← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.

стр. 9521

المصطلحات ولكن فى جميع الحالات نرى رغبة واضحة عند المؤلفين للتأكيد على الصفات العظيمة للشخصيات التى يتناولونها والميزات العظيمة للمجتمعات موضوع الدراسة، وبالعكس، هناك عدد كبير من الأعمال يمكن أن تسمى مناقب لأنها مديح لسيرة شخص، بل يمكن أن تعتبر نوعا من أدب سير الأولياء منها حلية الأولياء لأبى نعيم (توفى ٤٣٠ هـ/ ١٠٣٩ م). وفى كل، فهناك اتجاهان هامان فى استخدام كلمة مناقب: سير مؤسسى المذاهب. يساعدنا حاجى خليفة (توفى ١٠٦٧ هـ/ ١٦٥٧ م) بخبرته فى الأدب العربى على رؤية أوضح من خلال النتائج المهمة التى توصل إليها. فإن الترجمات التى كتبها هذا الكاتب لم تزود الباحث بقائمة طويلة من المناقب فحسب، بل يعلن أيضًا، مستشهدًا بمؤلفى ترجمات آخرين، أنه يجب على تلاميذ المدارس الفقهية المختلفة أن يعرفوا مناقب مؤسسى هذه المدارس وشمائلهم وفضائلهم وسلوكهم (سيرتهم) ومدى صدق أقوالهم بالإضافة إلى معرفة نسبهم وأماكن ميلادهم. . الخ حتى يتمكنوا من الإقتداء بهم اقتداءً صحيحا. وبالرغم من أن كلمة مناقب تعنى فى هذه الفقرة "الخضال والمميزات الطبيعية" إلا أن حاجى خليفة يعطيها معنى متخصصا فى كتابته لترجمات تفصيلية مهذبة ونموذجية للأئمة الكبار. وبالرغم من أن كلمة فضائل كانت تستخدم من وقت لآخر، إلا أن كلمة مناقب كانت هى السائدة فى هذه النوعية من الكتابات عن الإئمة مثل تبيض الصحيفة فى مناقب أبى حنيفة للسيوطى ومحاسن المساعى فى مناقب الأوزاعى (توفى ١٥٧ هـ/ ٧٧٤ م) لابن زيد والتزيين للسيوطى عن سيرة الإمام مالك بن أنس (توفى ١٧٨ هـ/ ٧٩٥ م) وترجمة (أو مناقب) الإمام الشافعى (توفى ٢٠٤ م/ ٨٢٠ هـ) لابن كثير ومناقب الإمام ابن حنبل (توفى ٢٤١ هـ/ ٣٥٥ م) والإمام الشافعى للبيهقى.

стр. 9522

يمكننا أن نضيف إلى هذه الكتابات معاجم السير الخاصة بتلاميذ المدارس الفقهية وتبدأ عادة بذكر مؤسس المدرسة وتحمل غالبا اسم طبقات إلا أن منها ما يحمل اسم مناقب مثل مناقب الشافعى وأصحابه (= طبقات الشافعية) لتقى الدين بن قاضى شهبة. يلاحظ أن النووى الحق البخارى (توفى ٢٥٦ هـ/ ٨٧٠ م) بالشافعى بالرغم من أن البخارى لم يتبع أى مذهب، كما نلاحظ أن الذهبى أطلق اسم مناقب على ترجمتى البخارى وسفيان الثورى (توفى ١٦١ هـ/ ٧٧٨ م) ولكنه أطلق كلمة ترجمة على سير مؤسسى المدارس الفقهية. نظرا للرفض الذى قوبل به مذهب الإعتزال، فإننا لا نتوقع أن نجد مؤلفات فى تكريم المعتزلة إلا أن على بن عساكر (توفى ٥٧١ هـ/ ١١٧٦ م) كتب مناقب الأشعرية كما كتب اليافعى (توفى ٨٦٨ هـ/ ١٤٦٤ م) مناقب المئة من الأئمة الأشعرية. من الحنابلة، فاز ابن تيمية (توفى ٧٢٨ هـ/ ١٣٢٨ م) بتكريم ثلاثة من معاصريه منهم البزار الذى كتب الأعلام العلية فى مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية. وتدين المالكية التى سادت فى شمال إفريقيا بالكثير لسحنون (توفى ٢٤٠ هـ/ ٨٥٤ م) الذى أسس مدرسة فقهية محلية، فخصص الخشانى مؤلفا لمناقبه، وعن علماء المالكية البارزين فى إفريقيا كتب أبو عبد اللَّه محمد المالكى (توفى ٤٣٨/ ١٠٤٦ م) كتابا عن القابسى (توفى ٤٠٣ هـ/ ١٠١٢ م). ومن المهم أن نؤكد على أهمية الترجمات التى كتبت عن هذه المدرسة المالكية التى كانت مؤثرة فى المغرب مثل ترتيب المدارك وتقريب المسالك بمعرفة أعلام مذهب مالك للقاضى عياض ويبدأ بترجمة طويلة لمالك وتحتوى المقالات شيئا عن الفقهاء الأوائل فقرة بعنوان فضائله (= مناقبه). سير الأولياء اجتذبت حركة الزهد التى حدثت فى بداية القرن الرابع للهجرة العاشر الميلادى وانتشرت فى إفريقية بعضا من فقهاء القيروان الذين عاشوا أتقياء.

стр. 9523

وفى هذه الفترة اخذت كتابات المناقب فى المغرب تتجه تدريجيا إلى أدب سير الأولياء. ومن هذه الشخصيات يبرز الربيع بن القطان (توفى ٣٣٤ هـ/ ٩٤٦ م) الذى هجر عمله كفقيه وانسحب من الحياة العامة ولكنه كان من المحرضين على الثورة ونال درجة الشهادة بطريقة جعلت الحسين بن عبد اللَّه الأجدابى (توفى ٤٣٢ هـ/ ١٠٤٠ م) يجمع مناقبه فى كتاب. منذ ذلك الوقت، شجع التوسل بالأولياء ثم بعد ذلك انتشار الطرق الصوفية على نشوء نوع متخصص من أدب المناقب وإثرائه فى العالم الإسلامى بأكمله حتى أنّه لا يكاد يوجد زاهد مشهور أو ولى مكرم أو مؤسس طريقة أو صوفى بارز إلا وله ترجمة أو على الأقل من الذى أحد المؤلفات التى ليس من الضرورى أن يحتوى اسمها على كلمة مناقب، وقد رأينا مثل هذه المؤلفات من قبل فى حلية الأولياء لأبى نعيم أو التذكرات الهندية أو أخبار الأخيار لعبد الحق الدهلوى بالإضافة إلى عدد كبير من الترجمات التى تتناولها كل منها سيرة ولى أو صوفى أو مؤسس طريقة أو أحد الصالحين، كما أن هناك عدد كبير من الدراسات التى لم تنشر بعد عن الأولياء التونسيين. المصادر: (١) E. Levi-Provencal: Les historiens de Chorfa, باريس ١٩٢٢. (٢) R. Bronschvig: La Berberie oriental Sous Les Hafsides، باريس ١٩٤٠ - ١٩٤٧. (٣) فؤاد سيد: Sources de L'histoir du yemen I FAO, a L'epoque musulmane القاهرة ١٩٧٤. ومصادر أخرى وردت بالنص. حسين أحمد عيسى [ش. بلات Ch. Pellat] المنامة هى المدينة العاصمة لإمارة البحرين الواقعة بالخليج، وهى موجودة على الساحل الشمالى الشرقى لجزيرة البحرين التى كانت تعرف قديما باسم "أوال"، ولقد كانت المياة الضحلة بين

стр. 9524

المنامة وجزيرة المحرّق المجاورة لها تستعمل منذ زمن بعيد كمأوى صالح للحرف المحلية ولقد قيل فى كلمة "المنامة" أنه اسم له دلالة على عدد من هضاب للدفن ترجع إلى ما قبل التاريخ. إن تاريخ المنامة القديم سيظل مغلفا بالغموض لقلة ما بين أيدينا من المصادر التى يمكن الوثوق بها بالإضافة إلى أن ما لدينا من البيانات مبهم ومضطرب، ولما استولى البرتغاليون على البحرين فى القرن العاشر الهجرى (السادس عشر الميلادى) شيدوا حصنهم على الساحل عند قلعة العجاج التى تبعد عن المنامة غربا مسافة تقرب من أربعة أميال، فلما جاء الفرس واستولوا عليها من البرتغال فى سنة ١٠١١ هـ (= ١٦٠٢ م) استولوا كذلك على المضيق لمدة قاربت مائة وثمانين سنة كانت غاصة بالاضطرابات، وبنى الفرس فى هذه الفترة موضعا حصينا على الجانب المائى من المنامة، فلما كانت سنة ١١٩٧ هـ (= ١٧٨٣ م) قامت عشيرة آل خليفة من قبيلة "عُتوب" وهاجمت الجزائر من "زُبارة" فى قطر، وبعد حصار دام مدة تقرب من شهرين غادر الفرس القلعة مطرودين. أخذت المنامة فى خلال القرن التالى تتطور بالتدريج حتى أصبحت ميناء هاما للسلع والبضائع وتخدم معظم نواحى شبه الجزيرة العربية الشرقية رغم أن حظها كان فى تذبذب نتيجة للتقلبات السياسية وشدة أو ضعف المنازعات السياسية الإقليمية وعلى الرغم من أن المنامة أصبحت مركز الأرخبيل التجارى إلّا أن آل خليفة اعتادوا الإقامة فى المحرق التى كانت هى الأخرى الميناء الذى يستعمله أسطول الجزيرة الكبير المخصص لصيد اللؤلؤ وقد اعتادت الأسرة الحاكمة أن تقتصر على استعمال الحصن الموجود فى المنامة فى فترة معينة من السنة هى أشد شهور العام حرارة، ولم تصبح البلدة العاصمة الحقيقية للإمارة إلا منذ العقد الثانى من القرن العشرين.

стр. 9525

على أن الأنشطة الأوروبية قد تركزت فى المنامة منذ نهاية القرن التاسع عشر. فتمّ تعيين مقيم بريطانى سياسى واستقر هناك منذ سنة ١٩٠٠ م، ثم رفعت هذه الوظيفة بعد اربع سنوات إلى وكالة سياسية. كان عدد سكان المنامة فى سنة ١٩٠٥ م يقرب من خمسة وعشرين ألف نسمة. ولقد بدأ تطوّر المدينة وتحديثها بعد الحرب العالمية الأولى، فقامت بها فى سنة ١٩٢٠ م إدارة محلية، وقدمت تسهيلات تعليمية على مستوى المدارس الابتدائية وتم افتتاح محطات توليد الكهرباء سنة ١٩٣٠ م، كما أن اكتشاف البترول فى جبل الدخان سنة ١٩٠٢ م، وما تلى ذلك من تقدم فى مصادر هذا الجانب ساعد على التغلب على المصاعب الاقتصادية الخطيرة كما ترتب على ذلك تدهور فى صناعة صيد اللؤلؤ، ولما كانت سنة ١٩٣٥ م نشأ البريطانيون قاعدة بحرية فى "رأس الجُفَيْر" التى تقع على بعد ميلين تقريبًا جنوب شرقى المنامة ولقد تطورت هذه القاعدة البحرية حتى أصبحت المركز الرئيسى لنشاط البحرية البريطانية فى الخليج، كما أنه فى سنة ١٩٤٢ م تم إنشاء طريق معبد يربط المنامة بالمحرق، ثم انتقل المندوب السامى البريطانى من "بوشهر" إلى المنامة بعد ذلك التاريخ السابق بأربع سنوات، وارتفع عدد سكان البلد حتى زاد على أربعين ألف نسمة فى سنة ١٩٥٠ م كما شاهدت العقود الثلاثة التالية تطورًا وتقدمًا أكثر مما سبق، حتى أنه فى عام ١٩٨١ م صار عدد سكانها يربو على مائة وإحدى وعشرين ألف نسمة وأصبحت المنامة مركزًا إقليميا هاما للصيرفة والتجارة والمواصلات. أما من ناحية المصادر فلا توجد مصادر قائمة بذاتها عن المنامة وإنما نشير إلى بعض ما صدر حديثا مثل: Nakhel: Bahrain, pobilical develohment., Rumaihi Ploitical chanze&Bahrain: Social أسامة عبد المنعم عمارة [ر. م. بوريل]

