← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9591–9630 · переход к 9596.

стр. 9591

فكان فى ٢٩ يونية عام ١٨٨١ م. وأرسل رسائل إلى كبار القوم يخصهم فيها على الالتفاف حوله، كما أعلن فى برقية أرسلها للحاكم العام أنه مبعوث إلهى. وعلى الرغم من أن للمهدية -فى الأصل- خصائص عديدة تجعل منها حركة اجتماعية وسياسية معارضة إلا أن هذه الأبعاد كانت مضمرة فى الهدف الأساسى لمؤسسها وهو: الإصلاح الدينى بحيث يشمل هذا الإصلاح: الدين والمجتمع معا. إذ كان يرى -شأنه شأن المصلحين السابقين له- وبصفة خاصة ابن عبد الوهاب- ضرورة استعادة الأمة المسلمة كما كانت فى عهودها الأولى أى محكومة بالقرآن والسنة فهو لا ينظر إلى حركته بوصفها صحوة إسلامية فحسب بل هى صورة مصغرة للحياة فى الأمة الإسلامية فى عهودها الأولى وكذلك نظامها. وقدم نفسه على أنه مُعيّن لدى الخلافة الكبرى وأنه خليفة رسول اللَّه. وقد حاول "العلماء" الرسميون دحض دعاوى المهدية كما جاءت على لسان محمد أحمد إذ أقروا بمذهب السنة التقليدى، وبرهنوا على عدم التزامه بالمعايير التى أرساها الحديث النبوى. ودافع محمد أحمد عن نفسه وغير اسمه إلى محمد بن عبد اللَّه ليؤكد أنه من سلالة النبى كما غير اسم المكان الذى يلتقى فيه بالناس فى كردفان من جبل قدير إلى ماسة". ٤ - " هجرة" المهدى وجهاده (١٨٨١ - ١٨٨٥ م)، لم تكن السلطات فى بادئ الأمر قد قدرت حركة المهدى وما تشكله من تحد حق قدرها، ولكنها أخذت الأمر مأخذ الجد حين أرسلت حملة عسكرية صغيرة لإلقاء القبض عليه فهزمها هزيمة نكراء (أغسطس ١٨٨١ م). وفى نفس الوقت حقق المهدى وأنصاره انسحابا أو "هجرة" إلى جبل قدير وهو من جبال النوبة، وكان المكان من البعد بحيث أصبح تجريد الحملات العسكرية عليه أمرا صعبا فقد جردت حملتان وهزمتا فى ديسمبر ١٨٨١ م ومايو ١٨٨٢ م). ولكنه كان فى نفس الوقت مناسبا لشن هجمات على المواقع الحكومية فى

стр. 9592

كردفان. وكان يسمى ذلك جهادًا -وكان سقوط الأُبيض فى يد المهدى فى ١٩ يناير ١٨٨٣ م فرصة له لكى يجعل منها مركزا اداريا، وكانت كردفان النواة لدولة المهدى- وفى نفس الوقت وهنت سيطرة الخديو بسبب الاحتلال البريطانى لمصر (سبتمبر ١٨٨٢ م). ولكن تم إرسال حملة مصرية بإشراف الكولونيل وليام هيكس وهو ضابط متقاعد فى الجيش الهندى -وفى أثناء تقدم الحملة وسط الأرض الوعرة لهذا البلد من النيل الأبيض وحتى كردفان أمكن للأنصار إبادتهم فى شيكان" (٥ نوفمبر ١٨٨٣ م). واصبح المهدى الآن سيد الشطر الغربى. واستسلمت له دارفور وبحر الغزال بحكامهما الأوربيين فى ديسمبر ١٨٨٣ م وأبريل ١٨٨٤ م -وفى الوقت نفسه أرسل عثمان دِقْنه وهو من عائلة تعمل بالتجارة فى سواكن- من أجل حشد أهالى "بجة" عند تلال البحر الأحمر وكانت إرسالية ناجحة بفضل معاونة الشيخ الطاهر المجذوب المعروف بقوة نفوذه، وبذلك لم تبق حتى نهاية فبراير ١٨٨٤ م سوى سواكن التى ظلت فى أيدى المصريين وأصبحت الخرطوم والمناطق النهرية فى الشمال مهددة، فأرسلت الحكومة البريطانية "جوردون" لكتابة تقرير عن الموقف العسكرى فى البداية، ولكن بناء على طلبه عينه الخديو حاكما عاما فيما بعد -غير أن الأنصار كانوا قد أحاطوا بالمدينة- فقد ترتب على نجاح عثمان دقنه إغلاق الطريق الآتى من البحر الأحمر إلى النيل، كما أن سقوط "بربر" فى يد الأنصار (مايو ١٨٨٤ م) قطع الطريق النهرى الموصل إلى مصر. وازداد الضغط العسكرى على الخرطوم وأرسل المهدى قواته الرئيسية فى الفترة من أبريل إلى أكتوبر ١٨٨١ م من الأُبيَّض إلى أم درمان المواجهة للعاصمة. وسقطت العاصمة فى ٢٥ يناير ١٨٨٥ م بعد أن انهكها الحصار، وقُتل جوردون فى القتال. لقد كان سقوط الخرطوم يمثل من الناحية العملية نهاية جهاد المهدى. فهو الآن حاكم الأقاليم الرئيسية للسودان المصرى من دنقلة إلى بحر الغزال ومن

стр. 9593

البحر الأحمر إلى دارفود- وأمر باجلاء قواته من الخرطوم وأقام عاصمة خاصة به فى أم درمان، حيث توفى بعد فترة مرض قصيرة فى ٢٢ يونية ١٨٨٥ م. ٥ - حكم الخليفة عبد اللَّه (١٨٨٥ - ١٨٩٨ م) واجهت الأنصار بعد موت المهدى مشكلتان إحداهما عملية والأخرى أيديولوجية أما الأولى فهى من ذا الذى يحل محل المهدى كحاكم للدولة الوليدة وأما الثانية فكيف يمكن تفسير موت المهدى حيث أنه أعلن أن رسالته هى الإصلاح الدينى الشامل، فى حين أنه لم يحقق شيئا سوى الغزو داخل حدود السودان المصرى؟ وقد تم حل المشكلة الأولى على وجه السرعة فيما يبدو إذا اجتمع مجلس من كبار عائلة المهدى فور وفاته وأعطوا "البيعة" لعبد اللَّه بن محمد. وما أن وطد سلطته حتى سعى للوفاء ببرنامج الغزو الذى توقف لفترة قصيرة بعد وفاة المهدى -واستمر الجهاد بفاعلية لعدة سنوات وقد كلف ذلك الشعب كثيرا وهو الذى عانى من الآثار المترتبة على الحروب الثورية وحركة السكان- فكانت والهدف الثانى لجهاد المهدية هو مصر وهى الآن تحت الإدارة العسكرية والسياسية البريطانية الصارمة. وكان التخطيط لغزو مصر معدًا قبل وفاة المهدى وكان القائد الذى تتجه النية لاسناد القيادة إليه هو عبد الرحمن النجومى ولكن تنفيذ المشروع تأخر عدة سنوات، وعلى الرغم من أن النجومى اختار مقر قيادته فى "العرض" (دنقلة الجديدة) فى نوفمبر ١٨٨٦ م، إلا أن الخليفة لم يكن يثق فى "أولاد البلد" مما أدى إلى تجاوزه النجومى مما اضطره إلى أن يشاركه فى القيادة أحد رجال "التعانية" وفى صيف عام ١٨٨٩ م تقدمت قوة من المهدية نحو مصر، ولكنها أبيدت فى ٣ أغسطس عند توشكى شمال وادى حلفا، وقتل النجومى نفسه فى القتال. ولم تبذل محاولة أخرى لغزو مصر رغم وقوع عدة غارات على الأراضى المصرية كان بعضها خطيرا. أما مناطق الجنوب الوثنية والتى أصبحت تحت ادارة الخديو منذ وقت

стр. 9594

قريب فلم تكن أبدا جزءًا من الدولة المهدية- ويشكل عام ١٨٨٩ م نهاية المرحلة العسكرية للمهدية. وشهدت المرحلة التالية استقرار لحكم الخليفة المستبد داخل دولة ذات رقعة من الأرض تشمل من الوجهة العملية الأراضى التى يقطنها المسلمون والعرب من شمال السودان. ومن المراحل التى أدت إلى اضمحلال المهدية نضاليا هو المجاعة الكبرى التى تفشت فى الأعوام ١٨٨٨ - ١٨٩٠ م. وضاعف من أثر هذه المجاعة هجرة التعاليبة من أم درمان -وفى مارس عام ١٨٩٦ م سمحت الحكومة البريطانية لقوة من الجيش المصرى بالتقدم نحو إقليم دنقلة الذى يسيطر عليه المهديون. وكانت الحملة برئاسة السير هـ. هـ لكشنر الذى أنشأ خطا للسكك الحديدية كلما تقدم على طول نهر النيل من وادى حلفا. وفى نهاية سبتمبر ١٨٩٦ م كان الإقليم بأكمله قد تم احتلاله، وفى العام التالى سمح للكشنر بمزيد من التقدم وتم بناء خط حديدى آخر عبر صحراء النوبة ليصل إلى النيل عند أبى حماد ثم مد إلى الجنوب مع تقدم القوة المصرية الإنجليزية -وواصلت القوة تقدمها وتلقت الدولة المهدية ضربة قاضية فى معركة "كرّداى" وتسمى فى كثير من الأحيان معركة أم درمان (٢ سبتمبر ١٨٩٨ م). ٦ - مؤسسات المهدية: بعد النجاح الذى حققه الجهاد أصبح من الضرورى وجود جهاز مالى نظرا لأن المهدى كان يجد دائما مشقة فى منع رجال القبائل عن سلب الغنائم. وتم إنشاء بيت المال فى "قدير". وكانت مصادر الدخل فى ذلك الوقت تنحصر فى مصدرين هما الغنائم والزكاة التى تشمل الضريبة على الحبوب والماشية. وعلى الرغم من أن المهدى كان قد رسم لنفسه هدفا هو استعادة أمد الإسلام كما كانت عليه فى عهودها الأولى، إلا أن سرعان ما وجد نفسه مضطرا لاتخاذ قرارت تشريعية ونشر تعليمات إدارية تعد بمثابة تشريعات. والكثير منها نتج عن ظروف الحرب الثورية. وكان المهدى يتوسع فى تفويض كبار موظفيه بعض وظائفه

стр. 9595

القانونية، وعين شخصا يحمل لقب قاضى الإسلام لمثل هذه الوظائف بصفة خاصة. ٧ - تطورات لاحقة: على الرغم من أن الغزو الإنجليزى المصرى قد أطاح بدولة المهدية إلا أن المهدية كحركة ظلت قوة ذات نفوذ وخصوصا فى منطقة الغرب -وكانت الحركة محظورة قانونا فى السنوات الأولى من الكوندمينوم، حيث أصدر "الحاكم ونجت" ٣ قرارات فى السنوات من ١٨٩٩ م إلى ١٩١٦ م -وأودع زعماؤها الباقون السجن وتم قمع عدة انتقاضات دينية، ولكن ابن المهدى وهو عبد الرحمن (١٨٨٥ - ١٩٥٩ م) - بعد وفاة ابنه على إحياء المهدية فى شكل جديد. وكان يحظى بموهبة سياسية كبيرة، ووجد الفرصة سانحة نظرًا لتغير الأحوال السياسية خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها، وكان الأنصار يعدونه شخصية تمتع بجاذبية، أما عند أتباعه الذين تأثروا بالغرب فهو قائد وطنى وزعيم حزب الأمة الذى تم تأسيسه فى عام ١٩٤٥, وظل يلعب دورا أساسيا فى السياسة السودانية -والنظرة الحديثة ترى أن المهدى مجدد، وأن المهدية حركة إصلاحية ولكنها فى جوهرها تقليدية. المصادر (١) محمد إبراهيم أبو سالم: منشورات المهدية ١٩٦٩ م. (٢) محمد إبراهيم أبو سالم ومحمد سعيد القدال (محرران): "الحرب الحبشية السودانية" ١٨٨٥ - ١٨٨٨ م. (٣) نعوم شقير: "تاريخ السودان القديم والحديث" وجغرافيته جزء ثالث سعيد عبد المحسن [ب. م. هولت B.M.Holt] المهلبيون هم أقرباء وأتباع المهلب بن أبى صُفرة، كان لهم دورهم البارز فى تاريخ صدر الإسلام، وأحرزوا السلطان فى خدمة الأمويين؛ برغم مشايعة المهلب نفسه لابن الزبير. وقضى على نفوذهم سنة ١٠٢ هـ/ ٧٢٠ م، لكنهم استعادوا مكانتهم زمن العباسيين، وظلوا بارزين حتى عهد

