الحظ أنه كان موفقاً فى مصدريه: المصدر المخطوط والمصدر المروى.
ولكن ظهرت فى الوقت نفسه مخطوطات أخرى تتصل بالليالى عن قرب أو بعد، وقد ترجم منها ونشر عدة ملحقات لترجمة كلاّن. وكما أن مخطوطات الليالى نفسها قد عظم بينها الاختلاف فيما اشتملت عليه من الحكايات، كذلك كارْ النقلة على استعداد لإدماج أية حكاية عربية فى كتاب ألف ليلة وليلة. وقد أصبح الموضوع كله -لعدم وجود أصل ثابت ومتن معتمد- يحيط به الشك والزيف. والملحقات الآتية -التى نشرت أحياناً على انفراد وأحيانا متصلة بطبعات كلاّن- لها شأن فى ذاتها، وباعتبار أنها تمثل اهتمام ذلك العصر بهذا الكتاب. وإذا أردت زيادة فى البيان فارجع إلى شوفان (المصدر المذكور، جـ ٤ ن ص ٨٢ - ١٢٠).
ففى سنة ١٧٨٨ م ظهرت سلسلة من الحكايات العربية ملحقة بكتاب - Cab inet des Fees، ص ٣٨ - ٤١ نقلها إلى الفرنسية دنيس شافيس Denis Chavis . وهو كاهن سورى جاء به من رومة إلى باريس البارون ده بريتاى de Baron Breteuil بناء على تكليف الحكومة الفرنسية، وصقل كازوت Cazontte ترجمته الفرنسية.
وكان الفضل لشافيس هذا فى حصولنا أيضا على مخطوطين لحكاية علاء الدين. وبفضل اهتمام الناس فى ذلك الوقت بموضوع الليالى كله ظهرت ما بين ١٧٩٢ م وسنة ١٧٩٤ م ثلاث ترجمات إنكليزية لهذا الملحق الذى ترجمه شافيس وصقله كازوت.
وفى سنة ١٧٩٥ م نشر وليام بيلو William Beloe فى الجزء الثالث من كتابه Miscellanies بعض الحكايات العربية التى حكى له ترجمتها ياترك رسل Patrick Russell مؤلف كتاب The Natural history of Aleppo الذى نشر عام ١٧٩٤ م.
وفى سنة ١٨٠٠ م ترجم جوناثان سكوت Jonathan Scott فى كتابه، Tales necdotes and Letters بعض الحكايات عن مخطوط لكتاب ألف ليلة جاء به من الهند جيمس أندرسون James Anderson.
стр. 947
وكان وليام أوزلى William Ousley قد نشر شواهد كثيرة من هذا المخطوط بين سنة ١٧٩٧ م وسنة ١٧٩٨ م فى كتابه Oriental Collections . وفى سنة ١٨١١ م نشر ترجمة إنكليزية لكتاب كلاّن وأضاف إليها مجلداً ثالثاً يشتمل على حكايات جديدة أخذها عن مخطوط
Wortley Montague.
وكان كوسان ده يرسيفال Caussin de Prerceval قد أضاف سنة ١٨٠٦ م جزأين من ملحقه وهما المجلدان الثامن والتاسع إلى الطبعة التى أصدرها لكتاب كلاّن، وفى هذين المجلدين نشر ترجمة أدق للمخطوط الذى اشتمل على الحكايات التى ترجمها شافيس وصقلها كازوت Cazotte .
أما إدوار كوتييه Edouard Gauttier فقد ذهب أبعد من هذا فى الطبعة المعتمدة التى أصدرها لكتاب كلاّن بين سنة ١٨٢٢ م وسنة م، فإنه -إلى جانب المجلدين السادس والسابع اللذين اشتملا على حكايات جديدة أخذت من مصادر جمة- أطلق يده فى كتاب كلاّن وأضاف إليه حكايات أخرى.
أما الملحق الذى أصدره فون هامر Von Hammer فقد امتاز بأسانيد أمكن، كما امتاز بدقة التحرى فى اختيار الحكايات. حصل فون هامر فى مصر على مخطوط لمتن الكتاب عرف باسم "نص زوتنبرغ"، وقد أصبح هذا النص -بفضل طبعه عدة مرات- النص المعتبر لكتاب ألف ليلة وليلة. وترجم فون هامر من هذا النص إلى الفرنسية بعض الحكايات التى لم ترد فى كتاب كلاّن. ولكن هذه الترجمة الفرنسية ضاعت ولم يبق لنا منها إلا ما نقله عنها تسنسرلنك Zinserling إلى الألمانية وأصدره فى ثلاثة مجلدات عا ١٨٢٣ م، والترجمة الإنكليزية لكتاب تسنسرلنك التى قام بها لام Lamb وأصدرها فى ثلاثة مجلدات ١٨٢٦ م، ثم ترجمة فرنسية لهذا الكتاب أيضا قام بها تريبيتيان Trebutien وأصدرها فى ثلاثة مجلدات عام ١٨٢٨ م.
وفى عام ١٨٢٥ م أصدر هابشت Habicht فى بروسلاو كتاب ألف ليلة فى خمسة عشر مجلداً زاعماً أن كتابه ترجمة جديدة لليالى، ولكنه كان فى الواقع عبارة عن كتاب كلاّن مضافاً إلى
стр. 948
ملحقات كوسان Caussin وكوتييه - Gaut tier وسكوت Scott وخاتمة قيل إنها أخذت عن مخطوط تونسى.
وفى العام نفسه بدأ هابشت فى إصدار النص العربى الذى سنتبسط فى الحديث عنه. واعتمد فايل Weil على هذا النص، وبدأ يترجمه ترجمة جديدة صدرت فى أربعة مجلدات بين سنة ١٨٣٧ وسنة ١٨٤١. ولكن بطء هابشت فى إصدار النص العربى وما كان يلقاه من متاعب مع ناشر كتبه، كل ذلك دفع فايل Weil إلى أن يعتمد على كتاب كلاّن فى إتمام الترجمة التى كان يقوم بها، وأخذ فايل بعض الحكايات أيضاً من مخطوطات كوتا - Go tha، غير أنه لم يرض عن كتابه إلا عندما أصدره للمرة الثالثة بين سنة ١٨٦٦ وسنة ١٨٦٧ معتمداً على طبعة هابشت وطبعة بولاق.
وفى هذه الأثناء كان الجدل قد احتدم حول أصل كتاب ألف ليلة وليلة وتاريخه، وكان هذا الجدل يشوبه العنف فى بعض الأحيان.
كان فون شليكل W.Von Schlegel .A العالم فى اللغة السنسكريتية يقول إن كتاب ألف ليلة أصله هندى. ولا يذهب أحد الان هذا المذهب، لأنه قد تبين أن حكايات هذا الكتاب لها أصلان: أصل عربى وأصل فارسى. هذا إلى أنها تشتمل على موضوعات مأثورات شعبية شائعة بين الأمم. أما نواة الكتاب وحدها فقد ثبت أنها من أصل هندى قديم، أثبت ذلك كوسكان. Em Cosquin , فى (Revue Bibilque عدد يناير - أبريل سنة ٩١٩٠٩). ويرزيلسكى J.Przyluski فى (Journal Asiatque)، سنة
١٩٢٤، ص ١٠١ - ١٣٧).
وانتقلت هذه النواة إلى الأساطير الشعبية الفارسية، وتأثر بها كتاب إستر، وأصبحت نواة لكتاب الليالى الفارسية. وانتقلت هذه الحكاية فى صورة أخرى قائمة بذاتها إلى شمالى إفريقية وأصبحت أصلا لمجموعة من الحكايات العربية اسمها "مائة ليلة وليلة" (انظر G audefroy-Demombynes: Les Cent et une Nuits، طبعة باريس من غير تاريخ، ولها مقدمة قيمة فى فن القصة). وقد تبسطت فى الكلام على هذا الموضوع فى مقالى الذى نشر تحت
стр. 949
عنوان Earlier Hist. of the Arab. nights فى مجلة الجمعية الملكية الأسيوية Journal of the Royal Asiatic Society، عدد يولية سنة ١٩٤٢ م، ص ٣٥٥ وما بعدها.
ولكن النواحى الجوهرية فى هذه المناقشات الأولى حول ألف ليلة وليلة قد تناولها ده ساسى وفون هامر. أماده ساسى فلم يكن موفقا فى موقفه، فقد طغى عليه ما لاحظه على مخطوطات الكتاب من طابع مصر فى عصورها الوسطى حتى غاب عنه أن للكتاب تاريخا سابقاً طويلاً يرجع به إلى بلاد الفرس. ولهذا لم يأت ده ساسى فى الواقع بشئ جديد.
أما فون هامر فقد أخرج إلى النور أهم روايتين تتحدثان عن التاريخ القديم لكتاب ألف ليلة وليلة: مثل رواية المسعودى فى مروج الذهب (طبعة ياريس، جـ ٤، ص ٥٩ وما بعدها). ورواية الفهرست (طبعة فلوكل، ص ٣٠٤ ما بعدها). وقد تبسط شوفان Chauvin فى الكلام على الخلاف فى أصل الكتاب فى الجزء الرابع من كتابه، ص ١ وما بعدها.
وقد بدئ أيضاً فى طبع النص العربى فى أوربا وفى الشرق. فبينما كان وليم جونز William Jones فى أكسفورد حصل من صديق له من العلماء فى حلب على مخطوط غير كامل ضاع الآن، إلا أنه يشبه كل الشبه مخطوط كلّان. وقد طبع جون رتشادسون John Richardson أجزاء من هذا المخطوط فى كتابه "الأجرومية العربية" The Arabic Grammen الذى أصدره عام ١٧٦٧ م، ثم استخرج جوزيف هويت Joseph Whit صورة شمسية للمخطوط كله وطبع نموذجاً منه (Bible. Arabica: Schnurrer، ص ٤٨٧, رقم ٤٢٠).
وجاء باتريك رسل Patrick Russell من حلب بمخطوط آخر للكتاب فى مجلدين وهو غير كامل إلا أنه يشبه أيضا مخطوط كلّان ويكاد يساويه فى الحجم. والجزء الأول من هذا المخطوط محفوظ الآن فى مكتبه جون ريلانذز " John Rylands Liberary" وكتب باتريك رسل عن مكانة الليالى فى كتابه - Nat ural History of Aleppo، الذى أصدره عام ١٧٩٤,كما نشر خطاباً طويلا فى
стр. 950
مجلة جنتلمان Gentleman's Magazine، عدد فبراير سنة ١٧٩٩. يصف فيه مخطوطه، وكانت هذه المجلة حينذاك قد أخذت تنشر منذ عامين رسائل فى موضوع ألف ليلة وليلة".
والحديث عن مخطوط باتريك رسل يجرنا بطبيعة الحال إلى الكلام عن أول سعى لطبع الكتاب بنصه العربى. لأنه لاشك فى أن النسخة التى سميت "طبعة كلكتة الأولى" للمائتى ليلة (طبعة كلكتة فى مجلدين عام ١٨١٤ وعا م ١٨١٨، ثم أعيد طبعها على الحجر عام ١٨٢٩) ليس من شك فى أن هذه النسخة مأخوذة مع شئ كثير من التصرف من مخطوط باتريك. وقد تحدثت عن المشكلة البالغة التعقيد الخاصة بأصل هذه النسخة فى مقالى Classification of some MSS of the Arabian Nights الذى نشر فى كتاب E.G.Browne ص ٣٠٧, ٣١٣ وما بعدها.
وهناك جزء من طبعة كلكتة مأخوذ من كتاب لانجلس " L.Langel«الذى سما ٥ - Les Voyages des Sind-Badh le ma rin et la Ruse des Femmes وطبعه فى ياريس سنة ١٨١٣ ملحقاً بكتاب آجرومية اللغة العربية Grammaire de«"la langue Arabe الذى ألفه سافاري " Savary"، ثم طبعه مرة أخرى منفصلا
فى سنة ١٨١٤ م.
وترجم راسموسن J.L. Rasmussen طبعة كلكتة الأولى إلى اللغة الدنماركية، وأصدر ترجمته بكوبنهاغن فى أربعة مجلدات عام ١٨٢٤.
وثانية المحاولات لطبع النص العربى كانت على يد مكسمليان هابشت - Maxi milian Habichl . فقد أخرج فى برسلاو ثمانية مجلدات من كتاب ألف ليلة وليلة بين سنة ١٨٢٥ وسنة ١٨٣٨. ثم أصدر فليشر Fleischer المجلدات المجلدات الأربعة الباقية بين سنة ١٨٤٢ وسنة ١٨٤٣. ومن العسير أن نتلطف فى القول عند الكلام عن هذه الطبعة، فإن فليشر قد خلق عامدلم أسطورة أدبية، وأصاب بالاضطراب العظيم تاريخ كتاب ألف ليلة, ذلك أنه سجل على صفحة العنواق من كتابه أنه نقله عن مخطوط تونسى " - Nach einer Hands chrift aus Tunis، ولم يكن هذا صحيحاً،
стр. 951
فلم يكن يملك مخطوطاً تونسياً، وليس هناك أى دليل على أن تونس قد وجد بها حقا مخطوط لكتاب ألف ليلة.
