← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

لا تكون المقامات ذات ارتفاع ثابت فى التردد بالنسبة للمبادئ الفيزيائية عالمية. إلا أنها تمتلك ادخالا تفضيليا preferential لجنسها الرئيسى، وهى عملية تتم بسهولة على درجات عفق معينة من سلم الأصوات. كما أن أجناس الشد عربان Shadd Araban، واليجاه Yegah يتم إدخالها على اليجاه؛ وبالتالى يدخل السوزيديل Suzidil على العشيران ashiran؛ والعجم - عشيران Adjam-Ashiran على النيم - أجام nim-adjam؛ والعراق على العراق Irak؛ ويتم إدخال النهاوند Nihawand. والنكريز Nikriz، والنوى أثر Nawathar، والحجاز - كار Hidjaz-kar، والرست على الرست؛ وكذا الكردى، والحجاز، والبياتى Bayati، والنوى، والحسينى، والعشاق، والصبا، والشهناز Shahnaz على الدوكا، أما السيكا segah، والهزام huzam, والمستعار Mustaar فتدخل على السيكا، الخ. ولما كان الارتفاع فى تردد درجات العفق بدلالة ارتفاع التردد للسلم النظرى للأصوات، حيث يتغير الأخير من منطقة لأخرى ومن مدرسة لأخرى، فقد يكون من الصعب الكلام عن ارتفاع مطلق، خاصة فى الدرجات الأوروبية، والتى غالبا ما تذكر بإسناد in reference، ظل موجودا منذ القرن ١٨. وأحيانا ما يستخدم الإسناد للناى nay كدرجة، يمثل ذلك نفس المخاطرة، طالما أن الناى ينقل السلم بدلالة حجمه، مع درجات عفق ثابتة. فى الدول العربية فى منطقة البحر الأبيض، عادة ما يؤول الرست إلى دو ٢ do ٢ ويعزفه هكذا الموسيقيون المتمرسون. وفى تركيا تم تثبيت السلم. وأطلقت التسمية صول على نغمة الرست الأساسية، والصول المدونة اصطلاحيا هى رى ٢ re ٢ فى المعاهد الرسمية وفى العراق وإيران، تكون الرست أكثر سهولة فا ٢ fa ٢ أو صول ٢ sol ٢. وهذه الارتفاعات تناسب مغنى الباريتون تماما. وفى الممارسة العملية فى جميع العصور، يختار العازفون سلمهم بينما يقوم المغنون بعرض سلالمهم بدلالة مقدرتهم الصوتية.

стр. 9417

ويمكن نقل المقامات بطرق مختلفة، إلى جانب النقل بالإزاحة الكلية لدرجة الأوزنة Tuning pitch للآلة الموسيقية أو سلم الأصوات النظرى. فيمكن الحصول على نقل Transposition على الناى بالإبقاء على أماكن العفق وتغيير الناى. وفى القانون والسنطور santur، ينتقل العزف بعد ضبط درجة الدوزنة. أما فى العود، فيمكن نقل كل درجات العفق على أى مجرى course للأوتار إلى المجرى التالى، ويناظر ذلك نقل رابعة دون تعديل فى الاتزان الصوتى الداخلى للمقام. ومن الممكن أيضًا نقل البياتى على الدوكاه (الوتر الثالث حرًا) إلى النوى (الوتر الرابع حرًا) أو على العشر بران (الوتر الثانى حرًا) دون الإخلال بإنشائه، طالما أن النغمة النهائية والارتكاز (الدرجة الرابعة) تظل مدخلة على الأوتار الحرة. وفى بعض الأحوال، يتخذ المقام اسما جديدا عندما ينتقل بتلك الطريقة. وفى حالات أخرى، ينقل الموسيقى النهاية فى نمط طولى على الوتر، مما يؤدى إلى نقل تتغير فيه كل درجات العفق مع تعديل الإنشاء الصوتى للمقام. ومثال ذلك مقام الرست عندما يتم عزفه على نهاية سيكاه، خاصة عندما يكون الأداء صعبا والذى يغير الدور الصوتى للارتكاز (الدرجة الخامسة)، وعادة ما يكون ذلك على وتر حر (نوى)، ويؤديه بعفق عند منتصف الوتر. ولبعض المقامات، من واقع ملاحظتها على السلم، لها أنظمة سلالم أوكتافية تماثل تماما مع مقامات أخرى، والتى يختلف طول إدخالها على السلم النظرى. مثل مقامات: شداد - عربان (على اليجاه)، سوز بديل (على العشيران)، الحجاز كار (على الرست)، والمقامات التركية زنجولى zengule والشاهناز (على الدوكاه). عندما يتم عزفها على القانون فى غياب معايير الارتفاع، ولا يمكن التفريق بينها (تمييز واحد عن الآخر) إلا بالصيغ Formulas، وتفاصيل التحوير أو القفلات. وعلى النقيض من ذلك، فعلى العود يكون لهم الاتزان الصوتى الخاص بهم. فالنهاية اليجاه (الوتر الأول حرًا) من مقام الشد

стр. 9418

- عربان على العود تكون درجة تفضيلية وأساسية. ومن ناحية أخرى، لا تكون النهاية الرست (عند عفق ثالثة صغيرة على الوتر الثانى عشيران) لمقام الحجاز- كار، وهى نغمة أساس هامة جدا، درجة تفضيلية صوتيا. وبالتالى، لا يكون مقام الحجاز - كار عبارة عن شد عربان منقول. وقد أثارت مسألة الميل (صعود وهبوط) فى المقامات مناقشات عديدة. فبعض المقامات، عند القيام بتطور ألحانها المرتجلة، تظهر عمدا ميلوديا صاعدة، والبعض الآخر يظهر ميلوديا هابطة. ويعطى علماء الموسيقولوجيا الأتراك معلومات دقيقة فى أعمالهم عن طبيعة الدرجة الموسيقية لإعطائها قيمتها. وفى بعض الأحيان تختلف مقامان فى الميول رغم تماثلهما فى الإنشاء المقامى والإدخال. كما نجد أيضًا أن البياتى التركى يكون هابطا والعشاق التركى صاعدا: ويثير الحجاز التركى تناقضا فى صعوده وهبوطه، بينما يكون العزال Uzzal صاعدا؛ والنيفا Neva التركى يكون صاعدا أيضًا، والتحرير (Tahrir) التركى هابطا. وفى العراق عادة ما يكون المقامان الشائعان، والموضوعان على أساس الإنشاء المقامى للصبا وهما على التوالى: المنصورى Mansuri صاعدا، والنحيل Na'il هابطا. ومن الناحية التاريخية فإنه من المفترض أن يناظر كل جنس وكل مقام ايثوس Ethos (روح ruh) معين أو يقال له وجدان مقامى modal sentiment, والذى يكيف إلهام الفنان، وإدراك أو إحساس المصاحبين له، إلى جانب المستمعين، عندما يؤدى ارتجالاته. وقديما كان لكل مقام أو جنس ساعته المفضلة، فعند الفجر مقام رحاوى Rahawi، وفى المساء مقام زيرافكاند Zirafkand، وذلك إذا ما أشرنا إلى الدراسة مجهولة المؤلف المهداة للسلطان العثمانى محمد الثانى (القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى). إلا فى القرن العشرين قلب تأثير الإعلام والحفلات الليلية تلك المفاهيم.

стр. 9419

إلا أن الرست سيظل كلاسيكيا وأكاديميا، أما البياتى فله روح ريفية وميول جماعية مما يجعله مناسبا تماما للأغانى الشعبية، ويعبر السيكا عن عواطف سامية ويميل إليه الصوفيون، ويرتبط الصبا بنسيم الفجر المنعش، ويعبر عن الضنى عند نهاية الليل مع ميول واضحة نحو الحزن والاكتئاب. ومن ناحية أخرى يبدو غريبا تماما لفكرة الاستيقاظ وهو ليس مقام استيقاظ. ومقام الحجاز لديه القدرة على إيقاظ الشجن دون اكتئاب وهو يثير الأذن الغربية ويلفت النظر. وإلى حد ما، فإن الأدعية تكفل نوعا من روح المقامات، حيث تغير المقامات مع كل دعاء. التسمية والمقارنات . من الصعب تحديد أعداد المقامات الحقيقية والزائفة فى غياب فكرة وتصور مسبق، وكذا لتعدد التقاليد الموسيقية التى تشيع فى قلب العالم العربى - الإيرانى - التركى المسلم. وفى العصر الساسانى، قام منظر موسيقى فارسى، برباد Barbadh بتطوير نظام موسيقى صوفى له علاقة بنشأة الكون Cosmogonoys وصف فيه سبع خسروانيات khusraeanis (مقامات)، ثلاثين لان Lahns (أجناس) و ٣٦٠ داستجاه dastgahs (تحويرات). ولم يختف هذا النوع من التسمية الاصطلاحية كأساس للأرقام التنبؤية Fatidical، وما زال بعض الموسيقولوجيين المعاصرين يحفظون سبع نوتات وأربعين مسافة للأوكتاف بحيث يصلوا إلى ٣٦٠ مقاما. وفى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى، وصف صفى الدين الأرموى اثنى عشر شدودا shudud، وستة أوزان awazat، ومركب murakkab واحد ومقامين غير محددين. وبصرف النظر عن الدراسات المستفيضة للعصور الوسطى والتى رست السلالم، والمسافات، والأجناس والمقامات على العود، والتى وضعت تسميات اصطلاحية لتصنيفات المقامات المستخدمة، فلابد لنا من أن نأخذ فى حسابنا دور الرعاية التى كان يؤديها الحكام للفن والفنانين (وهم بدورهم

стр. 9420

من ذوى الموهبة السليمة والأصالة) مما شجعهم على إبداع مقامات جديدة يقدمونها لأميرهم وسط حشد من الخبراء والمتذوقين. كما أنه خلال ثلاثة عشرة قرنا، تم وصف مئات المقامات. ورغم ذلك فالممارسة الحالية فى وقتنا الحاضر محدودة بعدة عشرات من المقامات البسيطة والمركبة ومئة مقام منقول. ويصف إيرلا نجيه Erlanger ١١٩ مقاما شرقيا و ٢٩ تونسيا تنتمى إلى التقاليد الأسبانية - العربية. ويصف س المهدى S. Al-Mahdis ٤٠ مقاما. ويلاحظ الكسيس شوتان Alexis Chottin وجود ٢٤ نوبة Nawbat من شمال إفريقيا، تناظر المقامات الأربعة والعشرين. ويصف حسين سعد الدين أريل Arel مائة مقام تركى. وتصف نيللى كارون Nelly Caron وداريوس سافات Dariouche Safvate اثنى عشر مقاما إيرانيا، منهم ٧ داستجاه dastgah وخمسة أواز awaz. ويلاحظ يورجن إيلسنر Jurgen Elsner وجود نظام من ستة مقامات Mokomat فى آسيا الوسطى، عادة ما تميزها صيغ خاصة. ويحصر حبيب حسن توما Touma المقام الأذربيجانى فى أكثر من ٧٠ مقاما mugam. وتوجد بلا شك بين تلك الإنشاءات أوجه تماثل وتباين عديدة. وتشرح لنا القوانين الجمالية والطبيعية للموسيقى، مع قوانين الكون، والطابع المحدود للسلم النظرى للأصوات، بكل ما حدث طوال التاريخ من تشويش وتدخلات، كيف حدث التماثل بين العديد من المقامات العربية الإيرانية التركية أو مقامات آسيا الوسطى وبين المقامات الهندية (الراجا Raga)، والمقامات اليونانية أو المقامات التى استمرت فى الكنائس الشرقية أو بين الأقليات. وفى مجال التشابه مع الهند، يمكننا أن نتعرف على هوية الإنشاء بين المقام الهندى بايرواى Bairavi والكردى kurdi كما أنه بالنسبة للتراث اليونانى، لابد من ملاحظة أن الموسيقيين الكلاسيكيين عند نهاية القرن الثانى الهجرى/ الثامن