стр. 9526

منبر المنبر هو البناء القائم أو منصة الخطابة التى تلقى المواعظ منها على جماعة المسلمين. ١ - النشأة التاريخية الأولى للمنبر ووضعه فى الإسلام: عُرف المنبر زمن النبى، بخلاف المحراب الذى عُرف قبله. وتنطق كلمة منبر، أحيانًا، "مِمبر"، وهى مشتقة فى العربية من أصل يشير إلى "العُلو"، ومن المحتمل أن تكون الكلمة قد انتقلت إلى العربية من الحبشية مثلما كان الحال مع كلمة "مسجد". والكلمة تعنى أيضًا: "المقعد، والكرسى"، وتستخدم أحيانا بمعنى: السرج، والمحفة. وهى فى ذلك تتطابق مع "المجلس" و"السرير" أو "الكرسى". ويتوافق استعمال كلمة منبر كمنصة لإلقاء الموعظة مع تاريخ المنبر نفسه. وحين كان الخطيب يخاطب العرب عادة كان يخاطبهم واقفا، وكثيرًا ما كان يضرب الأرض بقوسه أو برمحه؛ أو يعظهم وهو على راحلته، كما كان يفعل "قُس بن ساعدة" فى سوق عكاظ. وقد فعل النبى ﷺ الأمرين معا ففى عرفة امتطى النبى ناقته أثناء خطبته، وفى مناسبات أخرى، حين كان يخاطب مجتمعه فى فترة بعثته الأولى، حتى أواخرها فى يوم فتح مكة كان يخطب واقفا. وكما ورد فى روايات اتخاذ النبى ﷺ للمنبر، كان النبى ﷺ يتخذ له مكانًا خاصًا فى مسجد المدينة يخطب منه، وتشير الكثير من المصادر إلى بداية معرفة المسلمين للمنبر وأشهرها رواية ابن سعد. ويقال إن المنبر بنى من "طرفاء" الغابة، أو من شجيرات الآجام المجاورة للمدينة، وكان صانعه رجلًا روميا أو قبطيا يدعى "باقوم" أو "باقول"، وردت أسماء أخرى لصانعه مثل: (إبراهيم، ميمون، صباح، كلاب ومينا) وكان ياقوم هذا نجارا ولكنه مولى لزوجة رجل من الأنصار أو المهاجرين وقال آخرون: إنه كان من موالى العباس. ويُنسب اقتراح صنع المنبر أحيانًا للنبى ﷺ وأحيانًا أخرى لغيره وقيل إن الجذع أنَّ أنينًا يشبه خوار الجمل أو

стр. 9527

أنين الطفل حين اعتلى النبى ﷺ مقعده الجديد، "لكن الرسول ﷺ قام من مجلسه حتى انتهى إليه، فقام إليه ومسه فهدأ ثم لم يسمع له حنين بعد ذلك اليوم وتتفق معظم الروايات على أن المنبر قد اتخذ فى بادئ الأمر للخطبة وأضافت بعضها أن الغرض منه كان إبلاغ حشد المصلين صوت النبى ﷺ ويعلم أيضًا بأن النبى ﷺ أقام الصلاة عليه، وأنه عند السجود، نزل عنه وعُنِىَ بأن يرى الناس صلاته وأن يتَّبعوه فيها. على أن هذه الرواية الأخيرة تقتضى ضمنا عادة الوقوف على المنبر. فى هذا السياق، نشير إلى حديث أورده ابن الأثير مفاده أن الصحابة سألوا أن يتخذ له مكانا مرتفعا عند مجئ عدد كبير من الوفود إليه وهناك رواية أخرى مفادها أن النبى ﷺ وقف على كرسى وخاطب رجلًا اسمه "تميم" وفد عليه لزيارته. وفى هذا المقام فنحن لدينا مقعد شرعى يجلس الحاكم عليه. ويتوافق ذلك دون شك مع سمة المنبر؛ ففى حين اعتاد الساميون الشماليون اتخاذ المقعد المرتفع، فإن العرب اعتادوا افتراش الأرض، والاتكاء على المساند ومن ثم صار المقعد المرتفع خاصية للحاكم أو للقاضى. ورد فى الخبر أن "ربيعة بن مخاشن"، كان أول من اتخذ المنبر أو السرير حين عمل قاضيا. وجلس "الحجاج" على كرسى خصص له ونقب له "سرير" حين قام بمحاكمة أعدائه، ثم نفس الأمر "ليزيد بن المهلب" حين أصدر أوامره بالخروج للحرب. ويخالف "بيكر" الروايات التى تشير إلى أن المنبر قد خُصص أساسا للخطبة أول ما أنشئ، وهو يرى أنه خصص كرمز لعرش النبى [ ﷺ ] القوى الذى صار له الحكم (*). ويتفق رأيه فى ذلك مع الروايات التى تقول بأن المنبر قد أنشئ فى السنة السابعة أو الثامنة أو التاسعة للهجرة، وهى السنوات التى ثبت فيها حكم النبى ﷺ ولقد اتخذ النبى ﷺ المنبر أيضًا لإعلان التعليمات

стр. 9528

الهامة، ومن بينها على سبيل المثال، إعلان تحريم الخمر. وكثيرًا ما كان يُطلق على منبر النبى ﷺ "الأعواد"، وهى تسمية مشتقة من المادة المصنوع منها. وكان يتكون من درجْين ومجلس. ولقد اتخذ المنبر نفس الشكل بعد عهد الرسول فى خلافة أبى بكر وعمر وعثمان. وتظهر دلالته كعرش من الحقيقة التى تقول إن معاوية أراد فى سنة ٥٠ هـ أن يأخذ معه منبر الرسول ﷺ إلى الشام "فلم يسمح له بذلك، ولكنه قام بزيادة درجه إلى ستة أدراج. وبعد ذلك بعدة سنين، قيل إن عبد الملك والوليد قد رغبا فى أخذ منبر النبى ﷺ إلى دمشق. وكان للأمويين منبرهم الخاص الذى يجلسون عليه، مثل من سبقوهم. وأخذ معاوية منبره معه عند سفره إلى مكة، ولقد ظل المنبر باقيا هناك بها حتى زمن الرشيد؛ فلما قدمها الرشيد حاجا سنة ١٧٠ هـ/ ٨٧٦ - ٧٨٧ م أو سنة ١٧٤ هـ/ ٧٩٠ - ٧٩١ م قدم له أمير مصر"منبرا منقوشا" له تسع درجات أما المنبر القديم فقد وضع فى عرفة. وبعد ذلك صنع الخليفة "الواثق" منابر لمكة وعرفة ومنى. ولقد كان منبر مكة منبرًا قابلًا للحمل والنقل. وكان موضعه فى العادة إلى جوار المقام، لكنه كان ينقل إلى جانب الكعبة أثناء الخطبة ووفقا لما أورده البتانونى، ظلت هذه العادة قائمة حتى ابتنى السلطان سليمان القانونى (٩٢٦ - ٩٧٤ هـ/ ١٥٢٠ - ١٥٦٦ م) منبرًا من الرخام شمال المقام. وكان هنالك شك فى إمكانية إقامة منابر فى مساجد الولايات ووفقًا لما أورده "القضاعى"، فإن عمرو بن العاص أقام له منبرًا فى جامعه بالفسطاط، إلا أن الخليفة عمر طلب منه إبعاده. وتشير هذه الحادثة بوضوح إلى أن المنبر كان بمثابة العرش، وهو حق للخليفة وحده لا ينازعه فيه منازع وبعد وفاة عمر، قيل إن عمرو بن العاص أعاد استخدام المنبر، وأن منبره ظل فى مسجده حتى قام الوالى "قُرة بن شريك" بإعادة بناء مسجد عمرو. وقد وُضع المنبر، أثناء عمارة المسجد، فى القيسارية التى كانت تستخدم

стр. 9529

كمصلى. وعندما تمت عمارة المسجد سنة ٩٢ هـ/ ٧١١ م, لم يرجع قرة منبر عمرو إلى مكانه ولكنه أقام مكانه منبرًا جديدًا. وظل منبر قُرة قائمًا حتى سنة ٣٧٩ هـ/ ٩٨٩ م، حين استبدله الوزير الفاطمى يعقوب بن كلس بمنبر آخر مطلى بالذهب. وفى سنة ٤٠٥ هـ/ ١٠١٤ - ١٠١٥ م قام الخليفة الحاكم بأمر اللَّه بوضع منبر جديد كبير فى جامع عمرو بن العاص. ولا نسمع عن أى اعتراضات فى الأماكن الأخرى على إقامة المنابر فى الأمصار ففى المدائن وفى عام ١٦ هـ/ ٦٣٧ م أقام سعد بن أبى وقاص منبرًا فى المسجد الذى ابتناه فى إيوان كسرى كما أقام أبو موسى الأشعرى بالبصرة منبرًا فى وسط مسجدها. على أن ذلك الموضع لم يكن ملائما لأنه كان على الإمام أن يعبر من المنبر إلى القبلة "ويتخطى رقاب" الجلوس من المسلمين لذلك حوَّل زياد المنبر إلى الحائط الجنوبى. ومن ناحية أخرى، فقد ورد إلينا أن عبد اللَّه بن العباس (والى البصرة ٣٦ - ٤٠ هـ/ ٦٥٦ - ٦٦٠ م) كان أول من ارتقى المنبر فى البصرة وصار المنبر رمزًا للحاكم وفى سنة ٦٤ هـ/ ٦٨٣ - ٦٨٤ م) كانت هناك منابر فى كل الولايات وفى ذلك العام، تمت البيعة العامة لمروان بن الحكم ليس فى العاصمة فحسب بل وعلى المنابر الأخرى فى بلاد الحجاز، ومصر، والشام، والجزيرة، والعراق، وخراسان، وسائر الأمصار. وفى القرن الأول الهجرى وبداية الثانى، نجد الوالى فى المدن الصغيرة يلقى الخطبة واقفا، ممسكا فقط بعصا. ولكن فى عهد حكم عبد الملك بن مروان نصبت المنابر فى قرى مصر. وحين أصبحت الخطبة مجرد عظة دينية، ولم يعد الحاكم هو الخطيب، صار المنبر منصة للوعظ الدينى وصار هنالك منبر فى كل مسجد تعقد فيه صلاة الجمعة. وفى نفس الوقت، أعنى، بعد عهد الرشيد، اكتمل التغيير بالتدريج فى وظيفة المنبر، وصار الواعظ يخطب من فوق المنبر واقفًا. ولقد طبقت أحاديث الرسول ﷺ آنذاك بصدد إلقاء الخطيب خطبتين

стр. 9530

للجمعة واقفا، "كما هو حاصل اليوم". ويعد المنبر الآن مشابها تماما على هذا النحو المنبر المسيحى. ومن المحتمل تمامًا أن يكون الأخير قد أثر فى شكل المنبر الإسلامى وقد جعل معاوية منبر المدينة أكبر، فى حين احتوى المنبر الذى حمله معه إلى مكة على ثلاثة درجات فقط، وكان بالطبع منبرًا محمولا قابلًا للنقل والتركيب. وسمعنا مرة أخرى عن منابر محمولة صنعت مؤخرا ليست كبيرة الحجم وقيل إن منابر المغرب كانت كلها منابر محمولة ويعتبر "ابن الحاج أن تلك بدعة ابتدعها" الحجاج والمنابر القديمة مصنوعة من الخشب. وعلى أن هناك حديثا يروى أن النبى ﷺ قد صنع له كرسى من الخشب بقوائم حديدية لاستقبال تميم. ولكن منبر الحديد أقيم منذ بداية العهد الأموى؛ وكذلك المنبر من الحجر أيضًا، ثم بنيت المنابر من الأجر وعادة، ما ينصب المنبر وظهره ملاصق لحائط القبلة إلى جوار المحراب. وحاول المهدى رد المنابر إلى حجمها الأصلى الصغير, لكنه لم يستطع أن يوقف التطوير. وأقيمت عدة منابر فى المساجد الكبرى ويشير ابن الفقيه، (حوالى سنة ٣٠٠ هـ/ ٩١٢ - ٩١٣ م) إلى وجود خمسة منابر فى مسجد القدس. أما فى جامع السلطان حسن بالقاهرة، كانت هناك خطط لبناء أربعة منابر، ثم تنفيذ ثلاثة منها, ولم يتم تنفيذ الرابع بسبب الانشغال فى إصلاح مئذنته التى تصدعت سنة ٧٦٢ هـ/ ١٣٦١ م وحولت الانتباه عن تشييد هذا المنبر الرابع إلى عمل آخر. وقد أعطت الأهمية التى كانت للمنبر فى السابق زمن الرسول ﷺ ، حرمة خاصة له، وتركزت حرمة المسجد حوله وحول المحراب. وقيل أن الخليفة عثمان بن عفان كان أول خليفه يكسو منبر النبى ﷺ بالقطيفة. وقام معاوية بنفس الصنيع ولم تكن تغطية "الحاكم بأمر اللَّه" للمنبر الحديدى بجلد مذهب إلا لما علاه من الصدأ، وزمن العباسيين، جرت عادتهم على أن يرسلوا كل عام كسوة لمنبر النبى من بغداد؛ لكن سلاطين العهود المتأخرة لم يكونوا يجددون هذه العادة بانتظام. ولدينا إشارات فى