ووقف هابشت على كثير من القصص العربى، جاءه من مصادر مختلفة، فنسج منه متناً جديداً لكتاب ألف ليلة، ناهجاً فى الكثير الطريق نفسه الذى نهجه فى الترجمة التى تحدثنا عنها من قبل. وخير ما نستطيع أن نقوله فيه هو أنه طبع مخطوطاته على أصلها دون أن يعنى بتصحيحها أية عناية، فجاء كتابه غثا بكل ما فى هذه الكلمة من معنى.
أما جل الطبعات الأخرى فقد أصلحها طائفة من الشيوخ وصححوا لغتها. وأهم الحكايات الواردة فى طبعة هابشت أخذت بطريقة غير مباشرة من مخطوط كلّان Galland، وقد تبسطت فى الكلام عن هذا فى مقالى الذى نشرته عن كتاب هابشت فى مجلة الجمعية الملكية الأسيوية، الصادرة فى يولية سنة ١٩٠٩ م، ص ,٦٨٥ - ٧٠٤. وفى مقالى " Classification" الذى أشرت إليه آنفاً.
أما جميع النصوص العربية الأخرى فقد أخذت عن النص المصرى الحديث جدا. والفضل فى تحقيق هذا يرجع إلى زوتنبرغ الذى وصل إلى هذا الرأى بعد دراسة جميع المخطوطات التى كانت موجودة واستطاع الحصول عليها وموازنتها بالمخطوط المصرى.
وهناك دليل آخر ظاهرى يؤيد هذا الرأى، ففى شهر يوليو سنة ١٨٠٧ كان سيتزن Seetzen فى القاهرة، وكتب فى يومياته (Reisen، جـ ٣، ص ١٨٨) يقول: إن أسلان Asselin كشف أن مخطوطات ألف ليلة وليلة المتداولة فى مصر قد جمعها واحد من الشيوخ. وأن هذا الشيخ توفى منذ ٢٦ عاماً. ولسوء الحظ ترك أسلان فى يومياته بياضا مكان اسم هذا الشيخ. ثم أضاف
إلى هذا أن المجموعة الأصلية التى وصلت إلى يد الشيخ كانت تشتمل على مائتى ليلة، وأنه جمع حكايات بقية الليالى من حكايات متفرقة معروفة، وذكر أسلان أنه اعتزم أن يكتب رسالة عن ذلك النص.
стр. 952
ولم يشر زوتنبرغ إلى ما كتبه سيتزن فى يومياته، ويظهر أن أسّلان لم يكتب مقاله أيضاً، ولكنا نجد فى هذه الراوية دليلا واضحا يؤيد الرأي الذى ذهب إليه زوتنبرغ، ذلك الرأى الذى أخذت تعززه المخطوطات المرة بعد الأخرى، وسنتحدث عن ذلك فيما بعد. وعلى هذا يمكننا أن نقول بثبوت النص المصرى الذى كشفه زوتنبرغ. أما الطريقة التى اتبعها ذلك الشيخ المجهول فى زيادة عدد الليالى واطالتها فقد تكلمت عنها فى مقالى Classification of " some MSS of the Arabian Nights . الذى أشرت إليه من قبل.
وأول طبعة للمخطوط المصرى هى الطبعة المعروفة باسم "طبعة بولاق الطبعة الأولي التى صدرت , ١٢٥١ هـ (١٨٣٥ م، أما طبعة بولاق الثانية فقد صدرت عام ١٢٧٩ هـ. وهاتان الطبعتان عينتا النص المعتبر الليالى، وصدر عنهما كثير من الطبعات الشرقية.
وأخرجت مطبعة الآباء اليسوعيين فى بيروت طبعة أخرى للكتاب معتمدة على أحد المخطوطات المصرية بعد أن هذبت عباراته، وأصدرته فى خمسة مجلدات بين سنة ١٨٨٨ وسنة ١٨٩٠, وأرسلت نسخة من المخطوط المصرى إلى الهند وطبعها مكناتن - W.H. Mac naght بكلكتة فى أربعة مجلدات بين سنة ١٨٣٩ وسنة ١٨٤٢. وتسمى هذه الطبعة عادة "طبعة كلكتة أو"طبعة كلكتة الكاملة". والمجلد الأول من هذه الطبعة عبارة عن المجلد الأول من طبعة كلكتة الأولى والنص الوارد فى طبعة برسلاو بعد أن زيد فيه. وقد أعيد طبع هذه النسخة على الحجر فى بومباى وصدرت فى أربعة مجلدات عام ١٢٩٧ هـ
وقد نقلت جميع الترجمات الأحدث من ذلك إلى اللغات الأوربية من النص المصرى الذى كشفه زوتنبرغ. وكذلك الجزء الذى ترجمه فون هامر إلى الفرنسية، والذى أسلفنا الكلام فيه، أخذ من نسخة من المخطوط المصرى الذى اشتراه فى مصر، وكان ذلك فى مستهل القرن التاسع عشر. وقد فصل فون هامر الكلام عن مخطوطه وغيره من المخطوطات فى مقدمته للترجمة
стр. 953
الألمانية التى قام بها تسنسرلنك وصدرت فى شتوتكارت وتوبنكن عام ١٨٢٣. ومن الواضح أن نسخاً كثيرة من المخطوط المصرى كانت تباع فى مصر فى ذلك الوقت.
ثم بدأت فى الظهور ترجمة إنكليزية تختلف عن هذه الترجمة كل الاختلاف. وكان قد قام بها هنرى تورنس Henry Torrens معتمداً على طبعة مكناتن. وظهر المجلد الأول فى كلكتة ولندن عا ١٨٣٨, أما مقدمته فقد كتبت فى سملا بالهملايا فى ٣١ يولية سنة ١٨٣٨، واشتمل هذا المجلد على الخمسين الليلة الأولى فقط، وكانت هذه أول محاولة -بعد كلاّن- لإصدار الليالى فى ثوب أدبى.
ولما أعلن عن ترجمة لين Lane امتنع تورنس Torrens عن إتمام ترجمته. ولكن جون ياين John Payne كتب يقول: إنه لم يكن ليترجم كتاب ألف ليلة لو أن تورنس أتم الترجمة التى بدأها.
أما ترجمة لين فغير كاملة، ولكن عليها تعليقات وافية قيمة جداً. وقد بدأ ظهورها فى أجزاء سنة ١٨٣٩ وتم إخراجها فى سنة ١٨٤٤. وهذه الترجمة نقلت عن طبعة بولاق الأولى مع إشارات إلى طبعة برسلاو.
أما الترجمة التى قام بها "ياين" لطبعة مكناتن فكاملة. وقد صدرت فى تسعة مجلدات بين سنة ١٨٨٢ وسنة ١٨٨٤. وفى سنة ظهر من هذه الترجمة ثلاثة مجلدات أخرى تشتمل على حكايات وردت فى طبعة برسلاو وفى طبعة كلكتة الأولى.
ثم صدر المجلد الثالث عشر فى سنة ١٨٨٩ مشتملا على حكايتى علاء الدين وزين الأصنام. وقد طبعت هذه الترجمة عدة طبعات كاملة منذ توفى "ياين" فى سنة ١٩١٦.
وقد ترجم "سير رتشارد برتون" Sir Richard Burton طبعة مكناتن. ولكنه اعتمد كثيرلم على ترجمة "ياين"، بل نقل منها نقلاً حرفيا فى كثير من الأحيان. وصدرت هذه الترجمة فى عشرة مجلدات، عام ١٨٨٥. ثم ألحق بها ستة مجلدات أخرى صدرت بين سنة ١٨٨٦ وسنة ١٨٨٨. وأعيد طبع هذه الترجمة عدة مرات.
стр. 954
وقد تكلم عن الصلة العجيبة بين ترجمة "باين" وترجمة "برتون": "توماس رايت" Thomas Wright فى كتابه عن سيرة "سير رتشارد برتون" Life of Sir Richard Burton الذى صدر فى مجلدين، بلندن عام ١٩٠٦, وكتاب "سيرة جون ياين" Life of John Payne الذى صدر فى لندن عام ١٩١٩. وقد حاولت المقارنة بين هذه الترجمات الإنكليزية فى مقالى On translating the Arabian Nights الذى نشر فى مجلة Nation الصادرة فى نيويورك بتاريخ ٣٠ أغسطس و ٦ سيتمبر سنة ١٩٠٠. وبين سنة ١٨٩٥ وسنة ١٨٩٧ ظهر فى fUniversal Bibliothek: Reclam ٢٤ مجلداً صغيراً لترجمة ألمانية قام بها مكس هننك Max Henning عن طبعة بولاق. وهى ترجمة مهذبة العبارات نوعاً، ولكنها اختزلت العدد إلى النصف. وقد اشتملت المجلدات السبعة عشر الأولى على كتاب الليالى أما المجلدات السبعة الباقية ففيها إضافات عدة، ترجم معظمها من ترجمة "برتون".
وفى سنة ١٨٩٩ أخذ الدكتور ماردروس Mardnis J.C. فى ترجمة الكتاب إلى اللغة الفرنسية مصرحاً بأن ترجمتة مأخوذة من طبعة بولاق التى صدرت فى سنة ١٨٣٥. وقد صدرت ترجمته فى ستة عشر مجلدا ولكنه أدمج فيها حكايات غير حكايات ألف ليلة أخذها من مصادر مختلفة ولم يكن يتقيد فى ترجمته بشئ.
وفوق هذه الترجمات التى تكلمنا عنها، ترجم "فنسنت بلاسكو إيبانيز" Vincente Blasco Ibanez الكتاب إلى اللغة الأسبانية وترجمة "يوويزماثرز" E.Powyes Mathers إلى اللغة الإنكليزية، وهناك ترجمة بولندية ولكنها غير كاملة.
وهناك ترجمة علمية ألمانية تباين هذه الترجمات كل المباينة، وهى الترجمة التى قام بها إينوليتمان Enna Littmann . وأصدرها بلييسك فى ستة مجلدات بين سنة ١٩٢١ وسنة ١٩٢٨ وترجمة ليتمان هذه ترجمة كاملة لطبعة مكناتن استعان فيها بطبعتى مصر
стр. 955
وبرسلاو. وفيها ايضاً تذييلات تشمل الحكايات التى زيدت فى طبعة كلّان، نقلها ليتمان عن أحسن أصولها الشرقية. وترجمة ليتمان لا تقل عن ترجمة لين Lane وترجمة ياين إن لم تكن أعظم قيمة منهما.
ولقد بينا من قبل أن زوتنبرغ - Zo tenberg هو الذى خطا أول خطوة فى كشف تاريخ ألف ليلة عندما عرف النص المصرى الحديث وعين مخطوطاته بعد أن درس هذه المخطوطات وتناولها بالنقد والتمحيص.
ولما أتم عمله هذا، ظهر فى وضوح أنه إلى جانب المخطوطات الكاملة التى تشتمل على ذلك النص المصرى المتأخر، توجد مخطوطات أخرى كثيرة غير كاملة تمثل الجهود العديدة التى فشل معظمها فى الوصول إلى نصوص كاملة.
ومن الجلى أن أفراداً كثيرين ممن آلت إليهم أجزاء يشتمل معظمها على عدد قليل من أوائل الليالى، جمعوا حكايات مستقلة بعضها إلى بعض وأضافوها إلى ما وصل إليهم من أصل كتاب ألف ليلة بعد أن قسموا هذه الحكايات إلى ليال أيضاً.
ولدينا أمثلة على هذه الجهود فى مخطوط "ورللى مونتاجو" Worley Montague المحفوظ فى مكتبة بودليانا Bodleian ومخطوط "رينهارت" Reinhardt المحفوظ فى مكتبة جامعة ستراسبورغ. Strassburg أما مخطوط "ورتلى مونتاجو" فيتفق فى محتوياته مع مخطوط كلّان إلى آخر حكايات الحمّال، ثم يختلف عنه بعد ذلك اختلافاً بينا. ومع ذلك فهو مخطوط حديث جداً، ويظهر منه أنه لم يكن هناك نص متفق عليه فى أواسط القرن الثامن عشر. ويتفق مخطوط رينهارت مع مخطوط ورتلى مونتاجو فى هذا الشأن.
