← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9346–9385 · переход к 9351.

стр. 9346

المؤيدين لهم سواء كانوا من العرب أو من البربر، وبسبب ضعفهم فى الداخل لم ينجح بنو مرين فى صد عدوان جيرانهم من الخارج سواء كانوا من المغرب الأوسط أو ضد ملوك غرناطة، فلم يتحمل حكمهم هذه الضربات الخارجية، واختفى المرينيون من على مسرح الأحداث سنة ٨٦٩ هـ/ ١٤٦٥ م بعد إغتيال السلطان على يد أحد الأدارسة الأشراف، وقد حل مكانهم فى الحكم بنو وطاس، الذى شملم رئيسهم السلطة سنة ٨٧٣ هـ/ ١٤٧٠ م ولقد تقسمت بلاد المغرب فى عهد حكم بنى وطاس إلى عدد كبير من المجموعات الصغيرة المستقلة، ممالك فى فاس ومراكش، وجمهوريات بربرية فى الأطلس، وإقطاعيين فى الريف والغرب وودعة والسوس، وقد بات السلطان بلا حول ولا قوة لمنع هذا التحلل. العدوان المسيحى وإحياء الشعور المدينى لدى المسلمين: من بين كل الأسباب التى إنحدرت فى إضعاف أولئك الحكام ونزع الثقة والاعتبار منهم، كان السبب الرئيسى، دون شك، وهنهم أمام الهجوم المسيحى على المغرب، ففى سنة ٨١٨ هـ/ ١٤١٥ م استولى البرتغاليون على سبتة، وفى سنة ٨٦٩ هـ/ ١٤٦٥ م "استولوا على القصر الصغير، وفى سنة ٨٧٥ هـ/ ١٤٧١ م استولوا على طنجة، وبذلك ضمنوا لأنفسهم مركزًا لعملياتهم الحربية فى الشمال بينما باحتلالهم أصيلة وأنفا (الدار البيضاء) أوجدوا لهم موضع قدم على ساحل الأطلنطى وفى أوائل سنى القرن (العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى) بنوا لهم نقاطًا محصنة فى سانتا كروز (أغادير) مازقان وأخذوا صافى وأزمور بقوة السلاح، وبإستيلائهم على كل الأماكن المهمة عدا لاراش، يكونون قد وضعوا تحت رحمتهم كل الأراضى القريبة من الساحل، واجبروا سكانها المحليين على دفع الضريبة لهم وإن يسلموهم النقاط المهمة والاستراتيجية لأطراف مدينة مراكش. ولم يكن لحملاتهم من غرض أكثر من التدمير، ولا من نتيجه سوى

стр. 9347

إسخاط السكان المدينة رأوا مدنهم تدمر، وبيوتهم تحرق، ونساؤهم وأطفالهم يذبحون أو يباعون كرقيق. وكما تعرض المغرب لتهديد من البرتغاليين، تعرض لتهديد أيضًا من المشرق من جانب الأسبان. ولقد كان الأسبان قد انهوا حركة (الاسترداد) بالإستيلاء على غرناطة (١٤٩٢ م). ولذلك كانت لديهم فسحة فى مزيد من الفتح خارج الأندلس، وهم لا يزالون يشتغلون بالحماسة الدينية، فقاموا بمحاربة المسلمين على الأرض الإفريقية، ولقد كان احتلال المرسى الكبير (١٥٠٧ م) ووهران (١٥٠٩ م) وفرض الحماية على مملكة تلمسان قد شكل خطرًا كبيرًا على مسلمى المغرب. ولقد نتج عن التهديد المسيحى إيقاظ الشعور الدينى عند المسلمين وقد كان هذا التهديد، حركة النهضة واليقظة الإسلامية التى حدثت فى المغرب، وظلت قائمة حتى اليوم، وكان للتنظيمات الصوفية فى المغرب دور فى حركة الجهاد هذه. دولة الأشراف السعديين: حظى الأشراف السعديون من نسل السيدة فاطمة، ابنة الرسول [ ﷺ ]، بالمكانة التى ردتها اليقظة الدينية إليهم. وكان هؤلاء الأشراف قد جاءوا من الجزيرة العربية إلى المغرب عند نهاية القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى، واستقروا فى وادى دِرعه، بينما استقر فرع آخر منهم (وهم الأشراف العلويون الحسنيون) فى تافيلالت. ولم يستغرق إحرازهم النفوذ على قبائل الجنوب منهم وقتًا طويلًا. وهكذا تصدروا بشكل طبيعى لمساندة أهل الجنوب، الذين كانوا قد تعرضوا لهجمات البرتغاليين من سانت كروز (أغادير). وفى سنة ٩١٧ هـ/ ١٥١١ م وافق تارو دائب على طلب المسلمين بأن يقودهم لمحاربة المسيحيين وتكفل بذلك. وبدأ الشريف فى إحراز النصر على البرتغاليين بفضل مساعدة المتصوفة الفعالة. ولقد كفلت الحرب المقدسة التى شنت على نحو منتظم لابنيه أحمد الأعرج ومحمد المهدى امتلاك كل جنوب المغرب حتى

стр. 9348

نهر أم الربيع. ولم ينتج عن تدخل السلطان المرينى بالقوة فى الصراع بين الأخوين سوى التعجيل بسقوطه. واستولى محمد المهدى على فاس سنة ٩٥٧ هـ/ ١٥٥٠ م؛ ولقد أحرز الأشراف السعديون نصرًا حاسمًا على المدينيين، بمساعدة أتراك الجزائر حين أحبطوا محاولة المرينيين استعادة حكمهم سنة ٩٦١ هـ/ ١٥٥٤ م. ولقد عنى مجئ السعديين لحكم المغرب بإعادة بنائه وتكوينه. فلقد فرض محمد المهدى وخلفاؤه من بعده سلطتهم على كل البلاد، وقاموا بحمايتها من العدوان الخارجى وقاموا بتوسيع حدودهم بحملات حربية قاصية. ولقد تغلبوا فى النهاية على المصاعب التى اختلقها لهم أتراك الجزائر، وشهدت معركة القصر الكبير سنة ٩٨٦ هـ/ ١٥٧٨ م -تعرف أيضًا بمعركة وادى المخازن- وقف هجوم البرتغاليين المضاد على المغرب. ولقد احتل أحمد المنصور (٩٨٦ - ١٠١٩ هـ/ ١٥٧٨ - ١٦١٠ م) تمبكتو وحطم إمبراطورية أسكيا فى جاو. ولمدة نصف قرن، كان المغاربة أسيادًا على السودان الغربى (غرب أفريقيا)، من ضفاف السنغال حتى برنو، ولقد مكنت الأسلاب التى أحرزتها حملات الفتح هذه، السلطان من الاحتفاظ ببلاط رائع، ماثل هيئة البلاط العثمانى، وتزيين عاصمته مراكش بنصب تذكارية فخمة. وينتمى إلى نفس الفترة أيضًا تنظيم (المخزن). ولقد اعتمد السعديون الأول على مساندة قبائل الجنوب العربية. ولقد أضاف المنصور إلى هذه القبائل قبائل عربية أخرى من مناطق تلمسان ووجدة وكان الفتح العثمانى للجزائر قد دفع بها إلى المغرب. ولقد تسلم هؤلاء (الشراقه) المشارقة، كما أُطلق عليهم، أراض حول فاس مقابل تأديتهم الخدمة العسّكرية. وبدعم الجيش النظامى المكوَّن من عناصر الخوارج والمغاربة الأسبان والزنوج، وتدرب على يد المرتزقة الأتراك، زوَّد (المخزن) السلطان بأدوات حفظ النظام وجباية الضرائب؛ وقد كان هذا الجيش أداة حكومة الأشراف الرئيسية الذى أفضى إلى أن يكون هو الحكومة بذاتها.

стр. 9349

ولقد أثبتت هذه الأداة كفاءتها فى أيدى الحكام النشطين، ولكنها كانت غير ذات تأثير فى يدى الحكام الضعاف وفى أوقات الكوارث. وسرعان ما اكتشف السعديون ذلك، فلقد اندلعت بعد وفاة المنصور من جديد الميول الشقاقية التى كان المنصور قد أوقفها بجهده ولقد أدى الصراع على العرش إلى إنقلاب أبنائه على بعضهم البعض. وقد نجح أحدهم وهو "زيدان" فى الانتصار على منافسيه لكنه لم يستطع أن يحول دون تفكك الدولة. ولقد احتل الأسبان العرائش Larache، وخرجت فاس عن سلطة الأشراف، ولقد قام الأندلسيون فى الرباط وسالى، الذين كونوا ثروات من أعمال الجهاد البحرى، بتكوين دولة مستقلة. وأخيرًا، فإن السعديين برغم أنهم يدينون فى ارتقائهم الحكم للحركة الدينية، وجدوا المتصوفة آنذاك يثورون ضدهم. وبعد أن تخلصوا من الحواجز التى فرضها ارتياب المهدى وخلفاؤه من بعده عليهم، أخذ رجال الطرق الصوفية يفرضون مزيدًا من سيطرتهم على الناس وأسهموا بجهدهم فى هدم سلطة (الشُرفا) السعديين. ولقد أصبحت السوس فى قبضة أحدهم وهو سيدى على؛ وتافيللت تحت السيطرة الأشراف الحسنيين، والغرب تحت سيطرة العياشى، قائد "المجاهدين فى الدين". وفى الوسط تزايدت سلطة زاوية الولاع. ولقد بدا محمد الحجاجى، قائدهم المنتصر على السعديين وعلى العياشى، شريف سالى وفاس، أنه على وشك تأسيس إمبراطورية بربرية جديدة من الأطلنطى إلى ملويه. ولم يستطع السعديون -برغم المساعدة التى قدمها الإنجليز والهولنديون- التغلب على منافسيهم، ولم يتبق آنذاك للسعديين سوى مراكش وضواحيها القريبة. ولقد تُوفى آخر ممثل للبيت السعدى سنة ١٠٧١ هـ/ ١٦٦٠ م، مقتولًا على يد شيخ قبيلة الشبانات. الأشراف الحسنيون: لقد توقف انحلال المغرب بمجئ الأشراف الحسنيين وتوليهم الحكم. ولقد استفادوا من الفوضى التى كانت

стр. 9350

قائمة بالبلاد لفرض سلطتهم فى تافللت، ثم بالحملات التى قادوها لفتح شرق المغرب. ولقد حاول أحدهم وهو مولاى محمد، الاستيلاء على فاس ولكنه لم يوفق فى محاولته. لكن خليفته مولاى الرشيد (١٠٧٦ - ١٠٨٢ هـ/ ١٦٦٤ - ١٦٧٢ م) كان أكثر توفيقًا. فاستولى على فاس، ودمر زاوية الدِلاع، وأعاد فتح مراكش واتخذها عاصمة. وبعد أن فرض هذا البيت حكمه على المغرب بقوة السلاح، رأى أن يكسب إلى جانبه بقية بيوت الأشراف. فأغدقوا على أشراف وزَّان، الذين كانت حمايتهم ضمانًا للحكام أنفسهم. ولقد بدأ مولاى الرشيد العمل وتابعه بنجاح خليفة إسماعيل (١٠٨٢ - ١١٣٩ هـ/ ١٦٧٢ - ١٧٢٧ م). وخلال الخمس عشرة عام الأولى من حكمه، لم يتوقف عن شن حملاته على منافسيه الذين نازعوه الحكم فى نواحى مراكش والسوس وأثناء حربه لأعدائه، انشغل فى بناء جيش يعمل حسب إرادته. ولقد أضاف إلى (المخزن) عنصر عبيد النجارى، وقد كانوا ملكًا للسلطان؛ وقد خدم أبناؤهم خصوصًا فى الخدمة العسكرية. ولقد تزايد عدد هؤلاء فى نهاية عهد حكمه ووصلوا إلى ١٥٠.٠٠٠ رجل. واستطاع السلطان بذلك أن يستعيد طاعة بربر الأطلس وبربر أعالى مولوية له. ولقد بقى هؤلاء بعد أن هُزموا وجردوا من أسلحتهم تحت سيطرة حاميات وُضعت فى (قصبات) بنيت على مخارج الوديان أو مُطلة على خطوط المواصلات. ولقد أخذ السلطان رؤساء القبائل ليعيشوا معه فى بلاطة، الأمر الذى جعل رجال القبائل ينزعون إلى السلم والهدوء. ولقد امتدت بلاد المخزن، أى البلاد التى تدفع الضريبة المنتظمة للسلطان على أهل بلاد المغرب الأقصى. ولم يجعل الهدوء الداخلى مولاى إسماعيل ينسى فرض حكام المسلمين الجهاد على المسلمين لمحاربة الكفار. ولذلك واصل الحرب المقدسة ضد مسيحيى