стр. 9531

المصادر عن تغطية وكسوة المنبر فى المناسبات الخاصة كما أن لدينا مطالب بالإنصراف عن العادة التى جرت بوضع السجاد على المنبر. ٢ - الأشكال المعمارية: فى البلاد العربية والفارسية والتركية: كما سبق أن ذكرنا، فإن المنبر كان يستخدم قديما كمقعد للحاكم أو لواليه، يخاطب منه المسلمين فى صلاة الجمعة، ويتوافق ذلك مع استخدام المساجد فى العصر الأموى أيضا كأماكن للتجمعات السياسية. ووفقا لرأى "بيكر"، فإن تغير وظيفة المنبر من كونه مقعدًا للحاكم أو وإليه إلى منصة خطابية تلقى من فوقه خطبة الجمعة، ثم حوالى أواخر العصر الأموى. وصلى ما يبدو أن المنابر إحتاجت لبعض الوقت كى يُعمم استعمالها. وفى سنة ١٣٢ هـ/ ٧٤٩ م زُودت مدن أقاليم مصر بالمنابر بأمر من مروان الثانى، كما عرف القليل عن المنابر خلال العصر العباسى. وورد فى المصادر أن الخليفة المهدى كان قد أمر محمد بن أبى جعفر المنصور فى سنة ١٦١ هـ/ ٧٧٧ - ٧٧٨ م أن يُنقص من ارتفاع المنابر ويجعلها فى نفس حجم منبر النبى ﷺ وتشير هذه الواقعة إلى أن المنابر أيامه كانت عالية، ويشهد على ذلك أن ارتفاع منبر مسجد سامرا الكبير كان ٣.٩٠ مترًا. والمنبر الوحيد المتبقى من المنابر القديمة التى يرجع عهدها إلى صدر الإسلام هو منبر جامع القيروان الكبير فى تونس ولما كان قد صنع من خشب الساج ويبلغ طوله ٣.٣١ متر وله ١١ درجًا اعتبر مثالًا رائعا للمنبر الخشبى المنقوش. وقيل إن الأمير الأغلبى أبا إبراهيم أحمد ٢٤٢ - ٢٤٩ هـ/ ٨٥٦ - ٨٦٣ م) أحضره من بغداد، وربما انتهى العمل منه فى سنة ٢٤٨/ ٨٦٣ م. وهو أقدم مثال باق للمنابر، تتمثل فيه عناصر المنبر الخشبى الأساسية، وهى المنصة ذات الدرج، والمدخل بدون باب عند الصعود على الدرج ويتكون هيكل المنبر من قطع خشبية عمودية ومستعرضة مع ألواح قائمة ومثلثة الزوايا مركبة فى مجار لها وقد زين الهيكل بأغصان كرْم العنب مكوّنة عقدًا دائرية مطوقة وورقة كرمة وعنقود عنب، وهو تركيب نجده فى شدادة قبة الصخرة فى بيت

стр. 9532

المقدس. وقد طعُمت معظم الألواح بطريقة هندسية، لكن يوجد على الجانب الشرقى عشرة أعمدة جميلة منقوشة بطريقة الأرابيسك ويُذكرنا أسلوب التصميم الطبيعى على تلك الألواح العشرة، وعلى الخصوص، تصميم الصنوبرة المخروطية المحاطة بالكرمة، بالأعمدة الخشبية الموجودة قرب بغداد. وفى رأى كريزويل، أن ذلك التشابه القوى بينهما يوحى بأن هذه الأعمدة العشرة نقشت هنالك وأشار كينيل إلى أن زخرفتها تتشابه مع تلك التى على قصر "المشتى" الأموى. ولاحظ ديز (E.Diez) أن اختلاف طراز الأعمدة الطبيعى عن طراز العهد العباسى الأول الأكثر تجردًا يتطابق مع زخرفة سامرا على الجنة وعلى الخشب، ويُعتقد أن بعض القطع والأعمدة المنقوشة ربما كانت تخص منبرًا أمويا قبل أن تركَّب فى البناء القائم. وتعرض المنبر للتخريب والتجديد، إلا أنه يجب أن يكون قد رمم بعد أن اكتسح الخليفة الفاطمى المستنصر القيروان سنة ٤٤١/ ١٠٥٠ م. ووفقًا لرأى كريزويل، فإن الأعمدة أسُتبدلت بأخرى جديدة فى عمارة سنة ١٩٠٧. ومن الصعب معرفة تاريخ صُنع الأعمدة القائمة الزوايا ذات التصميم الهندسى وبينما يبدو بعضها حديث الصنع، إذا بالبعض الآخر يبدو وكأنه صُنع فى فترة متقدمة. وكانت بعض المنابر فى صدر الإسلام محمولة، مما يشير إلى أنها مصنوعة من مواد خفيفة العمل، ومن المحتمل أن تكون مصنوعة من الخشب. ومن واقع شكل وطول حائط القبلة فى جامع سامرا الكبير، يظهر أنه كان له منبر محمول أودع فى حجرة خاصة قريبة من المحراب. وكان لمنبر الكعبة فى مكة عجلات، ومن الطبيعى أنه يودع عند مقام إبراهيم، ولكنه كان يدفع ليقام إلى جوار الكعبة لصلاة الجمعة. ومن المحتمل أن يكون هذا المنبر هو الذى أهداه الخليفة العباسى الواثق (٢٢٧ - ٢٣٢ هـ/ ٨٤١ - ٨٤٧ م). واستمرت عادة دفع المنابر داخل وخارج ساحة التجمع للصلاة قائمة حتى الآن فى بعض أنحاء العالم

стр. 9533

الإسلامى، وخصوصًا فى شمال إفريقيا. . وظل القليل من هذه المنابر باقيا فى مكانه، لكن التجاويف التى وجُدت على يمين المحراب فى بعض مساجد الجمعة تفت أن المنابر الأصلية لهذه المساجد كانت منابر محمولة. وتبدأ سلسلة المنابر المحمولة بمسجد صفاقس الكبير الذى بنى فى ٢٣٥/ ٨٤٩ م، والذى توجد به تجاويف توضع قوائم المنبر فيها واتخذ المسجد الجامع شكلًا هامًا منذ صار المنبر رمزًا للسلطة، حيث يرتقيه الوالى ممثلًا للسلطة الحاكمة، ليبلغ جماعة المسلمين المحتشدين فى ساحته بالبلاغات الرسمية. ويشير "المقدسى" إلى المنبر على أنه شئ له اعتباره الكبير فى المجتمعات الإسلامية. وهو يرى أنه من الممكن إطلاق اسم مدينة على أى ناحية، بها منبير وتعقد فيها صلوات جمعة. وكثيرًا ما تصنف المدن تبعًا لوجود منبر فيها أو عدمه. وتكثر الإشارات فى المقدس إلى أن ازدياد عدد المنابر فى المدينة دليل على إزدياد ازدهارها. ولم يتبق فى إيران أى منبر من منابر صدر الإسلام، لكن وهناك من يذكر أنه رأى منبرًا فى مسجد "عدينا" فى "سبزوار" يرجع تاريخة إلى سنة ٢٦٦/ ٨٧٩ م. وأنه كتب عليه اسم والى خراسان أحمد الخوزستانى، الذى حكم أيام خلافة المعتمد العباسى. ويوجد أقدم منابر إيران الباقية فى مسجد ششتر (تُستر) الجامع، ويرجع تاريخه إلى صفر ٤٤٥ هـ/ (مايو - يونيو ١٠٥٣ م). وهو مثال قديم للمنبر المزين بالقوائم الصلبة المضلعة، والمشغول بالأرابيسك المضفَّر، والذى تغطى جوانبه عناصره الفنية المتداخلة المتلاحمة مع بعضها البعض، وهو شكل من أشكال الزخرفة أصبح شائعا فى مصر وسوريا وتركيا وأنحاء أخرى من العالم الإسلامى من القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى فصاعدًا. ولا يُعرف هنالك منبر يمثل هذه المواصفات من الزخرفة فى إيران فى العصر السلجوقى. وتوجد فى إيران خمسة منابر باقية ترجع إلى فترة الحكم السلجوقى. وكلها تظهر نفس شكل منبر القيروان، أى أن بكل منها: مجموعة متواصلة من الدرج

стр. 9534

وأعمدة عند مدخلها تؤدى إلى مقعد الخطيب، وهو يتكون من منصة قائمة على أربعة أعمدة. وهذه المنابر أصغر حجما من منبر القيروان، لكن جوانبها تتكون من ألواح قائمة الزوايا محفورة متشابهة. ويوجد أقدم هذه المنابر الخمسة فى مسجد "أبيانا" الجامع، يرجع تاريخه إلى سنة ٤٦٦ هـ/ ١٠٧٧ م. ويوجد الثانى منها، والذى يرجع تاريخه إلى سنة ٥٤٣ هـ/ ١١٤٨ م, فى مسجد إمام زاده إسماعيل فى "أبرز"، والثالث وتاريخه ٥٨٣ هـ/ ١١٨٧، فى مسجد بائن فى "فريزند". وتوجد هذه المنابر الثلاثة جميعها فى إقليم "ناتانز" ولا يُعرف على وجه التحديد تاريخ صنع المنبر الموجود فى مسجد المحمدية الجامع بالقرب من نائين، ولا المنبر المعروف باسم منبر الصاحب الكائن فى مبنى ملحق بالحسينية فى فاريظاند، ولكن من الممكن نسبتها إلى الفترة ما بين القرن الخامس والسادس الهجريين الحادى عشر، الثانى عشر الميلادى، بسبب استخدام أسلوب الحافة المشطوفة فى نقش زخرفة الأرابيسك فى حالة الأول، واستخدام أسلوب النقش الكوفى فى حالة منبر الصاحب. ومن أبرز وأهم ملامح هذه المنابر الإيرانية الخمسة هو تطبيق ما عُرف "بأسلوب استخدام الحافة المشطوفة الأحرف" فى النقش. ويتطابق هذا الأسلوب فى الزخرفة مع ما وجده هرزفيلد فى زخرفة نقوش سامرا الجصية. وتتكون من رسوم ذات انحدار عميق فى الجص تُعطى تباينا فى اللون والظل. وغالبًا ما تتكرر هذه الرسوم وتنفصل بخطوط منحنية وتغطى بالنقاط والخروز والشقوق الطولية وصفوف العقود أو بعض اللآلئ التى كان يتكرر استخدامها كحافة زخرفية وفى حين استخدام هذا الأسلوب وتلك الطريقة بادئ ذى بدء فى سامرا خلال القرن الثالث الهجرى/ التاسع الميلادى، فقد ظل يستخدم فى إيران بشكل معدل بعض الشئ، متخليا عن نسقه التكرارى خلال القرنيين الخامس والسادس للهجرة/ الحادى عشر، الثانى عشر الميلادى. وقد أبطل استخدام هذا الأسلوب فى مصر مع نهاية القرن

стр. 9535

الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى، لكنا ظللنا نلاحظه فى أجزاء أخرى من بلدان العالم الإسلامى حتى نهاية القرن السادس الهجرى الثانى عشر الميلادى. ولا يزال منبر المسجد الجامع فى "أبيانا" يُعد من أهم الأعمال البارزة لنموذج تقنية الحافة المشطوفة التى لا تزال باقية حتى الآن فى إيران. وبرغم أن منبر "برز" يحتوى على لوحات مشطوفة، إلا أن زخرفته فى أساسها أرابيسك متشابك، وهو يظهر تأثيرات إتجاهات الزخرفة الجديدة واشتهر هذا المنبر أيضًا بدرابزينه المصنوع من مصبعات خشبية مخروطة كالمشربيات فى مصر؛ وذلك أقدم مثال معروف لمثل هذا العمل فى إيران. ومن الممكن أن يلاحظ الحفر المشطوف الحواف أيضًا على منبر مسجد العمادية الكبير فى العراق، يرجع تاريخه إلى سنة ٥٤٨ هـ/ ١١٥٣ م. زينت الألواح المضلعة الداخلة فى الإطار الأملس المستوى بأشكال أشجار نخيل ذات أطراف حلزونية داخل كتابات بخط النسخ ويوجد فى تركيا منبر من ملطيه، وهو محفوظ الآن فى "المتحف الإثنوغرافى" بأنقره. وفى هذا المنبر قطع صغيرة مضلعة داخله فى إطار مسطح منحوتة بطريقة الحواف المشطوفة. وقد نُقشت أرضية الألواح بأرابيسك منحوت بعمق ولها أسطح ذات أحرف مشطوفة ويرجع هذا المنبر إلى القرن السابع الهجرى (= الثالث عشر الميلادى)، بينما يشير "إيتجهاوزن" ettinghousen أن تاريخه يرجع إلى القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى. تغيرت زخرفة جانبى المنبر حوالى نهاية القرن الخامس/ الحادى عشر الميلادى، حين ظهرت طريقة جديدة فى البناء والتصميم. ولم يحصر التغيير فى تغطية الجوانب بقطع خشبية صغيرة على شكل النجوم والمضلعات. وأقدم الأمثلة المعروفة لهذا النموذج هو منبر المسجد الجامع فى شُستر الذى ورد ذكره أنفا. ويظهر الشكل الجديد للمنبر فى شكله المتكامل فى منبر