стр. 9596

المأمون، رغم مساندة الكثيرين منهم للنفس الزكية وأخيه إبراهيم فى ثورتها، وكان منهم كثير من العلماء، إضافة لقائد ثورة الزنج، وأبى محمد الحسن المهلبى، وزير البويهيين الشهير، وكان من بينهم يزيد بن المهلب الذى بدأ حياته أيام والده، مشاركا له فى حملاته ضد الأزارقة، وكذلك فى خراسان التى نجح فى تولى حكمها بعد وفاة والده سنة ٨٣ هـ/ ٧٠٢ م. وفى سنة ٨٥ هـ/ ٧٠٤ م عزله الحجاج عن خراسان وسجن، لكنه تمكن من الفرار إلى فلسطين إلى ولى العهد سليمان بن عبد الملك، الذى كفل حمايته هو أسرته من بطش الحجَّاج. وحين تولى سليمان الخلافة ٩٦ هـ/ ٧١٥ م ولَّاه على العراق وخراسان، وجاء دور يزيد ليعذّب آل الحجاج ويصادرهم. وقام يزيد بحملة على جرجان، ولما قام عمر بن عبد العزيز بعزله سنة ٩٩ هـ/ ٧١٧ م طالبه برد خمس الغنائم التى حصل عليها وسجنه ثانية لكنه تمكن من الفرار وتوجه إلى البصرة لتخليص رهوا من عشيرته وإلى البصرة قد سجنهم، وأرسل يطلب العفو لنفسه من يزيد الثانى؛ وإزاء تعنت والى البصرة معه، أعلن الثورة على الأمويين، وبعض أن يبايع يزيد الثانى ودعا إلى مبايعته حيث "الرضا من بنى هاشم" رغم أن بنى المهلب لم يبدو أى تعاطف من قبل، مع الهاشميين. بل قيل إنه طالب بالخلافة لنفسه. وهُزم يزيد على يد مسلمة بن عبد الملك عند عكا فى صفر ١٠٢ هـ/ ٧٢٠ م؛ وقُتل، وهرب أتباعه إلى السند (حيث كان حبيب المهلب واليًا منذ عهد قريب)، أما من نجوا فقد أرسلوهم للشام حيث وقع عليهم القتل وصودرت ممتلكاتهم. ثم عاد نجم بنى المهلب إلى الصعود ففى الحرب الأهلية الثانية، حيث أحرز المغيرة بن أبى صفرة مكانة سامية بانضمامه للجعفريين المؤيدين للأمويين تصدى وانخرط "صبره بن نخف بن أبى صفرة" فى خدمة يزيد وتولى عبد الملك بن المهلب فى العراق رئاسة شرطة البصرة، وذهب معظم من بقى من بنى المهلب إلى خراسان ليعيدوا نفوذ من المهلب هناك وانضم جميع

стр. 9597

المهالبة وأقرباؤهم لثورة يزيد، لكن معظمهم قتل فى هذه الثورة. وبعد ذلك استكان بنو المهلب ولكن لفترة قصيرة حتى ثار وتمرد ابن ليزيد يُدعى مروان كان جنديًا فى جيش الأمويين فى المسند، وشارك ابن آخر، يدعى عبد الرحمن، فى ثورة عبد اللَّه ابن معاوية (١٢٧ - ١٢٩ هـ/ ٧٤٤ - ٧٤٧ م)، ثم انضم بعد ذلك للعباسيين، لكنه قتل فى الموصل سنة ١٣٣ هـ وظهر حفيد له، يدعى أبو سعيد بن معاوية بن يزيد وكان جنديا فى جيش أبى مسلم فى خراسان، عند بداية الثورة العباسية، وخدم بعد ذلك فى مصر. ونفَّث سليمان بن حبيب بن المهلب عن شعوره العدائى للأمويين بانضمامه لليمنيين فولوه ولاية الاهواز أثناء الحرب الأهلية الثالثة وانضم بعد ذلك لعبد اللَّه بن معاوية. ولكنه، دون أن يدرى، أفسد على نفسه الأمر حين أضاع فرصة انضمامه للعباسيين بسبب غضب المنصور عليه لعدم تسليمه خراج الأهواز، وهى جريمة قُتل بسببها بعد الثورة. وثار سفيان بن يزيد بن المهلب، مشايعًا للهاشميين، فى البصرة مع محمد بن أبى عينيه بن المهلب وبعض المهالبة، مقابل ولاية هذه المدينة سنة ١٣٢ هـ/ ٧٥٠ م. وبرغم خدمته وولائه لأبى العباس والمنصور فإنه (أو ابنه) قام بتسليم البصرة لإبراهيم بن عبد اللَّه حين ثار مشايعًا لمحمد النفس الزكية سنة ١٤٥ هـ/ ٧٦٣ م. وهو أيضا الذى قتل ابن المقفع. وانضم عبد الواحد بن زياد بن المهلب أيضا إلى إبراهيم مع ابنه عتيق وأحد أبناء عمه. وكانت سلالة قبيصة بن أبى صفرة وقبيصة بن المهلب أشهر بنى مهلب العصر العباسى. ومن المحتمل أن يكون عمر بن حفص بن عثمان بن قبيصة بن أبى صفرة، المعروف "بالهزارمارد"، قد انضم للهاشميين فى خراسان. وحكم البحرين لأبى العباس، والبصرة لأبى العباس (السفاح) وللمنصور. وأصبح فى سنة ١٤٢ هـ/ ٧٦٠ م أول سلسله من بنى المهلب حكموا الهند، وظل

стр. 9598

هنالك حتى سنة ١٥١ هـ/ ٧٦٨ م، وقام بحماية ابن محمد النفس الزكية. وبرغم ذلك فقد اختير فى هذا العام لشمال إفريقية، حيث اصطدم سنة ١٥٣ هـ/ ٧٧٠ م مع الإباضية هنالك وخلفه نفر من بنى المهلب وتزوجت إحدى بناته من أحد أمراء العباسيين. وانضم يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلب للهاشميين فى العراق. وحكم أذربيجان من قبل المنصور، ومصر فى ١٤٤ - ٥٢ هـ/ ٧٦١ - ٧٦٩ م، وارتحل إلى شمال إفريقية فى ١٥٤ هـ/ ٧٧١ م كوريث لقريبه عمر بن حفص؛ ومات هنالك فى عهد الرشيد. وخلفه ابنه داود بن يزيد لفترة قصيرة كحاكم لإفريقيا، لكنه فقد السيطرة عليها وحل مكانه فى حكمها روح بن حاتم. وحكم داود مصر فى ١٧٤ - ١٧٥ هـ/ ٧٩٠ - ٧٩١ م واختير واليًا على السند فى ١٨٤ هـ/ ٨٠٠ م حيث مات هنالك سنة ٢٠٥ هـ/ ٨٢١ م، تاركًا ابنه بشرًا خلفًا له. ولقد وافق المأمون على ولاية بشر للسند مقابل ألف ألف درهم سنويا فعجز عن الوفاء بما التزم به، إلا أنه ظل واليًا على السند حتى ٢١٦ هـ/ ٨٣١ م، كذلك كان إبراهيم بن عبد اللَّه بن يزيد بن حاتم واليًا على الهند. وانضم روح بن حاتم بن قبيصة بن المهلب للهاشميين فى البصرة، استجابة لعرض قحطبة عليه وسفيان بن معاوية أثناء مشاركته فى حصار واسط، وزواجه من ابنه الداعى عبد الجبار الأزدى. وقام بحملة على طبرستان فى ١٤٢ هـ/ ٧٦٠ م واختير للكوفة (أو للسند) فى ١٥٩ هـ/ ٧٧٦ م، وللبصرة فى ١٦٦ هـ/ ٧٨٣ م ولشمال إفريقية فى ١٧٠ هـ/ ٧٨٧ م، خلفا ليزيد بن حاتم، وتوفى فى ١٧٤ هـ/ ٧٩١ م. وحكم ابنه الفضل (أو المفضَّل) شمال إفريقيا لفترة قصيرة، حيث قُتل هنالك فى ١٧٨ هـ/ ٧٩٤ م وعندئذ استُبعد المهالبة من ذلك الإقليم. المصادر: (١) ابن النديم: الفهرست. (٢) ابن خلكان: وفيات الأعيان. (٣) ياقوت: معجم الأدباء.

стр. 9599

(٤) ابن الأعثم: كتاب العيون والحدائق. (٥) الجهشيارى: الوزراء والكتاب. (٦) المسعودى: مروج الذهب. د. عطية القوصى [P.Corone] موازين موازين، مفرد ميزان. (لمقاييس الأطوال والمساحات) ١ - فى البلدان العربية وفارس وتركيا: لم يترتب على انتشار الإسلام توحيد لنظام الموازين والمكاييل، فكان الاختلاف هو السمة المميزة فى البلدان الإسلامية، وإن قلل من أثر هذا الاختلاف فى البلدان المفتوحة والتأثير المتبادل فيما بينهما. على أن بعض الحكام قد اتجهوا إلى توحيد نظام المقاييس فى المناطق التابعه لهم، كعضد الدولة البويهى، والخلفاء الفاطميين وما قام به حسن التركمانى. ويرجع فى دراسة الموازين فى الدول الإسلامية إلى الكتابات التى تناولت الموضوع، وإلى تحليل الأوزان المعيارية (الصنج الزجاجية) glass welghts، وللمصادر الأوربية مثل "دليل التجار". ورغم وفرة المصادر فإن النتائج غير حاسمة. وتدل أسماء وحدات الأوزان والمكاييل على مصدرها، فالرطل منقول عن اليونانية، والقنطار عن اللاتينية، والقفيز -كمكيال عن الفارسية وحين فتح العرب بلدان الشرق الأدنى كانت كل هذه الأسماء مستخدمة، ولكن بقيم مختلفة. فالمد mudd كان فى العراق حوالى ١.٠٥ لترا، وفى سوريا ٣.٦٧٣ لترا، وفى مصر ٢.٥ لترا. وكون وحدة معينه تستخدم بقيم مختلفة كان سمة مميزه بين البلدان الإسلامية، بل وداخل البلد الواحد، كأن تكون قيمة الوحدة فى العاصمة غير قيمتها فى الأقاليم. كما أن اختلاف قيمة الوحدة قد يكون بحسب الشئ الموزون أو المكال، فرطل اللحم فى مصر العليا كانت قيمته تختلف عنه لبقية البضائع. وكانت للحبوب مكاييل تختلف عن مكاييل حجوم السوائل، كما كان لبعض السوائل (كزيت الزيتون) وحدات وزن،

стр. 9600

كما وجد اتجاه لاستبدال الوحدات بوحدات أكبر ورغم التأثير المتبادل، ظلت بلاد فارس مختلفة عن الدول العربية، (رغم وجود شئ من التداخل). ولقد تمخض عن التأثير المتبادل. وسابقة الخضوع للدولة البيزنطية مع ذلك نظامان فى كافة الأقطار الإسلامية واحد ستونى، والآخر عشرى. وعلى ذلك فلم ينتشر نظام الجزيرة العربية فى البلدان المفتوحة فالمد. والصاع (= ٤ مد) والوسق (= ٦٠ مد) ليس لهم وجود فى بلدان أخرى (عدا المغرب العربى حيث لا يزال الصاع مستخدمًا بقيم مختلفة). إلا أن الوزن القياس البغدادى قد لقى قبولا عاما من الواضح بتأثير الحكم العباسى. ورغم كون الاختلاف هو السمة المميزة فقد حاول المسلمون إيجاد أسس نظرية عامة. فمن المفترض أن أى وحدة تنسب للدرهم (غير الدرهم النقدى) قدره علماء الحملة الفرنسية بـ ٣.٠٨٨٤ جراما، وقدره آخرون قيما تقترب من ذلك، كما حددته الحكومة المصرية عام ١٩٢٤ بـ ٣.١٢ جراما كما ذكر أن قيمته كانت تختلف باختلاف البلدان. والوزن المعيارى الآخر كان المثقال (٧ مثقال = ١٠ درهم). وكانت السلطات تدفغ كل وزن بقيمته من الدراهم. كما أنشأوا للدرهم علاقات أخرى، فالدرهم = ٦٠ حبة قمح، كل واحدة (حبة) = ٧٠ حبة خردل. كما أن المثقال = ٦٠ حبة قمح أيضا كل واحدة (حبة) = ١٠٠ حبة خردل. وفى عهد الرسول [ ﷺ ] وخلفائه كانت وحدات العراق معروفة فى الجزيرة العربية، فعرف الرطل فى مكة وعمان واليمن، وهو ما عرف فيما بعد بـ "الرطل البغدادى" وكان = ٤.٢.٣٤٨ جراما. وكانت وحدة الحجوم الأساسية فى المدينة هى "المد". وهو يساوى، قيمة رطل من القمح من الأرطال المكية، وكان هو "المد" القياس لكل العالم الإسلامى. والمعلومات عن وحدات الأوزان والحجوم فى مصر والشام أكثر بكثير عن غيرهما من البلدان.

