنصاف كيف أن أبا العلاء -وهو يقرأ ديوان المتنبى تحت إشرافه- قد صحح رواية ابن سعد، وبمقارنة الفقرة ذات الصلة بتلك التى وجدت فى مخطوط
стр. 9304
فى العراق تبين أن أبا العلاء كان على حق فى تصويبه. . ويمكن أن نخلص من هذه الحادثة، إلى أن أبا العلاء كان على معرفة فى هذه السن المبكرة، بشعر المتنبى الذى كان يقدره تقديرًا كبيرًا حتى عندما تقدمت به السن.
ونعرج على المرحلة التالية فى حياة أبى العلاء، حتى رحلته إلى بغداد. . وهنا يختلف المؤرخون العرب فنرى بعضهم يقول إن، الشاعر سافر إلى بعض المدن الأخرى، بصرف النظر عن رحلته إلى بغداد. . بل ويصرون على أنه قام بزيارة أنطاكية وطرابلس بالشام، حتى يفيد من مكتباتهما المحلية. ويقول ابن القفطى، وآخرون ساروا على نهجه -إن الشاعر توقف وهو فى طريقه إلى طرابلس على مسافة قصيرة من اللاذقية- عند دير الفاروس يحيى سمى بهذا الاسم إحياء لذكرى المسيح. . وهناك استمع إلى راهب يناقش فى الفلسفة الهيلينية [اليونانية القديمة أو الاغريقية] مما أثار فى عقله بعض الشكوك التى انعكست بعد ذلك فى شعره، أما غير هؤلاء من المؤرخين فيقولون بوجهة نظر أخرى، فابن العديم واحد من هؤلاء الذين ينكرون أن يكون الشاعر قد تأثر بأية عقيدة غير الدين الإسلامى. . ففيما يتعلق بأنطاكية يقيم ابن العديم حجته على أساس الوضع السياسى محتجًا بأن أنطاكية كانت زمن أبى العلاء داخل الحدود البيزنطية محرمة على المسلمين ويستدل ابن العديم على ذلك من السلطات البيزنطية للمسلمين فى هذه المدينة أنه لا يمكن تصور أن توجد مكتبة فى هذه المدينة، كما لا يمكن تصور أى شخص يسافر إلى هذه المدينة سعيًا للمعرفة، أما فيما يتعلق بالوجود المزعوم لهذه المكتبة فى طرابلس، والتى يتذرعون بأنها الحافز وراء سفرة أبى العلاء إليها، فإن ابن العديم يشير إلى أن مثل هذه المكتبة قد تأسست فى عام ٤٧٢ هـ/ ١٠٧٩ - ١٠٨٠ م، أى بعد وفاة أبى العلاء بسنوات طويلة، ولكن بالرغم من الحجج القوية لابن العديم، فإن البحوث تميل إلى تقبل احتمال أن يكون أبو العلاء قد قام بزيارة لهذه المدن التى ذكرت، كما قد يستدل على ذلك من بعض الإشارات إليها الواردة فى شعره.
