Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.
стр. 9556
المدح، فلا يسمى مؤمنا وليس هو بكافر مطلقا أيضا لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه لإنكارها، لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة، فهو من أهل النار خالد فيها إذ ليس فى الآخرة إلا فريقان: فريق فى الجنة وفريق فى السعير ولكنه يخفف عنه العذاب وتكون منزلته فوق منزلة الكفار
المصادر:
(١) Madelung: Der Imam al - Qeasim ibn Ibrahim and die Glaubenslehre der Zai diten, Berlin ١٩٦٥
(٢) W. M. Walt: The formative Period of Islamic thought, Edinburgh ١٩٧٣
(٣) J. Van Ess: in REL, xlvii, ١٩٧٩
(٤) M. Cook: Early Muslim dogma, Cambridge ١٩٨١
د. محمد أحمد سليمان [فان. س J.Van Ess]
المنصور باللَّه القاسم بن على العيانى
(المتوفى فى عام ٣٩٣ هـ/ ١٠٠٣ م)
وهو إمام زيدى يمنى، ومن سلالة "القاسم بن إبراهيم" وليس من سلالة حفيده "الهادى إلى الحق" مؤسس الأمانة الزيدية فى اليمن.
وأكثر الاحتمالات أنه ولد فيما بين ٣٣٠ و ٣٤٠ هـ (٩٤١ - ٩٥١ م) وكان قبل أن يصل إلى اليمن يعيش فى "ترج" جنوب "مزارا" فى بلاد "خثعم" وكان بيته مزارا للزيديين من اليمن يحرضونه على الثورة. . وفى عام ٣٨٣ هـ/ ٩٣٣ م ثار فى الحجاز مطالبا بالإمامة ولكن سرعان ما أخمدها امير مكة عيسى بن جعفر الحسى، الذى وصل مع الثائر المتمرد إلى القاهرة فى المحرم ٣٨٤ هـ/ مارس - فبراير ٩٩٤ م - وقد أحسن الخليفة الفاطمى العزيز معاملته، وبعد عدة شهور سمح له بالعودة إلى الحجاز مع الأمير (المقريزى - اتعاظ الحنفاء) وفى أول غزوة له على اليمن فيما بين ٣٨٧ -
стр. 9557
٢٨٨ هـ/ ٩٩٧ - ٩٩٨ م تقريبًا، احتل صعده، معقل سلالة "الهادى" وأخضع نجران وأراضى "خولان" و"وداعة" و"بكبل" لنفوذه ومع ذلك تصدعت "حكومته" بسرعة بعد رحيله إلى "ترج". . وفى المحرم ٣٨٩ هـ/ يناير ٩٩٩ م، عاد بشكل دائم إلى اليمن. وفى العامين التاليين استطاع أن يبسط سيطرته على كثير من نجاد اليمن. وفى أوج سلطته امتد حكمه من بلاد خثعم إلى صنعاء، و"دمار"، كما شمل أراضى "خولان العالية" وعنس و"الهاف". وحمير ولم يكن لمملكته منفذ إلى البحر، وتقوضت آماله فى أن يسيطر على ميناء "عثار" على البحر الأحمر - سواء بالطرق الدبلوماسية أو العسكرية، وكان يحكم هذا الميناء اثنان من الأمراء المماليك من المحتمل أن يكونا من الزيديين. . ولكى يقيم فى اليمن فضل مدينة "عليان" على بعد رحلة يومين جنوب شرقى صعده، فى أراضى بنى سلمان، الذين كانوا من بين أخلص مؤيديه. كما امتلك مزرعة فى وادى "ماداب" بين "عليان" و"صعده" وشيد قلعة هناك. وفى صعده استعماد القلعة المتهدمة للامام أحمد الناصر، ابن الهادى، والتى تقع خارج المدينة واستعملها لنفسه.
ومع ذلك فقد كان موقفه فى العاصمة القديمة للدولة الزيدية مزعزعًا، إذ كانت قبائل الحيرة والسكان فى معظمهم يخلصون لسلالة "الهادى" والذين كان ولاؤهم لإمامته متقلبًا -وبعد فشله فى حملتين متتابعتين فى إخضاع بنى الحارث المتمردين فى نجران، ظهرت على السطح بشكل سافر المعارضة الخفية التى كان يتزعمها "إبراهيم المالح بن محمد بن المختار بن أحمد الناصر"، و"يوسف بن يحيى بن أحمد الناصر"، وقد طالب هذا الأخير بالامامة قبل وصول المنصور واتخذ اسم "الداعى إلى الحق"، وقد تخلى عن مطلبه تحت التهديد. وضاعت قضية المنصور عندما انقلب عليه حاكم "دمار التابع له القاسم ابن حسين الزيدى، وألقى القبض على ابنه جعفر وكان ذلك فى ذى الحجة ٣٩١ هـ/ اكتوبر ١٠٠١ م. . وعندما أفرج الزيدى عن ابنه طواعية وافق على
стр. 9558
اتفاقية سلام فى صفر ٣٩٢ هـ/ يناير ١٠٠٢ م. وقد رفض عرض "الزيدى" بأن يحتفظ بحكم "بكيل" و"داعة" بسبب انتقاد التأييد الذى تلقاه منهم وانسحب إلى حياته الخاصة فى مذاب و"عليان". وأيد الزيدى إمامه "يوسف الداعى" الذى اعترف به الكثيرون. ولأن كثيرين طعنوا فى إمامة المنصور، فقد كتب يرد على نقاده فى مؤلف تحت عنوان "على الرافضة" وبعد مرض خطير مات فى التاسع من رمضان ٣٩٣ هـ/ ١١ يولية ١٠٠٣ م فى عليان. . ولم يتعرض ضريحه لأى أذى عندما أقدم الإمام المنصور القاسم بن محمد فى ذى القعدة ١٠٢١ هـ/ نوفمبر ١٦١٧ م بتدمير المدينة تماما. . وبعد ذلك اعترف به الزيديون إماما يتمتع بكل مؤهلات الإمامة، ولا شك أن ذلك بسبب علمه -كما أنكروا الامامة على منافسه يوسف الداعى. وكان يتبع فى تعاليمه مذهب "القاسم بن إبراهيم" و"الهادى"، بالرغم من أن بعض الأتباع المتشددين لمذهب الهادى مثل الفقيه عبد الملك بن غطريف، كانوا يتهمونه بالانحراف، ويثيرون المعارضة ضده.
أما كتاباته فلم يبق منها إلا مقتطفات من "كتاب التفريع" وهو مجموعة من الآراء الفقهية بالإضافة إلى بعض الخطابات وبعض القصائد الشعرية.
المصادر:
(١) الحسينى أحمد بن يعقوب الهمزانى: سيرة الإمام المنصور باللَّه القاسم بن على.
(٢) يحيى بن الحسين: غايات الأمانى (حققه س. ع عاشور، م. م زيادة - القاهرة ١٩٦٨ م).
(٣) ابن الديبع: قرة العيون (حققه محمد الأكوع الخولى - القاهرة).
بهجت عبد الفتاح عبده [و. ماديلونج W. Madelung]
المنصور باللَّه القاسم بن محمد
إمام ومؤسس الدولة القاسمية للأئمة الزيديين، والتى حكمت معظم اليمن منذ أوائل القرن الحادى عشر الهجرى/ السابع عشر الميلادى، حتى قيام الجمهورية ١٩٦٢ م. وقد
стр. 9559
انحدر من الهادى إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم الرسى" (المتوفى عام ٢٩٨ هـ/ ٩١١ م) الذى وطد السلطة الزمنية للإمامة الزيدية فى اليمن. ومما يذكره له التاريخ أنه بدأ الثورة -التى طالت بشكل متقطع- ضد الحكم العثمانى فى اليمن، هذا الحكم الذى استمر منذ ٩٤٥ هـ/ ١٥٣٨ - ١٥٣٩ م وانتهى فى عام ١٠٤٥ هـ/ ١٦٤٥ م بطرد آخر الاتراك من اليمن على يد ابن القاسم وهو الإمام المؤيد باللَّه محمد.
وقد ولد القاسم فى صفر ٩٦٧ هـ/ نوفمبر ١٥٥٩ م، فى إقليم الشرف، الزيدى الذى يقع فى الشمال الغربى من البلاد. . استطاع لبعض الوقت أن يمنع أى مطالب بالإمامة، وفى أواخر محرم أو أوائل صفر عام ١٠٠٦ هـ/ سبتمبر ١٥٩٧ طالب بالإمامة من حديد (أو جديد)، "جوجور" الشمالى -وقد اقترن هذا الاعلان بمناشدة كل اليمنيين بالثورة على الاتراك العثمانيين.
وبدأت الثورة متواضعة من مركز الزيدين شمال غرب صنعاء وانتشرت بسرعة جنوبا حتى مناطق الحيمة alHayma وسنحان sanhan و"أنيس" إذ اشتركت فيها القيادات المحلية بسبب ظلم الاتراك وليس ولاء للإمام الجديد -وبعد عام تقريبًا استطاع الاتراك وحلفاؤهم المحليون بقيادة كتخدا "سنان"، أن تقلب الموائد على القاسم وحاصروه خمسة عشر شهرا قبل أن يهرب إلى "بارات" فى أقصى الشمال تاركا ولده الأكبر محمد ليستسلم ويدخل سجن العثمانيين فى "كوكبان" (محرم ١٠١١ هـ/ يونيه - يوليه ١٦٠٢ م) وعندما اهتز التأييد المحلى للعثمانيين بسبب الحكم المستبد سنان باشا (١٠١٣ - ١٠١٦ هـ/ ١٦٠٤ - ١٦٠٨ م) استأنف القاسم الهجوم وأعاد احتلال الكثير من الأماكن واستقرت الأمور لفترة بعد ١١ ذى الحجة ١٠١٦ هـ/ ٢٨ مارس ١٦٠٨ م عندما طلب جعفر باشا، الذى خلف سنان باشا من القاسم إتفاقية سلام لمدة عشر سنوات وقد وافق القاسم، اعترف فيها العثمانيون بسيطرته على مناطق كثيرة
стр. 9560
فى شمال اليمن بالإضافة إلى التعهد بالافراج عن ابنه محمد. ولكن الاضطرابات الخطيرة فى صفوف العثمانيين (١٠٢٢ هـ - ١٦١٣ م) دفعت القاسم لخرق المعاهدة واستئناف الهجوم ولكن جعفر باشا استطاع أن يحصل من القاسم على هدنة لمدة سنة اعترف فيها كل جانب بمكاسب الآخر (الأول من رجب ١٠٢٥ هـ/ ١٥ يوليه ١٦١٦ م). وفى جمادى الأولى ١٠٢٨ هـ/ ابريل - مايو ١٦١٩ م اتفق الاتراك مع القاسم على فترة سلام لمدة عشر سنوات أخرى يعترف فيها كل طرف بممتلكات الآخر مع الافراج عن الأسرى فيما عدا الحسن بن القاسم.
وعندما مات الإمام القاسم فى منتصف ربيع الأول ١٠٢٩ هـ/ فبراير ١٦٢٠ م، كان يسيطر على أجزاء كثيرة جدا فى كل اتجاه من صنعاء. وعاش بعده خمسة من أبنائه على الأقل. . كان اثنان منهم من الأئمة وهما "المؤيد باللَّه محمد" (١٠٢٩ - ١٠٥٤ هـ/ ١٦٢٠ - ١٦٤٤ م) والمتوكل على اللَّه اسماعيل (١٠٥٤ - ١٠٨٧ هـ/ ١٦٤٤ - ١٦٧٦ م) وفى عهد القاسم حصلت السفن الإنجليزية والهولندية على امتيازات تجارية محدودة فى اليمن، بالرغم من أن المفاوضات كانت تجرى مع العثمانيين وليس مع المسئولين فى الإمامة.
المصادر:
(١) أهم مصدر عن حياته هو سيرة حياته بقلم أحمد بن محمد الشرقى (المتوفى عام ١٠٥٥ هـ/ ١٦٤٥ - ١٦٤٦ م) وكان من أوائل مؤيدى الإمام.
(٢) الشوكانى: البدر الطالع (القاهرة ١٣٤٥ هـ/ ١٩٢٩ م).
(٣) الجورافى: المقتطف من تاريخ اليمن (القاهرة ١٩٥١ م).
(٤) مصطفى سالم: الفتح العثمانى (القاهرة ١٩٦٩ م).