стр. 9351

الساحل. فأعاد الاستيلاء على المهدية، والعرائش، وأصيلة وطنجة، التى جلى الإنجليز عنها سنة ١٦٨٤ م، لكنه لم يستطع أن يسترد سبتة من الأسبان برغم محاصرتها أو بالأحرى حصارها لمدة سبع عشرة عام متصلة، كذلك لم ينجح فى مغامرته ضد أتراك الجزائر، الذين تقاسموا مع المغاربة تملك سهول شرق المغرب و (قصور) جنوب وهران وقد انتهت حملاته التى وجهها إلى الجزائر بالفشل، وتابع المجرى الأدنى لمولوية ليكون حدًا لإمبراطورية الأشراف. وبرغم عدم توفيق هنا، فإن مولاى إسماعيل يُعد أعظم أمثلة الأسرة الحسنية، وهو المثل الأعلى لكل سلاطين المغرب الذين تولوا حكمه حتى الزمن الحاضر. على أن المغرب ظلت على ما كانت عليه من قبل، أى أنها ظلت تجمعًا لجماعات مختلفة، يعتمد تماسكها على نشاط الحاكم الشخص، الذى يحصّر رعاياه إلى أقصى حد ليحصل على الأموال اللازمة لبناء عاصمته مكناس، وبناء القصور التى شيدها العمال المقهورين من عامة الشعب ومن الأرقاء المسيحيين. ولقد حدث رد فعل عند موت مولاى إسماعيل. فلقد تنازع أبناؤه من بعده فيما بينهم مدة ثلاثين عامًا. ولقد كان السادة الفعليون آنذاك هم عبيد النجارى، الذين كانوا يتحكمون فى اختيار السلاطين وفق هواهم. ولقد أقيم واحد منهم وهو مولاى عبد اللَّه، وأُقيل لست مرات. ولقد نجح فى إحراز النصر على منافسيه باستخدام البربر واستنفارهم ضد العبيد الذين زالت أهميتهم مع الوقت بسبب هزيمتهم فى الحروب. ولم يكن العلاج آنذاك بأحسن حالا من الداء. فلقد كانت هذه الفترة بالنسبة للمغرب فترة بؤس وخراب. ولقد عانت سلطة الأشراف وضعفت بسببها. ولقد نجح مولاى محمد (١١٧٠ - ١٢٠٦ هـ/ ١٧٥٧ - ١٧٩٢ م)، فى إستعادة تلك السلطة. وقد ورث نشاط جده إسماعيل وحماسه، واستطاع أن يستعيد إلى جانبه ثوار البربر، وبإستيلائه على مزقان فى سنة ١١٨٣ هـ/ ١٧٦٩ م حطم آخر بقايا القوة البرتغالية على ساحل الأطلنطى.

стр. 9352

وبعد اقتناعه -من جانب آخر- بأن ضعف السلطة الرئيسية يعود أساسًا إلى نقص الموارد المالية، بذل جهده لتدبير المال بتشجيع التجارة الخارجية. ولقد استن سياسة تجارية، تشتمل على عقد معاهدات تجارية مع الدانمارك والسويد وإنجلترا وفرنسا، وبذل جهده لجذب التجار الأجانب إلى مملكته بتأسيس مدينة موقادور (السويره) لهم فى سنة ١٧٦٤ م، على أن الضرائب الثقيلة، التى فرضتها الدولة بصرامة، أعاقت تقدم هذه السياسة. ولقد ظلت المغرب قطرًا فقيرًا ولم تفتح نفسها -كما كان متوقعا، للتغلغل الأوربى. وظلت كذلك فى اضطراب دائم. ولقد عاشت البلاد فى فوضى سياسية أيام حكم مولاى سليمان (١٢٠٨ - ١٢٣٩ هـ/ ١٧٩٤ - ١٨٢٢ م). وبعد أن إستطاع فى أول الأمر أن يعيد النظام إلى البلاد، كان عليه أن يقضى العشر سنوات الأخيرة من حكمه فى اخماد ثورة البربر فى أطلس الوسطى، وفى إحدى الحملات التى أرسلها وقادها لهذا الغرض وقع فى أيدى الثوار. ولمدة نصف قرن كان التاريخ الوطنى للمغرب سلسلة من الثورات التى بذل الحكام جهدًا كبيرًا فى إخضاعها. ولقد خرجت المناطق النائية وسط البلاد مثل: الريف، تافيللت، فيفيق، وشرق المغرب، عن سلطة وسيطرة المخزن. وفى قلب الإقليم، قطع البربر الإتصالات بين فاس ومراكش، مجبرين السلاطين حين يريدون التحرك من العاصمة إلى مكان آخر أن يقوموا بالتفاف كبير عن طريق الرباط. وزاد تدهور حال الدولة شيئًا فشيئًا وأكثر فأكثر. ولقد أجل مولاى الحسن (١٢٩٠ - ١٣١١ هـ/ ١٨٧٣ - ١٨٩٤ م) انهيارها لسنين قليلة. وقد تشابه حكمه مع حكم مولاى إسماعيل. ولقد استخدم على رأس قوات جيشه سلاح المدفعية، الذى قامت بعثة فرنسية عسكرية بإعادة تنظيمه، فى قصف ثوار القصبة. واستطاع أن يستعيد النظام فى وجدة، وأجبر أهالى السوس على الاعتراف بقواده، وأخضع لطاعته أغادير وزيان، وبذل جهده بإرسال حملاته إلى مناطق البربر

стр. 9353

المستقلة، وفرض نفوذه فى مناطق الصحراء باستعادة سيطرته على قوات. لكنه مات قبل أن يُنهى عمله. المغرب والقوى المسيحية: لقد أصبح الوضع فى المغرب الأقصى زائد الحرج. ذلك لأن مصيره صار موضع اهتمام القوى الأوربية. فلقد زاد هذا الوضع من طمع القوى الأوربية فيه. وبرغم رغبة سلاطين المغرب فى العزلة، إلا أنهم لم يستطيعوا أن يكسروا كل حلقات الاتصال مع أوربا. كذلك كان عليهم أن يحسبوا حسابًا لقرب أسبانيا منهم، التى أقامت خلال ثلاثة قرون "حصونًا" لها على ساحل البحر المتوسط، وللفرنسيين الذين حلوا محل الأتراك فى الجزائر. ولقد تسبب سقوط الولاية القديمة فى الجزائر فى تحطم آمال الأشراف فى التوسع شرقًا. ولقد وجد عبد القادر أتباعًا له بين أهل المغرب الأقصى مما دفع فرنسا إلى شن حرب على المغرب سنة ١٨٤٤ م. ولقد إندحر جيش الأشراف فى معركة إيزلى، وقُصفت موانى طنجة وأغادير. ولكن السياسة الفرنسية وجدت من الحكمة عدم الاستمرار فى الحرب على المغرب فى ذلك الوقت. وظلت العلاقة منذ ذلك الوقت فصاعدًا بين فرنسا والمغرب آمنة، ورغم أن عجز الحكومة المغربية عن حماية حدودها قد جعل القوات الفرنسية تستعرض عضلاتها بإرسال حملات حدودية مثل حملة بنى زناسن (١٨٥٩ م) وحملة وادى قير (١٨٧٠ م). كذلك فإن أسبانيا قررت أن تلجأ للسلاح بسبب الغارات التى كان المغاربة يشنونها على مراكزها وحصونها. ولقد كشفت حملة ١٨٥٩ - ١٨٦٠ م، التى انتهت بانتصار دونيل، عجز العسكرية المغربية. ولقد منحت معاهدة تطوان (١٨٦٠ م) لأسبانيا الاستيلاء على مزيد من الأراضى المغربية، كما فرضت أسبانيا على حكومة الأشراف دفع مليون ريال سنويا. وقد تطلب دفع هذا المبلغ من

стр. 9354

حكومة الأشراف أن تحصل على قرض من لندن بضمان الجمارك المغربية وقبول توجيهات المفوضين الأوروبيين. ولأول مرة، يتدخل الأجانب فى إدارة شئون الدولة الداخلية. ومنذ ذلك الوقت تزايد اتساع ثغرة التدخل الأجنبى. وتعللت القوى الأوربية بفرض الأمن، وإقامة منارة على رأس سبارتل، ذريعة للدخول فى مفاوضات دبلوماسية ولفرض المزيد من التدخل والهيمنة الدولية، فلم تكن الأطماع الأوربية أطماعًا خفية. ولقد صارت المغرب آنذاك هدف صراع حاد لفرض النفوذ عليه، ولقد أرادت إنجلترا أن تحافظ على تفوقها الإقتصادى بالسيطرة على مضيق جبل طارق وأرادت فرنسا أن تؤكد على استحواذها لممتلكاتها فى الجزائر وعلى الطرق المؤدية إلى تذرعت واحات الصحراء التى احتلتها سنة ١٩٠١ - ١٩٠٢ م وتذرعت أسبانيا "بحقوقها التاريخية" وبدأت ألمانيا أخيرًا تستعد لأن تغتنم الفرصة لكسب منافذ لتجارها ومهاجريها. الأزمة المغربية وفرض الحماية الفرنسية: ولم يكن لوضع مثل هذا أن يستمر، وقد عجلَّت حماقات السلطان عبد العزيز بوقوع الأزمة. ولم تعجب أهواء السلطان وانصياعه المفرط لأهواء الأوربيين المسلمين المغاربة. ولقد أقلقت تعديلات السياسة المالية التى أجراها (الترتيب) فى السابق الأهالى دافعى الضرائب إلى أقصى حد. ولقد قامت الثورات فى كل مكان، وثار مطالب بالحكم يُدعى "روجى بو حماره" فى منطقة تازا وهزم جيشًا أرسل لمحاربته. ودون جدوى حاولت فرنسا باتفاقات ١٩٠١ و ١٩٠٢ م أن تنظم أنشطة المخزن ضد الثورات الوطنية. وفى مقابل الاعتراف بالاحتلال البريطانى لمصر، ومنح أسبانيا مجال نفوذ فى شمال المغرب، اعترفت هاتان القوتان بحق فرنسا بالتصرف بما يضمن مصالحها. وسارعت فرنسا بأن عرضت على السلطان خطة إصلاح للإدارة المغربية. ولقد حال تدخل ألمانيا دون تحقيق هذا الإصلاح. وفى يوم

стр. 9355

٣١ مارس ١٩٠٥ م، نزل الإمبراطور وليم الثانى فى طنجه وفى خطبة محركة للعواطف بدأ كأنه مدافع عن استقلال السلطان. وبناءً على نصيحة المندوب الألمانى استجاب السلطان عبد العزيز لعقد مؤتمر دولى لدراسة الإصلاحات المقدمة للمغرب. ولقد انعقد المؤتمر فى الجزائر (١٥ يناير - ٧ أبريل ١٩٠٦ م) وأكد الثلاثة مبادئ لمملكة السلطان، بعدم تجزئة أرض المملكة وحرية المغرب الاقتصادية. ولقد استمرت الاضطرابات، وكذلك تزايدت الأعمال العدائية ضد الأوربيين فى المغرب نفسها وأعمال اللصوصية على الحدود. ولمَّا أصبحت فرنسا غير قادرة على السيطرة على الموقف، أمرت الحكومة الفرنسية سنة ١٩٠٧ م بإحتلال وجدة والدار البيضاء. وفى سنة ١٩٠٩ م أرسلت أسبانيا حملة احتلت سلوان وبعض النقاط الاستراتيجية. خلال هذه الفترة، اندلعت الحرب بين عبد العزيز وأخيه مولاى عبد الحافظ، الذى عين نفسه سلطانًا على مراكش ثم على فاس. وبسبب تأييد الجانب المعادى للأجانب انتصر عبد الحافظ. ولقد اعترفت كل القوى بحكمه، بما فيها فرنسا وأسبانيا، بعد أن تعهد باحترام إتفاق الجزائر، والمعاهدات الدولية وكل الإلتزامات التى تعهد بالتزامها سابقوه. ولقد أعلنت كل من فرنسا وأسبانيا عزمهما على إطالة احتلالهما لأراضى السلطة الشريفة. ولقد اشترط اتفاق ٤ مارس ١٩١٠ م الفرنسى المغربى، واتفاق ١٩ نوفمبر لنفس العام، الأسبانى - المغربى على أن الاحتلال سوف يتوقف بمجرد أن تكون للمخزن قوة كافية لحماية الأرواح والممتلكات. ولقد عجل حرج الموقف بالداخل بحل العقدة. فلم يكن حكم السلطان الجديد أحسن حالًا من حكم سابقيه؛ ولقد أثار سلب الوكلاء المغاربة فى ربيع ١٩١١ م قبائل منطقة فاس العربية والبربرية. وقد التجأ السلطان إلى الفرنسيين طالبًا مساعدتهم بعد أن حوصر فى عاصمته وصار على وشك الاستسلام للثوار. وقرر الفرنسيون أن