стр. 9305
وقد جمعت قصائد النصف الأول من حياة أبى العلاء فى ديوان أطلق عليه اسم "سقط الزند" وفى هذه المجموعة من القصائد تتناثر هنا وهناك انفعالات الشاعر بالتطورات السياسية المعاصرة فى سوريا وردود فعله تجاهها. . وفى تلك الفترة تقريبًا بدأت أسرة الحمدانيين، التى كانت حلب مركز سلطتها، تفقد الكثير من سلطانها، الذى بلغ أقصى ذروته فى عهد سيف الدولة، والذى أخذ ينحدر بالتدريج فى ظل من خلفوه، إلى أن ترك الساحة فى النهاية لسلسلة أخرى من الأمراء هم "الرادسيون" وفى هذه الأثناء، تعرض الاستقلال النسبى للمنطقة الشمالية من سوريا لتهديدات متزايدة من الهجمات المتجددة للقوات العسكرية البيزنطية من الشمال ومن الجنوب ومن ظهور الفاطميين لأول مرة. . وفى الوقت نفسه لم يكن من المتوقع أن يصل أى عون من الأمراء البويهيين وسادتهم الاسميين: خلفاء بنى العباس فى بغداد -ففى عهد خلفاء سيف الدولة، وعلى الأخص سعد الدولة وسعيد الدولة، بدأ "الأئمة" الفاطميون يحاولون بسط نفوذهم من مصر إلى شمال سوريا، وأصبحت حلب -وعلى الأخص فى الوقت الذى بدأ فيها سعيد الدولة حكمه- هدفًا للعديد من عمليات الحصار التى كانت تطول ولكنها جميعا باءت بالفشل انظر ابن العديم: زبدة الطلب من تاريخ حلب (١/ ١٨٥١ - ١٩٢) -وقد اهتم أبو العلاء كثيرًا بهذه التطورات كما هو واضح من أربع قصائد على الأقل من قصائده فى المديح ضمها ديوانه سقط الزند. ففى هذه القصائد يمتدح أبو العلاء شخصيات مهمة من كلا الطرفين المتحاربين -وهكذا نراه يمتدح فى إحدى القصائد من يدعى "بَنْجوتكين"، الذى كان قائدًا من قواد الفاطميين- وكما أنه يمتدح فى قصيدتين أخريين شخصا اسمه "أبو الحسن على بن الحسين" وهو من "بنى المغربى". . وقد كان "كاتبًا "ووزيرًا" فى خدمة الحمدانيين، ولكنه خان سادته وشغل فى عهد الفاطميين منصب "مدبر الجيش" أى المشرف المالى والإدارى على الجيش وحاول أن يغزو حلب لصالح الفاطميين. ومن جهة أخرى قد يكون من المفيد أن نلاحظ أن "سعيد
стр. 9306
الدولة، الذى رسخ أقدامه فى حلب بصعوبة بالغة كان ممن مدحهم أبو العلاء فى شعره إذ يقول: أن الجمال ألحَت عليه بالسؤال ما وجهته فأجابها "سعيد" يعنى بذلك الممدوح كما نعنى أيضًا "المحظوظ".
وهكذا يمكن أن يكون اسم الأمير فألا طيبًا ومع ذلك كانت هذه المقاطع "المديحية" جميعا غريبة بعض الشئ، ذلك لأنها لا تتفق والصورة التى رسمها أبو العلاء لنفسه فى مقدمة ديوانه (شروح سقط الزند ١/ ١٠) عندما يقول "أنه لم يقرع الأبواب لكى يسمعه السادة وهو ينشد شعره، كما أنه لا يسعى بمدحه وراء جائزة ينالها ويمكن أن نفسر هذا التناقض بين الفرية الواضحة المحددة، والواقع الفعلى بأن الشاعر قد تعرض لضغط لينظم هذا الشعر فنظمه مرغمًا (راجع ابن العديم: بغية الطلب).
وفى عام ٣٩٥ هـ/ ١٠٠٤ - ٥ م، كان على أبى العلاء أن يتكبد الصدمة المؤلمة بموت والده "أبى محمد عبد اللَّه بن سليمان" الذى كان أول معلم له، ونحب أن نشير هنا إلى أن هناك روايتين لتاريخ وفاة أبيه: رواية عماد الدين فى "فريدة القصر" وابن "العديم" فى الانصاف ص ٤٩٣ التى تذكر أن الوفاة كانت فى عام "٣٩٥ هـ" ثم الرواية الأخرى لياقوت فى معجم الأدباء وتذكر أن الوفاة كانت فى عام ٣٧٧ هـ/ ٩٨٧ - ٩٨٨ م وهى رواية خاطئة وأن أخذ بها معظم من ترجموا له من الغربيين وينفعل الشاعر بهذا الحديث أعنى وفاة أبيه، وينظم مرثية محكمة متقنة امتدح فيها مواهب أبيه الشعرية ومناقبة بعبارات رائعة فيقول:
أمولى القوافى كم أراك انقيادها ... لك الفصحاء العرب كالعجم اللكن
مضى طاهر الجثمان والنفس والكرى ... وسهد المنى والجيب والذيل والردن
ويقال إنه بعد هذا الحديث بثلاث سنوات غادر "المعرة" ليستقر فى بغداد، حيث مكث بها عاما ونصف العام فقط وقد أشار الشاعر نفسه فى رسائله إلى الدافع الذى حفزه على السفر إلى بغداد، وهو أن المكتبات فى ذلك المكان هى التى أثارت اهتمامه ولا شئ أكثر من ذلك. . ونحن نعرف من سقط الزند أن الشاعر كان على اتصال
стр. 9307
ببعض الشخصيات التى تعمل فى مكتبات بغداد، ومن بين هؤلاء "أبو منصور محمد بن على" الذى كان يعمل بدار العلم والذى نظم فيه أبو العلاء قصيدة طويلة: وكذلك أبو أحمد عبد السلام البصرى الذى كان يتولى الإشراف على دار الكتب فى بغداد (انظر تاريخ بغداد ١١/ ٥٧ - ٥٨)، والذى وجه إليه المعرى بعد عودته إلى المعرة -قصيدة يعرب فيها عن ذكرياته الكئيبة فى بغداد، ويذكر حلقات النقاش الأسبوعية أيام الجمعة- وبالرغم من الفائدة التى كان يمكن أن يجنيها لو أنه أقام طويلًا فى بغداد، إلا أنه آثر الرحيل والعودة إلى بلده ويبدو أنه عانى ضائقة مالية -وهذا لا يدهشنا لأنه كان عازفًا عن نظم المدائح فى كبار القوم وأشرافهم فى بغداد مثلما فعل المتنبى مثلًا. وهناك سبب آخر وقد ذكره فى قصيدة وجهها إلى "أبو القاسم على بن المحسن التنوخى"، ابن مؤلف "نشوار المحاضرة" المعروف يشكو إليه أنه لم يعد قادرا على لقائه. لسببين: أحدهما موت أمه وثانيهما إفلاسه التام. . .
وبصرف النظر عن تفسيره لما حمله على الرحيل عن بغداد مبكرا يذكر المؤرخون العرب أحداثًا أخرى قد تكون هى التى دفعته إلى هذا الرحيل -ومن بينها ما حدث فى مجلس أدبى للشريف العلوى "المرتضى" شقيق الرضى الشاعر الشيعى المعروف- فقد انتقد المرتضى الشاعر المتنبى. فردَّ عليه أبو العلاء مدافعًا عن المتنبى دفاعًا حارًا فأمر الشريف المرتضى أن يجروه فجرُّوه وقذفوا به خارج المجلس (وكان قد رد على المرتضى بأن قال لو لم يكن للمتنبى من الشعر إلا قوله "لك يا منازل فى القلوب منازل" لكفاه. . . فقال المرتضى أتودون أى شئ أراد هذا الأعمى بذكر هذه القصيدة فإن للمتنبى ما هو أجود منها لم يذكره -فقال الحضور "النقيب السيد أعرف" فقال أراد قول المتنبى:
"وإذا أتتك مذمتى من ناقص ... فهى الشادة لى بأنى كامل
ويذكر ابن كثير فى البداية تحت أحداث عام ٤٤٩ هـ أن فقهاء بغداد هم الذين طردوه لأنه أثار غضبهم ببعض الأسئلة الحرجة عن تطبيق أحكام معينة فى الفقه الإسلامى. .
стр. 9308
وفى رمضان من عام ٤٠٠ هـ/ ١٠١٠ م بدأ أبو العلاء رحلة عودته، ولكنه وجد عند رجوعه أن أمه قد ماتت. وكانت ضربة قاسية نظم على أثرها مرثيتين نفث فيهما عن مشاعره الحزينة وكيف أنه كان يتمنى أن يسبقها إلى الموت، وأن عزاءه الوحيد أن يدفن بجوار قبرها، وأعرب عن أمله فى أن يلقاها مرة أخرى بعد البعث الذى ليس ببعيد، وقرر أن يعتزل الناس جميعًا. ويبقى فى بيته إلى الأبد رغم أن الناس كانوا يفرون خوفًا من اليونانيين ومن ثم أصبح يعرف "برهين المحبسين" (أى رهين عماه وداره).