стр. 9421

الميلادى مثل إسحق الموصلى Ishak-al-Mawsili قد استخدموا السلم الفيثاغورثى الهيلينى على وجه الحصر. أما إعادة اصلاح وتأهيل الإنشاءات القومية فى الموسيقى الأكاديمية فيبدو أن منصور زلزل Mansur Zalzal هو الذى قام بذلك مستخدما درجات العفق المتعادلة. ومنذ ذلك التاريخ، تعايشت الإنشاءات اليونانية مع المحلية جنبا إلى جنب. ولا يخطئ بعض علماء الموسيقى المسلمين عندما يؤكدون على التناظر بين الأجناس الإسلامية واليونانية: الأيونى Ionian. البولى Aeblian. الدوريانى Dorian، والفريجى Phrygian. ورغم ذلك تعانى تلك الطريقة من كثرة التصنيفات للأجناس اليونانية. وهكذا يجدر بنا ملاحظة وجود مقامات كبيرة وصغيرة وأوجه تشابه مع المقامات الديوانية للكنيسة اليونانية: الرست - دياتونى طبيعى، البياتى - صغير كروماتى، والحجاز كار - كير كروماتى. وتظهر أوجه التشابه مع المقامات اليونانية بالمثل نتيجة لتأثير أوروبى مساو للقرن ١٩، وهو تأثير سبب إعادة هلينية hellenisation، تحمل تناقضا ما. بعد سقوط الدولة العباسية -والتى ميزت ازدهار المزج والتوفيق بين العناصر الموسيقية العربية - الإيرانية - التورانية (التركستانية)، تراجعت الصيغ الأكاديمية الموسيقية بين العرب والإيرانيين لتكتشف تألقا جديدا فى البلاط العثمانى. إلا أنه بداية من القرن التاسع عشر، بدأ الذوق السلطانى يتحول إلى أوروبا ومعه بالطبع الذوق العام فى استانبول وقد عاد النهاوند (المينور) للانتشار ثانية)، وظهرت مقامات ذات ميول تعديلية tempered للمناسبات الضخمة كالنوى أثر (نفيسر Neveser)، سلطانى يجاه (صغير هارمونى harmonic minor)، حجاز كاركوردى (كورديلى - حجاز كار kurdili-Hidjaz-kar)، فرح فازا Fa-

стр. 9422

rahfaza، وفرح نوما Faeahnuma. وإنها تلك المقامات مع مقامات أخرى ظلت متألقة فى البلاط العثمانى، هى التى استقدمها إلى مصر عبده الحامولى كى يجدد نشاط الموسيقى المصرية، والتى كانت فى ذلك الوقت فى حالة يرثى لها، تحف بها أخطار التدهور إذا ما صدقنا وصف فيللوتو Villoteau لها. وتتشابه المقامات الإسلامية مع مقامات الكنائس الشرقية إلى حد مدهش رغم ما فى الصيغة والأسلوب من تباعد. وقد يعزى ذلك للميراث القديم المشترك لكل من التقاليد الإسلامية والمسيحية، وكثمرة لتعايش مشترك لفترة تربو عن العشر قرون. ومن الممكن طرح نفس السؤال بالنسبة للغناء الكوماوى Commatic chant للكنائس التى كان العثمانيون يشرفون على إدراتها، وعن طريقها استوعبوا التراث الفنى البيزنطى، والنظام الكوماوى. وتكشف لنا مشكلة المقامات الموسيقية التى استمرت مع الأقليات نفس التشابه المنطوى على لبس. بالنسبة للكورد مثلا فمن المعروف تماما فى تركيا، العراق وإيران أن المغنين الأكراد والعازفين يؤدون مقامات الحسينى أو الدشت فى نوع من السرعة حسب صيغهم وأساليبهم الخاصة. وقد تعزى الصيغة والأسلوب إلى البيئة الجبلية بالإضافة إلى المعايير العرقية Ethnic الدقيقة. إلا أنه إذا كان الأمر هو مجرد مصالحة وتوفيق بين المواطنة citizenship أو جنس ما، وبين المقامات، فمن الجدير بالذكر أن نفس مقامات الحسينى أو الدشت قد استمرت بنفس الإنشاءات والصيغ الكلاسيكية أو الأساليب فى اسطنبول وبغداد، أو طهران. وبعض المقامات من ذات الإنشاءات الممكن العثور عليها فى العالم العربى - الإيرانى - التركى، قد ظهرت فى صيغة، وطراز واسم يجعلها مميزة فى

стр. 9423

المنطقة. إلا أنها لا ترتبط بدقة مع أمة بذاتها. وأيضا، سنجد أن مقامات شور shur وداشتى Dashti (إنشاء بياتى) أو أفشرى Afshari (إنشاء سيكاه) فى إيران، قد استمرت كما هى فى أذربيجان، متناظرة على التوالى - إذا ما أخذنا الإنشاء فى اعتبارنا - مع مقامات الشورى Shuri، داشت Dasht، وأوشر Awshar فى العراق، وقد تكون قد استقت من ميراث مشترك فى تلك الدول الثلاث. وقد يقدم المقام الكلاسيكى فى صور مختلفة حسب المكان، كما نجد أن مقام السيكا الذى يلفت النظر بنهايته عند درجة عفق متعادلة، يختلف فى أدائه حسب مختلف النماذج: ففى البلاد العربية عند الدرجة الثالثة، على جنس تتراكورد رست/ بوساليك محور، وفى إيران على مقابل جنس البياتى، أو عند الدرجة الخامسة، على تتراكورد حجاز فى تركيا. وهناك مقام آخر يسمى نوه/ داستاجاه - أى نوى/ نيفا مقامى Nawa/ daslgah-i-Nawa/ Neva makami يستمر على النحو التالى: - تيتراكورد بياتى (يتغير بصعوبة) مدخل على درجة عفق دوكاه (الوتر الثالث على العود). - بنتاكورد متغير محور مدخل على درجة عفق نوى (الوتر الرابع الحر فى العود) والذى قد يكون أيضًا على النحو التالى: (أ) بنتاكورد رست فى تركيا (الدرجة الخامسة وتتحرك بصعوبة)، أو: (ب) بنتاكور رست، بوساليك، بياتى أو حجاز فى إيران (الدرجة الخامسة والسادسة المتحركة). وقد تتيح دراسة مقارنة للمقامات العربية والإيرانية والتركية، بتجريد القوميات، والانفصالية أو الادعاء (بالأبوية) إكتشاف عدد كبير من الإنشاءات المتشعبة تحت اسم مشترك أو إنشاءات مشتركة تتخذ أسماء مختلفة. ورغم ذلك فاللبس الذى يحيط بالمصطلحات سيتدخل بصورة ما.

стр. 9424

فالمقام المسمى جساهاركاه بين العرب والأتراك ماجور major، بينما الجاهركاه الإيرانى يناظر حجاز كار عربى - تركى. والماجور يسمى ماهور Mahur أو رست - بانجاه rast-Pandjgah فى إيران، بينما لا نجده ماجور major عند العرب. والمقامات المسماة باتجاه وشورى فى العراق قد تسمى سوزناك وكارجيغار Kardjighar فى تركيا وسوريا. وقد أثبتت الجهود التى لم تؤت بثمارها فى مؤتمر الموسيقى العربية الذى عقد بالقاهرة عام ١٩٣٢ أنه قد سبق السيف العذل لوضع تسميات اصطلاحية nomenclature مستتبة، أو أنه من الوهم تثبيت ارتفاع الدرجات المتعادلة. وهى عالية جدا فى استطنبول ومنخفضة جدا فى القاهرة. وأخيرا أتاح المؤتمران الموسيقيان اللذان عقدا فى بغداد عامى ١٩٧٥، ١٩٧٨ م الفرصة لنا لتأكيد استحالة الموافقة على اصطلاح مقام makam فى معناه الموسيقى. وعلاوة على ذلك فكل هاو للموسيقى وكل موسيقولوجى سيستمر فى استلهام المقام بدلالة حساسيته الشخصية أو مدى استيعابه للإنشاء Formation: صيغ ميلودية شائعة، تجميع للهوية الثقافية، التعبير عن موسيقى عرقية ethnic، النظام المقامى، الهيبتاتون على السلم الموسيقى، البروتوكول المقامى، صيغة الارتجال، الآثار الجمالية الباقية من العصور الذهبية، عقبات النمو والتطوير فى اتجاه الهرمنة harmonisation، والتواصل مع روح الأمة، النظام اللغوى للعود واللغة النوعية. . الخ. المصادر: ببليجرافيا: عن المقام كما فهمه الموسيقولوجيون المستشرقون أو علماء الموسيقى العرقية ethnomusicologists عن الموسيقى musiki والعود ud فى مؤلف J.Elsner فى "مشكلة المقامات Zum Problem des Maquam". Acla musicologica XIVii/٢ (١٩٧٥), ٢٠٨ - ٣٠ ترجمة د. حسام زكريا مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب رقم الإيداع بدار الكتب ٢٤٦٦/ ١٩٩٧ I.S.B.N - ٩٧٧ - ٠١ - ٥٠٩٥ - ٩

стр. 9425

موجز دائرة المعارف الإسلامية «مقام إبراهيم - نصائح الملوك» [الجزء الحادي والثلاثون]

стр. 9426

مقام إبراهيم مكان للصلاة، طبقا لنص الآية ١٢٥ من سورة البقرة. ويذهب بعض المفسرين إلى تفسير كلمة "مصلى" بأنها مكان للتوسل والابتهال. كما تختلف القراءات بشأن الفعل "اتخذوا" فالشائع هو قراءاته بكسر الخاء كفعل أمر. وقد قيل أن الآية نزلت بمناسبة طلب عمر رضى اللَّه عنه من الرسول أن يجعل من مكان مقام إبراهيم مصلى، ويعتبر نزولها على ذلك تصديق من القرآن لعمر. ويجيب ابن الجوزى على التساؤل عن كيف أن عمر يطلب إدخال ملة أخرى على ملة الإسلام (ملة إبراهيم) بالقول بأن إبراهيم ﵇ يعتبر إماما للمسلمين، وتواترت الآيات على اتباع ملته. أما قراءة الفعل المذكور بفتح الخاء كفعل ماض فيربط بالسياق ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ (انظر مثلا "التفسير" لمجاهد، تحقيق عبد الرحمن السرطى، إسلام أباد، بدون تاريخ، والشوكانى، فتح القدير، طبعة بيروت). ويذهب رأى فى التفسير إلى أن المخاطبين بفعل الأمر "اتخذوا" هم بنو إسرائيل، ربطا للسياق بالآية ١٢٢ من نفس السورة ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ. . .﴾ ويذهب رأى آخر إلى أن المخاطبين هم اليهود فى عهد الرسول ﵇. ورأى ثالث يذهب إلى ربط السياق بالآية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، (انظر الشوكانى). هذا قد اختلفت الآراء حول مدلول "مقام إبراهيم" وفُسر على أن المقصود به كل أماكن الحج، وفى تفسير آخر إلى أن المقصود هو عرفات والمزدلفة وموضع رمى الجمرات، ورأى ثالث إلى أنه عرفات فقط ورأى رابع أنه الحرم المكى أما الشائع فهو أنه الحجر المسمى بهذا الاسم بالقرب من الكعبة المشرفة. وقد زاد من قدسية الحجر أنه يحمل أثر قدم إبراهيم ﵇ -فيما يقال- وثمة روايات عن معجزة لهذا الحجر، وهى أنه حين ارتفع بناء الكعبة، طفق يرتفع وينخفض حتى يتيح لإسماعيل مناولة والده مواد البناء. كما يقال أن هذه المعجزة حدثت حين اعتلى إبراهيم الحجر ليؤذن فى الناس بالحج. على أن بعض المفسرين ينظر للحجر على أنه مجرد تحديد لموضع الكعبة، ومنهم من يطلب من المصلى أن يجعل الحجر بينه