والذى ينقصنا الآن هو وصف أقدم هذه المخطوطات وتناولها بالدرس، ومحاولة تصنيفها مثل مخطوط كلّان، ومخطوط الفاتيكان، وأقدم مخطوط فى مكتبة رايلندز Rylands ومخطوط توبنكن Tubingen إلخ.
стр. 956
ولقد حاولت هذا فى مقالى - Clas sification الذى أشرت إليه من قبل، ثم استوفى دراسة هذا الموضوع دراسة قيمة. "رودي باريت" Rudi pare فى كتابه. Der Ritter-Roman von 'Umar an Nu'man، الذى أصدره فى توبنكن عام ١٩٢٧, وفي كتابه Friiharische Lie- besgeshichi الذى أصدره فى برن فى العام نفسه.
ومع ذلك يوجد إلى جانب المخطوطات التى ورد بها صراحة أنها من كتاب ألف ليلة، عدد عظيم من المخطوطات المستقلة التى تشتمل على حكايات ربما أضيفت أو لم تضف إلى كتاب ألف ليلة. وأول شئ نقرره فى شأن هذه المخطوطات هو أنها كانت مستقلة، وأن الحكايات التى وردت فيها يجب ألا تعد مستخرجة من كتاب الليالى، بل العكس هو الأصح. وهذا القول ينطبق أيضاً على مخطوط الحكايات الذى اكتشفه "ريتر" H.Ritter فى الآستانة ولم يطبع بعد. ويرجع تاريخ هذا المخطوط إلى القرن الثالث عشر أو الرابع عشرء، وفيه خمس حكايات جاءت فى النص المصرى الذى حققه زوتنبرغ (انظر - Anhang to Litt mann's translation جـ ٦، ص ٦٩٢ وص ٧٠٢ وما بعدها).
وهناك بطبيعة الحال كثير من الكتب الصغيرة الرخيصة التى تشتمل على حكايات متفرقة من كتاب ألف ليلة، وهذه الحكايات مستخرجة من الكتاب حقا.
ويتضح لنا من، هذه الطريقة التى اتبعت فى تكبير الكتاب بالزيادات التى أضيفت إليه أن بعض الحكايات التى يبدو أنها من أصل فارسى أو بغدادى لم تكن بالضرورة واردة فى نص بغدادى قديم، بل وربما تكون قد أضيفت إلى الكتاب فى عصر متأخر.
ومن الأسباب التى أدت إلى كثرة الخلط فى هذا الموضوع هو أن كثيراً من العلماء توهموا -دون أن يتنبهوا لذلك- أن النص المصرى الذى كشفه زوتنبرغ هو كتاب ألف ليلة، وأن البحث عن تاريخ هذا الكتاب ينبغى أن يبتدئ بالبحث فى ذلك النص. قال ده
стр. 957
ساسى De Secy صراحة بهذا الرأى الذى أفسد عليه جهوده جميعا، وكان كذلك عنصراً من عناصر الغموض فى تفكير "لين" بل هو يبدو أيضاً فى قوة ووضوح فى المادة التى كتبها ده غويه De Goeje فى الطبعة التاسعة والعاشرة والحادية عشرة من دائرة المعارف البريطانية (انظر ايضاً De Gids عدد سبتمبر سنة ١٨٨٦ م).
على أنه يظهر أن أوغست ميلر - Au gust Muller كان رائد القول برأى حر جديد، يبدو هذا فى بحثه الذى كتبه إلى ده غويه ونشره فى مجلة Bes- senberger's Beitrage , جـ ١٣، ص ٢٢٤ - ٢٤٤) , فى مقال آخر أكثر انتشاراً نشره فى - Die deutsche Runds chau، جـ ١٣ ,١٠ يولية ١٨٨٧ م، ص ٧٧ - ٩٦". وهذان البحثان كتبا قبل مقال زوتنبرغ.
وهناك فاصل عظيم بين مصادر المأثورات الشعبية التى وردت فى نواة القصة الهندية القديمة وبين ما ورد من هذه المأثورات فى النص المصرى. ولكن ربما وصل بينها ما ذكره ثلاثة من المؤرخين: أما أولهم فالمسعودى الذى قال فى كتابه مروج الذهب (انتهى من تأليف هذا الكتاب سنة ٩٤٧ م ثم أعاد النظر فيه سنة ٩٥٧ م) حين عرض لأخبار شداد بن عاد ومدينته إرَم ذات العماد: "إن هذه أخبار موضوعة من خرافات مصنوعة، نظمها من تقرب من الملوك برواياتها. وإن سبيلها سبيل الكتب المنقولة إلينا والمترجمة إلينا من الفارسية والهندية والرومية (وفى رواية أخرى الفهلوية بدل الهندية) مثل كتاب هزار أفسانه. وتفسير ذلك بالفارسية خرافة ويقال لها (أفسانه)، والناس يسمون هذا الكتاب "ألف ليلة وليلة".
وقد وصف المسعودى نواة هذا الكتاب وصفاً يدل على أنه كتاب الليالى الذى عرفناه. ومعنى هذا أن كتاب ألف ليلة الذى كان موجوداً فى عصر المسعودى كان يعتبر ترجمة لكتاب قصص فارسى، غير أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الحكايات التى كان يشتمل عليها.
стр. 958
ويذكر لنا نفس هذه المعلومات مع زيادة فى البيان والتفصيل كتاب الفهرست الذى ألف حوالى سنة ٩٨٧ م (طبعة فلوكَل، جـ ١، ص ٣٠٤ وما بعدها). وقد تكلم صاحب هذا الكتاب عن أول من صنّف الخرافات وجعل لها كتباً، وصلة ذلك بالأسمار التى كانوا يتسامرون بها إذا جن الليل، وبيّن أنواعها. ثم أيّد كتاب الفهرست أن ألف ليلة أصله فارسى "ويحتوى على ألف ليلة وعلى دون المائتى سمر". ويقرر أن الكتاب نقل إلى العربية وأنهم صنفوا فى معناه ما يشبهه، ولكن صاحب الفهرست لم يذكر لنا الحكايات التى اشتمل عليها الكتاب وإن كان ما ذكره عن نواته يدل على أن الكتاب هو كتاب ألف ليلة الذى عرفناه.
وفوق هذا لدينا شاهد على أن حكايات الليالى التى وصلت إلينا -من مخطوط كلّان إلى النص المصرى- من أصل عربى لاشك فيه وليست من أصل فارسى. ذلك أننا نجد الحكاية الأولى -أى حكاية التاجر مع الجنى، للك الحكاية التى تروى أن ثلاثة قابلوا التاجر مصادفة فأنقذوا حياته من يدى الجنى بما حكوه له من حكايات- نجد هذه الحكاية يرويها المفضل بن سلمة المتوفى عام ٢٥٠ هـ (٨٦٥ م) فى الكتاب الذى صنفه فى الأمثال وسماه "الفاخر" (طبعه storey , ص ١٣٧ - ١٤٠). وهذه الحكاية عربية الطراز، تمت إلى الصحراء بنسب واضح، وتباين مباينة تامة الحكاية التى تسبقها مباشرة والتى هى من أصل فارسى ظاهر. ويظهر أن هذه الحكاية العربية حلت محل أخرى فارسية.
والإشارة التاريخية الثانية إلى كتاب ألف ليلة تقول بوجود الكتاب فى مصر فى عهد الخلفاء الفاطميين. فقد ذكر ذلك مؤلف اسمه القرطى (انظر بروكلمان - Geschichte der arabishen Lit، teratur جـ ٢، ص ٦٩٨ وما بعدها) ألف كتابا فى تاريخ مصر على عهد الخليفة العادل الفاطمي (٥٥٥ - ٥٦٧ هـ = ١١٦٠ - ١١٧١).
غير أن القُرطى لم يبين لنا أيضاً الحكايات التى كان يشتمل عليها كتاب ألف ليلة فى ذلك العهد، ولكنه قال فقط: إن الكتاب كان يسمى ألف ليلة وليلة، وكان ذائعاً معروفاً.
стр. 959
وإذا أردت زيادة فى الايضاح فارجع إلى كتابى Earlier History، ص ٢٦٢ وما بعدها وإلى الترجمة التى قام بها ليتمان (Anhang ص ٦٩٢ وما بعدها).
والمخطوط الذى نقل عنه كتاب ألف ليلة هو مخطوط كلّان، ويظهر أن النص المصرى الذى اكتشفه زوتنبرغ مأخوذ عن نسخة تتمشى مع هذا المخطوط. ولكن لا يمكن أن يكون مخطوط كلّان هو نفس كتاب ألف ليلة الذى كان موجوداً فى عصر الفاطميين، ذلك لأن فيه كثيراً من الإشارات إلى أمور تاريخية يرجع عهدها إلى ما بعد عصر الفاطميين، فمثلا نجد فى حكاية البنات مع الحمال ذكراً لكتاب (١) توفى مؤلفه عام ٥٩٠ هـ) (١١٩٣ م). وورد فى حكاية نور الدين على وبدر الدين حسن (٢) من الاشارات ما جعل وليم بوبر William Popper يقرر فى بحثه الذى نشره فى المجلة الأسيوية (عدد يناير سنة ١٩٢٦ م، ص ١) أن هذه الحكاية لا يمكن أن تكون قد كتبت قبل عهد الظاهر بيبرس (٦٥٠ - ٦٧٦ هـ = ١٢٦٠ - ١٢٧٧ م) , بل يرى أنها كتبت بعد سنة ٧٠٦ هـ.
ومن الواضح أن حكايات الأحدب كتبت بعد أن استولى هولاكو على بغداد عام ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م). وهناك إشارات عن خطط مدينة القاهرة لا يمكن أن تكون قد حدثت قبل سنة ٧٤٥ هـ (١٣٤٤ م)، ويرى الأستاذ بوبر أن ورود اسم النقيب بركات فى هذه الحكاية يجعل تاريخها بعد سنة ٨١٩ هـ (١٤١٦ م). وفوق هذا كله ينبغى أن يكون قد مر زمن طويل ذاعت فيه هذه الحكايات واشتهرت حتى أخذت وأضيفت إلى نسخة من كتاب ألف ليلة. وعلى هذا فإن مخطوط كلّان ليس مخطوطاً لكتاب ألف ليلة الذى عرفه العصر الفاطمى.
ومن ثم يمكننا أن نقول الآن إجمالا إن ما لدينا من الليالى -ونعنى بالليالى
стр. 960
كل مجموعة من الحكايات التى أضيفت إلى نواة الكتاب - هو مايلى:
أولا - الأصل الفارسى هزار أفسانه ومعناه "ألف خرافة".
ثانياً - ترجمة عربية لكتاب هزار أفسانه.
ثالثاً - نواة قصة هزار أفسانه وما أضيف إليها من حكايات مقطوع بأنها عربية الأصل.
رابعاً - الليالى التى كتبت فى عصر فاطمى متأخر والتى يشهد القُرطى بشهرتها.
خامساً - نص مخطوط كلّان، ويتبين من ملاحظات وردت فيه أن هذا المخطوط كان فى طرابلس الشام عام ٩٤٣ هـ (= ١٥٣٦ م)، وفى حلب عام ١٠٠١ هـ (= ١٥٩٢ م) وربما كان أقدم من هذا، وقد كتب فى مصر. ولم تحل إلى الآن مشكلة الصلة بين هذا المخطوط وغيره من المخطوطات القديمة المستقلة التى أسلفنا الكلام عنها، ويوجد على الأقل ستة من هذه المخطوطات ينبغى بحثها. وقد وصف نولدكه Noldeke محتويات الليالى التى وردت فى النص المصرى الذى اكتشفه زوتنبرغ وتناولها بالدرس فى مجلة: (- Zeitschrift der Deutsch Mor genlandischen Geselschaf , جـ ٥٢، ص ٦٨)، ثم كتب عنها فى حياته الطويلة المرة بعد الأخرى.
وكتب عنها أو يسترب Oestrup فى كتابه Studier الذى أصدره فى كوبنهاجن عن عام ١٨٩١، وقد ترجم هذا الكتاب إلى الألمانية وزاد فيه وعلق عليه "ريشر" O.Rescher ونشر هذه الترجمة فى شتوتكارت عام ١٩٢٥ ونقله كريمسكى Krymski إلى الروسية، وكتب له مقدمة ونشره فى موسكو عام ١٩٠٤. كما لخصه بالفرنسية وعلق عليه إميل كالتييه Emile Galtier وأصدره فى القاهرة عام ١٩١٢.
