← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9311–9350 · переход к 9316.

стр. 9311

وقد حدث أن مات أبو العلاء بعد هذه الرسالة (٤٤٩ هـ/ ١٠٥٨ م). . ومن ثم فلا يدهشنا أن نجد بعض المؤرخين العرب يحاولون إيجاد دليل للربط بين هذه المراسلة وبين موت الشاعر ويقول ابن الهبارية فى كتاب "فلك المعانى" أنه انتحر حتى لا يخرجه قسرًا داعى الدعاة ويعاقبه على هذه الهرطقة -ومع ذلك فإن معظم المؤرخين يتفقون على أنه مات ميتة طبيعية ويستشهدون على ذلك بأن الطبيب "ابن بطلان" كان بجواره عند وفاته، فقد طلب الشاعر وهو فى لحظاته الأخيرة من أفراد أسرته أن يأتيه بورق وقلم ليملى عليه شيئًا، فلما جاءوه بما طلب أخطا بعض الأخطاء -على غير ما كان ينتظر منه- فى إملائه، وهنا أعلن ابن بطلان أن أبا العلاء مات فعلا. ونحب أن نشير إلى أن الشاعر فى كثير من شعره كان يرى أن الإنجاب خطيئة وأن الفناء النهائى هو أمل البشرية ولذلك لم يتزوج وطلب أن يكتب على قبره "هذا جناه أبى على وما جنيت على أحد" والظن أنه قد ضاع الكثير من أعمال أبى العلاء بسبب الحروب الصليبية التى أحدثت الكثير من الخراب فى سوريا، ومنها المعرة بالطبع، وقد وضع مصطفى صالح قائمة بجميع مؤلفات المعرى سواء ما هو موجود منها أو مفقود، ومن بين تلك المؤلفات التى لا تزال موجودة ممكن أن نسرد ما يلى: ١ - سقط الزند. وهو يتضمن فيما يتضمن قصائد فى المدح أشرنا إلى بعضها فيما سبق. وينهج الشاعر فى هذا الديوان النهج الثلاثى التقليدى للقصيدة أى النسيب والرحيل والمديح -ولكنه من حين إلى آخر يرفض النسيب بل ويلغيه تمامًا. وفى هذا الصدد لا يمكن أن يقارن بشاعر مثل أبى نواس الذى هجر النسيب ليتحول إلى وصف الخمر- وفيما يتعلق بأبى العلاء الزاهد فإن تناول الخمر ووصفها مرفوضان عنده أما الماء فهو الذى يفضله. وعندما كان يتعرض للنسيب كان يركز على سمته الحزينة بوصفه لسجع القمريات فغناؤها الهامس يوحى كان بها لوعة على فقد صغارها منذ زمن بعيد، ويقارن ذلك بحنين الشاعر ورثائه لحبيب بعيد المنال، وعندما

стр. 9312

يصف الشاعر هذا كله، فانه يكون يفكر فى كيف أن الهديل يثير فيه أفكارًا عميقة. . وفى بعض قصائد النسيب القليلة الأخرى يطلب الشاعر وهو الكفيف أن يتبع مرافقوه فى السفر وميض برق بعيد من أرض معشوقته، ولكنه عندما ينام يراود. طيفها الخادع فيزوره، أما قصائد الرحيل فهى أكثر إحكامًا إذ يصف الجمال قد أعياها السفر الطويل فهزلت، ويشير الشاعر من بين حيوانات الصحراء إلى الظبى والقطاة والنعامة والحرباء. . ثم إن تفضيله وصف الليل واضح جدًا حتى أن بعض الشراح يحاولون أن يربطوا بين هذا الاهتمام بوصف الليل وبين فقدان بصره. وأما شعر الغزل فلم يكن مولعًا بنظمه، فإن نظمه تكلّف (انظر طه حسين تجديد ذكرى أبى العلاء، ص ٤٩ وما بعدها) وفيما يتعلق بالمديح وهو الجزء الأخير من القصيدة، فإنه غالبًا ما يغالى فى إطراء الممدوح، حتى لقد اعتذر عن ذلك فى مقدمة ديوانه لأن كل الأوصاف المغالى فيها والتى تتعلق لأول وهلة بكائن بشرى، فى الوقت الذى تتطابق فيه مع صفات اللَّه ﷻ ، فيجب أن تنسب إلى اللَّه وحده -وقد جمع فى سقط الزند بعض النماذج التى يمكن أن تكون شكلا آخر من أشكال القصيدة وهى المرثيات وفى أبيات مليئة بالحكم والأقوال الجامعة المانعة نلحظ جذور تلك اللهجة المتشائمة التى نراها كثيرًا بعد ذلك فى اللزوميات. ويتميز الشعر فى سقط الزند بكثرة المحسنات اللفظية، كما يمكن أن نتبين الكثير من ألوان البديع من مجاز وتشبيه واستعارة إلى جانب بعض صور الجناس، كما نلحظ أسلوب "التورية" الذى يمثل براعة الشاعر الفنية الفائقة وهناك إحدى وثلاثون قصيدة فى سقط الزند جمعت تحت عنوان "الدرعيات". وهى تتميز بوصف واحد أو أكثر من الدروع المصنوعة من الزرد. . وهنا يتخلى عن الموضوعات المألوفة فى القصيدة من رحيل ومديح ويبقى النسيب موضوعًا ثانويًا فى قليل من الحالات. . ٢ - لزوم ما لا يلزم وهو مجموعة أخرى من الأشعار نظمها أبو العلاء فى الفترة التى أعقبت إقامته فى بغداد. ولم تلق هذه المجموعة من الشهرة فى العالم

стр. 9313

الإسلامى ما لقيته مجموعته سقط الزند، بسبب شكلها ومحتواها غير التقليديين فقد التزم بطريقة أكثر صعوبة جعلته مبتدعًا فى القواعد المألوفة للقافية -مما جعل الأدباء العرب يسمون نهجه هذا بالالتزام، وقد وصف الشاعر نفسه مضمون هذه المجموعة فى المقدمة بأنها تعظيم للَّه (سبحانه) وتذكير للغافل، وإيقاظ للكسول المتهاون وتحذير للعالم من عدم اتباع تعاليم اللَّه "سبحانه"- ويذكر الشاعر أيضًا أنه لا يريد أن يتبع ما استقر من أفكار، ويقول إن الشعراء "يستهدفون تجميل ألفاظهم بالأكاذيب والمبالغة". وهو يشير بهذا إلى الأوصاف التى يخلعها الشاعر على محبوبته فى الغزل والنسيب، وعلى الجياد والابل فى الرحيل، وعلى الخمر مثلا فى الخمريات أما هو فإنه على النقيض من ذلك يبحث عن الصدق والحقيقة والتقوى. . ٣ - زجر النابح. . وفى هذا الكتاب يدفع الشاعر عن نفسه الاتهامات التى أثارتها بعض الأبيات فى شعره فى اللزوميات وقد نشرت مقتطفات من هذا الديوان المفقود فى دراسة نقدية تحت عنوان "زجر النابح مقتطفات نشرة مخصصة بقلم الكاتب أمجد الطرابلسى" (دمشق ١٣٨٥ هـ) انظر: S.M. Stern: Sane noteworlly manuscripts of the poens of Alre - I ala (in) oriens (١٩٥٤) ٣٤٢ fol، وقد دافع ابن العديم عن أبى العلاء فى كتابه "الانصاف والتحرى فى دفع الظلم والتجرى. عن أبى العلاء المعرى". . وهذا بحث منصف فى الدفاع عن الاتهامات الظالمة ضد أبى العلاء. . وابن العديم مؤرخ معروف يدقق فى التحرى عن كل ما يتعلق بأبى العلاء والذى قام به بعد موت المعرى بقرنين، إذ كان يتصل بأسلاف هؤلاء الذين كانوا على اتصال بالمعرى فى بلدته "معرة"، كما أفاد من المصادر التاريخية المحلية وكل ذلك مع تقديم الأسانيد. ٤ - الفصول والغايات فى تمجيد اللَّه والمواعظ وقد كتب الشاعر هذا الكتاب بالنثر المسجوع. . وكان ذلك قبل سفره إلى بغداد ثم أكمله بعد عودته منها إلى المعرة (انظر معجم الأدباء لياقوت ١/ ١٨٠).

стр. 9314

وهو يضم مقاطع كثيرة قصيرة يختمها بنهاية أو غاية ". . ولذلك يكون فى مجمله عبارة عن عدد من الفصول، كل منها يضم مقاطع تنتهى دائمًا بحرف معين من الحروف الهجائية، ولذلك نجد مثلا: فصلًا غايته همزة" "وفصلًا غايته باء" وهكذا حسب ترتيب الحروف الهجائية العربية. وقد ضاع الجزء الأكبر من هذا العمل، ولكن حدث أن اكتشف الجزء الأول منه، فى نسخة غير كاملة، فى عام ١٩١٨ - ١٩١٩ وحققه بعد ذلك "محمود حسن زناتى" (القاهرة ١٣٥٦ هـ/ ١٩٣٨ م) وهذا الكتاب يتضمن من بين موضوعات كثيرة أخرى أفكارًا عن اللَّه (سبحانه): مثل قدرته الكلية وعدله وفضله وخلوده وأبديته، بالإضافة إلى ملاحظة قوية لصروف القدر التى لا مهرب منها والتى تحكم الإنسان فى حياته اليومية العادية. . وكثيرًا ما نرى فكرة "اللَّه سبحانه" ترتبط بالقضاء والقدر المحتوم، وبالثواب والعقاب الأبدى، الأمر الذى يحضن الإنسان بدوره على أن يتبع سبيل الزهد والتقشف -وقد زعم بعض المؤرخين المتأخرين أنّ هذا الكتاب محاكاة للقرآن ولكن المؤلف كان يستهدف من كتابته تعظيم القرآن فى إعجازه. (انظر طه حسين: مع أبى العلاء فى سجنه، الفصل التاسع) ٥ - رسائل أبى العلاء وهى الرسائل المختصرة التى كتبها أبو العلاء فى عديد من المناسبات ووجهها إلى الكثيرين من أفراد أسرته ومعارفه -وقد كتب هذه الرسائل بأسلوب شديد الأناقة البلاغية وملأه بالأمثال والنثر المسجوع المزين بأبيات من الشعر- وهناك طبعتان من هذه الرسائل الأولى تحقيق شاهين عطية - بيروت ١٨٩٤ م - والأخرى مع ترجمة انجليزية تسبقها مقدمة تتضمن سيرة الشاعر، ومناقشة بعض من أعماله بقلم د. س. مارجليوث وهى بعنوان رسائل أبى العلاء (The letters of Abu'l Ala - اوكسفورد سنة ١٨٩٨ م) - وهناك طبعة تتضمن دراسة نقدية للخطاب رقم ٣٠ (حسب ترقيم مارجليوث) أعدها إحسان عباس، بعد عام ١٩٤٥ م فى القاهرة تحت عنوان "رسالة فى تعزية أبى على بن أبى الرجال فى ولده أبى الأزهر".