стр. 9427

وبين الكعبة عند الصلاة فى حالة الصلاة فى المسجد الحرام ولكن هناك من لا يشترط ذلك. كما ذكرت روايات عن فضل الحجر، من كون الدعاء مستجاب عنده، ومن الفقهاء من يستنكر عادة تقبيل حجر مقام إبراهيم أو التربيت عليه أو الطواف حوله. هذا ويقال أن قدسية حجر مقام إبراهيم ترجع لكونه قد هبط من السماء، أو بسبب أن عددًا، من الأنبياء يبلغ ٩٩ نبيا مدفونون تحته، منهم نوح وصالح وهود، ولما كان الأنبياء أحياء فى قبورهم فلا غضاضة من الصلاة فى هذا الموضع بل أنها مستحبة فيه. والمقام حجر صغير الأبعاد، يبلغ ٦٠ سم عرضا، و ٩٠ ارتفاعا. وهو الآن محتفظ به فى صندوق زجاجى ذو قضبان فوق قادعة متعددة الأضلاع، وللهيكل بأكمله غطاء من أعلاه، وهو مرتفع عن الأرض بثلاث ياردات. وفى العهود الأولى من الإسلام كان الحجر محفوظا فى صندوق خشبى مرتفع عن الأرض حتى لايكتسحه الطائفون. وقد كان الحجر يُظهر للعامة حين كانت الصلاة يحضرها الحاكم أو أحد نوابة، وبعدها يعود إلى موضعه. وفى عام ١٦٠ هـ/ ٧٧٧ م نُقل المقام إلى مقر الخليفة المهدى أثناء حجَة، وفى العام الثانى وأثناء رفعه بلا عناية وقع وتشققت أسطحة. وقد أمر المهدى بترميمه وتقوية أسطحه بالذهب. كما قام المتوكل فى عام ٢١٤ هـ/ ٨٥٥ م بتحسين القاعدة وتزيين المقام ذاته بالذهب وبناء قبة فوقه. وقد أزاله وصهره حاكم مكة جعفر بن الفضل لكى يسنغل هذا الذهب فى التصدى لثورة إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم. وقد جرى ترميم كامل للمقام فى عهد الحاكم على بن الهاشمى عام ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م ويحكى الفاكهى أن الحجر حين نُقل إلى دار الإمارة لوحظ ما عليه من كتابة، أخذ منها نسخة حاول R.Dozy تفسيرها، إلا أن تفسيره، فى رأى البروفيسور J.Naveh غير منطقى. وجرت مناقشات حادة حول موضع القام، فالأقاويل حول ذلك مشتتة، بل ومتعارضة، قسمها السنجارى خمس فئات. فتقول رواية أن عمر هو أول من نقله من موضعه. وتقول رواية أخرى أن موضعه الحالى هو ما كان عليه فى عهد إبراهيم، ثم نقل فى الجاهلية ملتصقا بالكعبة، وظل كذلك فى عهد الرسول وأبى بكر، ثم أعاده عمر لموضعه الأصلى بعد فترة من حكمة. وطبقا لرواية ثالثة فإن

стр. 9428

الرسول هو من نقل الحجر من موضعه الأصلى إلى موضعه الحالى. وفى رواية رابعة نقل عمر الحجر ثم أعاده لنفس الموضع إثر سيل جارف. وأخيرًا تقول رواية إن عمر نقل الحجر إثر السيل، ثم أعاده لموضعه الأصلى بعد ذلك. أما ابن كثير فيرى أن الحجر كان داخل الكعبة ثم نقله الرسول إلى جدارها قائلا إن هذا هو اتجاه القبلة، وهى رواية لا تدخل عمر فى الموضوع. وكون عمر قد نقل الحجر من موضعه أمر مبرر يقبله المنطق، فالطبرانى يفسر التناقشات بأن الحجر كان فى عهد الرسول ملتصقًا بالجدار بالفعل، وأن عمر بعد وفاة الرسول استفسر عن الموضع الذى كان فيه الحجر فى عهد إبراهيم، مدركا رغبة الرسول فى اتباع سنته ﵉، ومن ثم أعاده لموضعه الأصلى. ويروى السنجارى عن ابن سراقة أن المسافة بين باب الكعبة وموضع مناجاة آدم لربه مستغفرا كانت تسعة أذرع، وهذا هو موضع "مقام إبراهيم" وهو الذى فيه صلى الرسول [ ﷺ ] بعد الطواف ركعتين إثر نزول الآية: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، وأن الرسول هو من أبعده عن موضعه إلى الموضع الحالى على بعد عشرين ذراعًا. أما ابن جبير فيذهب إلى أن الحفرة التى عند الباب، والتى يتجمع فيها ماء غسيل الكعبة، هى مقام إبراهيم، وأنه بسبب تكدس الطائفين فى هذا الموضع روئى نقله من مكانه. وكون المقام ليس فى موضعه يثير نقطة مهمة، هل تكون الصلاة المأمور بها فى الآية عمد الموضع الأصلى أم عند الوضع الحالى. والشيعة على علم بقضية نقل المقام، فالشيعة الإمامية ترى أن تكون الصلاة فى الموضع الأصلى، وهو عندهم يقع بين الركن العراقى والباب. ويتلو ذلك فى الفضل الصلاة فى الموضع الحالى. ويرى ابن باباويه قصة نقل الحجر على الوجه التالى: لقد اعتلى إبراهيم الحجر وهو يؤذن الناس بالحج، حيث كان أثر قدمه، وأن الناس فى الجاهلية نقلوه لموضعه الحالى لتسهيل الطواف، ويقال إن الرسول سأل عن موضعه قبل الجاهلية ونقل الحجر إليه. وأن عمر هو من أعادة للموضع الذى كان الحجر فيه فى الجاهلية. وهناك رواية أن عمر نقل الحجر خشية أن تطأه الأقدام عند الطواف، ورواية أخرى

стр. 9429

أن الرسول صلى مقابل الكعبة، وسار على ذلك أبو بكر ثم عمر، الذى أعلن بعد مدة أن اللَّه جل وعلا أمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، فنقل المقام بناء على ذلك، وهاتان الروايتان أجدر بالتصديق لما فيهما من موضوعية ومنطق، وبعد عن إعطاء القصة جوانب غيبية. والخلاصة أن عمر قد قام بنقل المقام من موضعه، غالب الظن لأسباب عملية صرفة. أما التغيير الأخير فى موضع المقام فقامت به الحكومة السعودية حيث يوجد الآن، لإفساح المكان للطائفين. المصادر: وردت بالمتن. على يوسف على [م. كستر M. Kister] مقامة تجمع على مقامات، وتعنى بوجه عام "إجتماع أو مجلس"، ولكنها اصطلاحا يقصد بها فن من فنون الأدب العربى. التطور الدلالى للمصطلح: الكلمة مشتقة من الجذر "ق. و. م."، وتعنى "أن تقف" لإحداث فعل ما ثم تطور المعني ليعبر عن فعل من أفعال الابتداء والشروع. وقد ارتبطت كلمة "مقام" مع "ناد" -وهو اجتماع لذوى الشأن من عليه القوم- فى الآية ٧٣ من سورة مريم، وفى شعر زهير بن أبى سلمى. كما أخذت أيضًا معنى "وضع أو حالة" كما ورد فى شعر كعب بن زهير فى موقفه بين يدى الرسول، وهو موقف "هائل" بلا شك، الأمر الذى يحتمل معه أن يكون أساس تطور الكلمة إلى معنى "معركة أو ملحمة"، ثم إلى "معترك، أو ساحة قتال" كما ورد فى شعر جرير وكتابات الجاحظ. ولما كانت الفصاحة هى ما يميز "اجتماع ذوى الشأن"، فقد يكون طبيعيا أن تتطور الكلمة لتعبر عما يدور فى هذه الأندية من موضوعات مطروحة، ثم لما يلقى فيها على أسماع الحضور من خطب تهذيبية. ومما يثبت ذلك تسمية ابن قتيبة لمؤلفه "مقامات الزهاد بين يدى الخلفاء والملوك"، كما كتب الإسكافى المعتزلى مؤلفا أسماه "المقامات فى تفضيل على"، ويتحدث المسعودى عن مواعظ لعلى وعمر بن عبد العزيز ألقيت بمناسبة "مقاماتهم".

стр. 9430

وربما كانت هذه الخلفية هى ما دار فى ذهن بديع الزمان الهمذانى حين اختار كلمة "مقامة" ليعبر عما تضمنته أعماله من خطب تثقيفية لبطله "أبو الفتح الاسكندرى" والتى يرويها عنه "عيسى بن هشام"، ثم أطلقت فيما بعد على الفن الأدبى بأكمله، والذى اختلط -كما سنرى- بما كان يسمى "الرسالة" و"الحديث". هذا وقد جمعت شواهد لمقامات شعرية ونثرية سابقة على أعمال بديع الزمان. نشأة فن المقامات: فى المقامات التى وضعها ابن قتيبة كان خطيب الجمع بدويا أو شخصا رث الثياب، وإن كان عالى الفصاحة، وهو نفس الدور الذى يقوم به "القاص، أو القصاص" أمام جمهور العامة، والذى اختلط فيما بعد بأعمال المكديين (الشحاذون الجوالون) وأعمال الصعاليك والدجالين. ولعل الجاحظ يكون أول من صور هذه الشخصيات المفعمة بالحيوية فيما تضمنه كتابه "البخلاء" عن "حيل اللصوص" و"حيل المكديين". كما لا يجب أن ننسى دور الممثلين الهزليين، حيث إن المقامة تحتوى على عنصر مسرحى لا ينكر، من إبراز المظهر الملائم للراوى، وتهيئة الحالة النفسية العامة للموقف. كما يشار أيضًا فى هذا الصدد لأدب "الفرج بعد الشدة" للتنوخى، معاصر الهمذانى، وهو يحتوى أيضًا على أشخاص يدعو مظهرهم للشفقة، ولكنهم ذوى مواهب خارقة فى فن الخطابة. والمقابلة بين المظهر الرث وبين الفصاحة أو الحكمة هو أمر معتاد فى أدب الملح والنوادر. ويذهب الحصرى (توفى ٤١٣ هـ/ ١٠٢٢ م) إلى أن الهمذانى قد عارض أربعين حديثا منسوبة لابن دريد فى أربعمائة مقامة حول الكدية والمكديين، ويؤيد الدكتور زكى مبارك هذا الرأى، بينما يفنده صادق الرافعى. كما يشير القلقشندى فى "صبح الأعشى" لمقامة منسوبة إلى أبى القاسم الخوارزمى، ولكن الراجح أنها ترجع لعصر تال لبديع الزمان. وأيا كانت الحالة، فربما يمكننا أن نؤكد أن فكرة "المقامة" كما نعرفها

стр. 9431

كانت لائحة فى الأفق، علم، أن النقاد يجمعون على نسبتها -كفن أدبى مبتكر- لبديع الزمان الهمذانى. ويتساءل البعض حول احتمال تأثر الهمذانى فى ذلك بنماذج إغريقية أو بيزنطية، ولكن هذا أمر مستبعد، فيما لا شك فيه أنه قد نشأ فى جو عربى إسلامى خالص، أما تأثره بمؤثرات سابقة عليه فلا يمنع من الإشادة له بالفضل لنجاحه -من خلال تخليقه الحركى لشخصيتيه، خاصة البطل فيهما، فى أدوار محددة بكل دقة- فى تشخيص كافة فئات المجتمع. بنية المقامة الأصلية: يتسم هذا الفن فى أعمال واضحه من ناحية الشكل باستخدام السجع، وهو النثر الإيقاعى المقفى، والممتزج بالشعر أحيانًا، مع وجود بطل فصيح (أبو الفتح الاسكندرى)، وراو (عيسى بن هشام) يروى الحكاية للمؤلف، الذى يقصها بدوره على القراء. ويشبه ذلك؛ رواية الشعر أو الأحاديث النبوية، غير أن الراوى هنا شخصية تخيلية. ويجرى ترتيب الحوادث على الوجه التالى: وصول الراوى لبلدة ما، مقابلته للفصيح، خطاب الفصيح للجمهور، مكافأته، تعرف الراوى عليه، توبيخ الراوى للفصيح، تبرير الفصيح لعمله، الفراق. وبالطبع لا تسير هذه الخطة بصورة مطردة فى كل أعمال الهمذانى، وبالأحرى فى أعمال خلفائه. وقد غطى هذا الفن منذ بدايته قدرًا كبيرًا من الموضوعات: المشاهير من الشعراء القدامى والمحدثين، وكتاب النثر كابن المقفع والجاحظ، وأئمة المعتزلة، إبراز العبارات الخارجة، ولغة السوقة، استعراض المعرفة المعجمية، الخ. ورغم أنه يروى عن بديع الزمان قوله أنه قد كتب، أربعمائة من تلك المقامات، إلا أن هذا غير محتمل بقدر كبير، والرأى الراجح أنها فى حدود الخمسين، وقد أصبح هذا العدد تقليديا عند الكثير من كتاب المقامات بعد ذلك. أما عن المحتوى، فقد تناول هذا الفن العديد من الأغراض، الموعظة، الوصف، الرسالة، أدب الرحلات، الحوار والمناظرة، إلخ. تطور فن المقامة: لم يمض وقت طويل حتى إنغمس كتاب المقامات فى