стр. 9536

ضريح الإمام الحسين الفاطمى فى عسقلان وهو المحفوظ الآن فى متحف الخليل. غُطيت كل جوانب هذا المنبر بأشكال هندسية زخرفت بإتقان وهى تتكون من قطع خشبيه صغيره مضلعة متداخلة فى أشرطة منقوشة. وتتكون عناصر الشكل رئيسية من نجوم مسدسة مضلعة. وقد ملئت كل القطع المضلعة بتصميمات أرابيسك متشابكة. على أن، الحفر على هذا المنبر لم يكن على نظام الحواف المشطوفة، ولكنه كان على نظام القواطع العميقة المستقيمة. وهنالك وجه آخر هام من وجهى هذا المنبر وهو أن "درابزينه" الصلب قد صنع على نظام المشربية، مما يجعله من أقدم الأمثلة على ذلك. ومن المحتمل أن يرجع صُنع قبة وباب المنبر التى ظهرت فيه مؤخرًا إلى العهد المملوكى. استمر نظام الزخرفة قائما، فى مصر خلال العصر الفاطمى، ظاهرًا فى منبرين قديمين، أحدهما فى دير سانت كاترين على جبل سيناء، ويرجع تاريخه إلى سنة ٥٠٠ هـ = ١١٠٦، والثانى فى جامع عمرو بقوص والذى يرجع تاريخه إلى سنة ٥٥٠ هـ = ١١٥٥ م، وللمنبر الأخير إيوان فوق مقعد الخطيب، وتشبه زخرفة مقعدة زخرفة المحراب وتطور شكل المنبر إلى صورته التى هو عليها الآن ضد المحراب. فصاعدًا، وصار له جوسق على شكل قبة فوق مقعد الخطيب، وبوابة وعناصر زخرفية مكونة من نجوم ومضلعات مصنوعة من قطع خشبية منقوشة. وصارت هذه الهيئة هى الهيئة التى يصنع على شكلها المنبر فى سوريا وتركيا وكذلك فى مصر. ويُعتبر منبر المسجد الأقصى فى القدس بفلسطين، هو أحسن الأمثلة لهذا النوع من المنابر، وهو المنبر الذى أهداه نور الدين محمود سنة ٥٦٤ هـ/ ١١٦٨ م لحلب، ثم أخذه صلاح الدين مؤخرًا إلى بيت المقدس. ظهرت على نفس هذا المنبر زخرفة أخرى شاعت من القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى فصاعدًا, وهى ظاهرة تطعيم المنبر بالعاج والصدف. وبعد ذلك، تميزت المنابر المملوكية بتطعيمها الرائع، والذى لم

стр. 9537

يقتصر على العاج فحسب، بل تعداهما إلى الأبنوس والعظم ومثال هذا المنبران الموجود أحدهما فى جامع ابن طولون الاخر فى جامع الصالح طلائع بالقاهرة. ثم نشهد تدهور حال كل من زخرفة النقش وزخرفة التطعيم قرب نهاية العهد المملوكى. ويُعد منبر جامع قايتباى، الموجود الآن فى متحف فيكتوريا والبرت، خير مثال للأعمال المملوكية المتأخرة. أما فى إيران، فكانت زخرفة النجوم والمضلعات أبطأ من أن تكون زخرفة شائعة. ولذلك فإن جانبى منبر المسجد الجامع فى "نائين" الذى يرجع تاريخه إلى ٧١١ هـ/ ١٣١٢ م، ما زالت مركبة بألواح متعامدة إلى جانب أنها مزينة بالنجوم والمضلعات. ويتكون جزء من زخرفته المحفورة من سلاسل من شكل المعين أو من أوراق النبات، الممتلئة بفواصل حلزونية الشكل، تعكس أسلوبا صار شائعا فى إيران خلال القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى. ولهذا المنبر أيضًا، "درابزين" شبكى صنع من شرائح خشبية بشكل هندسى. ويعد ذلك أقدم مثال لهذا النوع من أعمال التشابيك فى إيران، والتى أستخدمت فى "السواتر والبرفانات"، والنوافذ، والبوابات، ودرابزينات الشرفات. وهنالك منبر آخر شهير يرجع تاريخ صنعه إلى عصر ما بعد فترة الحكم المغولى فى إيران وهو مسجد "سوريان" الجامع فى فارس، وهو محفوظ الآن فى متحف "إيران - باستان" بطهران. ونستمد من النقش الذى عليه أنه تم صنعه سنة ٧٧١ هـ/ ١٣٦٩ م. وتميز بإستعمال طريقة النجم والمضلعات على جوانبه، وهى الطريقة التى صارت مع الوقت مطبقة فى كل الأعمال الخشبية فى إيران. وتوجد خاصية أخرى لهذا المنبر وهى عنصر استخدام الأزهار الواضح فى زخرفته المحفورة، وهو عنصر صار فيما بعدُ مميزًا للعهد التيمورى. ويعد منبر جامع جوهر شاه فى حرم الإمام الرضا فى "مشهد"، المصنوع ما بين عامى ٨٤٠ و ٨٥٠ هـ (١٤٣٦ - ١٤٤٦ م) قطعة تيمورية جميلة. ويتميز بزخرفته الوافرة بالنجوم والمضلعات مع فروع النباتات المنحوته فى بروز على النمط

стр. 9538

التيمورى. وعلى غير عادة المنابر فى إيران، ولهذا المنبر سقيفة، يعلوها تاج ذو الشراريب. وتُصنع المنابر المنحوتة من الخشب المشغول أيضًا فى الأناضول بمستوى رفيع. فالخشب متوافر هناك، ولذلك فإن استخدامه لأساس المساجد أمر من سهل فهمه. ويعد من أقدم منابر الأناضول الخشبية منبر جامع علاء الدين فى قونية، الذى يرجع تاريخه لسنة ٥٥٠ هـ/ ١١٥٥ م. وهو مصنوع من خشب الجوز، وبغض النظر عن زخرفته المعتدة بالنجوم والمضلعات المنحوتة فإن له "درابزين" صلب نقشت على حواجزه آيات قرآنية، كما أن له عقد مقترنا بألواح على المدخل. وهو لا يحمل أى تشابه مميز، لا فى الشكل ولا فى الزخرفة، مع المنابر السلجوقية فى إيران، وهو فى الحقيقة تشكيل سورى - مصرى. وصار نموذج منبر علاء الدين شائعا بشكل متزايد فى الأناضول خلال القرنين السابع والثامن/ الثالث عشر، الرابع عشر الميلادى. وخير مثال على هذا النموذج منبر "ألوكامى" فى "سييرت", وهو المحفوظ الآن فى المتحف الإثنوغرافى فى أنقره. ولا تزال منابر مشابهة له قائمة فى أماكنها الأصلية مثل: منبر ألوكامى فى سفرى حصار ويرجع تاريخه إلى عام ٦٧٠ هـ (= ١٢٧٢ م)، ومنبر إصرفوغلو كامى فى "بليشار" وتاريخه ٦٩٦ - ٦٩٨ هـ/ ١٢٩٧ - ١٢٩٩ م. وبرغم أن معظم المنابر قد صنعت من الخشب، فإن منها ما صُنع من خامات أخرى، مثل الآجر، والسيراميك والحجر. وذكر المقدسى أحد هذه المنابر المصنوعة من الأجر فى عرفة. وتوجد فى وسط إيران، خمسة منابر من السيراميك يرجع تاريخها إلى الفترة ما بين سنوات ١٤٤٥ - ١٥٢٥ م. وقد زينت جميعها بشكل مختلف ما بين تصميم من ثمان وإثنى عشر نجما، وسيقان نباتات بأزهار بيضاء، وأرابيسك من نباتات بلون الكهرمان والأزرق الفاتح على أرضية داكنة زرقاء. وعلى بعض هذه المنابر كتابات تحمل اسم منشئها أو نصوص قرآنية

стр. 9539

أو عظات دينية. وأجمل هذه المنابر هو منبر "مسجد ميدان" فى كاشان وهو مزخرف بالموزايكو بمستوى فوق المتوسط بكثير. ويعطينا أحد النقوش على الجانب الأيسر من المنبر اسم الجرفى وهو "حيدر"، قاطع الآجر، كما يعرض لنا نقشا آخر صمم وقت البناء وهو فى عهد السلطان بوسعيد الجرجانى. ويُعتبر منبر خانقاه بندر أباد أكبر الخمسة المنابر، ويرجع تاريخه إلى ٨٤٨ هـ/ ١٤٧٣ م. وتنتمى هذه المنابر المصنوعة من الآجر إلى الفترة التى تزايد فيها أستعمال الآجر والموزايكو فى العمارة الإيرانية. ولم يدم الميل لهذا النوع من المنابر طويلًا، ومن المحتمل، أن يكون ذلك بسبب الحاجة للاحتفاظ بالإيقاع على القابلية للتحرك والإنتقال من الظروف المعينة. وهنالك مثالان لمنابر الآجر من "خيوة"، أحدهما فى مسجد آرج القديم الصيفى، الذى يرجع إلى سنة ١٨٢٠ م والآخر ربما يرجع إلى القرن التاسع عشر. وهنالك بعض المنابر الحجرية فى العالم الإسلامى، مثل تلك التى فى مساجد شيخو، وأقسنقر والخطيرى بمصر وربما كان منبر مسجد السلطان حسن، المبنى سنة ٧٥٧ - ٧٦٤ هـ/ ١٣٥٦ - ١٣٦٣ م أشهر هذه المنابر كما يوجد لمسجد جامع برقوق فى جبانة الخلفاء (المشيد سنة ٨٠٦ - ٨١٣/ ١٤٠٣ - ١٤١٠ م)، منبر حجرى جميل به نحت بنماذج هندسية معتدة، وبجوانبه تصميمات بالنجوم ومضفرة مثل المنابر الخشبية ويشبه هذا المنبر المنبر الحجرى المحفور فى جامع شيخو، وتاريخه ٧٥٠ هـ/ ١٣٤٩ م, فى بابه وفى جوسقه. وكان لمسجد هرات الجامع منبر رخامى جميل لكنه غير موجود الآن، قام بنحته والحفر عليه الحجار شمس الدين فى القرن التاسع الهجرى/ (الخامس عشر الميلادى). ويوجد أقدم منبر مصنوع من الحجر فى الأناضول فى جامع علاء الدين "بنيجد" ويرجع تاريخ صنعة إلى

стр. 9540

سنة ٦٢٠ هـ/ ١٢٢٣ م. وهو منبر بسيط بدون زخرفة ماعدا وجود بعض الأرابيسك المحفور على درابزينه الحجرى. وكانت المنابر الرخامية والحجرية شائعة أساسا فى العهد العثمانى. ويوجد بمسجدى بايزيد ومحمد باشا فى المصيصة، اللذين يرجع عهدهما إلى سنة ٨٩١ هـ/ ١٤٨٦ م، منبران رخاميان جميلان صنعا باتقان. ويشهر منبر المسجد الأخير على وجه الخصوص بزخرفته النباتية الفنية. ويعتبر منبر مسجد السليمية فى أدرنة وتاريخه ٩٦١ هـ/ ١٥٧٤ م، من أكثر المنابر اللافتة للنظر، لضخامة بنيانه، وجمال وإتقان صنعته. نحت هذا المنبر من كتلة حجرية واحدة، وساد أحد جوانبه شكل مثلث متساوى الأضلاع فى وسط قرص الشمس وتتكون حافتة المتاكلة ودرابزينه من تصميمات تقليدية مضلعة وزخرفت مظلته جوسقه/ قبته المخروطية بالسيراميك. كذلك فإن لمنبر جامع صوقولو الحجرى فى إستانبول (والذى يرجع تاريخه إلى سنة ٩٨٠ هـ/ ١٥٧٢ م) جوسق من الآجر، ودرابزين من الحجر مثل تلك التى فى المنابر الخشبية. ٣ - أما فى الهند فتختلف نماذج تصميمات المنابر عن غيرها من حيث تصميمها العام عن تلك التى تتكون من ثلاثة أدراج حجرية بسيطة، إلى تلك المنابر المنحوته والمظللة والتى تحتوى على تسعة أدراج أو أكثر. والحجر هو المادة الخام المفضلة فى بناء منابر الهند حتى فى منطقة البنغال التى يجرى البناء فيها بالآجر، على أن عدم تواجد منابر مصنَّعة فى كثير من مساجد الهند القديمة المعروفة ربما يوحى بأن المنابر الخشبية كانت معروفة عندهم أيضًا. أما فى سلطنة دهلى: فلا يوجد فى أى مسجد قديم من مساجدها منبر واحد قديم أصلى (والمنبر الذى فى مسجد جماعات خانة فى نظام الدين، هو أقدم مسجد لا تزال تقام الصلاة فيه، فهو منبر حديث، حل محل منبر قديم بسيط يتضح من صوره أنه كان يتكون من ثلاث بلاطات حجرية). كما يوجد فى دهلى منبر جامع "اريش" ٨١٥ هـ/ ١٤١٢ م، وهو

