← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9766–9805 · переход к 9771.

стр. 9766

والأخلاقيه للأمراء ومسئولياتهم، [. . . .] (*) بمقالة عن الاستعدادات الحربية. وعلى ذلك فيمكن إرجاع هذا النوع من الأدب لجيل كامل على الأقل قبل التاريخ الذى يؤرخ به ظهوره، بتتبع كتابات عبد اللَّه ابن المقفع (متوفى حوالى ١٤٠ هـ/ ٤٥٤ م) الذى ينظر إليه من خلال تراجمه المعروفة عن البهلوية كقناة اتصال للتقاليد الساسانية فى الحكم. ويتضمن كتابه "رسالة فى الصحابة" الذى يبدو أن المقصود به كان الخليفة المنصور ثانى الخلفاء العباسيين، وبالتالى يكون قد كتبه فى حدود العامين الأخيرين من حياته وقد ضمنه المواضيع العامة فى السياسة والأمور العسكرية وخاصة العدالة فى ممارسة السلطة. كما يتضمن "كتاب الأدب الكبير" نصائح فى الجزء الثانى منه لابن الخليفة على ما يبدو، والثالث موجه لوزير الخليفة، مضمنًا الأصول العامة لمصاحبة الحكام، أما الرابع فللعاملين فى الدواوين الملكية، وأهمية العلاقات الطيبة فيما بينهم. وحينما كان ابن المقفع يركز على أهمية الحفاظ على تراث الأقدمين كان يعنى غالبا اليونانيين، وكذا التقاليد الفارسية التى ينتمى هو إليها، ومتأثرًا بالحياة السياسية التى اكتسب خبرته منها. واستمر هذا الأدب على مدى قرنين يتضمن هذه العناصر الأخلاقية المتعلقة بالحكم وتصريف شئون الدولة. وإلى عصر الأمون -الذى يعرف هو ذاته بشغفه بالعلم والترجمة- يعود العمل الجامع للقائد الخراسانى طاهر بن الحسين ذى اليمينين الذى يوجهه فى رسالة لابنه عبد اللَّه بمناسبة توليه حكم إقليم فى ٢٠٦ هـ/ ٨٢١ م. والملاحظ هنا سيطرة الطابع الإسلامى المتمثل فى القرآن والسنة. والتقاليد العربية كالمروءة والحلم، ولا يلعب الأثر الفارسى إلا أثرًا ثانويًا، وهو ما يجعل هذا العمل، بالإضافة -لفصاحة بيانه، ذا شهرة وشعبية فى الأجيال التالية. على يوسف على [G.E. Boswouth] مراجعة د. محمود الشحات الجندى

стр. 9767

موجز دائرة المعارف الإسلامية «النصارى - اليهود» [الجزء الثاني والثلاثون]