ولكن خرج على هذا الحبس الذى فرضه على نفسه مرة واحدة فحسب بسبب حادثة وقعت فى مدينته فى عام ٤١٧ هـ/ ١٠٢٦ - ١٠٢٧ م. ففى ذلك الوقت كانت حلب وأقاليمها تحت حكم صالح بن مرداس الذى أصبح -بصفته زعيمًا لقبيلة كلاب- مؤسس الأسرة المرداسية وقد أثار وزيره المسيحى تادرس الملقب بوزير (السيف والقلم) بسبب سياسته القوية العنيفة، التوتر بين الطوائف المسيحية والمسلمة فى سكان حلب والمنطقة المحيطة بها ونتج عن هذه التوترات أن اندلعت أعمال العنف فى "معرة" ففى يوم من أيام الجمعة اقتحمت امرأة على جموع المصلين جامع المدينة تشكو من ضيق ألمَّ بها على يدى مسيحى مالك لأحد محلات الخمور، حيث اعتاد بالإضافة إلى بيعه الخمر -أن يقدم النساء أيضًا للمتعة. وعلى الفور هب الحضور جميعًا -باستثناء القاضى ووجهاء القوم- لسلب المحل وتحطيمه. وقد قام صالح -بتحريض من هذا الوزير بسجن بعض الوجهاء وكان من بينهم "أبو المجد" شقيق الشاعر. واضطر أبو العلاء أن يتدخل لدى صالح من أجل أبناء بلدته وقد وفق فى ذلك كثيرًا ونجد الشاعر يتذكر هذه الأحداث فى قصائده العديدة فى ديوانه "لزوم ما لا يلزم". ومن الواضح أن الشاعر كان يقر ما أقدم عليه أهل بلدته، وقد ورد الخبر مفصلا عن هذا الحديث التاريخى فى زبدة الحلب لابن العديم وفى كتابه الآخر الإنصاف وهذا الذى حدث فى معرة ورد فعل الشاعر تجاهه يقال إن أبا العلاء لم ينعزل كلية بل جرى العكس
стр. 9309
إذ أصبح بيته مزارا للكثيرين من الوزراء والدارسين والتلاميذ، على حين كان يواصل رسائله ومراسلاته النثرية. أما مراسلاته الشعرية مثل تلك التى جاءت فى مجموعته الأولى من سقط الزند فترجع إلى الفترة السابقة لبغداد وكان ممن اتصل بهم الشاعر الشخصيات التالية:
١ - حاكم حلب أبو شجاع فاتك ابن عبد اللَّه الرومى "عزيز الدولة" والذى عينه الفاطميون وحكم فى الفترة من ٤٠٧ هـ/ ١٠١٦ - ١٧ م حتى ٤١٣ هـ/ ١٠٢٢ - ٢٣ م (انظر زبدة الحلب ١/ ٢١٥ وما يليها) وقد قام بزيارة لأبى العلاء ليعرض عليه دعوة من الإمام الفاطمى "الحاكم" ليذهب إلى مصر ولكن الشاعر لم يوافق على الإقامة فى مصر.
٢ - أبو القاسم المغربى -وكان ولدًا لأبى الحسن المغربى كاتب الحمدانيين الذى ذكرناه من قبل، ولما كانت سنة أربعمائة للهجرة (١٠٠٩ م) وفى الوقت الذى أعدم فيه الحاكم جميع أفراد أسرة المغربى إلا القليل منهم، استطاع أبو القاسم أن يهرب من المذبحة.
وبعد كثير من الترحال عين وزيرًا فى ميافارقين وقد وجه أبو العلاء الكثير من الرسائل إليه بل وأنشا قصيدة رثاه فيها عند وفاته.
٣ - أبو نصر أحمد بن يوسف المغازى وهو شاعر ووزير عينه حاكم ميافارقين -وقد زار أبا العلاء ويقال أنه وجه إليه أسئلة دقيقة محرجة بعض الشئ عن أسلوبه الزاهد فى الحياة (انظر ابن القفطى: انباه، ص ٦٣).
٤ - أبو الفضل محمد بن عبد الواحد البغدادى الذى كان وزيرا للخليفة العباسى القائم بأمر اللَّه، وسفيرًا له أيضًا بعث به إلى الأمير الزيرى "المعز ابن باديس" فى تونس. وقد مر بمعرة النعمان وهو فى طريقه إلى الغرب.
وقام بزيارة أبى العلاء ثم واصل رحلته على مراحل حتى استقر نهائيا فى الأندلس (انظر الصفدى الوافى، ص ٧٠ - ٧١. الإنصاف لابن العديم، ص ٥٦٣) على أنه يجب أن نشير إلى واحد من تلاميذ مدرسة أبى الفضل الذى كتب تعليق نفيسًا على سقط الزند.
