← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9486–9525 · переход к 9491.

стр. 9486

ذكرها أو - يانج مسيو Ou - Yang فى كتابه مين تانج - شو Hsin Tang-shu حوالى عام ١٠٦٠ فالمرجح أنها فى الصومال، ويقول الإدريس أنها مدينة صائدى حيوانات وصيادى سمك يمتلك بعض سكانها مناجم حديد ويقومون باستغلالها. وكان الحديد أكبر مصادر ثرواتهم، ولكن هذا الحديد، كما بين أ. أو. ثومبسون A.O. Thompson، لم يكن يستخرج من مناجم وإنما كان يسترد من مخلفات الشواطئ. ويذكر الإدريسى مكندى على أنها مركز للسحر، ويؤكد أبو الفدا (١٢٧٣ - ١٣٣١ م) هذا الإدعاء كما يضيف أنها كانت عاصمة ملك النج، كما يذكر أيضًا استثمار الحديد. وقد زار الأدميرال الصينى تشنج هو Cheny Ho ملندى فى رحلته الديبلوماسية والتجارية الخامسة فى المحيط الهندى، ومع ذلك فالمعروف عن تاريخ هذه المدينة. فى العصور الوسطى قليل. ومن ملندى بدأت رحلة فاسكوداجاما Vasco da Gama إلى الهند تحت إرشاد أحمد بن ماجد ولم يحظ داجاما باهتمام فى محبسه ولكنه استقبل بحفاوة فى ملندى. وتقع مدينة ملندى التى تعنى بالسواحلية "مراسى المياه العميقة" على خليج وتمتد بطول الساحل. وقد وصفها دورات باربوزا Duarte Barbosa وقد وصفا أكثر تفصيلا حوالى عام ١٥١٧ - ١٥١٨ م، فقال أنها كانت مخططة تخطيطا جيدًا، وكان فيها منازل متعددة الطوابق ذات أسقف مسطحة. وكان الناس يتجرون فى الذهب والعاج والشمع ويستوردون الأرز والدخن والقمح من كباى Cambay وقد زارها القديس فرانسيس زافير St Francis Xqvier عام ١٥٤٢ م زيارة قصيرة وتحدث مع القاضى الذى يبدو أنه كان شيعيا، وذكر أن ممارسة شعائر الإسلام كانت قد تدهورت إلى حد كبير فى السنين السابقة لزيارته حتى أن أربعة مساجد فقط من سبعة عشر كانت مستخدمة. كما ذكر مبشر آخر هو الأب خواو دوس سانتوس Fr. Joao dos Santos O. P عام ١٦٠٩ م أن الساحل الإفريقى من موزمبيق إلى لامو كان شيعيا.

стр. 9487

وكانت الأسرة الملكية فى ملندى من أصل شيرازى وربما كانت بينها وبين الأسرة الحاكمة فى كلوه Kilwa صلة قرابة، وعندما سقطت الأسرة الحاكمة فى ممبسه حوالى عام ١٥٩٠ م، منح البرتغال ممبسه للأسرة الحاكمة فى ملندى التى حكمت من ممبسه حتى عام ١٦٣٢ م. فى القرن الثامن عشر كان كبير التجار الملنديين فى كلوه ضابط يدعى مارلنداى، وكان له عليهم سلطان لم يستطع سلطان كلوة أن يتغلب عليه، وبعد انتقال البيت الحاكم إلى ممبسه، فقدت ملندى أهميتها، وعندما زارها الكابتن أوين Owen عام ١٨٢٧ وجدها مهجورة. ويحتوى المنتج الساحلى الحديث على عدد قليل من الآثار الإسلامية: مسجدين ومقبرة وقبر عمودى ربما كان قريبًا من القصر الملكى السابق. وتقع منطقة جدى Gedi الإسلامية المهمة على مسافة عشرة أميال جنوب ملندى وتبعد مسافة ميلين عن الشاطئ. وقد كانت هذه المنطقة مأهولة من القرن الحادى عشر الهجرى إلى القرن السابع عشر الميلادى ثم هجرت. ويحيط السور الخارجى بمساحة قدرها حوالى ٤٥ آكر (فدان انجليزى) وربما كان عدد السكان ما يقرب من ١٠٠٠٠ نسمة، ويوجد داخل السور الداخلى قصر ومسجد جامع مساجد أخرى صغيرة ومنازل كثيرة مساحة ربما كانت سوقا. هذا القصر غير مذكور لا فى الكتابات العربية ولا البرتغالية. وهناك ما يدل على أن قرب جدى من مالندى وبعدها عن البحر بحوالى ميلين على أنها كانت مقرًا ريفيا لسلاطين مالندى نمت حوله مدينة صغيرة، وذلك بخلاف باقى المدن الساحلية الافريقية التى كانت أساسا مراكز تجارية. ونلاحظ فى المنازل ثلاث سمات أساسية: فكل منزل يقسم إلى قسمين مستقلين، ربما كان كل منهما لزوجة، وفى أحدهما مخزن مصمم خصيصا لحفظ الأصداف الصفراء التى كانت تستخدم كعملة محلية، كما توجد فى القصر والمنازل شبكة متقنة من القنوات المائية تؤد إلى دورات المياه وتمكن من الوضوء داخل المنازل.

стр. 9488

المصادر: (١) J. Brodrick, S. J.: Saint Francis Xavier (١٥٠٦ - ٥٢)، لندن ١٩٥٢ (٢) H. H. L. Duyvendak Chinaas discovery of Africa لندن ١٩٤٩ (٣) Grenville G. S. P. Freeman The French at kilwa Island أكسفورد ١٩٦٥. حسين أحمد عيسى [G. S. P. Freeman - Grenville] ملوك الطوائف اعتاد المؤرخون المسلمون أن يطلقوا "ملوك الطوائف" فى عصر ما قبل الإسلام على حكام الولايات الفارسية ويقولون عنهم "ملوك الأطراف"، ثم أطلقوا ملوك الطوائف فى العصر الأسلامى على الإمارات والدويلات والممالك الصغيرة التى قامت على أنقاض الدولة الأندلسية الأموية. ونعود لسياق إطلاق مصطلح ملوك الطوائف على حكام الولايات الفارسية فتقول أن هناك فترة بدأت منذ هزيمة داراين دارا أمام الأسكندر المقدونى حتى قيام الدولة الساسانية على يد اردشير، فلما مات دارا تقاسم دولته الحكام فاستقل كل منهم بالناحية التى هو فيها وأقرهم الأسكندر على مافى أيديهم، وتقول المصادر القديمة أن عمل الأسكندر هذا إنما كان بناء على نصيحة أرسطو له كى يبقيهم على الدوام منقسمين على أنفسهم، ويقال أنه بعد موت الأسكندر أصبح الأقليم من نهر دجلة إلى سيحون -وفى بعض الروايات- إلى اليمن وبلاد الشام ومصر مقسما بين ٧٠، ١٠٠ من الحكام المستقلين فمنهم الفارسى والأرمنى والعربى والرومى واليونانى، ويزيد الثعالبى على هؤلاء هيا طلة طخارسنان وترك خراسان. وجعل كل منهم الحكم وراثيا فى بيته مع محاولته فى الوقت نفسه الدفاع عن كيانه وتوسيع رقعة أرضه، ولم يدفع أحدهم ضريبة للآخر، فإما ملوك العرب فكان منهم "ذو الشنات" ملك عمان القوى والبحرين واليمامة والمناطق

стр. 9489

الساحلة وساطر بن الحضر"، أما الروم ووزراؤهم الفرس فكانوا يحكمون فى بابل أى أرض السواد وظل حكمهم هناك أربعة وخمسين عاما بعد موت الأسكندر حتى قام أشك بن أشكان (أو أكفور شاه) حاكم الجبال وهزم أنتيوكس وفتح العراق، وأعترف غيره من الولاة به ولقبوه بالملك وبعثوا إليه بالهدايا يسترضونه بها ولكنهم لم يدفعوا له جزية، فلم يقم هو من جانبه بتعيين أحد منهم، وكان توقيرهم له عظيما لشرف أرومته فقد كان ذا أصل ملوكى يرقى إلى دارا الأكبر أو قياذ أو كى قاوس أو غيرهم من الملوك، هذا إلى جانب أنه رأس الأسرة الأشطانية فى طيسفون (المدائن) فى قلب الدنيا. ولا يشير المؤرخون المسلحون إلا إلى تأسيس الأسرة على يد الاشكانيين ولكنهم يمسكون عن الإشارة إلى أسمائهم وعن طول مدة حكم واحد منهم. وينفى المسعودى عن ملوك الطوائف أن يكونوا مجوسًا ولكنهم من الصائبة الذين يعبدون الشمس والقمر والنار والنجوم السبعة وقال أنهم يتكلمون الآرامية، أما الثعالبى فيذهب للقول بأن "أكفور شاه" استرد كتب الطب والفلك والفلسفة التى كان الإسكندر قد أخذها من إيران، ويقال أنه مما ألف فى هذا العهد كتاب كليلة ودمنه وكتاب السندباد، أما ما ورد من أن ملكا من الملوك اسمه "خردوس" هاجم القدس ليعاقب اليهود لقتلهم يحيى بن زكريا فربما كان ذلك إشارة إلى الاستيلاء على القدس سنة ٤٠ ق. م على يد ابن أوردرس الثانى، وذلك قبل ٢٦٦ سنة من تولى ارد شير الحكم. كذلك يذهبون للقول بأن تيلتس خرَب بيت المقدس، والأرجح أن إبراز عصر ملوك الطوائف بأنه عصر الفوضى والتدهور الثقافى أنما كان من صنع الدعاية من جانب الساسانيين المتأخرين مما حمل رجلًا مثل صاعد الأندلسى لأن يقول أن الأندلس بعد بنى أمية قسمت بين عدد من الولاة الذين كانت أحوالهم مثل أحوال "ملوك الطوائف" الفرس. راجع فى ذلك الفتوح للبلاذرى والأخبار الطوال للدينورى، وتاريخ اليعقوبى وأخبار الزمان للمسعودى

стр. 9490

ومروج الذهب له أيضا وتاريخ سنى ملك الأرض والأنبياء لحمزة الأصفهانى والبدء والتاريخ للمقدسى والشاه نامه للفردوسى وطبقات الأمم لصاعد الأندلسى. [م. مودونى] أما عبارة ملوك الطوائف فى الأندلس فتعنى الفترة الواقعة منذ موت المنصور بن أبى عامر الذى سيطر على هشام الثانى الخليفة الأموى وذلك منذ سنة ٣٩٩ هـ (= ١٠٠٩ م) وحتى وقت دخول المرابطين فى نهاية القرن الخامس للهجرة (= الحادى عشر الميلادى)، وكان الذى أدّى إلى هذا الوضع الذى أدى إلى أحداث هزة سياسية نتج عنها تغير جذرى هو خلو المسرح من هذه الشخصية المستبدة المكروهة، وطمع أحد الأمراء الأمويين فى استرداد السلطة لتكون فى أسرته، على أن هناك عاملا أساسيا أدى إلى هذا الضعف الذى اعترى بنية الدولة الأموية فى الأندلس وهو الثورة الجائحة التى خلصت الأندلس من سطوة بيت المنصور بن أبى عامر، وأن احتاجت إلى فترة تقرب من عشرين سنة حتى يتم القضاء على وحدة الدولة ككل وزوال نظام الخلافة. وإن أقدم طائفة من ملوك الطوائف كانت سنة ٤٠٣ هـ (= ١٠١٣ م)، وأثرت فى المرية وبطليوس ودانيه وغرناطة وشلتيش، وربما يرجع أول ظهورها إلى ما قبل ذلك التاريخ فى سرقسطة وظلت مستمرة حتى السنوات الأولى من القرن السادس الهجرى حتى جاء المرابطون فصارت جزءا من مملكتهم ثم استردها الأسبان المسيحيون. كانت دول الطوائف ذات أنواع شتى فقد قام بعضها فى المنطقة الساحلية المطلة على البحر المتوسط وأسسها الصقالية المطرودون من قرطبة فى أعقاب سقوط بنى المنصور بن أبى عامر، وهناك نوع آخر من دول الطوائف، التى يعرف منها ما لا يقل عن أربعين دولة من أهمها طليطلة وسرقسطة وأشبيليه وكان يحكمها حسب هذا الترتيب بنو ذو النون وبنو هود وبنود عباد، وكان لكل من هذه