стр. 9768

النصارى " النصارى" أو "النصران" جمع نصرانى إلا أن الأخيرة "نصران" تعد من قبيل الجمع النادر، وقد وردت كلمة نصارى -وهى الكلمة التى يشار بها فى العالم العربى للمسيحيين- فى القرآن الكريم خمس عشرة مرة، ويرى معظم المفسرين والجغرافيين والمعجميين العرب أن الكلمة اسم منسوب لمدينة الناصرة Nazareh وممن تعرضوا لأصل الكلمة المستشرق جفرى Jeffery فى كتاب عن الكلمات الأجنبية فى القرآن الكريم The foreign vocabulary of the Quran (بارودا Barodc .١٩٣٨، ص ٢٨٠ - ٢٨١) وترجع هذه الكلمة (النصارى) إلى الاسم الذى أطلقه اليهود على المسيح ﵇ وهو يسوع الناصرى، ومن ثم سمّى اليهود أيضًا العقيدة التى يدعو إليها بالعقيدة الناصرية، وهذا واضح من الفقرة رقم ٥ من الاصحاح رقم ٢٤ من أعمال الرُّسل (. . فإننا إذ وجدنا هذا الرجل مفسدا ومهيِّج فتنة بين جميع اليهود الذين فى المسكونة ومِقْدام شيعة الناصريين، وقد شرع أن ينجّس الهيكل. . .) وقد وصف القديس بول فى السياق نفسه بأنه مقدام (أى قائد) الناصريين (المسيحيين). فالنصارى أو الناصريين -إذن- هو أقدم اسم أطلق على المسيحيين، ويشهد بصحة هذا أن اللغة الأرمنية القديمة ما زالت محتفظة به، وما زال هذا الاسم مستخدما فى لهجة المالايالم Malayalam مع تحريف قليل، فالكلمة الدالة على المسيحيين فى هذه اللهجة هى Nazranikal وقد أطلقت على القديس توما الذى بشّر فى جنوب الهند. وقد حافظ القرآن (الكريم) على هذا المصطلح الأصلى (نصارى) والذى يسبق مصطلح (المسيحيين) الذى ظهر -للمرة الأولى- فى أنطاكية فى حوالى سنة ٥٠ بعد الميلاد كما هو واضح من الاصحاح الحادى عشر من أعمال الرسل، فقرة ٢٦ (. . ودُعى التلاميذ مسيحيين فى أنطاكية أولا). حقيقة إننا

стр. 9769

نجد فى المصادر اللاحقة للفترة التى يطلق عليها فى التاريخ المسيحى فترة ما بعد الرسل Apostolic era (قبل الإسلام) قد جرى التفرقة بين مصطلحى (النصارى) و (المسيحيين) إذ أن لفظ النصارى كان يطلق -فقط- على اليهود الذين قالوا بأن المسيح ﵇ هو ابن اللَّه ولكنهم مع ذلك ظلوا متمسكين بمختلف الشرائع اليهودية، وظلوا متمسكين بجوانب العقيدة اليهودية الأخرى. وذلك فيما يقول تيودور بارفونى Theodoro bar kuni فى فترة متأخرة فى حوالى سنة ٨٠٠ بعد الميلاد. وتؤكد المصادر الإيرانية هذا التمييز بين مصطلحى (النصارى) و (المسيحيين) كما هو واضح فى نقش كارتير Kartir فى بخش رستم الذى يعود لحوالى سنة ٢٨٦ م. وأكدت -أيضًا- المصادر اليونانية ذلك (انظر على سبيل المثال ما كتبه ماجنن J. M. Magnin فى دورية Proche Orient Chretien القدس، ١٩٧٣ - ١٩٧٨)، ولا تنكر المصادر السريانية هذا التمييز (Payne Smith, Thesaurus, cols. ١٨٢١ & ٢٤٤٤ & S P. Brock: same aspects of Greek words in Syriac, Gottingen, Sywposium on synkretismus im syrisch - persischen Kulturgebeit, ٩١ - ٩٥). لكن المصطلح "نصارى" لم يرتبط فى القرآن الكريم -فيما يبدو- بطائفة اليهود المتنصرين الآنف ذكرهم Judaeco christians، وإنما المسألة لا تعدو استخدامًا للفظ قديم ظل حيًا على ألسن اليهود الذين كانوا يطلقون على المسيح ﵇ اسم الناصرى، وكان اليهود أكثر عددًا من المسيحيين فى منطقة مكة (المكرمة) والمدينة (انظر الموسوعة اليهودية Encyclopedia Judaica، القدس، الطبعة الرابعة , ١٩٧٨، جزء ١٢ عمود ١٥٢١) وقد حدث أن استخدم لفظ "النصارى" للعن المسيحيين فى الصلوات الرسمية التى يؤديها اليهود فى معابدهم (التفلا Tephilla) وقد عدَّل جمليل الثانى Gamaliel فى صيغ هذه اللعنات فى نهاية القرن الأول للميلاد J. Bonsirven: Le Judaisme palestinien au)