стр. 9310
٥ - أبو زكريا يحيى بن الخطيب التبريزى الذى كان لعدة سنوات تلميذا لأبى العلاء -ثم عمل أستاذًا فى المدرسة النظامية فى سنواته الأخيرة، وقد وضع هو الآخر شرحًا لسقط الزند.
٦ - أبو المكارم عبد الوارث بن محمد الأبهرى. وقد قرأ على يد أستاذه أبى العلاء لمدة أربع سنوات، ولمعرفة مزيد من أسماء بعض من اتصلوا بأبى العلاء انظر الإنصاف لابن العديم ص ٥١٧، ٥٦٥.
وفى أواخر أيام حياته اتصل الشاعر بقليل من الدارسين ذوى الميول "الإسماعيلية" وفى عام ٤٣٨ هـ/ ١٠٤٧ م مر الشاعر الفارسى والناثر المعروف "ناصرى خسرو" بمعرة النعمان وهو فى طريقه إلى الإمام الفاطمى المستنصر. وهو يقدم فى روايته عن رحلاته انطباعًا غريبًا إلى حد ما عن أبى العلاء فيقول إنه كان بالغ الثراء وإن كل سكان المعرة كانوا خدما له، فى الوقت الذى كان فيه الشاعر يعيش حياة زاهدة فهو دائم الصوم، ويحافظ على صلوات الليل -وهكذا يبدو أنه فرض على نفسه حياة الزهد رغم يسره وغناه.
وبعد ذلك بعشر سنوات تقريبًا كان أبو العلاء على اتصال فكرى غير مباشر بمراسلاته مع "داعى الدعاة" الإسماعيلى أبى نصر بن أبى عمران المؤيد فى الدين وفى عام ٤٤٨ هـ/ ١٠٥٧ م -بناء على أوامر من الخليفة الفاطمى المستنصر قام "المؤيد" بمهمة إلى شمال سوريا لحشد حكامها المحليين ضد الأتراك السلاجقة الذين أصبحت مقاليد الأمور منذ قريب ببغداد فى أيديهم وبدأ داعى الدعاة -وهو يقوم بهذه المهمة- بمراسلة أبى العلاء متظاهرًا أنه يطلب توجيهاته فيما يتعلق بأسلوب للحياة يحدده أبو العلاء شعرا. وفى ديوانه "لزوم ما لا يلزم" ينصح الشاعر بأسلوب فى الحياة يتسم بالزهد. . فهو يرفض أكل السمك واللحم واللبن والبيض والعسل. ويعلن فى الوقت ذاته أنه على جانب من المعرفة بالغيب لا ينبغى الجهر بها وأدى تناول الرسائل بينهما فى النهاية إلى توقفها إذ رأى فيها المؤيد عملًا لا جدوى منه.
стр. 9311
وقد حدث أن مات أبو العلاء بعد هذه الرسالة (٤٤٩ هـ/ ١٠٥٨ م). . ومن ثم فلا يدهشنا أن نجد بعض المؤرخين العرب يحاولون إيجاد دليل للربط بين هذه المراسلة وبين موت الشاعر ويقول ابن الهبارية فى كتاب "فلك المعانى" أنه انتحر حتى لا يخرجه قسرًا داعى الدعاة ويعاقبه على هذه الهرطقة -ومع ذلك فإن معظم المؤرخين يتفقون على أنه مات ميتة طبيعية ويستشهدون على ذلك بأن الطبيب "ابن بطلان" كان بجواره عند وفاته، فقد طلب الشاعر وهو فى لحظاته الأخيرة من أفراد أسرته أن يأتيه بورق وقلم ليملى عليه شيئًا، فلما جاءوه بما طلب أخطا بعض الأخطاء -على غير ما كان ينتظر منه- فى إملائه، وهنا أعلن ابن بطلان أن أبا العلاء مات فعلا. ونحب أن نشير إلى أن الشاعر فى كثير من شعره كان يرى أن الإنجاب خطيئة وأن الفناء النهائى هو أمل البشرية ولذلك لم يتزوج وطلب أن يكتب على قبره "هذا جناه أبى على وما جنيت على أحد" والظن أنه قد ضاع الكثير من أعمال أبى العلاء بسبب الحروب الصليبية التى أحدثت الكثير من الخراب فى سوريا، ومنها المعرة بالطبع، وقد وضع مصطفى صالح قائمة بجميع مؤلفات المعرى سواء ما هو موجود منها أو مفقود، ومن بين تلك المؤلفات التى لا تزال موجودة ممكن أن نسرد ما يلى:
١ - سقط الزند. وهو يتضمن فيما يتضمن قصائد فى المدح أشرنا إلى بعضها فيما سبق. وينهج الشاعر فى هذا الديوان النهج الثلاثى التقليدى للقصيدة أى النسيب والرحيل والمديح -ولكنه من حين إلى آخر يرفض النسيب بل ويلغيه تمامًا. وفى هذا الصدد لا يمكن أن يقارن بشاعر مثل أبى نواس الذى هجر النسيب ليتحول إلى وصف الخمر- وفيما يتعلق بأبى العلاء الزاهد فإن تناول الخمر ووصفها مرفوضان عنده أما الماء فهو الذى يفضله.