стр. 9491

الدول قاعدة صلبة اقتصادية فى الزراعة، بينما كانت دول الطوائف الأخرى (لاسيما ما كان منها مُطِلًا على الساحل الشرقى) تعتمد أساسًا على التجارة عبر البحار، وكان كثير من هذه الدول قد ظهر للوجود بفضل رجل محلى نشيط ولم تكن هناك مدينة من المدن قد سيطرت عليها واحدة من جيرانها الأقوياء، ولما انتهى ذلك القرن كانت الدول الكبيرة قد ابتلعت الدويلات الصغيرة والتى هى أضعف منها، وكانت أشبيلية هى أنجح الدول فى هذه الناحية وانتهى بها الأمر أخيرا إلى أن تكون هى الدولة التى تطلعت إلى مطمح واقعى وهو توحيد الأراضى فى شبه الجزيرة التى كانت فى السابق خاضعة للأمويين. أما من الناحية العرقية فإن القوم هناك كانوا أنماطا شتى متداخل بعضها فى بعض، لا يستثنى من ذلك سوى قلة مثل غرناطة ومالطة، اللتين كانتا تنفردان بسيادة مجموعة عرقية معينة على غيرها من المجموعات وكانت تشبههما فى هذا المجال اشبيلية من الدول المطلة على البحر فى الناحية الشرقية، ولقد ظل للعامل العرقى أهميته فى سياسات ملوك الطوائف حتى منتصف القرن، وكان فى ظل هذه الدويلات اقليات يهودية ونصرانية، وكان النصارى -كما يبدو- فقد أخدوا فى التضاؤل من حيث العدد والأهمية، عكس ما جرى مع الجماعات اليهودية التى نعمت فى عهد ملوك الطوائف من بنى أمية بالتسامح الدينى وبعض من الذاتية الأقتصادية. أما من الناحية الثقافية فإن عددا كبيرا من دويلات هذا العهد حاولت أن تنسج على منوال البلاط الأموى وبلاط عهد المنصور فأخذوا فى تشجيع الأبداع الأدبى والفنى، وقد وصلت إلينا كميات كبيرة من شعر هذه الفترة، هذا إلى جانب معاجم التراجم التى تقدم مادة تشمل التاريخ الأندلسى منذ أيام الفتح حتى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى)، ومن هذه التراجم نستطيع أن نستدل على مدى اندماج المولدين اندماجا كبيرا فى المجتمع الأندلسى بل وإلى أى حد

стр. 9492

أصبحت لهم الغلبة فيه، كذلك وجد إلى جانب معاجم التراجم هذه مؤلفات تتضمن مواضيع ونصوصا كانت موضع الدراسة أو فى متناول بلاد الأندلس فى هذا الوقت، وعلى هذا الأساس نستطيع أن نرى أن الأندلس ضربت بسهم فى الأنتاج الثقافى فى مناطق مراكز العالم الإسلامى، وساهمت فيه أيضًا. ورحل الأدباء والعلماء والحجاج والتجار إلى الشرق ثم عادوا بعدئذ وراحوا يعملون على تدعيم وتعميق الصلات التى تربط الحياة الأندلسية وتعمق صلاتها بالشرق الإسلامى. وعلى الرغم مما كانت تعانيه الأندلس من أنقسامات سياسية داخلية إلّا أنها ظلت وحدة من الناحية الثقافية والدينية، وبقيت الصدارة للمذهب المالكى وإن قام إلى جانبه عدد من المدارس الفقية. ولعل أشهر أديب دينى وجَدلّى فى ذلك الوقت كان ابن حزم ولكنه لما كان من فريق الظاهرية (وفاشلا فى حياته السياسية) فإنه لم يكن له إلّا تأثير ضعيف فى أيام حياته، وإن ما حظى بالشهرة بعد موته وجود ذلك فى الأساس إلى كتابه الفصل فى الملل والأهواء والنحل الذى اعتبره الجميع دراسة سابقة لأدابها عن الديانة المقارنة، وكان العلماء والأدباء ينتقلون فى سهولة ويسر بين الدول والحكام المتنازعين فيما بين بعضهم والبعض الآخر، واكتسب العلم من المنافسة التى كانت موجودة بين هؤلاء العطوفيين على الأدب على ما بينهم من خلافات، وإذا نحينا ابن حزم جانبا وجدنا كتابا بارزين فى هذا العصر من بينهم المؤرخون: ابن حيان وسعيد الطليلطى وكذلك صاحب غرناطة الزيرى عبد اللَّه بن بلجين الذى عشر -منذ أكثر من خمسين سنة- ليفى بروفنسال على مذكراته، أما من علماء الدين فكان هناك أبو عمرو الدانى، كما ظهر من العلماء فى الطب أسرة ابن زهر وغير هؤلاء. فلما أهلّ النصف الثانى من القرن الخامس للهجرة بدأ الضعف يتطرق إلى ملوك الطوائف الذين وقعوا بين شقى

стр. 9493

الرحى وأعنى بذلك حركة المرابطين فى شمال أفريقية وظهور قوتهم وبين حركة الاسترداد وما بثته من قوة فى أسبانيا النصرانية، ولم تقتصر هذه الحركة على الضغط الحربى والسياسى والأقتصادى الذى مارسته أسبانيا النصرانية على مالك الطوائف هذه، بل تعدت ذلك كله إلى ما اجتاح كل شبه جزيرة أيبريا من روح دينية جارفة أخذت فى التزايد يوما بعد يوم حتى وجدت معظم دول الطوائف نفسها تدفع الضرائب للمسيحيين الذين كان من بينهم ألفونس السادس بل أن بعض دول الطوائف تحالفت مع المسيحيين ضد غيرها من دول الطوائف الأخرى. وأخذت مطالب المسيحيين تتزايد فى عنف حينا بعد حين وتصبح عبئا ثقيلا تنوء تحته اكتاف [المسلمين] منذ أن أدرك هؤلاء النصارى ما عليه المسلمون من الضعف، مما يسر عليهم الاستيلاء على طليطلة سنة ١٠٨٥ الأمر الذى أدى إلى تقدم النصارى نفسيا وحربيا، إذ كانت تلك المدنية وهى العاصمة القوطية فى القديم ذات أهمية من هذه الناحية، ومن ثم كان لسقوطها دوى أحدث خوفا شديدا فى كل نواحى الأندلس، وإذ ذاك اضطر ملوك الطوائف أن يتجهوا بأبصارهم شطر المخرج الوحيد الموجود أمامهم للخلاص وأعنى بهم جماعة "المرابطين" الذين رأوا فى ملوك الطوائف حكاما مفككين وطغاة فاسدين، ومن ثم فإنهم لم يتوانوا عن أغتنام هذه الفرصة التى لاحت لهم فأقدموا على سلسلة من الهجمات السريعة تخللتها انتصاراتهم على المسيحيين فى الوقفة المعروفة بوقفة "سجراحاس" أو زلاقة سنة ١٠٨٦ م وراح المرابطون القادمون من افريقية الشمالية يستولون على مالك الطوائف واحدة بعد واحدة، فأنقذوا الإسلام فى شبه الجزيرة. ولقد أعطى دوزى بالتفصيل التاريخ السياسى لهذا النص فى كتابه تاريخ المسلمين فى أسبانيا (ترجمة حسن حبشى، جـ ٣)، وفى النسخة الفرنسية التى طبعها ليفى بروفنسال فى ليدن سنة ١٩٣٢, وما كتبه منتدبة فى كتابه la spans del lid، وقد صبغه المؤلف بروح من عنده، وانظر Pawers: mediewol spoin ١٠٣١ - ١٢٥٠, xxx ١, p. ٣ - ١٥ وهو مفيد على وجه الخصوص فيما

стр. 9494

يتعلق باسبانيا النصرانية فى هذه الفترة، كما يجد القارئ مزيدا من التفاصيل عن المجتمع الأسبانى فى هذه الفترة فيما جاء فى T. F. Cililick: Islamic spain in the early middle ages أما عن النقوش التى على العمائر فراجع Levi proavencal: inscriptions arabes ans، ١٩٣١، وأما عن الناحية الدينية فانظر مكى: التشيع فى الأندلس فى مجلة المعهد المصرى للدراسات الإسلامية بمدريد، جـ ٢ (١٩٥٤) ص ٩٣ - ١٤٩, أما فيما يتعلق برسالة موسى بن عزرا عن نظرية الشعر فقد قام بنشرها هالكن فى القدس سنة ١٩٧٥ باسم "المحاضرة والمذاكرة" على إنه لا توجد حتى اليوم دراسة وافية عن فن كتابة النثر فى هذا العصر. المصادر: فى ثنايا المقال. بدرية الدخاخنى [د. ج. تسترشين D. J. Zesserstein] مملكة تعدها المعاجم العربية مصدرا واسم مكان من الفعل (ملك) الذى يعنى امتلك الشئ أو حازه، وتعنى هيمنة اللَّه -سبحانه- على الخلق، كما تعنى هيمنة البشر على البشر، وهى كاسم مكان تعنى المكان المملوك ابتداءً أو الذى تم الاستيلاء عليه، وأكثر المعانى التى تشير لها كلمة مملكة هى دلالته على قطر أو دولة يُحكم حكمًا ملكيا والجمع مالك التى استخدمها ابن خرداذبة فى عنوان كتابة المشهور المسالك والممالك، وفى إطار الفكر الشعوبى بين الجاحظ بين مملكة العرب "ومملكة المعجم" وبعد ذلك بحوالى سبعين عاما أتى الجغرافى قدامة بن جعفر ليستخدم الكلمة بمعنى اشمل "مملكة الإسلام" أو ببساطة "المملكة" وبعد ذلك كرس الجغرافيون المسلمون (البلخى، المقدسى، ابن حوقل، الاصطخرى. .) كتاباتهم لوصف العالم الإسلامى كله لذا، قال الباحثون عنهم أنهم مدرسة أطلس الإسلام؛ لأنهم تجاوزوا الانقسامات السياسية ليتناولوا العالم الإسلامى كوحدة اقتصادية وحضارية واحدة. المصادر: A. Miquel: La geograghie humaine du monde musulman. Paris ١٩٦٣ - أ. د. عطية القوصى [A. Miquel]

стр. 9495

مملوك، مماليك كلمة مملوك تعنى حرفيا "شئ ممتلك"، ولقد استخدم الاسم خاصة فى معنى "رقيق العسكر"؛ ولقد سرت هذه التسمية فى مختلف أنحاء العالم الإسلامى، ومن الممكن دراسة تنظيم الرق العسكرى بأشكاله المختلفة من خلال إطار دراسة تاريخ سلطة المماليك فى مصر وسوريا (٦٤٨ - ٩٢٢ هـ/ ١٢٥٠ - ١٥١٧ م). ١ - أقطار المنشأ والتكوين العنصرى: الجزء الأكبر من مماليك الأيوبيين كانوا أتراكا، غير أننا لا نعرف على وجه الدقة بلادهم الأصلية التى جلبهم منها سلاطين الأيوبيين بإستثناء عهد حكم الملك الصالح نجم الدين أيوب، الممهد المباشر لفترة حكم المماليك وعهد حكم واحد أو اثنين من الحكام الأيوبيين المعاصرين له أو الذين حكموا مباشرة. ويعطينا ابن فضل اللَّه الغمرى أهم وصف لقبجاق الإستبس ولشعبهم، وهو المصدر الرئيسى لرقيق سلطنة المماليك العسكريين عند بداية تكوينها، حيث يركز الكاتب على الظروف الصعبة التى كان يحياها سكان الإستبس وأسلوب معيشتهم البدائية (بما فى ذلك وثنيتهم)، كذلك على تكوينهم العسكرى، وعلى إخلاصهم وولائهم، وهى خليط من صفات جعلتهم مؤهلين كل التأهيل لأن يصبحوا مادة خاما عسكرية وقد أجمعت المصادر على أن مماليك مصر وسوريا كانوا العامل الحاسم فى إنقاذ الإسلام من تهديدات الفرنج والمغول منذ معارك المنصورة (٦٤٧ هـ/ ١٢٤٩ م) وعين جالوت (٦٥٨ هـ/ ١٢٦٠ م) حتى المعارك الأخيرة ضد إيلخانات مغول فارس والعراق. هذا ويرجع بيع سكان إستبس القبجاق وحكامهم الرقيق للأسباب التالية: فقر سكانها المدقع، الذى أجبرهم، فى بعض السنوات، على بيع أطفالهم، كما أنهم لجأوا إلى بيع أطفالهم لسداد الضرائب التى ينبغى عليهم دفعها للحاكم وإلى جانب هذا قبض هؤلاء المقام على أطفال رعيتهم