стр. 9315

٦ - رسالة "الصاهل والشاحج" أى رسالة حصان وبغل والتى من بين أعمال أخرى ضاعت الآن، قد وجهت إلى أبى شجاع فاتك عزيز الدولة حاكم حلب من قبل الأئمة الفاطميين -وهذه الرسالة التى قيل إنها ضاعت، قد اكتشفت أخيرًا فى المغرب، حققتها مع دراسة نقدية ومقدمة، عائشة عبد الرحمن -بنت الشاطئ- (القاهرة ١٩٧٥ م) وقد أتم أبو العلاء هذه الرسالة الضخمة فى عام ٤٠٨ هـ/ ١٠١٧ - ١٠١٨ م تقريبًا وهو العام الذى اختفى فيه الحاكم، عندما تولى العرش فى مصر الإمام الظاهر الذى يتبعه المؤلف بأمير المؤمنين -وهناك حدث مهم آخر ذكرته الرسالة وقع عام ٤٠٨ هـ/ ١٠١٧ - ١٠١٨ م، عندما كتب عزيز الدولة إلى صالح بن مرداس، وهو زعيم بدوى، أسس بعد ذلك أسرة المرداسيين، يأمره بإحضار أمه (أم صالح) إلى داخل أسوار حلب -وكانت هذه الخطوة من عزيز الدولة تعنى طمانة سكان حلب، فى مواجهة الشائعات حول تهديد بيزنطة بالهجوم على بلدهم وهذا التوتر الذى سرى بين السكان فى شمال سوريا أحد موضوعات الرسالة، الذى حشد فيه أبو العلاء -تدريجيًا- عددًا من الحيوانات التى -مع تمتعها بموهبة الكلام -تقول من بين أشياء أخرى- رأيها فى الوضع السياسى فى بلاد الشام فى عهد عزيز الدولة -ولكن السبب المباشر لتأليف الرسالة كان مشكلة الضرائب -فقد كانت قطعة أرض يملكها أفراد من عائلة أبى العلاء، وكان لابد -لاستغلالها- أن يدفعوا لبيت المال فى حلب قدرا معينًا من المال كضرائب -فطلبوا من أبى العلاء أن يبعث بكتاب إلى ابن مرداس فاستجاب لهم وكتب هذه الرسالة يسأله فيها إلغاء هذه الضريبة المفروضة لأن هذه الأرض لا ماء فيها ولا تغل إلا القليل -وبعد ذلك يعرض لشاحج (أى بغل) يقوم وهو معصوب العينين- بسحب الماء لكى يملأ الصهريج، دون أن يفيد من ذلك الجهد حتى لنقع غلته وإرواء ظمئه -ويتذمر البغل فى أول الأمر ثم يبدأ يتكلم يلاحظ أن أبا العلاء وهو يقوم أول حيواناته التى تتكلم مع إيراد مقتبسات من القرآن الكريم كما جاء فى سورة النمل/ ١٨، ٢٣ من حديث نملة

стр. 9316

بوادى النمل، والهدهد مع سليمان الذى كان يفهم حديث الطير ومن جهة أخرى وفى موضع آخر من الرسالة، يقارن أبو العلاء بين عزيز الدولة، وبين سليمان فكل منهما يتصف بالحكمة والإدراك والفهم ثم تظهر بعد البغل حيوانات مختلفة على مسرح الأحداث من بينها الحصان والجمل والثعلب. . فالبغل يريد من الحصان أن يحمل شكوى إلى عزيز الدولة عن الحياة الشاقة التى يعيشها لكن الحصان -وهو يشير إلى أسلافه النبلاء، يرفض باستعلاء أن يقوم بهذه المهمة- وفى المنظر الثانى يعلن الجمل أنه على استعداد لنقل شكوى البغل -ولأن البغل واسع المعرفة فقد قرر فى أول الأمر أن يبعث بالشكوى شعرًا، ولكن احترامه للجمل حمله على العدول عن هذه الفكرة لسبب يعكس وجهة نظر أبى العلاء فى الشعر إذ يقول (البغل) أنه لا يريد أن يتصف بما يتصف به بنو البشر إذ يحملون الشعر معهم بهدف شئ من النفع ويريد البغل بدلًا من ذلك أن ينقل الجمل أخبارًا غريبة إن ألقاها لم يكن لها سوى معنى واحد عند من يسمعها، بينما هى تحمل فى الواقع معنى ثانيًا خفيًا (التورية). . وعندما يصل الثعلب أخيرًا إلى مسرح الأحداث، يتغير الموقف، إذ يسمع فجاة صراخ مبهم ينبعث من المدينة القريبة فيقوم الثعلب بناء على طلب البغل، بمهمة الاستطلاع ويتضح بعد ذلك أن الصراخ هو نتيجة ذعر أصاب أهل الشام بسبب حملة عسكرية بيزنطية وشيكة القدوم، ويبدأ أبو العلاء فى التلميح إلى التطورات السياسية العديدة التى حدثت فى تلك الفترة التى عاصرها. ٧ - رسالة الغفران وقد ألفها أبو العلاء فى عام ٤٢٤ هـ/ ١٠٣٣ م, تقريبًا فى عهد الأمير المرداسى الثانى نصر بن صالح شبل الدولة -وهذا العمل هو رد على رسالة صغيرة وجهها إلى أبى العلاء شخص يدعى على بن منصور بن طالب الحلبى دَوْخله، ويعرف أيضًا با "بن القارح" وكان محدِّثا وعالمًا بالنحو وهو يعرب فى هذه الرسالة عن شكواه من تقدم سنه وما يصاحب ذلك من أسقام وأوجاع، ويذكر لأبى العلاء أن أبى عون يرفده به سوف يلقى ترحيبًا من جانبه

стр. 9317

وبالإضافه إلى ذلك فإن ابن الطامع يفصح عن كبر علمه وتسامحه بذكر عدد من الشعراء والأدباء يتهمهم بالزندقة ويرد عليه أبو العلاء فى سخرية فيفترضه وقد تقدمت به السن فمات هذا المراسل العجوز لتوه ثم يتخيله قد حوسب حسابًا عسيرًا يوم البعث ثم يدخل إلى جنات النعيم التى يصف ابن القارح عددًا كثيرًا من الشعراء الأدباء قد غفرت خطاياهم السابقة على غير ما كان متوقعًا (راجع معنى عنوان الرسالة) وبينما يتجول ابن القارح فى الدار الآخرة، يتمكن من زيارة الجحيم، حيث يجرى مناقشات مع إبليس والشيطان، والشاعر بشار بن برد الذى يعتبر هرطقيًا وهناك جوانب عامة فى رسالة الغفران نذكرها هنا، أولا أن متع الفردوس ونعيمه تقوم على التفسير الواقعى والحرفى لما قرره القرآن والسنة. وثمة جانب آخر ملحوظ فى رسالة الغفران وهو التعويض عن أى ضرر عانى منه الإنسان والحيوان فى حياته الدنيوية ومن الحيوان خبر حمار وحشى اصطاده صياد وسلخه ثم استفاد من جلده، ثم جاء الأتقياء فأخذوه بدورهم واستفادوا منه فى الطهارة، وهكذا يبدو أنه يوجد فى الجنة شيئان مختلفان تمامًا الأول مادة الفردوس وتمثلها الأبكار اللائى ورد ذكرهن فى القرآن والثانى الحيوانات يهدف الصيد وكلاهما لزيادة متع المنعمين -ثم هناك فى المقام الثانى بنو البشر والحيوانات الذين قدر لهم أن يسعدوا بالأبدية بناء على معاناتهم فى الحياة الدنيا. . أما بالنسبة لابن القارح فإن رؤية أبى العلاء الساخرة له واضحة جدًا، حيث يصف المشهد الرسمى لتوبة ابن القارح والشهود الرسميين الذين صدقوا عليها فى أحد مساجد حلب ثم ما أعقب ذلك من ابتهاج وفرحة فى السماء. (تجدر الإشارة هنا إلى كتاب عائشة عبد الرحمن "الغفران" القاهرة ١٩٥٤ م، والذى يناقش الفرق بين رسالة الغفران ورسالات التوابع والزوابع لابن شُهَيْد وهى ذات أهمية عامة كدراسة رائعة لرسالة الغفران) ٨ - رسالات الملائكة تتعلق بمسائل خاصة بأصل بعض الكلمات العربية

стр. 9318

وهكذا نجد فى مقدمة الرسالة إجابة غير مباشرة على أسئلة تتعلق بتصغير وبعض الكلمات والأسماء الموجودة فى القرآن والحديث. ونسمع أبا العلاء -الذى هو صاحب القصة فى هذه الرسالة- يقدم بعض الأسئلة إلى ملاك الموت تتعلق بكل النظم الشكلية (المورفولوجية) التى يمكن أن تُصَغّر بها كلمات مثل ملاك وعزرائيل. وهناك أسئلة أخرى تتعلق بتصغير وكلمات مثل القبر والآخرة والثواب والعقاب ومباهج الفردوس. ويجب أن نلاحظ أن الجنة فى هذه الرسالة هادئة جدا وتتماشى مع ما يراه المتمسكون بالتقاليد -على حين لا تكون كذلك فى رسالة الغفران مع وجود مقاطع ساخرة، أما هدوء الفردوس فيضطرب بالتجول والمناقشات بل والشجار العنيف بين الشعراء والعلماء. ٩ - مُلقى السبيل -وهو عمل قصير جدا ويأتى فى الشهرة بعد شعر أبى العلاء. . وكثيرا ما كان هدفا للمعارضة وخصوصا فى الغرب الإسلامى- ويمكن أن نجد بعض المقتطفات القصيرة من هذه المعارضات فى كتاب "حسن حسنى عبد الوهاب" المسمى "معارضات المغاربة لملقى السبيل" وهذا الكتاب يتضمن فقرات قصيرة من النثر المسجوع، تتبادل مع فقرات أخرى من بعض أبيات الشعر مع التقيد بأن تكون كل فقرة من النثر المسجوع متماسكة فى قليل أو كثير مع فقرة الشعر التالية حسبما يقتضيه المضمون. وهذا المضمون تقليدى جدًا فى طبيعته وليس هناك أى فرق للأخلاقيات التقليدية والتراث الأدبى، ويرى حسن حسنى عبد الوهاب بعض التشابه مع خطباء ما قبل الإسلام مثل قس بن ساعدة الإيادى. . وهناك من يرى تأثير شعر أبى العتاهية فيه. . ويرى البعض أن أبا العلاء كتبه فى أوائل حياته اعتمادًا منهم فى ذلك على بساطة أسلوبه ويرى آخرون أنه كتبه فى أواخر حياته. وأخيرًا نعرض للتعليقات التى ذكرها أبو العلاء حول دواوين الشعراء الآخرين: ١ - معجز أحمد -تعليقات على ديوان المتنبى ويرجح أن أبا العلاء كتبه وهو فى صدر أيام شبابه.

стр. 9319

٢ - "اللامع العزيزى" أو "الثابتى العزيزى" وهو تعقيب على عدد كبير من مختارات أشعار المتنبى ولم يطبع بعد. ٣ - عبث الوليد -وهو شرح لأبيات مختارة من البحترى. ٤ - ذكرى حبيب شرح لمختارات من ديوان حديث ابن أوس الطائى (أبو تمام). وبالنسبة للمصادر فقد أوردنا بعضهما فى المتن وللمزيد: راجع عن المعرى تأليفًا ودراسة. تعريف القدماء بأبى العلاء، الإنصاف والتحرى فى رفع الظلم والتحرّى عن أبى العلاء المعرى، وكتاب أوجه التحرّى عن حيثية أبى العلاء المعرى، دمشق ١٩٤٤ م للبديعى، وانظر الثعالبى تتمة اليتيمة، والباخرزى: ومنة العصر وعصرة أهل العصر، والمنظم لابن الجوزى، جـ ٨ وابن القفطى: إنباه الرواة، على انباه النهاة، ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزى بهجت عبد الفتاح عبده (ب. سمور P. Smoor) المعز بن باديس أبو تميم شرف الدولة ٤٠٧ - ٤٥٤ هـ/ ١٠١٦ - ١٠٦٢ هو رابع ولاة بنى صنهاجة بإفريقية. توالت النكبات واحدة إثر الأخرى خلال فترة حكمه، كاشفة اللثام عن فوضى ضاربة أطنابها واقتصاد منهار. ولا يزال المعز -فى تاريخ إفريقية- صاحب الفضل الأول فى إحياء المذهب المالكى الذى يرتبط بكارثة الغزو الهلالى. توفى والده باديس فجأة عشية الهجوم الأخير الذى كان سيستولى به على "القلعة" التى أنشاها عمه حماد، وكان موته الفجائى فى ذى القعدة من سنة ٤٠٦ هـ بداية لتقييم مملكة بنى زيرى. كان الأمير الصغير فى المهدية عند وفاة أبيه ولم يكن يومذاك قد بلغ التاسعة من عمره وكان الأمير يتمتع بقدر كبير من الذكاء كما كان على جانب طيب من الثقافة. وفى منتصف شهر محرم من نفس العام، ترك المعز المهدية وذهب إلى المنصورية، مسقط رأسه، التى أسسها الخليفة الفاطمى

стр. 9320

المنصور والتى تقع على بعد نصف ميل من القيروان معقل اضطرابات السنية. وقد استقبل الشعب فى بادئ الأمر موكب الأمير بالهتاف والتهليل وفجاة اندلعت نيران الثورة التى كانت تستهدف حياة الأمير ونظام الحكم الذى أراد القضاء عليه وألا تقوم له قائمة فى كافة أرجاء المغرب ويبدو أن أهل السنة وجدوا صعوبة بالغة فى التعامل مع بعض العاملين فى صفوف الجيش حيث لم يبدوا أى تحمس فى التعاون معهم. أما حاكم القيروان، فترجع سلبيته إلى ما ترامى إلى سمعه من أن هناك مؤامرة تستهدف خلعه، وانطلق الجند يقتلون الناس، وأهلك الثوار القوم وكانوا مدفوعين إلى ذلك برغبتهم فى النهب والسلب أكثر من خوفهم من تفاقم خطر الهرطقة، وانتشرت الفوضى وعم الاضطراب وانقلب الناس على الشيعة ونهبوا بيوتهم وبضائعهم. وازداد الوضع سوءًا فانتشر العصيان والتمرد فى أرجاء البلاد. وعلى أثره تعرضت الشيعة لمذبحة راح ضحيتها أعداد ضخمة منهم، بالإضافة إلى مقتل العديد من الأشخاص الذين كانت مذاهبهم محل شك. وأخيرًا، غزا الثوار المنصورية وقاموا بنهبها بعد الاستيلاء عليها. كما قامت عدة مدن أخرى فى إفريقية بتنفيذ المذابح ضد الشيعة. وأثرت الثورة تأثيرًا واضحًا لفترة طويلة الأمد. وفى ذلك الحين، لم يكن للمعز أية سياسة خاصة نظرًا لحداثة سنه. ومن ثم، تولى شئون البلاد القائمون بالعمل فى الديوان الملكى فى عهد والده، وبعد شهر تقريبًا من بداية الثورة، أصبح أبو عبد اللَّه محمد بن الحسن وزيرًا جديدًا فى البلاط. إلا أن السنة لم تلق السلاح وتدبير المؤمرات فتعرض المعز لمحاولة تهدف إلى اغتياله عندما كان فى طريقه إلى المصلى فى القيروان بمناسبة عيد الفطر. لم ينج منها إلا بشق الأنفس فقد قرر السنة أن تكون الضربة قوية بحيث ترديه صريعًا. وهكذا، أصبح المعز يخشى هذه الجماعة وقرر أن يسحق ويحبط ثورتها فقام بنفى زعيمهم. وفى مارس