стр. 9601

فبالنسبة للأوزان الخفيفة، كان الرطل فى سوريا خلال الحكم الأموى يساوى ٣٣٧.٥ أو ٣٤٠ جراما، أى يساوى الباوند الرومانى. وفى القرن الرابع/ العاشر. وجد "الرطل الثقيل" وكانت قيمته تتراوح فى حدود، ٢ كجم (ما بين ١.٤٨٣ و ٢.٦٨). أما الحبوب فقد كانت تقدر فى الشام بـ "الغراره" حجما، والتى كانت تختلف قيمتها بحسب الأماكن، بين ٢٠٨.٧٤ كم فى دمشق إلى ٦٢٦.٢٢ فى القدس إلى ٣١٣.١ فى غزة. وفى شمال الشام كانت الحبوب تقدر بـ "المكوك " يحوى ٨٣.٥ فى حلب وطرابلس، و ٩٢.٧٧ فى حماه. وفى عهد الحروب الصليبية كانت قيمته أقل، ثم نلاحظ مرة أخرى الاتجاه لموازين ومكاييل أثقل وأكبر. وفى القرن ١٩ استخدمت فى سوريا الـ "كيل" تقدر بـ ٢٨.١٨ كجم من الحبوب. وكان الرطل فى مصر فى عهد الأمويين = ٤٤٠ جراما، والعباسيين ٣٩٠/ ٤٠٠. كما عرف فى عهدهم "الرطل الكبير" = ٤٩٣ جم. وعرفت أرطال متعددة فى عهد الفاطميين، فكان ٤٤٤ جم بالنسبة للعيش واللحم وبضائع أخرى، و ٤٦٣ جم للتوابل وللقطن، و ٦١٧.٩٦ جم للكتان، و ٩٦٤ جم للعسل والسكر والجبن والمعادن. وتشير المصادر الأوربية إلى قيم أقل مما تذكره المصادر العربية، كما تؤكد اختلاف فى القيم بين المناطق المختلفة فى القطر المصرى. وكانت الحجوم تقدر فى مصر بـ "التليس" و"الإردب" واختفى المكيال الأول فى منتصف القرن الخامس/ الحادى عشر. والإردب فى الأصل فارسى، استخدم فى مصر لفترة طويلة فى العصرين البطلمى والرومانى، قدره المقديسى بـ ٧٢.٣ كجم من القمح فى العاصمة، ويحتوى على ستة "ويبات" وقدر فى الفيوم بـ ١٠٣.٢٢ كجم يحتوى على تسعة ويبات، وفى القرنين ١٨، ١٩ يبدو أن قيمة الإردب تضاعفت فى كل مكان. وقيمته الآن فى البحيرة ١٤٠.٨ كجم وفى بورسعيد ١٤٨.٣ كجم ويوزن الدقيق بالـ "بطه" وتساوى ٥٠ رطلًا، أى ٢٢.٢٤٥ كجم.

стр. 9602

واستخدم لزيت الزيتون فى العصريين الأموى والعباسى وحدة حجوم تسمى "القسط" ذو ثلاث قيم ٤٧٦ جم، و ١.٠٧ كجم، و ٢.١٤ كجم. وهناك وحدة أخرى هى "مطر" بقيمة ١٧ كجم لزيت الزيتون فى العصور الوسطى. ومنذ عصر الأيوبيين استخدم الرطل (أو القنطار). وللكميات الأكبر، وجد الـ "حمل" كان = ٢٦٦ كجم، ولكن للتوابل = ٢٢٢.٤٥ كجم. وفى العراق، حيث سادت التقاليد الفارسية القديمة، اختلفت الموازين تماما عنها فى مصر وسوريا، فالرطل البغدادى، والذى كان يساوى ٤٠١.٦٧ جم (وفى رواية أخرى ٣٩٧.٢٦ جم) كان يعتبر عامًا لكافة الأقطار الإسلامية، ولكن ذكر له قيم مختلفة فى أماكن مختلفة. وكان للحجوم وحدات ذات نظام ستينى، فالكميات الصغيرة من الحبوب كانت تقدر بـ "القفيز" كانت إحدى قيمه ١٠ كجم من القمح، وأخرى ٤٨.٢ كجم وثالثة ٢٤.١ باختلاف الأماكن. وللكميات الكبيرة كان يستخدم إلى "كر" منه ما كان يسمى "الكر المعدل" يعادل ٢٨٩٢ كجم من القمح فى عهد الدولة البويهية، و"الكر الكامل" نصف هذه القيمة وكان "الكر السليمانى" يزن ٧٧١.٢ كجم مستخدما فى المنطقة العليا من بلاد العراق. وكان "المكوك" يستخدم للكميات الصغيرة، يساوى ٦.٠٢٥ كجم من القمح، ولكنه فى الحروب الصليبية يساوى ١٤.٩١. أما الوحدات للحجوم المستخدمة للسوائل فضئيلة، منها "القسط" لزيت الزيتون، ويساوى ٣ أرطال بغدادية. أما فى فارس فقد وقف نظامها ضد التأثر بالنظم البيزنطية التى تأثرت بها بلدان مصر وسوريا، ومن ثم فلم يكن لنظامها الخاص بالمقاييس علاقة بنظم تلك البلدان. وفى المناطق المجاورة للعراق من فارس، استخدم العديد من المدن "الرطل" كوحدة موازين أساسية للكميات الصغيرة لسلع مختلفة. ويشير الإصطخرى لـ "لمن" الذى يساوى ضعف الرطل، وفى ذلك مبالغة لا شك فيها. وكان الرطل فى الرى، يساوى ٩٢٦.٩٦ جم، ولكنه كان ضعف ذلك

стр. 9603

خارجها. وأيضًا تعددت قيمة الرطل باختلاف المدن، واختلاف البضائع. وبانتهاء دولة الخانات فى منتصف القرن الثامن الهجرى، بطل استخدامه. وأدخل أوزون حسن وحدة أخرى، هى "الباتمان" بقيمة ٥.٦٧ ظلت الوحدة القياسية لأغلب إقليم فارس طوال عهد الصفويين. وفى القرن الحادى عشر عاد المن بقيمة ٢.٢٨٨ - ٢.٩ كجم، ثم استقر عند ٣ كجم فى بدء القرن التاسع عشر الميلادى. وفى عام ١٩٣٥ أدخل النظام المترى بحكم القانون، على أن الوحدات القديمة لا تزال مستخدمة. وبالنسبة للمكاييل، فقد كان استخدام وحداتها أقل شيوعا منها فى الدول العربية، وكان القعبر بقيمة ٧٠ منا، أى ٥٦.٢٣ كجم من القمح فى نيسابور، وبقيِّم تتراوح بين ٣.٢ - ٦.٤ كجم فى أماكن أخرى، استخدمت وحدة "الجارب" بقيم ١٠ قطير، أى ٦٤.٢٦ كجم، مع اختلاف بين البلاد والسلع. ووجدت وحدة أخرى انتشرت فى كافة الأقطار الفارسية على كل العصور، هى "خاردار" حددها عضد الدولة فى الدولة البويهية بقيمة ٨٠.٢٩ كجم، ثم استخدمت قيمة أكبر بعد ذلك، هى ٢٨٨ كجم، وقيمته الحالية ٢٩٧ كجم (مع استخدام قيم أخرى). وفى آسيا الصغرى، استخدم الرطل بقيم ٣١٧.٨٩ جم، ثم تذكر الروايات "الرطل الرومى" بقيمة ٢٧٠.٦٦٧ جراما، وتصل به الروايات إلى ٧.١١٨ كجم. ووجد فى العصر العثمانى وحدة هى "الأقة" بقيمة ١.٣٨٣ كجم. كما استخدمت للحبوب وحدة "الإردب". وفى شمال إفريقيا استخدم فى عهد العباسيين الرطل البغدادى، ثم أدخل الفاطميون رطلا أثقل، بقيمة ٤٣٢.٥٧٢ جراما، مع اختلاف بين البلدان وبين نوعية البضائع. واستخدم "المد" أيضا للحبوب، واستخدم للسوائل "القلة" و"المَطَر" فكان المد الصغير بحجم ٤.٣١١ لترًا، والكبير يتراوح بين ٢٠١ لترًا و ٢٤٣ لترًا. أما القلة فكانت ١٠.٠٨ لترًا، والمطر ضعف ذلك. وفى الأندلس، كان الرطل ٥٠٣.٦٨ جرامًا، ولكنه كان للحم أربعة أضعاف

стр. 9604

ذلك. كما استخدم القفيز بوزن ٣٠.٢٢ كجم. وكان زيت الزيتون يقدر بـ "الثمن" بقيمة ١.١٢ كجم، و"القلة" وتساوى ١٢ ثمنًا. المصادر: (١) الأصطخرى: المسالك والممالك، ليدن ١٨٧٠ م. (٢) المقدسى، أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم، ليدن، ١٨٧٧ م. ٢ - مسلمو الهند الظاهر مما وصلنا من وثائق أن المسلمين الأوائل تعاملوا بالنظم القياسية السائدة فى شمال الهند، إلا أنه من الصعب استخلاص صورة واضحة ودقيقة من تلك الوثائق قبل القرن التاسع عشر. وفى عام ١٨٣٣ قامت شركة الهند الشرقية بمحاولة لتنميط نظام المقاييس جعلته كالتالى: ٩ ratti = ١ masha ١٢ masha = ١ tola ٨٠ tola = ١ ser ٤٠ ser = ١ mon وكانت التالا مقدرة بـ ١١.٦٦٣٨ جم ومنها يمكن تقدير بقية الوحدات، وظل هذا النظام قائمًا إلى أن أدخل النظام المترى بعد الاستقلال. ولم يكن هناك مقاييس منتظمة للحجوم فى الهند، حيث كانت السوائل والحبوب تقدر بأوزانها فقط. وحين لم تكن الدقة مطلوبة، كان يمكن تقدير الماء بحجم القربة، وغيره من السوائل بحجم الزلعة، والحبوب بملء الكفين للمقادير الصغيرة. من المصادر: (١) H. N. Wright: The coinoge and metrology of Sullons of Delhi, Oxford ١٩٣٦ هيئة التحرير [بيرتون باج J.Burton - Poge] الموالد المولد، وقد يقال له "مولود" والجمع موالد وهو لفظ يطلق على زمان أو مكان أو احتفال بميلاد شخص لا سيما إذا كان هذا الشخص هو النبى محمد [ ﷺ ] أو كان وليًا، (٢) أو قد يعبر به عن قصيدة فى تمجيد الرسول [ ﷺ ]

стр. 9605

دراسة لرموز المولد وانتشارها على امتداد رقعة العالم الإسلامى فمن اللحظة التى بدأ فيها الإسلام فى تقديم شخصية النبى محمد [ ﷺ ] كشخصية خارقة بدءًا من أحداث مرت بها حياته التى أخذت صورة القداسة لدى المسلمين. ولم يبدأ اعتبار يوم مولده يوما مقدسا إلا فى زمن متأخر، والرأى السائد هو أن مولده كان الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول وأن أقدم إشارة لاحتفال شعبى عام عن مولده [ ﷺ ] مذكور فى ابن جبير (أعنى القرن السادس الهجرى) (= الثانى عشر الميلادى) ويتمثل هذا فيما لاحظه من فتح داره طول يوم مولده لأعداد الزائرين المتزايدين له وما صحب ذلك من طقوس كانت قاصرة من قبل على أيام موالد كبار أولياء المسلمين كالمسح وغيره ولكن بما أن توقير النبى [ ﷺ ] على أيدى المتأخرين كان يجب أن يكون أرفع مما يظهر لهؤلاء الأولياء فقد اقترن الاحتفال بمولده [ ﷺ ] بأساليب جديدة متميزة والتى على الرغم من الفروق الصغيرة بها فى الزمان والمكان إلا أنه كانت لها نفس الملامح الرئيسية فى كل مكان فكان يقال لها ليلة المولد أو مولد النبى [ ﷺ ] أو المولد النبوى وكان الاحتفال فى القاهرة الفاطمية بمولد النبى [ ﷺ ] يحتفل به البلاط مثله مثل موالد على وفاطمة والخليفة الحاكم وكانت رسومه الأصلية تتمثل فى مواكب أصحاب المقامات الرفيعة إلى قصر الخليفة ويلى ذلك ثلاث عظات دينية واحدة لكل واحد من خطباء القاهرة الثلاثة (عن خطط المقريزى) وعلى أية حال فإن هذه المناسبات لم تكن إحتفالات للعامة ولكن للطبقة الشيعية الحاكمة أساسًا وهذا بلا شك يفسر لماذا لا يكاد يوجد مرجع عن هذه الاحتفالات فى الأدب المهتم بالدوائر الشعبية إلا عند المقريزى والقلقشندى المؤرخين العظام للقاهرة الفاطمية. والظاهر أن ذكرى هذه الموالد الفاطمية أختفت تمامًا قبل الاحتفالات التى نرى فيها المؤلفين المسلمين يجمعون على أن أصل الاحتفال فى