стр. 9496

ونسائها وبيعهم ولم يكن هذا الإكراه وتلك الضغوط هى الحافز الوحيد لبيع هؤلاء الأطفال. وفى الحقيقة، أن هجمات المغول على قبجاق الإستبس ملأت أسواق الرقيق بأتراك تلك المنطقة بما سهل على الأيوبيين الحصول عليهم، وأدى ذلك بطريق غير مباشر إلى تأسيس دولة المماليك. ولقد أدى إسلام حكام مغول منطقة القطيع الذهبى وإسلام الكثير من أفراد شعبها، على المدى الطويل، إلى تقليل حجم القوة البشرية العسكرية لبلاد قبجاق الإستبس وخصوصا لسلاطين المماليك. وعلى المدى القصير، فإنه من المشكوك فيه أن إعتناق الإسلام كان له تأثير ملحوظ على تجارة الرقيق من تلك المنطقة ولسنين طويلة، فلقد إستعاد أولئك الذين أصبحوا مسلمين، الكثير من عاداتهم الوثنية، وبقيت كثرة مثلهم على الوثنية، وكان استمرار تجارة الرقيق يعود على كل من الباعة والمشترين بالنفع الكبير. وقبل سرد أصول المماليك، يجب أن نناقش لفظة "تُرك" التى لها معنيان: أحدهما معنى واسع، والثانى ضيق للغاية. ولنبدأ بالمعنى الواسع، تاركين الثانى بإحصاء الأجناس المختلفة. ولفظة تُرك أو أتراك بمعناها الواسع تضم كل أجناس المماليك ولقد أطلق على سلطنة المماليك إسم "دولة الترك أو دولة الأتراك أو الدولة التركية" ولقد كان التعريف الشائع لسلاطين المماليك هو: "ملوك الترك". أما الفرنجة (الإفرنج والفرنج) فلم يذكروا أبد، فى المصادر المملوكية كمجموعة جنسية إلا أن هنالك بعض أشخاص مماليك قيل عنهم أنهم ينتسبون إلى أصل فرنجى ولقد كان هناك بعض من الذين ولدوا مسلمين من خارج أراضى السلطنة المملوكية أو من الأقطار المجاورة لا سيما النواحى التى كان يقطنها التركمان إنضموا من تلقاء ذاتهم إلى الارستقراطية المملوكة الحربية التى وجدوها خيرًا مما هم فيه وقد أطلق على قلة من التركمان الذين إندرجوا فى سلك المماليك إسم "الروميين".

стр. 9497

٢ - وصول المملوك وتدريبات الأولى: وتظهر فى مقدمة حياة كل مملوك، بكل وضوح، صورة تاجر الرقيق، وخصوصا صورة الشخص الذى أحضره من موطنه الأولى، فهو ولى أمره الأول وحاميه من الصعاب والأخطار أثناء الرحلة إلى الوطن الذى اختير له وهو أيضًا يتعامل معه كحلقة وصل بينه وبين موطنه الأولى، حتى أن المملوك يرتبط عادة بروابط قوية عاطفية ومحترمة بذلك التاجر، ولقد كان كان هؤلاء التجار مواطنين مسلمين. وبينما نعرف القليل التافه عن سوق الرقيق ووظيفته، فإننا نعرف الكثير عن كيفية شراء السلطان لمماليكه فهو يشتريهم فى الحقيقة من بيت المال، وأولئك المماليك الذين لم يكونوا قد أعتقوا قبل موت السلطان أو قبل عزله فإنهم يعودون إلى بيت المال ويشترون من هناك من قبل السلطان الجديد. ويربى مماليك السلطان فى مدرسة عسكرية تقع فى "طباق الأتابك" فى قلعة القاهرة. وطالما هم مقيمون فى القلعة، يظل المماليك فى الطباقات الخاصة بهم، ويعرف كل منهم باسمه وتنقسم الدراسة بالنسبة للمبتدئ إلى قسمين رئيسيين. أولهما: دراسة مبادئ الإسلام ثم فنون الحرب أو الفروسية. ٣ - وظيفة الخصيِّان: الخصيان هم العنصر السائد المهيمن فى المدرسة العسكرية، وهم الذين يقومون بتربية التلاميذ (حتى فى المجال الدينى، إلى جوار علماء الدين)، وكذلك فإنهم ملتزمون بتطبيق نظام صارم بينهم، ويرجع السبب الرئيسى فى تزويد المدرسة بالمعلمين الخصيان هو استخدامهم كحائل بين المماليك الأطفال والمماليك البالغين لمنع اللواط. والتلميذ الذى يثبت عليه مضاجعة الصبيان يكون عرضة لتنفيذ الإعدام. وللخصيان تنظيم هرمى يتألف، سفحه من حُذام الطباق (أو طواشية الطباق) وعلى رأس كل طباق يوجد خصى يعرف "بمقدم الطبقة" وتأتمر كل الطبقات بأمر خصى واحد يسمى

стр. 9498

بمقدم المماليك السلطانية"، ويكون له (نائب) خصى مثله أيضًا. ويبدو أنه لم يكن هناك فصل بين أولئك الخصيان الذين يخدمون فى المدارس وبين أولئك العسكريين منهم والكفاءات الإدارية ولا بينهم وبين أولئك الذين يخدمون فى الحريم أو فى المعاهد الدينية. على أنه يبدو أنهم لم يكونوا يقومون بأداء هذه الوظائف المختلفة فى وقت واحد. والخصيان كجماعة كانوا أقوياء للغاية وكانوا أصحاب نفوذ تحت حكم سلاطين المماليك. وأعلى درجة يصل إليها الخصى فى دولة المماليك هى "أمير أربعين" بل أنه لا يصل إلى هذه الدرجة سوى شخص واحد خصى هو "مقدم المماليك السلطانية" على أنه لم يشذ عن هذا الوضع إلا فى فترة الإضطراب التى سادت فى السنوات التى تلت السلطنة الثالثة للناصر محمد ابن قلاوون، فقد استحوذ الخصيان مع جوارى القصر على سلطة لم يكن لها مثيل من قبل لكن هذا النوع من السلطة لم يستمر طويلًا؛ لأنه يُعد ضربة موجهة مضادة لمفاهيم المجتمع الإسلامى، فضلًا على أنه من الممكن أن يؤدى إلى هدم أسس النفوذ المملوكى. ٤ - تكملة التدريب والعتق: إذا أتم المملوك المدرسة وأنهى فترة تدريبية جرى عليه العتق ويتم ذلك فى احتفال عام يكون فى حضرة السلطان ويعرف باسم "خرج" يضم ما بين ١٥٠ إلى ٥٠٠ متخرج. ويتسلم كل واحد منهم شهادة إعتاقه وتسمى "عتاقة"، وهى التى تقرر فى نفس الوقت، صيرورته جنديا كامل الأهلية. وحين يعتق المملوك، يكون على درجة جندى صغير. وبذلك تتساوى بداياتهم جميعًا، على أن لهم، فرصة حقيقية للترقى إلى أعلى الدرجات فى حالة إعتاق السلطان لهم وليس فى حالة إعتاق الأمير، خاصة إذا ما انتظم المملوك فى الحرس الخاص للسلطان (الخاصكية). ولم تكن هنالك مدارس لتدريب الضباط، فأولئك يرتقون من مرتبة الجندى العادى دون الحاجة لممارسته نوع خاص من التدريب.

стр. 9499

٥ - المملوك وولى أمره بعد اعتاق المملوك تحسم مسألة نسبة النهائى مدى الحياة. فهو ينتمى بالولاء، من ناحية، لولى أمره (معتقه، وأستاذه)، ومن ناحية أخرى، لزملائه فى الخدمة والعتق والذين يعرفون بالخشداشية وتتجلى مشاعر ولاء المماليك لأولياء أمورهم فى تلك الحالات التى لا تسير فيها الأمور وفق المقدر لها. وذلك حين يحدث أن يموت ولى الأمر وهو السلطان أو يعزل قبل الموعد المحدد لعتق مجموعة من المماليك بوقت قصير. إذ ترفض هذه المجموعة فى بعض الأحيان أن يعتقها السلطان الجديد خوفًا من أن عتقهم على يديه يُشكل ضربة مميتة لفرص ترقيهم بأن يصبحوا جزء، من الطبقة الأرستقراطية العسكرية العليا. ولقد أقام ولى الأمر وعتقاؤه علاقات مماثلة لتلك العلاقات العائلية. فهو يعتبر والدًا لهم وهم أولاده، وهم يعتبرون أنفسهم أخوة فيما بينهم، مع علاقات خاصة بين الإخوة الكبار (الأغوات) والإخوة الصغار (الإنايات). ٦ - المجتمع المملوكى: كان المجتمع المملوكى فى عهد سلطنة المماليك مجتمعا منيعا للغاية، قائما بذاته. وإذا ما أراد الشخص أن يصبح عضوًا فيه أحتاج إلى استيفاء متطلبات محددة للغاية. وهى أن يكون أشقر البشرة؛ ومن -معظم الحالات- من سكان المنطقة الممتدة إلى شمال وشمال شرقى أرض الإسلام أن يكون قد ولد وثنيا وأن يكون قد أحضر إلى سلطنة المماليك طفلًا أو صبيًا (فى سن البلوغ)؛ وأن يكون قد أشترى، وأن يكون معتقه الذى تولى تربيته من طبقة الأرستقراطية العسكرية. وقد بدأ هذا التنظيم المملوكى قبل قيام دولة المماليك وكان جميع أفراده، بإستثناء قلة قليلة يحملون، أسماء، تركية بصرف النظر عن أصولهم. وصار هذا هو الوضع أيضًا مع الشراكسة حين جاءوا ليكِّونوا العامل الرئيسى فى الأرستقراطية العسكرية. وحقيقة أن معظم المماليك ممن يعرفون (أولاد الناس) قد حملوا أسماء إسلامية ساعدت كثيرًا فى معرفة إنتسابهم لتلك

стр. 9500

الأرستقراطية، الأمر الذى سهَّل بقائهم كجيل جديد من أجيال تلك الأرستقراطية وفى مصر العثمانية، إلا أن إختيار غالبية المماليك للأسماء الإسلامية كان عاملًا من أهم عوامل خلق المجتمع الذى إمتزجت فيه الصفات الموروثة بجيل النبلاء. وهنالك مظهر آخر من مظاهر ذلك المجمتع وهى أن أعضاءه يتزوجون أساسًا من جوارى من بلادهم الأصلية أو من بنات المماليك كذلك فإن معظم محظياتهم كّن أيضًا من نفس المنطقة ولم يكن يستثنى، من هذا سوى الأماء السوداوات ولقد كان الزواج بين أمراء المماليك وبنات البلد نادرًا (أساسًا بنات كبار الموظفين، وكبار التجار والعلماء). وذلك يعنى أن الجوارى المستوردات من الأماكن التى كانت تشكل مصدرًا للرقيق العسكرى كن على الأقل كثيرات كثرة تماثل كثرة أعداد المماليك وقد كان الزواج بين أبناء المماليك وبنات البلد كثيرًا للغاية، وذلك يظهر وجهًا من وجوه مضاهاة النسل المملوكى فى التنظيم السكانى المحلى (*). ولقد يتميز المماليك أيضًا بزيهم الخاص، الذى كان يعتبر أكثر إحتشاما من زى أى طبقة أخرى. ومن حق المملوك تملك المماليك وهذا حق مقصور عليه نظريا (وإن كانت هنالك حالات كثيرة لمدنيين يمتلكون مماليك)، كذلك ركوب الخيل. وكانت اللغة التركية هى اللغة المتداولة بينهم لأنه معرفة معظمهم العربية كانت سطحية للغاية، برغم أن المزيد من الدراسة ربما تغير ذلك الإنطباع إلى حد كبير. على أن وعيهم الإسلامى قوى للغاية. ويتضح ذلك من العديد من المبانى الدينية التى شيدوها. ويشكل المماليك السلطانية العمود الفقرى لدولة سلاطين المماليك. المصادر: (١) أبى شامة: مفرج الكروب فى أخبار بنى أيوب. (٢) ابن إياس: بدائع الزهور منى وقائع الدهور.