стр. 9541

بناء حجرى ضخم يتكون من سبعة درجات، ويمتد درجة السابع إلى منصة مربعة مستندة على أعمدة أما عن منابر الأقاليم فليس هنالك مساجد قديمة قد تبقت فى البنجاب. وتُقدم البنغال أمثلة قديمة رائعة من المنابر ذات المظلات الجواسق؛ وأقدمها، منحوت من حجر البازلت، فى مسجد بارى ويرجع تاريخه إلى أوائل القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى، ولهذا المنبر تسعة درجات تؤدى إلى حجرة علوية تعلوها قبة، بفتحات ذات عقود من جوانبها الثلاثة وإلى ما يبدو على أنه محراب مائل قبالة الحائط الغربى لصحن الصلاة. وتكرر هذا التصميم فى مسجد "آدينه" الكبير ٧٧٦ هـ/ ١٣٧٥ م، حيث تُظهر صورة "رافينشو الفوتوغرافية" المحراب، مثل الزخرفة على الحائط الغربى المحفورة مع إظهار مصباح معلق، فى حين زين السطح الخارجى برسوم هندسية مشجرة. ويتشابه معه لكن بشكل أبسط منبر مسجد قطب شاهى القريب منه والذى يرجع تاريخه إلى سنة ٩٩٣ هـ/ ١٥٨٥ م. وهنالك منابر بسيطة ذات ثلاث بسطات حجرية، أحدها منبر مسجد محمد بن تيبو سلطان ١٢٥٨ هـ/ ١٨٤٢ م. وفى المبانى القليلة فى سلطنة "جونبور"، يتخذ المنبر فى المساجد، شكل بناء حجرى مؤلف من تسع درجات تؤدى إلى منصة حجرية مربعة، دون أن تكون هنالك آثار لوجود جواسق عليها. ولعل النموذج المفضل للمنبر فى سلطنة جوجارات هو المنبر الحجرى ذو الدرجات التسع، برغم أن منبر مسجد أحمد شاه القديم فى أحمد أباد (٨١٦ هـ/ ١٤١٤ م) يُظهر، أن الشرفة العليا كانت مغطاة بجوسق بمظلة, وربما تكون هذه المظلة مأخوذة من معبد ماندابا الهندى. وتوجد منبرة فى كثير من مساجد جوحرات وهى ظهور منصة منخفضة مربعة أمام آخر درج المنبر، ولا يعرف الغرض منها، ولكن من المعتاد أن نراها الآن مغطاة بالحصر وتُستخدم لجلوس الصبيان فيها حين يستخدم المسجد كمدرسة لتحفيظ القرآن. وخلال الفترة المغولية، صار شكل المنبر مدَّرجا وغير مغطى. وفى بعض الأحيان، يكون فى درجه الأحمر المصنوع من الحجر الرملى سواتر صغيرة مثقوبة على حوافها.

стр. 9542

وتوجد نماذج عديدة مختلفة من المنابر على ساحل شرق إفريقية. وكان لمساجد الجمعة هناك منذ العصور الوسطى وحتى القرن التاسع عشر الميلادى منبر حجرى يتكون من درجين ومقعد أما فى زنجبار فيوجد درج واحد ومقعد، على حين يوجد فى غيرها منابر لها ثلاثة درجات وفى كل هذه الحالات نجد الدرج الأسفل مسطح للغاية، ويُعرف فى اللغة السواحيلية باسم "كيابو"، أو مكان القسم المقدس. والشخصى الذى يريد أن يقسم يقف على هذا الدرج، ويلمس المنبر. ولقد بنى مسجد أنجوانا الجامع فى كينيا، مؤخرًا سنة ١٥٠٠ - ١٥٥٠ م، وكان لمنبره سبعة درجات. وفى العصر الحديث بُنيت منابر حجرية فى مساجد لامو. وهنالك منبران خشبيان وحيدان فى شرق إفريقيا، أحدهما منبر مسجد الجمعة فى لامو الذى ترجع نقوش إنشائه إلى سنة ٩١٧ هـ/ ١٥١١ م، وهو موجود فى "سوو" ٩٣٠ هـ/ ١٥٢٣ م كما يوجد منبر محمول يستخدم فى أيام الأعياد فى قرية صغيرة قرب دار السلام بتنزانيا تسمى "ماجوجونى"، وهو يتكون من مقعد خشبى بسيط قائم على قاعدة مسطحة وفى بعض مساجد الجمعه، يتخذ المنبر شكل منصة بارزة داخل بنيان داخلى خلف حائط القبلة. ومن الممكن الوصول إليه بدرج من الداخل، أو من داخل المحراب. ويشبه المنبر فى هذه الحالة نافذة تقع عند ميمنة المحراب. وتزود هذه المنابر فى بعض الأحيان بدرابزين ليتكئ الواعظ عليه. ويتصل الدرج فى بعض الأحيان بحجرة خُصصت كمكتب للإمام، وتزود هذه الحجرة أيضًا بباب خارجى ومع أن تاريخ هذه المنابر غير معروف، إلا أن الروايات المحلية تشير إلى أنها فى الغالب تنتمى إلى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. المصادر: (١) البتنونى، الرحلة الحجازية. (٢) الأزرقى، أخبار مكة. (٣) المقريزى، الخطط. (٤) ياقوت، معجم البلدان. د. عطية القوصى [ج. بيدرسن، فريمان جرنفيل Bedersan, F. Grnville]

стр. 9543

مندور، محمد محمد عبد الحميد موسى (١٩٠٧ م - ١٩٦٥ م) شيخ نقاد الأدب المصرى والغربى المعاصرين، ولد فى كفر مندور بالقرب من منيا القمح بمحافظة الشرقية وكان أبوه متدينا متسامحا تلقى قسطا يسيرا من التعليم، وتعلَّم مندور على أيدى والده القرآن الكريم وكانت نشأته الدينية فى بيئة ريفية قد غرست فيه قيمًا اخلاقية ودينية حافظ عليها طوال حياته وفى سن الخامسة أرسل إلى كُتَّاب القرية وفى الخريف التالى ألحق بالمدرسة الابتدائية فى منيا القمح، وفى عام ١٩٢١ م انتقل إلى المدرسة الثانوية فى طنطا حيث درس الإنجليزية وحاز شهادة البكالوريا فى ١٩٢٥ م بعد ذلك قام بتسجيل نفسه فى مدرسة الحقوق فى الجامعة المصرية على أمل أن يصبح نائبًا عامًا كما سجل نفسه أيضا فى قسمى اللغة العربية والاجتماعية وفى عام ١٩٢٩ م حاز درجة الليسانس فى الأدب العربى وفى سنة ١٩٣٠ م حاز على درجة الليسانس فى القانون وبعد ذلك مُنح وظيفة نائب عام ولكنه تركها ليقبل منحة حكومية للدراسة فى السوربون. وبعد دراسة استمرت تسعة أعوام حاز مندور درجة علمية فى الآداب واللغات القديمة وكذا فى القانون والاقتصاد السياسى وقد اعاقته الحالة السياسية المضطربة فى فرنسا عن إنهاء رسالة الدكتوراه وعجلت بعودته إلى مصر فى عام ١٩٣٩ م ثم قضى الأعوام ١٩٤٠ م، إلى ١٩٤١ فى الترجمة الإنجليزية والفرنسية إلى العربية وتدريس قسم الترجمة وفى عام ١٩٤٢ م أنشئت جامعة الإسكندرية وعين بها كأستاذ للأدب العربى بها وهناك عمل أحمد آمين المفكر البارز على تشجيعه على انهاء رسالة دكتوراه والتى أتمها فى عام ١٩٤٣ م. وكانت أطروحته لنيلها هى طرق النقد العربى فى القرن الرابع الهجرى وقد نشرت تحت عنوان "النقد المنهجى عند العرب عام ١٩٤٦ م" ومنذ ذلك الحين وهى تعد العمل المتميز عن النقد العربى فى العصور الوسطى.

стр. 9544

وقد ترك منصبه فى جامعة الأسكندرية فى عام ١٩٤٤ م ليعمل كرئيس تحرير لجريدة المصرى مباشرًا عملا فى مهنة متقلبة فى الصحافة السياسية والأدبية، وفى طليعة المعارضين لحكومة صدقى باشا والإنجليز ثم أعفى من منصبه ولفترة قصيرة اكتفى بنشر القليل من المقالات والتدريس فى معهد الفنون المسرحية المسائى وفى عام ١٩٤٥ م عُين رئيسًا لتحرير جريدة الوفد المصرى المسائية والتى حولها تدريجيا إلى بيان ثورى ضد الإنجليز وعملائهم المصريين وعلى الرغم من كتاباته الاجتماعية ترأسه للجناح التحررى التقدمى لحزب الوفد فإنه لم يكن أبدًا شيوعيا وكان لانغماسه العميق فى السياسة القومية ومعارضته العنيفة لمعاهدة صدقى - بيفن سببا فى سجنه لعشرين مرة عام ١٩٤٥ و ١٩٤٦ م وكلفته غلق صحيفته المسائية "البعث" وبسقوط حكومة صدقى تولى مندور تحرير جريدة الوفد الجديدة (صوت الأمة) حيث تابع نضاله السياسى ضد الاحتلال وقد أدار مكتبًا ناجحًا للمحاماة بين عامى ١٩٤٨ و ١٩٥٤ م وواصل فى الوقت نفسه كتابة تحرير مجلة "صوت الأمة" وانتخب للبرلمان المصرى فى عام ١٩٥٠ م وخدم فى عدة مجالس برلمانية وفى ١٩٥٣ م عمل بالكتابة والتدريس فى معهد الجامعة العربية للدراسات العربية العليا وحتى وقت قصير قبيل وفاته ١٩٦٥ م. وتشمل أعماله الكاملة كتبًا عامة ومتخصصة تعالج موضوعًا واحدًا أو عدة موضوعات متصلة أو مذاهب أدبية وتراجم لأعمال متنوعة غالبًا من الفرنسية إلى العربية، مراجعات للكتب والمئات من المقالات النقدية والسياسية وبعض المحاولات البدائية فى الشعر وسيناريو واحدا. وعلى الرغم من شهرته كصحافى سياسى ومترجم فإن سمعته تأتى فى المقام الأول كناقد أدبى بارز وتشمل أعماله الأدبية ثلاث مجالات رئيسية هى النقد النظرى والتطبيقى، والشعر والشعراء، والمسرح بشقيه الشعرى والنثرى وأكثر كتبه النقدية بروزًا هى "فى الميزان الجديد" والذى شرح فيه

стр. 9545

نظريته عن الشعر المهموس وكذا "النقد المنهجى عند العرب" ١٩٤٦ م وكتبًا أخرى مثل "فى الأدب والنقد" ١٩٤٦ م والأدب ومذاهبه ١٩٥٨ م والأدب وفنونه ١٩٣٦ م والأعمال الرئيسية لمندور فى الشعر والشعراء تحوى عملا نظريًا عن الشعر هو "فن الشعر" ١٩٦٠ م وسلسلة شهيرة لدراسات نقدية والشعراء المعاصرة المصريين وشعراء حركة الشعر الحر وأعماله الرئيسية فى المسرح تشمل "المسرح" ١٩٥٩ م، و"الكلاسيكية والأصول الفنية للدراما"، ودراسات تطبيقية للمسرحيات الشعرية لأحمد شوقى (توفى ١٩٣٢ م) والمسرح النثرى لتوفيق الحكيم (ولد ١٨٩٨ م). وأكثر التراجم تميزا عند مندور هى البحثين المشهورين واللذين أثرا بشدة فى تفكيره النقدى وعلما فى كتاباته النقدية على مدار رحلته المهنية وهما " Defence des letter" " دفاع عن الأحرف" لجورج دومال ١٩٤٣ م، و"منهاج التاريخ الأدبى" ١٩٤٦ م لجوستاف لانسون، وتغص التراجم الأخرى نطاقًا كاملًا للأفرع الأدبية من "مدام بوفارى" لفلوبير وحتى "الغراب" لإدجاز آلن بو. وتشمل كتاباته السياسية والفكرية كتابًا رئيسيًا هو "الديموقراطية السياسية" ١٩٥٢ م ومقالات لا تعد ولا تحصى والبعض منها نشر فى كتابين وتمرس مندور فى مدرسة النقد الفرنسى وخاصة الطريقة السائدة آنذاك "طريقة تحليل النص" قد طُبع فى كتاباته وبالطبع تطور إلى نظرية نقدية مرت بالنسبة له فى ثلاث مراحل مختلفة. ١ - الانطباعية الجمالية حيث الأسبقية للتلائم مع القيم الجمالية وهذه الطريقة متبعة فى عملية المبتكرين والأكثر شهرة "النقد المنهجى عند العرب" و"فى الميزان الجديد" والذى تضمن أيضا نظريته عن "الشعر المهموس" فقد أعلن بأن الشعر ما هو إلا صوت خافت فهو "يهمس" ويتخاطب مع السامعين. شعرًا خاليًا من الخطابة المنمقة والزخارف البلاغية والعاطفة