стр. 9606

المولد النبوى كان فى مدينة به فى أربل عام ٦٠٤ هـ (١٢٠٧ م) على يدى الملك مظفر الدين جكبرى صهر صلاح الدين الأيوبى وقد ورد تفصيل كامل لهذا الأحتفال فيما كتبه المؤرخ العظيم ابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ (= ١٢٨٢ م) إذ كان هو ذاته من أهل "اربل" وقد اعتمد الرواة من بعده على وصفه. أما فى القاهرة فيرجع تاريخ المشاركة الشعبية على أكبر صورة وكذا الطرق الصوفية إلى القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) ثم لم يلبث أن زاد الإهتمام به على امتداد العالم الإسلامى فنجد روايات عديدة للإحتفال من أجزاء عديدة من العالم الإسلامى على فترات مختلفة. وفى العام ٩٩٦ هـ (١٥٨٨ م) قام السلطان العثمانى مراد الثالث وأدخل الاحتفال بالمولد فى بلاطه وكانوا يسمونه "بالمولود"، على أنه أصبح منذ سنة ١٩١٠ م يعتبر عيدا قوميا فى الأمبراطورية العثمانية وتتمثل الاحتفال به اليوم فى اعتباره عطلة رسمية ونلاحظ أنه فى الدول العربية وفى معظم البلاد التى يسودها الإسلام يقام إحتفال بأحد المساجد الكبرى فى العاصمة يحضره رئيس الحكومة أما فى غرب أفريقيا فإن الإحتفال السنوى بميلاد النبى [ ﷺ ] يكون مقترنا فى أغلب الأحوال بمظاهر لا تمت إلى الإسلام بصلة بل هى سابقة لظهور الإسلام كما هو الحال عند "النوب" فى نيجيريا وعند الكوتوكولى فى توجو الشمالية حيث يأتى مقترنا باحتفال "السكاكين" وبالنسبة لبعض الطرق الصوفية فى هذه المنطقة وخاصة أفرع التيجانية فى السنغال فإن هذه المناسبة قد أصبحت تجمعًا سنويًا رئيسيًا لأعضائها والقصائد الملقاة بلغة "الهوسا" تصنف تقنيًا تحت باب المديح والسيرة والتى تستخدم كتواشيح وفى "الفولانى" تلقى قصائد مدح فى النبى [ ﷺ ] بأسلوب مميز كثير نسبة بالقصائد الخاصة بالموالد، وفى تشاد والسودان وشمال شرق أفريقيا وشرقها يتم الاحتفال به بصورة إعتيادية وهناك دلائل على أن هذه المناسبة قد أصبحت مرعية بصورة واسعة على أمتداد غرب أفريقيا

стр. 9607

والاحتفالات المترتبة على هذه المناسبة تقريبًا متطابقة مع الاحتفالات المعروفة فى الأراضى العربية. وجوهر هذه الاحتفالات هو إلقاء قصيدة المولد وهى قصيدة مدح بطبيعة الحال تتبع ترتيبًا معينًا بداية من المقدمة فى حمد اللَّه ثم الابتهال ثم تتضمن وصفًا لخلق النور المحمدى وتستمر خلال مراحل مختلفة واستطرادات وحتى لحظة الميلاد الفعلى الذى تسبقه إشارات إلى المعجزات التى رأتها أمه السيدة آمنة من أنها تحمل نبيًا وقد أصبح إنشاد قصيدة المولد فى العالم العربى ظاهرة عامة فى القرن التاسع الهجرى - (الخامس عشر الميلادى). ويمكن إرجاع أصول هذه القصائد إلى الخطب الدينية فى القاهرة الفاطمية وقد كان كتاب "التنوير فى مولد السراج المنير" الذى ألفه ابن دخيل أثناء إقامته فى أربل تلبية الإشارة أشارها عليه صاحبها "جكبرى" فى هذه الفترة كقصيدة مولد ولم يمض إلا قليل من الزمن حتى أصبحت قصيدة المولد عنصرًا مهيمنًا فى الاحتفال مثلها فى ذلك مثل كوكب المشاعل والولائم والأسواق التى تقام على قارعة الطريق، ويلاحظ أن عدد القصائد الملقاة فى المولد كان عددًا كبيرًا، إلى جانب قصيدة "بانت سعاد" لكعب بن زهير فى القديم وكانت هناك "البردة" و"الهمزية" للبوصيرى وأمثالهما من القصائد التى نظمت على نمطهما، ووجدت كذلك مجموعة من القصائد التى ارتد بها التعليم والتوجيه كقصيدة ابن حجر الهيثمى، إلى جانب قصائد أخرى اقتصرت على المدح. ومن أشهر قصائد المدح فى المولد وأوسعها انتشارا فى العربية تلك القصيدة التى ألفها جعفر بن حسن البارزنجى (توفى ١١٧٩ هـ - ١٧٦٥ م) وتعرف أيضًا باسم "عقد الجواهر" وقد تم نشرها عدة مرات وأشهر أناشيد المولد فى اللغة التركية هى تلك التى نظمها سليمان جلبى (توفى ٨٢٥ هـ - ١٤٢١ م) وما زالت تلقى فى المساجد على امتداد تركيا وفى مساجد الجماعات السنية الناطقة بالتركية وفى

стр. 9608

مساجد غرب وجنوبى شرقى أوروبا كجزء من الاحتفالات بمولد النبى [ ﷺ ] وقد ألقيت قصيدة المولد النبوى هذه أثناء إحتفالات البلاط العثمانى الرسمية كما نظمت قصائد مماثلة بالفارسية والبنغالية والسندية وغيرها من لغات شبه القارة الهندية والباكستانية وكذا باللغات الصربية والألبانية ويبدو أن القصيدة فى مولد الإمام على التى نظمها سليمان جلال الدين والمعروفة باسم "مولودى جنابى على" كانت على السن الناس فى الجماعات العلوية فى الأمبراطورية العثمانية فى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر. على أننا إذا خلينا جانبا مناسبة مولد النبى [ ﷺ ] فإن إلقاء قصيدة عن المولد كثيرًا ما يتم كجزء من الاحتفالات الدينية الأخرى وعند إلقاء قصيدة مولد أى من هذه المناسبات فمن الطبيعى أن تُتبع بحلقة ذكر وعند بعض الطرق الصوفية (كاالمرغنية وبعض فروع القادرية) تُلقى قصيدة المولد كجزء من ممارسة الشعائر الرئيسية والاحتفال بالمولد كتعبير عن التجليل للنبى محمد [ ﷺ ] ووجد هذا ذيوعًا عاما فى الإسلام إلى حد ما سبب قوة الحركة الصوفية وأن وجدت له معارضة عنيفة فى كل الأوقات فمن يعتبرونه بدعة وبالنسبة لحركة المعارضة فمن الهام أن إعتراضاتها تنصب على النماذج التى تُظهر تأثير التصوف الإسلامى مثل الرقص أو السماع أو ذات طقوس مسيحية كخروج حملة المشاعل. وهناك وثيقة هامة تتعلق لهذا الجانب وهى نوع من الفتوى للسيوطى المتوفى سنة ٩١١ هـ (= ١٥٠٥ م) أوردها فى كتابه "حُسن المقصد فى أعمال المولد" حيث يورد فيه عرضا موجزا لتاريخ الاحتفال بالمولد ثم يبين ما يلقاه من تأييد وإنكار مع ترجيح أنه "بدعة" ولكنها بدعة حسنة، ويرى هذا الرأى كل من ابن حجر الهيثمى فى كتابه "المولد" وقطب الدين فى تاريخه عن مكة أما "ابن الحاج" المتوفى ٧٣٧ هـ (= ١٣٣٦ م) وهو مالكى متشدد فيندد به تنديدا قويا فى كتابه "المدخل"، وعلى الرغم من أن هذه الصراع بلغ أشده فيما بين القرنين الثامن والتاسع للهجرة (الرابع عشر والخامس عشر

стр. 9609

الميلادى) لم تخمد حقيقة فى الأعوام التالية. بل اكتسب حياة جديدة مع مجئ الحركة الوهابية فهذه الحركة التى تستمد معارضتها لإحتفالات المولد من ابن تيمية والتى قامت بدور المعارض للتصوف فى الإسلام على إمتداد رقعة العالم الإسلامى والموالد المقامة للأولياء فى أجزاء عديدة من العالم الإسلامى. ومصطلح المولد كإحتفال بذكرى ولى يستخدم فى مصر والسودان على وجه خاص حيث ينعتونه العامة بالمُولد أما فى غير هذين البلدين فقد يقال له المَوسم الخصوصى وبالعامية "المُوسم" كما هو الحال فى المغرب وأجزاء من الشرق الأوسط يقال له "الحولية" (وبالعامية الحُولية) كما فى السودان والقرن الأفريقى، ويسمى بالعُرْس فى شبه القارة الهندية والباكستانية ويقال له الحُل فى ماليزيا وتتشابه الاحتفالات بالمولد فى جميع الأمكنة تقريبًا حيث يلتئم شمل جماعات تجتمع لمدة يوم أو يومين ويقام سوق يختلف حجمه ويصاحب هذه الاحتفالات الدينية حلقات ذكر وحلقات لتلاوة القرآن الكريم داخل وخارج مقام الولى الذى يحتفى بذكراه وتسيير موكب أو موكبان بمشاركة حارس المقام ويكون عادة من سلالته وغالبا ما يشترك فى هذا الموكب، وترفع الكسوة التى تغطى مقام الولى، ويتم استبدالها بأخرى جديدة وخلال الاحتفالات غالبًا ما يتم ترتيب ولائم جماعية وعملية توزيع للصدقات. ولا تقام هذه الأحتفالات فى بعض البلاد السّنية مثل أفغانستان. على الرغم من كثرة عدد الأولياء فى هذه المناطق أما فى وفى البلاد الشيعية فلا تفرق الموالد على النمط الذى ذكرناه. وأما مصر فإن الاحتفال بالعدد الكبير من الموالد (والتى قد تبلغ ثلاثمائة مولد سنويا) فلابد من إذن رسمى لإقامته حسب قرار ١٩٧٠ م ويتم عادة بالتنسيق له والأشراف عليه من مشيخة الطرق الصوفية والاتفاق مع وزارة الأوقاف وذلك حتى تمنع هذه الاحتفالات من الفوضى وحتى تضمن النظام العام وبعض هذه الموالد كانت

стр. 9610

أو ما زالت مشهورة بطقوس خاصة أو عادات تتم كجزء من الأحتفالات وخلال معظم الموالد تباع عرائس المولد (عرائس من السكر) والاحتفال بالمولد فى مصر لم يكن منصبًا على أولياء المسلمين فحسب بل يتعداهم إلى القديسيين الأقباط كذلك. وقد هيمنت احتفالات المولد فى مصر على إنتاج غالبية الأدب الجدلى العنيف المعنى بالوضع الدينى لإحتفالات المولد قبل أى شئ وهؤلاء المنتقدون لمثل هذه الاحتفالات يترواحون فى مطالبهم ما بين إصلاحات طفيفة للطقوس مثل تحريم استخدام الآلات الموسيقية فى المواكب ومنع الأشكال المستخدمة للتسلية فى حرم المولد وصولًا إلى الإلغاء الكامل له. ومعظم هؤلاء الذين وقفوا ضد الاحتفال بالمولد بأشكاله التقليدية يبدو أنهم من أتباع المذهب الوهابى وبعض من أشهر ناقدى القرن العشرين الذين يستحقون الذكر هنا الشيخ محمد رشيد رضا ومحمود خطاب السبكى ومحمد حامد الفقى وكما أنه توجد فى أماكن أخرى من العالم الإسلامى جماعات وأفراد يتشابهون فى موقفهم المعارض حيث ما زالوا يعارضون معارضة قوية توقير الأولياء، المصادر: تاريخ الاحتفال بالمولد النبوى للسندوبى، والجواهر لمصطفى الشاذلى وكتاب قاموس العادات والتقاليد والتعابير المصرية لأحمد أمين، والموالد لفاروق أحمد مصطفى والخطط لعلى مبارك، جـ ١. سامية السيد أحمد سالم [ج. نابرت G.Napert] موت يعود مفهوم الموت عند العرب قبل الإسلام إلى المعتقدات الروحانية الموروثة من ماضيهم السحيق. فقد كانوا يعتبرون الموت هو القدر المقدور على كل كائن حى، يتساوى فى ذلك الإنسان والحيوان. وكان يعرف بأنه انطفاء الروح الحيوية التى تهب الحياة للكائنات الحية، أو انفصال الروح عن الجسم. ولما كان من المعروف لديهم أن مقام قرين الإنسان الدم والنفس، فإننا