стр. 9432

التركيز على التلاعب بالألفاظ، وأول من يقابلنا فى هذا الصدد الحريرى (٤٤٦ - ٥١٦/ ١٠٥٤ - ١١٢٢)، أشهر خلفاء الهمذانى. وقد احتفظ الحريرى بالبيئة الأصيلة للمقامة، من بطل وراو، إلا أن الكثير من الكتاب الآخرين قد استغنوا عن الشخصية الأولى، وأحيانا الشخصيتين معا. ويتيح تنوع الموضوعات استغلال هذا الفن الأدبى فى أغراض متباينة إلى أقصى حد، وإذا كان الهدف الأصلى للأدب بصفة عامة هو التهذيب من خلال التسلية بمزيج من الجد والهزل، فإن مقامات كثيرة انحرفت عن هذا الاتجاه، إما باهمال الجد أو نسيان الهزل. وبالإضافة لذلك، فإن أعمالا أخرى تتماشى مع مقتضيات المقامة ولكن تحت مسميات أخرى، مثل "الرسالة" أو "الحديث"، كما أن أعمالا أخرى أطلق عليها مسمى "مقامة" دون أن يظهر فيها أى ملمح من ملامح هذا الفن. وثمة خلط ظاهر بين الرسالة والمقامة، تبدو فى عمل ابن شهيد "رسالة التوابع والزوابع"، فهو يقر بأنه استلهم من المقامة الإبليسية رسالته التى تحمل سمتين من سمات المقامة: السجع، ووجود رفيق للمؤلف وهو "الجنى". وهناك شاهد آخر أسبق تاريخا، هو أعمال ابن شرف، والذى يعطيها أسماء "أحاديث" و"رسائل"، بينما هى تحوى حكيما يبدى آراءه فى الشعراء القدامى والمعاصرين بأسلوب قريب من أسلوب الهمذانى فى مقاماته، ولكن دون وسلطة راو. وفى الأندلس، حيث ينتمى المؤلفان المذكوران، كانت "المقامة" تطلق على أى نص أدبى يتميز بالإيقاع والقافية، سواء تضمن شعرا أم لا، ومهما يكن موضوعه. وكثيرا ما كانت هذه النصوص تثقل بالمحسنات البديعية لدرجة الحذلقة، مع استعراض للمعرفة، مما يجعلها أقرب للطلاسم. تاريخ فن المقامة: باستثناء ما ذكر سابقا عن الخوازمى، فإن معاصرا البديع الزمان، هو ابن نباتة السعدى قد كتب مقامة محفوظة ببرلين، لا يمكن القطع بكونها عملا أصيلا أم تقليدا. كما ألف العراقى، فى القرن الرابع أيضًا،

стр. 9433

مقامة عن "البعث". وتشهد أعمال ابن شهيد وابن شرف السابق ذكرهما بمدى انتشار تأثير بديع الزمان فى شمال أفريقية والأندلس، وينطبق نفس القول على الشاعر ابن فتوح الذى كتب مقامة عن شعراء عصره، قدمت أيضًا فى صورة حوار. وفى المشرق نجد خلفا قريب العهد بالهمذانى، هو الطيب بن بطلان (توفى ٤٦٠ هـ/ ١٠٦٨ م) يكتب مقامة فى "تدبير الأمراض". إلا أن الحريرى هو أكثر خلفاء بديع الزمان شهرة، وهو الذى وضع هذا الفن فى قالبه الكلاسيكى، كما حوله عن التركيز على المضمون إلى الاهتمام بالشكل، فركز كل التركيز على الأسلوب الذى يتسم بالغموض، والذى كان الهدف منه استعراض المقدرة اللغوية، لدرجة أن عشرين فقيها لغويا تولوا شرح مقاماته التى بلغت من الشهرة درجة تحفيظها للصبيان -بعد القرآن الكريم- عن ظهر قلب، كما أنها حفزت كتّاب المقامات المتأخرين على تقليده فى الحيل اللغوية التى ابتكرها. ومن القرن السادس نذكر مؤلفان لهما شهرة طيبة فى كتابة المقامات، قلدا فيها الحريرى، هما الحسن بن صفى، وكنيته ملك النحاة (٤٨٩ - ٥٦٨/ ١٠٩٥ - ١١٧٣) وأحمد بن جميل (توفى ٥٧٧ هـ/ ١١٨٢ م) من بغداد، مؤلف "كتاب المقامات". أما فى الأندلس فقد بلغت شهرة الحريرى أوجها، وكتبت أعظم شروح لمقاماته، وهى ما قام به الشرشيرى (توفى ٦١٩ هـ/ ١٢٢٢ م)، كما قلده الإشتركونى فى "المقامات السرقسطية" التى يبلغ عددها خمسون، وهو العدد التقليدى كما أسلفنا، وهى تعرف أيضا باللزوميات، دلالة على تأثر الكاتب بأبى العلاء. واشتهر بكتابة المقامات أيضًا الوزير أبو عامر بن أرقم والفتح ابن خاقان والوزير أبو الحسن سلامة الباهلى. وفى سورية، تنسب "المقامة الفاسية" لابن محرز الوهرانى (توفى ٥٧٥/ ١١٧٩). وقد تناول بعض الصوفية، كالسهروردى (توفى ٥٨٦ هـ/ ١١٩١ م) مصطلحات الصوفية فى "مقامات الصوفية".

стр. 9434

وفى القرن السابع نجد "المقامة المولوية الصاحبية" للوزير الصاحب صفاء الدين، تناول فيها مسائل شرعية، و"المقامات الزينية" للجزيرى (توفى ٧٠١ هـ/ ١٣٠١ م)، ومقامات لأسماء أخرى كالشاب الظريف فى "مقامات العشاق". أما القرن الثامن فيشهد إكثارا من تقليد المقامات، تتناول غالبا مواضيع دينية أو مديحية. فنجد ابن المعظم الرازى يطلق على كتاباته "المقامات الإثنى عشرية"، ويمدح ابن سيد الناس التونسى (توفى ٧٣٤/ ١٣٣٤) الرسول فى "المقامة العلية فى الكرامات الجلية"، ويستخدم شمس الدين الدمشقى (توفى ٧٢٧ هـ/ ١٣٢١ م) صيغة المقامات فى غرض صوفى فى "المقامات الفلسفية"، أما أحمد بن يحيى التلمسانى فقد اشتهر بشغفه فى كتابة المقامات لدرجة كتابته مقامة عن الشطرنج. ومن غرناطة نذكر "مقامات العيد" لابن المرابع، وبطلها شحاذ من بنى ساسان [قوم ينسب لهم الذل بعد العز] يبحث عن أضحية للعيد، ويعطينا فيها ملامح عن تاريخ غرناطة، و"مقامات السياسة" لابن الخطيب، ذو الإنتاج الغزير فى هذا الفن، وفيها يتخيل عجوزا ينصح الرشيد فيما يتعلق بأمور الحكم، و"المقامة النخيلية" لقاضى الجماعة النبهانى، وتتضمن حوارا متحذلقا لدرجة الغموض بين شجرتى نخيل وتين. وتشهد فترة الانحطاط الأدبى فى القرنين الحادى عشر والثانى عشر/ السابع عشر والثامن عشر استخداما واسع النطاق لفن المقامة فى أغراض متعددة، نذكر منها "المقامات الهندية" لبعبود العلوى التى كتبها فى ١١٢٨ هـ فى وصف مغامرات رحالة فى الهند، و"المقامة البكرية" فى رثاء أبى بكر الدلائى لكاتبها محمد المكلانى من مراكش (توفى ١٠٤١ هـ/ ١٦٣١ م). وإذا ما وصلنا إلى القرن التاسع عشر تبرز لنا أسماء مثل ابن العطار (توفى ١٢٥٠ هـ/ ١٨١٤ م) وأبو الثناء الألوسى (١٢١٧ - ١٢٧٠ هـ/ ١٨٠٢ - ١٨٥٣ م)، وله خمس مقامات تتضمن نصائح لأبنائه، وتأملاته فى الموت.

стр. 9435

ويتولى أدباء عصر النهضة إحياء هذا الفن طبقا لقواعده الأصلية، اعتقادا منهم بأنه -باعتباره فنا يتفرد به الأدب العربى- أفضل وسيلة لتحفيز اهتمام القراء، وإحياء الثروة اللغوية التى أسئ استخدامها فى القرون السابقة. ومن كتاب المقامات فى هذا العصر ناصف اليازجى اللبنانى (١٨٠٠ - ١٨٧١ م) صاحب "مجمع البحرين" ويحتوى على ستين مقامة (وليس خمسين) كتبها لأغراض تعليمية قلد فيها الحريرى بنجاح، وعبد اللَّه باشا فكرى (توفى ١٨٩٠) صاحب "المقامات الفكرية فى المملكة الباطنية". كما تبرز أسماء مثل عبد اللَّه الفيضى من العراق، وإبراهيم الأحدب من لبنان، وغيرهم. وتعتبر مقامات المويلحى "حديث عيسى بن هشام" الإنجاز الحقيقى لفن المقامات فى القرن العشرين، وهى أغنية التم (أغنية الوداع) لمؤلفها، وقد كانت محلا لدراسات متعددة، كما نجد مقامات توفيق البكرى "صهاريج اللؤلؤ" المنشورة فى ١٩٠٧. وقد كتب حافظ إبراهيم "ليالى سطيح" فى نقد المجتمع بأسلوب المقامات الساخر. ونلاحظ أن العنصر المسرحى للمقامات لم يستغل بشكل مرض. ويعتقد الدكتور على الراعى أن "خيال الظل" لابن دانيال مرتبط بالأدب من خلال فن المقامة. كما يبين أن الطيب الصديق من مراكش قد وضع مسرحيات لاقت نجاحا على أساس من أعمال الهمدانى، ولكنها محاولات فردية على أية حال. تقليد فن المقامة فى اللغات الأخرى: كان نجاح هذا الفن الذى ابتدعه الهمذانى ووطد أركانه الحريرى لافتا للنظر عند بعض الكتاب من غير العرب، مما حداهم لتقليده. ففى بلاد فارس ذاع صيت "المقامات الأربع والعشرين" لحميد الدين البلخى (توفى ٥٥٩ هـ/ ١١٥٦ م) والتى تضم محاورات تجمع شابا وعجوزا، سنيا ومسلما، طبيبا ومنجما، ووصفا للصيف والخريف، والحب والحماقة، ومناقشات فقهية وصوفية، وفيها ضحى الكاتب بالإحساس لحساب الشكل. وفى أسبانيا ترجم الحبر يهوذا بن شلمو

стр. 9436

مقامات الحريرى ثم وضع على نسقها خمسين مقامة تعبر عن الحكمة أسماها "سفر تحكمونى" اقتبس فيها من أقوال التوراة ببراعة فائقة. كما ألف يشوع عبديشو -أسقف نصيبين- خمسين مقامة بالشعر السريانى. ويبدو أنه لا توجد شواهد على تقليد فن المقامة فى اللغة اللاتينية، إلا أنه من الجلى أن بطل رواية Picato يشبه إلى حد كبير أبى الفتح الإسكندرى وأبى زيد السروجى. المصادر: (١) G.E.von Grunebawa, The spirit of Islam as shown in its litirature, in SI (١٩٥٣), ١١٤ - ١٩ (٢) Di. Sulta: Fanm al-kissa wa'lmokama Damascus ١٣٦٢/ ١٩٤٣ المقدسى المقدسى لقب عرف به شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أحمد بن أبى بكر البناء الشامى، المعروف أيضًا بالبشارى وقد سماه بهذا الاسم ياقوت فى معجم أدبائه، وهو أعظم جغرافى عربى ظهر فى النصف الثانى من القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى). أما حياته التى لا نعرفها المعروفة الكاملة فلا نستطيع الوقوف عليها إلا من خلال مؤلفاته، وهو مرتبط ارتباطا كبيرا بفلسطين التى شهدت مولده وإلى المدينة التى يحمل اسمها (فالمقدّس أو المقدسى نسبة إلى البيت المقدس أو بيت المقدس)، والأرجح أنه خرج من أسرة من الطبقة الوسطى، وكان جده أبو بكر بناء، ويرجع ذيوع صيته إلى أنه "بنى" بأمر ابن طولون تحصينات عكا البحرية، أما أسرة والدته فقد جاءت فى الأصل من "بيار" وهى بلدة صغيرة فى خراسان، وقد كان جده لأمه أبو الطيب الشوا رجلا ميسورًا مُوَسّعًا عليه كما كان فى الوقت ذاته خبيرا فى صنعة البناء، وقد هاجر إلى بيت المقدس، ويمكن الرجوع إلى كتابه أحسن التقاسيم للوقوف على الأخبار المتعلقة بأسرته. على أنه يمكن من استقراء أحداث خاصة واردة فى ثنايا كتابه هذا أنه ظل فى الوجود حتى سنة ٣٨٠ هـ (٩٩٠ م) أو ما يقربها، وإن كانت هناك أيام قلائل تعتبر معالم بارزة فى حياته نستمد منها أنه