بهجت عبد الفتاح عبده [ح. ر. بلاكبيرن J.R.Blackburn]
منصور النمرى
شاعر عربى فى القرن الثانى الهجرى، الثامن الميلادى. . هو أبو الفضل، وأبو القاسم منصور (بن سلامة) بن الزبرقان النمرى، من نمير ابن قاسط وهى واحدة من قبائل "ربيعة بن نزار" -وقد ولد فى رأس العين فى
стр. 9561
بداية القرن الثانى الهجرء الثامن الميلادى، ولأن المصادر لا تقدم لنا معلومات دقيقة عن المراحل المختلفة لحياته، لذا يكون من المفيد أن نبحث فى علاقاته مع الشعراء والشخصيات السياسية البارزة فى عصره والحق أنه كان يعرف "مسلم بن الوليد" (المتوفى عام ٢٠٨ هـ/ ٨٢٣ م)، والذى التقى به فى ندوة شعرية فى منزل الفضل بن يحيى بن خالد البرمكى (المتوفى عام ١٨٢ هـ/ ٨٠٨ م)، ويعرف أيضا مروان بن أبى حفصه (المتوفى عام ١٨٢ هـ/ ٧٩٧ م)، و"سلم الخاسر" (المتوفى عام ١٨٦ هـ/ ٨٠٢ م) والتقى به فى بلاط الخليفة هارون الرشيد (المتوفى عام ١٩٣ هـ/ ٨٠٩ م) بشعراء آخرين وثمة شاعران آخران يجب الإشارة إليهما الأول ويدعى "منصور ابن باجه" وكان ثريا فلم يكن بحاجة إلى مدح الكبار وتنسب إليه بعض المصادر أنه ناظم القصيدة "العينية" التى وجهها النمرى إلى هارون الرشيد أما الثانى -وهم أهم شخصية فى حياة النمرى- فهو كلثوم بن عمرو العتبى" (المتوفى عام ٢٢٠ هـ/ ٨٣٥ م) ويقول "ابن المعتز" فى الطبقات، كما جاء فى الأغانى أيضًا إن العتبى كان معلمه فى نظم الشعر. وكان النمرى يمتدحه لرصانته وتفانيه وعلمه الغزير فى الموضوعات الأدبية. كما أن العتبى هو الذى قدم النمرى للفضل بن يحيى الذى اقنعه بالمجئ من الجزيرة إلى بغداد وقدمه للخليفة هارون الرشيد. . ثم برز التنافس بينهما ولكن المساعى الحميدة من جانب "طاهر بن الحسين" (المتوفى عام ٢٠٧ هـ/ ٨٢٢ م) أعادت الوفاق بينهما -وقد عرف النمرى أيضا الفضل ابن الربيع بن يونس (المتوفى عام ٢٠٨ هـ/ ٨٢٤ م) وهو عدو للبرامكة ووزير الرشيد. وقد تدخل الفضل بن الربيع لدى الخليفة للإفراج عن النمرى الذى كان قد سجن بسبب ميوله الشيعية -كما تدخل أيضًا "يزيد بن فريد الشيبانى" (المتوفى عام ١٨٥ هـ/ ٨٠١ م) حاكم أذربيجان- كما عرف النمرى "المأمون" وهو ولى للعهد واختلف إلى بلاطه. ولكن الرشيد كان له أكبر الأثر فى حياة النمرى بل أنه هو الذى وقع أمر وفاته، إذ غضب عليه بسبب ميوله للعلويين وأمر "أبو
стр. 9562
عصمه" -وهو من الموالين للعباسين- بتعذيبه وقتله ولكن هذا الأخير لم يتمكن -عندما ذهب إلى مكة- إلا من أن يشترك فى جنازة النمرى (١٩٠ هـ/ ٨٠٥ م)
المصادر:
(١) ت. العشاش: شعر منصور النمرى.
(٢) القالى: الأمالى.
(٣) ابن المعتز: الطبقات.
(٤) الموازنة: الآمدى.
(٥) العسكرى: كتاب الصناعتين.
بهجت عبد الفتاح عبده [ت. الأشيش T.El Acheche]
منصور اليمن
" أبو القاسم الحسن بن فرج بن حوشب بن زادان النجار الكوفى" المعروف كثيرا بابن حوشب -وهو مؤسس الدعوة الإسماعيلية فى اليمن- وتعتبره الروايات الإسماعيلية من سلالة "مسلم بن عقيل بن أبى طالب".
وكان من الشيعة الإمامية فى الكوفة -تلقى العلوم الدينية- وقد اجتذبه للحركة الإسماعيلية داعية يسمى فى المصادر الفاطمية "الداعية الكبير فيروز"، وفى مصادر القرامطة "ابن أبى الفوارس" وهو مساعد "عبد اللَّه"، الداعية الكبير فى العراق. ويقول القاضى النعمان أن الداعية قدمه للإمام الذى أرسله -بعد فترة تدريب- مع اليمنى على بن الفضل الجيشانى" إلى اليمن. ووصلا إلى هناك فى أوائل عام ٢٦٨ هـ/ أواخر صيف ٨٨١ م، ثم انفصلا. وسار ابن حوشب عبر صنعاء و"جند" واستقر بعد الوقت فى عدن، قبل أن يستقر حسب تعليمات الإمام فى إحدى القرى فى أراضى تحت حكم اليعفوريين. وفى عام ٢٧٠ هـ/ ٨٨٣ - ٨٤٤ م بدأ مهمته بإعلانه على الملأ قرب ظهور المهدى واكتسب على الفور أتباعا كثيرين وبعد أن هاجمت أتباعه حامية من "اليعفوريين"، احتل معقل "عبر محرّم التى تقع أدنى من مِسْور "حبل مَسْور". وبعث بالداعية أبو الملاحم حاكما على جبل "تيس" وأخضع بلاد "شاور" و"عيان" و"حملان". . وقد فشلت حملته الأولى على "شيبام" مقر اليعفوريين، ولكنه استطاع بعد ذلك أن
стр. 9563
يستولى على المدينة. ثم اضطر إلى تركها -وقد وقعت هذه الأحداث قبل عام ٢٩٠ هـ/ ٩٠٣ م. وواضح أنه كان قد وطد موقفه قبل عام ٢٧٨ - ٢٧٩ هـ (٨٩٢ - ٨٩٣ م) قبل أن يأتى إليه أبو عبد اللَّه الشيعى من العراق ليتدرب على يديه تمهيدا لمهمته فى المغرب -كما أرسل دعاة آخرين إلى بلاد أخرى؛ الهيثم -ابن عم زوجته وهى ابنة أحد الشيعيين- إلى السند، وعبد اللَّه بن العباس الشاورى إلى مصر، وأبو زكريا التمامى (أو الزمامى) إلى البحرين وآخرين إلى اليمامة والهند جوجارات).
وفى عام ٢٨٢ هـ/ ٩٠٥ م استولى على بن الفضل -الذى وطد مكانته فى أقصى الجنوب فى بلاد يانع- عى بلاد جعفر بن إسماعيل المناخى، ومن بينها معقل "المذيخرة" الجبلى ومن ثم أصبح منافسا خطيرا لابن حوشب -وربما تكون الشكوك حول إخلاص على ابن الفضل لحركة الفاطميين هى التى دفعت عبيد اللَّه المهدى إلى الذهاب إلى المغرب، وليس إلى اليمن كما كان محددا له. وعندما استولى على بن الفضل على صنعاء من "أسعد بن أبى يعفور الخولى فى المحرم ٢٩٣ هـ/ نوفمبر ٩٠٥ م، أعطى ابن حوشب الفرصة لاحتلال شيبام -ولكن المعارك استمرت بين على بن الفضل وابن حوشب فترة من الزمن إلى أن زحف على بن الفضل واستولى على شيبام وجبل "ذخار" -ثم حاصر ابن حوشب فى جبل مسور لمدة ثمانية شهور وفى رمضان ٢٩٩ هـ/ ابريل ٩١٢ م اضطر بن حوشب لابرام السلام معه بل قدم إليه ابنه كرمز لاستسلامه. ولكن ابن الفضل اعاد إليه ولده بعد عام ومعه قلادة من الذهب. وقد مات ابن حوشب فى ١١ من جمادى الثانية ٣٠٢ هـ/ ديسمبر ٩١٤ م.
وتنسب إليه الروايات الإسماعيلية كتاب الرشد والهداية و"كتاب العالم والغلام" الذى ينسب إلى ابن جعفر أيضا.
المصادر:
(١) العباسى العلوى: سيرة الهادى إلى الحق
стр. 9564
(٢) النعمان بن محمد: أفتاح الدعوة.
(٣) ابن مالك الحمادى: كشف أسرار الباطنية.
(٤) المقريزى: اتعاظ الحنفاء.
(٥) ادريس بن الحسن: عيون الأخبار.
(٦) C.van Arendonk: Les debwts de l'mameit Zaidite an Temem
بهجت عبد الفتاح [و. ماديلونج W. Madelung]
منف
منف، أو ممفيس، عاصمة مملكة مصر القديمة، تقع على الشاطئ الغربى للنيل فى مواجهة حلوان وتدور حولها كثير من الكتابات الجغرافية والتاريخية العربية فى العصور الوسطى.
تحدث القلقشندى عن مناخ منف وإحداثياتها الجغرافية فى صبح الأعشى، كما عرف المسلمون آثارها العظيمة. ويقول عبد اللطيف البغدادى، العالم الكبير وأكثر كتاب العصور الوسطى خبرة بمنف أن عمرها يزيد عن ٤٠٠٠ عام، وهو تقدير دقيق إلى درجة تثير الدهشة. دمرت مدينة منف عندما فتح عمرو بن العاص مصر فكانت خرائب أمام زوارها فى العصور الوسطى.
وبالرغم من خرابها، فقد ظلت منف تمثل الكورة (المنطقة أو المقاطعة) الشمالية للصعيد لعدة قرون، ويعتبر كثير من كتاب العصور الوسطى (مثل الدمشقى) أن منطقة منف هى منطقة وسيم (أوسيم). وتذكر ورقة بردى ترجع إلى عام ١٣٣ هـ/ ٧٥٠ م كورة منف صراحة، كما أحصى الدمشقى ٥٤ قرية فى مقاطعة منف، وفى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى تحدث أبو جعفر الإدريسى عن قرية اسمها قريب من أبو صير تتبع أعمال مدينة منف. وفى ذلك الوقت كانت الجيزة عاصمة الإقليم (القصبة) قد فاقت منف كمركز إقليمى، وحتى القرن الرابع/ العاشر على الأقل، كانت منف مقرًا لأحد المطارنة (سِفُيرس Sevres مطران الأشمونيين أو أبو صالح الأرمنى) وبعد عدة أجيال اطلق عليها صفة قرية. وكان النيل يمثل تهديدا دائما للحقول والنباتات حول منف قبل
стр. 9565
الإسلام وبعده، ويتحدث ابن عبد الحكم فى فتوح مصر وأخبارها عن قناة منف كواحدة من سبعة خلجان فى مصر، أما الواقدى فقال أنها واحدة من ستة، وفى زمان القلقشندى كانت هذه القناة قد اختفت فى حين بقيت الست الآخر، وذكر المؤلف المسيحى أبو صالح الأرمنى (بداية القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى فى الفصل المشرق الأصيل الذى كتبه عن منف أنه منذ قديم الزمان غير النيل مجراه تدريجيا تجاه المدينة. وفى القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى، ازدهرت قرية البدرشين (أم عيشة) وتقع إما فى مكان ممفيس القديمة أو قريبا منه.
ومنف (بفتح الميم) هو الإسم المتفق عليه للمدينة وإن كان يكتب أيضا (بكسر الميم وبضمها) أو مُنيف أو منفيس، كما أطلق عليها خطأ منوف العليا، وكان ابن عبد الحكم أول من ربط، على مسئولية من أخبره من الثقات بين الصيغة المعربة منف ومافا القبطية (= ماب أو ماف) التى تعنى "ثلاثين"، وتابعه على ذلك كثير من المؤلفين، فى حين ذكر القلقشندى، نقلا عن الروض المعطار للحميرى، أن لها أصلا سريانيا. وقد وجدنا أيضا اسمى ماف ومنافا. ويقال، تفسيرا لهذا الإشتقاق لاسم المدينة أن أول من سكنها كانوا ثلاثين وصفهم البعض بالجبابرة.
ويتردد الرحالة التركى إفليا جلبى (شلبى) Evliya Celebi الذى عاش فى القرن السابع عشر، فى تفسيره لاشتقاق اسم منف، بين الكلمة القبطية منوف (العروس) وكلمة عبرية تعنى "أرض الطهارة".