стр. 9611

نستطيع أن نفهم لماذا كان العرب يعتقدون أن القرين يترك الجسد مع إسالة الدم فى حالات الوفاة نتيجة للعنف بينما يخرج من الجسم عن طريق الأنف عند الوفاة الطبيعية، ومن هنا كان التعبير مات حتف أنفه. وبالإضافة إلى ذلك، لم يكن العرب قديمًا يؤمنون بالبعث ولا بالحياة الآخرة كما أكد ذلك القرآن الكريم وإن كانوا يعتقدون فى خلود الموتى، وتشير كلمتا هام وصدى إلى أرواح الموتى. إلا أن العرب، على عكس باقى الشعوب السامية الأخرى، لم يستسيغوا فكرة وجود عالم خاص بالموتى، عالم الأشباح والظلام. وبالإضافة إلى كذلك، كانوا لا يقبلون أن يهان موتاهم، وكانوا يعتقدون أن الموتى الذين لم يدفنوا والدماء التى لم ينتقم لها تظل أرواحهم تهيم فى الصحارى صَدْيَا (عطشى)، وكاكن ترك الموتى لمثل هذا المصير يعتبر أكبر عار يمكن أن يصيب القبيلة، وبالانتقام فى حالة القتل والمراعاة التامة لمراسم الجنازة وبصفة خاصة الدفن، كان العرب يحفظون موتاهم من مثل هذا المصير ومجتمعهم من ذلك العار. وكان هدفهم الأساسى هو تأكيد صدق تكافل القبيلة ودوامه من خلال معاملتهم لموتاهم. ويبدو أن العرب كانوا، فى بعض مراحل تاريخهم يعبدون الموتى (عبادة الأجداد)، ولكن من الواضح أن هذه العبادة اختفت تماما فى الفترة السابقة للإسلام مباشرة تحت التأثير المشترك لاستقرار القبائل وظهور الوثنية ولم يتبق منها إلا الطقوس التى تؤدى للميت بعد الوفاة مباشرة (غسل الجسد والحداد والدفن)، أما الطقوس الأخرى مثل تقديم القرابين وذبح الذبائح فقد خصوا بها الآلهة. ولقد كان لهذا التقديس للموتى الذى يمد واجب التكافل القبلى إلى ما بعد الموت دور فى اهتمام العرب بطهارة النسب مما أدى إلى إرساء قواعد متينة للنظام الاجتماعى عندهم، وأدى ذلك بدوره إلى بقاء المثل الأخلاقية عبر الأجيال كما جعل العربى لا يخاف الموت ويقدم المحافظة على شرفة وشرف جماعته على المحافظة على

стр. 9612

حياته. ويبدو ذلك واضحًا فى المراثى الجاهلية. قدم الإسلام للعرب مفهومًا مختلفًا تمامًا للموت، وهذا الاختلاف نتيجة لتعريف جديد للروح والحياة. وكما ذكر القرآن فإن الإنسان يتحرك بشيئين متميزين، أحدهما مفكر وهو النفس والثانى واهب الحياة وهو الروح. وتحمل النفس معنى "الذات" فى أكثر حالاتها إدراكًا دوامًا، أما الروح فهى أصل الحياة وهى هبة من اللَّه وهو الذى يعطيها الحياة والقوة. يؤكد الإسلام أن الميلاد والوفاة قدر إلهى، والأبوان لا يهبان الحياة. كما أن الأحداث ليست هى إلا السبب الظاهرى للموت، فكل ذلك أسباب تتحقق بوساطتها إرادة اللَّه. أحدث هذا التعريف الجديد للحياة ثورة فى المفاهيم الغيبية والأخلاقية عند العرب، فالحياة لم تعد ذاتية، والمقابلة بين الكائنات الحية وغير الحية فقدت كل مقوماتها وحل محلها مفهوم جديد أصبح فيه اللَّه هو الخالق ومصدر الحياة وكل شئ عداه مجرد مظهر لقوته ووجوده. ومن ناحية أخرى، فإن تأكيد أن الحياة هبة من اللَّه وليست من الجماعة، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ. . .﴾ (الأنعام ٩٨). وإضفاء الإسلام أهمية جديدة على حياة الفرد ومنظور جديد لأفعاله، جعل حياة الفرد مقدسة، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ. . .﴾ (الإسراء ٣٣)، وكان هذا مفهومًا جديدًا عند العرب، فمن الآن فصاعدًا لا يقتل إلا من يرفض الاعتراف بسلطان اللَّه أو ينتهك حرمات اللَّه انتهاكًا خطيرًا، وهكذا، باستبدال وحدة الدين بوحدة الدم، دفع الإسلام العرب إلى تحرير أنفسهم من هيمنة العشيرة والإحساس بوجودهم كأفراد أحرار ومسئولين. وبالرغم من أن المؤمنين إخوة، إلا أن كلا منهم مسئول عن نفسه أمام قضاة الدنيا وأمام اللَّه فى اليوم الآخر. تبين أصداء المناقشات التى أدت إلى ظهور هذه المفاهيم والمكانة التى تحتلها

стр. 9613

الحياة الأخرى ويوم الحساب فى القرآن إلى أى مدى غيرت هذه الرسالة معتقدات العرب. فالموت لم يعد نهاية الحياة، وإنما هو الأجل الذى حدده اللَّه لإنهاء فترة اختبار الإنسان فى الدنيا، كما أن مصيره بعد وفاته لا يتوقف على تماسك الجماعة بل على أعمال الإنسان ورحمة اللَّه. وأصبح السؤال الذى يجب على كل إنسان أن يسأله لنفسه هو ما إذا كان من السعداء فى الآخرة أم من الأشقياء، وفى نفس الوقت لا يستطيع أحد أن يجيب على هذا السؤال بالتحديد، وقد دفع عدم التأكيد هذا العرب إلى الاحساس بشعور لم يعرفوه من قبل وهو الخوف. وقد انعكس ذلك بوضوح فى نوع جديد من الشعر وهو شعر الزهد. لم تحدث رسالة القرآن الكريم ثورة فى معتقدات العرب فحسب، بل أيضًا فى اتجاهاتهم وسلوكهم، وكذلك تغيرت مراسم الجنائز تغيرًا كبيرًا، وقد احتفظ الإسلام ببعض العادات القديمة مثل غسل الميت والتكفين والدفن، ولكنه حرم بعض الطقوس الوثنية مثل النواح وتقديم القرابين، وفوق كل شئ، فرض الإسلام صلاة الجنازة التى تضفى على مراسم الجنازة أهمية مختلفة تمامًا. وليست هذه الصلاة لتمجيد المتوفى بل دعاء إلى اللَّه بالرحمة، فقد علم الإسلام الناس التواضع. حسين أحمد عيسى [م. عبد السلام M. Abdlselem] الموحدون الموحدون اسم أطلق على أتباع حركة نادت بالتجديد والإصلاح الإسلامى، حكموا خلال القرنين السادس والسابع للهجرة (الثانى عشر والثالث عشر الميلادى) فى دولة أقاموها فى شمال أفريقية وفى أسبانيا. أصل الحركة: فيما يتعلق بأصول هذه الحركة فإن ما كتب عنها بعد قليل من عصر الموحدين ومن مطالعة الأحداث التى صحبت بزوغ العقيدة الموحدية ومن الدراسات الحديثة عن هذا الموضوع يتبين لنا أهمية البربر فى نشر هذه الدعوة، وفى تطورها السياسى الذى لم يبدأ بعودة ابن تومرت من الشرق إلى المغرب (٥١٠ أو

стр. 9614

٥١١ هـ = ١١١٦ أو ١١١٧ م) بل بعودته إلى أصوله البربرية بين المصموديين سنة ٥١٧ هـ (١١٢٣ م)، ولقد تحوّلت رسالة المهدى التى بثها وكأنها محاولة تهدف إلى إصلاح أخلاقى إلى حركة سياسية ترمى إلى الإطاحة بالمرابطين وذلك بعد أن استقر المهدى فى تنمل وهى قرية منعزلة فى جبال أطلس. وبناءً على ما يذكره المراكشى فإن ابن تومرت ما كاد يصل إلى تنمل حتى راح ينشر بين البربر تعاليمه الدينية وألف "لهم" عقيدة "كتبها بلغتهم عرفت بالمرشدة"، ثم أعاد كتابتها لهم مرة ثانية، وتوجد هاتان الرسالتان اليوم بالعربية ويستدل مما يقال من إن ترجمة من الموطأ منسوبة إلى ابن بكير (وقد نقلها ابن تومرت إلى تلميذه عبد المؤمن وأن نسخة منها كتبت سنة ٥٩٠ هـ (= ١١٩٣ م) للخليفة الموحدى الثالث أبى يوسف يعقوب المنصور) أقول يستدل من هذا على أن مؤلفات المهدى قد وضعت أصلًا تحت تأثير البربر ولسدّ حاجاتهم، أما الترجمات العربية لهذه "الكتب" التى توجد بين أيدينا اليوم فالأرجح أنها كتبت بعد فترة من موت عبد المؤمن لتكون بين يدى المنصور الذى أصبح مسئولًا للقيام بحركة إصلاح فى العقيدة. تأسيس الأمبراطورية: إن احتلال الموحدين لشمال أفريقية وأسبانيا لم يبدأ إلا بعد موت ابن تومرت (سنة ٥٢٤ = ١١٣٠ م)، كما أن احتلال المغرب استغرق فترة طويلة من الزمن قاربت العشرين عامًا منذ أول هجوم على مراكش سنة ٥٢٣ هـ (= ١١٢٩ م) حتى تم الاستيلاء عليها سنة ٥٤٢ هـ (= ١١٤٧ م)، ولقد تم تحالف قوامه قبائل مصمودة تحت قيادة ابن تومرت وشرع هذا التحالف فى شن هجمات عسكرية يشرف عليها عبد المؤمن، واختار المهدى فى حياته عبد المؤمن ليكون خليفة له من بعده رغم أنه كان من أصل زناتى، ونودى به خليفة سنة ٥٢٤ هـ (= ١١٣٠ م)، وكان الموحدون فى محاربتهم المرابطين يلجأون دائما إلى الإقامة فى الجبال ويتجنبون على الدوام الاصطدام بهم فى الأماكن المفتوحة، ولقد اتسم فتح

стр. 9615

مراكش بالوحشية الضارية حتى أن المذابح والاضطهادات التى وقعت على المدنيين دفعت ابن تيمية لأن يتهم الموحدين بأنهم قتلوا آلاف المسلمين الصالحين، ولا يُبرّر ما أحدثوه ما يقولونه إنهم مالكية، ولقد ترتب على هذا تعدّد قيام القبائل والمدن بكثير من الثورات التى أعقبتها هجمات عسكرية على أن طبيعة الاحتلال الموحّدى التى اتسمت بعدم التسامح أدت إلى قيام حركة تطهير (أو كما يسمونها حركة تمييز) بين الموحدين أنفسهم. بعد أن أقام عبد المؤمن حكومته فى مراكش (٥٤٢ - ٥٤٥ هـ/ ١١٤٧ - ١١٥٠ م) قضى عامين فى ميناء sale وأسس جيشا كبيرا وبدلًا من أن يمضى هذا الجيش رأسا فى اتجاه أسبانيا نراه يزحف شطر المغرب الأوسط وكانت المدن والقرى فى هذا الإقليم فى وضع سياسى محفوف بالخطر شأنها فى ذلك شأن ما فى غيرها فى أفريقية، ذلك أن هجمات قبائل العرب البدوية القادمة من ناحية مصر قد أدّت إلى شلل اعترى الأعمال الاقتصادية والاجتماعية مما سّهل السبيل أمام المسيحيين النرمنديين فى شن هجمات عدوانية ضد المدن الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، ومن ثم اتسم الفتح الذى تم على أيدى الموحدين بالسرعة والسهولة فى كل من الجزائر وقلعة بنى حماد وقنسطنطينة، فتمكنوا من الاستيلاء عليها فى سنة ٥٤٧ هـ (= ١١٥٢ م)، كما انتزعوا من الأفريقيين فى سنة ٥٥٤ هـ (= ١١٥٩ م) مدينة تونس، واستردوا من النرمنديين المهدية وصفاقص وطرابلس التى كانت كلها آخر الفتوحات المؤدية لأول مرة فى أفريقية الشمالية لقيام دولة موحدة يحكمها الموحدون. ولقد أدركت دولة الموحدين ذروة نجاحها المادى والثقافى زمن ثلاثة من الحكام الذين خلفوا عبد المؤمن الذى مات ٥٥٨ هـ (= ١١٦٣ م) وهؤلاء الحكام هم أبو يعقوب يوسف (٥٥٨ - ٥٨٠ هـ = ١١٦٢ - ١١٨٤ م) وأبو يوسف يعقوب المنصور (٥٨٠ - ٥٩٥ هـ = ١١٨٤ - ١١٩٩ م) ومحمد