стр. 9437

قام بالحج إلى مكة مرتين فى عامى ٣٥٦، ٣٦٧ هـ (٩٦٧، ٩٧٨) كما رحل إلى حلب فى الفترة من ٣٥٤ إلى ٣٦٤ هـ (= ٩٦٥ - ٩٧٥ م) وزار خراسان سنة ٣٧٤ هـ (= ٩٨٤ م)، أما اعتزامه وضع كتابه فقد اتخذه وهو فى شيراز سنة ٣٧٥ هـ (= ٩٨٥ م) وقت أن مر بها كما يقول، ولكن متى كان مروره هذا؟ لا ندرى، ولكنه كان فى الأربعين من عمره. على أنه يمكن أن يقال أنه تثقف بالثقافة التى تناسب طبقته الاجتماعية، فهو يستعمل فى مواضيع مختلفة هنا وهناك النثر المسجوع والشعر مما يشهد له بالدراسة التقليدية فى علوم النحو. أما مجادلاته فقائمة على الفقه ومناقشة آراء المدارس الدينية والتشريعية مقدما فى كل هذا ما يدل على عناية ملحوظة بالنظم الأساسية، وربما كان المقدسى -كما يقول فى مقدمة كتابه- هو أول من دفعته الرغبة فى وضع عمل علمى أصيل يفوق به أسلافه فى الوصول إلى ما يمكن تسميته بحق بالجغرافية الحقيقية، وهو ينتمى إلى المدرسة التى يمكن تسميتها "بأطلس الإسلام" التى كان أول من أوجدها البلخى ثم استمرت ممثلة فى الأصطخرى وأتمها ابن حوقل الذى كان ساحرًا للمقدسى، الذى كان رائدًا لابن حوقل، وليس من شك فى أنه اعتمد على ما ألفه وما ورثه عنه، وكان هذا الضرب الجديد الذى استعمل البلخى من وصف للعالم الإسلامى شأنا جديدا مستحدثا لأول مرة، على أن تصنيف المادة وتنظيم الطريقة تجعلان المقدسى أول ممثل لهذه المادة عن جغرافية. البلدان الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى)، وكان طموحه فى التنظيم وجمع محتوياته يظهر ميل المقدسى لإبداع مادة مفيدة لاسيما للتجار والأدباء، وهذه النقطة الأخيرة من النقاط الهامة، فقد طعّم كتابته بالنثر المسجوع والشعر، أما فيما يتعلق بالمحتوى (وهو يظهر المنهج الذى حدده المؤلف لنفسه والذى يبدو واضحا بدءًا من المقدمة إلى مادته فتبين أن المقدسى كان يهدف لأن يكون الكتاب شاملًا لجميع الفروع التى يمكن بها أن نسميه بمنطوقنا اليوم بالجغرافية من الجوانب الطبيعية والاقتصادية والإنسانية. لقد اقتصر الكتاب نفسه -إذا نظرنا إلى الخريطة- على عالم الإسلام إلا باستثناءات

стр. 9438

قليلة نادرة ألمَّ فيها ببلاد أجنبية، ويتضح ذلك من مقدمة كتاب صورة الأرض، فهو يتضمن عالمًا يتألف من قسمين هما: مملكة العرب ومملكة العجم ويربط المقدسى بين بينهما فى مفهوم فريد، فمملكة الإسلام تعنى عنده مملكة إسلامية واحدة، فهناك ست "ممالك" عربية هى المغرب ومصر وبلاد العرب والشام والعراق وأقود (وهى أرضى الجزيرة وشمال ما بين النهرين)، كما نجد من ناحية أخرى ثمانى ممالك أو ولايات غير عربية هى رحاب (وتشمل أذربيجان الأرمنية) والديلم، وإقليم جبال خوزنسان، وفارس، وكرمان والسند والمشرق، وهذا اللفظ الأخير يتضمن جميع الأراضى التى تدخل مباشرة أو عن طريق غير مباشر تحت نفوذ السامانيين (وهى سجستان وأفغانستان وخراسان وبلاد ما وراء النهر المعروفة باسم "ترانسكسانيا" وأما الوحدة التى يمكن أن تكون هناك فتتكون من بلاد تنقسم إلى كتلتين يفصلهما بحر (البحر الأبيض المتوسط وبحر المشرق/ أو صحراء وهو ما يعبر المقدسى عنه بعبارة بادية العرب ومفازة خراسان)، كما أن هناك ولايتين لكل منهما عاصمة هما: الأندلس وعاصمتها قرطبة والمغرب الأصلى وعاصمته القيروان، وأما المشرق الأصلى فهو البلاد الواقفة جنوبى نهر سيحون وشماله (وهى نيسابور وسمرقند). ويؤكد المقدسى الوحدة الجغرافية فيجعل قلب العالم الإسلامى شبه الجزيرة العربية حيث يعتبر أن لها عاصمتين هما مكة وزبيد، وهو يحدد أيضًا "الولاية" تحديدا دقيقا، فيعتبر "الإقليم" وحدة جغرافية ولكنها تختلف فى صقع منها عن الآخر فى صفاته الطبيعية مما يترتب عليه قيام ظروف تاريخية معينة، ويجعل على رأس هذه الأقاليم "مصر" التى تتبعها وتحوطها "قرى" عدة، كما توجد المدن حول "القصبة"، ويتمثل هذا الضرب الجديد من الجغرافية التى ابتدعها المقدسى فيما سماه بمملكة الإسلام، فنوجه باسم جديد هو "أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم". لقد كانت هذه المادة محتاجة إلى تعبيرات خاصة ذاتية، فنجد المؤلف يستعمل كلمتين هامتين تختلف كل واحدة منهما عن الأخرى هما كلمة "ناحية" وكلمة "رستاق" وكان الرستاق من الصخر إلى الحد الذى يجعله لا يتعدى قرية، وإلى جانب هذا

стр. 9439

المصطلح المحدد نجده يستعمل "ألفاظا" ترتبط ارتباطا خاصا بأشياء معينة، إذ يقيمها على أساس المنتجات والغلة، كما يتكلم عن أماكن أخرى فى الأقاليم الأخرى التى زارها، فيرتبها على أساس الحرف والآلات والأوزان والمقاييس والعملة. وهو إلى جانب ذلك يتعمد فى وصفه كل ولاية فيقسمها إلى قرى ومدن ثم يتبع ذلك بوصف لكل منها على حدة، ثم يتلو ذلك بوصف للمناخ والمنتجات وما يخص كل ناحية منها، والمياه، والمناجم والجبال، والمواضع المقدسة بها، والضرائب والمقاييس والمكاييل والعادات، وما بها من العجائب، وتقاويمها، وحكوماتها والفرق المختلفة التى بها والمدارس ومكاتب تحفيظ القرآن ثم يختم ذلك كله بذكر طرقها ومسالكها. وربما كانت مادة ابن حوقل أوفر فى الناحية الإخبارية وذلك نظرا للخطة التى وصفها لكتابه، وبقى أن نقول إن ذلك المشروع فى حجمه الشديد الفخامة هو أقرب إلى الحلم منه إلى الحقيقة، فإن تكوين المملكة على هذه الصورة الكبيرة مسألة يشجبها التاريخ، وتفصل فيها القرون التالية التى سيبنيها الواقع السياسى وغيره من الأمور التى تجد وغيرها التى تظهر ثم تختفى، وعلى الرغم من أنه يواصل مع الآخرين الثناء على بغداد وامتداحها التى هى فى اعتباره الرمز الحىّ الموحد لهذا العالم إلا أنه لا يستطيع أن يؤكد على انهيارها أمام القوتين اللتين كانت تنافسانها وهما قرطبة ومصر الفاطمية على وجه الخصوص التى يعترف بأنها لابد وأن تتغلّب على خصيمتها وتأخذ السلطة منها، ويحمل الكتاب الشهادة الصريحة على هذه التوترات، وتوجد من هذا الكتاب نسختان مخطوطتان إحداهما فى برلين والأخرى فى القسطنطينية ويوجد بينهما تباين كبير، ولا يقتصر هذا الاختلاف على التاريخ فحسب والعنوان، ولكن أيضًا فى المراجع التى تتعلق بالقوتين السائدتين فى الشرق الإسلامى فى نهاية القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) وهما الفاطميون والسامانيون. ويمكن مراجعة أحدث وأدق مرجع عن هذا الموضوع وهو كتاب A.Mique: La geographie humaine du monde musulmane jusqu'au miliew du xie sieile

стр. 9440

والذى يقع فى أربعة مجلدات وطبع فى بارى; ولاهاى ما بين عامى ١٩٦٧، ١٩٨٨. بدرية الدخاخنى [أ. ميكيل A. Miquel] مقرا يطلق هذا الاسم على ناحية من النواحى وبعض القرى الواقعة إلى الجنوب من صنعاء، وهى معروفة عند الجغرافيين العرب بسبب وجود منجم للعقيق الأحمر بها، كذلك يطلق لفظ "مقرا" على سلسلة جبال موجودة فى السراة، ولا يرى سبرنجر داعيًا لربط القبيلة الحميرية التى تسمى بهذا الاسم بما يسميه بطليموس "مكسرا" لأنه لفظ أريد به عند بطليموس موضع مجاور لنجران. راجع صفة جزيرة العرب للهمدانى، والمقدسى وابن الفقيه وابن خرداذبه وياقوت: البلدان، وابن سموره الجعبرى: طبقات فقهاء اليمن. أسامة عبد المنعم عمارة [أ. جرومان A. Grohmann] مقياس المقياس هو جهاز بسيط يستخدم فى القياس، وأشهر مقياس فى مصر هو مقياس النيل الذى يبين إرتفاع الفيضان. وروى ابن عبد الحكم أن يوسف ﵇ هو أول من بنى مقياسا للنيل فى مصر فى منفيس (*). وبنى المصريون مقاييس أخرى فى إخميم وظلت هذه المقاييس قائمة طوال العصر الهلينستى، وحتى الفتح الإسلامى لمصر فى سنة ١٨ هـ/ ٦٣٩ م. فى بداية العصر الإسلامى أمر عمرو بن العاص ببناء مقياس للنيل فى أسوان وآخر فى دندره. وأنشأ المسلمون مقاييس أخرى فى عهد معاويه كما بنى الخليفة المتوكل مقياسا كبيرا فى جزيرة الروضة فى الفسطاط ليحل محل مقياس الوليد بن عبد الملك الذى تهدم.