стр. 9546

الواهنة، ويعد شعر المهجر (خاصة شعر نعيمة) والشعر الحر أبلغ الأمثلة للشعر المهموس فى تقديره. ٢ - التحليل الوصفى وهنا يأخذ على عاتقه منهاجًا موضوعيًا يتحرى التحليل والتعريف والتعليم أكثر من الدلالة وقام بتطبيق هذه النظرية فى كتبه عن الشعر والمسرح (١٣) متضمنة السلسلة الشهيرة "الشعر المصرى بعد شوقى" والتى كتبها لمعهد الجامعة العربية للدراسات العربية العليا. ٣ - النقد الفكرى والذى يعتبر الأدب ذا وظيفة اجتماعية واتجاهه هذا كان محصلة لمعتقداته الإجتماعية ولإنعماسه فى السياسة القومية ويعزى إليه أنشطته المختلفة فى الصحافة والقانون والبرلمان وإهتمامه الدائم بالحياة الريفية المصرية وعلى الرغم من تشعب طريقته فإن النظرية الجوهرية النقدية عند مندور تناصر قضية ملاحقة الجمال فى أى عمل أدبى والحكم النهائى فى اعتقاده يتوقف على الذوق الشخصى المصقول والمعزز بمعرفة واسعة متنوعة وقد عَرَّف النقد بأنه فن التمييز بين الأسلوب الأدبى ووظيفته كتفسير وتقييم ودلالة النقد بهذا لديه القدرة على المشاركة فى إعادة خلق العمل الأدبى. وكان حضور مندور الأدبى الملحوظ وابداعه الخصب، وأصالته وذكاؤه قد أدى إلى دخول معارك أدبية لا تنتهى مع معاصريه من النقاد خاصة العقاد (توفى ١٩٦٤ م) ولمعارضى الشعر الحر وكان كل من النقاد وطرائقهم النفسية والدجماتيه ذات الفلسفة الوضعية، موضوعًا لنقده العلمى الماكر. وأسلوب مندور الدقيق الأنيق غير المزخرف يعزز القدرة على الفهم وسهولة التناول لكتاباته الأصيلة فقد قام بتقديم مفاهيم عدة للتقاليد النقدية العربية المعاصرة مثل الشعر المهموس و"الأدب الهادف" فى الرومانسية الموضوعية و"النقد المنهجى" وعلى الرغم من اعتقاداته السياسية والاجتماعية فإن مندور بقى على مدار حياته ناقدًا أدبيًا وليس عقائديًا.

стр. 9547

المصادر: كتب مندور حوالى ٣٠ كتابًا والمئات من المقالات ومراجعات الكتب والتى بقى معظمها لم يجمع وفى عام ١٩٦٤ م وافق على إجراء مقابلة تعليمية مفصلة نشرت فى كتاب فؤاد دوارة "عشرة أدباء يتحدثون" القاهرة ١٩٦٥ م ومقابلة أخرى فى الجريدة الأدبية اللبنانية "الأدب" مع فاروق شوشة وكتب بعد وفاته مقالات لا حصر لها عن حياته وكتاباته النقدية وذلك فى الجرائد الأدبية العربية مثل "الأدب" و"الطليعة" و"الحلة" [منصور عجمى Mansour Ajami] المنذر بن سعيد المنذر بن سعيد بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن القرطبى، أبو الحكم، الفقيه المشرع الأندلسى المولود سنة ٢٧٣ هـ (= ٨٨٦ م) فى أسرة ترجع إلى أصل بربرى ثم استقرت فى قرطبة. ولقد درس أول ما درس فى الأندلس ثم رحل فى طلب المزيد من المعرفة فى الشرق أثناء قيامه بأداء فريضة الحج سنة ٣٠٨ هـ (= ٩٢١ م) فأقام فى مدن شتى وحضر حلقات دروس عدة شيوخ واشتهر فى مصر حين صحح قراءة شعر لمجنون ليلى انشده أبو جعفر النحاس الذى رفض أن يعيره كتاب الصيد للخليل بن أحمد لينسخ نسخة منه لنفسه، وعلى الرغم من رفض أبى جعفر إعارته هذا الكتاب إلّا أنه استطاع أن يحصل على نصٍّ له، كما نسخ نسخة من كتاب الإشراف فى اختلاف العلماء لمحمد بن المنذر النيسابورى، فلما عاد إلى اسبانيا ذاعت شهرته كرجل من رجال الأدب وكشاعر وفقيه، الظاهر أنه بدأ فى هذه المرحلة يمارس عمله كقاضٍ فى منطقة الحدود الشرقية، فلما كان شهر جمادى الآخرة من سنة ٣٣٠ هـ (= مارس ٩٤٢ م) وقد اختير أخوه فضل اللَّه المتوفى ٣٣٥ هـ (= ٩٤٧ م) الذى صحبه إلى الشرق قاضيا لفحص البلوط أصبح المنذر نفسه قاضيًا لجميع مناطق الحدود وصار له الإشراف الكلى على جميع القضاة وحياة الضرائب الداخلين فى نطاق منطقة نفوذه

стр. 9548

الإدارى، كما عهد إليه بمراقبة الرحالة الوافدين من الخارج، ينفرد ابن خلدون فى مقدمته من بين جميع المؤلفين فيذكره بأنه القاضى الذى أصبحت له قيادة الجيوش التى كانت تخرج كل سنة لقتال النصارى، وليس من المعروف متى كان تاريخ انتقاله ليكون قاضى مدينة الزهراء، ولكن من المعروف أنه كان يشغل هذا المنصب فى سنة ٣٣٨ هـ (= ٩٤٩ م) حين حدثت حادثة يعتبرها مترجموه ذات خطورة عظمى ويعلقون عليها أهمية كبرى، فلقد كان حاضرا مجلس بلاط الخليفة الناصر عبد الرحمن أثناء استقباله لسفير الإمبراطور قسطنطين السابع، وفى أثناء هذا الاستقبال الذين كان من المفروض أن يلقى فيه أبو على القالى كلمة فى مديح الخليفة يؤكد فيها على رخاء البلاد تحت حكمه، وكان الحكم ولى العهد قد جاء بالقالى من بغداد وبسط عليه رعايته، فلما شرع أبو على فى الكلام ارتج عليه من الرهبة فلم يستطع أن ينطق بكلمة واحدة، وحينذاك ارتجل المنذر بن سعيد خطبة عصماء حفظها لنا الكثيرون ممن ترجموا له ونقلها عنهم غيرهم ومن بينهم ابن خاقان فى كتابه المطمح وياقوت فى معجم أدبائه، ولقد أكسبه هذا الحادث العارض تقدير عبد الرحمن الثالث الناصر الذى أحسّ إذ ذاك بوجوده لأول مرة ومن ثم اختاره فى السنة التالية فجعله "قاضى الجماعة" وكان معنى ذلك أنه صار أكبر قاضٍ فى المجتمع الإسلامى للإشراف على سير العدالة كما يقول ليفى بروفنسال فى تاريخه عن اسبانيا المسلمة، وعلى الرغم من محاولات المنذر المتكررة للاستقالة وترك منصب قاضى الجماعة إلا أن الحكم الثانى أصر على ابقائه فى هذا المنصب حتى وافاه أجله يوم الثامن عشر من ذى القعدة سنة ٣٥٥ هـ = ١٥ نوفمبر ٩٦٦ م وليس الرابع من ربيع الأول ٣٤٩ هـ وهو فى السابعة والأربعين من عمره كما يقول السيوطى فى بغيته الذى يخطئ مرة أخرى فيجعل ولايته قضاء الجماعة لغرناطة لا لقرطبة). أما الحكم الثانى فقد ولى الخلافة من سنة ٣٥٠ هـ حتى ٣٦٦ هـ.

стр. 9549

لقد كانت صراحة المنذر بن سعيد أن تكلفة ضياع مكانته بل وهو أكثر منها، ويلفت مترجموه وكتاب سيرته الأنظار إلى خطبة جافة شديدة اللهجة لام فيها الحاكم لومًا عنيفًا إذ كان على وشك بناء مدينة الزهراء، ثم ما كان منه من نقد لاذع لبنائه مقصورة بالحجر المموق بالذهب والفضة، ورماه بأنه اسلم نفسه لغواية الشيطان فأضله حتى سلك مسلك الكافر، وعلى الرغم من هذا كله إلا أنه لم يصب بأذى، ويرجع السبب فى ذلك إلى أن الخليفة الناصر عبد الرحمن كان يدرك تمام الإدراك مدى جدوى معاونته، ويقول من كتبوا سيرته ومعاصروه إنه كان شديدا كل الشدة ولكن على من يمثلون أمامه للمحاكمة، وكان يعاملهم جميعا على قدم المساواة دون اعتبار للطبقة الاجتماعية التى ينتمون إليها، وقد لاحظ مترجموه فى دهشة أن سلوكه الجاف وتصرفه الكريم لم يمنعاه من أن يكون فكها مع اصدقائه كثير الدعابة معهم وينقلون عنه بعض ملحة ونكاته التى كثيرا ما أضحت أهل قرطبة وسرّتهم. ويفيد نص بوفنسال أول ممثل فى الأندلس لمذهب أهل الظاهر الذى أدخله إلى الأندلس بعد أن تتلمذ فيه ليس على يد داود ابن خلف وحده، بل درسه أيضا على يد أحد تلاميذه (راجع مقال بيلات عن ترجمة ابن حزم فى مجلة الأندلس ١٩٥٤ م)، ولقد استطاع المنذر بن سعيد أن يمارس "الاجتهاد" فى نفس الوقت الذى كان فيه ملتزما كل الالتزام بالمذهب المالكى واحترامه، وحين يتكلم عنه ابن العمار الحنبلى فى كتابه شذرات الذهب (٣/ ١٧) نراه يعترف باستقامة رأيه وألمعيته وفصاحته ولا ينتقده أكثر مما تجرى أقلام غيره من كتاب التراجم عمن يترجمون لهم. لكن على الرغم من كل ما ذكرناه فلم يبق لدينا شئ من مؤلفاته وهى الناسخ والمنسوخ، الإنباه على استنباط الأحكام من كتاب اللَّه، وكتاب الإبانة عن حقائق أصول الديانة، وإن بقيت بعض أبيات من الشعر تنسب إليه ولا سيما فيما يتعلق بالزهد وترد الإشارة أيضا إلى تبادل الرسائل الشعرية بينه

стр. 9550

وبين أبى على القالى فى موضوع كتاب أراد استعارته منه، على أن ينبغى أن نشير إلى أن هذا الإنتاج الأدبى قد خفى فى بادئ الأمر عن ياقوت فخلا منه معجم أدبائه حين ترجم فى الجزء الخامس منه. كان للمنذر بن سعيد عدة أبناء منهم واحد أسمه الحكم، واثنان غيره دانا بأفكار الفيلسوف ابن مرّه، أمّا رابعهم واسمه عبد الملك الذى عرف "بصاحب الرد" أو بمعنى آخر القاضى المعين للنظر فى الأمور التى تعتبر شديدة الحساسية ولا يستطيع تناولها غيره من القضاة، وقد اتهم عبد الملك هذا بالتورط فى المؤامرة التى استهدفت الاطاحة بهشام الثانى، وأدين وحكم عليه بالإعدام فأعدم شنقا وذلك سنة ٣٦٨ هـ (= ٨٧٩ م) بأمر المنصور بن أبى عامر. المصادر: انظر فى هذا على وجه الخصوص تاريخ مسلمى اسبانيا (بالفرنسية) لليفى بروفنسال وتاريخ علماء الأندلس لابن الفرضى والمقتبس لابن حيان ومطمح الأنفس لابن خاقان وقضاة قرطبة للخشنى وجذوة المقتبس للحميدى وبغية الملتمس للضبى وتاريخ قضاة الأندلس والمعجب للمراكشى والطبقات للزبيدى ومعجم الأدباء لياقوت وأم لابن الخطيب ونفح الطيب للمقرى وأزهار الرياض له أيضًا ومرآة الحماية لليافعى ودائرة المعارف للبستانى مروان حسين حبشى [ش. بيلات Sh.Pellat] المنذر بن محمد المنذر بن محمد، أبو الحكم (٢٢٩ - ٢٧٦ هـ = ٨٤٤ - ٨٨٨ م) سادس أمراء قرطبة الأمويين، وكان ابن جارية من جوارى محمد بن عبد الرحمن الثانى (المتوفى سنة ٢٧٣ = ٨٧٦ م). ولقد شغل فى حياة أبيه بعض الوظائف الحربية فى ظروف مختلفة، ولم يكن فى بعضها موفقا ولم تكن لتخرج عن ناحية تشريفية، وكان أول خروج له سنة ٢٤٢ هـ (= ٨٥٦ م) حين مضى لحصار طليطلة التى كانت قد اعنت الثورة من قبل لكنه لم يصادف