وكتب "ريشر" عن كتاب ألف ليلة بحثا بعنوان Studier نشره فى مجلة Der Islam, العدد التاسع، ص ١ - ٩٤, كما كتب عنه "هوروفتز" Hor- ovitz مقالا نشره فى مجلة Islamic Culture. التى صدرت بحيدر آباد فى
стр. 961
يناير سنة ١٩٢٧ م، وكتب عنه مقالات أخرى متفرقة.
أما ليتمان فكتب عن ألف ليلة فى المقدمة التى صدر بها الترجمة الألمانية وفي كتاب Tausendundein Nacht in der Arabischen Literatur الذى أصدر , فى توبنكن عام ١٩٢٣ م.
وليس من الميسور لنا أن نتكلم فى هذا المقام على ما كتبه هؤلاء جميعا، ولكننا نستطيع أن نقرر بعض الأمور العامة فنقول:
أولا - إن موضوعات المأثورات الشعبية المشتركة بين الأمم لا يصح أن نعتبرها شاهداً على أصل هذه المأثورات ونخص به بناء على هذا أمة معينة، فإن عملا كهذا قد يدفعنا إلى القول بأن كتاب ألف ليلة صينى أوأصل ينتسب إلى الهوتنتوب، وأن القصة التى ذكر فيها السمسم المقشور كتبت فى جنوبى إفريقية.
ثانياً - إذا عرفنا أن حكاية وردت فى النص المصرى الذى اكتشفه زوتنبرغ Zotenberg، ووجدت أيضا قائمة بذاتها، فيكاد يكون من المحقق أن هذا النص القائم بذاته هو نص أصيل.
وعلى هذا فإن ورود حكاية فارسية أو بغدادية فى مخطوط زوتنبرغ لا يدل على وجود نسخة فارسية أو بغدادية لكتاب ألف ليلة وإنما يدل على أن هذه الحكاية أضيفت إلى نص زوتنبرغ.
ثالثاً - إن الحكايات التى تنم عن قدرة أدبية شخصية تستحق فى دراستها من هذه الناحية عناية أعظم مما لقيت حتى الآن، فمثلا من هو ذلك الفنان أو الفنانون المصريون الذين كتبوا قصص معروف وجودر وأبو قير؟ ومن الذى ابتكر حكايات الأحدب وحكاية مزين بغداد؟ ومن هو الذى كتب قصة علاء الدين بالعربية؟ فإن هذه الحكايات جميعاً فيها من الواقعية المباشرة الإنسانية ما يرى القراء الغربيون أنه يباين كل المباينه فى القصص الفارسى والهندى من بعد عن الواقع، وهى من طبقة القصص الذى نجده بالعبرية فى كتاب العهد القديم.
وما هى سيرة أولئك الرجال وكيف كانوا يعيشون ويكتبون؟ أولئك الأفذاذ فى الأدب الشرقى.
стр. 962
هذه الأمور وأشباهها من مسائل الأدب الخالص قد تعرضت لها فى المادة التى كتبتها عن "الحكاية"، فارجع إليها إن شئت.
وينيغى أن نضع موضع الاعتبار ما ذكره صاحب الفهرست من أسماء كتب الأدب القصصى, وياحبذا لو أن مخطوط الحكايات الذى كشفه ريتر H.Ritter فى الأستانة طبع بأكمله. وليس هذا المخطوط من مخطوطات كتاب ألف ليلة وليلة، ولكنه يرجع إلى المصدر الذى خرجت منه مادة هذا الكتاب.
[ماكدونالد D. B.Macdonlad]
+ ألف ليلة وليلة: يخطو الدهر دائباً فى وناء وكبرياء وصمت، فيعفو الأثر ويفرى الحجر ويبرى الحديد، وتنال يده العابثة كل شئ فى حياة المرء بالتغيير والنقص إلا شيئا واحداً يلوذ منه بسواد القلب فيستقر فى قراره، ويكمن كمون السر فى دخيلته وإضماره، أريد به ذكريات الصبا وأحلام الحداثة، فهى باقية والجسم يتخونه البلى، ثابتة والعيش تزعزعه الأحداث، ناضرة والمنى يصوّحها اليأس، مشرقة والنفس يغشاها من الهم ظلام وسحب.
ومن منا لايذكر أول بيت أبصر فيه الوجود، وأول ملعب عرف فيه الرفيق، وأول مكتب رأى فيه المعلم، وأول موعد لاقى فيه الحبيب؟
ومن منا لا يذكر ساعات السمر اللذيذة الهادئة، فى غرفة النوم الوثيرة الدافئة، حيث كان أطفال الأسرة يتجمعون حول الجدة الحنون أو الأم الرءوم أو الظئر الحانية، فينصتون فى سكون وشوق إلى ما تقصه عليهم من روائع الأسمار وبدائع الأقاصيص، وهم من طلاوة الحديث وجاذبية الحادث وبشاشة المحدث فى حال لا يصف الشعور بها غير الشاعر، ثم لا يلبث هذا الرحيق العجيب أن يخدر الأعصاب الطفلية الرقيقة، فتغفو تحت جناح الكرى، وتسمع بقية الحديث الشهى فى الحلم!
هذه الأقاصيص الشائقة التى كانت لعقولنا الصغيرة سحرا، ولعواطفنا
стр. 963
المشبوبة سكراً، ولقلوبنا الغضة فتنة، هى نوع من الأحلام والأمانى، تراءت فى ليل الحياة الطويل، ثم تجمعت فى ذاكرة الزمن القديم وتنقلت من عهد إلى عهد، ومن مهد إلى مهد، ومن بلد إلى بلد، تحمل فى طواياها نفحات الحكمة المشرقة العالية، وعطور الأزمن البعيدة السعيدة، فوجودها أثر لوجود الإنسان، لأنها ظاهرة طبيعية من ظواهره كالغناء والشعر والرقص فلا تعرف لها أولية، ولا تحدد فى الغالب لظهورها علة. ولكن علماء الأساطير يزعمون أنها نشأت فى الهند، وهاجرت منها إلى بلاد الفرس، ثم رحلت إلى بلاد العرب، ثم استقر بها النوى فى أقطار الغرب، وفى كل مرحلة من هذه المراحل كانت تصطبغ بصبغة البيئة، وتتأثر بخصائص الجنس، وتتسم بسمات العقيدة.
وأما أبطالها الذين وجدوا على الرغم من قانون الوجود، ونازعوا أبطال التاريخ ثوب الخلود، فقد كان لبعضهم ولاشك حظ من الحياة، وشهرة بملازمة الأسفار، وملابسة الغير، فتحدث الناس أولا بما فعلوا، ثم سرجوا حول أسمائهم وأنبائهم
الأكاذيب والأعاجيب، حتى أصبحوا أعلاما على شخصيات متميزة فى البطولة والحرب والحب والحيلة والكرم، كدعد وليل فى الشعر، وأبى نواس وجحا فى التنادر.
أما أكثر الأبطال فمن خلق الخيال، ابتدعهم رموز، للمثل الأعلى، أو القدر العابث، أو الجد العاثر، أو السلطان الجائر، أو الهوى المتسلط، أو الأمل الآسى، أو الحظ السعيد.
+ القصاص: وما زلت أذكر مجلى من مجالى الأنس فى القاهرة كان جمعة القلوب وألفة النفوس ومستجم الخواطر فعصفت به ريح المدنية الحديثة. ذلك منظر المحدث أو القصَاص أو المسامر أو الشاعر فى مقهى الحى، وهو فى حلته الشرقية الضافية. فوق صفته الخشبية البالية العالية، وقد تجمع بين يديه وعن يمينه وعن شماله أوزاع العاهة وشيوخ المحلة يستجمون من كلال العمل اليومى برشف القهوة العربية وتدخين النرجيلة oilc
стр. 964
العجمية، وتبادل العواطف الأخوية، ثم الاصغاء المشترك إلى (أبى درويش) وهو يقص بصوته العريض المتئد وجرسه الهادئ المتزن، حروب "عنترة" أو وقائع "أبى زيد" أو مخاطر "ابن ذى يزن" فينقلهم بقوة تمثيله أو بحسن ترتيله على جناح الخيال إلى عصور هوْلاء الأبطال، فيشهدهم مجد البطولة وسلطان الحب وفلن السحر وبطش المردة. ثم يرى الخبيث أن فورة الحماسة أو الشوق قد طفت فى النفوس لوقوع البطل فى أسر أو شدة، فيسكت ليجمع النقوط من السمار والنظار، فلا يجد هؤلاء مندوحة عن تعجيله ليعجل هو إلى اطلاق البطل من إساره، وانقاذ الجمهور من شدة قلقه ومرارة انتظاره.
هذا الرجل الذى صورته هذه الصورة المتقاربة، هذا الرجل الذى ينام النهار ويجلس الليل يحدث أربع ساعات متعاقبة، هذا الرجل الفكة اللبق الحافظ الواعظ هو الأثر التاريخى والنموذج الحقيقى لذلك القصّاص البارع الذى خلف لنا كتابنا العالمى الخالد "ألف ليلة وليلة".
ويرجع تاريخ هذا القصّاص إلى صدر الاسلام، والفضل فى وجوده كان أيضاً للقرآن الكريم، فقد اشتمل على مجملات من أخبار القرون الخالية والنذر الأولى، وكان أعلم القوم يومئذ بتفصيلها من أسلم من أهل الكتاب كتميم الدارى ووهب بن منبه وكعب الأحبار وعبد الله بن سلام. فكان هؤلاء ومن أخذ عنهم يجلسون إلى الناس فى المساجد، يفصلون ما فى كتاب الله من قصص الأنباء، ويسرفون فى تهويل هذه الأنبياء، ابتغاء للعبرة والتماساً للموعظة. ووافق هذا الضرب من الوعظ هوى النفوس فازداد إقبال الناس عليه، وكثر إفك القصاص فيه، حتى طردهم أمير المؤمنين على من المساجد ما خلا الحسن البصرى.
ولكن دهاة السياسة رأوا سلطان هذا الفن على العقول، وقوة أثره فى توجيه الميول، فاتخذوه لساناً للدعاية وسبيلا
стр. 965
لافتعال الأحاديث واختلاق الأقاصيص فى الأغراض الحزبية المختلفة. بدأ بذلك معاوية فولى رجلا على القصص كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله ورسوله ﷺ ، ثم دعا للخليفة وحزبه، ودعا على أهل خصومته وحربه. وكان هو إذا انتقل من صلاة الفجر جلس إلى القاصّ حتى يفرغ من قصصه، وكان ولاته وقواده يقدمون القصَاص فى بعض حروبهم ليقصوا على المقاتلة أخبار الشهداء وما وُعدوا به من حسن الجزاء. فعل ذلك الحجاج فى العراق، وجاراه فيه من حاربهم من زعماء الفرق. فقد ذكر ابن الأثير فى حوادث سنة ٧٧ هـ أن عتاب بن ورقاء سار فى أصحابه قبيل المعركة يحرضهم على القتال ويقص عليهم. ثم قال: أين القصّاص؟ فلم يجبه أحد.
فقال: أين من يروى شعر عنترة؟ فلم يجبه أحد.
وسار الشعر والقصص فى ركاب السياسة جنبا إلى جنب، يشبهان على الناس وجوه الرشد، ويموهان على العقول صور البطل. والقصّاص كانوا فى ذلك أشد وطاة على الحق، لأنهم ينسبون ما يفترون إلى التاريخ أو إلى الدين. فلما هدأت ثائرة الأحزاب، وسكنت طائرة الفتن. ونضجت العقول، عاد القصاص إلى المسجد فوجد الواعظ قد غلبه على مكانه، والعالم قد فطن إلى كذبه وبهتانه، والخليفة قد استغنى عنه برواته وندمائه، فانقلب إلى العامة يسامرهم فى أملائهم وأعراسهم بما أثر من أيام العرب، ونقل من أساطير العجم، من أخبار الفتوح.
وانتشر القصّاص فى العواصم العربية حتى صاروا من ظواهر اجتماعها، وحاجة من حاجات عامتها ورعاعها، واشتدت هذه الحاجة حين انفجرت الدواهى على العالم الاسلامى فى أواخر العصر العباسى وبعده من عنف المتسلطين من السلاجقة، وعسف المتغلبين من المغول، وغزو المتعصبين من الفرنك، فطلبهم العامة تفريجاً للكرب، والخاصة تشجيعاً على الحرب. ولكنهم كانوا فى مصر أبرع صناعة وأنفق بضاعة وأرفع مكانة لأن طبيعة إقليمها ونظام اجتماعها وطباع سكانها كانت تعين على ذلك.