стр. 9441

وأكمل بناء المقياس الحالى محمد الحاسب فى سنة ٢٤٧ هـ/ ٨٦١ - ٨٦٢ م كما يشير إلى ذلك نقش بهذا المعنى على فوهه بئر المقياس. وذكر ابن أبى أصيبعه أن محمد الحاسب قد بنى هذا المقياس تحت إشراف ممثل الخليفة أحمد بن كثير الفرغانى. وأسند المتوكل إدارة شئون المقياس إلى أبو الرداد. وظلت أسرة أبو الرداد تتوارث هذا العمل حتى عمر المقريزى المتوفى سنة ٨٤٦ هـ/ ١٤٤٢ م. ويتكون مقياس النيل من عمود مدرج طويل مثمن الأضلاع مثبت فى قاع بئر مبطنه بالأحجار، مساحة قاعدتها نحو ٦.٢ مترا مربعا تقريبًا مزوده بدرج يصل إلى قاعها. وقسم عمود المقياس إلى ستة عشر ذراعا، متوسط طول الذراع نحوه ٥٤.٠٥ سم. وقسم كل ذراع من العشره أذرع العليا إلى أربعة وعشرين إصبعا (قيراطا) ويرتكز هذا العمود على قاعده مساحتها ٨٣ سم ٢. وارتفاعها ١.١٧ مترا، وترتكز هذه القاعدة على كتلة حجرية قطرها نحو متر ونصف تقريبًا، وسمكها ٣٢ سم. وقد ثبتت هذه الكتلة الحجرية بدورها فى قاعده خشبية مدعمة بأربعة قوائم خشبيه سميكه ويبلغ إرتفاع عمود المقياس وقاعدته تسعة عشر ذراعا. ويتصل بئر المقياس بالنيل بواسطة ثلاثة انفاق تقع فى الجهة الشرقية للبئر. وشاهد ابن جبير فى أثناء زيارته لمصر مقياس الروضة ودون فى رحلته بأن مقياس الروضة هو عمود من رخام أبيض مثمن طوله اثنين وعشرين ذراعًا، كل ذراع مقسم إلى أربعة وعشرين قسما تسمى بالاصابع، ويضيف ابن جبير قوله؛ "فإذا انتهى الفيض عندهم إلى أن يستوفى الماء تسعه عشر ذراعًا، فهى الغاية عندهم (عند المصريين). والمتوسط عندهم ما استوفى سبعة عشر ذراعًا، والذى يستحق به السلطان خراجه فى بلاد مصر ستة عشر ذراعًا فصاعدا. فإذا نقص الفيضان عن ستة عشر ذراعًا فلا تجبى للسلطان فى ذلك العام الخراج".

стр. 9442

وروى الإدريسى أن المصريين يعتبرون فيضان النيل خطيرًا إذا بلغ ارتفاع الماء عشرين ذراعا. حيث يهدم البيوت ويقتلع الأشجار، فإذا قل الفيضان عن اثنتى عشر ذراعًا أصيبت البلاد بالجدب والتحاريق. وتبين هذه الكتابات أن مقياس النيل. كان فى القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى أطول مما هو عليه الآن. وروى المقدسى أن صاحب المقياس (الشخص المكلف بمراقبة الفيضان وقياس إرتفاعه) كان يبلغ السلطان بمقدار الزيادة فى فيضان النيل يوميًا، ولا يعلن خبر ذلك لعامة الناس، قبل أن يصل ارتفاع الماء إلى اثنتى عشر ذراعا. وقبل أن يصل ارتفاع الماء إلى ذلك الرقم، كان المنادى يكتفى بالقول بأن اللَّه قد زاد مياه النيل بمقدار كذا وكذا من الأصابع. ويعم الفرح والسرور عندما يصل منسوب الماء إلى ستة عشر ذراعًا. حيث يكون ذلك بشرى بقدوم عام وفير العطاء. د. مصطفى محمود سليمان المكتبة المكتبة التى تعرف بهذا الاسم فى العربية هى التى يسمونها فى الفارسية بـ "كتاب خانه" أما فى تركيا الحديثة فتعرف باسم "كتبخانه" من أسمائها أيضًا "خزانة الكتب" و"دار الكتب". ولقد شهدت فترة ما بعد الفتوحات الإسلامية حماسا للمهن الأدبية ولتأليف الكتب. ويعتقد أنه كان من عادة الكتاب ايداع نسخ من أعمالهم كمراجع فى مساجد مدنهم أو أحيائهم. وقد حوت مكتبات الأمويين كتبا فى شتى فروع المعرفة الرئيسية المعروفة فى ذلك الوقت، كما تم تعيين مسئولين عن هذه المكتبات. يفترض أن المترجمين عملوا فى هذه المكتبات أو على الأقل أودعوا أعمالهم فيها. وأقام معاوية أول المكتبات العامة وكانت جزءا أساسيا من أول الأكاديميات المعروفة باسم "بيت الحكمة" وكانت تحتوى على مجموعات من الأحاديث النبوية وأعمال لأمثال عبيد بن شرية التى وضعها بأمر

стр. 9443

الخليفة وقد ورث ذلك عنه حفيده خالد ابن يزيد الذى صرف عمره فى دراسة العنوم اليونانية ولاسيما الكمياء والطب، ولقد قيل إنه أمر بترجمتها، فلما حدث الطاعون فى أول عهد عمر ابن عبد العزيز أمر بإحضار هذه الكتب لتكون فى متناول الناس. وفى عهد الخليفة العباسى المأمون بلغ بيت الحكمة فى بغداد ذروة تطوره حيث حوت المكتبة كتبا فى كل العلوم التى شجعها العرب بعد أن أمر المأمون بترجمة المخطوطات اليونانية إلى العربية. غير أنه بعد انتقال مقر الخلافة من بغداد إلى سامراء زمن المعتصم، الذى خلف المأمون، فقد بيت الحكمة طابعة العلمى وعرف فقط بخزانة المأمون. وكان يزوره الدارسون حتى نهاية القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) ثم لان عود نسمع له خبرا بعد ذلك. وتلت حقبة بيت الحكمة حقبة "دار العلم"، وهى مؤسسة ذات طابع شبه رسمى أقيمت على طراز المكتبة العامة التى لها أمينها الخاص بهدف نشر الدعاية الطائفية وتدريس العلوم الطبيعية. ولقد أقيمت هذه الدور فى كل من بغداد والموصل والبصرة ورآم - هرمز وغيرها من البلاد. وتعد دار العلم التى أقامها "ابن سَوَّار" فى البصرة أول دار تعتمد على الوقف، ونبعت من "دار العلم" ومن ثم فإن هذه الدار هى الأب للجامعة العربية. ومن المكتبات المشهورة الأخرى تلك التى كانت ملحقة بالمدرسة النظامية والمدرسة المستنصرية فى بغداد حيث كان يوجد أيضًا العديد من المكتبات الملحقة بالمدارس والمساجد والأربطة والمدافن، ويصف يوسف العشى أكثر من عشرين مكتبة من هذه المكتبات التى دمر هولاكو أغلبها فى عام ٦٥٦ هـ/ ١٢٥٨ م، كما دمر غيرها من مكتبات المدن العراقية الأخرى. وكان قد تم إنشاء مكتبات مماثلة لهذه فى دمشق وحلب ومدن أخرى من مدن الشام ومصر. أما المكتبة التى جمعها الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر اللَّه فى القاهرة

стр. 9444

فكانت تضم بين جنباتها كنوزا أدبية لا تعد ولا تحصى. وفى عام ٤٣٥ هـ/ ١٠٤٣/ ١٠٤٤ م أمر الوزير أبو القاسم على بن أحمد الجرجرائى بفهرست ما فيها من كتب وترميم ما يحتاج منها إلى ترميم وتجليد وعهد إلى أبى خلف القضاعى وابن خلف الوراق للإشراف على هذا العمل، وقد ظلت هذه المكتبة سليمة دون أن تمس حتى وفاة العاضد آخر الخلفاء الفاطميين، ثم أمر صلاح الدين الأيوبى بإغلاقها وحينذاك أخذ القاضى الفاضل أغلب ما تحويه من كتب وأودعها فى مكتبته التى عرفت بمكتبة المدرسة الفاضلية التى أنشأها، ولكن سرعان ما أهملت هذه الكتب، حتى إذا كان زمن القلقشندى اختفى معظم ما كانت تحتوى عليه ويقال إن المكتبة الفاضلية هذه كانت تضم ستة آلاف وخمسمائة مجلد فى العلوم وحدها التى كانت معروفة يومذاك مثل الرياضيات والفلك، وكان من بين ما كانت تضمه كرة أرضية من النحاس قيل إنها من عمل "بطليموس" وعليها كتابة تشير إلى أنها صارت ملكا لخالد بن يزيد من معاوية، أما الخلفاء الأمويون فى قرطبة، فكانوا يملكون مكتبة ذاع صيتها واشتهر أمرها. وقد كرس الحكم الثانى حياته كلها لها واستخدم عمالا مهمتهم جمع الكتب من جميع الأراضى الإسلامية. ويقال إنها كانت تحتوى على حوالى أربعمائة ألف كتاب وإن فهرس المكتبة شغل ٤٤ مجلدا يضم كل منها ٤٠ ورقة، ولكن للأسف امتدت يد النهب إلى معظم ما فى هذه المكتبة ثم أصاب الدمار معظمها زمن من جاءوا بعد الحكم الثانى. وعندما غزا الملوك الكاثوليك غرناطة صدرت الأوامر إلى جميع المورسكين بتسليم كل الكتب للسلطات [الكاثوليكية] وذلك لتسهيل عملية ردهم للنصرانية وليقوم الخبراء بفحصها بحيث يتم الاحتفاظ بالكتب الفلسفية والطبية المتعلقة بالتاريخ، أما غير ذلك من فنون العلم فيتم تدميرها، غير أن الكاردينال سيسنورس Cisneras أصدر مرسوما يقضى بحرق كل الكتب العربية فى أحد ميادين غرناطة العامة. ولقد عرفنا بعضا من المكتبات الخاصة القيمة التى كانت رهن إشارة

стр. 9445

العلماء مثل تراجم الصولى ومجموعته التى كانت مجلدة أحسن تجليد بالجلد الأحمر والأصفر. ويذكر الصفدى فى ترجمته لفرس النعمة الصابى أنه وجد فى بغداد مكتبة بها ٣٠٠ مجلد مما يرجع إليه الطلبة وإن هذه المكتبة قد سرقها -وياللعار- القيم على المكتبة. أما فى فارس فقد اقيمت فى العصر العباسى مكتبات فى رام - هرمز الرى واصفهان. وكانت المكتبة الشهيرة التى أنشأها عضد الدولة فى شيراز تحتوى على نسخة من كل الكتب التى ظهرت حتى ذلك العين فى جميع فروع المعرفة. عندما اجتاح المغول بلاد فارس فى القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) دمرا اعدادًا ضخمة من الكتب النفيسة إلى جانب من أفنوه قتلًا. وبالرغم من أن بعض سلاطين دلهى كانوا من المحبين أشد الحب للعلم، وأنهم كانوا يرعون العلماء ويشجعونهم الَا أننا لم نعثر قط على آية إشارة تدل على أى مكتبة كانت فى ذلك العصر، وإن أقدم مكتبة سمعنا عنها هى مكتبة نظام الدين أولياء وهو معاصر للسلاطين الخلجيين ودولة بنى تغلق، وكان كثير من أباطرة المغول ورجال بلاطهم يمتلكون مكتبات خاصة قيمة، إلا أن هذه المكتبات بعد حوادث ١٨٥٧ م الدامية بالهند، انتقلت بعض مخطوطاتها إلى الخارجية البريطانية وإلى الجمعية الآسيوية الملكية بلندن. وعندما استولى محمد الفاتح على القسطنطينية جمع المخطوطات المكتوبة باليونانية واللاتينية وغيرهما من اللغات واودعها فى المكتبة التى انشأها والتى أصبحت فى الوقت الحالى جزءا من قصره المعروف بسراى طبقا بى، كما أن أحمد الثالث أقام مالًا يقل عن خمس مكتبات فى اسطنبول بما فى ذلك مكتبة أندرون همايون كتبخانة الذى عين الشاعر نديم أمينا لها، كما منع تصدير المخطوطات النادرة. وقد تم الآن نقل أغلب المكتبات التى كانت ملحقة بالمساجد فى العاصمة التركية إلى المكتبة السليمانية العامة. ويقال إنه كان يوجد فى اسطنبول وحدها فى عام ١٩٥٩ أكثر من ١٣٥ الف مخطوط لم يعرف