стр. 9501

(٣) المقريزى: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار المقريزى. (٤) المقريزى السلوك فى أحوال دول الملوك. (٥) ابن تغرى بردى النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة. د. عطية القوصى [د. أبالون D. Aballon] نشأة السلطنة المملوكية فى مصر والشام (٦٤٨ - ٩٢٢ هـ = ١٢٥٠ - ١٥١٧ م) . بدأ الحكم المملوكى بدولة المماليك البحرية، وهم أهل بيت عسكرى من قبيلة القبجاق (مماليك الأتراك)، وينتمون إلى الحرس الخاص للسلطان الأيوبى الصالح نجم الدين أيوب (٦٣٧ - ٦٤٧ هـ/ ١٢٤٠ - ١٢٤٩ م). ولقد قامت المماليك البحرية بإزاحة حكم الأيوبيين عن مصر وسوريا واستولت على الحكم تحت ظروف تهديد مصر والشام بكارثتين حربيتين، أولاهما: حملة لويس التاسع الصليبية على مصر (٦٤٧ - ٦٤٩ هـ/ ١٢٤٩ - ١٢٥٠ م)، وثانيهما: الغزو المغولى للشام (٦٥٧ - ٦٥٨ هـ/ ١٢٥٩ - ١٢٦٠ م). ولقد تم استيلاء المماليك البحرية للسلطة فى مصر، بعد عودة السلطان الجديد توران شاه مباشرة إلى مصر بدعوة من المماليك البحرية. وقد قامت مجموعة من هؤلاء المماليك بقتل توران شاه يوم ٢٧ من المحرم سنة ٦٤٨ هـ/ أول مايو ١٢٥٠ م. ولقد ساعد دور البحرية البارز فى مقاومة الصليبيين على أن أصبحوا أصحاب السيطرة السياسية والسيادة، كذلك ساعدهم على ذلك موت القائد فخر الدين بن شيخ الشيوخ الذى كان يلى شئون الدولة حين توفى الصالح أيوب، ولكنه مات قبل وصول توران شاه إلى البلاد. ولقد استقر رأى البحرية أن يظل الحكم فى البيت الأيوبى ممثلا فى تولية أرملة الصالح أيوب، أم الخليل شجر الدر، وهى من أصل مملوكى تركى، كرسى السلطنة، لكن أمر نقل السلطة تغير بإختيار أتابك العسكر، أيبك التركمانى سلطانًا. ولقد رفض الناصر يوسف حاكم حلب، أن يعترف بسلطنة شجر الدر واستولى على دمشق. عندئذ أطاح المماليك البحرية بشجر الدر، ورفعوا أيبك للسلطنة

стр. 9502

وجعلوه سلطانًا ولقبوه "بالملك المُعز" (٢٨ ربيع الثانى ٦٤٨ هـ/ ١١ يوليو ١٩٥٠ م). وبعد أيام قليلة استعاد قيادته السابقة للبحرية، واعترف بطفل، هو الأشرف موسى، سليل أيومبى اليمن سلطانًا إسميًا. ولقد فشل هذا التدبير فى تهدئة الناصر يوسف، الذى أرسل أكثر من حملة لمصر وعاد أيبك إلى السلطنة فى سنة ٦٥٢ هـ/ ١٢٥٤ م. وتزوج لبعض الوقت من شجر الدر، متبعا فى ذلك سنن سابقيه السلاجقة فى زواج الأتابك من أرملة سيده المتوفى. كما ازدادت العداوة فى نفس الوقت، بين البحرية وطائفة أيبك، المعزية. وقام فارس الدين أقطاى الحمدار فأخذ الوصاية الملوكية وعقد زواجه على أميرة أيوبية وكان زواجًا سياسيًا وطلب منها أن تقيم فى قلعة القاهرة. ولقد دبر أيبك إغتيال أقطاى على يد مملوكه قطز المعزى. وأضعف هذا الإنقلاب من قوة البحرية، فهرب الكثيرون منهم إلى الشام ودخلوا فى خدمة الأيوبيين. وكان بين هؤلاء بيبرس البندقدارى. ومما يدعو للسخرية، أن زواجًا سياسيًا ثانيًا أدى إلى قتل أيبك فلقد أثارت رغبته فى الزواج من إبنة الأتابك بدر الدين لؤلؤ أتابك الموصل غيرة شجرة الدر، التى دبرت مقتله يوم ٣ ربيع الأول ٦٥٥ هـ/ ١٠ أبريل ١٢٥٧ م. إلا أن تشتت البحرية تركها دون حماية كافية. وقد قام المعزية بقتلها، وبتعيين على بن أيبك، من زوجته الثانية، سلطانًا، وأصبح قطز من أهم الأقطاب. وحين بدأ الغزو المغولى لسوريا فى سنة ٦٥٧ هـ/ ١٢٥٩ م، اغتصب قُطز السلطنة لنفسه ووادع بيبرس، الذى عاد إلى مصر وخرجا على رأس حملة وتمت هزيمة المغول على أيديهما فى موقعة عين جالوت فى ٢٥ رمضان ٦٥٨ هـ/ ٣ سبتمبر ١٢٦٠ م. وسرعان ما انحسر الهجوم المغولى عن الشام ولقد وقع الناصر يوسف أسيرا فى يد المغول، ووقعت الإمارتان الأيوبتان الكبيرتان دمشق وحلب تحت حكم المماليك المباشر رغم احتفاظ إمارات حمص وحماة والكرك الصغيرة باستقلالها وبنهاية هذه الأزمة، عادت المنافسة

стр. 9503

المتأصلة بين المماليك وقد قام بيبرس على رأس جماعة من المتآمرين باغتيال قطز. ثم أغتصب السلطنة بعد تعهده بمساعدة البحرية، إخوته فى السلاح. - السلطنة الحصينة: يعد الظاهر بيبرس، دون سابقيه، المؤسس الحقيقى لدولة سلاطين المماليك. فلقد سمحت فترة حكمه الطويل نسبيا (٦٥٨ - ٦٧٦ هـ/ ١٢٦٠ - ١٢٧٧ م)، والدرجة العالية من الإستقرار الداخلى، مقارنة بتقلبات العقد السابق، بإقامة البنية السياسية للدولة ونظم الحكم. إلا أن الإيلخانات المغول فى الشرق خلال عهده وعهد من حكم من بعده وبقايا الإمارات الفرنجية أخذوا يهددون دولة المماليك الحصينة على سواحل الشام -وكان الخطر المغولى أشد من الخطر الصليبى. ولقد قام الأيوبيون فى حمص وحماة بصد هجمة ثانية شنها المغول على سوريا بعد معركة عين جالوت بشهور قليلة، إلا أن أيوبيِّى حمص وحماة صدوهم أولًا فى الأول من المحرم ٦٥٩ هـ - ديسمبر ١٢٦٠ م) ثم هزموهم مرة ثانية فى موقعه حمص الثانية فى سنة ٦٨٠ هـ/ ١٢٦١ م، أثناء حكم قلاوون أما فى الفترة الأخيرة فقد وقعت سنة ٧١٢/ ١٣١٣ م زمن السلطنة الثالثة للملك الناصر محمد بن قلاوون. ولقد كانت الإمارات الفرنجية عسكريا ضئيلة الأهمية بالمقارنة بقوة المغول ولكن خطرها كان يكمن فى أن تصبح [الشام] قاعدة لصليبيى أوربا، مما يتح فرصة قيام حلف صليبى مغولى ضد المماليك وقد بدأ تحقق هذه المخاوف حين خرج إدوارد، ابن ملك إنجلترا هنرى الثالث على رأس، قوة صليبية إلى عكا سنة ٦٦٩ هـ/ ١٢٧١ م، وحصل على تعاون محدود من قبل الإيليخان "أبقا" ولقد إنتهت هذه العملية المشتركة، الأولى والأخيرة من نوعها إلى لا شئ وكان تأمين مسلمى الشام المواجهين لأراضى العدو، من أهم ما شغل بال بيبرس. وفى سنة ٦٦١ - ٦٦٢ هـ/ ١٢٦٣ م, سقطت إمارتان أيوبيتان فى أيدى بيبرس هما إمارة الكرك وإمارة حمص كما تم إخضاع الإسماعيلية، وأستولى بيبرس على قلاعهم فى الفترة ما بين ٦٦٩

стр. 9504

و ٦٧١ هـ/ ١٢٧١ و ١٢٧٣ م. وقد كان من أهداف بيبرس إنقاص عدد الإمارات الصليبية قدر الإمكان، وقد قام لذلك بحملات سنوية فى سوريا، واستولى على الكثير من بقايا مدن الفرنجة وقلاعهم: فاستولى على قيسارية وحيفا وأرسوف سنة ٦٦٣ هـ/ ١٢٦٥ م، وأستولى على يافا وأنطاكية سنة ٦٦٦ هـ/ ١٢٦٨ م. كذلك استولى على عدة قلاع داخلية مثل قلعة صفد وقلعة حصن الأكراد. وقد ظل بيبرس على سياسته الدفاعية ضد المغول، باحثا عن إضعافهم بالدبلوماسية دون قوة السلاح. فاستغل العداوة بين الإيليخانيين وبين "بيرك" خان "القبيلة الذهبية" (٦٥٤ - ٦٦٤ هـ/ ١٢٥٦ - ١٢٦٦ م)، وحاكم قبجاق الإستبس الذى أسلم، ولقد شجع تحالف بيبرس مع بيرك على تدفق محاربى القبائل المغولية (الوافدة) من الأراضى الإيليخانية إلى بيبرس. ولقد كان لبيبرس هدفان فى سياسته الداخلية، أحداهما هو أضفاء الشرعية على حكمه وثانيهما تكوين بيت من أسرته يخلفه من بعده. ولقد نجح فى هدفه الأول بتنصيبه أميرًا عباسيا خليفة فى القاهرة، وتسلمه منه إعترافًا رسميا بسلطاته المطلقة كسلطان على كل العالم الإسلامى (رجب ٦٥٩ هـ/ يونيو ١٢٦١ م). وحين توفى هذا الخليفة الذى تسمى باسم المستنصر باللَّه بعد وقت قصير، أحل بيبرس مكانه خليفة آخر وظلت الخلافة العباسية الصورية فى مصر حتى الفتح العثمانى. ولقد قلد بركة ابن بيبرس سلطانًا شريكا لوالده فى السلطنة فى شوال ٦٦٢ هـ/ أغسطس ١٢٦٣ م وهو لا يزال فى الرابعة من عمره. هذا ولم يستمر حكم أسرة بيبرس طويلًا، وكانت العدواة الواقعة بين رجالة "الظاهرية" و"الخاصكية" هى السبب الرئيسى لعدم هذا الاستمرار وقد قاد المعارضة أحد رفاق بيبرس وهو قلاوون الألفى. وبعد أن نجح قلاوون فى خلع بركة خان عن الحكم, أحل الأعيان مكانه أخاه سلامش، الذى كان يبلغ من العمر سبع سنوات، وجعلوه سلطانًا إلا أنه لم تمض أسابيع

стр. 9505

قليلة حتى استولى قلاوون على العرش (ربيع الثانى ٦٧٨ هـ/ أغسطس ١٢٧٩ م)، ونفى أبناء بيبرس إلى الكرك. ولقد كان المنصور قلاوون مسئولًا عن بدعة عسكرية هامة، وهى: تجنيد الفرق العسكرية المملوكية الجراكسة الذين عرفوا بالمماليك البرجية نسبة لسكناهم أبراج (القلعة). ولقد كانت تلك أول إشارة لتهديد نفوذ أتراك المماليك القبجاق. ومن ناحية أخرى، فقلد واصل قلاوون سياسات بيبرس. ولقد أعلن حاكم دمشق، سنقر الأشقر نفسه سلطانًا مثلما فعل سنجر الحلبى من قبل. وقد هُزم بصعوبة فى صفر ٦٧٩ هـ/ يونيو ١٢٨٠ م، لكنه نجح فى تثبيت نفسه فى قلعة صهيون التى كانت من قبل قلعة للصليبين اللاذقية الجبلية. وأخيرًا، شارك قلاوون فى عملياته العسكرية ضد قوات المغول التى أرسلها الإيليخان أباقا وهى القوات التى هزمت فى معركة حمص الثانية (شعبان ٦٨٠/ نوفمبر ١٢٨١ م). وتوفى أباقا فى العام التالى، وقام خليفته "تكودار أحمد" الذى إعتنق الإسلام، بتحسين العلاقات بينه وبين السلطان. عندئذ أصبح قلاوون متفرغا لمتابعة "الجهاد" ضد الإمارات الفرنجية. فسقطت فى يده طرابلس فى ربيع الثانى ٦٨٨ هـ/ أبريل ١٢٨٩ م وضربها، وكان قلاوون على وشك أن يقول حملة ضد عكا/ لكن وافاه أجله فى ذى القعدة ٦٨٩ هـ/ نوفمبر ١٢٩٠ م). ومثلما فعل بيبرس فقد كرس قلاوون جهده، فى تكوين بيت حاكم، ولكن لم يتم الأمر كما خطط له بأن يخلفه ابنه الصالح على، فقد إنتقل العرش إلى ابن آخر هو الأشراف خليل، الذى ينسب إليه الإستيلاء على عكا (جمادى الأولى ٦٩٠ هـ/ مايو ١٢٩١ م) والقضاء على مملكة اللاتين. وفى العام التالى، إستولى خليل على قلعة الروم، لكنه فى المحرم من سنة ٦٩٣/ ديسمبر ١٢٩٣ سقط ضحية لمؤامرة دبرها كبار قواد والده العسكريون (المنصورية)، الذين أحسوا بتهديده لهم، فقاموا بقتله.