стр. 9321

عام ١٠١٧ قتل أبو على بن خلدون، شيخ الدعوة بعد حصاره فى مسجده وكان قد اتخذه مقر التنظيم. واجتاحت القيروان موجة من الفوضى الشديدة. ومن ثم انتقل جنود المنصورية إلى هذه المدينة ونهبوا كل حوانيتها بحيث لم يتركوا شيئًا على حاله إلا أن الأمن ما لبث أن ساد لهم بعد ذلك واستمر طوال عهد المعز. ولم تمض ثلاثة شهور حتى لقبه الخليفة الفاطمى "الحاكم" بشرف الدولة، واستمرت علاقات المعز مع الفاطميين على نحو ممتاز وفى مستهل ٤١١ هـ جدد. الحاكم ثقته بالمعز وهاداه وكان من بين هداياه سيف مرصع بالأحجار الكريمة. أما خليفته الظاهر، فقد أضاف لهذا الشرف شرفًا آخر بحيث لقب المعز "بشرف الدولة وساعدها الأيمن" كما أغدق عليه الهدايا الرائعة. عمل المعز على التخلص من سيطرة وزيره أبى عبد اللَّه محمد بن الحسن واختار وزيرًا آخر كاد السنة أن يقتلوه خلال ثورة أبى البهار بن خلوف ولهذا الاختيار مدلولان سياسيان. أما أحدهما فكان بمثابة تحذير للسنة. وأما الآخر فكان دليلًا على الولاء للفاطميين. وفى نفس العام تزوج المعز وأقام احتفالًا عظيمًا. وتميزت فترة حكم المعز -حتى الغزو الهلالى- بالهدوء والسلام برغم حدوث بعض الثورات الصغيرة خاصة فى جنوب البلاد. بيد أن قوة هذا الصرح كانت تخفى وراءها الانهيار الاقتصادى الذى أدى إلى تكرار حدوث الاضطرابات والمجاعات، بجانب انتشار الأوبئة وانخفاض التعداد السكانى خاصة فى المناطق الريفية لهجرة السكان إلى المدن. وتركزت حملة الغزو الحاسم التى شنها الخليفة المستنصر ضد أفريقية. لمعاقبة أحد أتباعه على التمرد فى منطقة قابس عند حيضران (Tlaydarn) . وبرغم شجاعة الأمير والتفوق العددى الذى كان عليه جيش أفريقية فى العدد، إلا أنه نزلت به هزيمة منكرة لعدم التماسك بين أفراد جيشه ولعدم وجود خطة إستراتيجية يسير على نهجها،

стр. 9322

فضلًا عن التنافس العرقى الذى كان يهدده. وهكذا تصدع الصرح الصنهاجى. وانتشر الهلاليون فى كل مكان كأسراب الجراد، يسلبون كل ما يصادفهم، وما لبثت القيروان أن سقطت فى أيديهم فقاموا بنهبها بعد هروب الأمير بيومين. كما حاول الهلاليون تحويل هذا الاقتصاد المنهار إلى اقتصاد رعوى بكل المعوقات السياسية والاقتصادية التى توحى بها تلك الطفرة. ومن ثم، سيطرت الرجعية على نطاق واسع من الحياة الحضرية الهادئة لصالح الوجود البدوى المحفوف بالمخاطر. وكان المعز -حتى الغزو الهلالى- يعيش حياة مترفة. وكان معلمه (ابن أبى الرجال) من أعظم الكتاب الأفريقيين وهو أيضًا شاعر وعالم فلكى ترجمت بعض أعماله إلى عدة لغات أوربية بجانب كل من اللغتين اللاتينية والعبرية. وأصبح بعد ذلك المستشار الرئيسى للمعز. وفى عهده، تلالأت المدرسة الأدبية فى القيروان بفضل بعض العظماء أمثال القزاز. أما أبو عمران الفاس، فكان من الشخصيات المتربعة على عرش الفقه المالكى. لقد ورث المعز مملكة ضعيفة اقتصاديًا ومنفصلة سياسيًا عن جزئها الغربى وفشلت محاولته فى جمع شملها فى أعقاب سياسة والده. وبعد حكم استمر سبعًا وأربعين عامًا توفى المعز عن عمر يناهز الخامسة والستين، تاركًا لخليفته تميم مملكة منهارة اقتصاديًا ومنقسمة سياسيًا، تعم أرجائها الفوضى والاضطراب. المصادر: (١) H.R.Idris: la Berbrie Orientale sous les Ziridss, Paris, ١١١٩٦٢ (٢) M.TAlibi: Drois et economie en Ifrigiya. Tuniis, ١٩٩٢ أمنية محمد رضا [م. طالبى M. Talbi] المعلقات هى مجموعة من قصائد الشعر العربى فيما قبل الإسلام، عددها المتفق عليه سبعة. وعادة جمع المختارات الشعرية شئ قديم، وقد تركت آثارها

стр. 9323

فى كل جوانب النقد الشعرى فيما أعقب ذلك من مراحل. وأشهر المختارات هى المعلقات. وكان للمكانة التى وضعها فيها رجال الأدب العرب تأثيرها على النقد العربى أيضًا. ويبدو أن جمع هذه المعلقات تم فى منتصف القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى على يد الراوية "حمّاد" ويبدو أن ابن قتيبة قد تعرف عليها فى القرن الثانى ولكن تحت اسم "السبع" أما عن التسمية فيقال إن الإعجاب الشديد بهذه القصائد أدى بالقدماء إلى أن يكتبوها بحروف من ذهب ويعلقوها على أستار الكعبة. ومن بين من أخذ بهذا التفسير ابن "عبد ربه" (المتوفى ٣٢٩ هـ - ٩٤٠ م) وابن رشيق (منتصف القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى) وابن خلدون (المتوفى ٨٠٨ هـ/ ١٤٠٦ م) والسيوطى (المتوفى ١٥٠٥ م) وهناك آخرون مثل ابن النحاس (المتوفى ٣٣٨ هـ/ ٩٥٠ م) يرفضون هذا التفسير دون تقديم تفسير آخر. ومنذ نشأة هذه القصائد، يتباين عددها كما تتباين شخصية ناظميها. . فالأصمعى (المتوفى ٢١٣ هـ/ ٨٢٨ م) جمع ست قصائد فى "كتاب القصائد الست" وهذا ما يقوله ابن النديم (الفهرست - القاهرة). أما أبو عبيدة (المتوفى ٢٠٩ هـ/ ٨٢٤ م) وبعد ذلك ابن قتيبة (المتوفى ٢٧٦ هـ/ ٨٨٩ م) فيذكر أن سبع قصائد، مما يتفق وما جاء فى كتاب "الجمهرة" لأبى زيد القرشى (نهاية القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى) الذى يضم أسماء: "امرؤ القيس - زهير بن أبى سلمى - النابغة الذبيانى - الأعشى ميمون بن قيس - لبيد بن ربيعة - بن كلثوم - طرفة بن العبد" أما ابن النحاس فيذكر امرؤ القيس - وطرفة وزهير - ولبيد وعمرو - الحارث بن حلزة وعنترة بن شداد - وقد فسر هذا الاختلاف بتطور النقد ولكن الأكثر احتمالًا هو مجموعة الظروف التى يتداخل فيها التنافس القبلى. فكل هؤلاء الأشخاص عاشوا قبل الإسلام وفى ظروف مختلفة كثيرًا وتغييرات تتسم بالعداء والخصومة، فالبيئات المسيحية واليهودية والغسانية، وكذلك الاتحادات القبلية قد تركت أثرها على الأحكام الأدبية فى العصور

стр. 9324

الأولى، وربما بعد ذلك بكثير، وفى ذلك الوقت ظهرت مجموعة تضم تسع قصائد بإضافة الأعشى والنابغة إلى الأسماء التى ذكرها ابن النحاس (ابن الزوزنى - القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى). وأخيرًا يأتى ناقد آخر فى أوائل القرن السادس الهجرى/ الثالث عشر الميلادى، وهو "التبريزى"، فيضيف إلى الأسماء التسعة اسم "عبيد بن الأبرص" ولكن الأسماء الأكثر شيوعًا هى: امرؤ القيس وطرفة وزهير ولبيد وعمرو. . وإذا كان طه حسين قد ألقى ظلالًا من الشك حول حقيقة الشعر فيما قبل الإسلام، فإن المستشرقين قد اتخذوا موقفًا وسطًا إذ قالوا: إن المعلقات فى الشكل والمضمون يجب أن تعتبر -حتى إذا كانت تحتوى فى جزء منها على عناصر مشكوك فيها- نماذج للتراث الشعرى الذى ازدهر بقوة فى أجزاء مختلفة من شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام. بهجت عبد الفتاح عبده [ج. لوكونت G. Leconte] المعلوف اسم أسرة لبنانية اشتهرت بفضل جهود أكثر من عشرة من أفراها فى مجالات الأدب والفكر فى لبنان المهجر خلال المائة وخمسين عامًا الأخيرة. وطبقا لما ذكره "عيسى اسكندر" الذى كتب تاريخ هذه الأسرة ويعد أحد أعلامها، ينتسب آل المعلوف إلى الغساسنة الذين كان مقرهم فى "دامة العليا" فى حوران. وقد أعفاهم الخلفاء الراشدون من دفع الجزية نظرًا لما قدموه لهم من مساندة عسكرية، كما مُنحوا نفس الميزة من الخلفاء الأمويين مما أكسبهم اسم "بنى المعيوف" بسبب هذا الإعفاء، لكن هذه الميزة اسقطت عنهم فى عهد العباسيين أعداء بنى أمية، فتغير الاسم إلى "بنى المعلوف". وفى بداية القرن الخامس عشر الميلادى غادر بعض أفراد عشيرة المعلوف حوران، منهم "إبراهيم المعلوف" الذى استقر فى "سَرْعين" قرب بعلبك؛ ومنها انتشرت سلالته فى سوريا ولبنان، وإن ظلت "زحلة" مدينتهم الرئيسية. وللأسرة فروع مسلمة ذكرها عيسى اسكندر فى مقالة "رحلتى إلى مصر"

стр. 9325

الذى وصف فيه زيارته عام ١٩٣٤ م إلى ضريح الشيخ أحمد المعلوف بشبرا الخيمة. كما أنه اكتشف مخطوطا بدار الكتب المصرية بعنوان "رياض النفوس" صنفه أبو بكر عبد اللَّه المالكى وأورد به ذكر آل المعلوف المسلمين فى صقلية والقيروان وسوسة. ١ - ناصنف المعلوف: ولد فى "زبوغة" بلبنان وتلقى تعليمة الأول فى "بيت الدين"، وقد وجه عنايته لدراسة اللغات، وعمل فى ١٨٤٥ م معلمًا للغات الشرقية بأزمير بتركيا. ثم توفر منذ ذك الوقت على دراسة اللغات التركية والإيطالية واليونانية، وعمل مترجمًا لدى السلطات البريطانية. ومن أهم أعماله قاموسيه "الفرنسى - التركى" و"التركى - الفرنسى"، وكتبه فى المحادثة بلغات عدة أو بلغتين، وكتابًا فى نحو اللغة التركية. ٢ - لويس المعلوف (١٨٦٧ - ١٩٤٧ م) فى مدرسة اليسوعيين فى بيروت، وسافر إلى انجلترا لدراسة الفلسفة، ثم إلى فرنسا لدراسة اللاهوت. من أبرز أعماله "المنجد فى اللغة والأدب والعلوم" الذى صدر عام ١٩٠٨ م، وكتابه مقالات فلسفية قديمة لبعض مشاهيرة فلاسفة العرب مسلمين ونصارى". تولى رئاسة تحرير مجلة "البشير" الأسبوعية الكاثوليكية بين عامى ١٩٠٦ - ١٩٣٢ م ٣ - يوسف نعمان المعلوف (١٨٧٠ - ١٩٥٦ م): هاجر إلى الولايات المتحدة وأسس فى نيويورك صحيفة "الأيام" التى داومت على الصدور بين عامى ١٨٩٧ - ١٩٠٧ م، وقد استغل الجريدة فى الدعوة إلى استقلال الدول العربية مما أثار عليه سخط الحكومة العثمانية فحكمت عليه بالإعدام لكنها لم تظفر به وفى ١٨٩٩ م أصدر فى نيويورك "كتاب خزانة الأيام فى تراجم العظام"، وهو قاموس لسير رجالات العرب والأتراك. ومن مؤلفاته أيضًا "أسرار يلدز أو العقد الثمين فى تاريخ أربعة سلاطين". ٤ - أمين فهد المعلوف (١٨٧١ - ١٩٤٣ م): درس الطب فى جامعة بيروت ثم فى استانبول، وخدم كطبيب بالجيش المصرى حيث شارك فى حملة السودان ومعركة الخرطوم، وروى أحداث تلك المعركة فى حلقات نشرها المقتطف فى عامى ١٩١١ و ١٩١٢ م كما شارك أمين المعلوف فى حرب البلقان فى معركة الدردنيل فى الحرب العالمية