يقول المسلمون: إن منف كانت أول مستوطن فى مصر بعد طوفان نوح ﵇ والمدينة الرئيسية (المصر أو القاعدة) وظلت هكذا إلى أن دمرها نبو خدنصر. وكان سبب استيلائه على المدينة أن ملكها قومس Kumis آوى اليهود الذين فروا من حكمه المستبد. وليس هناك إجماع حول مؤسس المدينة، فيقال: أنه بيصر بن حام الذى كان أول من دفن فى أرض مصر فى منطقة دير أبى هرميس الذى لا زالت
стр. 9566
آثاره موجودة قريبا من منف. ويقال أن بيصر تزوج ابنة فلمون أو بوعون الحكيم، الذى حذر الملك سوريد Sorid من الكارثة الوشيكة ونصحه أن يبنى الأهرامات لتحفظ فيها علوم مصر السرية. ويدعى مؤلفون آخرون (مثل الدمشقى) أن مصر (مصرييم أو مصراييم) بن بيصر كان أول من ترك المقام الآمن فوق جبل المقطم فى صحبة جده حام بن نوح واستوطن السهول التى على الشاطئ الآخر من النيل التى تهب عليها نسائم الشرق. ويذكر أبو صالح أيضا أن ملكا أسطوريا آخر هو منفاؤس بن عديم Manfo'us b. Adim هو مؤسس منف. وفى غاية الحكيم، وهو الكتيب المشهور الذى ألّفه المجريطى Ps. - al - Madjriti، يقال أن كانكا الهندى المنجم مبتكر التميمة الهندية هو مؤسس منف حيث بنى قلاعًا لبناته وزودها بأجهزة عجيبة تصدر صغيرًا وأصواتا أخرى.
تعتبر المعلومات التى وردت فى القرآن الكريم وقصص الأنبياء صريحة أو ضمنية عن مصر الفرعونية المصادر الأساسية لروايات المسلمين فى العصور الوسطى عن تاريخ مصر قبل الإسلام، وقد بذلوا جهدًا كبيرًا فى التعرف على الآثار الفرعونية الموجودة من خلال الآيات التى وردت فى النصوص المقدسة وتفسيراتها. وظل ما ورد فى التراث مثل كتابات ابن لهيعة التى نقلها المؤرخون الأوائل مثل ابن عبد الحكم وعمر الكندى، المصدر الرئيسى للمعلومات عن منف حتى العصر الحديث، وحتى القرن ١٩ لم يكن من السهل أن تتغلب نتائج الأبحاث التجريبية والتاريخية الحديثة على ما ورد من حقائق فى قصص الأنبياء حتى أن على باشا مبارك قدم للفصل الذى كتبه عن منف بنص حرفى طويل منقول من خطط المقريزى، أى بنص إسلامى بحت، ثم ذكر بعده ما توصل إليه علماء الغرب من الحقائق عن تاريخ المدينة.
وفى القرآن الكريم ثلاث آيات فسرت على أنها تشير إلى مدينة منف، الأولى فى سورة القصص آية ١٥: "ودخل (المقصود موسى) المدينة على
стр. 9567
حين غفلة من أهلها"، والثانية فى نفس السورة آية ٢١: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، والثالثة فى سورة الزخرف آية ٥١: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾. وقد سببت الآية الأخيرة مشاكل للمفسرين التاريخيين والجغرافيين، إذ ما هو المقصود بالأنهار. كان طول المدينة ١٢ ميلا وأسوارها من حديد ونحاس ولها ٧٠ أو ٣٠ بابًا تخرج منها أنهار الأرض الأربعة العظيمة، كما أن هناك أيضًا علاقة مباشرة بين القناطر العديدة والجسور التى كانت فى سهول منف وهذه الآية (ابن عبد الحكم ٦، ٣؛ الخطط جزء ٣ صفحة ٢٧).
والصفة الأساسية لمدينة منف إسلاميًا هى أنها مدينة فرعون، وتسمى أيضًا دار المملكة ودار الملك ودار المُلك والعلم ومدينة الإقليم ومصر الإقليم وأخيرًا وليس آخرًا، مصر القديمة. ويقال أن خمسة فراعنة على الأقل عاشوا فيها، وقد لخص المقريزى (الخطط جزء ٣ صفحة ٢٥ - ٧٠) تاريخ مصر من عهد موسى ﵇ إلى نبوخد نصر بأكمله فى الفصل الذى كتبه عن منف، ويقول أبو جعفر الإدريسى أن ثمانية أنبياء من إدريس إلى يوشع رأوها عاصمة لمصر، كما وقعت الأحداث المشهورة فى حياة موسى ويوسف بن يعقوب فى المدينة أو حولها. وهناك عدة مبان أثرية متفرقة يقال عنها أنها مخازن القمح التى أنشأها يوسف والسجن الذى سجن فيه وقبر زليخة ومسجدى يعقوب وموسى، ويقال أن قرية العزيزية شمال منف ترجع إلى عهد بوتيفار potiphar عزيز مصر، وعند منف غسل كفن يوسف فى مياه فيضان النيل.
ويقول عبد اللطيف وأبو جعفر الإدريسى، وكلاهما عاش فى العصر الأيوبى، أن موسى لجأ إلى قرية صغيرة قريبة من منف اسمها دُنوه Dunuh أو دُمويا Dumuya أو دَموية Dumuwayb. وقد كانت هذه القرية مقدسة عند اليهود وأنشأوا فيها معبدا.
وتعتبر سيادة العنصر النسائى فى مصر بعد غرق فرعون وجنوده فى
стр. 9568
البحر الأحمر الأصل "التاريخى" لخضوع الرجل المصرى للمرأة وهو الأمر الذى لاحظه الكتاب غير المصريين منذ هيرودوس حتى زيادة مصطفى على للقاهرة فى نهاية القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى. وكان لمدينة منف دور مهم فى هذه الفترة أيضا، فقد كان للمعبد الرئيسى فيها (بربا أو بَرْبا) ذى الأبواب الأربعة الذى بنته الملكة الشجاعة دَلوُكه دور فى حياة مصر فى تلك الأيام الحزينة التى حرمت فيها مصر من الرجال وأصبحت غنيمة سهلة للغزاه، وطبقا لما ذكره ابن عبد الحكم ومصادره، فقد جهزت الساحرة تَدُوره صورا لحيوانات الركوب والمركبات التى يمكن لأعداء مصر الكثيرين أن يستعملوها فى غزوها، وباستخدام تعويذه سحرية، إذا دمرت إحدى هذه الصدر يدمر الشئ الذى تمثله، وبانقراض ذرية تدوره فى منف، فقدت هذه العلوم السحرية إلى الأبد. ويذكر أبو حامد القدسى فى كتابه فضائل مصر. نقلا عن مصدر مجهول أن صور الملوك وليست الحيوانات والمركبات هى التى كانت مجهزة فى منف بحيث يمكن إبادتهم وهم فى بلادهم إذا حدثتهم أنفسهم بغزو مصر، ويذكرنا هذا بالقول المأثور عن مصر: من أراد اللَّه أن يفنيه يغريه بغزو مصر (مصر مقبرة الغزاة)، وقد احتال نبوخد نصر على معرفة هذا السر، ثم أمر بإغراق صورته التى فى قبة منف بدم (الخنازير)، وبهذا أبطل السحر وتمكن من غزو مصر والإستيلاء على منف ويدخل المقريزى منف فى دائرة معجزات محمد [ ﷺ ]، فقد انهارت المعابد الوثنية الأثرية فى منف فى نفس اللحظة التى دخل فيها الرسول [ ﷺ ] مكة فاتحا ومحطما الأصنام ومعلنا ظهور الحق من المشرق إلى المغرب، بل فى العالم أجمع.
كما نرى فإن الحقائق التاريخية تختلط بالأساطير الدينية، فنسمع عن معدات معقدة (الدرج المجوفة) التى كانت تستخدم فى رفع الماء إلى المبانى المرتفعة فى منف منذ عصر ما بعد الطوفان، كما يقال أن منف كان بها أول مقياس للنيل، ويقول القلقشندى أنه حتى زمانه فى القرن التاسع/ الخامس
стр. 9569
عشر الميلادى، كان فى منف مكان يسمى المقياس ويقول المسعودى وأبو صالح أن يوسف ﵇ هو الذى أنشأه وهو الذى بنى الأهرامات "وكان أول من استخدم الذراع فى قياس النيل" أما قياس النيل الذى عند أخميم والآخر الذى فى "أقصى الصعيد" الذى لم يذكرهما إلا المسعودى فقد كان ترتيبهما الثانى والثالث بعده وأنشأتهما الملكة زليخة وكذلك يكثر الحديث عن مرقب على المقطم بين منف وعين شمس من غير ذكر أدلة تاريخية محددة، وتقول الأسطورة أن فرعون كان إذا خرج من منف إلى عين شمس، مقره المفضل الثانى، أو بالعكس، كان هذا المرقب يرسل إشارة إلى البلد التى يقصدها فرعون ليستعد الناس لاستقبال ملكهم، وكان هذا المرقب مزودا بمرآة تدور على لولب. ثم عرف هذا المكان بعد ذلك بتنور فرعون وقد بنى ابن طولون مسجده فى مكان هذا المرقب، كذلك يقع قول ابن خلدون أن منف كانت أحد الأماكن التى يقيم فيها المقوقس بين الأسطورة والحقيقة التاريخية وكان لأثار منف الكبيرة والتى تفوق الخيال تأثير كبير على من زارها من كتاب العصور الوسطى حتى أن بعضهم وصفها بأنها إحدى عجائب مصر، واستغرقت جولة عبد اللطيف فيها نصف يوم، وهى قريبة من أهرامات سقارة والجيزة التى تعتبر أعظم عجائب مصر. وكانت زيارة الأهرامات ومنف البرنامج الأساسى لزوار المنطقة المهتمين بالأثار المعمارية الفرعونية (انظر وصف أبى جعفر الإدريسى لرحلة مبعوث فردريك الثانى للملك الكامل) وقد أشار معظم المؤلفين إلى سيادة اللون الأخضر الثابت فى آثار منف الجرانيتية.
ليس من السهل تمييز الآثار التى ذكرت فى القصص التاريخية مثل مقر يوسف وقصر فرعون من بين المنشأت المعمارية التى رآها وسجلها الكتاب، لهذا فإن للملاحظات العلمية التفصيلية التى سجلها عبد اللطيف البغدادى أهمية خاصة. وقد ذكر عبد الحميد القدسى مبنى رائعا يسمى كنيسة الأسقف لم يذكره عبد اللطيف ويعتبره عبد الحميد القدسى العجيبة الأولى فى مصر. ولا
стр. 9570
ندرى إن كانت هذه الكنيسة وتلك التى وصفها أبو صالح بأنها مفروشة بالحصير ودار فرعون المنحوتة من صخرة واحدة والتى قيل عنها بأنها مليئة بالرهبة مبنى واحدا أم أنها أبنية مختلفة.
لا شك أنه كان هناك معبد آخر فى منف، وقد لوحظ أنه صغير الحجم، وقد فسر نقش هيروغليفى ترجمة عثمان بن صالح، "حكيم مصر" وأحد المراجع الرئيسية لابن عبد الحكم، السبب فى ذلك تفسيرا اقتصاديا مقنعًا، وهو أن تكاليف بناء مبنى جرانيتى كبير مرتفعة جدا. ويقال أن هذا المعبد بنى حيث قتل موسى الرجل القبطى (سورة القصص آية ١٥) ونعود فنسأل هل هذا الأثر هو نفسه المعبد الصغير الأخضر الشهير المنحوت من صخرة واحدة الذى كان فى فناء معبد منف الكبير والذى وصفه عبد اللطيف وصفا تفصيليا كما وصفه القلقشندى والمقريزى، وكان وزنه أسطوريا، وكانت جدرانه مغطاة من الداخل والخارج بنقوش هيروغليفية (الكلام البرباوى birb'awi أو أقلام البرباوية) وصور للشمس والنجوم ورجال فى أوضاع مختلفة وثعابين وحيوانات أخرى مما يؤكد وجهة نظر عبد اللطيف أن قدماء المصريين لم يستخدموا الصور لغرض الزينة فقط وقد ذكر مع الأسى أن أساس هذا المعبد كان مدمرًا فى زمانه بفعل أحد الحمقى من الباحثين عن الكنوز، وقد حاول الأمير شيخو Shykhu قائد جيوش السلطان حسن بن محمد بن قلاون نقل هذا المعبد إلى القاهرة بعد عام ٧٥٠/ ١٣٥٠ فتحطم فأخذ شيخو حكامه وصقله واستخدمه فى أسكفات وعتبات الخانقاه التى كان يبنيها وكذلك فى مسجد الجمعه الذى كان يبنيه بجوار مسجد ابن طولون جنوب القاهرة الفاطمية ولا زالا موجودين إلى زماننا.