стр. 9506

ولقد تسبب مقتل السلطان خليل فى إضطراب سياسى دام سبع عشرة عامًا، تناوب القواد حكم السلطة خلالها. وأخيرًا أختير أحد أبناء قلاوون سلطانًا، وهو الناصر محمد، وكان طفلًا صغير، لا يزيد عمره عن عشر سنوات. ولقد أقصى الناصر مرتين عن الحكم، وأخيرًا عاد للسلطنة للمرة الثالثة سنة ٧٠٩ هـ/ ١٣١٠ م بعد أن إستوى عودة واكتسب الخبرة السياسية، بعد أن إنتقل من الكرك، وبفضل مساندة حكام حلب وحماة وطرابلس له زحف على مصر لينزع عنها حكم المظفر بيبرس وينصب سلطانًا للمرة الثالثة والأخيرة. - حكم الناصر محمد المطلق: لم تعد دولة سلاطين المماليك مهددة من الأعداء الخارجين طوال فترة حكم السلطنة الثالثة الطويل للسلطان الملك الناصر محمد (٧٠٩ - ٧٤١ هـ/ ١٣١٠ - ١٣٤١ م). فلقد زالت الإمارات الصليبية وزال معها ـكل خطر صليبى قد يقدم من أوربا. كذلك أجهضت آخر غزوة مغولية قام بها الإيليخان أولجاتيو فى شتاء ٧١٢ هـ/ ١٣١٢ - ١٣١٣ م وبذلك لم يكن السلطان فى حاجة لأن يقسم وقته بين مصر والشام، وأصبح الناصر محمد مطلق اليد فى حل المشاكل الداخلية وفى تأسيس حكومة أوتقراطية. ولقد كان عليه أولًا أن يؤمن وضعه فقام بقتل كل من المغتصب بيبرس وزميله سلار، خلال شهور قليلة من عودته. وكان عليه أن يتوجه للقضاء على حكام الشام الثلاثة المتوقع عدوانهم فمات أحدهم ميتة طبيعية، وأما الثانى فقد ألقى القبض عليه، بينما هرب الثالث إلى أولجاتيو. وفى نفس الوقت، نفذ الناصر محمد بمهارة سياسية فائقة إجراءًا، وهو الأستعاضة عن كبار مماليكه المحنكين بغيرهم ونقلهم من مراكزهم الرئيسية ومواقعهم الحصينة. ولقد كان من أبرز خدامه تنكز الحسامى، الذى عينه واليا على دمشق فى سنة ٧١٢ هـ/ ١٣١٢ م، ثم حاكما عاما على الشام بعد ذلك بعامين. كذلك قام بعزل ارغون الدوادار نائب السلطنة بالديار المصرية كما قام السلطان الناصر بعمل الروك الناصرى،

стр. 9507

الذى قوى موقفه أمام القواد. ولقد قام السلطان لاجين بعد ذلك بنفس المحاولة الإصلاحية سنة ٦٩٧ هـ/ ١٢٩٨ م، وكانت سببًا رئيسيًا فى إغتياله. وكانت فترة السلطنة الثالثة للناصر محمد فترة الحكم الأوتقراطى وفى بعض الأحيان كان حكمه جائرًا. ولقد ثبت إحرازه للقوة والسطوة من خلال ثلاث مناسبات (فى سنوات ٧١٢, ٧١٩ , ٧٣٢ هـ) ثم وتوفى الناصر محمد فى ذى الحجة سنة ٧٤١ هـ/ يونيو ١٣٤١ م، بعد أن أختار ابن أبا بكر خليفة له - سطوة القواد: رغم أن ثلاثة أجيال من نسل السلطان الناصر محمد قد خلفوه فى الحكم، فالواقع أن إثنى عشر واحدًا منهم قد حكموا فى أقل من نصف قرن مما تشير إلى ضعفهم. ولقد كان أغلبهم صغارا وعديمى الخبرة وكان بعضهم أطفالًا، ينقصهم الأساس الذى قام عليه الحكم المملوكى وكان وراء هؤلاء الحكام شخصيات قيادية تحكمت فى الدولة، وتصارعوا فيما بينهم على السلطة. ولقد حدثت إضطرابات سياسية عقب وفاة الناصر محمد مباشرة. فبعد ثلاثة أسابيع من موته، حصل قوصون على موافقة أبى بكر بالقبض على بْشَتكْ وجرده من أمواله وصفى ثروته الكبيرة ومخصصاته. وأرسل الأمير المخلوع إلى الإسكندرية، حيث أعدم هنالك بعد وقت قصير. وليس هنالك من فائدة تذكر من ذكر تفاصيل التاريخ السياسى لبقية أسرة قلاوون فى هذا المقال على أن الشخص الوحيد من هؤلاء السلاطين الذى خلف والده الناصر محمد وقام ببعض الإصلاحات الناجحة هو السلطان الناصر حسن الذى ولى السلطنة وهو فى الحادية عشرة من عمره بعد قتل أخيه وسلفه لكن هذا السلطان قتل هو الآخر فى (جمادى الأولى ٧٦٢ هـ/ مارس ١٣٦١ م). وفى ربيع الثانى ٧٦٨ هـ/ ديسمبر ١٣٦٦ م، توفى يلبغا الذى كان قد أطاح بالناصر حسن لكن حدث بعد ذلك بست عشرة سنة أن أطاح برقوق بن أكس، الجركسى، بآخر حكام بيت قلاوون

стр. 9508

وإغتصب لنفسه الحكم وأسس دولة المماليك الجراكسة. دولة سلاطين المماليك الجراكسة لقد إتبعت دولة سلاطين المماليك الجراكسة، التى بدأت باستيلاء الظاهر برقوق على الحكم فى رمضان ٧٨٤ هـ/ نوفمبر ١٣٨٢ م، تدبيرًا منتظما وغير متغير فى معظمه بصدد عملية تولى السلطة والحكم. فنجد قائدًا يغتصب العرش، وخلال سنين قليلة فى معظم الأحوال، يعزل على يد ثائر آخر، وهكذا تتكرر دورة الأحداث. ولكن السلطنة كانت تطمع المتمردين من دوائر محددة، وخاصة من فرق السلاطين العسكرية السابقة. ولقد كان الصراع قد تركز آنذاك أساسا بين أولاد برقوق وأولاد قايتباى، وقد خرج من كل منهما خمسة حكام. وحيث أن قايتباى كان مملوكا لبرسباى، الذى كان نفسه مملوكا لبرقوق، فقد يكون من الممكن أن نعتبر أن سلاطين الجراكسة قد كونوا بيتا حاكمًا. ولقد واجهت دولة سلاطين المماليك الجراكسة فى سنواتها الأولى تهديدًا مماثلا لما واجهه الظاهر بيبرس فى أواخر القرن السابغ الهجرى/ الثالث عشر الميلادى -وهو خطر الإبادة بواسطة قوات تيمورلنك التركية المغولية. ولقد أجاب برقوق على هذه الهجمة المغولية، بعرضه على أحمد بن أوبس الجلائرى فى سنة ٤٩٦/ ١٣٩٤, الذى طرده تيمور من بغداد أن يلجأ إليه وتشكيل جبهة عامة مع العثمانيين ومغول القبيلة الذهبية، للرد بحسم على تيمور. ولم تنكسر حدة عاصفة التتار إلا بعد سنة ٨٠٣ هـ/ ١٤٠٠ - ١٤٠١ م، خلال عهد فرج بن برقوق. ولقد أضطر فرج وقواته إلى إخلاء الشام، التى إحتلها تيمور وخربها. على أن تيمور، لم يحاول أن يغزو مصر. وفى شعبان ٨٠٣ هـ/ مارس ١٤٠٠ م، بدأ تيمور فى الإنسحاب من دمشق، بعد أن حمى جانبه للتقدم نحو العثمانيين. وعلى الرغم أن سلطنة المماليك استمرت خلال القرن التاسع للهجرة الخامس عشر الميلادى كقوة عظمى، إلا أنها كانت تعانى من تدهور اقتصادى وعسكرى طويل. ويُعزى تزايد ضعفها

стр. 9509

الإقتصادى فى الغالب إلى عوامل سياسية -فلقد تسببت صراعات القواد العسكرية الحزبية فى ضعف الإدارة مما أدى بالتالى إلى تدهور الزراعة. ويرجع السبب الأساسى للتدهور الإقتصادى الذى أصاب البلاد آنذاك إلى تزايد الوفيات التى نجمت عن كثرة إنتشار وجاء الطاعون. ولقد وقع أخطر طاعون وهو المعروف بالطاعون الأسود سنة ٧٤٩ هـ/ ١٣٤٨ - ١٣٤٩ م، خلال أوائل عهد حكم السلطان الناصر حسن، وبسبب إزدياد الوفيات وبخاصة بين المماليك، فقد تطلب ذلك أعباءًا وأموالًا باهظة من جانب السلاطين والقواد للحفاظ على فرقهم العسكرية، وتناقص عدد المماليك السلطانية من ١٢.٠٠٠ مملوك فى نهاية سلطانة الناصر محمد الثالثة إلى أقل من نصف هذا العدد تحت حكم سلاطين الجراكسة ولقد كان تأثير الطاعون كبيرًا فى إنقاص أعداد المزارعين والحرفيين. ولقد خلت القرى من سكانها، وأهملت أعمال الرى، وتعرضت الأرض الزراعية للبوار. ولقد تناقص خراج مصر فى القرن الأخير الحاكم السلطنة من أكثر من ٩ مليون دنيار إلى أقل من مليونى دنيار. وعانت الإسكندرية مركز صناعة الأقمشة، كثيرًا من الطاعون الأسود، وأستمر تدهورها طوال فترة حكم الجراكسة. ولقد إنعكس فى مصر وسوريا ضعف الإدارة وتقلصت أعداد السكان أزاء تزايد ضغط القبائل البدوية وزحفها على الأراضى الزراعية والطرق وفى تلك الفترة قام برقوقا بتوطين فرع من قبيلة هوارة فى سعيد مصر، وظلوا مسيطرين فى هذه الناحية حتى قيام الحكم العثمانى. وفى الفترة ما بين عهد برقوق عند بداية حكم دولة المماليك الجراكسة، وعهد حكم قانصوه الغورى آخر حكامهم، شغلت دولة المماليك بحرب برية واحدة رئيسية، وهى حربهم مع العثمانيين ما بين سنوات ٨٩٠ - ٨٩٦ هـ/ ١٤٨٥ - ١٤٩١ م. ولقد كان السبب المؤكد لهذه الحرب فى عهد قايتباى (٨٧٢ - ٩٠١ هـ/ ١٤٦٨ - ١٤٩٦ م) هو تهديد العثمانيين للإمارات الحدودية، ابلستين التى كانت منذ أن

стр. 9510

أنشأتها الأسرة الحاكمة فى منتصف القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى تحت حكومة المماليك. وقد تفاقم هذا النزاع الذى كان مركزًا على المصالح بتداخل الاعتبارات السياسية العليا فيه وذلك حين غضب السلطان بايزيد الثانى (٨٨٦ هـ/ ١٤٨١ م) على قايتباى لإعطائه حق اللجوء السياسى لأخيه "جم" الثائر عليه فى بلاده. ولقد حاول قانصوه الغورى استعادة قوة دولته العسكرية. فأسس الفرقة العسكرية المزودة بالبنادق) سنة ٩١٦ هـ/ ١٥١٠ م, لكن الفرقة القديمة ظلت موجودة حتى تم حلها سنة ٩٢٠ هـ/ ١٥١٤ م. وأولى الغورى اهتمامًا بسلاح المدفعية، الذى أخذ المماليك فى استعماله منذ أواخر القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى، وبذل جهودًا لإحياء تدريبات الفروسية القديمة. وفى بداية حكمة قانصوه الغورى (٩٠٦ - ٩٢٢ هـ/ ١٥٠١ - ١٥١٦ م)، حوصرت سلطنة المماليك بثلاث قوى كبرى. ففى الشمال كانت هناك دولة العثمانيين، التى جابهت من ناحية الشرق قوة الشاه إسماعيل الصغرى العسكرية. وفى الجنوب، كان الأسطول البرتغالى مسيطرًا على المحيط الهندى ومهددًا البحر الأحمر. ولقد كان المماليك ينقصهم الخبرة بالقتال البحرى وكيفية التعامل مع هذا الخطر. ولقد جاءتهم الامدادات المادية والبشرية استعدادًا لحملة ١٥١٤/ ٩٢٠ العثمانية على أن العداوة العثمانية - الصفوية ورطت المماليك حين قام السلطان سليم الأول العثمانى بغزو الشام, ليؤمن جانبه, وأنزل الهزيمة بالغورى (الذى مات أثناء المعركة) عند مرج دابق (٢٥ رجب ٩٢٢ هـ/ ٢٤ أغسطس ١٥١٦ م). وبعد ذلك تقدم إلى مصر، وأوقع هزيمة ثانية بالمماليك عند الريدانية (٢٩ ذو الحجة ٩٢٢ هـ/ ٢٣ يناير ١٥١٧ م). وسقطت القاهرة، وتلى ذلك القبض على آخر سلاطين المماليك، الأشرف طومان باى وشنقه. وبذلك أصبحت مصر ولاية عثمانية وأنفصلت إداريًا عن الشام.