стр. 966
وكان أول من تولى القصص الرسمى فى عصر سليمان بن عنتر التجَسيبى سنة ٣٨ هـ، تولاه مع القضاء ثم أفرد به، ثم تعاقبت القصاص من بعده فى مصر على اختلاف بينهم فى القدرة والغرض، فكانوا أصداء للعقيدة، وأبواقاً للسياسة، تسمعون منهم فى كل عهد لهجة، ولكل دولة سنداً وحجة، وترون ذلك أقوى ظهوراً فى عهد الفاطميين، فقد كان يعقوب بن كِلِّس وزير المعز يعتمد على المناظرات فى نشر فقه الشيعة، وعلى القصص فى جذب القلوب لأهل البيت. وكان مقتل الإمام "على" ومأساة الإمام "الحسين" موضوع المنابر والسوامر فى شهرى رمضان والمحرم.
وقيل إن ريبة حدثت فى قصر "العزيز بالله" فتناقلتها الأفواه ورددتها الأندية، فطُلب إلى شيخ القصاص يومئذ يوسف بن إسماعيل (١) أن يلهى الناس عنها بما هو أروع منها، فوضع قصة عنترة ونشرها تباعاً فى اثنين وسبعين جزءاً سمرت بها مجالس القاهرة منذ ذلك الحين إلى اليوم، وهى إلياذة لا ينازعها هذا الشرف إلى الآن عمل فنى آخر.
وفى القرن الرابع للهجرة كانت فورة هذا الفن ونهضته فى بغداد والقاهرة, ففى عهدى المقتدر بالله العباسى والعزيز بالله الفاطمى، كان القصّاص الحكوميون والشعبيون يحتشدون لوضع الأخبار، ويتنافسون فى جمع الأسمار من الوراقين والرحالين والعامة.
ولكن القصص فى العراق كان من عمل الكتاب، يصورون فيه أنبل عواطف الناس وأجمل مواقف الحياة، ويلقونه زهوراً وعطورا فى مجالس الخلفاء وسوامر الملوك , فكانت بلاغة المحدث وجلالة السامع ونبالة الموضوع تطبع القصة بطابع الجمال والاعتدال والقصر، وتنزع بها إلى السليقة العربية المجبولة على الإيجاز والقصد فى الشعر والخطب والرسائل والقصص.
стр. 967
فما جمعه ووضعه الجهشيارى وابن دلان وابن العطار فى القرن الرابع من الأقاصيص فى الحب الطروب والترف المسرف، وما وضعه من قبل هؤلاء سهل بن هارون وعلى بن داود وأبان ابن عبد الحميد من الأسمار فى الأمثال الرمزية والحكمة العالية والسياسة الرشيدة، وما صنعه من قبل هؤلاء عيسى بن دأب وهشام الكلبى والهيثم ابن عدى من الأخبار فى الهوى العذرى والسخاء العربى فى الإسلام والجاهلية، كل أولئك موسوم بسمة العقلية العربية الخالصة من حذف الفضول وترك الاستطراد وقلة المبالغة. أما القصص فى مصر فكان غالباً من عمل القصاصين والمسامرين، يلفقونه من الكتب ويتلقفونه من الأفواه، ويحدثون به الدهماء فى المجالس العامة. ورزق هؤلاء القصاص على قدر ما عندهم من القصص، فإذا ما انقطع أحدهم عن الحديث لنضوب معينة انقطعت به أسباب العيش، فهم لذلك مضطرون إلى تطويل الموضوع بالاستطراد وبسط الحادث بالتزيد، وجذب القلوب بالإغراب والمبالغة.
ومن ثم اتخذ الأدب القصصى فى مصر شكلا لا عهد للأدب العربى به، ذلك هو شكل القصة بالمعنى الذى نفهمه من كلمة Rnman فى إصطلاح الفرندُ، فإن المعروف الشائع من قبل إنما كان المثل Fable، والأقصوصة. Conte والحكاية Nouvelle وهذه الأنواع قد تولد بعضها من بعض على نحو ما يرى الأستاذ "برونتيير" Bru- netiere من تطبيق مذهب دارون على الأنواع الأدبية، فالأقصوصة نشأت من المثل، والحكاية نشأت من الأقصوصة، باتساع الخيال وفعل المبالغة وحكم الزمن.
ولكن القصة العربية قد تأخر
نشوءها إلى القرن الرابع حتى ظهرت
بمصر، لأن عملها يقتضى التطويل
والتحليل والعلم بطبائع الناس وأوصاف الشعوب. والعرب فى عهودهم الأولى كانوا أبعد بطبيعتهم ومعيشتهم عن هذه الأمور، ثم كانوا فى عصور التحضر والاستقرار يؤثرون الخاصة بأدبهم، فيضطرون
стр. 968
فى حضرة الملوك أن يراعوا أدب الحديث، فلا يغرقوا فى الحادث حتى يجانب العقل، ولا يسهبوا فى السمر حتى يجاوز المجلس، ولا يسفوا فى القول حتى يصادم الخلق. أما القصاص المصرى فقد تهيأت له الأسباب اللازمة لخلق القصة: كان سمير الأوزاع والعامة فلم يتقيد معهم بقوانين الخلق ولا بقضايا المنطق ولا بوقائع التاريخ، فهو يصطنع اللهجة الصريحة، ويستعمل الألفاظ القبيحة، ويبالغ فى الخلط والتلفيق، قصداً إلى الإغراب والتشويق، ويعتمد غالبا على المفاجآت القوية، ويستطرد كثيراً إلى الحوادث العرضية، ثم يصادم الوقائع ويشوه الحقائق لأنه يجهلها، والجمهور الذى يسمعه لا يعلمها، فاستطاع بذلك أن يزور أغلب الحوادث، ويجمع شتى الأحاديث، ويترك لنا هذه المجموعة القصصية التى كانت ولا تزال للخاصة مبعث لذة، وللعامة مصدر ثقافة.
كان القصَّاص المصرى يعتمد على ما يصدر عن بغداد من الأقاصيص الموضوعة والمنقولة، والروايات القديمة الصحيحة والمدخولة، ثم يضيف إلى ذلك ما تنوقل فى مصر وما تجمع من الأخبار من التجار والرحالين والبحارين، فقد كان هؤلاء بعد عودتهم من البلدان النازحة يدونون ما رأوا من الأعاجيب، كما فعل اليعقوبى وابن فضلان وبزرُك بن شهريار مثلا، ثم يحدثون بها الناس، كأن يقولوا لهم مثل ما حكاه ابن خُرْداذْبَة من أن فى بعض الأمم رجالا عراض الوجوه، سود الجلود، لا تزيد قامة أطولهم على أربعة أشبار، وفى جلودهم نقط حمر وصفر وبيض، وأن فيهم من له أجنحة يطير بها، ومن رأسه كرأس الكلب، وجسمه كجسم الثور أو الأسد، وما جاء فى كتاب "المستطرف" من أن فى "البلغار" من طوله أكثر من ثلاثين ذراعاً، يأخذ الفارس تحت إبطه كما تأخذ الطفل الصغير، ويكسر ساقه بيده كما تقطع حزمة البقل. وما رأى الرحالون بالطبع هذه الأشياء، وإنما رأوا صورها على الآثار التى خلفها البابليون والفراعنة والرومان والفرس فظنوها حقيقة.
стр. 969
كان القصّاص يتناول هذه الأخلاط فيؤلف منها قصة كثيرة الفصول والفضول، تدور حوادثها على بطل واحد، ولكنها تعرض من قبيل الاستطراد إلى حوادث شتى لا يصلها بحياة البطل إلا صلة واهية.
ولما هبت الأعاصير الهوج بالبربرية الجامحة، فأطفأت منائر بغداد وزعزعت عرش الخلافة وعبثت العجمة الجاهلة بتراث العرب من علم وادب وخلق ودين، وعدت ذئاب الغرب باسم الصليب على الشام ومصر تنبح الهلال الآفل وتنهش المجد الطريد، رآينا القصة المصرية تصور هذه الحياة الحزينة تصويراً عجيبا، ورأينا القصاص قد اتسع خياله بقدر ما ضاق علمه، فهو يخلق بلاداً لم توجد ويتصور حوادث لم تقع، ويعتمد فى العمل على الجن والسحر والخوارق.
فبين القرنين السادس والثامن من الهجرة، ظهرت فى مصر سلسلة من القصص الطويلة الجذابة غفلا عن أسماء مؤلفيها، لأن القصاص المحترفين إنما كتبوها لأنفسهم فيما أرجح، ثم توارثوها خلفا عن سلف حتى بلغت عهد المطبعة فنشرت على شكلها دون اسم ولا وسم ولا تعريف.
وأشهر قصص هذا الدور سيف بن ذى يزن، والأميرة ذات الهمة، وفيروز شاه. فاما أنها كتبت فى هذى العهود فذلك واضح لأدنى نظر من لغتها وأسلوبها وما تدور عليبما من عادات واعتقادات وصور, وأما أنها كتبت بمصر فذلك ثابت من أماكن وقائعها وأسماء أشخاصها، فأبطالها عاشوا جميعا بمصر، حتى الذين لم يروها أقدموهم اليها.
ولقد كان للحروب الصليبية أثر ظاهر فى نسج هذه القصص فى هذا الدور، فإن العواطف الدينية والحماسة القومية التى ألهبتها فى قلوب المسلمين هذه الغارات قد حملت القصّاص على أن يتملق هذه العواطف ويغذيها بما يلفق من الأشعار والأخبار فى فضائل الجهاد والاستشهاد والصدق والصبر. فسيف بن ذى يزن كان حنيفاً مسلما يقتحم المعاقل والأرصاد على الوثنية والشرك فى معالم الأرض ومجاهلها
стр. 970
وهو يقول: "لا إله إلا الله، إبراهيم خليل الله"، وكذلك سائر الأبطال فى سائر القصص إلا أنهم كانوا بعد الإسلام لا قبله.
وبين القرنين الثامن والعاشر كان حكم المماليك بفساده وحكم الأتراك باستبداده، قد أتيا على ما بقى من أركان الاجتماع، وحللا أواصر الأخلاق والطباع، فظهر حينئذ ذلك القصص الوضيع الذى يمثل هذه الحال بحقارتها وسفالتها، ويصور تلك البيئة بخرافاتها وجهالتها، كالقصص الذى يدور على "على الزيبق"، و"أحمد الدنف"و"حسن شومان" "دليلة المحتالة". وأصبح أسلوب القصاص فى هذا الدور دائراً بين الجهالة والقحة، فهو يستعمل فى قصصه لغة مبتذلة وتراكيب فاحشة وجملاً محفوظة ووقائع واحدة يرددها فى كل قصة، ويكررها فى كل مناسبة. وكانت شهوة السهر والسمر قد بلغت مداها فى ذلك الحين لتغلب البطالة على أهل القاهرة، واعتماد الناس فى جمع الثروة على الحيلة والشعوذة والسحر والقدر. فتكدسوا فى السوامر حول القصص، وقد تجمع لهؤلاء من خلال القرون ذخيرة وفيرة من الأساطير والأسمار، فهبوا يدونونها كما دونت للك السير من قبل، فكان مما ذون فى تلك الحقبة الغريبة كتاب ألف ليلة وليلة.
وألف ليلة وليلة كتاب شعبى تمثلت فيه طوائف الشعب وطبقاته، وتراءت من خلاله ميوله ونزعاته، وتكلمت فيه أساليبه ولهجاته، فهو -كالشعب وكل شئ للشعب - قد لقى من جفوة الخاصة وترفع العلية أذى طويلا: أغفله الأدب فلم يتحدث عنه، واحتقره الأدباء فلم يبحثوا فيه، ورآه محمد بن إسحق المعروف بابن النديم فقال إنه غث بارد، لأنه نظر إليه نظره إلى الأدب الأرستقراطى الذى يصور ترف الخيال وجمال الصناعة، فلما حقق العصر الحديث تغلب الديمقراطية وسيادة الشعوب، واستتبع ذلك عناية أصحاب المذهب الإبداعى (الرومانتكيين) فى الغرب بحياة السوقة والدهماء عنايتهم بحياة الملوك
стр. 971
والنبلاء وهب رواد الاستعمار وعشاق الآثار ينقبون عن فولكور (١) الشرق، أخذ أدباؤنا -بحكم التقليد والعدوى- يعطفون على أدب السواد، فدونوا اللغة العامية، وجمعوا الأغانى الشعبية، ونظروا بعض النظر فى فن القصص وسمعوا فى رجفة من الدهش إلى قول الأوربيين: إن فى أدبنا الموروث كنزلم دفينا من هذا النوع له فى أدبهم أثر قوى وشأن نابه. ولكنهم لم يخلدوا بادىَ ذى بدئ إلى هذا القول بثقة، واستكثروا على هذا الكتاب الخرافى السوقى أن يذكر فى الكتب ويوضع فى المكاتب، وينبه الناس فضله، ويهنأ العرب بإنتاجه، حتى رأينا بعيوننا أنه نقل منذ أوائل القرن الثامن عشر إلى كل لغة، وحل الموقع الأول من كل أدب، وظفر بإعجاب النوابغ من كل أمة حتى قال فولتير إنه لم يزاول فن القصص إلا بعد أن قرأ ألف ليلة وليلة أربع عشرة مرة، وتمنى القصصى الفرنسى "استندال" أن يمحو الله من ذاكرته ألف ليلة وليلة حتى يعيد قراءته فيستعيد لذته.