стр. 9356

يرسلوا قوة عاجلة لمساعدة السلطان، وقد جاءت العمليات بنتائجها المطلوبة بسب القيادة الشجاعة للجنرال "موانيير" فخلص فاس من خطر الثوار فى ٢١ مايو، وبعد إجراء بعض العمليات الأمنية الضرورية لإقرار الأمن فى المنطقة، عادت الحملة إلى الساحل. ولكن، بينما انزاح الخطر عن الداخل، حدثت تعقيدات غير متوقعة. فقد انتهزت أسبانيا الفرصة واستغلتها لصالحها فى وضع يدها على منطقة النفوذ التى قُررت لها فى إتفاق ١٩٠٤ م، فأقامت نفسها فى العرائش والقصور. وبعد أن شعرت ألمانيا أن اللخطة باتت مواتية، طالبت بدورها بتعويض وأرسلت فى يوليو ١٩١١ م سفينة حربية إلى أغادير وقد أثارت هذه المظاهرة الحربية إزعاجًا كبيرًا فى فرنسا وفى أوربا عامة. وفى النهاية، توصلت الدول المعنية إلى إتفاق سلمى. وبعد أربعة أشهر من المفاوضات الصعبة، وضع إتفاق ٤ نوفمبر ١٩١١ م نهاية لهذا النزاع، وتخلت ألمانيا عن كل أطماع لها فى المغرب واعترفت بالحماية الفرنسية على المغرب. ولقد قبل السلطان المغربى معاهدة ٣٠ مارس ١٩١٢ م التى أقر فيها بالحماية الفرنسية على المغرب ولقد قبل السلطان المغربى معاهدة ٣٠ مارس ١٩١٢ م التى أقر فيها بالحماية الفرنسية على المغرب. ولقد شملت الحماية الفرنسية كل المغرب عدا منطقة النفوذ الأسبانية التى أقرت الوضع الأسبانى بها إتفاقية ٢٧ نوفمبر ١٩١٢ م بينما أصبحت طنجة وضواحيها منطقة دولية. ولقد كان أول نتائج فرض الحماية الفرنسية على المغرب استعادة سلطة الشريف، وسوف يظل اسم الماريشال ليوتى، الذى عُين مفوضًا أعلى وقائدا عاما مقيما، اسمًا ملازمًا لتاريخ المصالحة المغربية. ولقد اصطدم الفرنسيون فى الداخل مع القبائل التى لم تعترف أبدًا بسلطة المخزن فى أى عصر من العصور. كذلك فإن الوضع فى المدن الرئيسية فاس ومكناس ومراكش كان على الدوام مضطربًا. ولقد قام الفرنسيون بإخماد الثورات على كل الجبهات. لكن الهجوم على الريف سنة ١٩٢٥ م، هدد بنسف كل المحاولات الناجحة لإخماد الثورات التى

стр. 9357

وقعت. فلقد ثار زعيم من الريف، هو عبد الكريم الخطابى، الذى جمع حوله عددا كبيرا من قبائل شمال المغرب وأوقع بالأسبان هزائم خطيرة أجبرتهم على إخلاء جزء من الأراضى التى أحتلوها. وبعد أن عبر المنطقة الأسبانية، قام عبد الكريم بغزو وادى ورغة وهدد مدينة فاس. ولقد أوقف زحف عبد الكريم فى الخريف، وقضى عليه فى ربيع ١٩٢٦ م بفضل تعاون القوات الفرنسية والأسبانية فى عمل موحد ضد قوات عبد الكريم. ولقد انتهت المقاومة المتبقية فى الجبال وفى المناطق الجنوبية سنة ١٩٣٠ م. وعلى هذا النحو فإن المغرب خلال الأربعين سنة التى كان لا يزال فيها قطرًا من أقطار العصور الوسطى، أصبح مملكة حديثة جُهزت بشبكة طرق واسعة، وسكك حديد بالكهرباء وموانى بأهوسة عميقة. ولقد سهَّل تدفق المهاجرين الأوربين على العاصمة إحراز النتائج التى تحققت فى كل القطاعات. ولقد شارك بنشاط حوالى ٣٥.٠٠٠ أوربى فى القطاع الفرنسى وحوالى ١٠٠.٠٠٠ فى القطاع الأسبانى فى حياة القطر الإقتصادية وأسهموا على وجه الخصوص فى ازدهار الزراعة، فى الوقت الذى أحرزت فيه المدن تقدمًا سريعًا. وفى نفس الوقت الذى اكتملت فيه التهدئة فى البلاد، بدأ الشباب الذى تعلم فى جامعات العاصمة وفى المنشآت المدنية التى أنشئت فى المغرب نفسها. يناقش قانون ١٦ - مايو ١٩٣٠ م. مما أعطى إشارة لمعارضة السياسة الفرنسية والكفاح من أجل الاستقلال، وخلال الحرب الأهلية الأسبانية، حاربت الفرق المغربية تحت قيادة القائد المنتصر فرانكو؛ ونتيجة لذلك. استفاد سكان المنطقة الشمالية الكثير من العهد الليبرالى الجديد. ولم تكن للحوادث التالية التى وقعت خلال الحرب العالمية الثانية، وبخاصة هزيمة فرنسا واحتلالها سنة ١٩٤٠ م، أى تأثير مباشر خطير، برغم أنها أغرت المجاهدين لتحقيق الاستقلال القومى بمتابعة أنشطتهم بحماس كبير. وشهد عام ١٩٤٤ م إنشاء حزب الاستقلال، الذى ألقى فيه السلطان محمد الخامس،

стр. 9358

الذى اعتلى العرش منذ عام ١٩٢٧ م، خطابًا معاديًا فى طنجه يوم العاشر من أبريل ١٩٤٧ م أقلق السلطات الفرنسية. ولقد فشل تعيين الجنرال جون Jain كقائد عام مقيم والاصلاحات التى تلت ذلك فى إعادة الاستقرار للبلاد. وفى سنة ١٩٥٣ م قررت فرنسا خلع السلطان، ونفيه إلى مدغشقر وإحلال مكانه أمير، أقل تشددًا، وهو مولاى عرفة، وأثار هذا القرار سخط الشعب، وتلته أحداث عنف فى البلاد. ونتيجة لذلك، لم يكن أمام الحكومة الفرنسية سوى إعادة السلطان والقبول بإعلان استقلال المغرب فى نوفمبر ١٩٥٥ م (إعلان سان كلود)، الذى تمت الموافقة عليه فى اتفاق مارس ١٩٥٦ م. وقد حذت الحكومة الأسبانية حذو الحكومة الفرنسية فى اتفاق ١٩٥٦ م، مع استبقائها لاحتلال موانى سبتة ومليلة. وقد وضع إنجاز الاستقلال مصاعب كثيرة أمام السلطات المغربية، التى أُجبرت أول الأمر، بسبب نقص تدريب مواطنيها، إلى استبقاء خدمات آلاف الموظفين الفرنسيين والأسبان، قبل اللجوء لعناصر جديدة لمساعدتها. ولقد استوعب "جيش التحرير" فى القوات الملكية المسلحة، وانسحبت القوات الفرنسية والأسبانية عام ١٩٦١ م، بينما أُخليت القواعد الجديدة الأمريكية. ولقد كان من أوائل اهتمامات السلطان (الذى أخذ لقب ملك سنة ١٩٥٧ م) اختيار مجلس استشارى، حل مكانه سنة ١٩٦٠ م مجلس دستورى اضطلع. بمهمة إعداد الدستور؛ الذى نظَّم البرلمان الملكى الذى ووفق على تشكيله ٧ ديسمبر ١٩٦٢ م. وخلال نفس الفترة، تأسس حزب الاستقلال الديمقراطى، لكن فى سنة ١٩٥٩ م انضم عدد من أفراده مع بعض المستقلين وكونوا "اتحاد القوات الشعبية القومى"، وقوى الاتصال بحزب "الاتحاد المغربى للعمل"، كذلك تأسس حزب "الاستقلال" نتيجة انشقاق نقيب العمال الثورى مهدى بن بركة عن حزب الاستقلال الديمقراطى. ولقد تكونت أول حكومة مدنية فى المغرب من أعضاء من حزب الاستقلال

стр. 9359

وحزب الاستقلال الديمقراطى، ولكن بعد نوفمبر ١٩٥٦ م استُبعد أعضاء الحزب الأخير وصارت الحكومة كلها من حزب الاستقلال. وفى سنة ١٩٦٠ م، أخذ الملك لنفسه رئاسة الوزارة، بمساعدة ابنه الأمير مولاى الحسن، الذى خلفه فى الحكم، بعد ذلك بعام بعد وفاته. وفى الانتخابات النيابية التى جرت عام ١٩٦٣ م، بعد إعلان الدستور، حصل حزب الاستقلال وحزب الاستقلال الديمقراطى، وهما فى جانب المعارضة، على ٤١ و ٢٨ مقعدًا فى المجلس النيابى. وفى ١٦ يوليو من العام نفسه تم القبض على عدد من أعضاء الاتحاد القومى لقوى الشعب العامل بتهمة قيامهم "بحركة هدامة"، ولم تُنشر وقائع الاتهام فى المؤامرة ضد فئات الأفراد، لكن بعد أن أقُصى الحزبان من الانتخابات التالية، فازت الحكومة بأغلبية ساحقة فى المجالس المحلية ومجلس النواب. كذلك وقع نزاع مسلح حدودى سنة ١٩٦٣ م بين المغرب والجزائر، على موقع حدودى. وفى الفترة ما بين سنوات ١٩٦٥ و ١٩٦٧ م ساءت العلاقة مع فرنسا بسبب ظهور المهدى ابن بركة فى باريس وقد قاومت السلطات الفرنسية هذه الأحداث بإقامة دعاوى قضائية ضد المخابرات المغربية وبخاصة ضد وزير الداخلية الجنرال أو فقير الذى حكم عليه غيابيًا. ولقد ذكر اسم هذا القائد ثانية فيما يتصل بمحاولتين فاشلتين لإغتيال الملك الحسن. الأولى وقعت يوم ١٠ يوليو ١٩٧٠ م، فى قصر صخيرات الملكى (جنوب الرباط) وقد نجى الملك منها، والثانية فى ١٦ أغسطس ١٩٧٢ م حيث هوجمت طائرة الملك الخاصة فوق تطوان من قبل أربع طائرات مقاتلة وقد وجهت تهمه تدبير هذه المؤامرة للجنرال أوفقير الذى أعدم فى الليلة التالية للحادث. ولقد أدى فشل هاتين المحاولتين فى القضاء على حياة الملك إلى تعزيز سلطته، فلم تتعرض حياته بعد ذلك لأى خطر جديد.