стр. 9511

مماليك الفترة العثمانية الجدد: لم يؤد الغزو العثمانى لمصر إلى إستئصال شأفة المماليك وترجع إحدى وجهات النظر ذلك إلى معاونة بعض المماليك له فى تسهيل بمهمته بفتح مصر، وكان هؤلاء المماليك من المعادين للغورى وطومان باى. ولقد كان قائدا هذه الزمرة هما حاكما حلب ودمشق، خايربك وجانبردى الغزالى، اللذين كوفئا من الفاتح العثمانى فصار خايربك نائبا للفاتح العثمانى فى القاهرة، وجانبردى نائبا له فى دمشق على أن هذه الترتيبات كانت يتميز هذه المرحلة الإنتقالية. وعندما توفى السلطان سليم الأول فى سنة ٩٢٦ هـ/ ١٥٢٠ م، حاول جانبردى الإستقلال، لكن محاولته قُمعت، وقتل هو نفسه (٩٢٧ هـ/ ١٥٢١ م). وتُوفى خايربك سنة ٩٢٨/ ١٥٢٢ م، وبعدهما أختير عثمانيون لحكم دمشق والقاهرة. ولقد قُضى بعد ذلك بقليل على آخر تمرد مملوكى قام بها جانم وإينال الكشافان ومع ذلك فقد استمر تجنيد البيوتات المملوكية وتكوينها عسكريًا وأستمر تزويد القوات المصرية بجزء منها. لكن من الواضح أنه من بين الفيالق السبع لقوات الحامية العثمانية كانت هنالك فرق الأنكشارية، وهى فرق مملوكية. كذلك فقد حمل قادة المنشأة العسكرية المملوكية وعددهم ٢٤ قائدًا لقب (سنجق بك)، ولكنهم إختلفوا فى وظائفهم عن بقية السناجق فى أى مكان آخر داخل الأمبراطورية العثمانية. وبعد استمرار خمول هذه البيوتات العسكرية المملوكية خلال ما تبقى من القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى. ظهر البكوات المماليك للعيان بعد ذلك كعامل هام فى السياسة فى منتصف عقود القرن الحادى عشر/ السابع عشر الميلادى (فترة ضعف العثمانيين)، وعاود الشقاق الحربى المملوكى القديم ظهوره بعداواته المتأصلة بين جماعتى الفقارية والقاسمية. ولقد بلغت الأولى ذروتها على يد رضوان بك، الذى كان أميرًا للحج لأكثر من عشرين سنة حتى

стр. 9512

وفاته سنة ١٠٦٦ هـ/ ١٦٥٦ م. وانكسرت شوكة الفقارية فى سنة ١٠٧١ هـ/ ١٦٦٠ م على يد القاسمية بتواطؤهم مع نائب الحاكم العثمانى، وأستمر الفقارية غارقين فى عجزهم بعد إغتيال رئيسهم أحمد بك بشناق فى سنة ١٠٧٢ هـ/ ١٦٦٢ م. ومن الممكن ملاحظة حركة إحياء قوة بكوات المماليك السياسية وبداية منافسات حزبية بينهم مع مطلع القرن الثانى عشر الهجرى/ الثامن عشر الميلادى ومنذ ذلك الوقت، ربطت المؤامرات المتشابكة البيوتات المملوكية بقادة قوات الحامية العثمانية وعسكرها وقد شارك فى الصراع الحزبى سكان القاهرة والقبائل العربية، وظهرت إستقطابات جديدة. بدأ ظهور ذلك فى سنة ١١٢٣ هـ/ ١٧١١ م، وحاول على بك المعروف بالكبير الاستقلال بمصر ولقد كان على بك قاسيًا شديدًا فى إستئصال شأنه منافسيه ومعارضيه، فلما أطيح به، تمتع مملوكه السابق محمد بك أبو الدهب بسيادة قصيرة حتى وفاته ومنذ ذلك الحين إستمر الصراع الحزبى بين العادة البكوات، وكان أشهرهم إثنان من مماليك أبى الدهب، وهما إبراهيم بك الكبير ومراد بك، لكن هدد وجودهما حملة الجزايرلى غازى حسن باشا سنة ١٢٠٠/ ١٢٠١ هـ/ ١٧٨٦ - ١٧٨٧ م, ثم جاء غزو نابليون بونابورت لمصر سنة ١٢١٣ هـ/ ١٧٩٨ م فقضى عليهما، ثم كانت مذبحة القلعة على يد محمد على باشا لرؤساء المماليك سنة ١٨١٢ نهاية حكم المماليك فى مصر. المصادر: (١) المقريزى: السلوك لمعرفة دول الملوك. (٢) المقريزى: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار. (٣) ابن تغرى بردى: النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة. (٤) ابن إياس: بدائع الزهور فى وقائع الدهور. (٥) الجبرتى: عجائب الآثار د. عطية القوصى

стр. 9513

مناف مناف اسم صنم عربى قديم، مشتق من الفعل نَوف، وناف الشئ ينوف على أو زاد يقول الطبرى "كان مناف من أكبر الأصناف فى مكة". وهذه الجملة تثير الدهشة إذ تذكرنا ضآلة المعلومات التى نعرفها عن هذا الموضوع، وقد كان ابن الكلبى -فقط- هو الذى تحدث عنه فى سطور قليلة نقلها عنه الطبرى وياقوت، ولكن إذا عدنا إلى النقوش القديمة نجد أن هذا الاسم كان معروفا فى ثمود ولدى اللحيانيين كما كانت له مذابح فى حوران وفى فلبليس Volubilis فى مراكش. كانت عبادة هذا الصنم، الذى ربما كان أصله من جنوب شبه الجزيرة العربية، فى قريش وهذيل وتميم كما تدل الأسماء التى تحتوى على اسمه وأشهرها عبد مناف وهو اسم أحد الأبناء الأربعة لقصى، المصلح الدينى فى مكة، وكانت أمه قد نذرته للَّه ليحميه من العين الشريرة لأنه كان وسيما حتى أنه لقب بالقمر. يلاحظ ياقوت، نقلا عن ابن الكلبى، ملاحظة تنطبق على جميع الأصنام ذكرها ج. ريكانز G. Ryckmans على أنها خاصة بمناف فقط، وهى أن الحيض من النساء لم يكن يلمس الأصنام لأخذ البركة بل كن يبتعدن عنهم، وهناك قصيدتان إحداهما عن مناف لبلعاء بنت قيس والأخرى عن أساف لبشر بن أبى خزيم فيهما تلميح عن ذلك. المصادر: (١) Wellhansen: Reste ٢ برلين ١٨٩٧ صفحة ٥٧. (٢) Le Pantheon de l'Arabic Central a la veille de l'hegire، باريس ١٩٦٨. حسين أحمد عيسى [ت. فهد T. Fahd] المنافقون المنافقون، اصطلاح استخدمه القرآن وهو [جمع المذكر السالم لمنافق التى هى اسم فاعل] من الجذر ن. ف. ق، واسم لسورة من سور القرآن. وقد ورد اللفظ بصورته فى القرن سبعا وعشرين مرة، وورد لفظ المنافقات خمس مرات، كما ورد لفظ نفاق ثلاثًا، أما نافق فوردت مرتين.

стр. 9514

اللفظ فى القرآن الكريم؛ إذا كان اللفظ يفيد إظهار غير الباطن، وعلى ذلك تجرى ترجمته المعتمدة فى اللغات الأخرى، فإن الملاحظ أن القرآن الكريم يستخدمه بمعنى أوسع. ففى الآية ٣ من سورة المنافقون يُعتبرون مرتدين عن الدين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾. وهم يُجمعون مع الكفار فى خلود العذاب فى الآخرة: سورة التوبة الآيات الكريمة ٧٣ - ٨٧. سورة النساء الآيات الكريمة ١٤٠ - ١٤٥، سورة الفتح الآية ٦، سورة المجادلة الآيات ١٤ - ١٥، سورة الحشر الآيات ١١ - ١٥. كما يجب جهادهم وأخذهم بالشدة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾: سورة التوبة الآية ٧٣ والتحريم آية ٩. ومستحقون القتل: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، سورة النساء الآيات ٨٩ و ٦٠ وفى بقية سورة المنافقون ترد أوصافهم كأشد ما تكون الأوصاف السيئة، (فهم كاذبون) صادون عن سبيل اللَّه، (لا يفقهون) هم العدو مستكبرون (لن يغفر اللَّه لهم) مهما استغفر لهم (الرسول) ناكلون عن الصدقة ومحرضون على عدم بذلها: كما تبين سورة التوبة فى الآيات ٦٧ و ٩٠ - ١١٠ رياءهم فى قضية الإيمان. بينما تتحدث آيات أخرى عن إحجامهم عن الجهاد فى سبيل اللَّه، بل وتثبيطهم لغيرهم، وعدم صدق نواياهم وبوجه عام فهم فى الاستعمال القرآنى المنشقون عن الأمة جهرا كان أو سرا فهم لم يشتركوا فى الجهاد، ولم يسهموا فى قضايا الإسلام، على أنه من الملاحظ أن تهديدهم بالعذاب يأخذ صورة غير قاطعة من حيث اقترانه أحيانا باحتمال الغفران، مما يشير إلى عدم استبعاد توبة البعض منهم. فى الفكر الإسلامى: يركز فى كتب التفسير على معنى الرياء، أو إظهار غير الباطن Hypocrisy أكثر من الشقاق أو الردة Dissent. ويربط بعض اللغويين بين اللفظ وبين كلمة "نفقاء" كأصل لغوى، وهو مخرج الهروب لليربوع [يقال "خرج اليربوع من نفقائه" - المعجم الوسيط]، فكما أنه يدخل من فتحة ويهرب من الأخرى، فكذلك المنافق يدخل الإيمان ظاهريا ويخرج منه سرا.

стр. 9515

وقد ورد اللفظ "نفق" بمعنى مشابه فى الآية ٣٥ من سورة الأنعام ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾. إلا أن البعض الآخر يجعل الكلمة مرادفة للكلمة "نفذ"، فالمنافق يدخل من باب وينفذ من الآخر مثل الفسق، وهو الإعراض، أما الطبرانى فى تفسيره للآيات الكريمة ٩٨ - ١٠١ من سورة التوبة التى تربط بين النفاق والإنفاق: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾، فيجعل بين اللفظين رابطة من الأصل اللغوى فيقول "هؤلاء المنافقون ينفقون رياء". وإذا كان القرآن الكريم يتحدث عن المنافقين دون تحديد لأشخاصهم، فإن كتب التراث الإسلامى مليئة بأسماء لهم، فرئيسهم فى المدينة كان عبد اللَّه ابن أبى، أحد، زعمائها قبل الإسلام. فهو قد وقف فى صف بنى قينقاع، وتخلف عن غزوة أحد أما الآيات من سورة التوبة فتتحدث عن المتخلفين عن غزوة تبوك وعن الذين خلفوا بالنسبة للأعراب الوارد ذكرهم فى نفس السورة فهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار. ويعالج الشيعة الإمامية موضوع المنافين من زاوية أن القرآن الكريم أمر بجهاد المنافقين ولكن الرسول [ ﷺ ] لم يواجههم بقتال، وتفسيرهم فى ذلك أن الرسول [ ﷺ ] حارب الكفار وأن عليا حارب المنافقين، خاصة فى صفين، وينسب للحسن تفسير آخر هو أن الجهاد المقصود هو إقامة الحدود الشرعية، وفى تفسير آخر يتفق مع رأى فى السنة أن جهاد المنافقين يكون بالمنطق وليس بالحرب كجهاد الكفار. أما الخوارج فيعالجون القضية فى سياق العلاقات مع غير الخوارج. فطائفة النجدات يرون أن اللفظ ينطبق على من لم يهاجر من الخوارج إلى معسكرهم. ويرى سليم بن ذكوان أن غير الخوارج يعتبرون من المنافقين، وأنه يجوز مصاهرتهم والتوارث معهم حيث أن هذا ما فعله أصحاب الرسول [ ﷺ ] مع منافقى عصرهم. وتدور فكرة النفاق لدى مؤلفى "أحكام القرآن" فى الغالب حول إظهار خلاف الباطن، وتأخذ الآيات ٨ - ٢٠ من سورة البقرة على أنها تشير إليهم