стр. 9326

الأولى، ثم انضم إلى قوات الشريف حسين، وخدم بعد ذلك فى الجيش العراقى فى عهد الملك فيصل، وعاد إلى مصر ليتقاعد بها. من أهم مؤلفاته "معجم الحيوان" الذى نشره أولا على حلقات فى المقتطف ثم طبعة عام ١٩٣٢ م، و"المعجم الفلكى" عام ١٩٣٥ م، وله دراسات لم تكتمل عن أسماء النبات، كما كان له أيضًا اهتمام بالمصطلحات الطبية العربية. ٥ - قيصر إبراهيم المعلوف (١٨٧٤ - ١٩٦١ م): هاجر إلى البرازيل، حيث رأس تحرير جريدة "البرازيل" وشارك فى النشاط الأدبى للمهاجرين السوريين، وعاد إلى لبنان حيث نشر العديد من الأعمال الأدبية فى الشعر والمسرح والرواية، ومنها "ديوان قيصر المعلوف". ٦ - جميل المعلوف (١٨٧٩ - ١٩٥٠ م) هاجر إلى الولايات المتحدة وعمل مع عمه يوسف نعمان فى إصدار صحيفة الأيام" وقد تورط فى محاولات خلع السلطان عبد الحميد فحكم عليه الأتراك بالإعدام لكنه أفلت منهم. نشر سلسلة من المقالات بعنوان "كيف تثور الأمم"، وشارك عمه فى تأليف "خزانة الأيام فى تراجم العظام"، وألف وحده كتاب "تركيا الجديدة وحقوق الإنسان". ٧ - ميشال المعلوف (١٨٨٩ - ١٩٤٢ م) شقيق قيصر وجميل شارك فى تأسيس "العصبة الاندلسية" وتولى رئاستها، وله مسرحية "سجين الظلم" التى طبعت عام ١٩١٠ م. ٨ - عيسى اسكندر المعلوف (١٨٦٩ - ١٩٥٦ م) درس فى مدارس الإرسابيات، وعين مدرسًا بدمشق ثم بزحلة فى لبنان حيت قام بتدريس العربية الإنجليزية والرياضيات. ونشر مقالات صحفية وعمل محررًا صحفيًا، ثم أصدر صحيفة "الهذب" عام ١٩٠١ م ثم صحيفة "الشرقية". وفى عام ١٩١١ م أسس دورية "الآثار" التى كرثها لعلم الآثار والتاريخ والأدب وشارك فيها أبرز العلماء العرب. كان عيسى كاتبًا موسوعيًا ساهم بمقالات صحفية كثيرة فى موضوعات شديدة التنوع، وطبع ٢٢ عملا وترك أكثر من ٥٠ عملا آخر فى صورة مخطوطات، ومن أهم مؤلفاته: "الكتابة" وهو مجموعة من الدراسات عن اللغة والخط والكتابة، "دوانى القطوف فى سيرة بنى معلوف" وفيه عرض لتاريخ سوريا ولبنان

стр. 9327

وفلسطين إلى جانب تاريخ أسرته، "تاريخ لبنان"، "تاريخ الطب عند العرب" تأريخ الطب قبل العرب"، "القلاع والحصون فى سوريا"، "القضاء فى لبنان زمن الأمراء الشهابيين"، "معجم الألفاظ العامية والدخيلة"، "معجم تحليل الأماكن فى البلاد العربية"، "معجم تحليل أسماء الأشخاص"، وهذا بالإضافة لمؤلفاته عن الشعر والأدب. ٩ - شفيق المعلوف (١٩٠٥ - ١٩٧٦ م) ابن عيسى اسكندر، وهو شاعر له العديد من دواوين الشعر وكتب الأدب، يعد أحد مؤسسى العصبة الأندلسية فى ساو باولو بالبرازيل. ١٠ - فوزى المعلوف (١٨٩٩ - ١٩٣٠) ابن عيسى اسكندر وشقيق شفيق هاجر عام ١٩٢١ م إلى البرازيل حيث عمل بالتجارة فى ساو باولو، وفى عام ١٩٢٢ م، أسس "المنتدى الزحلى" الذى جعله يوسع دائرة نشاطه الاجتماعى والأدبى ويضيف إلى ثقافته العربية الفرنسية الثقافة الإسبانية البرتغالية. نشر فى عام ١٩٢٦ م قصيدته الشهيرة "على بساط الريح"؛ وهى قصيدة طويلة من ٢١٨ بيتا يضمها ١٤ نشيدا، وإليها ترجع مكانته فى الشعر العربى المعاصر وله أيضًا مسرحية "ابن حميد أو سقوط غرناطة" التى استوحى موضعها من تاريخ الأندلس، وله ديوان شعر بعنوان "الديوان" يضم ٤٦ قصيدة. ١١ - جورج حسون معلوف (١٨٩٣ - ١٩٦٥ م) درس القانون فى بيروت وعمل محاميًا ثم هاجر للارجنتين فى عام ١٩١١ م. وقد ركز اهتمامه على النثر بالرغم من إحاطته الواسعة بالشعر العربى، وترجم من العربية إلى الفرنسية والإسبانية والبرتغالية، وكان من بين مترجماته القصص القصيرة، وقد كتب القصة القصيرة أيضًا إلى جانب ما توفر عليه من كتابة المقالات. المصادر: (١) س. أ. راغى: المشرق، IX . VIII (٢) راغى: المصادر، II، ٩ - ٧٢٧، ١٥ - ٧١٣، ١٩ - ٧١٦، III / ٢، ٣ - ٢٦٢/ ٢ F ١٢٥٦ OD - ١٢٤٦ (٣) الزركلى: الأعلام، VII، ٣٥٠، ٧، ٢٤٧، VII، ٢٥٥، III، ١٩، F,V، ٢٠٩، II، ١٣٧، v، ١٠١ (٤) عمر الدقاق: شعراء العصبة الأندلسية فى المهجر، بيروت ١٩٧٣ م. [لبنى الريدى] (هيئة التحرير)

стр. 9328

معن بن أوس معن بن أوس المزنى الشاعر العربى، كان من قبيلة مزينه التى كانت مساكنها فى الأراضى الخصبة الواقعة بين المدينة ووادى القرى وكان معن بن أوس هذا معدودًا من الشعراء المخضرمين، ومن المحتمل أنه ولد قبل البعثة النبوية بقليل وقضى معظم سنوات عمره فى الإسلام، ولقد كف بصره حين تقدم به العمر وشارفت حياته على الانتهاء ولا يمكن أن تكون وفاته قد حدثت قبل سنة ٦٤ هـ، هذا إذا اعتبرنا الأبيات الشعرية التى يذكر فيها كرم استقبال عبد اللَّه بن الزبير له فى مكة، وعلى الرغم مما يحتمل من اعتناقه هو وقبيلته الإسلام قبل دخول الرسول ﵊ مكة ولكن يظهر أنه لم يساهم فى الحروب، بالإضافة إلى أن شعره قل أن يعكس الموقف الذى ترتب على قيام هذا الدين الجديد الذى قل أن يذكره إلّا عرضًا، يضاف إلى ذلك أن المادة المستفادة من ترجمته ضئيلة وهى تتعلق أساسًا بحياته الخاصة، ونسائه وبناته اللاتى يعترهن من سقط المتاع، وعلى الرغم من أنه كان يلازم الاقامة فى ضيعة له لا تبعد كثيرا عن المدينة المنورة، وعلى الرغم أيضًا من أنه كان يؤثر أن يعيش العيشة البدوية التى كان عليها فى مهبط رأسه إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يزور البصرة بين أن وآخر، والتقى فى البصرة بالفرزدق كما يقال وتزوج امرأة من قبيلته وأخرى من الشام، وكتب شعرا فى مدح لبعض الشخصيات الإسلامية ورثاء البعض الآخر منهم عبيد اللَّه بن العباس وعبد اللَّه بن جعفر وعاصم بن عمر بن الخطاب وسعيد بن العاصى ملتزما فى ذلك بالأسلوب التقليدى العربى، وعلى الرغم مما يظهر من أن ابن سلام وابن قتيبه كانا يجهلانه إلا أنه معدود من الشعراء الموهوبين، واعتبره معاوية فى مرتبة ابن قبيلته زهير بن أبى سلمى والواقع أن شعره يتضمن عبارات ذات مغزى أخلاقى، ولم يبرز اسمه فى قوائم الدواوين التى جمعها الرواة الأقدمون، إلا أن ب. شوارتز اكتشف فى مكتبة الإسكوريال بمدريد مخطوطة غير كاملة وعليها شروح وتعليقات وقد

стр. 9329

طبعت مع مقدمة مفصلة عن الشاعر واصدرها فى ليبزج ١٩٠٣ م، ثم قام كمال مصطفى بإعادة طبع نسخة "شوارتز" بعد أن أضاف إليها بعض الاضافات وأسقط منها أشياء وسماها "معن بن أوس، حياته وشعره وأخباره" وطبعها بالقاهرة سنة ١٩٢٧ م وتزداد هذه المجموعات ضخامة إذا ما استعنا بالمصادر الحديثة ولقد ترجم "ريشر" ديوان معن بن أوس ونشره فى استانبول سنة ١٩٥٦ - ١٩٥٨ م، كما نشر النواوى دراسة عن معن بن أوس المزنى - فى مجلة المجمع العلمى الهندى سنة ١٣٩٦ هـ (= ١٩٧٧ م)، كما صدرت حديثًا طبعة جديدة للديوان اعتمدت على طبعة كمال مصطفى مع ملحق أدبى. . إلخ. وقام بنشر ذلك عمر محمد سليمان القطان بجدة سنة ١٩٨٣ م وسماها شعر معن بن أوس المزنى (وهو يتضمن سبعة وأربعين قصيدة ومقطع). راجع أيضًا البيان والتبيين للجاحظ، والبخلاء له أيضًا طبعة الحاجرى، والحماسة لأبى تمام، وحماسة البحترى، والأغانى للأصفهانى، والنقائض (طبعة بيغان)، والآمالى للقالى، وكتاب الصناعتين للعسكرى، زهر الأداب للمصرى، ومعجم المرزبانى، والإصابة لإبن حجر رقم ٨٤٥١، والخزانة للبغدادى، ومعجم البلدان لياقوت، ولكن الهميان للصفدى. [م. بليسنر M. Plessner و S. Pellat] معن بن زائدة مَعْن بن زائدة أبو الوليد الشيبانى، أحد القواد الحربيين والولاة الذين ظهروا فى أخريات العصر الأموى ومستهل زمن بنى العباس، ويرجع أصله إلى أشراف قبيلة شيبان ويرجع الفضل فى ظهوره إلى اهتمام يزيد بن عمر بن هبيرة به، وكان ابن هبيرة آخر والٍ أموى للعراق وقد حارب ضد الجيوش العباسية المتقدمة حين بلغت العراق سنة ١٣٢ هـ (= ٧٤٩ م) ويقال إنه كان على يده مصرع قائد عسكر العدو قحطَيَة بن شبيب، وقد انضم إلى مولاه ابن هبيرة فى دفاعه عن "واسط" وكان أحد القواد القلائل الذين نجوا من الإعدام وربما كان ذلك راجعًا إلى أنه