стр. 9360

٣ - السكان كان من الصعب أن نحدد بدقة، عدد سكان المغرب قبل الاستقلال. وتعطى المحاولات الاحصائية التى تمت فى فترة الحماية تقديرات صحيحة لأهم أجزاء البلاد. وكان من المعتاد تقدير عدد السكان بحوالى ٥ مليون، عُشرهم (٥٠٠.٠٠٠ نسمة) مقيمون فى منطقة الحماية الأسبانية، ولكن إحصاء ١٩٥٠ و ١٩٥٢ م أعطانا الأرقام التالية: المنطقة الأسبانية، ١.٠١٠.١١٧ نسمة والمنطقة الفرنسية: ٨.٠٠٣.٩٨٥ منضافًا إليهم ٣٦٢.٨١٤ أوربيًا و ١٩٩.١٥٦ من اليهود بمجموع تقريبى ٩.٣٦٨.٧٠٢. وبعد سنوات قليلة، جرى إحصاء سنة ١٩٦٠ م، الذى وصل مجموع السكان إلى ١١.٦٢٦.٤٧٠ (٣٠ % منهم يسكنون المدن)، وعدد الفرنسيين ١٩٥.٠٠٠ والأسبان ١٢٥.٠٠٠. وفى سبتمبر ١٩٨٢ م، تجاوز عدد سكان المغرب العشرين مليون، منهم نسبة ٥٧.٣ % تسكن الريف. وتوزيع هؤلاء السكان يختلف بحسب الظروف الجغرافية. وأشد المناطق كثافة سكانية هى منطقة سهول المغرب الغربية بين سلسلة جبال جبالا فى الشمال وأطلس العليا فى الَجنوب. وتتناسب كثافة السكان طرديا مع خصوبة التربة. وتُمثل سكان هذه المنطقة خمس مجموع السكان الكلى. والمناطق الجبلية فى جبلة والريف وأطلس الوسطى ليست مناطق سكنية مزدحمة. أما عن منطقة الصحراء، خارج أحزمة الواحات فى وادى قير، ووادى زنير ووادى درعه، فهى منطقة قليلة السكان. ب - عناصر السكان: تتكون معظم عناصر سكان المغرب من البربر والعرب، والأول هم العنصر الأقدم والآخرون هم الفاتحون. أما عن البربر، فيبدون من جنس متجانس التكوين ذى أصول غامضة. أما العرب فهم الأقلية، ويصعب تتبع أصل انتمائهم العرقى القبلى، لكن العرب والبربر اختلطوا منذ الفتح الإسلامى، وتمازجوا بطرق سلمية أو حربية. ويسكن من يتكلمون العربية السهول غالبا أما من يتكلمون البربرية يسكنون الجبال غالبا.

стр. 9361

١ - البربر: من الممكن تمييز ثلاث مجموعات رئيسية بين بربر المغرب: مجموعة منهم تسكن فى الريف الشمالى وبنى زناسن، وفى الوسط بربر صنهاجة، الذين يشكلون مجموع سكان أطلس الوسطى، والمجموعة الثالثة هم الشلوع الذين يحتلون الجزء الغربى من أطلس العليا وسهل السوس. ومن الممكن أن نذكر إلى جانب هذه المجموعات البربرية الرئيسية قبائل جبلة البربرية المستعربة، إلى الشمال الغربى من فاس "والحراطين" الذين يكونون أساس السكان المستقرين فى منطقة الواحات الصحراوية. ٢ - العرب: لا تبدو غزوات الفتح الأولى للمغرب قد حوَّلت الأعراق البشرية للبلاد. وحتى القرن السابع الهجرى/ ١٣ م، كانت غالبية أنحاء بلاد المغرب لازالت بربرية "تمامًا" ولقد كان حاكم دولة الموحدين العظيم "عبد المنعم" هو أول من أدخل إلى المغرب قبائل بنى هلال العربية التى استقرت وقتها فى وسط المغرب أو فى أفريقية (تونس)؛ واستمر نزوحها إلى هناك على يد خلفاء هذا الأمير وحكام بنى مرين، وسرعان ما قاموا بطرد العناصر البربرية إلى الجبال أو تشريدها وقاموا بتعريبها. والدلائل على ذلك لازالت قائمة فى حقيقة أن القبائل ذات الأسماء العربية تحتوى على أفرع تُظهر أسماؤها أنهم بربر. وهذه القبائل العربية، التى استقرت فى السهول، من الممكن تقسيمها إلى مجموعتين عرقيتين رئيسيتين: بنو هلال والمعاقيل. ويحتل المعاقيل أعالى مولوية والأراضى جنوب الأطلس، بينما يحتل بنو هلال سهول ساحل الأطلنطى ومناطق إستبس شرق المغرب. ٣ - اليهود: يوجد حوالى ٢٠٠.٠٠٠ يهودى بالمغرب، ويسكنون أساسًا فى المدن. ويوجد أيضًا عدد كبير منهم بين قبائل أطلس العليا. وهم يكونون عنصرًا رئيسيًا بين عناصر سكان مدينتى

стр. 9362

وبدو ودمنَت. وأصل العناصر القديمة للسكان اليهود فى المغرب مجهول: ومن الصعب الحكم على أنهم يهود هاجروا من فلسطين أو أنهم من يهود البربر. وعنصر اليهود الجديد هم اليهود الذين هربوا من أسبانيا إلى المغرب فى القرن السادس عشر. ولقد أطلق اليهود الأقدمون فى المغرب على أنفسهم اسم الفلسطينيين وأطلق على اليهود المهاجرين من أسبانيا اسم الفورستوريين (الأجانب). وقد استقر اليهود المهاجرين من أسبانيا فى مدن الساحل وسرعان ما أصبحوا متأوربين (أوربيين). ومنذ الاستقلال، هاجرت أعداد كبيرة منهم، خاصة إلى إسرائيل. ٤ - عناصر مختلفة: وهم السود، الذين يوجد عدد كبير منهم فى المغرب، رغم أنهم لا يكونون مجموعة بارزة هناك. وفى الشمال نجد الكثير منهم، الذين غالبًا ما يكون أصل معظمهم رقيق. ولقد أدى نزوع سكان مدن المغرب وولعهم بالجوارى السود، المعروفات بميزاتهن المنزلية، إلى جلب عدد كبير منهن، وإلى جنوب الأطلس فى الواحات، أنتج نماذج السود مع البربر قبائل الحراطين. وأخيرًا، فإن سود بلاد السودان الغربى (غرب افريقيا)، كانو يشكلون، منذ العصور الوسطى، المرتزقة الذين تشكل منهم الحرس الملكى الخاص، وخاصة بعد استيلاء سلطان السعديين أحمد المنصور بقواته على تمبكتو. وهنالك أعداد كبيرة من مسلمى الأندلس سواء كانت أصولهم عربية أو سلائل سكان شبه جزيرة أيبيريا المسيحيين، قد كونوا عناصر مهمه من سكان مدن المغرب فى مختلف الأوقات: ومن هؤلاء ثوار الربض الذين طردهم الحكم الأول من الأندلس فى بداية القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى، والمسلمين الذين طردتهم محاكم التفتيش من أسبانيا فى القرن السادس عشر. ٤ - الحياة الاجتماعية والاقتصادية أ- فى الريف: فى شرق المغرب، وفى مناطق الإستبس (الهوب) التى تقع إلى الشرق

стр. 9363

من مولوية ومن جنوب أطلس العليا تجاه الصحراء، نجد مجموعات البدو الرعاة الرئيسية فى المغرب. وفى شرق المغرب، نذكر بين القبائل الكبيرة التى تحيا حياة بدوية حلف بنى جعل ما بين بيرجونت وفقيق، وعلى الجانب الآخر من الأطلس آيت سدرات، آيت جلال وإدان بلال، وآية يومريبط، وإلى الجنوب من ورعة، نجد قبائل: رجيبة، والشقارنة وأولاد دليم. ونجد قبائل تحيا حياة شبه بدوية خارج أطلس الوسطى، وفى سهول المغرب الكبرى، وفى الشمال الرحامنة والشياضمه. وبرغم ذلك، فإن المغرب، واحدة من أقطار البربر الثلاثة، ويشكل فيها أهل الريف أكبر قدر من السكان المستقرين، الذين لا يعيشون فقط فى الخيام ولكن أيضًا فى منازل. وهؤلاء السكان المزارعون يتجمعون فى القرى ويتقاربون من بعضهم البعض بحسب الكثافة السكانية فى المنطقة. ويتغير شكل السكن حسب المنطقة. ففى الجبال نجد بيوتًا مبنية بالأجر أو الحجر، بأسطح جملوفية أو مسقوفة بقش أو نحوه أو ذات أسطح مسطحة. وفى السهول تناسب الخيمة المنطقة أكثر من غيرها ولو أننا نجد بها أكواخًا كثيرة بأسطح مخروطية تُعرف بالنوالة. وفى الواحات، يتجمع السكان داخل منطقة مسورة تُعرف بالقصور (جمع قصر). ويطلق على القُرى اسم (دوَّار) فى السهول واسم (دِشار) فى الجبال. وفى بعض مناطق التلال نجد بقايا ساكنى الكهوف. ب- المدن: من بين مدن القطر، يميز المغربى عددًا محدد أنها يعتبرها بالقطع مدنًا (حضرا). ومن هذه المدن مدن الحضريَّة. فاس. والرباط - سالى وتطوان، التى كانت تحت النفوذ الأسبانى. ومن بين هذه المدن أيضًا نجد مدنًا قد تأثرت فى إنشائها بالثقافة الأندليسية، وقد أنشأ معظم هذه المدن مسلمون من أسبانيا، وخاصة من القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى فصاعدًا. ويتكون سكان المدن غير الحضرية مثل مدن وجده والجديدة وطنجة من عناصر ريفية قليلة التمدن.

стр. 9364

وتدين كل من مراكش ومكناس بطابعهما المدنى الخاص لحقيقة أنهما كانتا عاصمتين لبلاط أسرتين من الحكام الأشراف، كلاهما بدوى الأصل لكنهما لم يرتقيا إلى مستوى المدن الحَضَرية الأسبانية. أما موانى طنجة والعرائش ومزقان وصافى وموجارور، فلقد كانت لوقت طويل نقاط اتصال المغرب بالتأثيرات، الأوروبية. سياسيًا وتجاريًا، وأخيرًا فإن مدن الجبال الصغيرة مثل شفشاون وزان وسفرو ودبدو، ودمنات تدين بوجودها لعوامل سياسية. فالأولى والثانية أنشئتا كحاجز امام للتقدم البرتغالى فى شمال المغرب فى القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى. يهوديتان ودبدو أساسًا مدينتان يهودتيان. أما بالنسبة لسفرو، فمن المحتمل أن تكون بقايا لمدينة بربرية قديمة. ويجب أن نذكر أيضًا مدنًا ذات أهمية ثانوية على ساحل البحر المتوسط، مثل سبته التى تأوربت تمامًا لعدة قرون، وأصيلة على ساحل الأطلنطى، والدار البيضاء، والتى تدين بأهميتها لميناء أنفا الصغير، وأزمير وأغادير. وفى الداخل مدن: القصر الكبير، تازا، وترهونة. وهنالك عدة مدن قديمة قد إندثرت مثل: ناكور وباديس على البحر المتوسط، وطيت جنوب مزغونة، وأغمات وتنملال جنوب مراكش، وعدة مدن أخرى أورد ذكرها الجغرافيون أمثال. البكرى والإدريسى وليو الأفريقى (الحسن بن الوزّان). وعمومًا، فإن المدينة المغربية تتركز حول القلعة أو القصبة التى هى مقر الحكم. وتحت حماية القصبة تقع (الملة) أو حى اليهود. وحول القصبة تنتشر المدينة بمساجدها الكبيرة وأسواقها وقيسارياتها. وتُحاط المدينة بسور يضم أحياء المدينة بشكلها الريفى تقريبًا. وتقسم المدينة ذاتها إلى أحياء (حومات) بها شوارع (زنقات)، وحوارى (دروب) وميادين (رحبات). ج- الحياة الاقتصادية: يعيش سكان الريف، سواء كانوا مقيمين أو مرتحلين، والذين لا يشكلون أكثر من ٧٠ % من السكان فى المغرب، على الأرض، إما مزارعين أو رعاة، وفى معظم الحالات يجمعون بين الحرفتين.