стр. 9516

رغم عدم ذكر لفظ النفاق صراحة وذم القرآن له، ويرى الحراسى الشافعى المذهب أنه لا يجوز قتل المنافقين على الرغم من كونهم أسوأ من الكفار بدليل أنهم فى الدرك الأسفل من النار. ويوافقه الجصاص الحنفى فى ذلك. كما يشير ابن العربى المالكى أن الرسول [ ﷺ ] لم يقتل منهم أحدا رغم معرفته بأغلبهم. وتتحدث أحاديث كثيرة عن النفاق والمنافقين، أشهرهم الحديث الذى يحدد ثلاث صفات لهم. فى قول الرسول [ ﷺ ] آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. والنفاق بالنسبة للصوفيين نقيض الوفاق، الأول مبنى على الرياء بينما الثانى مبنى على الرضا. المصادر: (١) A-Guilloume: The Lif of Mohamed Qxford ١٩٥٥ (٢) Hinds Xeros: Cambridge University library, Or. ١٩٠٢ (cf. Cook,n) المحرر مناقب جمع منقبة، وتظهر المناقب فى كثير من التراجم ويقصد بها التكريم وصارت فى النهاية قسما من أدب سير الأولياء والصالحين فى اللغة العربية والفارسية والتركية. وتعتبر هذه الكلمة مرادفة لكلمة أخلاق بمعنى التصرفات الطبيعية (حسنة أو رديئة) أو الخصائص الفطرية أو السمات، كما أن لها صلة بكلمة نقيبة بمعنى نفس أو خليقة أو طبيعية وكذلك بالتعبير "نفاذ الرأى" بشكل يجعل الصلة بينها وبين المصدر نقب، الذى يعنى بصفة خاصة ثقب أو خرق (حائطا مثلا) أو بصفة عامة "نجح فى إختراق سر"، واضحة تماما. ويرى ابن منظور (لسان العرب مادة نقب) أنها ذات صلة بنقيب أى الزعيم، لأنه مطلع على دخيلة أمر القوم و"مناقبهم"، وباختصار فإن كلمة مناقب تعنى كلا من "ملامح الشخصية" و"الأعمال والأفعال"، وأخيرا، يجدر بنا أن نذكر معنى آخر للفعل نقب وهو "سار فى طريق ضيق"، ومنه نلاحظ الصلة

стр. 9517

الدقيقة بين معنيين لكلمة منقبة، أحدهما طريق ضيق بين منزلين أو ممر صعب بين الجبل والآخر و"عمل نبيل" وعكس "منقبة" "مثلبة" وجمعها "مثالب" بمعنى نزالة أو عمل مشين". أحيانا تضاف إلى كلمة مناقب وصف آخر مثل جميلة أو كريمة، وهى عمومًا تعنى الصفات الحسنة، كذلك يمكن تفسير هذه الكلمة تقريبًا بمعنى "طبائع أو فضائل أو مواهب أو أعمال تستحق المدح" وتعرف بسيرة شخص بحيث تركز على حسناته وفضائله والأعمال البارزة التى قام بها. وفى مجال التصوف والإعتقاد فن كرامات الأولياء، كانت الجوانب العجيبة فى حياة الصوفى أو الولى ومعجزاته أو على الأقل كراماته هى الموضوعات المفضلة، وأخيرا اكتسبت كلمة مناقب معنى "المعجزات" أو هذه هى -فى خطوط عريضة- كيفية نشوء هذا المعنى. وإن كان من الصعب تتبعه بدقة، وفى الحقيقة لم يعش من الكتب التى تحمل عنوان "مناقب" إلا القليل، ولم نسمح عنها إلا من كتاب السير والمراجع فى العصور الوسطى، ومن ناحية أخرى من الصعب عزل ما يسمى بأدب المناقب حيث أنه من المستحيل عمليا، نظرا للتشوش الدائم، وضع تصنيف دقيق طبقا لآداب السلوك والفضائل التى يضيفها المؤلفون إلى سجل حياة الأشخاص أو الجماعات. فثمة إذن فروق دقيقة بين بعض المصطلحات يجدر بنا التعرف عليها: - ترجمة: وتكون محايدة تماما ولا تتضمن أى صفات خاصة وتقدم سيرة لأى شخص، وتركز على أعمال المترجم له ومن أمثلتها ترجمة الشافعى للذهبى. - تعريف: كلمة محايدة أيضًا، استخدامها عياض فى الحديث عن الرسول [ ﷺ ]، كما تظهر فى عناوين سير الأولياء، ربما من قبيل التمييز، فى فترة خصصت فيها كلمة مناقب لسير الصالحين، على سبيل المثال المقصد الأحمد فى التعريف بسيدنا ابن عبد اللَّه لعبد السلام القادرى (توفى ١١١٠ هـ/ ١٦٩٨ م) عن ابن معن الأندلسى، فى حين كان عنوان الدراسة التى كتبها محمد المهدى الفاسى (توفى

стр. 9518

١١٠٩ هـ/ ١٦٩٨ م) عن نفس الولى هى عوارف المُنَّه بمناقب سيدى محمد بن عبد اللَّه محيى السنة. - أخبار: كلمة محايدة أيضا، تطلق على مجموعات التراث التاريخية حتى اللطائف الأدبية البسيطة (مثل أخبار أبى نواس أو أخبار القيان. . الخ)، على سبيل المثال أخبار أم المؤمنين عائشة للذهبى، الذى لا يزيد موضوعية عن مناقب حضرة أم المؤمنين عائشة لمحب الدين الطبرى (توفى ٦٩٤ هـ/ ١٢٩٤ م - ١٢٩٥). - سيرة: لا تقتصر هذه الكلمة على سيرة النبى ( ﷺ )، وهناك عدد كبير من التراجم (والقصص أيضًا مثل سيرة عنترة) يحمل هذه الكلمة، على سبيل المثال سيرة الحلاج للذهبى. - فضائل: معناها قريب من مناقب وتصلح كمرادف لها إلا أنها تغطى مدى أوسع بكثير. وإذا كانت كلمة فضائل تخصص إلى حد ما للمدن والبلاد، فقد كتب ابن الجوزى (توفى ٥٩٧ هـ/ ١٢٠٠ م) كُتاب مناقب بغداد فى حين استخدم كلمة فضائل عند الحديث عن بشر الحافى (توفى ٢٢٧ هـ/ ٨٤٠ م - ٨٤٢) , وقد استخدم كلمة فضائل كتاب متحمسون لتمجيد الصحابة والخلفاء الراشدون مثل الطبرى (توفى ٣١٠ هـ/ ٩٢٣ م). - مآثر ومفاخر: تظهر هاتان الكلمتان عادة فى أسماء مجموعات التراث التى تكتب فى تقريظ القبائل أو الشعوب أو الجماعات وعكسها مثالب، كما تظهران أحيانا مع محاسن فى الدراسات عن سير الذين قاموا بأدوار سياسية أو دينية أو عسكرية بارزة وعلى سبيل المثال روضة التعريف فى مفاخر مولانا إسماعيل بن الشريف للإفرايينى (توفى ١١٥٦ هـ أو ١١٥٧ هـ/ ١٧٤٣ م - ١٧٤٥ م) ويتناول سيرة سلطان، والمنتقى المقصور على مآثر خلافة المنصور لابن القاضى (توفى ١٠٦٥ هـ/ ١٦١٦ م) عن السلطان المنصور الذهبى وفيه تذكر كلمة محاسن أحيانا بدلا من مآثر، وفى المقابل نجد أن روضة المحاسن الزهية بمآثر الشيخ أبى المحاسن البهية لمحمد المهدى الفاسى سيرة رجل دين، وأطلق

стр. 9519

الإفرايينى اسم دُرر الجم الذى مآثر سبعة رجال على ترجمة "الأولياء السبعة" فى مراكش فى حين كان المتوقع أن يستخدم كلمة مناقب. - أخلاق: يؤكد كتاب أخلاق النبى [ ﷺ ] لابن فارس التماثل الذى ذكره ابن منظور بين كلمتى مناقب وأخلاق، كما يبدو أيضًا أن مؤلف كتاب الصاحبى، أراد، فى اختياره لكلمة أخلاق، أن يبين أن هدفه هو تناول شخصية النبى [ ﷺ ] وصفاته الخلقية كما فعل الترمذى (توفى حوالى ٢٧٥ هـ/ ٨٨٨ م - ٨٨٩ م) كتابه شمائل النبى [ ﷺ ]. وتعتبر كلمة شمائل مرادفة لكلمة أخلاق عندما يكون المقصود الأخلاق الحسنة، ولكن هناك فرق أساسى بين أخلاق ومناقب، وقد بين الجاحظ (توفى ٢٥٥ هـ/ ٨٦٨ م) هذا الفرق فى كتابيه مدح وذم أخلاق الكتاب حيث تبدو كلمة أخلاق محايدة ورسالة فى مناقب الترك/ الأتراك وعامة جند الخلافة وهو عنوان لا يحتاج إلى برهان لإظهار رغبة المؤلف فى تصوير الخصال الطبيعية للجنود الأتراك وباقى عناصر الجيش وفضائلهم ومزاياهم فى أجمل صورة. ويوضح هذا المثال أنه فى القرن الثالث للهجرة التاسع للميلاد كانت كلمتا أخلاق ومناقب مترادفتان عند كاتب فى مستوى الجاحظ بشرط أن تعرف كلمة أخلاق تعريفا واضحًا بإضافة كلمة مناسبة إلا إذا لم يكن هناك شك فى مقصد الكاتب كان يتعلق الموضوع بالنبى [ ﷺ ]. مناقب: إذا درسنا مجموعة كبيرة من أسماء الكتب، لا نكاد نجد فرقًا بين كلمتى مناقب وفضائل سواء من حيث المفهوم أو اسلوب العرض، ويبدو أنه يمكن، إلى درجة كبيرة، استبدال عدة كلمات أخرى بكلمة مناقب، وربما كان ر. سلهايم R. Sellheim على حق فى تصوره أن هناك نوع من الإحتكار لكلمة مناقب فى كتابة تاريخ الصالحين. لا تزيد مناقب على بن أبى طالب لأحمد بن حنبل (توفى ٢٤١ هـ/ ٨٨٥ م) وكذلك التى كتبها الكوفى (توفى ٣٠٠ هـ/ ٩٣١ م) عن مجموعة

стр. 9520

من الأحاديث التى تتناول فضائل صهر النبى [ ﷺ ]، ولكن هذا لا يسرى على مناقب على بن أبى طالب للخوارزمى توفى ٥٦٨ هـ/ ١١٧٢ م ولا على مناقب على بن أبى طالب لابن شهر اشوب (توفى ٥٨٨/ ١١٩٢) ولا على الأربعين فى مناقب سيدة النساء فاطمة الزهراء للسيوطى (توفت ٩١١/ ١٥٠٥ م) فإن هذه الكتب أقرب إلى السيرة مثل باقى الكتابات الخاصة بآل البيت. لا نستطيع أن نلحق كتابا مثل الإعلام بمناقب الإسلام للفيلسوف العامرى (توفى ٣٨١ هـ/ ٩٩٢ م) بكتب سير الصالحين لأنه دفاع فلسفى عن الإسلام ولا كتاب مناقب الأئمة للباقلانى (توفى ٤٠٣ هـ/ ١٠١٣ م) لأنه دفاع عن "موقف أهل السنة من الإمامية". وفى الحقيقة هناك عدد من الأسماء التى تدل على عدم دقة التسمية مثل مناقب المعارف لابن عربى وكتاب مناقب الكتاب لابن كثير الأهوازى الذى لا يزيد عن سجود تزكية لكتاب الحكومة. وللأسر الحاكمة والعائلات والأشخاص البارزين مكانهم أيضًا فى مؤلفات المناقب، وهى لا تزيد عن مجرد ذكر أمجادهم أو إنجازاتهم، فهناك مناقب بنى العباس لليازدى النحوى (توفى ٣١٣ هـ/ ٩٢٥ م) كما جمع القيلى (توفى ٣٣٥ هـ/ ٩٤٦ - ٩٤٧) مناقب ابن الفرات (توفى ٣١٢ هـ/ ٩٢٤ م) والمناقب العباسية والمفاخر المستنصرية لبيبرس لصدر الدين البصرى وفيه نرى كلمتى مناقب ومفاخر قد استخدمتا كمترادفين. ويبين كتابا مناقب بنى هاشم ومثالب بنى أمية ومناقب الحكم فى مثالب الأمم لشميم الحلى استخدام مناقب كعكس مثالب ومرادف لفضائل أو مآثر أو مفاخر. ويمكن استخدام كلمتى فضائل ومآثر بدلا من مناقب فى أسماء الكتب التى كتبت فى مديح بنى العباس وأى كتب تمجد الأسر الحاكمة أو الشخصيات السياسية. نلاحظ فى أسماء الأعمال التى ذكرناها تذبذبا دائما فى استخدام