стр. 9330

كان بالكوفة حينذاك حيث أعلن ولاءه للسفاح، ومن ثم فقد ظل مختفيا حتى كانت ثورة "الراوندية" فى الهاشمية (العاصمة التى تأسست جديدًا) حيث استطاع انقاذ الخليفة من الثوار ومن ثم كان عفوه عنه، ولقد أدرك المنصور قيمة معن بن زاندة كرجل له أتباع كثيرون من قبيلته حتى لقد ولّاه اليمن سنة ١٤٢ هـ (= ٧٥٩ م) وقد استطاع أن يعيد السكينة والهدوء إلى البلاد ولكنه استعمل الشدة فى سبيل تحقيق ذلك، حتى إذا كان عام ١٥١ هـ (= ٧٦٨ م) استدعته بغداد وأرسلته إلى "سيستان" فى مهمة أخرى صعبة، وهنا كان اصطدامه بالخوارج المحليين الذين أنزل بهم الهزيمة فى ميدان القتال ولكنهم نجحوا فى قتله فى مشتاه فى مدينة "بَسْت" إذ تنكروا فى زىّ فعلة وعمال وذلك سنة ١٥٢ (= ٧٦٩ - ٧٧٠ م). ولقد خلّف معن وراءه ما لا يقل عن أربعة أبناء، إلا أن وظيفته فى البلاط العباسى ظلت باقية فورثها ابن أخيه يزيد بن مزيد الشيبانى الذى تابع هو الآخر قتاله ضد الخوارج. وقد ذاع صيت معن فى الأدب العربى والأخبار بأنه كان مقاتلًا فظا شديد المراس، وإن اشتهر أيضًا بكرمه البالغ وشدة رعايته للشعراء لاسيما مروان بن أبى حفصة الذين رثاه بمرثية بليغة مشهورة. المصادر: (١) بالإضافة إلى ما ورد لدى: ابن الكلبى: الجمهرة. (٢) البلاذرى: فتوح البلدان، تحقيق M.J.de Goeje ليدن ١٨٦٦ م. (٣) المسعودى: مروج الذهب، باريس ١٨٦١ - ١٨٧٧ م. (٤) ابن خلكان: وفيات الأعيان، تحقيق F. Wustenfeld جوتنجن ١٨٣٥ - ١٨٥٠ م. بدرية الدخاخنى [هـ كيندى H. Kennedy] المعنيون معن (بنو معن) قبيلة عربية من زعماء إقليم الشوف الدرزى الواقع فى الأجزاء الجنوبية من جبل لبنان، وقد كان لهم شهرة سياسية ذائعة

стр. 9331

الصيت فى بلاد الشام خلال القرنين العاشر والحادى عشر للهجرة (السادس عشر والسابع عشر الميلاديين). وليس من الواضح أصل بيت معن، وليس لما يذكره المؤرخون اللبنانيون أساس يمكن الاعتماد عليه ولعل أول معنى لا يرقى الشك إلى وجوده التاريخى هو فخر الدين عثمان بن الحاج يونس المتوفى سنة ٩١٢ هـ (١٥١١ م)، ولقد أصبح قُرّقماز بن يونس بن معن (الذى قد يكون ابن يونس) مقدمًا فى الشوف سنة ٩٢٢ هـ (= ١٥١٦ م) وذلك حين فتح العثمانيون بلاد الشام ومصر، كذلك اشتهر فى هذه الحقبة اثنان على الأقل من آل معين أحدهما هو علم الدين سليمان والآخر زين الدين (المعروف بلقبه من غير اسمه) وكان هذان الرجلان من كبار وجوه الشوف أو ذاك وبينما كان "المعنيون" فى القرن العاشر والحادى عشر يقصد بهم قرقماز وذريته فإننا نرى أن آل "علم الدين" منافس بيت قرقماز حينذاك كانوا من ذرية المعين من أولاد علم الدين سليمان ولسنا نعرف الكثير عن سيرة "قرقماز بن معن" إلا ما هو جار على الألسن من أنه كان يقيم فى قرية "الباروك" سنة ٩٣٤ هـ (= ١٥٢٨ م) وانغمر انغمارًا كليًا فى المنازعات السياسية للفرق المتنافرة بالجبل، وثمَّ قرقماز آخر (ربما كان حفيد الأكبر) مات سنة ٩٩٣ هـ (= ١٥٨٥ م) وقت أن كانت القوات العثمانية تهاجم المناطق الدرزية، وقد خلف قرقماز هذا ولدين هما فخر الدين ويونس أما أولهما سنة (١٠٤٤ هـ/ ١٦٣٥ م)، والاعتقاد السائد أنه كان أكبر الأخوين وقد أصاب نجاحًا سياسيًا جعله شخصية بارزة فى أحداث الشام السياسية خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن السابع عشر. ولقد تدرج فخر الدين فى سلم الوظائف فبدأ من أصغرها كمقدم وملتزم عثمانى فى الشوف حتى بلغ فى سنة ١٠١١ هـ (= ١٦٠٢ -

стр. 9332

١٦٠٣ م) وظيفة سنجق باى صيداء وبيروت وصفد تحت رياسة "بيلربيه" دمشق وكان قد تملك بيروت مع الأجزاء الجنوبية من إقليم كِسْروان ثم شمالا حتى نهر الكلب وذلك سنة ١٠٠٦ هـ (= ١٩٥٨ م)، فلما كانت سنة ١٠١٤ هـ عم نفوذه كل كسروان، ومن هنا شارك فى تمرد على جانبولاد باشا المنتصب لحلب وذلك حين قدم لمساعدته بيلر باياى طرابلس ودمشق، ولقد أدى هذا العمل من جانبه إلى إثارة الشكوك فيه من جانب الباب العالى لأول مرة. ولما أصبح فخر الدين صاحب الأمر والنهى فى هذا السنجق فقد جعل صيداء محل إقامته وجند جيشًا من المرتزقة اللافنديين والعثمانيين الذين وكل إليهم حراسة الحصون الصليبية القديمة الموجودة فى إقليمه وأعاد ترميمها لاستعمالها فى أغراضه الحربية، وحدث فى سنة ١٦٠٨ م (= ١٠١٧ هـ) أن توصل إلى عقد اتفاق مع مديتشى صاحب تسكانيا الذى كانت له أطماع فى الشام فى ذلك الوقت مما زاد فى تزايد الشكوك العثمانية ضدَّه حتى أن العثمانيين هاجموه سنة ١٠٢٢ هـ (= ١٦١٣ م) فلم يجد فخر الدين بدا من الفرار ففر إلى تسكانيا لكن أذن له بعد ذلك بالعودة إلى وطنه فعاد سنة ١٠٢٧ هـ (= ١٦١٨ م) ليشغل وظيفته السابقة "سنجق باى صيداء وبيروت وصفد" واستطاع فى خلال السنوات التالية أن يقضى على جميع كبار خصومه فى كل ناحية، وكان ذلك أولًا بعون عثمانى ورضا من العثمانيين، حتى دانت لإشرافه معظم نواحى الريف فى الشام على أن العثمانيين مالبثوا أن خافوا تزايد بأسه فجهزوا حملة ضده سنة ١٠٤٢ هـ (= ١٦٣٣ م)، وسرعان ما انهارت قوته أمام الهجوم العثمانى عليه، وقتل ولده البكر على فى ساحة القتال ووقع بقية أولاده فى قبضة العثمانيين فساقوهم أسرى إلى استانبول وكان ذلك سنة ١٠٤٥ هـ (= ١٦٥٣ م)، بل إنه هو

стр. 9333

ذاته مات مخنوقَا فى تلك السنة مع ولده منصور، أما أصغر أولاده وهو حسين معن زاده فقد عاش بعده ليصير حاجب السلطان والسفير العثمانى له بالهند، وحسين هذا هو المصدر الذى أمد المؤرخ العثمانى "ناعيما" بما أودعه فى تاريخه، كما أنه ألف كتابا فى الأدب سماه "كتاب التمييز". أما فى الداخل فقد خلف فخر الدين أحد أبناء أخوته واسمه مُلحم الذى كانت مطالبه السياسية فى الشوف (أراضى صيدا الزراعية) وغيرها من أقاليم الدروز (الغرب وجُدْد ومتن فى ريف بيروت) قد وجدت منافسًا فى آل علم الدين الذين يرجح أنهم كانوا من ذرية علم الدين سليمان بن معن، وكثيرا ما استولى ملحم هذا على سنجق صفد أو سنجق البطرون الذى كان فى "ايالة" طرابلس، فلما مات سنة ١٠٦٨ هـ (= ١٦٥٨ م) خلفه ولد له اسمه "أحمد" الذى نجح فى إخراج آل علم الدين من مناطق الدوز وكسروان سنة ١٠٧٨ هـ (= ١٦٦٧ م) وأقام نفسه مكانهم باعتباره ملتزم الناحية بالإضافة إلى بيلر بيه صيداء (التى صارت أياله منذ سنة ١٠٧٠ هـ (= ١٦٦٠ م)، وظل فى هذه الوظيفة ثلاثين عامًا مستمرة من ١٠٧٨ هـ حتى ١١٠٨ هـ = (١٦٦٧ - ١٦٩٧ م) وأصبح لأحمد معن فى الواقع الفضل فيما صارت الناحية به من الاستقلال الذاتى الذى استمر حتى القرن التاسع عشر ولقد انقطع بموت أحمد معن نسله من المذكور وانتقل الالتزام إلى ابن أخته بشير شهاب (١١٠٩ - ١١١٨ هـ = ١٦٩٧ - ١٧٠٦ م) ثم إلى حفيده الكبير (ابن اخته) حيدر شهاب، وهم من زعماء المسلمين السنة من وادى التيم فيما وراء لبنان، على أن آل علم الدين رفضوا تولى شهاب هذا واستعملوا فى ذلك التآمر تارة والهجوم العسكرى تارة أخرى حتى دارت عليهم الدائرة فى ميدان الحرب وقتلوا عن آخرهم سنة ١١٢٣ هـ (= ١٧١١ م).

стр. 9334

لقد أصبح بنو معن فى جمهورية لبنان الحديثة اسطورة وطنية كما أصبح موقفهم كملاك لإقليمهم الجبلى فى الجنوب اللبنانى كملتزمين للدولة العثمانية، ركنا لإقامة دولة لبنان الحديثة، وأصبح الناس ينظرون إلى فخر الدين على وجه الخصوص كبطل قومى لبنانى على الرغم من أن لبنان كانت فى عهده لا تعدو أن تكون تعبيرًا جغرافيًا ولقد كانت انجازات بنى معن الفعلية ذات طابع خاص يختلف عن كل طابع آخر ذلك أن سيطرة فخر الدين وخلفائه المعنيين إقليم كسروان الذى كان من قبل فى قبضة المارون إلى جانب سيطرتهم على الأقاليم الدرزية فى الشوف وغرب ومتن (وهى السيطرة التى جاءت عن طريق الصدفة وليست عن طريق أفول هذه السيطرة) وضعت أساس التعايش السياسى بين المارونيين والدروز فى سنجق بيروت صيداء (الذى أصبح بعد سنة ١٦٦٠ م شطرا من ابالة صيداء)، هذا التعايش الذى أصبح دوره هو الاستقلال الذاتى الذى صار هذا منه يتمتع به فى الأزمنة العثمانية التالية. لقد أدى تشجيع المعنيين لإنتاج الحرير وحماية التجار الأجانب لأن يتمتع بلدهم برخاء نسبى لم تفرق الأجزاء الريفية الأخرى من بلاد الشام فى العهد العثمانى راجع عن ذلك كله مخطوطة تراجم الأعيان من أبناء الزمان (فى. .) لحسن البيرونى، وتاريخ الأزمنة لاسطفان الدويهى ولطف السمر وقطف الثمر من تراجم الطبقة الأولى من القرن الحادى عشر لنجم الدين محمد الغزى، وتاريخ حمزة بن سبا، مخطوط بمكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت، وكتاب سل الصارم على أتباع الحاكم بأمر اللَّه (بالتيمورية رقم ٧٩) لشمس الدين محمد بن طولان وتاريخ الأمير فخر الدين المعنى لأحمد الخالدى (نشره أسد رستم والبستانى ١٩٣٦ م) وخلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر، وجامع الدول لمنجم باشى (مخطوط بتوب كابى سراى) وروضة الحسين