стр. 9365

أما أولئك الذين يسكنون الأراضى المرتفعة فيقومون بزراعة الحبوب، وبخاصة البقوليات. كذلك فهم يستغلون غاباتهم بطريقة بدائية للغاية. ويكرس أهالى السهول أنفسهم أساسًا لزراعة الحبوب وتربية الأغنام والماشية والخيل والجمال والحمير. وفى واحات الجنوب يزرع أهلوها أشجار النخيل ويتفهمون فن رى الأرض. الصناعات الريفية: وهى بدائية للغاية، ومحدودة بإنتاج الحاجة الضرورية للزراعة من أدوات زراعية، كذلك لغزل الصوف ونسجه لصنع الملابس والخيم والسجاجيد. وقد أظهر السوس البربر براعتهم فى الأعمال المعدنية (الأسلحة والحلى). وما برح السوس أن يصدرون سكر القصب والنحاس، اللذين شكلا سلعًا تجارية مهمة أيام حكم الأشراف السعديين. ولقد كان لكل قبيلة أسواقًا خاصة تُعقد فى الأرض الفضاء وتحمل اسم اليوم الذى تُعقد فيه. وفى السوق يبع الفلاحون منتجاتهم ويشترون السلع المصنعة التى يجلبها التجار من المدن. وتحفظ الحبوب فى صوامع (مطامير). وفى المدن يتركز النشاط الصناعى. وكل أصحاب حرف، تكوَّن لأنفسهم طائفة، تجمع فى شارع خاص يحمل اسمها. وفى سوق هذا الشارع تصنع السلع وتباع. ويحفظ فائض البضائع ومخزونه فى الفنادق (مجمع فندق) الذى يشبه الخان ووكالة الشرق. وتُباع بعض المنتجات، مثل الحبوب والزيت والفحم والصوف فى أماكن خاصة تعرف بالرحبة. ولقد أصبح لبعض السلع الأوربية الأهمية الأولى فى المغرب ومثلث سلعها تجارة مرور هامة مثل: المنتجات القطنية، الشاى والسكر والشموع. ولقد لعب اليهود دورًا مهما فى تنشيط بعض المتاجر وكوسطاء تجاريين. ٥ - التنظيم السياسى كانت بلاد المغرب لفترات نادرة ومدد قصيرة فحسب خاضعة تمامًا لسلطة السلطان: بسبب ذلك الفصل بين (بلاد المخزن) وهى المناطق التابعة

стр. 9366

للحكومة المركزية و (بلاد السَّيبا). وبوجه عام، شملت بلاد المخزن المدن والأودية والسهول. أما الجبال، على الجانب الآخر، فقد ظلت خارج سيطرة الحكام غير الأقوياء. وخارج المدن يتجمع السكان فى قبائل. هذه القبائل تتجمع أحيانًا مع بعضها البعض تحت اسم عام، دون وجود تحالف بينها بمعنى الكلمة؛ وتنطبق هذه الحالة على غُماره فى الشمال، والحاحا، والدُكالا، والشاويه فى الجنوب. وتنقسم القبيلة إلى أفرع (أرباع، أخماس، أفخاذ)، التى تنقسم بدورها إلى جزء من الفرع متضمنًا عددًا معنيًا من قرى الخيام أو المنازل. وتُحكم القبائل التابعة تبعية فعلية السلطان بواسطة (قائد) يختاره المخزن. وواجبات هذا القائد هى أن يحدد الضرائب ويفرضها، وأن ينشر فرق جنوده ويحفظ النظام. وتحت قيادة القائد يوجد شيوخ يرأسون من تحتهم من مقدمين. أما القبائل التى ليست خاضعة للمخزن (قبائل السيبا)، فإن نشاطها السياسى مقتصر على الجماعة، وهى جمع من الرجال القادرين على حمل السلاح والقتال. فالجماعة تتعامل مع كل أعمال شئون القبيلة، المدنية، والجنائية والمالية والسياسية. وهى تتدبر أمر العدالة متبعة العرف. وهى تنتخب شيخًا يقتصر عمله على تنفيذ قراراتها. وإلى جانب جماعة القبيلة هنالك جماعة العشيرة وجماعة الفخذ، لكن سلطة هذه الجماعات سلطة محدودة. وفى المدن، يتمثل سلطة المخزن فى الحاكم الذى يحمل رسميا لقب "قائد"، ولكنه فى بعض المدن الكبيرة يسمى غالبًا (باشا)، وأحيانا يطلق لقب (عميل) على حاكم القاضى فى حالة أى انتهاك للقانون. وللقائد مساعد أو خليفة. وإلى جانبه يوجد المحتسب الذى ينظر فى أمر السوق والأخلاق العامة. وتحت إمرة القائد يوجد مقدمى الأحياء وشرطته (المخازنيه) الذين

стр. 9367

ينفذون تعليماته. ومن بين الموظفين الذين يُرسلهم المخزن إلى كل مدينة من الممكن أن نذكر (الناظر)، أو ناظر الحبوس، ووكيل الغرباء (أبو المواريث)، وأمين المستفاد، ووظيفته تحصيل الضرائب من الأسواق. وأخيرًا فإن الجمارك على الحدود وفى الموانى يحصلها موظفون يعرفون بالأمناء. القضاء: يتولى القائد القضاء أو يتولاه القاضى، حسبما تكون القضية. ويقضى القاضى فى المسائل التى تخص قانون الأحوال الشخصية، أما التقارير الرسمية للقضايا فيرفعها (العدول). وفى القضايا الفنية يلجأ القاضى إلى الخبراء المختلفين. ملكية الأرض: تأخذ ملكية الأرض عدة أشكال مختلفة. ففى المقام الأول، هنالك ممتلكات الدولة؛ وهى تدار إما مباشرة بواسطة المخزن (أرض التاج الملكى) أو تخصص للقبائل مقابل الخدمة العسكرية المكلفين بها؛ ومن الممكن أن تُمنح بعض هذه الأراضى بصفة مؤقتة أو بملكية نهائية لأفراد بمرسوم ملكى. وأرض الحبوس (الأوقاف) أرض مدنية أو زراعية. ففى المدن، هى تغطى ما لا يقل عن نصف مساحة الأراضى. وهى تترك تحت ظروف خاصة وتعطى للمقيمين فيها امتيازًا خاصًا وجزاء. وفى الريف، تتكون أرض الحبوس أساسًا من حقول وبساتين. وفى كل الحالات، فإن دخل هذه الأراضى موقوف على أعمال بناء المبانى ذات الطابع الدينى (مساجد، جامعات، مدارس، أسبلة) أو لدفع مرتبات العاملين فى هذه المؤسسات. وهناك أراضٍ فى المغرب ليست ملكًا لأحد، وإنما هى (على المشاع)، وهى ملك لكل القبيلة، وتعرف هذه الأراضى باسم (بلاد الجماعة). وأخيرًا، هناك أراض تؤول ملكيتها بالميراث أو الشراء، وتثبت ملكية هذه الأرض بشهادة ملكية تُعرف (بالملوكية). ولقد تحولت الزكاة والعشور إلى ضريبة شخصية يؤديها الشخص

стр. 9368

بنفسه وليس عن طريق الدولة، التى كانت تحصل منها مبالغ طائلة. ومن الضرائب التى تجمعها الدولة ضرائب بوابات المدن وضرائب الأسواق وضرائب المبانى وبالإضافة إلى تلك الضرائب هنالك الهدايا التى تقدم للسلطان فى المناسبات الدينية. كذلك الجزية المفروضة على أهل الذمة أو بدل الخدمة العسكرية المفروض على بعض القبائل العربية. ٦ - الحياة الدينية أ- البربر قبل الإسلام: بسبب نقص المصادر، من الصعب أن نحصل على فكرة صحيحة عن معتقدات بربر المغرب الدينية وطقوسهم قبل تحولهم إلى الإسلام واعتناقه، وفقط من بقايا مخلفات الآثار الوثنية التى لازالت قائمة فى بعض الأنحاء نستطيع أن نخمن الديانة البدائية الأولى التى كان عليها بربر المغرب. ومن صورتين منحوتتين على الحجر وُجدت فى المغرب تبدوان دليلًا على وجود عبادة الشمس عندهم. ب - الدخول فى الإسلام: فى زمن الفتح، وجد العرب. أن سكان المناطق حول المدن واقعة تقريبًا. تحت نفوذ التعاليم اليهودية والمسيحية؛ لكن هناك بعض الشك فى أنهم اعتنقوا هذه الديانات بشكلها الصحيح. ويبدو أن تأثير هذه الديانات قد مهد البربر حول الجبال لاعتناق مبادئ الإسلام الجديدة، الذى جاء به الفاتحون. وقد نتج عن حملتى الفتح، حملة عقبة بن نافع ٥٠ هـ/ ٦٧٠ م وحملة موسى بن نصير ٩٢ هـ/ ٧١١ م، اعتناقًا جزئيًا وظاهريًا للإسلام فى المغرب، لأن عناصر عربية - قليلة بقيت بعد الفتح فى البلاد. ولقد اقتصر الإسلام فى المدن على المراكز الكبيرة. ولقد تحول البربر عمومًا إلى الإسلام ولكن حين أراد الفاتحون أن يعاملوهم كموالى وأتباع، لم يترددوا عن الارتداد عن الدين، فى سبعة مناسبات مختلفة، إذا صدقنا فى ذلك المؤرخين العرب. والحقيقة الوحيدة الثابتة، هى أنهم عندما ظلوا على إسلام، فإنهم لم يقبلوا بطاعة وتبعية تعاليم خليفة بغداد الروحية بل تقبلوا تعاليم الخوارج ولقد

стр. 9369

ذهب بربر المغرب إلى مسافة أبعد حينما قامت بينهم ديانات محلية بنيت تقريبًا على الإسلام، فبعد محاولة الثورة التى قام بها ميسرة وبربر طنجة، التى قضى سريعًا عليها، اعترفت قبيلة براغواطة ببنى أبنائها هو صالح بن طريف، الذى جاء لهم بدين وقرآن باللغة البربرية. ولم يقض على هذه الديانات وهذه المحاولات الدينية بين البربر نهائيًا سوى على يد حكام الموحدين فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى. كذلك هناك الحركة التى قام بها "حم" (ت ٣١٣ هـ/ ٩٢٧ - ٩٢٨ م) بين قبيلة غمارة، قرب تطوان. وبرغم حركات الانشقاق هذه، فإن الإسلام أصبح الدين الرسمى لأقوى البيوتات التى حكمت المغرب، وقد أخذ فى الانتشار تدريجيًا، واكتسب أرضًا له ببطء بين جبال البربر، لكن ذلك لم يقع إلا بعد وفاة عبد المؤمن الذى حطم دين البرغواطيين ووضع نهاية لحكم المرابطين الذين اتهموا بأنهم مجسّمين. ولقد وحد المرابطون الإسلام تمامًا فى المغرب. ومنذ ذلك الوقت صار للإسلام فى المغرب أبطال، كانوا جنودًا أكثر منهم رجال دين، أجبروا الناس بالحرب على قبول تعاليمهم. ولقد تطلب الأمر من ابن تومرت، البربرى من جبال الأطلس، ورجل الدين الذى تعلم فى المشرق، أن يعود إلى البلاد ليحصل على تأييد أتباعه ليؤسس جماعة سياسية ودينية هى جماعة "الموحدين". وإذا كانت حركة الموحدين حركة مؤقتة فى المغرب، فإنها بدون شك كانت حركة موجية بما فيه الكفاية لدرجة أنها وقفت فى البلاد على كل آثار دعاوى الشيعة والخوارج كما استطاعت أن تؤسس وتثبت مذهب الإمام مالك بن أنس الذى ما زال متبعًا حتى اليوم فى الغرب. جـ- تطور الإسلام فى المغرب: منذ نهاية عهد دولة الموحدين، اكتسب إسلام المغرب بسرعة ملامحه الخاصة به. فبعد طرد المسلمين من الأندلس، واصل الأسبان الحرب ضدهم حتى فى المغرب. ولقد أصبح الإسلام