وقد أثارت الرسوم الفلكية البارزة التى كانت على جدار المعبد الأخضر إهتماما خاصا، فذكرها أبو حامد القيسى الغرناطى، ويقول الصابئون أن هذا البناء كان مخصصا لعبادة القمر
стр. 9571
ضمن سبعة أبنية أخرى كل منها مخصص لأحد الكواكب السبعة، وكذلك يمكن الربط بين ما ذكرة المجريطى عن معبد أنشأه كانكا الهندى لعبادة النجوم والمعبد الأخضر بمنف، وقد وصف عبد اللطيف خرائب منطقة المعبد الكبير الذى كان المعبد الأخضر لا زال فى زمانه، وأظهر خبرة كبيرة فى التقنيات المعقدة والمواد المستخدمة فى المبانى الفرعونية وكذلك فى النسب المتناسقة للتماثيل البشرية الضخمة المصنوعة من الحجر الجيرى أو الجرانيت الأحمر ولا شك فى أن أحدها يملو إيزيس وابنها حورس، ويتحدث القلقشندى عن صنمين غارقين فى الطين طول كل منهما ٣٠ ذراعا وقال أنهما مصنوعان من الجرانيت الأبيض"، ويقول المقريزى أنهما (أو آخران مثلهما) لبوتيفار، وقد يكون أحد التمثالين هو الاثر الذى أطلق عليه أبو صالح إسما مدهشا هو أبو الهول، كما قد يكون التمثال المشهور لرمسيس الثانى الذى نقل من منف إلى ميدان باب الحديد أمام محطة سكة حديد القاهرة فى هذا القرن.
المصادر:
(١) Else Peitemeyer Beschreibung Agyptens im Mittelalter aus den geographichen WerKen da Araker
(٢) ليبزج ١٩٠٣ صفحة ١٢٩ - ٣٦؛ L'Egypete de Murtadi، صفحة ٩٠ - ٩٣ (يتضمن كل من العملين ترجمة ألمانية أو فرنسية للفقرات التى تتحدث عن منف فى أعمال أبى حامد القيسى الغرناطى وعبد اللطيف البغدادى والخطط للمقريزى والقلقشندى)، ماسبيرو - ويت Materiux, Manspero Wiet صفحة ٢٠٠.
حسين عيسى [يو. هارمان U.Haarman]
المنفلوطى
هو مصطفى لطفى المنفلوطى -كاتب وشاعر مصرى عاش فيما بين ١٢٩٣ - ١٣٤٣ هـ (١٨٧٦ - ١٩٢٤ م). ولد فى منفلوط بصعيد مصر، ثم ذهب ليعيش فى القاهرة. . ولم يختلف أبدًا إلى أى من المؤسسات التعليمية سوى الأزهر. وقد نشر فى الصحف بعضًا من قصائده التى أخذ واحدة منها فى عام
стр. 9572
١٩٠٤ م "فرح انطون". ونشرها فى مجلته "الجامعة" وهو يعتبر -بسبب كتاباته التقليدية- من بين شعراء مصر الكبار فى عصره. وكرس نفسه -مثلما فعلوا- لهذا النوع من الشعر الذى كان لا يزال مزدهرًا وهو شعر المناسبات. (وهو لم يترك أى ديوان له، بل مختارات تحت عنوان "مقتطفات المنفلوطى" ظهرت عام ١٩١٢ م ويتضمن بعض النصوص النثرية التى ترفق بعديد من القصائد).
وأخيرًا فإن أصالته الحقيقية تنبع من التزامه بالعقيدة، وما يستتبع ذلك من انعكاسات على أدبه -فإيمانه بالإسلام يظهر قويًا فى مواجهة أى تحد أو اختبار فهو يرى أن الإسلام ليس نظامًا قديمًا من القيم يسعى للاحتماء به، ولكنه دين فعّال ذو حيوية مستمرة. تعمل قوته المتجددة دومًا على تقوية المؤمنين مما يتيح لهم أن يروا المستقبل مشرق الجوانب. كما يؤمن بأنه يجب تشجيع كل شئ قادر على أن يساند هذه الفعالية والحيوية، ولذلك وقف إلى جانب المصلح العظيم محمد عبده، بل تعرض للسجن بسبب تأييده إياه ضد الخديوى. . وكثيرًا ما يتضح تأييده لرفيق الأفغانى فى قصائده؛ ولما كان من دعاة الأخلاق، فقد وجد شكلًا أكثر موائمة مع مبادئه استطاع أن يعبر فيه عن نفسه فى مجموعة المقالات التى كتبها على شكل قصص تهذيبية تنويرية؛ وقد نشرت فى مجلة "المؤيد" الأسبوعية تحت عنوان "النظرات" وكان الموت وسوء الحظ والدموع تمثل العناصر الرئيسية فى هذه الحكايات. وفى بعض الأحيان يحدق القدر الناس الظالم بالكائنات النقية التى لا حول لها ولا قوة -ولكن كثيرًا ما يكون تطور المجتمع هو الذى يجلب الكوارث ففى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، أنكر المصريون المتهورون تقاليدهم المتينة وأعطوا ظهورهم لمفاهيم الإسلام الحكيمة مقلدين فى ذلك النمط الأوروبى تقليدًا أعمى. وهذه هى الرسالة التى نستخلصها من قصص المنفلوطى الخياليّة ويجب أن نقتنع بأن مضمون هذه الكتابات والشكل الذى اتخذته، قد تناغما مع تطلعات الجمهور
стр. 9573
فى تلك الفترة، إذ أعيد طبعها فى ثلاثة مجلدات فى عام ١٩١٠ و ١٩١٢، ١٩٢٠.
ولكن فى عام ١٩١٥ م نشر مؤلفنا مجموعة أخرى تحمل عنوانًا مثيرًا للعواطف هو "العبرات" وتظل اللهجة السائدة فيه هى الشفقة والرثاء، ولكن يجب أن نلاحظ أن هذه القصص ذات شقين فثلاث منها من تأليفه هو ذاته، على حين ترجم القصص الثمانى الأخرى عن الفرنسية أو عن الإنجليزية (من الأدب الأمريكى) فى حالة واحدة. ذلك لأنه -بالرغم من تحذيراته من أسلوب الحياة الغربية- كان معجبًا بالأدب الذى ينتجه الغرب.
وقد ترجم لكل من شاتوبريان والكسندر ديماس الصغير. ثم ترجم بعد ذلك كتاب "تحت ظلال الزيزفون" (١٩١٩ م) وترجم "بول وفرحينى" للكاتب برناردين فى سانت بيير "وفى سبيل التاج" للكاتب "فرانسو كوبيه". . وهذه القصص جميعًا مليئة بالفواجع وسوء الحظ. والقاص لا يعبأ كثيرًا بتفسير ما يحدث لأبطاله. فاهتمامه الأساسى هو أن يضعهم فى موقف يدعو إلى اليأس. يعرف كيف يفيد منه ليحرك مشاعر قرائه -فقد برع فى مخاطبة المشاعر والعواطف- وقد استخدم اللغة العربية بحرفية تصل إلى حد الكمال فقد كان أسلوبه من الروعة والفخامة، والقدرة على التعبير عن أقوى المشاعر، مثالًا احتذاه الكثيرون من معاصريه وبعض من خلفوه وقد أشاد محمود تيمور فى مقدمة مجموعة القصصية الأولى التى صدرت تحت عنوان "الشيخ سيد العبيط" (١٩٢٦ م) بنقاء لغته وجزالتها. . ومع ذلك يجب أن نشير إلى أن إبراهيم عبد القادر المازنى قد هاجم بافتعال المشاعر واستدرار العواطف وذلك فى كتاب "الديوان" الذى نشره بالاشتراك مع العقاد عام ١٩٢١ م.
وعلى العموم فلئن كانت أعمال المنفلوطى يعاد طبعها باستمرار، فإنها سوف تصبح من غير شك من الآن فصاعدًا من اهتمام التاريخ. والذى يجب أن نذكره لهذا الرجل هو أنه طوّع الأدب الرومانسى "للتربة" العربية.
стр. 9574
كما تجدر الإشارة إلى أن مترجماته ليست ترجمة بالمعنى المعروف وإنما هى اقتباس من تلك الروايات التى كانت ترجمت من قبل. . ذلك لأنه لم يكن يعرف شيئًا من اللغات الأجنبية ولذلك فإن هناك صلة وثيقة بين أعمالة الأصلية وبين أعماله "المترجمة".
المصادر:
(١) على الجندى، أدب المرأة العربية.
(٢) نفسه، تطور الترجمة.
(٣) H. Peres: Le Roman Arabe dons dans le premier du XX
بهجت عبد الفتاح [Ch. Vial]
المنكر
المنكر، اصطلاح فى علم الحديث لوصف حديث أو راو لحديث، ويتعلق معناه بالمعانى المستخلصة من الفعل "أنكر" حيث يعنى، من بين معان أخرى، "جهل بشئ" و"استنكر شيئًا"، وعلى ذلك فحيثما يقع هذا الوصف يكونه المقصود أحد المعنيين، إما أن الحديث غير معروف، أو أنه مستنكر. ويساوى البعض بين هذا اللفظ وبين "شاذ"، ويوصف به حديث الأحاد المقبول من ناحية المعنى، لكون الراوى ثقة، ولكن أغلب المتضلعين فى علم الحديث يرون أن "المنكر" ينطوى على دلالة سلبية بينما الشاذ يحمل معنى إيجابيا، يتضمن أن الحديث يمكن قبوله وعدم إطراحه.
ووصف الحديث بأنه "منكر" يحمل معنى الشك فى كون الراوى له يد فى صياغة متن الحديث (فإن كان هذا ليس صحيحًا على اطلاقه)، بينما الشك فى اسناد الحديث "ضعيف". ولقد كان تمحيص المتن هو الوسيلة الفنية الأساسية لعلماء الحديث فى القرن الأول، أما وسيلة الإسناد فتعود للقرن الثانى، ولذا فإننا نجد هذا الوصف لبيان صفة الأحاديث عن تقييمه وفحصه فى هذه الفترة المبكرة. وليست شهرة راو برواية المنكر من الحديث سبب لرفض روايته، ولكنها فقط مبرر لأخذها بتحفظ، ذلك أن سمعة الراوى المشكوك فى أنه روى بعض المنكرات، بسبب الكذب هو من معايير نقد الحديث.
стр. 9575
ومن الرواة الذين اشتهر عنهم المنكرات من الأحاديث التابعى المخضرم قيس بن أبى حازم (متوفى ٨٤ هـ/ ٧٠٣ م أو ٩٨ هـ/ ٧١٦ م)، والمدعو "معمر" الذى يعتقد بأنه شخصية ابتدعها إسماعيل بن أبى خالد (متوفى ١٤٦/ ٧٦٣) على أنه أستاذه مع الأحاديث التى يعتقد أنها من وضعه. وأيضا شهر بن حوشب (متوفى ١٠٠ هـ/ ٧١٨ م) المتهم بأنه أدخل أحاديث منكرة فى روايات ثقاة من الرواة. والتى تتعلق بالمتن أكثر من تعلقها بالإسناد.
وأكثر المنكرات جاءت من خلال ما يسمى بالإسناد العائلى، والذى فيه يروى الراوى عن والده عن جده وهكذا. ومن أمثلة ذلك ما روى عن عبد اللَّه بن بر يده (متوفى ١١٥ هـ/ ٧٣٣ م)، وهو المصدق فى أحاديث أخرى، حين يروى عن والده الذى يعتقد أنه لم يسمع مطلقًا شيئًا من الأحاديث.
وفى مرحة متأخرة، كالنصف الثانى من القرن الثانى، أخذ المنكر من الأحاديث وضع "الحديث الموضوع" سواء من جهة المتن أو من جهة الإسناد.
هذا وتورد مؤلفات علم الرجال أسماء الرواة المشكوك فى روايتهم أصحاب المنكرات - الأحاديث المنكرة).
المصادر:
(١) الخطيب البغدادى: الكفاية فى علم الرواية، حيدر أباد، ١٣٥٧.
على يوسف [ج. هـ. جونبول G.H.A.Juynboll]
منكر ونكير
منكر ونكير، (قد ترد الصيغة باداة التعريف) اسم لملكين يختبران إيمان المتوفى ويتوليان عذابه فى القبر إن كان مستحقًا لذلك من بين الكفار والمؤمنين، والعصاه والطائعين حيث يسأل المؤمن الطائع عن الإيمان بالرسول ويوفق فى الاجابة، بينما لا يقدم الكافر والعاصى إجابة مرضية، ونتيجة لذلك فسيعذب من قبل الملكين حتى يوم القيامه ما عدا يوم الجمعة.
وتفرق بعض الروايات بين العذاب و"الضغط" فى القبر، حيث يُعفى المؤمن من الأول وليس من الثانى، بينما يقاسى الكافر أو المذنب من الاثنين.
стр. 9576
هذا ولم يُذكر عذاب القبر فى القرآن صراحة، فإن كان الإيحاء به يستقى من بعض الآيات مثل ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ (محمد، ٢٧).