стр. 9335

فى خلاصة أخمار الحافتين لمصطفى نعيمه (استانبول ١٢٨٢ هـ، معادن الذهب فى الرجل المشرفة بهم حلب (مخطوط بالمتحف البريطانى) George Sandys: A relation of a journey an. Qam. ١٦١٠ (Rand, ١٦١٥) المصادر: وردت فى المتن . مروان حسن حبشى [ى. صليبى Salibi] معين المسكين معين المسكين هو معين الدين محمد أمين بن حاخى محمد الفراحى الهروى، ولكنه كان يُنعت بالمعينى (ت ٩٠٧ هـ = ١٥٠١/ ١٥٠٢ م) وكان أحد مشاهير المحدّثين، وقد ظل عاكفًا على دراسة الحديث النبوى الشريف إحدى وثلاثين سنة، وكان خلال هذه الفترة كلها يخطب خطبة الجمعة فى جامع هرات الكبير، وتولى قضاء هرات عامًا واحدًا فقط، ثم تخلى عن هذه الوظيفة بمحض ارادته وبسؤاله الشخصى، ولما كانت سنة ٨٦٦ هـ = (١٤٦١ م) نزل على التماس صديق له وشرع فى تأليف كتاب صغير عن سيرة الرسول محمد ﷺ ، وكان هذا الكُتيّب نواة لترجمة ضخمة ذاع صيتها وعمت شهرتها بلاد الشرق ويسمى "معارج النبوَّة فى مدارج الفتوَّة" ولم يكن قد فرغ من كتابته حتى سنة ٨٩١ هـ (= ١٤٨٦ م) ولكنه يحتوى على تقرير كامل وعرض شامل لحياة النبى ﷺ ويتألف من مقدّمة وأربعة كتب وخاتمة، كما أنه طبع مرات عديدة. وإلى جانب هذا الكتاب الضخم نجد "معينى" وضع تفسيرا للقرآن العظيم اسمه "بحر الدرر" ومجموعة من الأحاديث النبوية عددها أربعون حديثًا شريفًا سماه "روضة الواعظين" كما أن دراسته لتاريخ الأنبياء أسفرت عن مؤلف كبير عن موسى "﵇" اسمه "معجزات موسوى"، ويسمى أيضًا "تاريخى موسوى" أو "قصة موسوى" وقد تم تأليفه سنة ٩٠٤ هـ (= ١٤٩٨ م) وكذلك وضع كتابا ضمّنه قصة يوسف وزليخا وسماه "أحسن القصص". نجلاء فتحى محروس [برثيل E.Berthels]

стр. 9336

المغرب * وهو اسم اطلقه الكُتاب العرب على ذلك الجزء من إفريقيا الذى أطلق الأوربيون عليه "بلاد البربر" أو "إفريقيا الصغرى" ثم شمال إفريقيا، وهى البلاد التى تشتمل على: طرابلس الغرب، وتونس، والجزائر ومراكش. وكلمة مغرب اسم مكان تعنى جهة الغرب، وهى، عكس المشرق التى هى بدورها اسم مكان (مشرق الشمس)، ولكن التسمية عمومًا، كما أورد ابن خلدون، تُطلق اصطلاحًا على هذه المنطقة خاصة. وقد اختلف الكتاب فى تحديد حدود المنطقة المعروفة بهذا الاسم. فبعض كُتاب المشرق (مثل المقدسى) لا يكتفى بأن يكون المغرب هو شمال إفريقيا فحسب بل يضم إليه صقلية وأسبانيا (الأندلس)؛ لكن معظم الكُتاب يقصرون (تسمية المغرب على بلاد البربر). ومن ناحية أخرى، فهم يتفقون بصدد حدودها الشمالية والغربية والجنوبية. ومن الشمال يحد بلاد المغرب البحر المتوسط. ومن الغرب فهى تمتد إلى المحيط الأطلنطى، وإلى الجنوب فهى تمتد (ابن خلدون) إلى حدود الرمال المتحركة التى تفصل بلاد البربر عن "أرض الزنج" وحتى منطقة حماده الجبلية. وقد تنضم إلى الحدود الجنوبية بعض مناطق مثل: بودا، تامنتيت، جورارا، غدامس، فزان وودَّان. وبالنسبة لحدودها الشرقية، فبعض الكُتاب يجعلونها تمتد إلى بحر القلزم (البحر الأحمر) شاملة، إضافة لبلاد المغرب الأصلية: إقليم برقة ومصر. وبعض الكُتاب، الذين أخذوا برأى أبى الفدا، رأوْا حدودها تتطابق مع الحدود الحالية لمصر من الواحات حتى العقبة الكبيرة بين برقة والأسكندرية. ولا يقبل ابن خلدون هذا التحديد، لأنه يقول، أن أهل المغرب لا يعتبرون مصر وبرقة تكون جزءًا من بلادهم، وأن بداياتها فيما يرى ابن خلدون -إقليم طرابلس من ناحية الشرق، ويقسم ابن حوقل المغرب

стр. 9337

إلى جزئين: المغرب الشرقى؛ من حدود مصر حتى زويلة فى طرابلس، والمغرب الغربى من تلك المنطقة إلى السوس الأقصى، لكن التقسيم المقبول عمومًا هو تقسيم المغرب إلى ثلاثة أقسام: أفريقية، والمغرب الأوسط، والمغرب الأقصى. وفى الوقت الحالى، لازال لفظ المغرب يُطلق على مُراكش، أو المغرب الأقصى، ويُطلق على الاتحاد السياسى لدول شمال أفريقيا -اسم المغرب الكبير. المغرب، المملكة المغربية. مملكة فى شمال إفريقيا تسمى بالفرنسية Maroc وبالإنجليزية Morocco وبالأسبانية Marruecos، وجميعها أشكال محوَّرة لاسم مراكش الذى أطلق على الحاضرة الجنوبية للملكة. ١ - جغرافية المغرب تحتل المغرب الجانب الغربى من بلاد البربر؛ وهى تطابق المغرب الأقصى عند الجغرافيين العرب، وهى تقع ما بين خطى طول ٥ و ١٥ غربى جرينتش وبين خطى عرض ٢٨ و ٣٦ شمال خط الاستواء. ومساحتها تتراوح ما بين ٥٠٠.٠٠٠ و ٥٥٠.٠٠٠ كم ٢. ويحدها من الشمال البحر المتوسط، ومن الغرب المحيط الأطلنطى ومن جنوب الصحراء. وتمتد من الجانب الشرقى إلى هضبة وهران. والحدود التى تفصلها عن الجزائر معرفة ومحددة فقط فى جانبها الشمالى. والتكوين الجيولوجى للمغرب تكوين معقد بعض الشئ. فسطحها الشمالى جبلى يتكون من سلاسل جبلية وهضاب. وبالمغرب سلسلتان من الجبال هما جبال الريف وجبال أطلس. . وجبال الريف هى تكملة من الجانب الآخر لمضايق جبل طارق، أما جبال أطلس فهى تكون العمود الفقرى للمغرب. ونتيجة للتوجه المائل لجبال الأطلس الوسطى. وابتعادها تدريجيًا عن الساحل، نجد السهول، التى تحتل فى المغرب مكانة مهمة عن غيرها فى باقى بلاد البربر، تقع أساسًا على جانب الأطلنطى. وهى تتكون من سلسلتين إحداهما تمتد بميل من مصب نهر تنسيفت إلى مصب مولوية، والأخرى

стр. 9338

تمتد إلى سفح الأطلس الأعلى (حوز مراكش) وتنتهى عند قلب الأطلس الأوسط. ٢ - تاريخ المغرب المغرب قبل الإسلام: من المحتمل أن تكون بلاد المغرب قد استوطنها أُناس، مثل بقية أجزاء شمال إفريقيا، منذ عهد موغل فى القدم. . وليست لدينا على أية حال معلومات عن أوائل من سكنوها، لكننا نفترض بأن سكانها الأول فى الغالب قد تكونوا من عناصر مهاجرة من جنوب أوربا، ومن الصحراء الكبرى وربما من مصر. ولقد أطلق الكُتاب القدامى على هؤلاء المهاجرين إلى المغرب اسم الليبيين أو البربر moors، وهم أجداد البربر الحاليين. وأول الحقائق المعروفة والمؤكدة، هى ظهور الفينيقيين فى القرن ١٢ ق. م على سواحل المغرب. ولقد قام البحارة من صور وصيدا ببناء وكالات تجارية هناك، حيث كانوا يتبادلون البضائع ذات الأصل الشرقى بالبضائع المنتجة محليًا (ماشية، أصواف، جلود حيوانات وعبيد). لكن النفوذ الفينقى قد شملها أساسًا خلال حكم قرطاجة حين أصبحت حاضرة إمبراطورية بحرية كبرى. ولقد قام القرطاجيون بإعادة بناء الوكالات التجارية وأضافوا عليها وكالات جديدة. وفى منتصف القرن الخامس، قام هانو Hanna ببناء سبع مستوطنات على ساحل الأطلنطى كانت واحدة منها عند مصب نهر سبو Sebou. ولم يكن يبدو أن قرطاجة كانت ترغب فى مد سلطانها إلى المناطق الداخلية فى المغرب وكانت قانعة بعقد معاهدات مع الرؤساء وبتجنيد مرتزقة من الإقليم. وظلت المغرب مراكش مستقلة عن قرطاجة، لكن القبائل التى سكنتها لم تكن تنتظم فى ولايات، فيما عدا فى الشرق، حيث ذكر المؤرخون القدامى وجود مملكة موريتانيا، أثناء الحروب البونية، والتى كانت تمتد على ضفتى نهر ملوية. ولم يؤدى دمار قرطاجة وإمبراطوريتها إلى تغير فى أحوال

стр. 9339

المغرب. فلمدة قرنين من الزمان لم تستحوذ روما إلا على "مقاطعة إفريقية" واحللتها إحتلالًا مباشرًا وتركت باقى الأقاليم البربرية فى أيادى الزعماء المحليين تحت حماية متعسفة إلى حد ما. ولقد شارك شمال المغرب فى ضم مملكة موريتانيا لروما سنة ٤٢ م. ولقد شكلت المنطقة الممتدة من ملويه إلى المحيط جزءًا مما عرف باسم موريتانيا تنجتانا Mauritania tingitana يحكمها وكيل مقاطعة رومانى. ولم تكن المغرب الرومانية تشكل أكثر من جزء بسيط من المغرب (مراكش) الحالية. فهى على ساحل الأطلنطى، تمتد أسفل مصب نهر بورقراق Bu Ragrag، وفى الداخل إلى سلاسل ذرهون. ولم تخضع لسيطرة روما مناطق الهضبة وسهول الأطلنطى العليا وجبال الريف وأطلس الوسطى والعليا. والصحراء. وتظل الحملة التى قام بها "سوتونيوس بولينيوس" Svetonivs Paulinusc سنة ٤١ م وتوغله إلى وادى جير Gir كحادثة فردية ليس لها نتائج فعلية. وحتى تدافع روما عن نفسها ضد ثورات رعاياها ولحماية القطر من غارات البربر، احتفظت فى طنجة بقوة قوامها ١٠.٠٠٠ رجل، وبنت طرفًا إستراتيجية وقلاعًا حصينة على جوانب مثلث: سلا، زرهون، طنجة. ولقد كانت كل المدن التى بناها الرومان فى المغرب مدنَا ساحلية، عدا مدينة "فيلبوبوليس" Volubilis التى كانت مركزًا للثقافة الرومانية فى البلاد؛ فى كانت قاعدة عسكرية. ولقد ارتقت مدن نيكسوس وطنجة، تحت حكم الرومان، ووصلت إلى مرتبة مستعمرة، كذلك ارتقت مدينة سبته. ولقد أحرزت هذه المدن رخاءً وازدهارًا بسبب تجارتها مع أسبانيا، التى كانت تصدر إليها الزيت والقمح، أهم غلتين رئيسيتين ينتجهما الإقليم. وعلى العموم، فقد كان نفوذ الرومان على المغرب نفوذًا سطحيًا وخلف تأثير، قليلًا. لقد انهار الحكم الرومانى للمغرب، فجاة، مع بداية القرن الخامس الميلادى، بسبب عدم سيطرة الرومان على الإقليم

стр. 9340

سيطرة كافية، فضلًا عن توارث المواطنين والصراع القائم بين الدوناتيين، Donatists والأرثوذكس. ولقد قدمت قبائل الوندال (الفندال) الجرمانية من أسبانيا إلى المغرب سنة ٤٢٩ م واحتلت بدون مقاومة تنجتانا Tingtana لكنهم أعادوها للرومان بعد ذلك بسنوات قلائل. على حكم الرومان به. وبعد ذلك تلاشى حكم الإمبراطورية الرومانية الغربية واستغل أهل البلاد هذه الفرقة فنعموا بالاستقلال. لقد اكتفى البيزنطيون، الذين قضوا على مملكة الوندال فى القرن السادس الميلادى، بالإستيلاء على معقلى سبته وطنجة، وتركوا باقى المغرب فى يد قبائل البربر. وكان البربر قد تقسموا إلى قبائل عديدة، كانت أهمها قبيلة غُمارة، على ساحل البحر المتوسط، وقبيلة برغواطة على ساحل الأطلنطى بين مضيق جبل طارق ومصب نهر سبو، وقبيلة مكناسة، فى الإقليم الأوسط، وقبيلة مصمودة على المنحدرات الغربية لأطلس العليا وعلى الساحل من سبو إلى السوس، وقبيلة هسكورة بين السوس ودرعة، وقبيلة لمطة ولمتونة على الضفة اليسرى لدرعة. وهؤلاء البربر جميعهم من الأصل الصنهاجى، وقد اعتنق بعضهم المسيحية أو اليهودية، لكن الغالبية ظلت تدين بعبادة مظاهر الطبيعة، وأدى الفتح الإسلامى إلى اعتناقهم الإسلام. قدوم الإسلام: ظهر العرب فى المغرب الأقصى عند نهاية القرن الأول الهجرى/ السابع الميلادى. وتحكى الروايات أن سيدى عقبة بن نافع، مؤسس مدينة القيروان سنة ٦٥ هـ/ ٦٨٤ - ٦٨٥ م قد قام بحملة على المغرب وصلت به إلى سواحل المحيط الأطلنطى. لكنها كانت غزوة عابرة -وقتها- لم تترك وراءها أثرًا حاسمًا وفى بداية القرن التالى، استولى موسى بن نصير على طنجة بعد أن أنهى غزو إفريقية وأقام حاكمًا هناك وشرع فى فرض السيطرة ودعا الأهالى للإسلام. ونجح فى ذلك دون عناء كبير. وتطوع البربر فى الجيوش الإسلامية