ثم قرأنا أن أقلام المستشرقين أخذت تتجادل منذ أوائل القرن التاسع عشر فى أصله وتكشف عن مناحى جماله وفضله، وحينئذ أخذت خاصتنا تقرؤه وتسمعه، ومطابعنا الراقية تصححه وتطبعه، وأدباؤنا المترفعون يشيرون إليه فى تاريخ الأدب. ولكنهم -إلى اليوم- لم يدرسوه دراسة علمية تكشف عن لبابه، وهو -على الرغم من جميع ما فيه- قد سجل على توالى القرون أطوار اجتماعنا، وصور بالألوان الزاهية مخللف أخلاقنا وطباعنا، وأتم نقص التاريخ الذى تجاهل الشعب والأدب الذى احتقر العامة.
مؤلف الكتاب وزمن تأليفه وسبب تسميته:
ذهبت جهود الباحثين باطلا فى تحقيق هوية المؤلف، لأن هزار أفسانه نقل إلى العربية غفلا لم يسمّ واضعه، ثم غشيته الطبقتان البغدادية والمصرية على التدريج، فكان كل قصاص يكتتب لنفسه ما سمع وجمع فى عصره من ثمرات القرائح وقطرات الأقلام دون أن
стр. 972
يسندها إلى راوٍ أو يعزوها إلى مؤلف.
وقد اختلف العلماء فى أن يكون المؤلف واحداً أو جماعة، ولست أرى لهذا الخلاف وجها، فإن الكتاب تكون على اليقين من أعمال مستقلة، ثم نما بالاتفاق على توالى الحقب، فوضعه وتكوينه إذن عمل جمع، وجمعه وتدوينه عمل فرد، وتحليله إلى الأعمال الفردية المتعاقبة أمر فوق القدرة ومن وراء الإمكان.
أما التاريخ الذى قرّ فيه على هذا الوضع الأخير فهو النصف الأول من القرن العاشر من تاريخنا. ومن الممكن أن نحصره منه فى السنوات العشر الواقعة بين سنتى ٩٢٣ و ٩٣٣ هـ وهما توافقان سنتى ١٥١٧ و ١٥٢٦ م من التاريخ المسيحى. وقد حصره الأستاذ "وليم لين" بين سنتى ١٤٧٥ و ١٥٢٥ للميلاد أى فى مدى خمسين سنة، فوافقناه فى الغاية وخالفناه فى البدء، ولم نر هذا الرأى اعتباطاً من جهة ولا استنباطاً من النص الظنين من جهة أخرى، وإنما اعتمدنا فى تحقيقه على دليل مادى، وهو أن الأستاذ الفرنسى كلّان قد أخذ ينشر ترجمة الكتاب لبلاط الملك لويس الرابع عشر سنة ١٧٠٤ م، وقد نقله عن نسخة عربية مخطوطة أرسلت إليه من سورية بعد سنة ١٧٠٠ م، وهى مكتوبة بمصر غفلا من التاريخ، ولكن الذى نقلها إلى الشام وهو من طرابلس، كتب عليها بخطه أنه امتلكها سنة ٩٤٣ هـ ثم انتقلت من يده إلى آخر من حلب فكتب عليها أيضاً تاريخ هذا الانتقال وهو سنة ١٠٠١ م، فيكون الكتاب إذن قد تم قبل ٩٤٣ بزمن نقدره كما قدره "لين" بعشر سنين.
هذا من جهة الطرف الأعلى، أما من جهة الطرف الأدنى فإنا نجد ذكر القهوة المعروفة يتردد فى بعض الحكايات كحكاية أبى قير وأبى صير وحكاية على نور الدين ومريم الزنارية مثلا، وذلك لا يكون قبل العقد الأول من القرن العاشر، لأن القهوة لم تنتشر فى الشرق إلا فى هذه المدة؛ ثم نجد لفظ الباب العالى وبعض النظم العثمانية تذكر فى حكايات أخرى
стр. 973
كحكاية معروف الإسكافى وهى قطعة مصرية قطعا، والعثمانيون لم يستولوا على مصر قبل سنة ٩٢٣، فيكون الكتاب إذن قد دوّن بعد هذه السنة وقبل سنة ٩٣٣.
وقد سمى العرب هزار أفسانه ألف ليلة، ولو أرادوا الترجمة الأمينة لقالوا ألف خرافة أو أسطورة، فعدولهم عن العنوان الصحيح يدلنا على أحد أمرين: إما أن الليلة كانت فى اصطلاحهم ترادف الأسطورة باعتبارها زمنا لها، وذلك ما نستطيع استنباطه من قول محمد بن إسحق الوراق "ابتدأ أبو عبد الفه الجهشيارى صاحب كتاب الوزراء بتاليف كتاب اختار فيه ألف سمر من أسمار العرب والعجم والروم وغيرهم، كل جزء قائم بذاته لا يتعلق بغيره، وأحضر المسامرين فأخذ منهم أحسن
ما يعرفون ويحسنون، واختار من الكتب المصنفة فى الأسمار والخرافات ما يحلى بنفسه، فاجتمع له من ذلك أربعمائة ليلة وثمانون ليلة سمر تام يحتوى على خمسين ورقة أو أقل أو أكثر ... "
وإما أن يكون كذلك عدد الألف فى الأصل إنما أريد به التكثير لا التحديد، وأحْرِ به أن يكون كذلك، فإن ابن النديم قد رآه بتمامه مراراً وقال إن فيه دون المائتى سمر، وهو اليوم بطبقاته وزياداته واستطراداته لا يتجاوز ٢٦٤ حكاية قسمها المؤلف على ألف ليلة وليلة تقسيما فيه عبث الهزل أو سخف الصناعة، فإن شهر زاد يدركها الصباح دائما ولما يمض على حديثها غير بضع دقائق.
أما زيادة الليلة على الألف فمن عمل القرن السادس، لأن النسخة التى رآها القُرطى بمصر على عهد الخليفة العاضد الفاطمى كانت تحمل اسم ألف ليلة، ويقول "كلد ميستر" فى تعليل زيادة الليلة إن العرب يطيّرون بالأعداد الزوجية، وهو زعم غريب ما رأينا فى تاريخنا ولا فى أدبنا ما يؤيده. ولقد ظل الكتاب أكثر من قرنين يسمى ألف ليلة، وكان الجهشيارى يريد أن يسمى كتابه ألف سمر، وعندنا ألفية ابن معطى وألفية ابن مالك.
стр. 974
وأغرب من هذا الزعم أن يؤيده "أويسترب" فى دائرة المعارف ويزيد عليه أن ميل الناس فى تلك العصور إلى التسجيع فى عناوين الكتب كان من البواعث أيضاً على هذه التسمية. وليس فى قولنا ألف ليلة وليلة تسجيع ولا مزاوجة. والغالب -فى رأيى- أن الليلة إنما زيدت فوق الألف لإفادة الكمال كطفحة الإناء وسقطة الميزان.
طريقة الكتاب وأسلوبه:
كانت طريقة العرب فى القصص أن يسردوا الأسمار والأحاديث على نمط يجعل كل حكاية قائمة بذاتها لا يربطها بما يسبقها ولا بما يلحقها علاقة. وترون ذلك واضحاً فى أمثال لقمان وكتب النوادر. فلما نقلت الأقاصيص الهندية إلى العربية فى القرن الثالث عن طريق الفارسية ادخلت فى أدبنا القصصى طريقة طريفة تجعل الحكايات سلسلة متماسكة الحلقات متعاقبة الخطوات متتابعة النسق، وذلك على ضربين: الأول أن تتعلق جميع الحكايات بحكاية أصلية تكون فاتحة لبدايتها وسبباً لروايتها ابتغاء التعويق عن فعل مالا يحل، وذلك فى العربية مذهب كتاب الوزراء السبعة، وكتاب كليلة ودمنة، وأغلب كتاب ألف ليلة وليلة، وهو فى الفارسية مذهب بختيار نامه، وقصة جهار درويش، وقصة نوروز شاه، وكتاب طوطى نامه، وأنوار سهيلى مثلا. والضرب الثانى أن تروى الحكايات موزعة فى الكتاب على عدة أبواب بحيث تكون الحكاية فى أى باب من هذه الأبواب مقدمة لحكاية الباب الذى يليه. ومن هذا الضرب فى أدبنا "كتاب سلوان المطاع فى عدوان الأتباع" لابن ظفر الصقلى المتوفى سنة ٥٦٥ هـ، وكتاب "فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء" لأحمد ابن عربشاه الدمشقى المتوفى سنة ٨٥٤ هـ، وفى أدب الفرس كتاب "مرزبان نامه" لمرزبان بن رستم بن شروين، وقد ترجمه ابن عربشاه واستمد منه، ذلك فضلا عن الطريقة الفارسية التى احتذيناها فى الأقاصيص الغرامية المطولة، فألف ليلة وليلة يجرى على ثلاثة طرق:
يجرى على الطريقة الهندية فى الحكايات المتداخلة المتسلسلة كحكايات
стр. 975
الأصل، وحكاية البنات الثلاث والصعاليك الثلاثة، وحكاية الخياط والأحدب والطبيب، وحكاية جان شاه، وحكاية وردخان .. إلخ.
ويجرى على الطريقة الفارسية فى الحكايات المفردة المجردة، كحكايات العشاق فى بعض أقاصيص الأصل وما جرى مجراها من حكايات الطبقة البغدادية، فإنها مضروبة على قالب القصص الفارسى فى الاعتماد على الحب الوهمى الذى يصيب ظرفاء الشباب على أثر طيف يزور فى الكرى، أو صورة تعرض فى الطريق، أو حكاية تلقى فى المجلس.
ثم يجرى على الطريقة العربية الخالصة فى الأقاصيص الصغيرة المقتبسة من كتب الأدب، كحكاية حاتم الطائى وحكاية معن بن زائدة وحكاية إبراهيم بن المهدى وحكاية خالد بن عبد الله القسرى مثلا.
أما أسلوبه فيختلف باختلاف الزمان والمكان والجنس والشخص، فإذا حكمنا عليه فإنما نحكم على جملته لا تفصيله، ونتوخى الصفات العامة فى نقده وتحليله .. فهو فى عمومه أسلوب سهل المأخذ، مطرد السياق، سوقى اللفظ، مبسوط العبارة، كثير الفضول، كثير التضمين، جرئ الإشارة، لا يعرف الكفاية ولا يقنى الحياء، ولا يصطنع التحفظ لأن سبيله سبيل العامة، فهو يسايرهم فى ثرثرتهم وفضولهم وسذاجتهم وصراحتهم وبلادتهم. ولا يستطيع أن يكون إلا كذلك: يسير سير الأعرج المفلوج وراء المذهبين الكتابيين اللذين راجا على التعاقب فى عهده، وهما مذهب ابن العميد فى العراق ومذهب القاضى الفاضل فى مصر، فهو يسرف فى السجع، ويكثر من اقتباس الأمثال وتضمين الملح، ويتظرف أحياناً بذكر مصطلحات النحو على سبيل التشبيه أو التورية، كقوله فى قصة قمر الزمان الثانية: "باتا على ضم وعناق، وإعمال حرف الجر باتفاق، واتصال الصلة بالموصول، وزوجها كتنوين الإضافة معزول". وهو يغالى فى تضمين الأبيات فى خلال الحكايات ويمعن فى ذلك غالباً حتى يمل، وترصيع النثر
стр. 976
بالشعر أسلوب لا يألفه الأدب العربى ولا الأدب الفارسى وإنما هو ميزة من مزايا الأدب الهندى أيضاً. اقتبسه الفرس ثم نقله كتابهم إلينا فى منتصف العصر العباسى وروّجه فى عهد بنى بويه مؤلفو القصص ومنشئو الرسائل والمقامات كابن العميد والصاحب والبديع والخوارزمى ومن ترسم خطاهم أو سار على هداهم.