стр. 9370

بعد أن هاجمه المسيحية واضُطر للجهاد غريمًا قويًا فعالًا. وتطلب الأمر استخدام كل قوى البلاد المعنوية. وقد كانت تلك هى الفترة التى ثار الإعجاب فيها بالأولياء والصالحين أحياءً وأمواتًا وبخاصة الأشراف منهم الذين وقفوا إلى جانب الإسلام فى المغرب وتولوا قيادة الناس للدفاع عنه، وقد أخذ هؤلاء اعترافًا رسميًا من المخزن بتلك القيادة. وقبل المرينيين احتاج الإسلام لعون القوة الزمنية الدائم للدفاع عنه ولإحراز تقدمه. ومنذ عهد حكم تلك الأسرة المرينية، المنحدرة من قبيلة بربرية بدوية، انعكس الوضع، وصار الحكام آنذاك هم الذين استغلوا الإسلام ليزيدوا من قوتهم أنفسهم، وحاولوا احتكاره بإنشاء مدارس للتعاليم الدينية؛ وكانت (مدرسة الصغاريين) أول هذه المدارس التى أنشئت سنة ٦٧٩ هـ/ ١٢٨٠ م على يد السلطان أبو يوسف فى فاس، عاصمة البيت الحاكم، الذى جعل منها أكبر مركز ثقافى إسلامى فى غرب بلاد البربر. ولقد قام البيت الحاكم الذى خلف حكم بنى مرين، وهم بنو وَّطاس، بتأسيس ضريح فخم لمؤسس الأسرة إدريس الثانى، ليدفن فيه وقد كان آنذاك محل مهابة كبيرة. ولقد كوَّن إدريس الثانى طريقة (جماعة) دينية، وأخذت سلالته من بعده لقب (الشريف) وسرعان ما لعب الأشراف دورًا مهمًا فى المجتمع المغربى ذا سطوة سياسية ومعنوية، وسرعان ما إزدادت قوة الأدارسة (الشُرفا) بمؤازرة فرع آخر منهم من نسل الحسن بن على (الحسنيين) فكان الإثنان أصل أشراف المغرب: الأدارسة والعلويين. وإلى الغلويين ينتسب بيتا الأشراف: السعديين والغلاليين، ولا يزال الأشراف الفلاليون فى السلطة. ومن لحظة توليهم الحكم، صار نفوذ الشُرفا على مقدرات البلاد هو الأكثر رجحانًا. ولقد ارتبطت ظاهرة الأشراف بنشأة الطرق الصوفية ورغم أننا وجدنا شواهد على وجودها عند نهاية دولة الموحدين (الحجاجية، المغرينية، الأمغارينية)، فقد تكونت الطريقة الجزولية، التى قاد حملة الجهاد فيها

стр. 9371

"الجزولى" (ت ٨٦٩ هـ/ ١٦٤٥ م) ضد البرتغاليين، وهى أكبر الطرق الصوفية الموجودة فى المغرب حتى اليوم. د - الإسلام فى المغرب الحديث: يتبع المغاربة الآن المذهب السُنى، ولقد اتبعوا منذ فترة حكم المرابطين مذهب الإمام مالك. ويلتزم المغاربة فى المدن بتعاليم الدين. لكن البدو فى السهول والبربر فى الجبال -فى الواقع- مسلمون تعوذهم الحماسة. على أن منطقة جباله، بين فاس وطنجة، شديدة التمسك بالإسلام والإخلاص له، ويُظهر أهلها تقوى شديدة ودراسة القرآن محببة للغاية لهم؛ ومن بينهم يتخرج عدد كبير من الدعاة الذين ينشرون الدعوة فى السهول. كذلك، بالفعل، فإننا نجد بين سكان تلال الشمال والجنوب على الأقل مسجدًا فى كل قرية. وعلى الرغم من بعد المسافة التى عليهم أن يقطعوها، فإن المغاربة يحبون أن يؤدوا فريضة الحج. وعدد كبير منهم يستقر فى المشرق (وهناك جاليات مغربية فى الإسكندرية والقاهرة)، وقد جعل تزايد عدد هذه الجالية السلطان عبد العزيز أن يعيِّن أمينًا للمغاربة" فى مصر. وإضافة للاحتفال بعيدى الفطر والأضحى فإن المغاربة يحتفلون بالمولد النبوى الشريف وبيوم عاشوراء (العاشر من المحرم). ولقد بدأ المرينيون الاحتفال بالمولد النبوى، ثم أصبح من بعد ذلك عيدًا قوميًا، وفى بعض الأحيان يتفوق الاحتفال بهذا العيد فى المغرب على الإحتفال بالعيدين الآخرين. وتتعدد الطرق الصوفية الموجودة الآن بالمغرب، ومنها: التيجانية، الدرقاوية، الطيِّبية، الكتانية وغيرها. وكل طريقة من هذه الطرق وغيرها تنتسب إلى ولى شهير من الأولياء الصالحين. ولقد تجلى الإعجاب بالأولياء وظهر بأقصى سرعة فى المغرب، وقد كان ظهوره سابقًا للإسلام، لكنه وجد نفسه مضطرًا للتماشى معه. وهناك تصنيفات مختلفة لهؤلاء الأولياء، من ولى العاصمة المبجل الراعى أو ولى الناحية إلى الرجل الصالح العام الذى ضاع

стр. 9372

اسمه وفُقد بين الأسياد الذين جاءوا إلى البلاد ودفنوا فيها وصار لهم مقام وقُبة. ويتميز قبر الولى العادى (بحوش) يحيط بقبره. وقد أحرز هؤلاء الأشخاص الموقرن، ذكورًا وإناثًا، قداستهم بطرق مختلفة، بعضهم أثناء حياته، بعلمهم، وتقواهم وورعهم، وبزهدهم ونسكهم، وببركاتهم، وفى بعض الأحيان (بانجذابهم). والبعض الآخر بعد وفاتهم، بمعجزاته وبركاته، إلخ ويُطلق على المجاهد الذى يُقتل فى حرب الكفار اسم مرابط، ثم أصبح بعد ذلك يطلق على الأولياء على المرابط لقب الولى، والسيد، والصالح صاحب البركات. وبين البربر عُرف الولى باسم (أجرَّم). ولقد تحدد لقب "مولاى" و"سيدى" للكبار أولياء المغرب، بينما أطُلق على النساء منهن لقب (اللالا). ولم يكن الولى الذى نُسبت الطرق إليه وليًا مغربيًا، ولكنه كان وليًا من بغداد وهو "عبد القادر الجيلانى"، والذى يعرف "بالجيلالى" بين عامة الشعب. الذى لم يقم بزيارة المغرب على الإطلاق. لكن الولى الذى أحيطت طريقته بأهمية كبيرة فى المغرب هى طريقة مولاى إدريس الشهيرة، مؤسس فاس ووليها الأكبر. ومن بين أولياء المغرب الآخرين نذكر: مولاى عبد السلام بن مشيش، ولى جباله؛ ومولاى أبو سلهام، فى الغرب؛ ومولاى أبو الشتاء الخمَّار، فى شمال فاس؛ وسيدى محمد بن عيسى ولى مكناس ومؤسسى طريقة العيسوية؛ ومولاى أبو شعيب فى أزمور؛ ومولاى بوعزة، فى تادله، وسيدى أبو العباس السبتى، المولود فى سبته وولى مراكش. وهناك فى المغرب أيضًا بعض أولياء اليهود المشهورين الذين لهم أضرحتهم مثل: ضريح الرَّبى عمران فى أزجن، قرب فزان والربى بن زميرو فى صافى. وتُعد المنطقة حول مقام الولى منطقة مقدسة (حرم)، ومن أشهر هذه المناطق الحرم حول مقام مولاى إدريس فى فاس ومولاى عبد السلام بن مشيش فى جبال الشمال الغربى. وهذه المناطق تكون ملكًا للعائلات المنحدرة من نسل

стр. 9373

الولى. وأرض هذه المناطق معفية من دفع الضرائب الحكومية، وأكثر من ذلك فإنه لأحفاد الولى الحق من فرض بعض الرسوم لصالحهم، بجعل مقرر معترف به من قبل السلطان. كذلك يستفيد هؤلاء الأحفاد من دخل النذور التى يدفعها الزوار إلى الضريح وتُعرف بالزيارة. وفى كل عام يقام مولد لهذا الولى عند مقامه يُعرف باسم (الموسم)، ويجتمع الناس فى هذا الموسم من كل مكان لاحتفال بمولد السيد ولمشاهدة الألعاب النارية التى تطُلق فى الهواء على شرفه. وتُطلق تسمية (الزاوية) على المكان الذى به ضريح الولى. وغالبًا ما تمتلك هذه الزوايا أراضيها الخاصة وتستفيد مما يدخل إليها من دخل وهدايا. ونستطيع أن ندرك مدى المكانة الاجتماعية والسياسية التى تمتعت بها الزوايا وتميزت بها على ما حولها من مراكز علمية وذلك بسبب ما كان لها من شهرة وثروات زائدة. على أن وجود هذه الزوايا كان أمرًا مهما للغاية بالنسبة للمغرب، فهى زيادة على أنها مراكز لإحياء السنة، فهى تُعطى تجددًا ونشاطًا للإسلام فى البلاد. وقد كان بعض هذه الزوايا مراكز للمتصوفة، وقد ظلت على الدوام قواعد علمية ثابتة للتعاليم الدينية. ويفسر لنا ذلك المكانة الممتازة التى كانت عليها سلالة الأولياء والصالحين أو المرابطين فى بلاد المغرب. فإذا أضاف هذا الولى إلى ميزاته الدينية والأخلاقية ميزة انتسابه إلى بيت النبوة الشريف، يصبح شريفًا الأمر الذى يرفع من مكانته ويزيد فى امتيازاته الروحية والمادية. وقد حاول كثير من الأولياء الذين لا ينتسبون إلى بيت النبوة أن يلحقوا أنفسهم بهذا البيت وأن يبحثوا لأنفسهم عن نسب يلحقهم به حتى تزداد مكانتهم بين الناس. وبذلك ازداد عدد الأولياء الذين نسبوا أنفسهم إلى الأشراف فى المغرب. ٧ - مسح لغوى يتكلم مغاربة المغرب بلغتين: البربرية والعربية. واللغة البربرية هى الأقدم فى المغرب وليس لدينا دليل على بداية الكلام بها، أما بالنسبة للعربية، فلقد دخلت إلى المغرب مع الفتح

стр. 9374

الإسلامى له فى القرنين الأول والثانى الهجريين/ السابع والثامن الميلاديين. ولكن حتى وصول بنى هلال وبنى سليم إلى المغرب (القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى)، بدأ أن العربية، لغة للثقافة غير الدينية لم تكن متداولة إلا فى المدن أما الريف فقد استمر فى تكلمه بالبربرية، ولم تنتشر العربية بين البربر إلا بعد أن وصلت القبائل العربية إلى سهول بلادهم. وباستثناء منطقة جبالة، فإن مناطق المغرب المرتفعة ظلت متمسكة باللغة البربرية بينما أخذت المدن والأراضى المنخفضة تتحدث بالعربية تدريجيا. ولقد دخلت اللغة العربية المغرب على مرحلتين على الأقل: الأولى فى القرن الثانى/ الثامن الميلادى وقت الفتح الإسلامى، ثم الثانية فى القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى مع مقدم بنى هلال وبنى سليم إلى المغرب. وحتى مجئ العرب المذكورين إلى المغرب بواسطة سلطان الموحدين يعقوب المنصور، بدا أن العربية لم تكن متداولة سوى فى مدن الشمال الكبيرة، حيث كان يوجد عدد كبير من العرب هناك. ولقد كانت العربية هى لغة الدين ومن المدن انتشرت العربية بين السكان فى الريف المجاور للمدن، وقد لاحظ الإدريسى ذلك بقوله أنه فى القرن السادس الهجرى/ الثانى الميلادى تحدثت قبائل بربر جنوبى فاس (بنو يوسف، فندلاوا، بهلول، زواوه، مقاصة، غيات وسلقوم) العربية. ويشرح النفوذ اللغوى الذى بذلته المدن على الريف المحيط بها سبب تعريب ريف جبال جبالة فى الوقت الذى ظلت فيه بقية مرتفعات المغرب تتحدث بالبربرية. وتمتد أرض منطقة جبالة، بالمعنى الواسع، على شكل هلال من طنجة إلى تازة. وهى محاطة بسياج من المدن، وهى مدن: نكور، باديس، ققيزاز، تطوان، سبته، القصر الصغير، طنجة، أرزيله، القصر الكبير، البصرة، أزجن، بنوتاؤده، واليل، فاس وتازا، التى هى موانى أو أسواق متاحة لقبائل المنطقة،