стр. 9341

التى قامت بغزو أسبانيا. لا أن البربر لم يكونوا -فى بعض الأحيان- على وفاق مع العرب. فلقد ثاروا على هذا الحكم بسبب غمطهم حقهم فى الأراضى المنتزعة من أيدى المسيحيين فى شبه الجزيرة الأيبيرية، كذلك بسبب سخطهم على الولاة العرب، فشاركوا فى حركة ميسرة ١٢٢ هـ/ ٧٤٠ م. ولقد كانت هذه الثورة ذات طابع سياسى وطابع دينى فقد ادعى الخلافة. وبنفس الاستعداد الذى تقبل البربر به الإسلام تقبلوا أيضًا دعوى الخوارج التى جاءتهم من الشرق، وتعاليمهم التى نادت بحقهم فى تولى الخلافة كالعرب تمامًا. ولقد هُزم الجيش الذى أُرسل من سوريا لقمع هذه الثورة على ضفاف السب فى موقعة بقدورة سنة ١٢٤ هـ/ ٧٤٢ م وفقد المغرب الأقصى بضربة واحدة تبعية للخلافة وانتشر فيه فكر الخوارج. ولقد انتظمت الإمارات البربرية فى إقليم الريف؛ ولكن لم تكن لواحدة من هذه الإمارات القوة التى تمكنها من فرض سيطرتها على باقى الإمارات أو جعل كل القبائل البربرية تخضع لحكمها. ولقد بدأ لبعض الوقت كما لو كانت دولة الأدارسة التى قامت فى المغرب على وشك أن تلعب هذا الدور. فلقد فرض إدريس الأول ومن بعده إدريس الثانى خليفة، حقيقة سيطرتها على الجانب الأكبر من قبائل المغرب الأقصى الشمالية وقد مدت حملاتهم الناجحة نفوذهم ومملكتهم من شواطئ البحر المتوسط إلى أطلس العليا ومن الأطلنطى إلى ما بعد تلمسان. وكأبطال غيورين على الإسلام، استطاع الأدارسة نشر الإسلام بين القبائل التى لم تكن قد اعتنقته. ولقد كان شغلهم الرئيسى هو تحويل المغرب الأقصى جميعه إلى الإسلام وقد كانوا فى ذلك أشد عزمًا من العرب الفاتحيين. ومدافعين عن السنة، رغم أصلهم العلوى، فقد قاموا بمحاربة الخوارج بنفس القوة ولكنهم لم ينجحوا تمامًا فى إستئصال أفكارهم. بسبب ذلك حولت الملاحم الشعبية هؤلاء المقاتلين الأشداء إلى أولياء، فأصبح أدريس الأول هو الولى

стр. 9342

الحامى للمرب، وإدريس الثانى الولى الحامى لمدينة فاس. ولقد حقق بناء هذه المدينة نتائج طيبة. فقد أعطى لشمال المغرب مركزًا دينيًا وسياسيًا واقتصاديًا كانت تفتقده منذ انتهاء الحكم الرومانى. وبسبب مكانتها إزدهرة فاس سريعًا. وقاومت كل أسباب التدهور، حتى بعد تداعى قوة الأدارسة. وبالفعل، فقد إنهارت دولة الأدارسة سريعا. ولقد انفضت عنها المجموعات التى اعترفت بسلطة مؤسس دولتها ودخل الأدارسة مع بعضهم البعض. ولقد استفاد من هذه المنافسات كل من فاطمى أفريقيا وأمويى أسبانيا، الذين تنازعوا خلال القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى على تملك المغرب الأقصى. وبمساعدة مكناسة أمويو الأندلس سيطرتهم لكنهم أخُرجوا منها على يد قبيلة مغراوه، الذين تخلى رئيسهم زيرى بن عطية عن تبعته للأمويين، واستولى على فاس، حيث حكمت سلالته هنالك مدة ثلاثة أرباع قرن من الزمان. المرابطون والموحدون: عندما استولى المرابطون على المغرب الأقصى، كان يتألف من ممالك صغيرة مقسمة. ولقد كان أول ما فعله المرابطون هو توحيد المغرب وضم كل أراضيه فى دولة واحدة جنوب جبال أطلس العليا، وفى المنحدرات الشمالية حيث أسس يوسف بن تاشفين فى سنة ٤٥٤ هـ/ ١٠٦٢ م مدينة مراكش، ثم إتجاههم إلى وسط وشمال المغرب. واكتساح كل المدن وسقوطها فى أيديهم: مدن فاس وطنجة والريف وهران ونينيس واختفت ذلك مما لك مفراوه وبرغواطة وبنى يفرن البربرية. وفى أقل من عشرين عامًا، أصبح يوسف بن تاشفين السيد الأوحد للمغرب الأقصى حيت الجزائر. وإلى هذه البلاد الواسعة أضاف المرابطون نصف بلاد أسبانيا. فبعد أن استنجد بهم الأمراء المسلمون الذين كان يتهددهم خطر من قشتاطه، استطاع يوسف بن تاشفين أن يوقف التقدم المسيحى عند الزلاقة ٤٧٩ هـ

стр. 9343

/ ١٠٨٦ م)، ثم يستميل الأمراء الصغار لمصلحته. ونتيجة لذلك، امتدت دولة المغرب عبر مضيق جبل طارق حتى نهر الأبرو وحتى جزر البليار. ولقد كان نجاح المرابطين سريع الزوال مثلما كان نجاحًا باهرًا ولقد تدهور أهل الصحراء بعد اتصالهم بالحضارة الأندلسية. فقد استرخت قوة أولئك السنيون المتشددون بل وأصبح البعض ينظر إليهم ككفرة ليسوا على العقيدة القويمة واعتبرهم البعض من المجسمين -أى الذين يشبهون اللَّه سبحانه فى صورة آدمية فقام المصامدة بقيادة زعيمهم "ابن تومرت" و"عبد المنعم" بالدخول فى صراع مع المرابطين. ولقد انتهى هذا الصراع بإحلال الموحدين مكان المرابطين. وفى خلال سبع سنوات (٥٣٣ - ٥٤٠ هـ/ ١١٣٩ - ١١٤٦ م)، فتح عبد المنعم كل من المغرب؛ سجلماسة، وهران، تلمسان وسبتة، واحدة بعد الأخرى. وتلى ذلك فتح سالى وفاس، وأخيرًا مراكش، التى فتحت أبوابها له بخديعة مرتزقة مسيحيين. كذلك فُتحت الأندلس ماعدا جزر البليار. حتى فى أفريقية فقد فتحت مملكة بنى حماد سنة ٥٤٥ - ٥٤٦ هـ/ ١١٥١ - ٥٢ م. وبعد ذلك بسنوات قليلة (٥٥٤ - ٥٥٥ هـ/ ١١٥٩ - ١١٦٠ م)، قاد عبد المنعم حملة جديدة داخل أفريقية وأمن مركزه فى الداخل والساحل، حيث استولى من النورمان على صقلية الذين كانوا قد احتلوها من قبل. ولقد كانت المغرب الأقصى بالمعنى الصحيح للكلمة إقليما داخل امبراطورية البربر الواسعة. ولقد كان توحيد كل هذه الأراضى تحت حكم حاكم واحد له نتائج مهمة بالنسبة للمغرب، فلقد سهل نشر الحضارة الأسبانية المغربية فى شمال أفريقيا، واستمرارها فى المغرب حتى بعد اختفائها من شبه الجزيرة الأيبيرية نفسها. زيادة على ذلك، فلقد جلب هذا التوحيد إلى المغرب الأقصى عنصرًا عرقيًا جديدًا: وهو عنصر العرب. فلقد قام عبد المنعم بترحيل القبائل الهلالية من وسط المغرب وأفريقية (تونس)، حيث كانوا هنالك يقومون

стр. 9344

بأعمال الشغب على الدوام، إلى سهول أعالى الأطلنطى حيث لحقت بهم جموع عربية أخرى هنالك بمحض إختيارهم. ولقد كانت دولة الموحدين متسعة للغاية، فهى تتضمن مناطق مختلفة فى طبيعتها، وقبائل غير موحدة تحتاج وقتًا طويلًا لتوحيدها. ولقد كان خلفاء الموحدين عاجزين عن كبح جماح الميول الانفصالية التى فرضت نفسها على كل الجوانب. وفى النصف الأول من القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى انهارت دولة الموحدين. وقامت بيوتات حاكمة فى تونس (الحفصيون) وفى تلمسان (بنو عبد الواد). وانتهى المغرب الأقصى بالانسلاخ عن يد سلالة عبد المنعم، الذين حلت مكانهم أسرة بنى مرين فى الحكم. المرينيون: بنو مرين، وهم فرع من بربر زنانة، دفعهم العرب الهلالية غربًا إلى هضبة وهران والى وادى مولويه الأوسط، ودخلوا فى أول الأمر فى خدمة الموحدين، ثم تحولوا ضدهم، حيث بدأت دولتهم فى التدهور والإنحلال. وبإحراز بعض الإنتصارات صاروا سادة على كل شمال المغرب. وبعد موت الخليفة سعيد، نجح قائدهم أبو يحيى (٦٤١ - ٦٥٦ هـ/ ١٢٤٣ - ١٢٥٨ م) فى الإستيلاء على فاس ومكناس والرباط وسجلماسة. ولقد مثل الإستيلاء على مراكش (٦٦٨ هـ/ ١٢٦٩ م) على يد أبى يوسف، خليفة يحيى، الانتصار الأخير لبنى مرين. ولقد حاول المرينيون، ورثة الموحدين أن يستعيدوا دولتهم سابقيهم. وفى أسبانيا، فرضوا سلطتهم على مسلمى الأندلس. وفى أفريقية، حاولوا الإستيلاء على المغرب الأوسط من بنى عبد الواد. ولقد نجحوا، فى إسقاط تلمسان فى أيديهم، بعد محاصرتهم لست مرات خلال ستين عام، وسقوطها على يد السلطان أبو الحسن (٧٤٨ هـ/ ١٣٤٧ م). وبعد ذلك بعشر سنوات، استولى نفس الحاكم على بوجى

стр. 9345

وقسطنطينية وتونس، لكن قبضته على هذه المدن كانت غير مأمونة. وبعد عام واحد تقريبًا من ذلك، هزم العرب أبا الحسن، ووجد نفسه مضطرًا لترك أفريقية، وعاد الحفصيون إلى تونس وبنو عبد الواد إلى تلمسان، بينما ثار ابن السلطان "أبو عنان" ضد أبيه (أبو الحسن) فى المغرب، وبعد أن أحرز السلطة، حاول أبو عنان أن يستعيد مجهودات أبيه. فعاود احتلال تلمسان وتونس، ولكنه لم يستطع الاحتفاظ بهما. فلقد إستعاد الحفصيون وبنو عبد الواد مملكتيهما بعد فترة يسيرة. وكان المرنيون أول حكام مغاربة حقيقيين. وبسبب افتقادهم للمكانة الدينية التى كان عليها سابقوهم، فقد بذلوا جهدهم فى إرساء السلطة الأخلاقية باعتبار أنفسهم دعاة الإسلام فى المغرب. ولقد شكلت طريقة مولاى ادريس فى القرن الثامن وبخاصة القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى أهمية دينية كبيرة استمرت حتى اليوم. وليس هنالك ما يميز حكم هذه الدولة أكثر من تطور الحياة الثقافية والفنية فى المغرب. ولم تجد الحضارة الأسبانية - المغربية إزدهارًا لها فى المغرب فى فترة أكثر من فترة حكم بنى مرين، فلقت إجتذاب الحكام إلى بلاطهم الشعراء، ورجال الأدب والقانون من شبه الجزيرة الأيبيرية والمغرب، ولقد إجتذبت جامعة القيروان بفاس الدارسين من كل بلاد المغرب الإسلامى، ولقد اختار المرينيون فاس، كعاصمة لهم، وبنوا فيها قصورًا ومساجد ومدارس، ولقد كانت فى نفس الوقت مدينة تجارية حيث يلتقى فيها التجار الأفريقيون مع التجار الأندلسيين بالتجار المسيحيين. على أن النصر الخارجى كان خداعًا، فبنى مرين المغاربة لم يكونوا قادرين أبدًا على تنظيم دولتهم على أساس قوى، ولقد كانت سطلتهم المركزية ضعيفة للغاية ولم تنجح فى فرض سيطرتها فى أى مكان. ولقد كانت فرصة إختيار أى سلطان مجالًا للثورة، وقد كان الثوار يجدون باستمرار