стр. 9446

طلاب العلم العديد منها إلا من خلال "الدفاتر" غير الوافية التى صدرت فى الفترة العثمانية المتأخرة. وتوجد الآن فى أغلب بلدان الشرق الأوسط مكتبات قومية وأخرى عامة وجامعية ومدرسية وخاصة، كما أقيمت معاهد لتخريج أمناء المكتبات وتأسست جمعيات للمكتبة. تنظيم وإدارة واستخدام المكتبات: فى القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) كانت هناك مبان تقام خصيصا للمكتبات، وفى عام ٣٨١ هـ/ ٩٩٠ م بنى سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة دارا للكتب فى بغداد التى كانت تحتوى على أكثر من عشرة آلاف مجلد كما يقول ابن الأثير وياقوت، وشهد الجغرافى المقدسى مكتبة ضخمة فى شيراز بناها عضد الدولة البويهى. وهذه المكتبة عبارة عن مبنى مستقل وتتكون من بهو ضخم وبناء ذى أقبية مقسم إلى عدد من الحجرات على جوانبه الثلاثة. وعلى امتداد جدران الحجرة الرئيسية والحجرات الجانبية توجد خزانات من الخشب المحفور ارتفاعها وعرضها ثلاثة أذرع ومزودة بأبواب تتدلى من أعلى. وهذه الخزانات مقسمة إلى أرفف توضع عليها الكتب الواحد فوق الآخر. لكن خزانات الكتب التى استخدمها الفاطميون فى مكتبات القاهرة كانت مختلفة بعض الشئ، حيث الأرفف مقسمة إلى أقسام منفصلة كل منها يقفل بمفصلة وقفل، أما الخزانات المفتوحة فكانت مقسمة أيضًا إلى أقسام صغيرة، وتوضح الصورة التى رسمها يحيى بن محمود والواردة فى مخطوط الحريرى فى باريس (٦٣٤ هـ/ ١٢٣٧ م) مكتبة فى البصرة. وكان يتم ترتيب وتصنيف الكتب تبعًا لمختلف فروع المعرفة، وحظيت نسخ القرآن بمكان خاص فى هذه المكتبات، ففى المكتبة الفاطمية مثلا كانت نسخ القرآن توضع على أرفف ذات مستوى أعلى من الأرفف الأخرى، وكثيرا ما كانت توجد أكثر من نسخة من الكتاب الواحد مما كان يسمح باعارة الكتب. فالمكتبة الفاطمية فى القاهرة كانت تحوى ثلاثين نسخة من

стр. 9447

"كتاب العين" للخيل بن أحمد وعشرين نسخه من كتاب "تاريخ الطبرى". أما الفهارس فكان أمناء المكتبات يقومون بجمعها وتصنيفها، وكانت هذه الفهارس تشغل عدة مجلدات فى بعض الأحيان. ففهارس مكتبة الحكم الثانى فى قرطبة شغلت ٤٤ مجلدا يحتوى كل منها على عشرين ورقة. وفى المكتبة الفاطمية كان يثبت على باب كل خزانة كتب: قائمة بما فيها من الكتب. وقد جرت العادة أن يكون لكل مكتبة قيم أوصاحب يقوم بدور أمين المكتبة وخازن أو أكثر حسب حجمها وعدد من الناسخين والخدم وكان أغلب مشاهير العلماء أمناء مكتبات. وكان يتم تزويد المكتبات بالكتب عن طريق الشراء أو نسخ المخطوطات. واحتفظ لنا المقريزى بميزانية إحدى المكتبات، وطبقا لهذه الميزانية كان الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر اللَّه ينفق ٢٠٧ دينارات سنويا على دار العلم التى أسسها. وكانت المكتبات مفتوحة بالمجان للجميع وتمدها السلطات بالورق والمداد والأقلام. وكان يتم إعارة الكتب مقابل تأمين مادى، فابن خلدون مثلا منح كتابه "كتاب العبر" لمكتبة جامع القرويين فى فاس، وطبقا لوثيقة الوقف المحررة بتاريخ ٢١ صفر ٧٩٩ هـ/ ٢٤ نوفمبر ١٣٩٦ م فإن هذا المخطوط لم يكن يعار إلا للثقاة ولمدة شهرين على أكثر تقدير ومقابل تامين مادى كبير، وكان على مدير المكتبة أن يراقب تطبيق هذه القاعدة. ولكن فى الوقت نفسه كانت هناك مكتبات للقراءة والاطلاع فقط، أى لا يسمح فيها بالإعارة الخارجية. ويتضح مما سبق أن المكتبات الإسلامية سبقت بقرون ومن جميع الأوجه المكتبات فى الغرب، لقد كانت هناك حاجة عامة للمكتبات لدى الجمهور فى الأراضى الإسلامية فى عصور أسبق بكثير مما فى الغرب. لبنى الريدى المصادر: (١) أحمد بدر: دليل دور المحفوظات والمكتبات ومراكز التوثيق ومعاهد الببليوجرافيا فى الدول العربية، القاهرة ١٩٦٥.

стр. 9448

(٢) O.Pinto,: le bibloteche degli Arabi mell' eta degli Abbasidi, in Biblic lia (١٩٢٨), ١٣٩ - ٦ (٣) Ru th Mackensen,: Moslenan Libraies and sectauian puropagandla مكة المكرمة هى مكة المكرمة التى تضم أكثر المواضع قداسة لدى المسلمين، ففيها الكعبة المشرفة، وفيها ولد الرسول ﷺ وفيها عاش زهاء خمسين عاما. مكة فى الجاهلية وفجر الإسلام: الوصف الجغرافى: تقع مكة فى الحجاز على بعد حوالى ٧٢ كيلو متر من ميناء جدة على ساحل البحر الأحمر على خط عرض ٢٧ َ ٢١ ْ شمالا، وخط طول ٤٩ َ ٣٩ ْ شرقا، وهى الآن عاصمة منطقة مكة الإدارية فى المملكة العربية السعودية ويبلغ سكانها ما بين ٢٠٠.٠٠٠ و ٣٠٠.٠٠٠ نسمة يزداد عددهم إلى مليون ونصف أو مليونين أثناء موسم الحج السنوى. وتقع مكة فى منخفض ضيق بين سلسلتين من التلال الجرداء المنحدرة وفى وسط هذا المنخفض بقعة أكثر انخفاضا مما حولها. ويطلق على هذا المنخفض وادى مكة أو بطنها، أما الجزء الأكثر انخفاضا فهو البطحاء الذى كان -بلاشك- أول ما استوطن فى مكة وفيه تقع الكعبة (المشرفة). وفى الأصل كانت بعض المساكن قريبة من الكعبة لكن يبدو أنه كانت هناك دوما مساحة شاغرة حولها، وظلت هذه المساحة تتسع بتوالى القرون حتى شكلت المسجد الحرام بوضعه الحالى. ويلتقى فى البطحاء أودية صغيرة جانبية تعرف بشعاب مكة (والمفرد شعب بكسر الشين)، وعادة ما كان يشغل كل شعب عشيرة بعينها لا تشاركها فيه العشائر الأخرى. وكانت المواضع المرتفعة والخارجية فى هذه المنطقة المسكونة تعرف بالظواهر، وموقع مكة يجعل منها ملتقى للطرق التجارية فثمة طرق تؤدى إلى الشام شمالًا، وثمة طرق يتجه شمالًا بشرق مخترقة سلسلة جبال السراة -إلى العراق وثمة طرق تؤدى لليمن، وأخرى

стр. 9449

تصل مكة بالبحر الأحمر حيث ميناء الشعيبة (وفى مرحلة لاحقة - جدة) حيث تبحر السفن إلى الحبشة وغيرها. وأمطار مكة غير منتظمة فقد تمضى سنوات أربع دون هطول مطر، لكن إن حدث وهطل فإنه يعدو سيلا تفيض به شعاب مكة ثم يتجه نحو الكعبة المشرفة، وتتواثر الأخبار عن سيول عارمة تغمر الحرم المكى بين العين والحسين، ويعتمد الناس على الآبار فى التزود بالماء، وأكثر هذه الآبار شهرة وقداسة هو بئر زمزم بجوار الكعبة المشرفة. لذا فقد ارتبط عدد من رجالات مكة بالسقاية وهى توفير ماء الشرب للحجيج، ولا حاجة للقول أن مكة وجوارها ليس به زراعة، وصيف مكة شديد الحرارة كما يتضح من عبارة رمضاء مكة، لذا فأثرياء مكة يرسلون أطفالهم إلى الصحراء لفترة من الزمن. مكة قبل الإسلام: كانت مكة موضعًا مقدسًا منذ أزمنة قديمة، ومن الواضح أنها كانت معروفة لبطلميوس الذى أشار إليها باسم مكورابا Macoraba، ذكرها فى القرآن الكريم فى الآية ٢٤ سورة الفتح ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ كما ورد ذكرها باسم بكة (بالباء) فى الآية ٩٦ من سورة آل عمران ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ وحدثنا القرآن الكريم عن قيام إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ببناء الكعبة (البقرة، الآيات من ١٢٥ إلى ١٢٧, ومن ١١٩, إلى ١٢١) ولا يقبل الباحثون الغربيون ذلك ما دام لا يمكن التعرف على إبراهيم آخر غير إبراهيم الخليل (الوارد فى التوراة)، ووفقًا لما يرويه الإخباريون العرب فقد سيطرت قبيلة جرهم على مكة ثم حلت محلها خزاعة رغم تمتع الأسرات القديمة بمزايا بعينها، وفى القرن الخامس للميلاد حلت قريش محل خزاعة، وكان هذا بسبب نشاط قصى الذى عمل على لم شمل قريش، وتلقى عونا من حلفائه. كنانة وقضاعة وربما كان قصى هو أول من أقام فى مكة من قريش إقامة دائمة وترك سكنى الخيام، وفى وقت لاحق جرى التمييز بين

стр. 9450

قريش البطاح وقريش الظواهر أى قريش التى تقطن وسط مكة وقريش التى تسكن ظاهرها، وكان مفهوما أنهم جميعًا ليسوا من سلالة قصى فقط، وإنما أيضًا من جده الأعلى كعب. وهذه العشائر هى: عبد الدار، وعبد شمس، ونوفل وهاشم والمطلب وأسد (وكلها من نسل قصى) وزهرة ومخزوم وتيم وسهم وجمح وعدى، وكانت أهم عشائر قريش الظواهر هى: محارب وعامر بن لؤى والحارث بن فهر، وليس من سند يشير إلى أن هذا التقسيم جرى للتمييز بين العامة والنبلاء أو بين من هم أدنى منزلة ومن هم أعلى منزلة. وفى القرن السادس للميلاد ظهر فصل بين قريش البطاح، فقد ورث عبد الدار بعد مزايا (حقوق) والده قصى لكن بمرور الوقت نافسه فيها ابن آخر لقصى، عبد مناف الذى أعانته أسد وزهرة وتيم والحارث بن فهر. وقد عرفت هذه المجموعة بالمُطَيبَّين، أما مجموعة عبد الدار التى عرفت بالأحلاف فكانت تضم مخزوم وسهم وجُمَح وعدى. وجرى اتفاق ودى وتسوية بين المجموعتين دون أن يصل الأمر إلى قتال فعلى، وفى حوالى سنة ٦٠٥ م جرى ذكر حلف يقال له حلف الفضول (انظر المنمق لابن حبيب) بدا وكأنه استمرار لمجموعة المطيبين، فهو مكون من العشائر نفسها غير أن اثنين فقط من أبناء عبد المناف الأربعة وهما هاشم والمطلب، كانا ممثلين فى حلف الفضول، ولم ينضم إليه نوفل وعبد شمس. وكان السبب الظاهرى لعقد هذا الحلف هو مساعدة تاجر يمنى فى استرداد مال له عند رجل من سهم (مروج الذهب للمسعودى، والمحبّر لابن حبيب والمنمق لابن حبيب أيضًا، كما أورد السبب نفسه ابن هشام فى السيرة، والطبري فى تاريخه). ويرى المستشرق كايتانى Caetani أن هذا الحلف لم يكن مناوئا للظلم أو عدم العدالة بشكل عام وإنما كان حلفا للعشائر الضعيفة التى تمارس التجارة فى محاولة منها لكبح جماح الممارسات الاحتكارية التى تمارسها العشائر الأقوى والأكثر غنى، كما أن عدم رد الديون (كما فى حالة اليمنى الآنف ذكره) قد تجعل غير المكيين يحجمون