стр. 9551

من النجاح ما كان منتظرًا، على أنه اتيح له فى السنوات التالية أن يخرج على رأس بعض الطوائف ضد المسحيين ثم زحف فى سنة ٢٦٣ هـ (٨٧٧ م) على ماردة لمحاربة صاحب بطليموس Badoyoz عبد الرحمن بن مروان الجليقى وما انقضت خمس سنوات بعد ذلك حتى خرج سنة ٢٦٨ هـ (= ٨٨٢ م) فحاصر سرقسطة saragassa واستولى على بعض الأماكن قبل أن يرتد فيقابل ابن مروان ويخرجه من بطليموس وجرى فى هذا الوقت بالذات أن استسلم عمر بن حفصون المتمرد المعروف لمحمد الأول ولكن استسلامه كان ظاهريا إذ ما لبث أن انشق السيف مرة ثانية وأصبح لزامًا على المنذر بن محمد قتاله سنة ٢٧٣ هـ (= ٨٨٦ م) فقام ابن الأمير وطوّق الحامية وحاصرها وردّ هجوما قام به المتمردون على غرّة، إلا أنه أضاع الفرصة من يده حين أمعن فى التقدم أكثر مما وصل إليه وما كان ذلك التوقف من جانبه إلّا حين سمع بموت أبيه، ومن ثم عاد إلى قرطبة ونودى به حاكما وذلك يوم الثالث من ربيع الأول سنة ٢٧٣ هـ (= ٩ أغسطس ٨٨٦ م) فى ظروف اعاد روايتها ابن الآبار بطريقة مأساوية فى الفصل الذى أفرده لوزير محمد الأول وقائده هشام بن عبد العزيز الذى لم يستطع إلّا بعد صعوبة أن يقرأ على الناس كتاب الولاية بالحكم، فلما ولى المنذر الأمور استبقى وزيرى أبيه تماما بن عامر الثقفى وأبا مروان عبد الملك بن جوهر وعين هشامًا حاجبًا وإن لم تطل علاقاته الودية بالأخير إذ سرعان ما استجاب لالحاح ابن جوهر عليه فقبض على هشام وأعدمه وصادر ممتلكات أسرته وفرض عليهم غرامة ثقيلة جباها منهم. إذا كان عهد المنذر بن سعيد قد اتسم بالقصر فقد امضاه فى محاربة ابن حفصون الذى اغتنم فرصة موت محمد الأول ليتابع حركاته وعماله ولكن الأمير الجدب ظل يتابعه بالحرب حتى أنه خرج بنفسه على رأس عسكره فى سنة ٢٧٤ هـ (= ٨٨٨ م) لقتاله وكان يهدف من حملته هذه إلى ضرب معاقل المتمرد فى

стр. 9552

يوبشترو"، فبدأ أولا بمحاصرة "شذوتة" ونجح فى القبض على نائب ابن حفصون وسمره إلى صليب ثم القى القبض على الثوار وأرسلهم إلى قرطبة ليسحروا بها، ثم التقت بعدئذ إلى "بوشترو" والفخر فى لحة مفاوضات عقيمة ضارعة مع القائد الثائر الذى تظاهر بالخضوع للأمير وانضم إليه. وكتب له القاضى كتاب امان حتى أن المنذر بعث إلى "بوشترو" بمائة وخمسين نبلًا لحمل كل متاع ابن حفصون والقدوم بها إلى قرطبة، إلّا أن الأخير فرّ وتصيد القافلة واستولى عليها، وحينذاك عزم المنذر بن محمد عزما أكيدا على مهاجمة بوشترو رأسًا ولكنه مرض مرضا ألزمه أن يستدعى أخاه عبد اللَّه ويهد إليه بقيادة العمليات الحربية ومحاصرة ذلك الموقع قبل أن يموت يوم ١٥ صفر ٢٧٥ هـ = ٢٩ يونيو ٨٨٨ م، واتهم الناس أخاه عبد اللَّه بأنه دس له السم، وتريث عبد اللَّه ثلاثة أيام أعلن بعدها وفاة اخيه المنذر وعاد بجثمانه إلى قرطبة، واستأذن من عمر بن حفصون فى الوقت ذاته أن يؤمن طريق موكب الجنازة. ولقد اشتهر المنذر بن محمد بالذكاء والجود ما يتعارض معارضة كبيرة مع ما أخذه من القسوة البالغة فى ظروف كثيرة، ومناسبات متعددة، ويقال أنه كان صديقا الشيوخ الدينيين وكبار رجال الأدب. لعل أهم المصادر التى تناولت المنذر بن محمد كتاب Leir proveucol Hist. Eopm us الذى استفاد كثيرا من المصادر العربية ومن أهمها كتاب افتتاح الأندلس لابن القوطية الذى ترجمه فانيان ونشره وسماه Extraits inedils relotif au maghreb ونشرها بالقاهرة حين يؤنس والجزء الثانى من البيان المغرب لابن عذارى. بدرية الدخاخنى [ش. بيلات Ch.Pellat] منزل منزل: جمعها منازل، وهى اسم مكان وزمان من الجذر "ن ز ل" التى تعبر عن فكرة الاستراتيجية أو المكث المؤقت أثناء الرحلة. ١ - فى وسط وغرب البلاد الإسلامية.

стр. 9553

فى القرآن الكريم جاءت الكلمة فى صيغة الجمع فقط لتدل على منازل القمر كما هى فى سورة يونس آية ٥ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ وقد يكون فى المنزل مرحلة فى رحلة الروح الغيبية كما جاء فى "كتاب منازل السائلين" لعبد اللَّه الأنصارى الهروى. ووفقا لما جاء فى لسان العرب لابن منظور فإن المنزل هو المكان الذى يأوى إليه الإنسان (موضع النزول) حيث يهبط المسافر بعد مسيرة يوم ("مرحلة" وجمعها "مراحل") من ٥ إلى ٦ فراسخ (أى من ٣٥ إلى ٤٨ كم). وهى مرحلة فى الصحراء قد تصل ٦٠ كم فى زمن قدره ١١ ساعة. وعند تشييد المنازل على الطرق، يؤخذ فى الاعتبار تضاريس وفواصل المسافة بين المنازل، ووجود مورد ماء كنبع أو بئر أو "بركة" ووجود الكلأ (مرعى) للأنعام ووجود مكان يعسكر فيه الرجال وفى ألف ليلة وليلة ما يفيد أن منازل القبائل هى المكان الذى يقام فيه الخيام، وعمومًا فإن هذا المصطلح (منزل) يرادف مخيم العرب البدو الذى تنزل فيه القوافل وفى الكتابات الجغرافية وكتب الرحالة فى العصور الوسطى الإسلامية استخدام هذا المصطلح ليعنى موضع القوافل قريبًا من بعض المقيمين أو معهم على جانب الخان على طول الطريق وكان يراعى فى المنزل أن يكون فى موضع آمن وفى مقتبل القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى بنى الملك المعظم الأيوبى مكانًا للإقامة (مقام) عند كل منزل على طريق الحج (درب الحجيج) وفقًا لما فى كتاب القلائد لأحمد بن طولون. وأشار ابن بطوطة إلى فندق عند كل موقف (منزل) على طول طريق القاهرة دمشق، وقد تكون هذه من تأسيس ناصر الدين الذى كان (دوادار) لتنكيو Tankizs وفى العصر المملوكى، كان هناك مكان للمأوى يقال له (منزلة)، عند كل (منزل) من منازل شبكة بريد وقد يحدث أن يكون المنزل أصل قرية، كما فى خان شيخون فى وسط الشام.

стр. 9554

و"منزل" اذن يكافئ "دار المنزلة" وهو مكان يأوى إليه الشخص وحيثما تكون الضيافة للمسافرين وعلى طول الطريق الذى يستخدمه الحجيج إلى الجزيرة العربية كان المنزل غالبًا مكانًا للتعبد مع "وقف". وفى نهاية العصر المملوكى عند مراحل معينة كانت هناك قوافل مزودة بمطابخ وملحقات بيطرية لإقامة الكتائب الحربية. وفى العصر العثمانى بنى لالا مصطفى باشا حاكم دمشق عام ٩٧١ هـ/ ١٥٦٢ م خانا وصار المنزل بهذه الطريقة فندقًا للمسافرين بدون أمتعة أو بضائع. وقرر الخيرى (المتوفى ١٠٨٣ هـ/ ١٦٧٢ م) الذى سافر عام ١٠٨٠/ ١٦٦٩ م من المدينة المنورة إلى اسطنبول أنه كانت هناك "مرحلة" من "القنيطرة" فى "الجولان" ومنزل يستطيع الفرد أن يمكث فى خيام فى الصيف ولكنه يسكن داخل الخان فى الشتاء. وقد عانت مرحلة مدائن صالح سنة ١٠٨١ هـ/ ١٦٧١ م أحد مراكز تجمع الحجاج على طريق الحج إلى جنوب تبوك، من هجمات البدو الشرسة وقد تسببت مثل هذه الهجمات المتكررة على هذه المنازل فى منتصف القرن الثانى عشر الهجرى/ الثامن عشر الميلادى أن يقيم أسعد باشا حصنا لحماية قوافل الحج، وفى نهاية العصر العثمانى كان هناك نوعان من المضافات هما: المضافة وكانت عامة المنزل وكان خاصًا. ففى الأولى يقدم المأوى والمأكل للمسافرين على نفقة الأعيان بالتناوب وفى الثانى يقدم أصحابها استضافة متشابهة فى بيوت ويستخدمها المسافرون باستمرار نظير أجور مخفضة. والمنزل فى وقتنا هذا يعنى مأوى أو منزلًا أو حتى شقة. وقد يصاحبها أحيانًا مصطلح يعين وظيفته بالضبط مثل "منزل الطالبات" الذى أشرفت عليه فوزية مهران فى القاهرة عام ١٩٦١ م. المصادر: (١) أحمد بن طولون: القلائد الجوهرية. دمشق ١٩٤٩. (٢) الهروى: كتاب الزيارات تحقيق، ١٩٥٧.

стр. 9555

(٣) رحلة ابن بطوطة: كامبردج، ١٩٥٧. (٤) محمد بن هندوشة نخشانى: دستور الكاتب فى تعلية المراتب، تحقيق على زادة، موسكو، ١٩٦٤ - ١٩٧٦. (٥) ابن فضل اللَّه العمرى: مسالك الأبصار فى ممالك الأمصار، ١٩٥٨. (٦) محمد بن منصور مبارك شاه وفخرى مدبر: أدب والحرب الشجاعة. طهران، ١٩٤٦ - ١٩٦٧. د. محمد أحمد سليمان [ب. أندروز P.A.Andrews] منزلة بين المنزلتين منزلة بين المنزلتين: مصطلح دينى استعمله واصل بن عطاء وغيره من المعتزلة، للدلالة على درجة الخلاص للآثم القاتل (الفاسق) المسلم. وقد اعتمدت كلمة منزلة وحدها فى المعنى الأصطلاحى "درجة الخلاص" فى "الحديث"، كما جاء فى كنز العمال للمتقى الهندى، وفى كتاب "العالم والمتعلم" الذى من المحتمل أن يكون قد كتبه تلميذ أبى حنيفة أبو مقاتل حفص ابن سالم السمرقندى فى النصف الثانى من القرن الثانى للهجرة. ما يفيد استمرار استخدام المصطلح بعد ذلك. وهناك قصة تدور بين المُرْجئة فى الكوفة حيث سأل نافع بن الأزرق شخصا "أين تُنزُل الكافرين بعد ذلك؟ " وكانت الإجابة "فى الجحيم"، والمثنّى "المنزلتان" تستخدم للجنة وللنار، كما جاء فى الحديث الذى رواه ابن حنبل. وفكرة منزلة بين المنزلتين وردت فى قول للزاهد البصرى يزيد الرقاشى (توفى بين ١١٠ و ١٢٠ هـ/ ٧٢٩ و ٧٣٨ م) الرقاشى "ليس بين الجنة والنار منزلة، ولكن واصل ابن عطاء ومن تبعه يقولون بالمنزلة بين المنزلتين فهو القائل: "أنا لأقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقا، ولا كافر مطلقا، بل هو فى منزلة بين المنزلتين: لا مؤمن ولا كافر. . إن الإيمان عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمى المرء مؤمنا وهو اسم مدح، والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا أستحق اسم