стр. 9616

الناصر (٥٩٥ - ٦١٠ هـ = ١١٩٩ - ١٢١٣ م) رغم أن هؤلاء الثلاثة قاموا ببذل محاولات عسكرية لا تهدأ فى سبيل الحفاظ على ما تم لهم فتحه فى المغرب، وكان جيش الموحدين جيشا لا يمكن قهره، إذ كان قوامه قوات من بربر مصمودة وزناتة، بالإضافة إلى ما يسنده من أسطول كبير ضخم قوّى لعب دورًا حاسما فى المعارك البحرية التى خاضها، ولذلك شيدت أحواض لصناعة السفن وإصلاحها فى موانى الأطلسى والبحر الأبيض المتوسط، ولقد حاول صلاح الدين الأيوبى أن يقوم هذا الأسطول بمساعدته فى حصاره لعكا سنة ٥٨٥ هـ (= ١١٨٩ م) ولكن المنصور ردّه خائبا (انظر Eyaudefr ay Demanlrynes Une lettre de saladein au Calife almahade, Panis ١٩٢٥, II,٢٧٩ - ٣٠٤). أما ابن خلدون فيقول بهذا الصدّد: إن المنصور ما لبث أن بذل رأيه وأرسل إلى السلطان المصرى مائة وتسعين سفينة. أما فى أسبانيا فإن توقف حركة الاستيراد المؤقت واكب وصول الموحدين واستقلال المدن والأقاليم التى اغتنمت فرصة ضعف قوة المرابطين لتتخلص من نيرهم. لقد بدأ تدخل الموحدين الحربى فى الأندلس زمن عبد المؤمن، ولكن لم يتسن أبدًا لنفوذهم أن يتمركز ويستقر أبدا فى تلك البلاد استقرارًا كاملًا، وإذا كانت مدينتا قاوس و Terez هما أول مدينتين اعترفتا بسلطان الموحدين سنة ٥٤١ هـ (= ١١٤٦ م) فقد تلى ذلك الاعتراف تدخل عسكر الموحدين واستيلائهم على أشبيلية Serille سنة ٥٤٢ هـ (= ١١٤٧ م). ولما كانت سنة ٥٤٥ هـ (= ١١٥٠ م) جاءت وفادة مؤلفة كلها من الأمراء فى أسبانيا إلى Sole استجابة لدعوة من عبد المؤمن معلنة اعترافها الرسمى بسلطانه عليها غير أن التدخل الحربى الكبير فى أسبانيا من جانب الموحدين إنما كان فى أيام ولده أبى يعقوب يوسف، وقاموا بالهجوم الذى كان الهدف منه احتلال شرقى

стр. 9617

أسبانيا (٥٦٨ هـ = ١١٧٢ م) واحتلال مدن بلنسية وجيان ومرسية، ثم كان الانتصار الحاسم سنة ٥٩١ هـ (= ١١٩٥ م) فى وقعة الأراك Alarces على قشتالة، أما فى الشمال الأفريقى فقد كانت الحاجة ماسة لحملة حربية من جانب الموحدين لغزو "أفريقية"، التى هددها أمراء من أسرة بنى غانية الموحدة، وقد قدر لهم النجاح بفضل أسطولهم وثبتوا أقدامهم فى جزائر البليار التى اتخذوها قاعدة حربية تنطلق منها قواتهم فتبسط سلطانهم على أفريقية والمغرب الأوسط. فى خلال هذه الفترة من اشتداد التوتر الحربى شعر الموحدون بحاجتهم الملحّة إلى دعم قواتهم بإمدادات جديدة، ومن ثم أجمعوا العزم على أن يلجأوا إلى العنف فى نقل القبائل العربية البدوية إلى مراكش، وبذلك دخل البلاد عنصر جديد أخل بالتوازن الهش الذى كان بين السكان البدو وبين الأهالى المقيمين هناك، أعنى بين المدن وبين الريفء ولقد أدت زيادة عدد البدو يوما بعد يوم إلى التدخل فى أسلوب حياة القبائل البدوية وإرغامها على تغيير طرقهم بحثًا عن مراعٍ جديدة، مما أدى إلى انطلاق قوة بنى مرين التى سوف تحل محل الموحدين بعد نصف قرن تقريبًا. وعلى الرغم من أن جيش محمد الناصر رابع الخلفاء الموحدين قد استطاع أن يحرر الناحية الشرقية من المغرب وجزائر البليار من قبضة بنى غانية سنة ٦٠٢ هـ (= ١٢٠٥ م) إلا أنه لم يستطع الصمود فى أسبانيا، فقد أدت هزيمة الأراك إلى قيام تحالف قوى من ملوك أسبانيا وفرسانها دعا إليه أسقف طليطلة رودريجو جيمنيز Rodrigo Jimenez de Rada فكانت دعوته حربا صليبية، ولم تكن هزيمة الموحدين فى وقعة العقاب مؤدية فحسب إلى رفع قبضتهم عن المدن الأسبانية والمناطق الريفية وحدها، بل كانت أيضًا إشارة إلى انتهاء الفترة الأولى من عهد سيادة الموحدين وبداية تدهورها. أما الضعف الحربى الذى اتسمت به الفترة الثانية من تاريخ الموحدين

стр. 9618

السياسى فقد صحبته الفوضى وثورات المدن وضعف الخليفة والانصراف عن عقيدة الموحدين، كما أخذ الولاة فى هذا العصر يتوالون بعضهم إثر بعض بصورة زادت من ضعف السلطة المركزية وتدهور وضع الأسرة، فكانوا يعرفون "بالخلفاء" فى الأندلس، ولكن شيوخ الموحدين بمراكش لا يعترفون بهم، وكانت تؤيدهم فى بعض الأحيان القبائل العربية ولكن يأبى الاعتراف بهم أهل المدن، حتى ليذكر المؤرخون ثمانية من "الخلفاء" الموحدين كلهم من أسرة بنى مؤمن، وهؤلاء الخلفاء هم: يوسف بن أبى عبد اللَّه المستنصر (٦١٠ - ٦٢٠ هـ)، وأبو محمد بن الواحد المخلوع (٦٢١ هـ = ١٢٢٤ م) وأبو محمد عبد اللَّه العادل (٦٢١ - ٦٢٤ هـ) ويحيى بن ناصر المعتصم باللَّه (٦٢٤ - ٦٣٣ هـ) ويعاصرهم أبو العلا إدريس المأمون (٦٢٤ - ٦٣٠ هـ/ ١٢٢٧ - ١٢٣٢ م) وعبد الواحد الراشد (٦٣٠ - ٦٤٠ هـ = ١٢٣٢ - ١٢٤٢ م) وأبو الحسن على السعيد (٦٤٠ - ٦٤٦ هـ = ١٢٤٢ - ١٢٤٨ م) وأبو حفص عمر المرتضى (٦٤٦ - ٦٦٥ هـ = ١٢٤٨ - ١٢٦٦ م) وأبو دبّوس الواثق باللَّه (٦٦٥ - ٦٦٨ هـ = ١٢٦٦ - ١٢٦٩ م). وعلى الرغم من عدم الاستقرار السياسى وانهيار البنية السياسية والإدارية إلا أن مدينة مراكش ظلت مركز نشاط فنى وتوقّد فكرى كبير خلال الفترة الثانية من تاريخ الموحدين، كذلك نجد أن الأقاليم الواقعة عند أقصى أطراف الإمبراطورية (وهى التى كانت آخر النواحى التى خضعت للموحدين) كانت هى الأخرى أول الجهات التى خرجت من نطاقهم، وكان مما ساعد وزاد فى هذه الخطوة من التفكك والانفصال هو ما جرت عليه سياسة الموحدين من تعيين واحد من رجال الأسرة وجعله واليًا شبه مستقل فى المدن والأقاليم وإمداده بالقوات العسكرية، وتركه حرًا حرية تكاد تكون كاملة فى التصرف فيما تحت يده من المال، ومن ثم فقد قام حاكم "أفريقية"

стр. 9619

الحفصى وأعلن استقلاله بولايته التى هو فيها، وذلك سنة ٧٢٦ هـ (= ١٢٢٩ م)، وتلاه فنسج على منواله كبير بنى عبد الواد فأعلن فى سنة ٦٣٧ هـ (= ١٢٣٩ م) استقلاله بما يحكمه فى تلمسان والمغرب الأوسط، كما قاد الخليفة المخلوع يحيى بن ناصر حملة استطاع بها أن يفصل الجنوب عن عاصمته سجلماسة وهى مركز هام من مراكز وطرق التجارة الصحراوية. فإذا انتقلنا إلى مراكش وجدنا بنى مرين من قبائل زناتة البدوية التى تعيش فى السهول يسيطرون على المدن الواقعة على مسافة من مركز قوة الموحدين، وانتهى بهم الأمر أخيرًا إلى تصفية وجود الموحدين، وذلك بغزوهم مراكش سنة ٦٦٨ هـ (= ١٢٦٩ م) وتملال Timmallal مهد حركة التوحيد والموحدين فى سنة ٦٧٦ (= ١٢٧٦ م). تنظيمات دولة الموحدين: لقد ظهر فى الوجود أثناء زمن الموحدين أمور جديدة فى النواحى السياسية والمالية والأدبية والفنية والمعمارية بل والألقاب أيضا وظلت بعدهم إلى حد ما، وكان أول شئ فى هذه الابتداعات المستجدة هو تكوين مجتمع موحدى على أسس تنظيمية ظهرت مع وصول ابن تومرت إلى تملال Timmallal, وجعل هذا النظام الجديد على رأس هذا المجتمع طائفة من الأشخاص ينتسبون إلى المهدى و"بيته"، ويتألف منهم مجلس أعلى. ثم يلى هذا هيئتان إحداهما تتألف من عشرة من أقارب المهدى، والأخرى من خمسين من شيوخ القبائل، بل إن القبائل المصمودية ذاتها رتبت ترتيبًا تنازليا فكانت طبقات بالنسبة إلى الحرف التى تمارسها، فكان منهم المحتسبون والسقاءون والمؤذنون. وكذلك وضعت أوصاف خاصة لوحدات الجيش المختلفة، وكانت هذه الصورة من التنظيم تجعل الصدارة فى التعظيم لأشد الجماعات إخلاصا للمهدى وتأييدًا له، ويندرج فى هؤلاء الأشخاص والقبائل على السواء، وهناك تفسير آخر لهذه الطبقية الموحدية فى أنها تجسيد لمبدأ فلسفى أيده ابن

стр. 9620

تومرت، وكان الجهاز الإدارى فى بلاد خليفة الموحدين بمراكش يرأسه "كاتب" ووظيفته هى وظيفة الوزير، على أن لقب "الوزير" (وهى وظيفة اعتبرها ابن خلدون مكافئة لوظيفة الحاجب) لم يظهر زمن الموحدين، بل كانت وظيفة "صاحب الأشغال" من الوظائف الهامة غاية الأهمية فى جهاز بلاط الموحدين، إذ كان المسمى بهذا اللقب مسئولًا عن جمع الضرائب وغيرها من دخول الدولة المالية وأوجه الصرف، وهو أعلى من جميع موظفى وعمال العاصمة والولايات، وكان يشاطره هذه المكانة من يعرف "بالحاكم" وهو رئيس الشرطة، ويكون فى العادة شيخًا من الموحدين، أما سياسة الدولة الدينية الرسمية التى تبدأ بالمهدى وعبد المؤمن فقد حلت محل "المالكية" وكان أكبر ضحايا هذه السياسة هو القاضى عياض قاضى سبتة، وهو مؤلف مالكى كان يستظل بظل المرابطين وموضع رعايتهم، وقد نفى إلى مراكش بعد قيام بلدته بالثورة وأخرج من كل الوظائف التى كانت بيده. على أن المهدى لم يغير فى القانون الفقهى، ولم يصدر ما يقنن ممارسات الحياة اليومية لتطابق العقيدة الجديدة، ومن ثم ظل التشريع المالكى يسيطر على حياة المغاربة، وظل القضاة المالكيون فى المغرب وفى الأندلس على وجه الخصوص يمارسون وظائفهم دون أن يصادفوا ما يعيقهم، كذلك استمر الموحدون يعينون القضاة، وأبقوا على وظيفة قاضى الجماعة، وهى التى جرت العادة أن يتولاها الأندلسيون، ويعرف من قضاة الجماعة على الأقل ثلاثة كانوا مالكيين، ويمكن مراجعة أسماء الوزراء والكتاب والقضاة الموحدين فى القائمة التى أوردها "هوبكنز" فى كتابه عن الحكومة الإسلامية فى العصور الوسطى فى المغرب. العملة زمن الموحدين: غير الموحدون شكل العملة ووزنها، وكان قطر الدينار الموحدى يتراوح ما بين ٢٢.١٩ مم، ويزن ٢.٤ جراما، وأصبحت الكتابة عليه بالقلم النسخ،