стр. 9451

عن إرسال قوافلهم إلى مكة مما يؤدى إلى زيادة مكاسب تجار مكة الأثرياء أصحاب القوافل. من الواضح إذن من خلال تفهمنا لحلف الفضول ومن خلال شواهد أخرى أن مكة قد غدت فى ذلك الوقت مركزًا تجاريًا مهمًا. لقد أسهمت قداسة بالإضافة لإقرار نظام الأشهر الحرام -حيث يحرم حتى الأخذ بالثأر- فى ازدهار تجارة مكة لعدة قرون، لقد كانت التجارة فى مكة -إذن- منتعشة انتعاشا كبير، فى النصف الثانى من القرن السادس للميلاد، ويمكن أن نستنتج أيضًا أنه بسبب الحرب الفارسية البيزنطية أصبح الطريق عبر غريب شبه الجزيرة العربية أكثر أمنًا من الطريق من الخليج إلى حلب، وحتى لو لم يكن استنتاجنا صحيحا، فإن تجار مكة كانوا يسيطرون بالفعل على جانب كبير من التجارة بين الشام والبحر المتوسط من ناحية، وجنوب شبه الجزيرة العربية والمحيط الهندى من ناحية أخرى، وقد حدثنا القرآن الكريم عن رحلة الشتاء والصيف، ويقال: إن العادة جرت أن تكون رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام. وكانت القافلة تحمل بضائع لجماعات ولأفراد نظير جانب من الربح يُدفع لمنظمى القافلة الذين كان عليهم أن يعقدوا الاتفاقات والمعاهدات مع السلطات السياسية فى الشام وجنوب شبه الجزيرة العربية، والحيرة ونجاشى الحبشة للسماح لهم بالبيع والشراء، كما كان على منظمى القوافل عند الاتفاقات مع رؤساء القبائل أو زعماء البدو الذين تمر القافلة فى أراضيهم. وربما كانت حملة أصحاب اللَّيل التى أشار إليها القرآن الكريم كانت لرغبة أبرهة فى تقليص تجارة مكة التى كانت مزدهرة ازدهار، كبير، فأراد هدم الكعبة ذات القداسة التى كانت أحد أسباب توافد العرب عليها. وتعد حرب الفجار علامة مؤكدة على مرحلة من مراحل تعاظم القوة التجارية لمكة إذ يبدو أنها نتجت عن تلاشى دور الطائف كمنافس لمكة ورضوخها فى خاتمة المطاف لتصبح تابعا لنظام مكة التى أصبحت مركزًا ماليا وليس مجرد منطقة تجارية.

стр. 9452

والجدير بالملاحظة أن المرأة دخلت ميدان التجارة، فثمة امرأة أو امراتان مارسا التجارة لحسابهن وعمل رجال تحت إدارتهن كخديجة وأسماء ام أبى جهل وهند زوجة أبى سفيان. ويحدثنا المستشرق هنرى لامانس Lammans عن مكة كجمهورية تجارية لكن لا بد أن نضع فى اعتبارنا أن المفاهيم السياسية لم تكن إغريقية أو إيطالية وإن كانت نابعة من ظروف بلاد العرب، فهناك إلى جانب اجتماعات العشيرة Clan assemblies ما يعرف بالملأ Senate وهو بمثابة اجتماع لرؤساء العشائر وذوى الرأى منها إلا أنه لم يكن لهذا الملأ سلطة تنفيذية فلا أحد يستطيع أن يوقع عقابًا إلا زعيم العشيرة أو شيخ القبيلة، ولم يكن لمكة رئيس أو دوق، وإن كان يحدث أحيانًا أن يكون شخص ما يحكم ما له من كفاءات -أولوية أو صدارة (كتلك الصدارة التى تمتع بها أبو سفيان طوال ثلاث سنوات بعد هزيمة قريش فى بدر سنة ٦٢٤ م)، وعلى أية حال فإن قريشًا كانت معروفة بالحلم، وهو ما يعنى وضعهم لمصالحهم الاقتصادية فى المقام الأول وقبل الاعتبارات الأخرى، لهذا فقد كان (الملأ) -أى اجتماع الملأ- قادرًا فى الغالب على التأليف بين الجماعات المتنازعة بتحكيم العقل. لذا فإن معظم ذوى الرأى من قريش كانوا يرون البقاء على الحياد بالنسبة للحروب الدائرة بين عملاقى هذا الزمان: الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الفارسية، وكانت كلا الامبراطوريتين تحاولان مد نفوذهما لشبه الجزيرة العربية، وعندما استولى الفرس حوالى سنة ٥٧٠ م أو ٥٧٥ م على اليمن من الأحباش كان من الضرورى أن يظل المكيون على الحياد. وبعد ذلك ببضع سنين، وكان هذا بعد حرب الفجار تفاوض رجل من أسد اسمه عثمان بن الحويرث مع البيزنطيين واخبر المكيين أنه يستطيع أن يحصل لهم على شروط طيبة تحقق أرباحا تجارية مع البيزنطيين إن هم قبلوه زعيما لهم لكن عرضه لم يحظ بالقبول وكان هذا بلاشك لرغبة المكيين فى البقاء على الحياد بين الفرس

стр. 9453

والبيزنطيين (الروم) وتجنب ما يبدو تحالفا مع إحدى القوتين. وبالإضافة لاجتماع (الملأ) كانت هناك مزايا بعينها أو مهام بعينها ارتبطت بأسر بعينها، فالسقاية أى الإشراف على تدبير مياه الشرب خاصة للحجيج، والرفادة وهى تزويد الحجيج بالمؤن، واللواء وهى حمل العلم أثناء الحرب، والنسئ وهو ميزة تحديد وقت الزيادة فى الشهر لضبط التقويم القمرى ليتمشى مع التقويم الشمس. أما عن عقائد أهل مكة وثقافتهم فلم تكن تختلف عن تلك التى لجيرانهم البدو فقد كانوا يأخذون بالثأر بالطريقة نفسها وعلاقة سيد العشيرة أو زعيمها بأفراد عشيرته مماثلة لما للبدو فهو الأول بين متساويين Primus inter pares أو الأول بين أنداد، وكانوا -مثلهم مثل البدو- يقيمون وزنا كبيرًا للشرف، وإن كان المكيون قد عدّلوا هذا المفهوم وأضافوا إليه تفاصيل بما يتناسب مع فكرتهم عن الثووة والقوة (السلطة)، وكان معظم أهل مكة على الوثنية مثلهم مثل البدو, لكن القرآن الكريم أوضح أنهم كانوا يعرفون اللَّه الواحد، رغم إيمانهم بآلهة متعددة، ويعترفون بأن اللَّه هو الخالق. وهى فكرة كانت معروفة وسائدة بين الشعوب السامية وإن كان هذا لا يمنع من وجود مسيحيين مكيين كعثمان بن الحويرث، بالإضافة للبيزنطيين الذين أقاموا فى مكة إقامة مؤقتة، كما كان هناك من تأثر بالثقافة الفارسية من خلال صلاته مع العراق. مكة وبدايات الإسلام: رغم أن القرآن الكريم كان موجها منذ البداية للناس كافة إلا أنه كان يخاطب أهل مكة (١). وقد ولد محمد ﷺ فى مكة سنة ٥٧٠ م وهو من بنى هاشم التى لم تكن يوم ميلاده من العشائر الثرية، لكنها كانت قبل مولده أكثر أهمية وثراء وكانت داخلة فى حلف الفضول الذى كان يهدف لمنع الاحتكار، ولأن محمد، ﷺ قد ولد بعد وفاة أبيه ومات جده وهو فى الثامنة من

стр. 9454

عمره تقريبًا، فإنه وفقًا للعادة العربية لم يرث شيئًا من أى منهما وكان معظم أقاربه يعملون فى التجارة، فصحب محمد عمه أبا طالب فى رحلاته التجارية للشام ثم عمل وكيلًا تجاريا للسيدة خديجة (رضى اللَّه عنها) ثم تزوجها، وكان هذا حوالى سنة ٥٩٥ م. يبدو أنه تابع الأعمال التجارية معها. . وفى حوالى سنة ٦١٠ م بدأ الوحى يهبط عليه. لقد سبب نزول القرآن (الكريم) اضطرابًا كبيرًا فى مكة لأن أهلها كانوا ماديين فكيف يمن بذكرهم باللَّه واليوم الآخر. لقد نبه القرآن الكريم أثرياء مكة بضرورة الاعتناء بالفقراء والذين لم يصيبوا حظا من الدنيا وذكرهم بأنهم إن كانوا أقوياء بما لهم فاللَّه أقوى وأكبر، لقد أحس التجار أن الدين الجديد يهدد وضعهم، وأدرك التجار الشبان بالذات ذلك، وكان أبو جهل خير مثال على ذلك فقد أحس أن كون الوحى يهبط على محمد ﷺ فإن ذلك قد يعطيه قوة سياسية كبيرة. ومن هنا ظهرت المعارضة للدين الجديد، لقد مارس كبار التجار ضغوطا شديدة على محمد ﷺ وصحبه لترك الدين الجديد أو على الأقل لجعله يتكيّف مع مصالحهم، وما كان رسول اللَّه ﷺ ليخضع لهذا، فهاجر بعض أتباعه إلى الحبشة هربا من أذى قريش، لكن الرسول ﷺ كان يستطيع الاستمرار فى نشر دعوته اعتمادًا على حماية عشيرته، لكن عمه أبا طالب توفى حوالى سنة ٦١٩ م فترأس العشيرة عم آخر لمحمد ﷺ هو أبو لهب الذى كان تاجرًا كبيرًا، وكان يرى أن من المصلحة رفع حماية العشيرة عن محمد ﷺ ، وعلى أية حال فقد قبل الرسول ﷺ سنة ٦٢٢ الدعوة للتوجه للمدينة المنورة فهاجر إليها. ومنذ هجرته حتى مماته وهو غالبًا فى حرب مع تجار مكة الكبار رغم محاولات الرسول كسبهم بالحسنى وأخيرًا تم فتح مكة فأمن الرسول أهلها على أموالهم وحياتهم.

стр. 9455

المصادر: (١) H. Lammens: La Mecque a La veille de I'hegire in MFOB, ix (١٩٢٤) (٢) Idem: La republique marchande de la Mecque vers I'an ٦٠٠ de notre ere in BIE (١٩١٠) (٣) Idem: Les chretiens a la Mecque a la veille de ١'hegire, in BIFAO. xiv (٤) Idem: Lesss juifs a la Mecque a la veille de I'hegire, in RSSR. xiv (٥) C. Ssnouck Hurgronje: Mekka, i (٦) M. Gaudefroy-Demombynes: Le pelerinage a la Mekka. Pariss ١٩٢٣. L. Caetani, Annahi, i, ii (٧) F. Buhl: Das Leben Muhammesds, Leipzig ١٩٣٠ (٨) W. M. Watt: Muhammadat Mecca, Oxford ١٩٥٣ (٩) P. Crone: Meccan trade and the of Islam Princeton, forthcoming [و. منتجمرى وات W. MONTGOMERY WATT] ترجمة وتلخيص: د. عبد الرحمن عبد اللَّه الشيخ ملائكة ١ - الملائكة فى القرآن؛ والسنة صيغة ملائكة هى جمع تكسير فى العربية لكلمة يعود تاريخها إلى اللغة السامية المبكرة فى الشمال الغربى (ليس هناك كلمة متشابهة لها فى اللغة الأكادية) وهى فى الآرامية مَلأُك بتسكين اللام وهمز الألف وفتحها وفى عبرية العهد القديم ملآك بتسكين اللام مع مادة على الألف) بمعنى رسول وفى لسان العرب والمعاجم الكبيرة الأخرى أن ملك تخفيف ملأك (بالهمز) وهناك رأى أن ملك مقلوب من مَأْلك. . ويقول أ. جيفرى A. Jeffery فى كتابة المفردات الأجنبية فى القرآن الكريم The Foreign Vocabulary of the Quran أن المصدر المباشر لهذه الكلمة فى العربية هو كلمة ملآك (بتسكين اللام ومد الألف) الأثيوبية. والجمع ملائكت. ويحتمل أن تكون الكلمة دخلت الأثيوبية الآرامية أو العبرية ولأنها ترد فى القرآن، فقد الفها المسلمون ولابد أنها من الكلمات التى دخلت إلى العربية قبل الإسلام والمفرد هو ملك (بفتح الميم والسلام) بدون همزة
следующие страницы →