стр. 9556

المدح، فلا يسمى مؤمنا وليس هو بكافر مطلقا أيضا لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة، فهو من أهل النار خالد فيها إذ ليس فى الآخرة إلا فريقان: فريق فى الجنة وفريق فى السعير ولكنه يخفف عنه العذاب وتكون منزلته فوق منزلة الكفار المصادر: (١) Madelung: Der Imam al - Qeasim ibn Ibrahim and die Glaubenslehre der Zai diten, Berlin ١٩٦٥ (٢) W. M. Walt: The formative Period of Islamic thought, Edinburgh ١٩٧٣ (٣) J. Van Ess: in REL, xlvii, ١٩٧٩ (٤) M. Cook: Early Muslim dogma, Cambridge ١٩٨١ د. محمد أحمد سليمان [فان. س J.Van Ess] المنصور باللَّه القاسم بن على العيانى (المتوفى فى عام ٣٩٣ هـ/ ١٠٠٣ م) وهو إمام زيدى يمنى، ومن سلالة "القاسم بن إبراهيم" وليس من سلالة حفيده "الهادى إلى الحق" مؤسس الأمانة الزيدية فى اليمن. وأكثر الاحتمالات أنه ولد فيما بين ٣٣٠ و ٣٤٠ هـ (٩٤١ - ٩٥١ م) وكان قبل أن يصل إلى اليمن يعيش فى "ترج" جنوب "مزارا" فى بلاد "خثعم" وكان بيته مزارا للزيديين من اليمن يحرضونه على الثورة. . وفى عام ٣٨٣ هـ/ ٩٣٣ م ثار فى الحجاز مطالبا بالإمامة ولكن سرعان ما أخمدها امير مكة عيسى بن جعفر الحسى، الذى وصل مع الثائر المتمرد إلى القاهرة فى المحرم ٣٨٤ هـ/ مارس - فبراير ٩٩٤ م - وقد أحسن الخليفة الفاطمى العزيز معاملته، وبعد عدة شهور سمح له بالعودة إلى الحجاز مع الأمير (المقريزى - اتعاظ الحنفاء) وفى أول غزوة له على اليمن فيما بين ٣٨٧ -

стр. 9557

٢٨٨ هـ/ ٩٩٧ - ٩٩٨ م تقريبًا، احتل صعده، معقل سلالة "الهادى" وأخضع نجران وأراضى "خولان" و"وداعة" و"بكبل" لنفوذه ومع ذلك تصدعت "حكومته" بسرعة بعد رحيله إلى "ترج". . وفى المحرم ٣٨٩ هـ/ يناير ٩٩٩ م، عاد بشكل دائم إلى اليمن. وفى العامين التاليين استطاع أن يبسط سيطرته على كثير من نجاد اليمن. وفى أوج سلطته امتد حكمه من بلاد خثعم إلى صنعاء، و"دمار"، كما شمل أراضى "خولان العالية" وعنس و"الهاف". وحمير ولم يكن لمملكته منفذ إلى البحر، وتقوضت آماله فى أن يسيطر على ميناء "عثار" على البحر الأحمر - سواء بالطرق الدبلوماسية أو العسكرية، وكان يحكم هذا الميناء اثنان من الأمراء المماليك من المحتمل أن يكونا من الزيديين. . ولكى يقيم فى اليمن فضل مدينة "عليان" على بعد رحلة يومين جنوب شرقى صعده، فى أراضى بنى سلمان، الذين كانوا من بين أخلص مؤيديه. كما امتلك مزرعة فى وادى "ماداب" بين "عليان" و"صعده" وشيد قلعة هناك. وفى صعده استعماد القلعة المتهدمة للامام أحمد الناصر، ابن الهادى، والتى تقع خارج المدينة واستعملها لنفسه. ومع ذلك فقد كان موقفه فى العاصمة القديمة للدولة الزيدية مزعزعًا، إذ كانت قبائل الحيرة والسكان فى معظمهم يخلصون لسلالة "الهادى" والذين كان ولاؤهم لإمامته متقلبًا -وبعد فشله فى حملتين متتابعتين فى إخضاع بنى الحارث المتمردين فى نجران، ظهرت على السطح بشكل سافر المعارضة الخفية التى كان يتزعمها "إبراهيم المالح بن محمد بن المختار بن أحمد الناصر"، و"يوسف بن يحيى بن أحمد الناصر"، وقد طالب هذا الأخير بالامامة قبل وصول المنصور واتخذ اسم "الداعى إلى الحق"، وقد تخلى عن مطلبه تحت التهديد. وضاعت قضية المنصور عندما انقلب عليه حاكم "دمار التابع له القاسم ابن حسين الزيدى، وألقى القبض على ابنه جعفر وكان ذلك فى ذى الحجة ٣٩١ هـ/ اكتوبر ١٠٠١ م. . وعندما أفرج الزيدى عن ابنه طواعية وافق على

стр. 9558

اتفاقية سلام فى صفر ٣٩٢ هـ/ يناير ١٠٠٢ م. وقد رفض عرض "الزيدى" بأن يحتفظ بحكم "بكيل" و"داعة" بسبب انتقاد التأييد الذى تلقاه منهم وانسحب إلى حياته الخاصة فى مذاب و"عليان". وأيد الزيدى إمامه "يوسف الداعى" الذى اعترف به الكثيرون. ولأن كثيرين طعنوا فى إمامة المنصور، فقد كتب يرد على نقاده فى مؤلف تحت عنوان "على الرافضة" وبعد مرض خطير مات فى التاسع من رمضان ٣٩٣ هـ/ ١١ يولية ١٠٠٣ م فى عليان. . ولم يتعرض ضريحه لأى أذى عندما أقدم الإمام المنصور القاسم بن محمد فى ذى القعدة ١٠٢١ هـ/ نوفمبر ١٦١٧ م بتدمير المدينة تماما. . وبعد ذلك اعترف به الزيديون إماما يتمتع بكل مؤهلات الإمامة، ولا شك أن ذلك بسبب علمه -كما أنكروا الامامة على منافسه يوسف الداعى. وكان يتبع فى تعاليمه مذهب "القاسم بن إبراهيم" و"الهادى"، بالرغم من أن بعض الأتباع المتشددين لمذهب الهادى مثل الفقيه عبد الملك بن غطريف، كانوا يتهمونه بالانحراف، ويثيرون المعارضة ضده. أما كتاباته فلم يبق منها إلا مقتطفات من "كتاب التفريع" وهو مجموعة من الآراء الفقهية بالإضافة إلى بعض الخطابات وبعض القصائد الشعرية. المصادر: (١) الحسينى أحمد بن يعقوب الهمزانى: سيرة الإمام المنصور باللَّه القاسم بن على. (٢) يحيى بن الحسين: غايات الأمانى (حققه س. ع عاشور، م. م زيادة - القاهرة ١٩٦٨ م). (٣) ابن الديبع: قرة العيون (حققه محمد الأكوع الخولى - القاهرة). بهجت عبد الفتاح عبده [و. ماديلونج W. Madelung] المنصور باللَّه القاسم بن محمد إمام ومؤسس الدولة القاسمية للأئمة الزيديين، والتى حكمت معظم اليمن منذ أوائل القرن الحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى، حتى قيام الجمهورية ١٩٦٢ م. وقد

стр. 9559

انحدر من الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسى" (المتوفى عام ٢٩٨ هـ/ ٩١١ م) الذى وطد السلطة الزمنية للإمامة الزيدية فى اليمن. ومما يذكره له التاريخ أنه بدأ الثورة -التى طالت بشكل متقطع- ضد الحكم العثمانى فى اليمن، هذا الحكم الذى استمر منذ ٩٤٥ هـ/ ١٥٣٨ - ١٥٣٩ م وانتهى فى عام ١٠٤٥ هـ/ ١٦٤٥ م بطرد آخر الاتراك من اليمن على يد ابن القاسم وهو الإمام المؤيد باللَّه محمد. وقد ولد القاسم فى صفر ٩٦٧ هـ/ نوفمبر ١٥٥٩ م، فى إقليم الشرف، الزيدى الذى يقع فى الشمال الغربى من البلاد. . استطاع لبعض الوقت أن يمنع أى مطالب بالإمامة، وفى أواخر محرم أو أوائل صفر عام ١٠٠٦ هـ/ سبتمبر ١٥٩٧ طالب بالإمامة من حديد (أو جديد)، "جوجور" الشمالى -وقد اقترن هذا الاعلان بمناشدة كل اليمنيين بالثورة على الاتراك العثمانيين. وبدأت الثورة متواضعة من مركز الزيدين شمال غرب صنعاء وانتشرت بسرعة جنوبا حتى مناطق الحيمة alHayma وسنحان sanhan و"أنيس" إذ اشتركت فيها القيادات المحلية بسبب ظلم الاتراك وليس ولاء للإمام الجديد -وبعد عام تقريبًا استطاع الاتراك وحلفاؤهم المحليون بقيادة كتخدا "سنان"، أن تقلب الموائد على القاسم وحاصروه خمسة عشر شهرا قبل أن يهرب إلى "بارات" فى أقصى الشمال تاركا ولده الأكبر محمد ليستسلم ويدخل سجن العثمانيين فى "كوكبان" (محرم ١٠١١ هـ/ يونيه - يوليه ١٦٠٢ م) وعندما اهتز التأييد المحلى للعثمانيين بسبب الحكم المستبد سنان باشا (١٠١٣ - ١٠١٦ هـ/ ١٦٠٤ - ١٦٠٨ م) استأنف القاسم الهجوم وأعاد احتلال الكثير من الأماكن واستقرت الأمور لفترة بعد ١١ ذى الحجة ١٠١٦ هـ/ ٢٨ مارس ١٦٠٨ م عندما طلب جعفر باشا، الذى خلف سنان باشا من القاسم إتفاقية سلام لمدة عشر سنوات وقد وافق القاسم، اعترف فيها العثمانيون بسيطرته على مناطق كثيرة

стр. 9560

فى شمال اليمن بالإضافة إلى التعهد بالافراج عن ابنه محمد. ولكن الاضطرابات الخطيرة فى صفوف العثمانيين (١٠٢٢ هـ - ١٦١٣ م) دفعت القاسم لخرق المعاهدة واستئناف الهجوم ولكن جعفر باشا استطاع أن يحصل من القاسم على هدنة لمدة سنة اعترف فيها كل جانب بمكاسب الآخر (الأول من رجب ١٠٢٥ هـ/ ١٥ يوليه ١٦١٦ م). وفى جمادى الأولى ١٠٢٨ هـ/ ابريل - مايو ١٦١٩ م اتفق الاتراك مع القاسم على فترة سلام لمدة عشر سنوات أخرى يعترف فيها كل طرف بممتلكات الآخر مع الافراج عن الأسرى فيما عدا الحسن بن القاسم. وعندما مات الإمام القاسم فى منتصف ربيع الأول ١٠٢٩ هـ/ فبراير ١٦٢٠ م، كان يسيطر على أجزاء كثيرة جدا فى كل اتجاه من صنعاء. وعاش بعده خمسة من أبنائه على الأقل. . كان اثنان منهم من الأئمة وهما "المؤيد باللَّه محمد" (١٠٢٩ - ١٠٥٤ هـ/ ١٦٢٠ - ١٦٤٤ م) والمتوكل على اللَّه اسماعيل (١٠٥٤ - ١٠٨٧ هـ/ ١٦٤٤ - ١٦٧٦ م) وفى عهد القاسم حصلت السفن الإنجليزية والهولندية على امتيازات تجارية محدودة فى اليمن، بالرغم من أن المفاوضات كانت تجرى مع العثمانيين وليس مع المسئولين فى الإمامة. المصادر: (١) أهم مصدر عن حياته هو سيرة حياته بقلم أحمد بن محمد الشرقى (المتوفى عام ١٠٥٥ هـ/ ١٦٤٥ - ١٦٤٦ م) وكان من أوائل مؤيدى الإمام. (٢) الشوكانى: البدر الطالع (القاهرة ١٣٤٥ هـ/ ١٩٢٩ م). (٣) الجورافى: المقتطف من تاريخ اليمن (القاهرة ١٩٥١ م). (٤) مصطفى سالم: الفتح العثمانى (القاهرة ١٩٦٩ م). بهجت عبد الفتاح عبده [ح. ر. بلاكبيرن J.R.Blackburn] منصور النمرى شاعر عربى فى القرن الثانى الهجرى، الثامن الميلادى. . هو أبو الفضل، وأبو القاسم منصور (بن سلامة) بن الزبرقان النمرى، من نمير ابن قاسط وهى واحدة من قبائل "ربيعة بن نزار" -وقد ولد فى رأس العين فى
следующие страницы →