стр. 9621

كما ضربوا نوعًا عرف بالدينار المزدوج أو المضاعف، وظهر فى عهدهم لأول مرة الدرهم "المربع" ولقد شابه الموحدون المرابطين فى عدم استعمالهم العملة النحاسية، والظاهر أنه لم تسك أية عملة زمن المهدى، وإن ظهر اسمه واسم عبد المؤمن وذريته فى النقوش إلّا لفترة قصيرة من عهد المأمون الذى رفض الاعتراف بالعقيدة الموحدية، وقد جرت العادة على ألا توضع التواريخ على السكة، وقل أن كان يظهر عليها اسم دور الضرب التى سكت فيها، وكانت نوعية المعدن التى تستعمل ومستوى الصنعة يبلغان من الروعة مكانة كبيرة، وكانت دور الضرب تقوم فى البلدان الآتية: بجاية، وتدغة وتونس وسلا وفاس ومراكش ومكناس وأشبيلية وجيان وقرطبة ورباط الفتح وتلمسان وسجلماسة، وشهد عصر الموحدين ظهور نوع من العملة الفضية يسمى millares فى شمال افريقية، كان النصارى قد سكّوه وجعلوه على نمط درهم الموحدين وصدّروه إلى البلاد الإسلامية. الحياة الاقتصادية: إن الدراسات التى تعرضت للزراعة فى أسبانيا زمن الموحدين كشفت النقاب عن أن الفلاحين كانوا على معرفة جيدة بأحوال الأرض والأسمدة المخصّبة وطرق الزراعة، وأن انتشار عدد كبير من النباتات إلى جانب وجود نظام دقيق للرىّ كان له أثره الفعال فى قيام رخاء زراعى كبير، ويدل تقويم ابن البناء (الذى وضع فى مراكش قرب نهاية عصر الموحدين) على أن الخبرة بالنواحى الزراعية فى المغرب كانت متقدمة رغم تأخرها نسبيا عن مثيلتها فى أسبانيا، كما أن نظام ملكية الأرض فى أسبانيا لم يكن خاضعًا لأى تدخل من جانب الموحدين عكس ما كان معمولا به فى مراكش إذ كان الهدف منه هنا تيسير جمع الضرائب وتوزيع "الإقطاعات" على العرب وقبائل البربر، وحينذاك ابتدع الموحدون نظاما موحدا خاصا بالأراضى، ويشير صاحب "القرطاس" إلى أن هذا النظام يرجع إلى الوراء إلى سنة ٥٥٤ هـ (= ١١٥٩ م) حيث

стр. 9622

وضعه عبد المؤمن الذى فرض الخراج على الأراضى المزروعة، أما فيما يتعلق بالصناعات الريفية والحرف التى كانت شائعة بين المسلمين فقد بقيت كما هى عليه زمن الموحدين، أما حجم الانتاج الصناعى فتبينه قائمة بعدد المنشآت الصناعية والمصانع فى مدينة فاس زمن الخليفة الناصر وهو الحاكم الذى كان له اهتمام كبير بهذه المدينة، وإليك بيانها: ٣٤٩٠ مصنع غزل ونسيج، ٢٧ مصنعا للصابون و ٨٦ مدبغة جلود، ١١٦ مصبغة، ١٢ دكان حدادة، ١١ مصنعا للزجاج، ٤٧٢ طاحونة، ومائة وخمسة وثلاثون مصنعا لعمل مواد البناء وأربعمائة واثنتان وسبعون طاحونة تدار بالماء، وألف ومائة وسبعون مخبزا، وأربعمائة مصنع للورق ومائة وثمانون مصنعا للفخار، وتسعة آلاف واثنان وثمانون محلا لبيع شتى أنواع البضائع، وداران لسك العملة، وتتضمن نفس القائمة بيانات عن مؤسسات غير هذه التى ذكرناها منها: ٨٩٢٣ وحدة سكنية، و ١٧٠٤٠ بيتا خاصا وثلاثة وتسعون حماما عاما، إلى جانب غيرها وعددها ٤٢، وكذلك ثمانون سبيل ماء، و ٧٨٥ مسجدًا، و ٤٦٧ خانا. ولقد واكب بداية عصر الموحدين التوسع التجارى الأوربى الكبير تجاه الشمال الأفريقى، وتشير اتفاقيات السلام والتجارة (التى ترجع إلى سنة ١١٥٠ م وما بعدها) والمحفوظة فى دور الوثائق الأوربية إلى أن هذه الاتفاقيات أبرمت بين الموحدين من جهة ومدن أوربا المختلفة من ناحية أخرى، وتهدف هذه الاتفاقيات إلى ضمان تأمين التجارة التى أخذت فى الزيادة بصورة كبيرة، وشجبت هذه المعاهدات القرصنة وأكدت رعاية السلطات المسئولة للتجار وما معهم من المتاجر، أما البيازنة الذين كانوا يلقون على الدوام حسن الرعاية فى أفريقية فقد كانوا موجودين فى تونس زمن عبد المؤمن الذى عقد اتفاقيتى سلام وصلح مع بيزا كانت أولاهما سنة ١١٣٣ م والثانية عام

стр. 9623

١١٦٦ م، كما عقد معها أيضا اتفاقية تجارية سنة ١١٥٧ م، وفضلا عن ذلك فإن هناك اتفاقيتين مع بيزا (سنة ١١٨٦، ١١٨٩ م) لتنظيم التجارة بينها وبين سبتة ووهران وتونس وأسبانيا. أما فيما يتعلق بجمهورية خبوا فقد أبرمت كثير من المعاهدات فيما بين عامى ١١٥٥ و ١١٦٤ م لتنظيم التجارة مع كل من طرابلس وسبتة وتونس وساليه وبوجه Bougie, أما مرسيليا فقد عقدت اتفاقا بشأن تجارة الخمور مع سبتة ووهران وبوجه وتونس وذلك فى سنة ١٢٢٨ م، أما قبل ذلك أعنى سنة ١١٨١ م فقد مُضيت اتفاقية بين مملكة الصقليين وبين جزر البليار تحت إشراف أمراء بنى غانية، الذين أمضوا بعد ذلك بثلاثة أعوام (١١٨٤ م) اتفاقية سلام وتجارة مع بيزا، ثم فى سنة ١١٨٨ م اتفاقية أخرى مع خبوة، وأقامت مراكش أول ارتباطات وعلاقات تجارية من ناحية قطالونيا، وكانت الارتباطات قاصرة على موانى البحر الأبيض المتوسط فقط لأن القرصنة كانت سوط عذاب يقض هدوء الساحل الأطلسى مما جعل العلاقات التجارية مع هذه النواحى أشدّ صعوبة منها مع غيرها، ولقد شهد القرن السابع للهجرة (الثالث عشر للميلاد) ظهور الإيطاليين والبروفنساليين والكتلان فى سبتة التى أخذت تفاوض برشلونة فى سنة ١٢٢٧ م ومونبلييه سنة ١٢٣٣ م سعيا وراء إقامة علاقات منظمة بينها وبينهم، كما زار التجار بعض الموانى الصغيرة الواقعة شرقى سبتة والموانى الأخرى غربها حيث طنجة إذ كان المرجان يصدر من هناك إلى أوربا، كما زاد التعامل التجارى مع Sole بسبب الذهب الذى يأتى أصلا من السودان الغربى. أما دخول القشتاليين إلى وسط مراكش هقد جاء فى وقت لاحق لذلك الوقت. وهناك عدد من الاتفاقيات أكبر من هذه الأعداد التى ذكرناها يرجع تاريخ عقدها إلى المراحل الأخيرة من عصر الموحدين، وقد أبرمت مع تونس فى الوقت الذى كانت فيه دولة الحفصيين موشكة على أن تعلن استقلالها عن دولة الموحدين.

стр. 9624

أما المنتجات المحلية التى كانت تصدر فى ختام القرن السادس الهجرى (الثانى عشر الميلادى) من مراكش وتجد لها سوقا فى الأراضى الواطئة (بلاد فلاندرز) فكما يلى: الشمع والجلد المدبوغ والفراء من فاس، الكمون والسكر من مراكش، التمر وحجر الشب الأبيض من سجلماسة، الجلد المدبوغ من Boregie, الشمع وكبريتات الرصاص من تونس. الحياة الثقافية: كان ظهور وانتشار الصوفية فى شمال أفريقية وتطور الفلسفة زمن الموحدين يلقى معارضة من جانب الحركة الموحدية الدينية العقلية المتسمة بالتعصب فى أولى مراحلها، وقد وجدت حركة التحرر الجديدة ما يؤيدها فى تطبيق فقه الغزالى، ولقد ظهر فيلسوفان من كبار الفلاسفة فى ذلك العصر هما ابن طفيل (حوالى سنة ٤٩٩ - ٥٨١ هـ = ١١٠٥ - ١١٨٥ م) وابن رشد (٥٢٠ - ٥٨٠ هـ = ١١٢٦ - ١١٨٤ م) عاشا فى مراكش وألّفا بها تحت رعاية السلطانين أبى يعقوب يوسف وولده أبى يوسف يعقوب، كذلك ظهر رجل أندلسى آخر هو الصوفى الفيلسوف ابن سبعين (المتوفى سنة ٦٦٨ هـ = ١٢٧٠ م) الذى عاش فى سبتة وكتب بها رده على الأسئلة الفلسفية التى وجهها فردريك الثانى ملك صقلية لخليفة الموحدين عبد الواحد الرشيد، ولم يعد الخلفاء الموحدون يعارضون انتشار الحركة الصوفية، ولعل الشخصيتين البارزتين فى التصوف المغربى هما أبو مدين وابن مشيش اللذان وجدا عطفًا من جانب الموحدين، كما أن هناك ما لا يقل عن مائة من الصوفية الذين عاشوا ودفنوا بمراكش خلال عهد الموحدين، كما ظهرت كمية هائلة من الإنتاج فى ميادين الشعر والتاريخ والجغرافية والعلوم، وهى تدين فى الأغلب إلى ما لقيته من تشجيع بعض الحكام ومساهماتهم وكان دخول الأندلسيين فى الشمال الأفريقى مؤديا إلى بعث النشاط الأدبى وازدهاره، على حين كان تأثيرهم واضحا على الخصوص فى الوظائف التى شغلوها فى إدارة الموحدين وفى البلاط.

стр. 9625

كما أن دراسة الآثار والمكتشفات منذ مستهل القرن الحالى ومعظمها فى مراكش وهى التى قام بها تبراس، وباسيه، وميونييه، وديفردون، وكاييه، وهينون قد أظهرت للعيان الخصائص الذاتية البارزة لفن العمارة فى عصر الموحدين. التدهور: إن تجربة الموحدين التاريخية قد أثرت تأثيرا عميقا على الدراسات التى تناولت بها كتابة التاريخ المغربى والفكر المغربى بشقيهما الوسيط والحديث، فنرى ابن خلدون يكشف فى مقدمته عن المدى الذى تأثرت به نظرته إلى حقبة الموحدين، ويقول: إن قسما كبيرا من نظرياته الاجتماعية والسياسية مبنية على أمثلة استمدها من تاريخ الموحدين، أما المؤرخون المحدثون فيرون أن ما أصاب الموحدين من انهيار يحتاج إلى أن نفصل بينه وبين العقيدة، كما يقرر كل من "تورنو" و"مراد" أن خضوع الدولة لأسرة المعتمد كان السبب الرئيسى المؤدى إلى التفكك. الخاتمة: تتوفر لدينا الوثائق المعاصرة للموحدين وكذلك الدراسات العديدة، ولقد قام ليفى بروفنسال بجمع كثير من هذه المصادر المعاصرة لهم كما جمع ما فى مكتبة الإسكوريال من مادة بالعربية، وجمع ما يتعلق بهم فى كتاب الأنساب فى معرفة الأصحاب، مما ساعد "كولن" على أن يدرس تأثير اللغة البربرية على عربية ذلك العصر سواء المكتوبة أو التى تستعمل فى التخاطب، وكذلك قام ليفى بروفنسال بطبع مجموعة من الرسائل التى أرسلتها إدارة الموحدين، ويجب أن نشير إلى أهمية كتاب ابن صاحب الصلاة المعروف باسم تاريخ المنّ بالإمامة فهو مصدر هام عن الأحداث التى جرت فى أسبانيا خلال القرن السادس الهجرى. أما عن شمال إفريقية والسنوات الأولى من تاريخ الموحدين فالمصدر الوحيد الذى بين أيدينا هو للمراكشى والذى ألفه بمصر سنة ٦٢١ هـ وسماه بالمعجب فى تلخيص