وعندما كان يتعرض للنسيب كان يركز على سمته الحزينة بوصفه لسجع القمريات فغناؤها الهامس يوحى كان بها لوعة على فقد صغارها منذ زمن بعيد، ويقارن ذلك بحنين الشاعر ورثائه لحبيب بعيد المنال، وعندما
стр. 9312
يصف الشاعر هذا كله، فانه يكون يفكر فى كيف أن الهديل يثير فيه أفكارًا عميقة. . وفى بعض قصائد النسيب القليلة الأخرى يطلب الشاعر وهو الكفيف أن يتبع مرافقوه فى السفر وميض برق بعيد من أرض معشوقته، ولكنه عندما ينام يراود. طيفها الخادع فيزوره، أما قصائد الرحيل فهى أكثر إحكامًا إذ يصف الجمال قد أعياها السفر الطويل فهزلت، ويشير الشاعر من بين حيوانات الصحراء إلى الظبى والقطاة والنعامة والحرباء. . ثم إن تفضيله وصف الليل واضح جدًا حتى أن بعض الشراح يحاولون أن يربطوا بين هذا الاهتمام بوصف الليل وبين فقدان بصره. وأما شعر الغزل فلم يكن مولعًا بنظمه، فإن نظمه تكلّف (انظر طه حسين تجديد ذكرى أبى العلاء، ص ٤٩ وما بعدها) وفيما يتعلق بالمديح وهو الجزء الأخير من القصيدة، فإنه غالبًا ما يغالى فى إطراء الممدوح، حتى لقد اعتذر عن ذلك فى مقدمة ديوانه لأن كل الأوصاف المغالى فيها والتى تتعلق لأول وهلة بكائن بشرى، فى الوقت الذى تتطابق فيه مع صفات اللَّه ﷻ ، فيجب أن تنسب إلى اللَّه وحده -وقد جمع فى سقط الزند بعض النماذج التى يمكن أن تكون شكلا آخر من أشكال القصيدة وهى المرثيات وفى أبيات مليئة بالحكم والأقوال الجامعة المانعة نلحظ جذور تلك اللهجة المتشائمة التى نراها كثيرًا بعد ذلك فى اللزوميات. ويتميز الشعر فى سقط الزند بكثرة المحسنات اللفظية، كما يمكن أن نتبين الكثير من ألوان البديع من مجاز وتشبيه واستعارة إلى جانب بعض صور الجناس، كما نلحظ أسلوب "التورية" الذى يمثل براعة الشاعر الفنية الفائقة وهناك إحدى وثلاثون قصيدة فى سقط الزند جمعت تحت عنوان "الدرعيات". وهى تتميز بوصف واحد أو أكثر من الدروع المصنوعة من الزرد. . وهنا يتخلى عن الموضوعات المألوفة فى القصيدة من رحيل ومديح ويبقى النسيب موضوعًا ثانويًا فى قليل من الحالات. .