стр. 9521

المصطلحات ولكن فى جميع الحالات نرى رغبة واضحة عند المؤلفين للتأكيد على الصفات العظيمة للشخصيات التى يتناولونها والميزات العظيمة للمجتمعات موضوع الدراسة، وبالعكس، هناك عدد كبير من الأعمال يمكن أن تسمى مناقب لأنها مديح لسيرة شخص، بل يمكن أن تعتبر نوعا من أدب سير الأولياء منها حلية الأولياء لأبى نعيم (توفى ٤٣٠ هـ/ ١٠٣٩ م). وفى كل، فهناك اتجاهان هامان فى استخدام كلمة مناقب: سير مؤسسى المذاهب. يساعدنا حاجى خليفة (توفى ١٠٦٧ هـ/ ١٦٥٧ م) بخبرته فى الأدب العربى على رؤية أوضح من خلال النتائج المهمة التى توصل إليها. فإن الترجمات التى كتبها هذا الكاتب لم تزود الباحث بقائمة طويلة من المناقب فحسب، بل يعلن أيضًا، مستشهدًا بمؤلفى ترجمات آخرين، أنه يجب على تلاميذ المدارس الفقهية المختلفة أن يعرفوا مناقب مؤسسى هذه المدارس وشمائلهم وفضائلهم وسلوكهم (سيرتهم) ومدى صدق أقوالهم بالإضافة إلى معرفة نسبهم وأماكن ميلادهم. . الخ حتى يتمكنوا من الإقتداء بهم اقتداءً صحيحا. وبالرغم من أن كلمة مناقب تعنى فى هذه الفقرة "الخضال والمميزات الطبيعية" إلا أن حاجى خليفة يعطيها معنى متخصصا فى كتابته لترجمات تفصيلية مهذبة ونموذجية للأئمة الكبار. وبالرغم من أن كلمة فضائل كانت تستخدم من وقت لآخر، إلا أن كلمة مناقب كانت هى السائدة فى هذه النوعية من الكتابات عن الإئمة مثل تبيض الصحيفة فى مناقب أبى حنيفة للسيوطى ومحاسن المساعى فى مناقب الأوزاعى (توفى ١٥٧ هـ/ ٧٧٤ م) لابن زيد والتزيين للسيوطى عن سيرة الإمام مالك بن أنس (توفى ١٧٨ هـ/ ٧٩٥ م) وترجمة (أو مناقب) الإمام الشافعى (توفى ٢٠٤ م/ ٨٢٠ هـ) لابن كثير ومناقب الإمام ابن حنبل (توفى ٢٤١ هـ/ ٣٥٥ م) والإمام الشافعى للبيهقى.

стр. 9522

يمكننا أن نضيف إلى هذه الكتابات معاجم السير الخاصة بتلاميذ المدارس الفقهية وتبدأ عادة بذكر مؤسس المدرسة وتحمل غالبا اسم طبقات إلا أن منها ما يحمل اسم مناقب مثل مناقب الشافعى وأصحابه (= طبقات الشافعية) لتقى الدين بن قاضى شهبة. يلاحظ أن النووى الحق البخارى (توفى ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م) بالشافعى بالرغم من أن البخارى لم يتبع أى مذهب، كما نلاحظ أن الذهبى أطلق اسم مناقب على ترجمتى البخارى وسفيان الثورى (توفى ١٦١ هـ/ ٧٧٨ م) ولكنه أطلق كلمة ترجمة على سير مؤسسى المدارس الفقهية. نظرا للرفض الذى قوبل به مذهب الإعتزال، فإننا لا نتوقع أن نجد مؤلفات فى تكريم المعتزلة إلا أن على بن عساكر (توفى ٥٧١ هـ/ ١١٧٦ م) كتب مناقب الأشعرية كما كتب اليافعى (توفى ٨٦٨ هـ/ ١٤٦٤ م) مناقب المئة من الأئمة الأشعرية. من الحنابلة، فاز ابن تيمية (توفى ٧٢٨ هـ/ ١٣٢٨ م) بتكريم ثلاثة من معاصريه منهم البزار الذى كتب الأعلام العلية فى مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية. وتدين المالكية التى سادت فى شمال إفريقيا بالكثير لسحنون (توفى ٢٤٠ هـ/ ٨٥٤ م) الذى أسس مدرسة فقهية محلية، فخصص الخشانى مؤلفا لمناقبه، وعن علماء المالكية البارزين فى إفريقيا كتب أبو عبد اللَّه محمد المالكى (توفى ٤٣٨/ ١٠٤٦ م) كتابا عن القابسى (توفى ٤٠٣ هـ/ ١٠١٢ م). ومن المهم أن نؤكد على أهمية الترجمات التى كتبت عن هذه المدرسة المالكية التى كانت مؤثرة فى المغرب مثل ترتيب المدارك وتقريب المسالك بمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضى عياض ويبدأ بترجمة طويلة لمالك وتحتوى المقالات شيئا عن الفقهاء الأوائل فقرة بعنوان فضائله (= مناقبه). سير الأولياء اجتذبت حركة الزهد التى حدثت فى بداية القرن الرابع للهجرة العاشر الميلادى وانتشرت فى إفريقية بعضا من فقهاء القيروان الذين عاشوا أتقياء.

стр. 9523

وفى هذه الفترة اخذت كتابات المناقب فى المغرب تتجه تدريجيا إلى أدب سير الأولياء. ومن هذه الشخصيات يبرز الربيع بن القطان (توفى ٣٣٤ هـ/ ٩٤٦ م) الذى هجر عمله كفقيه وانسحب من الحياة العامة ولكنه كان من المحرضين على الثورة ونال درجة الشهادة بطريقة جعلت الحسين بن عبد اللَّه الأجدابى (توفى ٤٣٢ هـ/ ١٠٤٠ م) يجمع مناقبه فى كتاب. منذ ذلك الوقت، شجع التوسل بالأولياء ثم بعد ذلك انتشار الطرق الصوفية على نشوء نوع متخصص من أدب المناقب وإثرائه فى العالم الإسلامى بأكمله حتى أنّه لا يكاد يوجد زاهد مشهور أو ولى مكرم أو مؤسس طريقة أو صوفى بارز إلا وله ترجمة أو على الأقل من الذى أحد المؤلفات التى ليس من الضرورى أن يحتوى اسمها على كلمة مناقب، وقد رأينا مثل هذه المؤلفات من قبل فى حلية الأولياء لأبى نعيم أو التذكرات الهندية أو أخبار الأخيار لعبد الحق الدهلوى بالإضافة إلى عدد كبير من الترجمات التى تتناولها كل منها سيرة ولى أو صوفى أو مؤسس طريقة أو أحد الصالحين، كما أن هناك عدد كبير من الدراسات التى لم تنشر بعد عن الأولياء التونسيين. المصادر: (١) E. Levi-Provencal: Les historiens de Chorfa, باريس ١٩٢٢. (٢) R. Bronschvig: La Berberie oriental Sous Les Hafsides، باريس ١٩٤٠ - ١٩٤٧. (٣) فؤاد سيد: Sources de L'histoir du yemen I FAO, a L'epoque musulmane القاهرة ١٩٧٤. ومصادر أخرى وردت بالنص. حسين أحمد عيسى [ش. بلات Ch. Pellat] المنامة هى المدينة العاصمة لإمارة البحرين الواقعة بالخليج، وهى موجودة على الساحل الشمالى الشرقى لجزيرة البحرين التى كانت تعرف قديما باسم "أوال"، ولقد كانت المياة الضحلة بين

стр. 9524

المنامة وجزيرة المحرّق المجاورة لها تستعمل منذ زمن بعيد كمأوى صالح للحرف المحلية ولقد قيل فى كلمة "المنامة" أنه اسم له دلالة على عدد من هضاب للدفن ترجع إلى ما قبل التاريخ. إن تاريخ المنامة القديم سيظل مغلفا بالغموض لقلة ما بين أيدينا من المصادر التى يمكن الوثوق بها بالإضافة إلى أن ما لدينا من البيانات مبهم ومضطرب، ولما استولى البرتغاليون على البحرين فى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) شيدوا حصنهم على الساحل عند قلعة العجاج التى تبعد عن المنامة غربا مسافة تقرب من أربعة أميال، فلما جاء الفرس واستولوا عليها من البرتغال فى سنة ١٠١١ هـ (= ١٦٠٢ م) استولوا كذلك على المضيق لمدة قاربت مائة وثمانين سنة كانت غاصة بالاضطرابات، وبنى الفرس فى هذه الفترة موضعا حصينا على الجانب المائى من المنامة، فلما كانت سنة ١١٩٧ هـ (= ١٧٨٣ م) قامت عشيرة آل خليفة من قبيلة "عُتوب" وهاجمت الجزائر من "زُبارة" فى قطر، وبعد حصار دام مدة تقرب من شهرين غادر الفرس القلعة مطرودين. أخذت المنامة فى خلال القرن التالى تتطور بالتدريج حتى أصبحت ميناء هاما للسلع والبضائع وتخدم معظم نواحى شبه الجزيرة العربية الشرقية رغم أن حظها كان فى تذبذب نتيجة للتقلبات السياسية وشدة أو ضعف المنازعات السياسية الإقليمية وعلى الرغم من أن المنامة أصبحت مركز الأرخبيل التجارى إلّا أن آل خليفة اعتادوا الإقامة فى المحرق التى كانت هى الأخرى الميناء الذى يستعمله أسطول الجزيرة الكبير المخصص لصيد اللؤلؤ وقد اعتادت الأسرة الحاكمة أن تقتصر على استعمال الحصن الموجود فى المنامة فى فترة معينة من السنة هى أشد شهور العام حرارة، ولم تصبح البلدة العاصمة الحقيقية للإمارة إلا منذ العقد الثانى من القرن العشرين.

стр. 9525

على أن الأنشطة الأوروبية قد تركزت فى المنامة منذ نهاية القرن التاسع عشر. فتمّ تعيين مقيم بريطانى سياسى واستقر هناك منذ سنة ١٩٠٠ م، ثم رفعت هذه الوظيفة بعد اربع سنوات إلى وكالة سياسية. كان عدد سكان المنامة فى سنة ١٩٠٥ م يقرب من خمسة وعشرين ألف نسمة. ولقد بدأ تطوّر المدينة وتحديثها بعد الحرب العالمية الأولى، فقامت بها فى سنة ١٩٢٠ م إدارة محلية، وقدمت تسهيلات تعليمية على مستوى المدارس الابتدائية وتم افتتاح محطات توليد الكهرباء سنة ١٩٣٠ م، كما أن اكتشاف البترول فى جبل الدخان سنة ١٩٠٢ م، وما تلى ذلك من تقدم فى مصادر هذا الجانب ساعد على التغلب على المصاعب الاقتصادية الخطيرة كما ترتب على ذلك تدهور فى صناعة صيد اللؤلؤ، ولما كانت سنة ١٩٣٥ م نشأ البريطانيون قاعدة بحرية فى "رأس الجُفَيْر" التى تقع على بعد ميلين تقريبًا جنوب شرقى المنامة ولقد تطورت هذه القاعدة البحرية حتى أصبحت المركز الرئيسى لنشاط البحرية البريطانية فى الخليج، كما أنه فى سنة ١٩٤٢ م تم إنشاء طريق معبد يربط المنامة بالمحرق، ثم انتقل المندوب السامى البريطانى من "بوشهر" إلى المنامة بعد ذلك التاريخ السابق بأربع سنوات، وارتفع عدد سكان البلد حتى زاد على أربعين ألف نسمة فى سنة ١٩٥٠ م كما شاهدت العقود الثلاثة التالية تطورًا وتقدمًا أكثر مما سبق، حتى أنه فى عام ١٩٨١ م صار عدد سكانها يربو على مائة وإحدى وعشرين ألف نسمة وأصبحت المنامة مركزًا إقليميا هاما للصيرفة والتجارة والمواصلات. أما من ناحية المصادر فلا توجد مصادر قائمة بذاتها عن المنامة وإنما نشير إلى بعض ما صدر حديثا مثل: Nakhel: Bahrain, pobilical develohment., Rumaihi Ploitical chanze&Bahrain: Social أسامة عبد المنعم عمارة [ر. م. بوريل]
следующие страницы →