стр. 9375

إلى جانب أن السلسلة الجبلية نفسها تجتازها طرق شمال المغرب التجارية الهامة. . الطرق من فاس إلى طنجة، إلى سبته، إلى باريس، إلى نكور والى غساسة؛ وبذلك من الطبيعى أن تكون المنطقة عرضة لتأثيرات المدن المباشرة وغير المباشرة، وتكون مرتفعات جباله أو المناطق التى عُربت فى المغرب ولقد تميزت عليها التعريب بعدة عوامل أخرى، وهى: ١ - وجود العديد من القرى الكبيرة، المقاربة للمدن التى أصبحت مراكز ثانوية للثقافة القرآنية. ٢ - إقامة بعض الأشراف الأدراسة بين القرن الرابع. العاشر الميلادى بين جباله، وإقامة ممالك لهم بين الجبال بعد أن طردهم موسى بن أبى العافية المكناسى من فاس، أصبحت مراكز للثقافة الإسلامية المدنية. ٣ - لقد شكَّلت قبائل جبالة جانبًا مهما فى الجهاد ضد الأسبان، وعودة معظمهم يتحدثون بالعربية بعد اتصالهم بمدن الأندلس الإسلامية الكبيرة. ٤ - وأخيرًا، فإن نزوح ثوار الأندلس إلى المغرب واستقرارهم فى هذه المنطقة بداية من "ثورة الربض" فى قرطبة (سنة ٢٠٢ هـ/ ٨١٨ م) حتى القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى، فى المدن حول الجبال أو من قرى المناطق المرتفعة (تطوان، شغشوان) وقد جاءوا إلى تلك البقاع بلغتهم العربية ونفوذهم الثقافى والمادى الذى كان له تأثيره الكبير على المنطقة. هذا ولقد انتشرت فى بلاد المغرب ثلاث لهجات عربية لهجة المدن، ولهجة المرتفعات واللهجة البدوية، وممكن إضافة لهجة رابعة لها وهى اللهجة اليهودية. وتختلف كل لهجة من هذه اللهجات عن الأخرى بسبب تأثر عربيتها باللهجة المحلية التى كانت تتحدث بها المنطقة قبل التعريب. ٨ - الحياة الثقافية احتلت المغرب منذ نهاية العصور الوسطى، مكانًا خاصا فى المجال الثقافى فقد كانت لوقت طويل مميزة عن جاراتها ومنذ استقلالها السياسى فإنها بدأت تُظهر استقلالها أيضًا فى

стр. 9376

المجال الثقافى. ولقد كان لنشاط مراكز التعليم الباهر بين عرب الأندلس حتى نهاية القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى تأثيره، دون شك فى المغرب، ولكن بعد إرتداد شبه الجزيرة الأيبيرة للمسيحية، وهجرة اللاجئين الأسبان إلى المغرب أصبحت بلاد المغرب هى المراكز الإسلامية الوحيدة للدراسات الإسلامية فى الغرب الإسلامى. وعلى أى حال، فبرغم عدد العلماء الكبير نسبيًا الذى خلَّفته هذه البلاد فى سائر العلوم إلا أنها لم تحرز فى نظر باقى العالم الإسلامى الشهيرة والمكانة الثقافية، التى تمتعت بها أسبانيا حين كانت قطرًا إسلاميًا. غير أن المغرب حفل دائمًا بعدد كبير من الأدباء المرتبطين بالتراث العربى القديم ويجب أن نلاحظ أن هذه الثقافة التقليدية التى استمرت على الأقل حتى نهاية القرن التاسع عشر، لم تترك أقل مجال للعلوم الحديثة بها، وقد ظل الشكل المميز لهذه الثقافة، التى بُنيت أساسًا على الدين، دون تغيير. وفى هذا القطر، الذى تنظم التقاليد فيه بصرامة الحياة العامة والخاصة، لا يجعلنا نندهش بأن يظل المفهوم الثقافى على الدوام دون تغيير ويلاحظ حاليًا، أنه حتى الوقت الحالى، يظل الفقيه المغربى سواء كان مدرسًا أو موظفًا فى مكونة الأشراف يحتفظ بنفس المعلومات والمعرفة التى كان عليها فقهاء بنى مرين أو الأشراف السعديين. ولقد تلَّقى التقاليد نفسها وأخذها أيضًا بنفس الطريقة القديمة. فقط حفظ القرآن عن ظهر قلب فى الكتاب، وغالبًا ما أتمه، ودرس بعض النحو. ثم صار بعد ذلك طالبًا، وطلب العلم، الذى ينشده، لا تحكمه قواعد أو يحده برنامج سوى القواعد القديمة -فهو يدرس أولًا "الأُمهات" فى الدين والنحو. ثم بعد ذلك قد يتقدم فى دراسته ويدرس (الشرع) و (الحاشيه) على (المتن). ويكون كل اتجاه دراسته منصبًا على الحصول على معرفة جيدة فى الدين والشريعة. وتكون المحصلة النهائية فى كل حالات تعليم رجال المغرب أن يصبح معظمهم قضاة ومشرعين

стр. 9377

يختلفون عن رجال العلوم والفنون. وهذا يجعلنا نفهم أيضًا سبب تفوق المغاربة والدور المهم الذى لعبوه فى الفكر العربى فى الموضوعات التى تتصل بالقرآن والسنة والشريعة و"الأصول". مراكز التعليم: تغيرت مراكز التعليم فى المغرب بتغيير الحقب والظروف التاريخية. ولقد كانت أولى هذه المراكز النقاط القريبة من أسبانيا، وهى سبته وطنجة ولقد سهل تأسيس مدينة فاس وبناء مسجد "القرويين" الكبير بها أن تُصبح مركزًا للثقافة بالداخل. وبعد ذلك بقليل، صارت مراكش، عاصمة المرابطين والموحدين، كما أراد حكامها، مركز جذب للعلماء المغاربة وكذلك لبعض علماء الأندلس. ولكن منذ عهد حكم بنى مرين البربر صارت فارس من القرن الثامن الهجرى الرابع عشر الميلادى مركز المعرفة فى المغرب. ولم يقتصر المرينيون على اتخاذها حاضرة سياسية بل اتخذوها قاعدة لسلسلة من المدارس حول جامع القرويين وجامع فاس الجديد، مما جعلهم يجذبون إليها الدارسين من كل أنحاء البلاد فأعطوها الشهرة العلمية التى اكتسبتها حتى اليوم. وفى عهد بنى مرين ازداد عدد المدارس خارج فاس: فى مكناس، وسالى، ومراكش، مما يُظهر أن التعليم المنتظم كان قائمًا فى هذه المدن. إضافة إلى الدور الذى لعبته المدارس فى الحياة الثقافية فى المغرب، هنالك أيضًا نشاط الزوايا، الذى ارتبط مباشرة بازدياد عدد المرابطين والأشراف من البلاد فى الفترة التى كان الأسبان والبرتغاليون يحاولون إقامة قواعد لهم فى المغرب من القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى. ولقد صارت الزوايا، وهى مراكز دينية وقواعد للجهاد مراكز للتعليم. وفى الوقت الذى كانت فيه فاس تحافظ بصعوبة على طابعها كمركز رئيسى للتعليم فى البلاد، ازداد عدد الزوايا، التى قام التدريس بها، زيادة ملحوظة، وخاصة على سبيل المثال: زاوية الدِلاع فى وسط الأطلس، وزاوية تامجَرت فى أرض درعة،

стр. 9378

وزاوية وزان فى الشمال. ولقد كان أشهر المعلمين هم الأشراف شيوخ الطرق. ومن علماء الفترة الأولى فى المغرب تأتى أسماء: دراس بن إسماعيل؛ والمصلح الشهير ابن تومرت، مؤسس حركة الموحدين وصاحب كتاب "العقائد"؛ والقاضى عياض (٤٧٦ - ٥٤٤ هـ/ ١٠٨٣ - ١١٤٩ م)، وصاحب المؤلفات الكثيرة وأشهرها كتاب "الشفاء" و"مشارق الأنوار"، وكتاب "المدارك" الذى يحتوى على مجموعة من سير علماء المالكية. وخلال الفترة الحديثة، على الجانب الآخر، أصبح عدد علماء المغرب كبيرًا للغاية وأشهرهم: فى القراءات: ابن بارى (القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى)؛ ابن فخر (القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى)، عالم مكناس ابن غازى (ت ٩١٩ هـ/ ١٥١٣ م)؛ عبد الرحمن بن القاضى (ت ١٦٧١/ ١٠٨٢ م)؛ عبد الرحمن بن عبد السلام الفاسى (ت ١٨٠٩/ ١٢١٤ م)؛ فى الحديث: يحيى السراج (ت ٨٠٨/ ١٤٠٥ م)؛ سُقين العصيمى (ت ٩٥٦/ ١٥٤٩ م)؛ رضوان الجنوى (ت ٩٩١/ ١٥٩١ م) محمد بن قاسم القصار (ت ١٦٠٣/ ١٠١٢ م)؛ إدريس الصغير؛ الجزولى وأحمد الزروق؛ وابن عشير (ت ١٦٣٠/ ١٠٤٠ م). مؤرخو المغرب الأقدمين: من بين مؤرخى الموحدين نجد مؤرخًا كان رفيقًا للمهدى ابن تومرت، وهو "البندق الصنهاجى"، كذلك نجد "ابن القطان" و"عبد الواحد المراكشى". وفى عمر بنى مرين يكثر ذكر المؤرخين فإضافة إلى عبد الرحمن بن خلدون، نذكر ابن عذارى، عالم مراكش صاحب كتاب "المغرب فى ذكر أخبار أفريقية والمغرب"، وابن أبى زرع، صاحب تاريخ فاس والأسر المغربية الحاكمة "روض القرطاس" وابن مرزوق، صاحب كتاب "المسند"؛ وابن الأحمر، مؤرخ بنى الأحمر ملوك غرناطة وصاحب كتاب "روضة النسرين" وتحت حكم السعديين كان أهم المؤرخين الفشتالى والإفرانى،

стр. 9379

مؤلف كتاب "نزهة الحاوى" وأخيرًا تحت حكم العلويين: المؤرخ الزّيانى وأكانسوس Akansus. الجغرافيا: أهم كتب الجغرافيا المغربية هى كتب الرحلات، وخاصة وصف رحلة الحج ويأتى كل من الإدريسى وابن بطوطة كأهم رحالة من أصل مغربى. أدب التراجم: هنالك مجموعات غزيرة عن مناقب الأشراف، وعن رجال الطرق الصوفية خاصة فى الفترة الحالية. كذلك هنالك مجموعات عن المدن، لها أهميتها من وجهة النظر التاريخية ويُعتبر كتاب ابن عساكر "دوحة الناشر"، وكتاب "درة الحجال" لابن القاضى و"صفوة من انتشر" للمؤرخ الإفرانى، و"نشر المثانى" و"التقاط الدرر" للقادرى أهم كتب التراجم والطبقات المغربية. أما عن الطب والعلوم الطبيعية؛ فإن المغرب بعد القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى اعتمدت تمامًا فى الطب على الأندلس. ولقد كان أطباء أمراء المرابطين والموحدين من أسبانيا، مثل ابن ياجة، ابن الطفيل وابن رشد الشهير وابن زُهر، وفى الفترة الحديثة، نجد فى بلاط السلاطين أطباء مغاربة الأصل. قد تركوا العمل بالطب. وكان أهمهم فى فترة الأشراف السعديين: أبو محمد القاسم الوزير الغسانى، وفى فترة حكم العلويين: ابن شقرون، عبد الوهاب أدراق، أحمد الدارعى، عبد اللَّه ابن غروز المراكشى، أحمد بن الحج وعبد السلام العلامى. وأخيرًا، فإن هنالك اثنين شهيرين من المغاربة درسا علومًا دقيقة فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى، وهما: أبو على الحسن بن عمر المراكشى، عالم الفلك، وأحمد بن البناء، عالم الرياضيات والفلك والكيمياء. وعند نهاية القرن التاسع عشر، تميز حكم مولاى الحسن بنوع من النهضة فى الدراسات الإسلامية فى المغرب. وقد حدثت حركة طباعة وتحقيق ناشطة لكثير من المخطوطات. وأخيرًا نُشرت فى فاس ثلاثة مجلدات لكتاب "سلوة الأنفاس" لأحمد بن جعفر القطانى، وهو معجم لمشاهير عاصمة الشمال فى نفس الوقت نُشر فى