ويتردد ذكر عذاب القبر فى الأحاديث، دون ذكر للملائكة، بل يذكر فقعا سبب وقوع ذلك، كارتكاب ذنوب معينة أو ولولة الأحياء من أقارب المتوفى [إذا لم يكن نهاهم عن ذلك قبل موته].
ولم يرد اسم منكر ونكير فى القرآن، ولم يُذكر فى الصحيح من كتب الحديث المعتمدة سوى مرة واحدة (الترمذى، باب الجنائز). ولكن يرد فى بعض الكتب الأخرى ذكر لملاك يتولى سؤال المتوفى وتعذيبه (مسلم، أبو داود).
وعلى ذلك فأحاديث عذاب القبر تمر بأربع مراحل: الأولى دون ذكر لملائكة، والثانية تذكر ملاكًا واحدًا، والثالثة ملاكين، والرابعة تصرح باسميهما؛ منكر ونكير.
وقد ورد فى كتاب الفقه الأكبر الأول الذى يرجع للنصف الثانى من القرن الثانى عذاب القبر مجردًا أما فى وصية أبى حنيفة التى تعود لنفس الفترة فقد ورد فيها ما يفيد التصديق بعذاب القبر ومنكر ونكير.
وفى كتاب الفقه الأكبر الثانى الذى يمثل العقيدة فى النصف الثانى من الثالث ورد نفس الموضوع بدرجة أكثر تفضيلًا وكذلك اتحاد الجسم مع الروح فى القبر كحقيقة ونجد نفس الصورة عن عذاب القبر وسؤال منكر ونكير فى المراحل المتأخرة أيضًا.
هذا وتعتبر طائفة الكرامية هذين هما اللذان يصاحبان الإنسان حال حياته. أما الغزالى فيقر مسألة الحساب على أساس أنها تتم فى "الملكوت" وليس معروفًا أصل الأسمين، ولكن فكرة عذاب القبر موجودة فى عقائد أخرى، منها اليهودية.
المصادر:
(١) Wensinck: Handbook of early Muh. tradition
стр. 9577
(٢) E. Sell: The faith of Islam, Cenelen, ١٨٨٠
(٣) أبو جعفر عمر النسفى، عقائد، استانبول، ١٣١٢ م.
(٤) الغزالى: أحياء علوم الدين، القاهرة، ٢ - ١٣ م.
على يوسف على [فنسنك Wensinck]
المهجر
المهجر: (وتجمع أحيانًا على مهاجر) اسم يطلق فى العربية على مناطق امريكا الشمالية والجنوبية وامريكا الوسطى، هاجر إليها اللبنانيون والسوريون والفلسطينيون وعرب آخرون. وأكثر المدن التى يتردد ذكرها فى الأدب العربى الحديث هى نيويورك، ساوباولو، ورديودى جانيرو وبيونس أيرس، ونشأت هناك وتطورت حركة أدبية متميزة فى النصف الأول من القرن الحالى، لم تنكشف آثارها حتى الآن بشكل كامل، ولم تكن تلك هى كل المواقع التى استقر فيها المهاجرون ونشروا انتاجهم من الشرق الأدنى فى القارة الأمريكية باللغة العربية أو باللغات الوطنية (الانجليزية، الأسبانية أو البرتغالية) وصدرت فى نشرات، وصحف ودوريات وكتب بهدف نشر المعرفة بالعرب وتراثهم، أو دعم قضاياهم السياسية المعاصرة.
بدأ تدفق المهاجرين تجاه العالم الجديد مما كان يعرف "بالشام (المنطقة التى تضم الآن لبنان، سوريا وفلسطين) منذ نهاية القرن الماضى وبدايات القرن العشرين وبلغت الهجرة ذروتها فى أمريكا الشمالية عام ١٩١٣ م، ثم بدأ الانحسار فى أعقاب الحرب العالمية الأولى كنتيجة للقيود التى فرضتها الولايات المتحدة على حركة الهجرة والتشريعات الخاصة بالجنسية التى أقرت فى عام ١٩٢٤ م، مما كاد أن يضع حدًا لها، رغم استمرار التدفق الكبير إلى أمريكا الجنوبية.
وترجع هجرة اللبنانيين فى الأساس إلى أسباب اقتصادية، فقد عانى سكان الجبال من الحرمان من الأراضى الزراعية بعد إنشاء نظام المتصرفية الذى بدأ فى عام ١٨٦١ م بالإضافة إلى مزايا الهجرة بما توفره من حوافز قوية
стр. 9578
منها فرص تحقيق الثروة. وفرص العمل التى لا حد لها واحترام الحريات العامة وتقبل المجتمع لطموحات الفرد وفقا لأفعاله وقدراته وليس على أساس الموطن أو الطبقة والاهتمام بحقوق وكرامة المواطن بلا تمييز، وسياده النظام والقانون.
واستقر هؤلاء المهاجرون (عقب وصولهم) فى الأحياء الفقيرة من المدن التى اختاروها لوجود أقارب لهم بها. وبدأوا فى اكتساب عيشهم من خلال التجارة فى الطرقات والأعمال البسيطة. أما من حقق النجاح منهم وكانوا أقلية فقد افتتحوا محالًا صغيرة وإن أصبح بعضهم من رجال الصناعة أو التجار الناجحين.
أما الشعوب التى عاشوا بين ظهرانيها فلم تنظر إليهم باحترام كبير وكانوا يسمونهم بالأتراك نسبة للمناطق التى وفدوا منها وكانت تحت الحكم العثمانى، وفى بعض الحالات كانوا يعاملون كالمغول واعتبروا من الجنس الأصفر. وكان المهاجرون أنفسهم واعين لأهمية تصحيح هذه الصورة التى شكلت أفكار الأمريكيين حيالهم.
فى البداية كانوا يعتقدون أن هذه الهجرة مؤقتة ولن تدوم لأكثر من الفترة اللازمة لادخار الأموال الكافية لتأمينهم والانفاق على عائلاتهم فى الوطن آملين فى نفس الوقت أن تتحسن الظروف المعيشية فى بلادهم. لكنهم بمجرد أن استقروا واعتادوا نمط الحياة وازدهرت اعمالهم وشب أبناوهم فى ذلك المحيط الجديد وتعلموا لغته وازدادوا ارتباطًا به، بدأوا يفكرون فى البناء والأستقرار برغم آلام (المنفى) التى كانوا يعانون منها والحنين المرير الذى كانوا يكابدونه للأهل والوطن.
ليس هناك شك إنهم استجابة لاحتياجهم للتواصل فيما بينهم فى الغربة، ومن ناحية أخرى لمتابعة الأحداث الجارية فى الوطن، اضطروا لإصدار عدد من الصحف العربية الصغيرة، بدت فى الظهور مع وصول الموجات الأولى من المهاجرين فى السنوات الأخيرة للقرن التاسع عشر فى شمال وجنوب القارَّة.
стр. 9579
وقد ظهرت الصحيفة الأولى (كوكب أمريكا) فى نيويورك فى عام ١٨٩٢ م ثم تلتها صحيفة "العصر" فالأيام فالهدى سنة ١٨٩٨ م فمرآة الغرب (١٨٩٩ م). أما فى البرازيل فكان أقدمها (الفيحاء) (١٨٩٥ م) وتليها أربع صحف أخرى هى الرقيب فالبرازيل (١٨٩٨ م) فالمناظر (١٨٩٩ م) فالصواب (١٩٠٠ م).
كذلك احتاج الأمر إلى تشكيل مؤسسات وجمعيات أدبية لخدمة مصالع المهاجرين وتوحيد طاقاتهم ودعم مؤسساتهم الاجتماعية فظهرت (الجمعية السورية المتحدة) فى نيويورك ١٩٠٧ م وتلاها العديد من الهيئات الأخرى. أما فى البرازيل فقد تأسس عدد هائل من النوادى وكان أهمها النادى "الحمصى" وأعقبها جمعيات أدبية. أما الحياة الأدبية فى أمريكا الشمالية فقد ازدهرت منذ مرحلة سابقة لأسباب منها ما كان للهجرة من تاريخ طويل، وكانت المطابع موجودة منذ تاريخ مبكر نسبيا، وقد
ساهم فيها الكتاب الموهوبون منذ نهاية القرن السابق أمثال أمين الريحانى الذى قدم إلى نيويورك فى ١٨٨٨ م، ثم تبعه (جبران خليل جبران) (فى ١٨٩٥ م. والشاعرة (ندرة حداد) فى عام ١٨٩٧ م، وبعدها مع بداية القرن العشرين الشاعران (نسيب عريضة) و (راشد أيوب) فى عام ١٩٠٥ م، أما شقيق الشاعرة "ندرة"، الصحفى (عباد المسبح حداد) فقد قدم فى عام ١٩٠٧ م، كما جاء ميخائيل نعيمه وإيليا أبو ماضى فى ١٩١١ م وتزايدت المطابع وأصبحت ستًا بحلول عام ١٩١٠ م. وكانت تصدر بالإضافة إلى الصحف بعض النشرات الأدبية الراقية (كالفنون) (١٩١٣ م) التى كان يحررها (نسيب عريضه، و (السائح) ويحررها (عبد المسيح حداد).
بدأ "أمين الريحانى" فى الكتابة للصحف فى أواخر القرن الماضى، وأظهرت ولعًا ملحوظًا بالتجديد وقد نشر كتبا ثلاثة سبقت كتاب جبران الأول (الموسيقى) الذى نشر عام ١٩٠٥ م. كما أنه انشغل بهموم قومه فى المهجر والوطن والتزم بالدعوة
стр. 9580
للتحرر بأوسع معانيه، سياسيًا واجتماعيًا وحمل على القصور والتعصب والضيق بالرأى الآخر والطائفية الدينية، ولعل أكبر معبر عن هذه الروح أن يكون أول الأعمال المنشورة فى المهجر بعنوان (طريق الثورة الفرنسية).
أما جبران، فقد بدأ منذ عام ١٩٠٣ م وهو ما يزال فى بوسطن التى لم يغادرها إلى نيويورك إلا عام ١٩١٢ م فى نشر مقالاته فى صحيفة (المهاجر) (١٩٠٣ م) و (الهدى) و (مرآة الغرب) ويبدو أنه كان أكبر تأثيرًا من (الريحانى) وأكثر ميلا لرفض التقاليد بشكل مباشر. ولما كان محبًا للرسم فقد سيطرت الصور الخيالية على كتاباته وأورثه تعليمه وتجاربه حماسًا متأججًا وتوقا للكمال. وينم أسلوبه عن روح شاعرية قريبة من مصادر الصوفية الشرقية التى ورثها الغرب من خلال الحركات الرومانسية المختلفة. وبثّ ذلك فى أوائل كتبه: (عرائس المروج) (١٩٠٦ م) و"الأرواح المتمردة" (١٩٠٨ م)، والأجنحة المتكسرة (١٩١٢ م)، و"دمعه وابتسامه" (١٩١٣ م) ومقالاته يأته التى سبق نشرها فى صحف المهجر وهى (الفنون) و (السائح).
وكان لميخائيل نعيمة -ما كان للريحانى وجبران من نزعة تجديدية. وقد أكسبته دراسته الدينية (اللاهوتيه) التى تلقاها فى روسيا بين عامى ١٩٠٦ و ١٩١١ م تدينًا بالغًا وكان يشبه جبران فى ميله للصوفية التى اعتبرها ضرورية للتحليق فيما وراء الاحساس العضوى وصولا لحقيقة الأشياء. لكنه لم يكن على نفس جيشان المشاعر وتوقد الأحاسيس وقد اتجه لدراسة القانون والآداب فى جامعة أمريكية. وقد مكنه هذا التعليم من تحسين دقة تعبيره، وتحقيق توازن أفضل بين عناصر العمل الفنى، وقد انعش إلمامه بالأدب الروسى من قدرته على التحليل النفسى.
وبهذه الطريقة، تمكن هؤلاء الرجال الموهوبون، إضافة إلى الكتاب والشعراء الذين انضموا إليهم لاحقا من إثبات قدراتهم الأدبية وبعد قرابة أربعين عامًا
стр. 9581
من الموجات الأولى للهجرة إلى نيويورك توصلوا للوسائل التى تمكنهم من إنشاء جمعية بهدف (إنعاش الروح الأدبية) فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، وتمكنوا أيضًا من ترسيخ أنماط الكتابه الأدبية، وشكلوا فى عام ١٩٢٠ م (الرابطة الكلامية)، وعهد برئاستها (للعميد) جبران، والسكرتارية (للمستشار) نعيمه، وكان من بين أعضائها الشعراء إيليا أبو ماضى (١٨٩٠ - ١٩٥٧ م) ونسيب عريضه (١٨٨٧ - ١٩٤٦ م) وراشد أيوب (١٨٧١ - ١٩٤١ م)، ندرة حداد (١٨٨١ - ١٩٥٠ م)، وأخوها عبد المسيح (١٨٩٠ - ١٨٦٣ م) وبعض الكتاب ممن هم دون هؤلاء أهمية وأظهرهم يليام كاتزفلس (١٨٧٩ - ١٩٥٠ م) امين صندوق الرابطة، وقرروا إصدار نشرة (السائح)، التى اتخذوها منبرا يتمكنون من خلاله مخاطبة العامة.