стр. 9626

أخبار المغرب والذى طبعه دوزى فى ليدن منذ قرن ونصف قرن ثم ترجمه إلى الفرنسية، ومن بين حوليات القرن السابع الهجرى هو ما اكتشف حديثا ثم طبع من كتاب نظم الجمان لابن القطان الذى شغل وظيفة كاتب البلاط فى السنوات الأخيرة من عهد خليفة الموحدين: المرتضى وهو يمدنا بتفاصيل وافية من الأحداث حتى سنة ٥٣٣ هـ، وقد طبع ليفى بروفنسال مقتطفات منه بالعربية وسماها Fragnents de lhronique alnohade ananynne وذلك سنة ١٩٢٥ و ١٩٣٠, أما مؤلفو القرن الثامن الهجرى (الرابع عشر الميلادى) وهو القرن الذى حفل بالمؤرخين المغاربة الكبار فقد تركوا لنا أعظم ما كتب عن تاريخ الموحدين، وعلى رأس هؤلاء جميعا المؤرخ ابن عذارى صاحب البيان المغرب فى اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب، وفى جزئه الثالث، يمدنا بمعلومات قيمة عن كل من عهد الموحدين فى أسبانيا وانتقال مقاليد السلطة إلى أيدى بنى مرين، ومن مؤرخى هذا القرن أيضا ابن أبى زرع صاحب كتاب الأنيس المطرب بروض القرطاس، والذى طبع منذ أكثر من مائة وستين عاما، أما مؤلفه فقد مات سنة ٧٢٦ هـ (= ١٣٢٦ م) ولدينا من مؤلفى هذا القرن أيضًا ابن خلدون صاحب كتاب الاعتبار، فإذا جئنا إلى القرن التاسع الهجرى (الخامس عشر الميلادى) طالعنا كتاب لمؤلف مجهول هو كتاب الحلل الموشية فى ذكر الأخبار المراكشية، وهو يشتمل على أخبار لم تطبع بعد فى غيره. المصادر: (١) H. Terrasse: Hist. du Morcco (٢) A.Julien: Hist. dr l'afrique du Nord (٣) A. Laroui: Hist of the Maghrib (٤) H.Z. Hirschberg: A. Hist. of the Jeus in North Africa (٥) H. Hazard: The Numismatic Hist. of lote medierol North Africa مروان حسن حبشى [م. شتسميلر M.Shotzmler]

стр. 9627

موريتانيا هى ما تعرف الآن باسم الجمهورية الإسلامية الموريتانية، التى تشغل منطقة شاسعة غرب الصحراء الكبرى، وهى الموطن الأصلى للعرب المتبربرين أو البربر المتعربين الذين يتحدثون اللغة العربية باللهجة الحسَّانية، وفى عهود مضت -وفى الوقت الحاضر إلى حد ما- كان يطلق عليهم اسم (المور) Morrs، رغم أن هذا المصطلح نفسه كان يطلق على كل سكان الشمال الأفريقى، ومن ثَمَّ لم يكن يعطى لأهل موريتانيا خصوصيتهم أو لم يكن يشير إليهم على نحو خاص يميزهم عن غيرهم، ويسمّى أهل ما كان يعرف بالصحراء الأسبانية أنفسهم باسم الصحراويين تمييزا لأنفسهم عن غيرهم. وعلى أية حال، ففى الشرق الإسلامى، كان يُشار إليهم باسم الشناقطة أو الشناجطة (بتعطيش الجيم) نسبة إلى مدينة شنقيط فى الآدرار الموريتانية، وكانت البلاد (موريتانيا) تسمى أيضا باسم المدينة؛ بلاد شنقيط (أو شنجيط) أو شنقيط فقط. ولم يكن جغرافيو المشرق وفقهاؤه غير ملمين بما إذا كانت بلاد شنقيط تشكل جزءا من بلاد المغرب أم أنها من بين بلاد الزنوج (السودان)، وينظر المغاربة أهل المغرب الأقصى - مراكش) لموريتانيا باعتبارها كانت دوما تحت حكم سلاطين مراكش خلال الفترات المختلفة من تاريخ الشمال الأفريقى. أما المور أنفسهم (الموريتانيون) الذين يعيش معهم مواطنوهم من أصول زنجية فهم على وعى كامل بأصولهم الموريتانية وانتمائهم الوطنى وهم فخورون بذلك، ويعتبر الموريتانيون أنفسهم عناصر بيضاء ويميزون أنفسهم عن الزنوج، لذا فهم بيضان (المفرد: بيضانى) وليسوا سودان (المفرد: سودانى) (المترجم: لا علاقة للسودان هنا بالكيان السياسى العربى المعروف) ويحس المور (الموريتانيون) أنهم جزء من دائرة أوسع متمثلة فى المتحدثين بالعربية بلهجتها الحسّانية ومصطلح بلاد البيضان أوسع من الجمهورية الإسلامية الموريتانية، فتراب البيضان

стр. 9628

يشمل أيضًا ما كان يعرف بالصحراء الأسبانية (الصحراء الغربية) والمناطق الصحراوية فى مالى. ١ - الجغرافيا - الحدود: مراكش والصحراء الأسبانية السابقة شمالا، والمحيط الأطلنطى غربا، والسنغال جنوبا، والجزائر شرقا، وفى الجنوب مالى. وتمتد موريتانيا لأكثر من ١.٦٨٥.٠٠٠ كم ٢ من خط طول ٥ - ١٧ غربا وخط ١٦ - ٢٦ شمالا، منقسمة إلى منطقتين كبيرتين هما: (أ) النطاق الساحلى جنوبًا، ممتدا من نهر السنغال حتى تقريبًا مدن نواكشوط، موجريا، تامشاكت، عيون الأتروس، ونيما، ومتكونان من كثبان رملية ثابتة (ميتة)، وسهول منبسطة. وهو يعرف جنوبا باسم جيلا. وتتميز تلك المنطقة بأمطار سنوية تزيد على ١١٠ مم/ سنة، غيرت حديثا من ظروف الجفاف. وعلى الشاطئ الأيسر من نهر السنغال، يتغطى الوادى برواسب نهرية تروى يفيضان النهر حين يفيض، وبالأمطار المتساقطة فيما بين شهرى يوليه وأكتوبر. وتسمى تلك المنطقة شمامة، وتقع أسواقها الرئيسية ومراكزها الإدارية فى روسو، وبوغى، وكايدى. أهم ملامح المنطقة تتمثل فى غابات الصمغ والنباتات العشبية التى ثبتت الكثبان، وأنبتت مراع خصبة لقطعان السائمة من أبقار وأغنام. (ب) نطاق صحراوى جاف فى الشمال متكونا من الكثبان الحية والسهول الحصوية، وفى أقصى الشمال منه هضاب وجبال. أما الأمطار فيه فأقل من ١٠٠ مم/ سنة فى المتوسط، وتنتثر فيه الشجيرات، بينما تحرق أشعة الشمس وقلة المطر الحشائش، ويقارن الموريتانيون بين بلادهم والحجاز حيث قطعان الجمال والأغنام والماعز. أما الشاطئ فعنيف التضرس مما يجعله صعبا حياة وعبورا وليس به سوى خليج واحد مأمن، هو ليفريير وميناؤه ايتيان لانواديبو). ويحتوى وسط الشمال فى موريتانيا على هضبة أدرا (٥٠٠ م) وهضبة تاجانيت (٣٣٠٠) بجروفهما الحارة، بينما المرتفعات فى استطالة باتجاه الشرق بهضبتيها أسابا وآفولى، حيث

стр. 9629

المياه موفورة بأكثر منها فى بقية المناطق الصحراوية، وحيث تجرى الفدران فى تدفق لتروى أحراج النخيل قديمة التواجد. هناك، توجد بعض المدن الموريتانية القديمة مكل قصور شنقيط وأواوان، وأطار، والعاصمة القديمة فى آزوجى وتيجيكيرى. ثم تنخفض المنطقة شرقا فى زهاريتشيت والحوض حيث طريق القوافل. وتعتبر موريتانيا بلدًا شديد الجفاف حارًا فيما عدا المناطق القريبة من النهر جنوبًا وتستفيد نواكشوط وايتيان من هواء البحر. ٢ - السكان: حوالى ١.٧٥٠.٠٠٠ نسمة اجمالًا، وبلغ الاستقرار فيها ٤٥ % منذ عام ١٩٧٧، مما ضاعف من عدد السكان فى المدن والأراضى المروية. وتتميز بعض أقاليم وادى نهر السنغال بكثافة سكانية عالية تزيد اليوم على ٣٥ فرد/ كم ٢. وبشكل عام يزيد التكدس فى الإقليم الساحلى شمالى النهر حيث موطن الزنوج، بينما يتناقص ذلك فى النطاق الصحراوى الذى يسوده المغاربة شمالا. ولقد قدر عدد السكان فى أدرار بنحو ٥٠ ألف نسمة فى مساحة ٤٨٩ ألف كم ٢، حتى لقد خلت بعض المناطق مثل المريا والجوف وأرج شاش من قطانها تماما، بل حتى عابريها. وإجمالا، فثمة عنصرين بشريين فى موريتانيا، يشكل لمقاربة نحو ٥/ ٤ كل السكان، ينتمى البعض منهم إلى الصنهاجة القدامى الذين تزاوجوا مع الزنوج أو غيرهم (البافور) السابقين إلى المنطقة وسيادتها حتى القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر الميلادى الذى أعقبه مجيئ جماعات صغيرة من عرب بنى معكل (أولاد حسن فيما بعد). ومغاربة اليوم هم أخلاط من كل هؤلاء. ثم اشتمل ذاك المجتمع على مجاميع أخرى صغيرة اندمجت فيه، مثل بربر زاناتا وبعض اليهود وخلائط أخرى من سكان المناطق الساحلية. ويتكون المجتمع الزنجى من توكولير (٧٥ ألف)، سوننكى (٣٠ ألف)، لوف (١٠ - ١٥ ألف) وغير ذلك فى أرقام تقريبية. وعموما، كان التزاوج فيما بين المغاربة والزنوج بنسبة أقل مما هى عليه بين الطوارق والزنوج فى الأراضى الساحلية شرقى موريتانيا.

стр. 9630

٣ - التاريخ: (أ) فيما قبل التاريخ: يوجد فى موريتانيا العدد الكبير من المكامن الأثرية التى تشير إلى سكنى الصحراء الغربية منذ العصور الحجرية القديمة. وفى الحديث منها (٢٠٠٠ - ١٠٠٠ سنة قبل الميلاد) كان بمنطقة زهاريتشيت كثافة سكانية عالية. كانت هناك نحو ٢٥٠ قرية مخططة ومبنية جيدا، قطّانها من العناصر المتزنجة، ربما كانوا أسلاف الحراطين اليوم، يسكن أغلبهم فى مرتفعات أدرار، وبرعوا فى صناعة أسلحة الصيد والفخار، وفيها اكتشف النحاس مؤخرا، وعرف الحفر عليه. ولقد كان المناخ رطبا مما أدى إلى تعدد صور الحياة الحيوانية الساحلية، وانتشار أعمال الصيد فيها بما يشبه ما كان فى المغرب وجنوبى الصحراء وليس ثمة شواهد رابطة بين حضارة موريتانيا ومدينة البحر المتوسط. ولقد أغار الجفاف كثيرا على موريتانيا بما هدد وجودها، ودفع قطانها الأوائل إلى الهجرة جنوبا، ليحل محلهم أقوام يتكلمون البربرية ويستخدمون الحديد والنحاس، ويصطادون النعام والغزال ويركبون الخيل والعربات، وهم الذين أدخلوا الجمل إلى البلاد فى ذاك الجزء من الصحراء، قبيل العصر المسيحى. وثمة آثار للبربر فى كثير من معابد يتمولى، ونقوشا حجرية تصورهم يمتطون الخيول مدججين بالدروع والرماح. وتشير الأغانى الشعبية إلى ذلك وإلى قمة بلغتها الحضارة الأفريقية التى تعود جذورها إلى العصور الحجرية الحديثة، فى تيشيت. (ب) غانا ولتكرور وممالك البربر الصنهاجية قبل المرابطين: فى بواكير العصور الوسطى كانت موريتانيا تشتمل على: ١ - مملكة وثنية كبرى هى مملكة غانه. ٢ - جانب من مجتمع التكرور المسلمين المتنامى على ضفاف السنغال. ٣ - مجموعة من الممالك الصنهاجية الصغيرة أهمها تلك المتمركزة فى أوداغست التى استحوذت عليها بعد ذلك مملكة غانة. وقد تمركزت غانه فى
следующие страницы →