стр. 9380

القاهرة "تاريخ المغرب الكبير" لمؤلفه أحمد بن خالد الناصرى السلاوى، تحت عنوان: "كتاب الاستقصا لأخبار دول الغرب الأقصى". المصادر: (١) ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر. (٢) ابن فضل اللَّه العمرى: مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار. (٣) أبو الفدا: تقويم البلدان. (٤) ابن الأثير: الكامل فى التاريخ. (٥) ابن عذارى: البيان الغرب فى أخبار الغرب. (٦) الإفرانى: نزهة الحادى. (٧) A. Bernard: Le Maroc (٨) J. Becker: Historia de marruecos (٩) Budgett Meakin: The Moorish Empire (١٠) Fournel: Les Berberes (١١) Levi Provengal: Les Historians des Charfa د. عطية القوصى [ليفى بروفنسال Levi Provencal] المغناطيس المغناطيس (بفتح الميم والنون أو كسر النون) المعدن المعروف بهذا الاسم فى كتب التراث العربى ويطلق على البوصلة أيضا. المغناطيسية: حجر المغناطيس هو خام الحديد المغناطيسى (Fe ٣ O ٤) وهو معدن واسع الانتشار فى الطبيعة ومعروف منذ القدم ومكون أولى فى الصخور النارية. وقد اهتم به علماء المسلمين وبينوا كثيرا من خواصه وأهمها جذبه لقطعة من الحديد إذا قربت منه. وخصص البيرونى فى كتابه "الجماهر فى معرفة الجواهر" فصلا للمغناطيس، وأشار إلى الصفة المشتركة بين المغناطيس والعنبر (الكهربا) وهى جذبهما للأشياء، وبيّن أن المغناطيس يتفوق على العنبر فى هذه الصفة. وأشار البيرونى إلى أن أكثر خامات المغناطيس موجوده فى بلاد الأناضول وكانت تصنع منها المسامير التى

стр. 9381

تستخدم فى صناعة السفن فى تلك البلاد، أما الصينيون فكانوا يصنعون سفنهم بضم وربط ألواح الأخشاب إلى بعضها بحبال من ألياف النباتات، ذلك أن هناك جبال من حجر المغناطيس مغمورة فى مياه بحر الصين كانت تنتزع مسامير الحديد من أجسام السفن فتتفكك وتغرق فى الماء. وأشار البيرونى إلى رواسب المغناطيس فى شرقى أفغانستان وبين أن الأجزاء السطحية من تلك الرواسب ضعيفة المغناطيسية بالمقارنة مع الأجزاء الداخلية منها -والسبب هو تعرض الأجزاء السطحية من تلك الرواسب للشمس. وشبه العلماء المسلمون الحديد وحجر المغناطيس بالعاشق والمعشوق، فالحديد ينجذب إلى المغناطيس كانجذاب العاشق إلى المعشوق -وقال القزوينى فى كتابه "عجائب المخلوقات" أن هناك قوة إلهية فى حجر المغناطيس تمكنه من جذب الحديد إليه. كما أن هناك رغبة وشوق بين الحديد والمغناطيس، فما أن يشم الحديد رائحة حجر المغناطيس حتى ينجذب إليه بقوة ويلتصق به كالتصاق العاشق بالمعشوق. وعبر عن هذا المعنى "شعرا" ابن حزم فى كتابه "طوق الحمامة". وقابل العرب بين خاصية ارتباط الحديد بالمغناطيس وخاصية ارتباط الروح بالبلغم -غير أن البلغم أكثر امتزاجا بالروح وأسرع من امتزاج الحديد بالمغناطيس. وكان جابر ابن حيان قد ذكر أن الأشياء الروحانية التى لا تدركها الحواس أقوى من المحسوسات المادية- ومن تلك الأشياء غير المحسوسة ما هو موجود فى حجر المغناطيس بحيث أنه يجذب قطعة الحديد إذا قربت منه، فالعرب إذن قد عرفوا أن للمغناطيس قوه فعالة ومؤثرة فى غيره من المواد. وبين العرب أن هذه القوة المؤثرة تضعف مع الزمن. وبين العرب أن حجر المغناطيس يجذب براده الحديد حتى لو كان هناك فاصل بينهما، وأنه يجذب إبرة الحديد

стр. 9382

إليه، وهذه الإبرة تجذب بدورها إبرة أخرى إذا قربت منها وهكذا حتى لترى إبر الحديد مرتبطة مع بعضها بقوة غير محسوسة. وبجانب القوة الجاذبة للمغناطيس فإن له قوة طاردة أيضًا، فإذا وضع مغناطيس فوق ربوة يسكنها النمل، هجرها النمل على الفور. فإذا بلل المغناطيس بلعاب الصائم أو ذلك بقطعه من الثوم أو البصل فقد المغناطيس قوته الجاذبة -فإذا نظف المغناطيس من رائحة الثوم أو البصل وغمر فى دم ماعز وهو دافئ عادت إليه خاصيته كما يقول القزوينى فى "عجائب المخلوقات"، والدمشقى فى "نخبة الدهر" وغيرهما. وبين العرب أن السكين أو السيف يكتسبان صفه المغناطيس إذا حكا فى حجر المغناطيس. ويحتفظ كل من السيف والسكين بخواصه المغناطيسية لفترة طويلة قد تصل إلى قرن من الزمان. ودرس العرب الخواص المغناطيسية لحجر المغناطيس فى الفراغ مثل الرازى الذى كتب رسالة بعنوان "علة جذب حجر المغناطيس للحديد" وهى رسالة مفقودة، ذكرها بن أبى أصيبعة فى "عيون الأنباء فى طبقات الأطباء". وبين التيفاشى أن سبب انجذاب الحديد للمغناطيس هو اتحادهما فى الجوهر (أى لهما تركيب كيميائى واحد بلغة هذا العصر). واعتقد الطغرائى أن هناك روح فى حجر المغناطيس -وهى المسئولة عن صفته الجاذبة. واعتقد العرب فى وجود أحجار أخرى، غير حجر المغناطيس، لها قوة مغناطيسية جاذبة، مثل مغناطيس الذهب والذى يجذب الذهب إليه، فإذا عولج بالإحماء (بالنار) أصبحت له صفة حجر المغناطيس، ومنها مغناطيس الفضة الذى يجذب الفضة إليه من مسافة كبيرة، ومغناطيس النحاس الذى يستخدم كعلاج للصرع، ومغناطيس الرصاص، ومغناطيس اللحم وهو مغناطيس سئ السمعة فاسد الطبع

стр. 9383

حتى أنه إذا وضع على جلد الإنسان التصق به فإذا انتزع اقتلع معه قطعا من ذلك الجلد. وهناك مغناطيس الشعر الذى يجذب الشعر إليه حتى إذا وضع فوق رأس إنسان انتزع شعرها وتركها صلعاء، ومغناطيس الأظافر الذى ينتزع أظافر اليدين إذا قرب منها. وذكر الدمشقى فى نخبة الدهر أن الذهب هو مغناطيس الزئبق (الزيبق)، فإذا اقتربا من بعضهما البعض جذب الذهب الزئبق إليه وامتزج فيه. فإذا خلطت برادة الذهب والحديد والرصاص والنحاس والقصدير وأضيف إليها الزئبق، بحث الزئبق عن الذهب وامتزج به وترك غيره من الأحجار (المعادن) وذلك بسبب وجود الصداقة المغناطيسية بين الذهب والزئبق. ولم يكن غريبا أن ينسج الإنسان فى العصور القديمة بعض الأساطير حول حجر المغناطيس، وكان أطرفها أسطورة التمثال الحديدى المعلق فى الفراغ فى داخل قبة مصنوعة من حجر المغناطيس فى دير الصنم بالهند -سبب تعلق هذا التمثال فى الفضاء هو انجذابه بقوة متساوية من جميع الجوانب لقبة المغناطيس وقد عرف سر ذلك حينما زار السلطان محمود بن سبكتين ذلك المعبد واقتلع أحد مرافقى السلطان حجرا من القبة المغناطيسية فاختل توازن التمثال المعلق وهوى إلى أرض القبة. وجاء فى كتب التراث وصف للجزائر المغناطيسية فى البحر الأحمر والمحيط الهندى والتى كان يخشاها البحارة لأنها كانت تنتزع المسامير المثبتة لألواح السفن وتغرق السفن من جراء ذلك. واشتهرت تلك الجزر فى حكايات السندباد البحرى. . ولم يعرف القدماء العلاقة بين الكهرباء والقوة المغناطيسية. وكان العرب على علم بما قاله جالينوس عن القوة التأثيرية للسمك الكهربائى (بسبب الشعاع الكهربائى المنطلق منه) وحجر المغناطيس. وقد تساءل ابن

стр. 9384

بطلان بسبب انجذاب الحديد للمغناطيس. وهل يتم ذلك بسبب اشتياق كل منهما للآخر أم أن هناك قوة خفية فى داخل حجر المغناطيس والتى تجذب الحديد إليها. واستخدم المغناطيس فى الطب القديم لإزالة البلغم ومنع التشنج، وأشار الأطباء العرب إلى أنه إذا أمسك المريض حجر المغناطيس زالت التقلصات العضلية من أطرافه، وكانوا يستخدمون حجر المغناطيس فى تخليص الجسم من قطع الحديد التى تدخل فيه بطريق الخطأ وذلك بإمرار المغناطيس فوق جسم المصاب. وإذا نثر مسحوق حجر المغناطيس فوق الجرح المفتوح انغلق ذلك الجرح والتأم حسب قولهم. وذكروا أن حجر المغناطيس يسكن أوجاع المفاصل والنقرس إذا وضع -بعد دعكه بالخل- فوق مواضع الألم. فإذا استخدم مسحوق حجر المغناطيس كمكياج للعين قوى روابط الود بين المحبين. كما أنه ييسر عملية الوضع وتكون الولادة بدون ألم. وحجر المغناطيس يجلب الحظ السعيد لحامله بصفه عامة. ٢ - البوصلة: عرف عرب المشرق الإسلامى البوصلة من الصينين من خلال تعاملهم التجارى معهم. ووصل هذا الاختراع إلى الشام ومنه إلى موانى البحر الأبيض المتوسط الأوروبية. كما وصلت البوصلة إلى شمال أوروبا عن طريق التجار العرب الذين كانوا ينقلون تجارتهم إلى أوروبا عبر الأنهار فى شمال الدولة الإسلامية فى القرن الثامن الميلادى أو القرن التاسع الميلادى. واستخدم المسلمون الإبرة المغناطيسية فى تحديد القبلة وفى البحر. واتخذت هذه الإبرة أشكالا متعددة أشهرها السمكة المغناطيسية والتى توضع فوق قطعة خشب فوق سطح الماء فى إناء خاص دائرى الشكل ومن هذه الإبر المغناطيسية ما

стр. 9385

كان يعلق أو يثبت على محور مدبب فى علبة خشبية لها غطاء زجاجى تسمى حُق (علبة) القبلة أو بيت الإبرة -وقد أطلق الأتراك اسم البوصلة على هذه العلبة فيما بعد. وقد صنع العرب بوصلات تشبه البوصلات الحالية وبينوا على دائرتها الجهات الأصلية وقسموها إلى درجات. وقد انتقلت هذه البوصلات العربية إلى أوروبا بعد ذلك. د. مصطفى محمود سليمان [ديترتش، فيدمان E.Wiedemann, A.Dietrich] المغيرة بن شعبة هو المغيرة بن شعبة أبو عبد اللَّه الثقفى، أحد صحابة الرسول [ ﷺ ] الذين قاموا بالعديد من المهام فى عهد الخلفاء الراشدين وأوائل الخلافة الأموية. كان "حليفا" لثقيف ومن بنى مُعتب القوامين بالحفاظ على "اللات" فى الطائف، وهو ابن أخت الصحابى الشهير "عروة بن مسعود" وقد اضطر لترك "الطائف" مسقط رأسه بعد ذلك. كان أحد دهاة العرب الأربعة (معاوية وعمرو وزياد والمغيرة) واستعمله الرسول [ ﷺ ] فى هدم معبود الطائف وهيكله وقد استطاع "المغيرة" فى خلافة "أبى بكر" أن يصل إلى مكانة كبيرة وولاه "عمر" البصرة وفى سنة ٢١ هـ/ ٦٤٢ م، عاد مرة أخرى إلى الحياة العامة حين ولاه عمر, "الكوفة" فلم يزل عليها حتى قتل عمر على يد أبى لؤلؤة المجوسى واعتزل الحياة العامة فى خلافة "عثمان". وانسحب فى عهد "على" إلى "الطائف" ليرقب مجرى الأحداث وفى سنة ٤٠ هـ/ ٦٦٠ م تولى الإشراف على أعمال الحج. بناء على رسالة تكليف من "معاوية" والتى اتهم بتزويرها. لقى التقدير من الخليفة الأموى وكان يعتبر "داهية" زمانه و"الذى يجد لنفسه مخرجا من أحرج المآزق"، فقيل إنه كان قادرًا إذا أغلقت عليه سبعة أبواب -أن يفلها جميعًا بدهائه وقد ولاه معاوية سنة ٤٤ هـ/ ٦٦١ م أمر "الكوفة"، الإقليم
следующие страницы →