إن خير ما يمتاز به أسلوب ألف ليلة وليلة هو الوضوح والصدق والصراحة والجاذبية، فالمعانى تسبق الألفاظ إلى الذهن، والصور تسبق الوصف إلى الخاطر، والشوق يبعث اللذة ويثير الاهتمام ويحرك الانتباه ويوثق صلة السامع أو القارئ بموضوع القصة. على أن القصّاص يعالج التصوير والحوار بدقة وبراعة فى كل ما يتصل بأحوال الشعب وأخلاق العامة، فإذا سما إلى مقام الملوك والخاصة خانته قدرته، وغلبت عليه بيئته وطبيعته، فيفقد ما يسمى فى الفن الكتابى بالصبغة المحلية، وهى أن يسند إلى الشخص ما يلائم طبيعته وطبقته وبيئته من قول أو فعل: فالأقاصيص الهندية والفارسية تشوبها روح القصَاص الإسلامية كحكاية قمر الزمان ابن الملك شهرمان، والحكايات البغدادية تظهر فيها اللهجة المصرية كحكاية ابن الحسن الخليع، ثم نراه يُجرى على لسان الخليفة الرشيد ما يأبى عليه جلاله وكماله أن يقوله، ويجعله يفعل مالا يجوز فى العقل أن يفعله كأن ينادى وزيره جعفراً بقوله: ياكلب الوزراء! ويكلفه فى قصة الفتاة المقطعة بالعثور على القاتل فى مدى ثلاثة أيام وإلا شنقه هو وأربعين من بنى برمك، وكأن يخلع فى حكاية على نور الدين مع أنيس الجليس حلة الملك ويرتدى مرقعة بالية قذرة لكريم الصياد فيفيض قملها على أطرافه، ويسيل قذرها على فنكبيه وأعطافه، ولو أن ما كلف به الرشيد من التعب المزرى كان لضرورة ملجئة لوجدنا له مساغاً من الفن، ولكنه جشمه ما جشمه ليتسنى للخليفة أن يسمع غناء أنيس الجليس وهى فى قصر من قصوره وفى ضيافة خادم من خدمه. فهو يدخله فى هذا الزى الزرى على
стр. 977
الحبيب والبستانى ليقدم إليهم ما معه من السمك فيكلفوه شيَّه فى المطبخ فيشويه! !
وكثيراً ما تدفع القصاص شهوة الأغراب إلى تجاوز المبالغة المعقولة، فتفوته من الفن صفة الإمكانية، وهى أن يلبس القصصى الحوادث الخيالية ثوب الحقيقة فيقرب ما بينها من الظروف ويمهد لها أسباب الوقوع حتى لا تتنافر والعقل والعلم والعرف والتقاليد، والأمثلة على هذا العيب مستفيضة فى كل قصة.
وفى الكتاب طائفة هن الحكايات قد استوفت شروط الفن القصصى كلها، كقصة الصياد والجن، وقصة مزين بغداد، ومقدمة حكايات السندباد وقصة على بن بكار وشمس النهار.
هذا إذا نظرنا إلى الأسلوب فى جملته وعمومه، أما إذا تتبعناه باللمح الخاطف فى نواحى الكتاب وجدناه -فيما بقى هن الأقاصيص الهندية والفارسية وما جرى مجراها هن الحكايات المحدثة المقلدة- بين السذاجة أبله الأشارة، لأنها هن نوع الخوارق التى تدخل على القلوب الغريرة، ولا تظفر إلا بتصديق العقل البسيط، فهو جار مع طبيعتها، متفق اللون مع صورتها؛ وفى الطبقة البغدادية تراه متين العبارة، عفيف اللفظ، حسن السبك، دقيق الوصف، كثير السجع، قليل الفضول، لأنه فى الغالب مكتوب يحْذى على المثُل العليا من قصص الفرس وتاريخ العرب.
وقد يسف فى بعض الأقاصيص إسفافا قبيحا، فيثقل بسخفه على الطبع، وينبو بضعفه عن الذوق، كما تراه فى قصة الخليفة مع النائم اليقظان مثلا. أما الأسلوب فى الطبقة المصرية فهو فى قسمها الأول -وخاصة الأقاصيص المكتوبة منه- أشبه شئ باسلوب الطبقة البغدادية مع اتساع فى السجع وجرأة على الحشمة، والغالب عليه التقليد، فتارة يجرى على منهاج الطريقة الهندية كما نرى فى حكاية ورد خان والملك جليعاد، وتارة ينسج على منوال الطريقة الفارسية كفعله فى قصة قمر الزمان الثانية، وحكاية مسرور وزين المواصف، وقد يجرى فى مجراه الخاص من التهكم الساخر
стр. 978
والمزاح المضحك فيكون رقيقاً كما نراه فى قصة الأحدب، وخاصة فى مزين بغداد. ولكنه فى القسم الثانى وفى سائر القصص الإلقائية التى ألفها القصاص ليلقوها فى السوامر مهلهل النسج، عاص اللفظ، مرذول المبالغة، سئ التلفيق، شديد الوطأة على الحياء والمروءة لصدوره عن قصاصين محترفين جهلاء يتملقون فيه شهوات العامة بالأفحاش ويستفزون فضول الجمهور بالمبالغة.
فلسفته ومراميه:
إن من يطلب من ألف ليلة وليلة فلسفة خاصة وفكرة عامة ووجهة مشتركة كان كمن يطلب من كافة الناس عقيدة واحدة وطبيعة ثابتة وأغراضاً متفقة، فهو- كما قلنا من قبل -كتاب شعبى يصور الحياة الدنيا كما هى لا كما ينبغى أن تكون، فإذا رأينا مذاهبه تتناقض، ومراميه تتعارض، وآراءه تختلف، فذلك لأن المجتمع الذى يصوره كذلك.
ولم يكن الكتاب نتاج قريحة معلومة، ولا نتيجة خطة مرسومة حتى نلتمس فى جوانبه الدوافع والنوازع والغاية، إن هو إلا صدى يتردد خافتا لعقائد الشرق القديم وعقلياته وعاداته. ففى الفلسفة نراه يتأثر بالأفلاطونية الحديثة والأخلاق الإسلامية، فيدعو إلى القناعة باليسير والعزوف عن الدنيا، والاعتدال فى اللذة، والمبالغة فى الحذر، والتفويض المطلق للقدر، فروحه من هذه الجهة تتنافر وصوره البراقة ووسائله الطماحة وحوادثه المغامرة. ثم نراه فى أقاصيص أخرى -ولا سيما الحديثة- يزين الأنانية، ويرتضى القسوة ويتشوف إلى المكاسب الدنيئة، ويشره إلى اللذة الخسيسة، ولا يكاد يعتقد بالعواطف الكريمة. وقد يصور المتاع الحسى واللهو الجموح بما لا يتمثل فى الذهن إلا على سبيل الخيال، كالذى يحكيه عن فتى من أبناء الملوك أرسى إلى جزيرة كل من فيها من تجار وصناع نساء كأنهن اللؤلؤ المكنون، فقضى بينهن فى هذا النعيم أياما اقل ما أصاب فيها من اللذة أنه كان يلقى الشبكة فى الماء على سبيل اللهو، فتخرج إليه من الأصداف خريدة من بنات الجان، كأنها حورية من حور
стр. 979
الجنان إلخ. فإذا اختبرناه فى السياسة والاجتماع- رأيناه "ملكياً" يقيم فى كل مدينة عرسا، وينصب على كل مجتمع من الأحياء ملكا، حتى الحيات والحشرات والطيور والوحوش والقردة "ديمقراطياً" يشرك اللك والصعلوك فى متع الحياة ومجالى الأنس، "عائلياً" يبنى نظام البيت وتأثيل المجد على الزوجة والولد، لذلك تجدونه يستهل معظم أقاصيصه بحنين الوالدين إلى النسل، وفزعهما إلى الله أو إلى المنجم من داء العقم. وقد يسمو مغزاه إلى الفلسفة الاجتماعية العالية، مثال ذلك حكاية السندباد والحمّال، فالحمال يئوده الحمل الفادح، وينهكه الحر اللافح، فيلقى حمله على مسطبة أمام بيت من بيوت التجار، يتردد إليه النسيم الرطيب، وتفوح منه روائح العطر والطيب، ثم يرى عظمة ذلك التاجر فى كثرة خدمه وغلمانه، ويسمع تغريد البلابل والفواخت فى بستانه، ويصغى إلى رنين أوتاره وغناء قيانه، وينشق أفاويه الطعام الشهى من صحافه وألوانه، فيرفع طرفه الحائر إلى السماء ويقول: سبحانك يارب! لا اعتراض على حكمك ولا معقب لأمرك! أين حالى من حال هذا التاجر؟ ؟ أنا مثله وهو مثلى، ولكن حمله غير حملى إ!
على أن أسوأ ما سجله ألف ليلة وليلة من ظلم الإنسان وجور النظم هو القسوة الجائرة على المرأة، فإن حظها منه منكود وصورتها فيه بشعة، وكيف تنتظر من كتاب بنى على خيانة المرأة أن ينصف المرأة؟ إن شهر زاد المسكينة إنما تسهر جفنها، وتكد ذهنها لتقص على الملك شهريار أعجب القصص ابتغاء الحظوة لديه حتى تدرأ القتل عن نفسها والخطر عن بنات جنسها. ومن الخطل الأليم أن يسند القصّاص كل هذه النقائص إلى النساء على لسان واحدة منهن فى مقام الدفاع عنهن، وأن يجرى على فمها فى حضرة الملك تلك الكلمات الجريئة المخزية فى وصف بهيميه الرجل! أما تصوير الكتاب لمظاهر الاجتماع الشرقى فى القرون الوسطى من العادات والأخلاق والمراسم فى السوامر والولائم والأعراس والمآتم والأسواق والمحاكم
стр. 980
فقد بلغ الغاية من ذلك كله، إلا أن الطبقة المصرية فى هذا الباب كما قلنا أصدق وأجمع، لأن القصاص -وهم مصريون- تكلموا عن علم ووصفوا عن رويه ونقلوا عن سماع.
أما الطبقة البغدادية فقد عبث بها القصاص وشابوها بلهجاتهم وعاداتهم، ولكنها مع ذلك حرية بثقة الباحث إذا استطاع تنقيتها من شوائب البهرج والدخيل.
بقى علينا أن نعرف وجهة كتابنا فى الدين، وليس من العسير على القارئ العادى أن يتبين تلك الوجهة، فإن فى كل صفحة من صفحاته دليلا على أنه مسلم صادق الإيمان، قوى العقيدة، يأخذ تقاليد الدين -صحيحة أو مشوبة- مأخذ العاص الواثق المطمئن، فلا يبحث ولا يستنبط ولا يطبق، حتى فى مقام الحكمة والموعظة لا يكاد يذكر حديثا أو آية، وإنما يستند فى ذلك إلى مأثور الشعر ومنثور الحكم، فسبيله فى الدين إذن أن يدعو إليه ويهتف به ويتعصب له. لذلك نراه لا يتحدث إلا عن المسلمين، ولا يتخذ أشخاصاً لقصصه -حتى الأجنبية منها- إلا من المسلمين، فإذا كان أحد الجنة أو الناس غير مسلم واضطر إلى الَحديث عنه انتهى به إلى الإسلام أو دبر له عقبى سيئة وذلك نادر، كما فعل فى حكاية مسرور المسيحى وزين المواصف وزوجها اليهوديين، فالحبيب والحبيبة أسلما فورفت عليهما ظلال النعيم والحب، وظل الزوج يهوديا فدفنته امرأته حياً. وألف ليلة وليلة بعد ذلك سنَى لا يكاد يعرف فرقة أخرى من فرق الإسلام، حتى الشيعة -وكان لهم على عهده فى مصر دولة الفاطميين، وفى العراق نفوذ البُوَيهيين- لم يذكرهم إلا فى حكاية علاء الدين وهى مكتوبة بمصر على عهد المماليك. ولقد دل حين تعرض لهم فى هذه القصة على جهالة قبيحة أو دعاية سيئة، فقد أشار فى موضع منها إلى أن الروافض كانوا يكتبون اسمى الشيخين على بواطن الأعقاب، وقال فى موضع ثان: إن الرشيد سأل الرجل الذى همّ باغتياله وهو يلعب الكرة والصولجان فنجّاه أصلان بن علاء الدين! أما أنت مسلم؟ فقال: كلا، وإنما أنا رافضى.
стр. 981
وقال فى موضع ثالث: إن أهل بغداد كانوا يغلقون الأبواب خوفاً من الروافض أن يلقوا الكتب فى دجلة.