٢ - لزوم ما لا يلزم وهو مجموعة أخرى من الأشعار نظمها أبو العلاء فى الفترة التى أعقبت إقامته فى بغداد. ولم تلق هذه المجموعة من الشهرة فى العالم
стр. 9313
الإسلامى ما لقيته مجموعته سقط الزند، بسبب شكلها ومحتواها غير التقليديين فقد التزم بطريقة أكثر صعوبة جعلته مبتدعًا فى القواعد المألوفة للقافية -مما جعل الأدباء العرب يسمون نهجه هذا بالالتزام، وقد وصف الشاعر نفسه مضمون هذه المجموعة فى المقدمة بأنها تعظيم للَّه (سبحانه) وتذكير للغافل، وإيقاظ للكسول المتهاون وتحذير للعالم من عدم اتباع تعاليم اللَّه "سبحانه"- ويذكر الشاعر أيضًا أنه لا يريد أن يتبع ما استقر من أفكار، ويقول إن الشعراء "يستهدفون تجميل ألفاظهم بالأكاذيب والمبالغة". وهو يشير بهذا إلى الأوصاف التى يخلعها الشاعر على محبوبته فى الغزل والنسيب، وعلى الجياد والابل فى الرحيل، وعلى الخمر مثلا فى الخمريات أما هو فإنه على النقيض من ذلك يبحث عن الصدق والحقيقة والتقوى. .
٣ - زجر النابح. . وفى هذا الكتاب يدفع الشاعر عن نفسه الاتهامات التى أثارتها بعض الأبيات فى شعره فى اللزوميات وقد نشرت مقتطفات من هذا الديوان المفقود فى دراسة نقدية تحت عنوان "زجر النابح مقتطفات نشرة مخصصة بقلم الكاتب أمجد الطرابلسى" (دمشق ١٣٨٥ هـ) انظر: S.M. Stern: Sane noteworlly manuscripts of the poens of Alre - I ala (in) oriens (١٩٥٤) ٣٤٢ fol، وقد دافع ابن العديم عن أبى العلاء فى كتابه "الانصاف والتحرى فى دفع الظلم والتجرى. عن أبى العلاء المعرى". . وهذا بحث منصف فى الدفاع عن الاتهامات الظالمة ضد أبى العلاء. . وابن العديم مؤرخ معروف يدقق فى التحرى عن كل ما يتعلق بأبى العلاء والذى قام به بعد موت المعرى بقرنين، إذ كان يتصل بأسلاف هؤلاء الذين كانوا على اتصال بالمعرى فى بلدته "معرة"، كما أفاد من المصادر التاريخية المحلية وكل ذلك مع تقديم الأسانيد.
٤ - الفصول والغايات فى تمجيد اللَّه والمواعظ وقد كتب الشاعر هذا الكتاب بالنثر المسجوع. . وكان ذلك قبل سفره إلى بغداد ثم أكمله بعد عودته منها إلى المعرة (انظر معجم الأدباء لياقوت ١/ ١٨٠).
стр. 9314
وهو يضم مقاطع كثيرة قصيرة يختمها بنهاية أو غاية ". . ولذلك يكون فى مجمله عبارة عن عدد من الفصول، كل منها يضم مقاطع تنتهى دائمًا بحرف معين من الحروف الهجائية، ولذلك نجد مثلا: فصلًا غايته همزة" "وفصلًا غايته باء" وهكذا حسب ترتيب الحروف الهجائية العربية.