стр. 9346

المؤيدين لهم سواء كانوا من العرب أو من البربر، وبسبب ضعفهم فى الداخل لم ينجح بنو مرين فى صد عدوان جيرانهم من الخارج سواء كانوا من المغرب الأوسط أو ضد ملوك غرناطة، فلم يتحمل حكمهم هذه الضربات الخارجية، واختفى المرينيون من على مسرح الأحداث سنة ٨٦٩ هـ/ ١٤٦٥ م بعد إغتيال السلطان على يد أحد الأدارسة الأشراف، وقد حل مكانهم فى الحكم بنو وطاس، الذى شملم رئيسهم السلطة سنة ٨٧٣ هـ/ ١٤٧٠ م ولقد تقسمت بلاد المغرب فى عهد حكم بنى وطاس إلى عدد كبير من المجموعات الصغيرة المستقلة، ممالك فى فاس ومراكش، وجمهوريات بربرية فى الأطلس، وإقطاعيين فى الريف والغرب وودعة والسوس، وقد بات السلطان بلا حول ولا قوة لمنع هذا التحلل. العدوان المسيحى وإحياء الشعور المدينى لدى المسلمين: من بين كل الأسباب التى إنحدرت فى إضعاف أولئك الحكام ونزع الثقة والاعتبار منهم، كان السبب الرئيسى، دون شك، وهنهم أمام الهجوم المسيحى على المغرب، ففى سنة ٨١٨ هـ/ ١٤١٥ م استولى البرتغاليون على سبتة، وفى سنة ٨٦٩ هـ/ ١٤٦٥ م "استولوا على القصر الصغير، وفى سنة ٨٧٥ هـ/ ١٤٧١ م استولوا على طنجة، وبذلك ضمنوا لأنفسهم مركزًا لعملياتهم الحربية فى الشمال بينما باحتلالهم أصيلة وأنفا (الدار البيضاء) أوجدوا لهم موضع قدم على ساحل الأطلنطى وفى أوائل سنى القرن (العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى) بنوا لهم نقاطًا محصنة فى سانتا كروز (أغادير) مازقان وأخذوا صافى وأزمور بقوة السلاح، وبإستيلائهم على كل الأماكن المهمة عدا لاراش، يكونون قد وضعوا تحت رحمتهم كل الأراضى القريبة من الساحل، واجبروا سكانها المحليين على دفع الضريبة لهم وإن يسلموهم النقاط المهمة والاستراتيجية لأطراف مدينة مراكش. ولم يكن لحملاتهم من غرض أكثر من التدمير، ولا من نتيجه سوى

стр. 9347

إسخاط السكان المدينة رأوا مدنهم تدمر، وبيوتهم تحرق، ونساؤهم وأطفالهم يذبحون أو يباعون كرقيق. وكما تعرض المغرب لتهديد من البرتغاليين، تعرض لتهديد أيضًا من المشرق من جانب الأسبان. ولقد كان الأسبان قد انهوا حركة (الاسترداد) بالإستيلاء على غرناطة (١٤٩٢ م). ولذلك كانت لديهم فسحة فى مزيد من الفتح خارج الأندلس، وهم لا يزالون يشتغلون بالحماسة الدينية، فقاموا بمحاربة المسلمين على الأرض الإفريقية، ولقد كان احتلال المرسى الكبير (١٥٠٧ م) ووهران (١٥٠٩ م) وفرض الحماية على مملكة تلمسان قد شكل خطرًا كبيرًا على مسلمى المغرب. ولقد نتج عن التهديد المسيحى إيقاظ الشعور الدينى عند المسلمين وقد كان هذا التهديد، حركة النهضة واليقظة الإسلامية التى حدثت فى المغرب، وظلت قائمة حتى اليوم، وكان للتنظيمات الصوفية فى المغرب دور فى حركة الجهاد هذه. دولة الأشراف السعديين: حظى الأشراف السعديون من نسل السيدة فاطمة، ابنة الرسول [ ﷺ ]، بالمكانة التى ردتها اليقظة الدينية إليهم. وكان هؤلاء الأشراف قد جاءوا من الجزيرة العربية إلى المغرب عند نهاية القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى، واستقروا فى وادى دِرعه، بينما استقر فرع آخر منهم (وهم الأشراف العلويون الحسنيون) فى تافيلالت. ولم يستغرق إحرازهم النفوذ على قبائل الجنوب منهم وقتًا طويلًا. وهكذا تصدروا بشكل طبيعى لمساندة أهل الجنوب، الذين كانوا قد تعرضوا لهجمات البرتغاليين من سانت كروز (أغادير). وفى سنة ٩١٧ هـ/ ١٥١١ م وافق تارو دائب على طلب المسلمين بأن يقودهم لمحاربة المسيحيين وتكفل بذلك. وبدأ الشريف فى إحراز النصر على البرتغاليين بفضل مساعدة المتصوفة الفعالة. ولقد كفلت الحرب المقدسة التى شنت على نحو منتظم لابنيه أحمد الأعرج ومحمد المهدى امتلاك كل جنوب المغرب حتى

стр. 9348

نهر أم الربيع. ولم ينتج عن تدخل السلطان المرينى بالقوة فى الصراع بين الأخوين سوى التعجيل بسقوطه. واستولى محمد المهدى على فاس سنة ٩٥٧ هـ/ ١٥٥٠ م؛ ولقد أحرز الأشراف السعديون نصرًا حاسمًا على المدينيين، بمساعدة أتراك الجزائر حين أحبطوا محاولة المرينيين استعادة حكمهم سنة ٩٦١ هـ/ ١٥٥٤ م. ولقد عنى مجئ السعديين لحكم المغرب بإعادة بنائه وتكوينه. فلقد فرض محمد المهدى وخلفاؤه من بعده سلطتهم على كل البلاد، وقاموا بحمايتها من العدوان الخارجى وقاموا بتوسيع حدودهم بحملات حربية قاصية. ولقد تغلبوا فى النهاية على المصاعب التى اختلقها لهم أتراك الجزائر، وشهدت معركة القصر الكبير سنة ٩٨٦ هـ/ ١٥٧٨ م -تعرف أيضًا بمعركة وادى المخازن- وقف هجوم البرتغاليين المضاد على المغرب. ولقد احتل أحمد المنصور (٩٨٦ - ١٠١٩ هـ/ ١٥٧٨ - ١٦١٠ م) تمبكتو وحطم إمبراطورية أسكيا فى جاو. ولمدة نصف قرن، كان المغاربة أسيادًا على السودان الغربى (غرب أفريقيا)، من ضفاف السنغال حتى برنو، ولقد مكنت الأسلاب التى أحرزتها حملات الفتح هذه، السلطان من الاحتفاظ ببلاط رائع، ماثل هيئة البلاط العثمانى، وتزيين عاصمته مراكش بنصب تذكارية فخمة. وينتمى إلى نفس الفترة أيضًا تنظيم (المخزن). ولقد اعتمد السعديون الأول على مساندة قبائل الجنوب العربية. ولقد أضاف المنصور إلى هذه القبائل قبائل عربية أخرى من مناطق تلمسان ووجدة وكان الفتح العثمانى للجزائر قد دفع بها إلى المغرب. ولقد تسلم هؤلاء (الشراقه) المشارقة، كما أُطلق عليهم، أراض حول فاس مقابل تأديتهم الخدمة العسّكرية. وبدعم الجيش النظامى المكوَّن من عناصر الخوارج والمغاربة الأسبان والزنوج، وتدرب على يد المرتزقة الأتراك، زوَّد (المخزن) السلطان بأدوات حفظ النظام وجباية الضرائب؛ وقد كان هذا الجيش أداة حكومة الأشراف الرئيسية الذى أفضى إلى أن يكون هو الحكومة بذاتها.

стр. 9349

ولقد أثبتت هذه الأداة كفاءتها فى أيدى الحكام النشطين، ولكنها كانت غير ذات تأثير فى يدى الحكام الضعاف وفى أوقات الكوارث. وسرعان ما اكتشف السعديون ذلك، فلقد اندلعت بعد وفاة المنصور من جديد الميول الشقاقية التى كان المنصور قد أوقفها بجهده ولقد أدى الصراع على العرش إلى إنقلاب أبنائه على بعضهم البعض. وقد نجح أحدهم وهو "زيدان" فى الانتصار على منافسيه لكنه لم يستطع أن يحول دون تفكك الدولة. ولقد احتل الأسبان العرائش Larache، وخرجت فاس عن سلطة الأشراف، ولقد قام الأندلسيون فى الرباط وسالى، الذين كونوا ثروات من أعمال الجهاد البحرى، بتكوين دولة مستقلة. وأخيرًا، فإن السعديين برغم أنهم يدينون فى ارتقائهم الحكم للحركة الدينية، وجدوا المتصوفة آنذاك يثورون ضدهم. وبعد أن تخلصوا من الحواجز التى فرضها ارتياب المهدى وخلفاؤه من بعده عليهم، أخذ رجال الطرق الصوفية يفرضون مزيدًا من سيطرتهم على الناس وأسهموا بجهدهم فى هدم سلطة (الشُرفا) السعديين. ولقد أصبحت السوس فى قبضة أحدهم وهو سيدى على؛ وتافيللت تحت السيطرة الأشراف الحسنيين، والغرب تحت سيطرة العياشى، قائد "المجاهدين فى الدين". وفى الوسط تزايدت سلطة زاوية الولاع. ولقد بدا محمد الحجاجى، قائدهم المنتصر على السعديين وعلى العياشى، شريف سالى وفاس، أنه على وشك تأسيس إمبراطورية بربرية جديدة من الأطلنطى إلى ملويه. ولم يستطع السعديون -برغم المساعدة التى قدمها الإنجليز والهولنديون- التغلب على منافسيهم، ولم يتبق آنذاك للسعديين سوى مراكش وضواحيها القريبة. ولقد تُوفى آخر ممثل للبيت السعدى سنة ١٠٧١ هـ/ ١٦٦٠ م، مقتولًا على يد شيخ قبيلة الشبانات. الأشراف الحسنيون: لقد توقف انحلال المغرب بمجئ الأشراف الحسنيين وتوليهم الحكم. ولقد استفادوا من الفوضى التى كانت

стр. 9350

قائمة بالبلاد لفرض سلطتهم فى تافللت، ثم بالحملات التى قادوها لفتح شرق المغرب. ولقد حاول أحدهم وهو مولاى محمد، الاستيلاء على فاس ولكنه لم يوفق فى محاولته. لكن خليفته مولاى الرشيد (١٠٧٦ - ١٠٨٢ هـ/ ١٦٦٤ - ١٦٧٢ م) كان أكثر توفيقًا. فاستولى على فاس، ودمر زاوية الدِلاع، وأعاد فتح مراكش واتخذها عاصمة. وبعد أن فرض هذا البيت حكمه على المغرب بقوة السلاح، رأى أن يكسب إلى جانبه بقية بيوت الأشراف. فأغدقوا على أشراف وزَّان، الذين كانت حمايتهم ضمانًا للحكام أنفسهم. ولقد بدأ مولاى الرشيد العمل وتابعه بنجاح خليفة إسماعيل (١٠٨٢ - ١١٣٩ هـ/ ١٦٧٢ - ١٧٢٧ م). وخلال الخمس عشرة عام الأولى من حكمه، لم يتوقف عن شن حملاته على منافسيه الذين نازعوه الحكم فى نواحى مراكش والسوس وأثناء حربه لأعدائه، انشغل فى بناء جيش يعمل حسب إرادته. ولقد أضاف إلى (المخزن) عنصر عبيد النجارى، وقد كانوا ملكًا للسلطان؛ وقد خدم أبناؤهم خصوصًا فى الخدمة العسكرية. ولقد تزايد عدد هؤلاء فى نهاية عهد حكمه ووصلوا إلى ١٥٠.٠٠٠ رجل. واستطاع السلطان بذلك أن يستعيد طاعة بربر الأطلس وبربر أعالى مولوية له. ولقد بقى هؤلاء بعد أن هُزموا وجردوا من أسلحتهم تحت سيطرة حاميات وُضعت فى (قصبات) بنيت على مخارج الوديان أو مُطلة على خطوط المواصلات. ولقد أخذ السلطان رؤساء القبائل ليعيشوا معه فى بلاطة، الأمر الذى جعل رجال القبائل ينزعون إلى السلم والهدوء. ولقد امتدت بلاد المخزن، أى البلاد التى تدفع الضريبة المنتظمة للسلطان على أهل بلاد المغرب الأقصى. ولم يجعل الهدوء الداخلى مولاى إسماعيل ينسى فرض حكام المسلمين الجهاد على المسلمين لمحاربة الكفار. ولذلك واصل الحرب المقدسة ضد مسيحيى
следующие страницы →