وبدأت النشرات الأدبية فى لبنان وأمريكا الجنوبية فى نشر مقتطفات من أعمالهم فى الشعر والنثر وكانت مبشرة بما أظهرته من ميل قوى للتجديد. . حتى تزايدت شهرتهم وتعاظم تأثيرهم فى الحياة الأدبية للعرب بشكل ملموس.
ولكن بعد تشكيل الرابطة لم يكتب جبران بالعربية، باستثناء بعض المقالات، بل اتجه للإنجليزية وكتب فيها ثمانية كتب يعتبر أهمها (النبى) الذى يعد أهم اعماله على الإطلاق، وفيه يعطى (نبيه) اسم مصطفى، وبلغة شعرية أسره، يورد على لسانه، بنفس طريقة نيتشه "مع (زرادشت) خلاصة فهمه للوجود والإنسان.
استمر بقية أعضاء الرابطة فى الكتابة بالعربية. وجمع (ميخائيل نعيمه) مقالاته فى النقد ونشرها فى كتاب بعنوان (الغربال) ١٩٢٣ م، ومن هذا العمل يمكن التوصل لكل قواعد النقد التى تمثل الخصائص الرئيسية للكتابة فى (الرابطه) وهى الدعوة للتحديث وإعلاء الحقيقة، وربط الأدب بالحياه ليتمحور على الدوام حول الإنسان ومشاكله الحيوية، وقد كتب نعيمة أيضا عددًا من القصص القصيرة والمقالات والتى تضمنتها فيما بعد
стр. 9582
مختاراته القصصية (كان ما كان) ١٩٣٧ م و (كتاب المراحل) (١٩٣٦ م) وفى الجزء الأول من روايته الفلسفية (مذكرات الأرقش) (١٩٤٩ م). وفيما قبل تشكيل الرابطة كان قد نشر عمله الدرامى الوحيد (الآباء والبنون) ١٩١٧ م، وفيه انحاز إلى جانب الجيل الأصغر محاولا التوفيق بين أنماط الجدل الكلاسيكى والجدلى.
كتب غالبية أعضاء الرابطة الشعر والنثر ولكن الشعراء من بينهم لا يزالون يتمتعون بمكانه بارزه، منهم إيليا أبو ماضى بمجموعته الشعرية التى نظمها فى المهجر ونشرت قبل إنشاء الرابطة وبعدها، (الجزء الثانى من الديوان) والجداول ١٩٢٧ م، والخمائل (١٩٤٦ م) وكان شعره شديد الخصوبة يمثل مشاعر جياشه وحساسية نافذة وأسلوبا جذابا مما جعله يتمتع، حتى الآن، بشهرة ذائعة، وتلاه (نسيب عريضه) الذى نشر كل شعره فى ديوانه الوحيد (الأرواح الحائرة) ١٩٤٦ م ويكشف عن روح مضطربة فائقة الحساسية. أما راشد أيوب مؤلف "الأيوبيات" ١٩١٦ م و (أغانى الرومانسية) (١٩٢٨ م) و (هى الدنيا) ١٩٣٩ م، وندره حداد وديوانها الوحيد بعنوان (أوراق الخريف) تكشف أشعارهم عن شدة الحنين للماضى والمعاناة وحبهم للإنسانية الذى يميز أدب المهجر فى الأساس، وروعة الأسلوب الذى صيغ به.
ولكن الرابطة لم تحتكر كامل الحركة الأدبية للهجرة فى أمريكا الشمالية، وظل خارجها كتاب وصحافيون بارزون من بينهم "أمين الريحانى" رائد أدب المهجر، والشاعر "مسعود سماحة" (١٨٨٢ - ١٩٤٦ م) وكان قوى الشاعرية متعدد القدرات والمواهب، والمؤرخ (فيليب حنى) الذى أسهم من خلال كتاباته التاريخية بالإنجليزية فى تعريف الغرب بالعرب وتاريخهم وحضاراتهم والصحافى "نعوم مُكَرْزل" صاحب جريدة "الهدى" وأخوه (سلوم) الذى نشر عددًا كبيرًا من الدوريات وغيرهم من الشعراء والكتاب الكثيرين.
دامت (الرابطة) لأكثر من عشر سنوات (١٩٢٠ - ١٩٣١ م)، وبوفاة (عميدها) جبران (١٩٣١ م) وعودة
стр. 9583
نعيمه إلى الوطن (١٩٣٢ م) تفرقت، ولكن انتاج بعض أعضائها الأدبى تواصل لفترة من الزمن ويقتضينا وفاء الرابطة حقها، أن نتذكر أن مطبوعاتها الأدبية قدمت للعالم أعظم انتاج (المهجر) ويعود الفضل فى ذلك لثلاثة من أعضائها نسيب عريضة فى كتابة الفنون (١٩١٣ م)، وعبد المسيح حداد فى كتاب السائح (١٩١٢ م)، وإيليا أبو ماضى فى كتابه السامر (١٩٢٩ م)، وأنه من خلال العمل المشترك لكل أعضائها ظهرت للوجود أول الحركات الأدبية الحديثة لتقديم نوع من المدارس الأدبية لقراء العربية برغم الاختلافات الفردية وذلك فيما أصدرته من الكتب فى السير الذاتية والقصص القصيرة والرواية الفلسفية التى أصبحت معروفة فى الأدب العربى كنتيجة للأشكال الفنية التى أدخلها هؤلاء الكتاب على تلك الفنون، وأن أحد أعضائها (عبد المسيح حداد) حافظ فى السير الأصلية المنشورة بعنوان (حكايات المهجر) (١٩٣١ م) على الوثائق المرتبطة بالمرحلة الأولى من الهجرة وتحوى تفاصيل دقيقة وحَيَّة لا يعنى بها التاريخ عادة، ولدرجة أن آثار حركتهم الإصلاحية على المجتمع العربى ككل استهدفت إعادة بناء الشخصية العربية على أسس اجتماعية جديدة تتميز أساسًا بالحب، وأعطت مجهوداتهم المستمرة من أجل التجديد، دعما قويًا للدعوة التى ظهرت فى الشرق الأوسط (الأدنى) من خلال تأثير ديوان مطران الذى كان رائدا للمدرسة الرومانسية.
وبانحسار (الرابطة) انتقل مركز ثقل الأنشطة الأدبية نحو البرازيل، حيث تكونت الجمعية الأولى تحت اسم (رواق المعرى) (١٩٠٠ م) على يد نعوم لبكى، ولم يعد لها وجود منذ قبيل الحرب العالمية الأولى بوقت طويل عندما عاد مؤسسها إلى وطنه عام ١٩٠٨ م وعمد أعضاؤها إلى عقد صالونات أدبية فى منازلهم، وبعدها نجح ميشيل المعلوف فى تأسيس جماعة باسم (العصبة الأندلسية) فى عام ١٩٣٣ م، وقد اختار أعضاء الجماعة هذا الاسم لوعيهم بحقيقة أنهم يعيشون بين قوم أصولهم من شبه جزيرة "أيبريا" التى عاش فى جنوبها أسلافهم واختلطوا بالسكان فى هذه
стр. 9584
الأندلس الجديدة. ومن الحقائق الثابتة أن العدد الهائل من المسلمين فى أسبانيا والذين أجبروا على التحول للمسيحية فى أعقاب نهاية الحكم الإسلامى فى ١٤٩٢ م وقرار فيليب الثالث بطرد العرب ومحاكمتهم أمام محاكم التفتيش، ولذلك فما زالت شعوب أمريكا اللاتينية تحتفظ فى دمائها وحضارتها بآثار من حضارة ودماء عرب الأندلس، وهى واضحة فى اللغة والمظهر والعادات والتقاليد الاجتماعية وهى مألوفة بالنسبة للمهاجرين العرب وتشجعهم على الاعتقاد بأنهم على اتصال بجذورهم.
حققت (العصبة) مهمتها اللغوية والأدبية بعون من الجمعيات الهامة التى أسسها المهاجرون. وأنشئت مدارس عديدة لتدريس اللغة العربية فكان هناك على سبيل المثال حوالى عشرة آلاف تلميذ فى مدرسة (المعلم) وديع اليازجى، كما نظمت مختلف المعاهد الاجتماعية احتفالات يلقى خلالها أعضاء "العصبة" الخطب والشعر بالإضافة إلى الاحتفالات التى تقام فى المناسبات الوطنية المختلفة، كذلك دعمتها بالصحف والنشرات وكان من أهمها: "الشرق" ويحررها موسى كريم و (الأندلس الجديدة) لشكر اللَّه الجرّ، والتى نشرت الأعمال الأدبية لأعضاء (العصبة) وفى بعض الأحيان كانت تقوم بحملات نيابة عن الآراء السياسية المعارضة وبذلك وفرت الدوافع الأخرى للخلق الحقيقى للأدباء والكتاب سواء كانوا من الجماعة أو من خارجها.
فى البداية اختار الكتاب من خارج الجماعة "الأندلس الجديدة" منبرا لهم وقد نشر أحد أعضائها "شكر اللَّه الحر"، بعد عامين من إنشائها فى ١٩٣٥ م، مطبوعة جديدة باسم (العصبة) ورأس تحريرها عضو آخر هو حبيب مسعود واستمرت العصبة هى ونشرتها حتى عام ١٩٥٣ م عندما حل بها الضعف بالموت أو عودة المنفيين للوطن، وبذلك انتهت الحركة الأدبية الثانية فى المهجر وانطفأت شعلة (الأدب المهجرى). ولم يتبق منها سوى بضع شذرات هنا أو هناك فى القارة الأمريكية ما زالت تقاوم فعل الزمن.
أما فى أمريكا الشمالية، فقد قامت المكانة التى يتمتع بها المهجر هناك وفى
стр. 9585
الشرق الأوسط على النثر أكثر من الشعر برغم التأثير الذى خلفته (مواكب) جبران، و (همس الجفون) لنعيمة والأعمال الشعرية "لإيليا أبى ماضى" و"ونسيب عريضه" فى توجيه الحركة الشعرية الحديثة نحو القلب وروح الإنسان وإصلاح الأشكال اللغوية وموسيقى الشعر بفضل الرواد أمثال الريحانى وجبران فى تطويرهم الشعر المنثور الذى يحظى بإعجاب واحترام كبيرين فى دوائر عربية معينة. وأوجد جبران مدرسته الخاصة، بأسلوبه الدافئ المغلف بالرمزية والصور الحية المعبرة التى تحقق المتعة، وتستعصى على الحواس. ومن ناحية أخرى فإن نثر جبران ونعيمة يتعرض للموضوعات الرئيسية فيما يتعلق بالإنسان والمجتمع والنقد، إضافة إلى أنهما تناولا بالنثر معظم ضروب الأدب. وأمكن لنثرهم من خلال عمقه وعالميته أن يكتسب مكانه، فى الأدب العربى الحديث.
أما بالنسبة للعصبة فقد كان الشعر هو الغالب على إنتاج أعضائها بتأثير الذوق الشعرى الموروث للعرب فى وسط ما زال يتذكر باستمرار ماضية فى الأندلس. وبفضل هذا الشعر تحتل الأنشطة الأدبية للمهجر مكانًا فى الأدب العربى الحديث يعود الفضل فى هذا لأكثر شعراء العصبة البارزين موهبة وهم الشاعر القروى (رشيد سليم الخورى) المولود سنة ١٨٨٧ م، وقد هاجر إلى البرازيل عام ١٩١٣ م، وإلياس فرحات (ولد فى ١٨٩٣ م، وهاجر ١٩١٠ م)، وشفيق المعلوف (ولد ١٩٠٥ م وهاجر ١٩٢٦ م) وشكر اللَّه الجرّ (ولد ١٩٠٥ م وهاجر ١٩١٩ م).
وفى أمريكا الشمالية، فكان غالب اهتمام الكتاب منصبًا على المشاكل العامة للإنسان، وانشغلوا بمصير الإنسان الذى يسعون لإنقاذ روحه من قهر المدنية المادية.