وقد ضاع الجزء الأكبر من هذا العمل، ولكن حدث أن اكتشف الجزء الأول منه، فى نسخة غير كاملة، فى عام ١٩١٨ - ١٩١٩ وحققه بعد ذلك "محمود حسن زناتى" (القاهرة ١٣٥٦ هـ/ ١٩٣٨ م) وهذا الكتاب يتضمن من بين موضوعات كثيرة أخرى أفكارًا عن اللَّه (سبحانه): مثل قدرته الكلية وعدله وفضله وخلوده وأبديته، بالإضافة إلى ملاحظة قوية لصروف القدر التى لا مهرب منها والتى تحكم الإنسان فى حياته اليومية العادية. . وكثيرًا ما نرى فكرة "اللَّه سبحانه" ترتبط بالقضاء والقدر المحتوم، وبالثواب والعقاب الأبدى، الأمر الذى يحضن الإنسان بدوره على أن يتبع سبيل الزهد والتقشف -وقد زعم بعض المؤرخين المتأخرين أنّ هذا الكتاب محاكاة للقرآن ولكن المؤلف كان يستهدف من كتابته تعظيم القرآن فى إعجازه. (انظر طه حسين: مع أبى العلاء فى سجنه، الفصل التاسع)
٥ - رسائل أبى العلاء وهى الرسائل المختصرة التى كتبها أبو العلاء فى عديد من المناسبات ووجهها إلى الكثيرين من أفراد أسرته ومعارفه -وقد كتب هذه الرسائل بأسلوب شديد الأناقة البلاغية وملأه بالأمثال والنثر المسجوع المزين بأبيات من الشعر- وهناك طبعتان من هذه الرسائل الأولى تحقيق شاهين عطية - بيروت ١٨٩٤ م - والأخرى مع ترجمة انجليزية تسبقها مقدمة تتضمن سيرة الشاعر، ومناقشة بعض من أعماله بقلم د. س. مارجليوث وهى بعنوان رسائل أبى العلاء (The letters of Abu'l Ala - اوكسفورد سنة ١٨٩٨ م) - وهناك طبعة تتضمن دراسة نقدية للخطاب رقم ٣٠ (حسب ترقيم مارجليوث) أعدها إحسان عباس، بعد عام ١٩٤٥ م فى القاهرة تحت عنوان "رسالة فى تعزية أبى على بن أبى الرجال فى ولده أبى الأزهر".
стр. 9315
٦ - رسالة "الصاهل والشاحج" أى رسالة حصان وبغل والتى من بين أعمال أخرى ضاعت الآن، قد وجهت إلى أبى شجاع فاتك عزيز الدولة حاكم حلب من قبل الأئمة الفاطميين -وهذه الرسالة التى قيل إنها ضاعت، قد اكتشفت أخيرًا فى المغرب، حققتها مع دراسة نقدية ومقدمة، عائشة عبد الرحمن -بنت الشاطئ- (القاهرة ١٩٧٥ م) وقد أتم أبو العلاء هذه الرسالة الضخمة فى عام ٤٠٨ هـ/ ١٠١٧ - ١٠١٨ م تقريبًا وهو العام الذى اختفى فيه الحاكم، عندما تولى العرش فى مصر الإمام الظاهر الذى يتبعه المؤلف بأمير المؤمنين -وهناك حدث مهم آخر ذكرته الرسالة وقع عام ٤٠٨ هـ/ ١٠١٧ - ١٠١٨ م، عندما كتب عزيز الدولة إلى صالح بن مرداس، وهو زعيم بدوى، أسس بعد ذلك أسرة المرداسيين، يأمره بإحضار أمه (أم صالح) إلى داخل أسوار حلب -وكانت هذه الخطوة من عزيز الدولة تعنى طمانة سكان حلب، فى مواجهة الشائعات حول تهديد بيزنطة بالهجوم على بلدهم وهذا التوتر الذى سرى بين السكان فى شمال سوريا أحد موضوعات الرسالة، الذى حشد فيه أبو العلاء -تدريجيًا- عددًا من الحيوانات التى -مع تمتعها بموهبة الكلام -تقول من بين أشياء أخرى- رأيها فى الوضع السياسى فى بلاد الشام فى عهد عزيز الدولة -ولكن السبب المباشر لتأليف الرسالة كان مشكلة الضرائب -فقد كانت قطعة أرض يملكها أفراد من عائلة أبى العلاء، وكان لابد -لاستغلالها- أن يدفعوا لبيت المال فى حلب قدرا معينًا من المال كضرائب -فطلبوا من أبى العلاء أن يبعث بكتاب إلى ابن مرداس فاستجاب لهم وكتب هذه الرسالة يسأله فيها إلغاء هذه الضريبة المفروضة لأن هذه الأرض لا ماء فيها ولا تغل إلا القليل -وبعد ذلك يعرض لشاحج (أى بغل) يقوم وهو معصوب العينين- بسحب الماء لكى يملأ الصهريج، دون أن يفيد من ذلك الجهد حتى لنقع غلته وإرواء ظمئه -ويتذمر البغل فى أول الأمر ثم يبدأ يتكلم يلاحظ أن أبا العلاء وهو يقوم أول حيواناته التى تتكلم مع إيراد مقتبسات من القرآن الكريم كما جاء فى سورة النمل/ ١٨، ٢٣ من حديث نملة