أحمد حسن الزيات
+ ألف ليلة وليلة: عنوان أشهر مجموعة عربية من الحكايات الخرافية وغيرها من القصص؛ وكثيراً ما يسمع المرء اليوم عبارة "مثل قصة خيالية من قصص ألف ليلة"، والحق إن القصص الخيالية هى أبرز جزء فى هذه المجموعة. وقد كان العرب -شأن جميع المشارقة- يتذوقون القصص الخيالية منذ أقدم العصور. ولما كان الأفق العقلى للعرب الأقحاح -فى العصور القديمة قبل ظهور الإسلام- يميل إلى الضيق، فإن مادة هذه الليالى قد استقيت فى جوهرها من الخارج أى من فارس ومن الهند كما نتبين من أخبار منافس النبى ﷺ التاجر النضر (١). وفى العصور المتأخرة عن ذلك نمت الحضارة العربية فأصبحت أكثر غنى وشمولا، فقوى بطبيعة الحال النفوذ الأدبى الوافد عليها من البلاد الأخرى. ولا يلبث القارئ الواعى لألف ليلة أن يتولاه العجب من تعدد محتوياتها وتنوع أشكالها، فهى تشبه بوجه ما مرجاً شرقيا يحفل بأزهار جميلة مختلفة تخالطها أعشاب قليلة. على أن القارئ سوف يلاحظ أن هذه القصص تشمل ميداناً مترامى الأطراف، فثمة قصص عن الملك سليمان وملوك فارس الأقدمين وعن الإسكندر الأكبر وعن الخلفاء والسلاطين، وثمة قصص عن المدافع والقهوة والتبغ.
ظهورها فى أوربا: ينتظم المجموعةَ كَها قصةٌ هى هيكل القصص أو نواتها، وهذا كان معروفا فى إيطاليا أيام القرون الوسطى. وتوجد آثار منه فى رواية لكيوفانى سيركامبى Giovanni Sercambi (١٣٤٧ - ١٤٢٤ م) وفى قصة أستولفو وكيوكوندو Astolfo و Gincondo التى رويت فى المقطوعة الثامنة والعشرين من "أورلاندو فيوريوزو" Orlando Furioso لأريوستو (بداية القرن السادس عشر الميلادى). وربما كان الرحالة الذين زاروا المشرق هم الذين أتوا بهذه المعرفة إلى إيطاليا.
стр. 982
ولكن ألف ليلة وليلة كلها انتقلت إلى أْوربا فى القرنين السابع عشر والثامن عشر. فقد نشرها للمرة الأولى العالم والرحالة الفرنسى جان أنطوان كلّان Jean Antoine Galland (١٦٤٦ - ١٧١٥), ذلك أن كلّان استطاع فى تجواله بالشرق الأوسط كاتباً لسر السفير الفرنسى ثم جامعا للتحف للمتاحف بوصفه وكيلا عن الهواة، أن يعرف عالم الشرق، وقد انصرف همه إلى جمع عدد كبير من الحكايات والقصص الخيالية التى تروى هناك. وبعد عودته إلى فرنسا بدأ ينشر سنة ١٧٠٤ مجلداته المعنونة: Les Mille et une nuits, contes arabes traduits en Francais . وما وافى عام ١٧٠٦ حتى صدر منها سبعة مجلدات، وصدر المجلد الثامن سنة ١٧٠٩ , والمجلدان التاسع والعاشر سنة ١٧١٢, والمجلدان الحادى عشر والثانى عشر سنة ١٧ ى بعد وفاة كلّان بسنتين. وإن هذا التأخير فى ظهور المجلدات الأخيرة ليدل على الصعوبات التى لقيها كلّان فى العثور على مادة القصص وعلى عدم احتفاله بالجانب العلمى من عمله. كان كلّان قصاصاً بالفطرة يتذوق القصة الجيدة وله براعة فى رواية القصة ومن ثم فهو قد طوع ترجمته لذوق القراء الأوربيين، يغير أحيانا فى النص العربى ويوضح الأمور الغريبة على الأوربيين، ولذلك حازت ترجمته لليالى نجاحا عظيما. على أنه كان إلى ذلك موفقاً فى المادة التى وقعت بين يديه, فقد بدأ بترجمة قصة السندباد الملاح من مخطوط غير محقق الأصل، ثم علم أن هذا المخطوط كان جزءاً من مجموعة كبيرة من القصص تعرف بألف ليلة وليلة ثم كان من حسن حظه أن أرسلت إليه من سورية أربعة مجلدات من مخطوط لهذا الكتاب كُشف على يد نابيا أبوت Nabia Abbott فيما عدا قطعة صغيرة منه، وهو أقدم مخطوط فيما يعرف ويشمل خير نص بقى لنا، ولا تزال المجلدات الثلاثة من هذا المخطوط محفوظة فى المكتبة الأهلية بياريس، أما الرابع فقد ضاع. وقد استنفد كلّان فى المجلدات السبعة الأولى من ترجمتة المجلدات الثلاثة من النص العربى التى بقيت لنا وأضاف قصة السندباد وقمر الزمان
стр. 983
من مخطوطات غير محققة الأصل ومن ثم توقف كلّان عن العمل ثلاثة أعوام حتى أجبره ناشره على إصدار المجلد الثامن بلا تحقيق، وهو يشمل قصة غانم وقد ترجمها كلّان من مخطوط غير محقق الأصل، وقصتى زين الأصنام وخداداد وقد ترجمهما يتى ده لاكروا وقصد بهما أن تنشرا فى كتابه Mille et un إول jours، ونضبت المادة تماماً من كلّان مرة أخرى فتوقف عن العمل، وكان قد تعب أيضاً ومل الأمر كله. ولكنه لقى سنة ١٧٠٩ رجلا مارونيا من حلب يدعى حنا كان قد استقدمه إلى ياريس الرحالة بول لوكاس، واكتشف كلاّن للوهلة الأولى أنه عثر على مصدر يروى له مادة القصص. وراح حنا يروى له قصصاً بالعربية وكلان يسجل فى يومياته ملخصات لبعضها. على أن حنا زوده ببعض المخطوطات أيضاً، وبذلك تمت المجلدات الأربعة الأخيرة من ترجمة كلّان، وقد بيتت "يومياته" ذلك بجميع تفصيلاته. واختفت مخطوطات حنا، على أن مخطوطين عربيين خاصين بقصة علاء الدين ظهرا إلى عالم النور، وظهر كذلك مخطوط عن قصة على بابا. وهذا إذن هو أصل الكتاب الذى جعل "الليالى" تعرف فى أوربا وتسمى فى النص الفرنسى وفى جميع الترجمات عن الفرنسية "الليالى العربية" لدى جمهرة كبيرة من القراء (انظر تفصيل ذلك فى Histoire d'Ala' al-: H. Zotenberg -quelques ma؟ din ... avec Notices sur -nuscrits des Mille et une nuits et la tra duntinn dv C: allanti. باريس, ويشمل هذا النص العربى لقصة علاء الدين ودراسة لبعض مخطوطات "الليالى" وما سجله كلّان فى يومياته، وانظر أيضاً Bibliographie arabe: V.Chauvin . جـ ٤، لييج سنة ١٩٠٠,
A bibliographical study: D.B. Macdonlad of the ٣ first appearance of the Arabian Library Quarterly Nights in Europe, The. المجلد ٢، عدد ٢٤ أكتوبر سنة ١٩٣٢, ص ٣٨٧ - ٤٣٠).
وظلت ترجمة كلّان الفرنسية أكثر من قرن تدل على "الليالى" فى أوربا، بل إن قصتين من قصصه لا يعرف نصهما العربى قد ترجمتا إلى اللغات الشرقية. على أنه قد ظهرت فى هذه الأثناء مخطوطات أخرى تتصل بألف ليلة إتصالاً يتفاوت قرباً وبعدًا،
стр. 984
وبالاعتماد على هذه المخطوطات ترجمت ونشرت عدة ملاحق لترجمة كلاّن. وكما أن مخطوطات ألف ليلة نفسها تختلف اختلافاً عظيماً فيما يتعلق بالقصص التى تحتويها كذلك كان هؤلاء المترجمين على استعداد لإلحاق أية قصة عربية بألف ليلة. والملاحق الآتية -التى ظهر بعضها مستقلا وبعضها ملحقاً بطبعات كلاّن- لها أهمية فى ذاتها بوصفها دلائل على اهتمامات القراء فى تلك الأيام (ومن شاء تفصيلات أو فى عن هذه الملاحق جميعا فليِرجع إلى Biblio-: Chauvin E graphie جـ ٤ , ص ٨٢ - ١٢٠).
وفى سنة ١٧٨٨ ظهرت على هيئة ملحق لكتاب Cabinet des Fees (المجلدات ٣٨ - ٤١) سلسلة من الحكايات ترجمها عن العربية دنيس شافى Denis Chavis . ومما له مغزى بالنسبة لاهتمامات القراء فى تلك الأيام بموضوع ألف ليلة وليلة أنه ظهرت ما بين عامى ١٧٩٢ - ١٧٩٤ ثلاث ترفجمات إنكليزية مستقلة لهذا الملحق. وفى سنة ١٧٩٥ نشر وليام بلو Liam Beloe فى المجلد الثالث من كتابه Miscellanies بعض القصص العربية التى نقلها له شفويا باتريك راسل - Pat L rick Russell مؤلف كتاب History of Aleppo (سنة ١٧٩٤). وفى سنة ١٨٠٠ ترجم جوناثان سكوت athan Scott فى كتابه and Ietter.c بعض قصص نقلها من مخطوط لألف ليلة أحضره من الهند جيمس اندرسون james Anderson وفى سنة ١٨١١ أضاف إلى طبعته لنسخة إنكليزية من ترجمة كلاّن مجلداً من قصص جديدة نقلها من مخطوط هو مخطوط ووتلي لبهى مونتاكو ague[المحفوظ الآن فى أوكسفورد. وكان كوسان ده يرسيفال Perceval سنة ١٨٠٦ قد أضاف بالفعل مجلدين من ملحق طبعته لترجمة كلّان. على أن إدوارد كوتييه Fdnuard Gauttier قد ذهب إلى أبعد من هذا فى طبعته المعتمدة لكلان (١٨٢٢ - ١٨٢٥) , ذلك أنه لم يكتف بالمجلدين المحتويين على قصص جديدة استقاها من جميع أنواع المصادر بل أطلق لنفسه الحرية فأدخل غيرها فى تضاعيف ترجمة كلّان لألف ليلة. أما فون هامر (Von Hammer: Die noch nicht iibersetzen Erzahungen
стр. 985
der Tausend and einen / Nacht, شتوتكارت) فقد كان أثبت منه سنداً واستخدام نسخة حقيقية من ألف ليلة، ذلك أنه حصل فى مصر على مخطوط منها يعرف الآن بنسخة زوتنبرغ المصرية أصبح -بطبعاته العديدة- النص الشائع لألف ليلة (انظر طبعات هذا النص فيما يلى). وقد فقدت الترجمة الفرنسية التى قام بها فون هامر لعدد من القصص لم ترد فى نسخة كلاّن، ولكن تسنسر لنك - Zin serling (سنة ١٨٢٣) ترجمها إلى الألمانية ونقلها إلى الإنكليزية لام Lamb سنة ١٨٢٦، وترجمها إلى الفرنسية تريبوتيان Trebutien سنة ١٨٢٨ وفى سنة ١٨٢٥ بدأ هابشت M.Habicht بنشر خمسة عشر مجلداً مصرحاً بأنها ترجمة جديدة لألف ليلة، ولكنها فى الواقع كانت تضم نسخة كلاّن مع بعض الملاحق نقلا عن كوسان وكوتييه وسكوت وخاتمة زعم أنها نقلت عن مخطوط تونسى؛ وبدأ هابشت أيضاً ينشر نصاً عربياً. واعتمد فايل Weil على هذا النص ثم على نسخة كلّان من بعد، وعلى مخطوطات محفوظة ففى مكتبة كوتا، وعلى نص مطبوع فى مصر، ونشر ترجمته ما بين سنتى ١٨٣٧ - ١٨٦٧.
الطبعات والترجمات: أهم الطبعات العربية لكتاب ألف ليلة وليلة هى:
- طبعة كلكتة الأولى: وعنوانها The Arabian Nights Entertainments; In the Original Arabic, published under the Patronage of College of Fort Willam, by -Shuekh Uhmud bin Moohummud Shir ee wanee ul Yumun. كلكتة، المجلد ١، سنة ١٨١٤؛ المجلد ٢، سنة ١٨١٨. وهذه الطبعة لا تضم بين دفتيها إلا المائتى ليلة الأولى وقصة السندباد الملاح.
٢ - طبعة بولاق: وهى طبعة عربية كاملة طبعت سنة ١٢٥١ هـ (١٨٣٥ م) عن مخطوط (عثر عليه فى مصر) بالمطبعة الأميرية التى أنشأها محمد على ببولاق قرب القاهرة.
٣ - طبعة كلكتة الثانية بعنوان The Laila or the Book of the Thousand ALif Nights and one Night, Commonly known as "The Arabian Nights Entertainmentso"