وفى بيونس أيرس، حاول الشاعر جورج صيدح (١٨٩٣ - ١٩٧٨ م) فى عام ١٩٤٩ م إنشاء جمعية أدبية جديدة تحت اسم (الرابطة الأدبية) ولكنها انتهت بعد عامين من تأسيسها. وقد ظل الأنتاج الأدبى فى الأرجنتين محدودًا واقتصر على الشاعر والكاتب
стр. 9586
والناثر (إلياس قنصل) (١٩١٤ - ١٩٨١ م) الذى خلف شقيقه الأصغر زكى (الذى هاجر للأرجنتين عام ١٩٢٨ م). وقد سيطرت على أعمال هذين الكاتبين، وأعمال "جورج صيدح" المشاكل الوطنية لأوطانهم وكذلك الرغبة فى مراعاة التعبير ومرونته ورقته.
وبشكل عام فإن تأثير (المهجر) على التفكير الأدبى العربى يظل حيًا حيث تبقى أشعاره ونثره حتى الآن، على أن الأخطر من ذلك كله هو ما كان لها من تأثير على الكتاب من ذوى النزعة الرومانسية فى المغرب والمشرق مثل المنفلوطى والشابى على سبيل المثال. وقد تمثل فكرهم النقدى خاصة فى (الغربال) لنعيمة والذى ساهم فى تشكيل أحد أبرز رموز النقد الحديث محمد مندور (١٩٠٧ - ١٩٦٤ م).
ويمكن استخلاص الخصائص المشتركة لأدب المهجر فى أمريكا الشمالية والجنوبية على النحو التالى:
سيطرة النزعة الشاعرية على الكاتب بحكم اغترابه والحنين للوطن، وعشق الطبيعة إلى حد التقديس، ووجدوا فى صور جمالها وصفائها السلوان والعزاء فى منافيهم البعيدة إضافة للتوق والولع بالتأمل فى الأشياء الدنيوية ببصيرة شاعرية وغنائية.
بهذه الخصائص، علاوة على الاختلافات الفردية والجماعية التى تتجلى فى أعمالهم، حازت بعض أعمالهم شهرة عالمية خاصة مثل "النبى" (لجبران) التى ترجمت لأكثر من خمسين لغة، وكتاب على بساط الريع لفوزى المعلوف. وكذا حازوا موقعًا فريدًا خاصًا فى الأدب العربى الحديث ويرجع هذا للطبيعة الفردية والخاصة لإنتاجهم الأدبى وإلى تجاربهم الفردية والخاصة.
المصادر:
(١) أديب الباشا "لبنان بعد الحرب" القاهرة ١٩١٩ م.
(٢) السوريون فى الولايات المتحدة الأمريكية" القاهرة ١٩٢٢ م.
(٣) ف. حتى "أمريكا فى نظر شرق" القاهرة ١٩٢٤ م.
نبيل محمود [عبد الكريم الأشتر A. K. Ashtar]
стр. 9587
مهداوية
طائفة من الطوائف الإسلامية فى الهند، أتباع السيد محمد المهدى (٨٤٧ - ٩١٠ هـ/ ١٤٤٣ - ١٥٠٥ م) من جاونبور بالقرب من بنارس، والذى ادعى أنه المهدى المنتظر. واستطاع أن يجمع له أتباعا فى "أحمد أباد" وأماكن أخرى فى ججرات (كجرات)، وقد أجبر على الفرار من الهند وتوفى فى غرب أفغانستان. وقد نسب إليه أتباعه خوارق الأعمال كإحياء الموتى وشفاء الأصم وإبراء الأعمى، ويعتقدون أنه آخر الأئمة وقد اضطروا تحت الملاحقة العنيفة للجوء للتقية. ومن ثم فعددهم غير معروف بدقة. وهم منتشرين فى بعض الأماكن مثل ججرات (كجرات) وبومباى والسند حيث يعرفون باسم [أهل الذكر]. وهم متهمون بعدم التمسك الكامل بأركان الإسلام الخمس، ولهم طقوسهم فى الدفن والزواج.
[ت. و. أرنولد] و [ب. لورنس]
المهدية السودانية
حركة قام بها فى السودان محمد أحمد بن عبد اللَّه (المسمى محمد المهدى) فى عام ١٨٨١ من أجل الإصلاح واتخذت منذ البداية طابعا سياسيا وثوريا إذ كانت موجهة ضد النظام التركى - المصرى، وقد نجحت فى الإطاحة به وأقامت دولة على رقعة من الأرض بقيادة خليفة المهدى الخليفة عبد اللَّه. وقد تطور الأمر إلى قيام ملكية إسلامية تقليدية ظلت قائمة حتى قضى عليها الغزو الإنجليزى - المصرى فى الأعوام (١٨٩٦ - ١٨٩٨)
١ - المهديون الأسلاف: بوسعنا العثور على البوادر الأولى والمباشرة للمهدية السودانية فى ذلك المناخ النفسى الذى ظهر لأول مرة فى مصر فى أواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر الذى كان يعكس ما يدور بخلد الوعى الشعبى آنذاك من أن المجتمع الإسلامى التقليدى مهدد فى كيانه إما من الكفار المتربصين له بالخارج أو من الحكام المستبدين به فى
стр. 9588
الداخل. ومن هنا تعلقت آمال المهدية بالجزايرى غازى حسن باشا عندها قاد حملة ضد "حكم الاثنين" إبراهيم بك ومراد بك، فى حين قاد أحد أنصار المهدية (وكان من أصل مغربى) جماعة من الثوار ضد الفرنسيين فى عام ١٧٩٩, كذلك قام مهدى آخر بثورة فى صعيد مصر ضد محمد على باشا فى عامى ١٨٢٢ - ١٨٢٣ وثمة منشور من المنشورات ضد المهدية السودانية يذكر أحد أسلاف المهدية فى الخرطوم ويدعوه بإبراهيم السودانى ولكننا لا نعرف عنه شيئا أكثر من هذا. ويوحى الاسم بأن صاحبه من أهالى السودان. وإذن فقد كانت المهدية السودانية هى آخر حلقة فى سلسلة الحركات المهدية وأكثرها نجاحا. وهى حركات وأن كانت تقدم نفسها فى صيغة دينية من حيث الشكل إلا أنها ذات أهداف اجتماعية وسياسية واضحة.
٢ - الموقف الثورى فى السودان المصرى: فى الستين عاما التى سبقت ظهور الحركة المهدية حدثت تغييرات عميقة كان لها تأثيرها على المجتمع التقليدى وعلى الإسلام فى السودان وبلغ هذا التأثير حد الثورة فقد أدى غزو محمد على باشا (عامى ١٨٢٠ - ١٨٢١) إلى أنهاء ما كانت تتمتع به جماعات عديدة مستقرة وكذلك البدو الرحّل من استقلال، فقد أنشا نظاما ادرايا مركزيا شديدًا يكلف أعباء وإليه غير مألوفة (ولا شك أن الفساد والاغتصاب قد ضاعف من ثقل هذه الأعباء) مما كان له أثر قاس عليهم أضف إلى ذلك أن مطالب التحديث فى مصر كانت تعنى فى الوقت نفسه أن الموظفين فى السودان نادرا ما كانوا ذوى كفاءة أو نزاهة. ومن بين الفئات التى تدهور وضعها السياسى والاجتماعى تحت ظل تركيا الفقهاء من أهل البلد، فقد كانوا عبر القرون الثلاثة السابقة يقومون ببعض الوظائف، فهم إما مدرسون لتدريس القرآن والشريعة أو زعماء صوفيون أو محكمون، أو وسطاء أو شفعاء لدى الحكام، وقد أدى انشاء جهاز "علماء" [الدين] يحكمه تدرج وظيفى تقليدى لخدمة المساجد الحكومية واندماج هؤلاء فى الجهاز
стр. 9589
القضائى، أدى كل هذا إلى خلق فئة منافسة من القادة الدينيين. وعلى الرغم من أن الأفراد من عائلات "الفقهاء" القدامى كانت فرصتهم أكبر للإفادة من الدراسة فى الأزهر، والدخول فى السلك الوظيفى الرسمى إلا أن التنافر ظل قائما بصورة أساسية بين "الفقهاء" و"العلماء" الذين تدعمهم الحكومة، والذين كان يلقبهم المهدى بعلماء السوء.
٣ - وكان تطور الأحداث فى العقدين السابقين على ظهور المهدية قد زاد من توتر العلاقة بين تركيا وسكان السودان المصرى كما أدى استبداد الخديو اسماعيل الشديد (١٨٦٣ - ١٨٧٩ م) زيادة الشعور بسلطان الحكومة بعد أن كانوا قد بدأوا ينعمون بنوع من اللين النسبى فى السنوات الأخيرة من حكم محمد على باشا وخلفائه كما تم ضم سلطنة دارفور سنة ١٨٧٤ م ومنذ أواسط القرن اقتحم التجار الباحثون عن العاج والرقيق مناطق كانت مجهولة وبلغوا النيل الأبيض وبحر الغزال، أى خارج شمال السودان المسلم والمستعرب، وبعيدا تماما عن رقابة الموظفين الأتراك - المصريين. ولما كانت تجارة الرقيق التى تغذيها هذه المناطق تعدو وصمة عار فى نظر أوربا، كان الهدف الرئيسى للخديو أن يخضع جنوب وغرب السودان لأدارته، وبالتالى يصبح بإمكانه القضاء على تجارة الرقيق -إلا أن تنفيذ مثل هذه السياسة كان من شأنه أن يهدد المصالح الراسخة ومصالح القبائل الرُّحَّل فى شمال السودان لا سيما الدناقلة "والجعليون" الذين انغمسوا فى تجارة الرقيق وتطوروا من تجار صغار (جلّابة) إلى تجار أمراء مثل الزُّبَيْر رَحْمة منصور سيد بحر الغزال الغريبة وقاهر دارفود- وازداد الموقف خطورة حين عين الخديو أوربيين وأمريكيين لتنفيذ سياسته. إذ كان لتعيين مسيحيين فى وظائف عليا وقع كريه فى نفوس السودانين. وكان أحد رؤساء هؤلاء المغتربين هو الضابط البريطانى تشارلز جورج جوردون الذى لعب -بوصفه حاكما للإقليم الاستوائى (١٨٧٣ - ١٨٧٦ م) وحاكما عاما للسودان (١٨٧٧ - ١٨٧٩ م) - دورا رئيسيا فى تلك المحاولات التى
стр. 9590
بذلت من أجل إقامة إدارة خديوية فى الجنوب وقمع تجارة الرقيق- ولم يحقق جوردون وزملاؤه سوى نجاح محدود نظرا لنقص الوسائل -وبعد عزل الخديو اسماعيل (يونيه ١٨٧٩ م) انسحب جوردون- أما من جاء بعدهما -سواء فى القاهرة أو الخرطوم- فكانت قبصته ضعيفة نسبيا، مما سهل الاتجاه نحو التمرد والعصيان فى الأقاليم السودانية.
٣ - حياة محمد المهدى الباكرة (١٨٤٤ - ١٨٨١ م) ولد محمد المهدى فى عام ١٨٤٤ م فى إقليم دُنقلة وكان والده يعمل فى صناعة بناء السفن، وحين كان محمد أحمد طفلا انتقل إلى "كرادى" على النيل، على بعد بضعة أميال قليلة شمال الخرطوم، حيث يتوافر خام الفلين. وبعد وفاة والده استمر أخوته فى ممارسة نفس المهنة، أما هو فقد تلقى تعليما دينيا على الطريقة التقليدية فى السودان المصرى. وأظهر ميلا مبكرا نحو الزهد والتصوف، وانضم فى عام ١٨٦١ م إلى حلقة مريدى الشيخ "محمد شريف نور الدائم" حفيد مؤسس طريقة "السمانية" فى السودان، وحين انتقل أخوته إلى جزيرة "أبا" فى النيل الأبيض بحثا عن الفلين، صحبهم إليها، وفى عام ١٨٧٠ م أقام مقر دعوته هناك ولما ذاعت شهرته بما هو عليه من التقوى صار له اتباع عديدون وربما كان هذا سببا فى انفصاله عن الشيخ محمد شريف، ثم انضمامه إلى مريدى شيخ آخر من شيوخ السمانيه هو الشيخ القرشى ود الدين (المتوفى سنه ١٨٧٨ م) وفى عام ١٨٨١ م صادقه رجل سيصبح أقرب مريديه إليه وخليفته فى رئاسة المهدية فيما بعد وهو عبد اللَّه بن محمد الذى جاء من "التعايشة بقادةً" وهم عرب يرعون الماشية فى دارفود. وأغلب الظن أن عبد اللَّه هذا قد لعب دورا حاسما فى تلك الأزمة الروحية التى أدت إلى أن يجاهر محمد أحمد بأنه "المهدى المنتظر" -وكان قد أسرّ بهذا السر لأول مرة لمريدية فى "آبا" (فى مارس ١٨٨١ م) ثم أسرّ لأنصاره فى زيارته الثانية لكردفان، أما الظهور العلنى للمهدى
стр. 9591
فكان فى ٢٩ يونية عام ١٨٨١ م. وأرسل رسائل إلى كبار القوم يخصهم فيها على الالتفاف حوله، كما أعلن فى برقية أرسلها للحاكم العام أنه مبعوث إلهى.
وعلى الرغم من أن للمهدية -فى الأصل- خصائص عديدة تجعل منها حركة اجتماعية وسياسية معارضة إلا أن هذه الأبعاد كانت مضمرة فى الهدف الأساسى لمؤسسها وهو: الإصلاح الدينى بحيث يشمل هذا الإصلاح: الدين والمجتمع معا. إذ كان يرى -شأنه شأن المصلحين السابقين له- وبصفة خاصة ابن عبد الوهاب- ضرورة استعادة الأمة المسلمة كما كانت فى عهودها الأولى أى محكومة بالقرآن والسنة فهو لا ينظر إلى حركته بوصفها صحوة إسلامية فحسب بل هى صورة مصغرة للحياة فى الأمة الإسلامية فى عهودها الأولى وكذلك نظامها. وقدم نفسه على أنه مُعيّن لدى الخلافة الكبرى وأنه خليفة رسول اللَّه. وقد حاول "العلماء" الرسميون دحض دعاوى المهدية كما جاءت على لسان محمد أحمد إذ أقروا بمذهب السنة التقليدى، وبرهنوا على عدم التزامه بالمعايير التى أرساها الحديث النبوى. ودافع محمد أحمد عن نفسه وغير اسمه إلى محمد بن عبد اللَّه ليؤكد أنه من سلالة النبى كما غير اسم المكان الذى يلتقى فيه بالناس فى كردفان من جبل قدير إلى ماسة".
٤ - " هجرة" المهدى وجهاده (١٨٨١ - ١٨٨٥ م)، لم تكن السلطات فى بادئ الأمر قد قدرت حركة المهدى وما تشكله من تحد حق قدرها، ولكنها أخذت الأمر مأخذ الجد حين أرسلت حملة عسكرية صغيرة لإلقاء القبض عليه فهزمها هزيمة نكراء (أغسطس ١٨٨١ م). وفى نفس الوقت حقق المهدى وأنصاره انسحابا أو "هجرة" إلى جبل قدير وهو من جبال النوبة، وكان المكان من البعد بحيث أصبح تجريد الحملات العسكرية عليه أمرا صعبا فقد جردت حملتان وهزمتا فى ديسمبر ١٨٨١ م ومايو ١٨٨٢ م). ولكنه كان فى نفس الوقت مناسبا لشن هجمات على المواقع الحكومية فى
стр. 9592
كردفان. وكان يسمى ذلك جهادًا -وكان سقوط الأُبيض فى يد المهدى فى ١٩ يناير ١٨٨٣ م فرصة له لكى يجعل منها مركزا اداريا، وكانت كردفان النواة لدولة المهدى- وفى نفس الوقت وهنت سيطرة الخديو بسبب الاحتلال البريطانى لمصر (سبتمبر ١٨٨٢ م). ولكن تم إرسال حملة مصرية بإشراف الكولونيل وليام هيكس وهو ضابط متقاعد فى الجيش الهندى -وفى أثناء تقدم الحملة وسط الأرض الوعرة لهذا البلد من النيل الأبيض وحتى كردفان أمكن للأنصار إبادتهم فى شيكان" (٥ نوفمبر ١٨٨٣ م).
واصبح المهدى الآن سيد الشطر الغربى. واستسلمت له دارفور وبحر الغزال بحكامهما الأوربيين فى ديسمبر ١٨٨٣ م وأبريل ١٨٨٤ م -وفى الوقت نفسه أرسل عثمان دِقْنه وهو من عائلة تعمل بالتجارة فى سواكن- من أجل حشد أهالى "بجة" عند تلال البحر الأحمر وكانت إرسالية ناجحة بفضل معاونة الشيخ الطاهر المجذوب المعروف بقوة نفوذه، وبذلك لم تبق حتى نهاية فبراير ١٨٨٤ م سوى سواكن التى ظلت فى أيدى المصريين وأصبحت الخرطوم والمناطق النهرية فى الشمال مهددة، فأرسلت الحكومة البريطانية "جوردون" لكتابة تقرير عن الموقف العسكرى فى البداية، ولكن بناء على طلبه عينه الخديو حاكما عاما فيما بعد -غير أن الأنصار كانوا قد أحاطوا بالمدينة- فقد ترتب على نجاح عثمان دقنه إغلاق الطريق الآتى من البحر الأحمر إلى النيل، كما أن سقوط "بربر" فى يد الأنصار (مايو ١٨٨٤ م) قطع الطريق النهرى الموصل إلى مصر. وازداد الضغط العسكرى على الخرطوم وأرسل المهدى قواته الرئيسية فى الفترة من أبريل إلى أكتوبر ١٨٨١ م من الأُبيَّض إلى أم درمان المواجهة للعاصمة. وسقطت العاصمة فى ٢٥ يناير ١٨٨٥ م بعد أن انهكها الحصار، وقُتل جوردون فى القتال. لقد كان سقوط الخرطوم يمثل من الناحية العملية نهاية جهاد المهدى. فهو الآن حاكم الأقاليم الرئيسية للسودان المصرى من دنقلة إلى بحر الغزال ومن
стр. 9593
البحر الأحمر إلى دارفود- وأمر باجلاء قواته من الخرطوم وأقام عاصمة خاصة به فى أم درمان، حيث توفى بعد فترة مرض قصيرة فى ٢٢ يونية ١٨٨٥ م.
٥ - حكم الخليفة عبد اللَّه (١٨٨٥ - ١٨٩٨ م) واجهت الأنصار بعد موت المهدى مشكلتان إحداهما عملية والأخرى أيديولوجية أما الأولى فهى من ذا الذى يحل محل المهدى كحاكم للدولة الوليدة وأما الثانية فكيف يمكن تفسير موت المهدى حيث أنه أعلن أن رسالته هى الإصلاح الدينى الشامل، فى حين أنه لم يحقق شيئا سوى الغزو داخل حدود السودان المصرى؟ وقد تم حل المشكلة الأولى على وجه السرعة فيما يبدو إذا اجتمع مجلس من كبار عائلة المهدى فور وفاته وأعطوا "البيعة" لعبد اللَّه بن محمد. وما أن وطد سلطته حتى سعى للوفاء ببرنامج الغزو الذى توقف لفترة قصيرة بعد وفاة المهدى -واستمر الجهاد بفاعلية لعدة سنوات وقد كلف ذلك الشعب كثيرا وهو الذى عانى من الآثار المترتبة على الحروب الثورية وحركة السكان- فكانت والهدف الثانى لجهاد المهدية هو مصر وهى الآن تحت الإدارة العسكرية والسياسية البريطانية الصارمة. وكان التخطيط لغزو مصر معدًا قبل وفاة المهدى وكان القائد الذى تتجه النية لاسناد القيادة إليه هو عبد الرحمن النجومى ولكن تنفيذ المشروع تأخر عدة سنوات، وعلى الرغم من أن النجومى اختار مقر قيادته فى "العرض" (دنقلة الجديدة) فى نوفمبر ١٨٨٦ م، إلا أن الخليفة لم يكن يثق فى "أولاد البلد" مما أدى إلى تجاوزه النجومى مما اضطره إلى أن يشاركه فى القيادة أحد رجال "التعانية" وفى صيف عام ١٨٨٩ م تقدمت قوة من المهدية نحو مصر، ولكنها أبيدت فى ٣ أغسطس عند توشكى شمال وادى حلفا، وقتل النجومى نفسه فى القتال. ولم تبذل محاولة أخرى لغزو مصر رغم وقوع عدة غارات على الأراضى المصرية كان بعضها خطيرا.
أما مناطق الجنوب الوثنية والتى أصبحت تحت ادارة الخديو منذ وقت
стр. 9594
قريب فلم تكن أبدا جزءًا من الدولة المهدية- ويشكل عام ١٨٨٩ م نهاية المرحلة العسكرية للمهدية. وشهدت المرحلة التالية استقرار لحكم الخليفة المستبد داخل دولة ذات رقعة من الأرض تشمل من الوجهة العملية الأراضى التى يقطنها المسلمون والعرب من شمال السودان. ومن المراحل التى أدت إلى اضمحلال المهدية نضاليا هو المجاعة الكبرى التى تفشت فى الأعوام ١٨٨٨ - ١٨٩٠ م. وضاعف من أثر هذه المجاعة هجرة التعاليبة من أم درمان -وفى مارس عام ١٨٩٦ م سمحت الحكومة البريطانية لقوة من الجيش المصرى بالتقدم نحو إقليم دنقلة الذى يسيطر عليه المهديون. وكانت الحملة برئاسة السير هـ. هـ لكشنر الذى أنشأ خطا للسكك الحديدية كلما تقدم على طول نهر النيل من وادى حلفا. وفى نهاية سبتمبر ١٨٩٦ م كان الإقليم بأكمله قد تم احتلاله، وفى العام التالى سمح للكشنر بمزيد من التقدم وتم بناء خط حديدى آخر عبر صحراء النوبة ليصل إلى النيل عند أبى حماد ثم مد إلى الجنوب مع تقدم القوة المصرية الإنجليزية -وواصلت القوة تقدمها وتلقت الدولة المهدية ضربة قاضية فى معركة "كرّداى" وتسمى فى كثير من الأحيان معركة أم درمان (٢ سبتمبر ١٨٩٨ م).
٦ - مؤسسات المهدية: بعد النجاح الذى حققه الجهاد أصبح من الضرورى وجود جهاز مالى نظرا لأن المهدى كان يجد دائما مشقة فى منع رجال القبائل عن سلب الغنائم. وتم إنشاء بيت المال فى "قدير". وكانت مصادر الدخل فى ذلك الوقت تنحصر فى مصدرين هما الغنائم والزكاة التى تشمل الضريبة على الحبوب والماشية. وعلى الرغم من أن المهدى كان قد رسم لنفسه هدفا هو استعادة أمد الإسلام كما كانت عليه فى عهودها الأولى، إلا أن سرعان ما وجد نفسه مضطرا لاتخاذ قرارت تشريعية ونشر تعليمات إدارية تعد بمثابة تشريعات. والكثير منها نتج عن ظروف الحرب الثورية. وكان المهدى يتوسع فى تفويض كبار موظفيه بعض وظائفه
стр. 9595
القانونية، وعين شخصا يحمل لقب قاضى الإسلام لمثل هذه الوظائف بصفة خاصة.
٧ - تطورات لاحقة: على الرغم من أن الغزو الإنجليزى المصرى قد أطاح بدولة المهدية إلا أن المهدية كحركة ظلت قوة ذات نفوذ وخصوصا فى منطقة الغرب -وكانت الحركة محظورة قانونا فى السنوات الأولى من الكوندمينوم، حيث أصدر "الحاكم ونجت" ٣ قرارات فى السنوات من ١٨٩٩ م إلى ١٩١٦ م -وأودع زعماؤها الباقون السجن وتم قمع عدة انتقاضات دينية، ولكن ابن المهدى وهو عبد الرحمن (١٨٨٥ - ١٩٥٩ م) - بعد وفاة ابنه على إحياء المهدية فى شكل جديد. وكان يحظى بموهبة سياسية كبيرة، ووجد الفرصة سانحة نظرًا لتغير الأحوال السياسية خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، وكان الأنصار يعدونه شخصية تمتع بجاذبية، أما عند أتباعه الذين تأثروا بالغرب فهو قائد وطنى وزعيم حزب الأمة الذى تم تأسيسه فى عام ١٩٤٥, وظل يلعب دورا أساسيا فى السياسة السودانية -والنظرة الحديثة ترى أن المهدى مجدد، وأن المهدية حركة إصلاحية ولكنها فى جوهرها تقليدية.
المصادر
(١) محمد إبراهيم أبو سالم: منشورات المهدية ١٩٦٩ م.
(٢) محمد إبراهيم أبو سالم ومحمد سعيد القدال (محرران): "الحرب الحبشية السودانية" ١٨٨٥ - ١٨٨٨ م.
(٣) نعوم شقير: "تاريخ السودان القديم والحديث" وجغرافيته جزء ثالث
سعيد عبد المحسن [ب. م. هولت B.M.Holt]
المهلبيون
هم أقرباء وأتباع المهلب بن أبى صُفرة، كان لهم دورهم البارز فى تاريخ صدر الإسلام، وأحرزوا السلطان فى خدمة الأمويين؛ برغم مشايعة المهلب نفسه لابن الزبير. وقضى على نفوذهم سنة ١٠٢ هـ/ ٧٢٠ م، لكنهم استعادوا مكانتهم زمن العباسيين، وظلوا بارزين حتى عهد
следующие страницы →