стр. 9770

temps de Jesus christ, ١١, Beauchesne, ١٩٣٥, ١٤٦) ولقد أدّى تاثير بعض الجماعات التى توصف بأنها "نصارى" (على حياة محمد [ ﷺ ] إلى القول بأن القرآن (الكريم) دعوة نصرانية، والفقرة الأخيرة (القرآن دعوة نصرانية) هو عنوان لكتاب ألفه الأستاذ حداد ونشر سنة ١٩٦٩ م لكن أيا من النتائج التى وصل إليها لا يمكن الخروج بها من الاستخدام القرآنى لكلمة نصارى، فالكلمة فى القرآن الكريم تعنى المسيحيين بشكل عام الموصوفين فى كتب الملل والنحل باعتبارهم أقسامًا ثلاثة: النساطرة والملكانية واليعاقبة. وبالنسبة لكلمة مسيحى (وجمعها مسيحيون) فهى نسبة إلى المسيح ﵇ وهى ترجمة لكلمة يونانية منسوبة -أيضًا- للمسيح، ويذكر السمعانى فى كتابه الأنساب أن هذه الكلمة لم تستخدم إلّا فى القرن السادس للهجرة/ الثانى عشر للميلاد، وكان استخدامها قصْرًا على المسيحيين أنفسهم. وقد تسمّى بعض المسلمين باسم المسيح أو نسبة إليه فى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى، ومن ذلك أبو على محمد بن ذكريا المسيحى البغدادى، كما تسمت أسرة نسطورية فى بغداد أيضًا بالاسم نفسه "مسيحى". وعلى أية حال فحتى الكتاب المسيحيون يستخدمون كلمتى "النصارى" و"النصرانى" ويقصدون "المسيحيين" و"المسيحى" ويبدو أن سليمان الغزى (القرن السادس للهجرة/ أواخر القرن الحادى عشر للميلاد) هو الكاتب الوحيد -حتى هذه الفترة- الذى استخدم كلمتى "النصرانية" و"المسيحية" ككلمتين مترادفتين. وثمة مصطلحين آخرين هما (الروم) للدلالة على المسيحيين البيزنطيين، والمصطلح الآخر هو "الإفرنْج" وقد شاع بعد الحروب الصليبية للدلالة على المسيحيين الغربيين (فى مقابل المسيحيين الشرقيين أو البيزنطيين) وفيما يتعلق بنظرة المسلمين للنصارى كما وردت فى القرآن الكريم والحديث الشريف -بشكل عام- يمكن

стр. 9771

مراجعة مادة أهل الكتاب. أما فيما يتعلق بمسلك المسلمين إزاء غير المسلمين سواء فى الحياة اليومية أم من حيث موقف مؤسسات الدولة الإسلامية فيمكن مراجعة مادة أهل الذفة، ولمزيد من الإحاطة لعناصر الموضوع المختلفة يمكن مراجعة مادتى القبط، والملكانيين ومادة الروم، كما تعرضت بعض المقالات الأخرى لموضوع المسيحيين فى الدول الإسلامية مثل مادتى: الفاطميون والحاكم. لكل هذا فستقتصر مقالتنا هذه على تناول أوضاع الجماعات التى لازالت باقية من السريان الذين ينقسمون -كما هو معروف- إلى قسمين: السريان الغربيون أو اليعاقبة المنادون بالطبيعة الواحدة (Monophysitism) والتابعون لبطراركية أنطاكية، وكانوا متمركزين بشكل أساسى فى الشام الرومانية ثم البيزنطية فيما بعد وإن كان وجودهم قد امتد على نحو ما فى مناطق كانت تابعة لما كان يعرف بالإمبراطورية الفارسية. أما بالنسبة للسريان الشرقيين أو النساطرة أو النسطوريين فهم كاثوليكوس Catholicos (المترجم غير الكاثوليك المعروفين أو جاثليق وكان مركزهم المدائن (طيسفون) وكان إنتشارهم بشكل أساسى فيما كان يعرف بالإمبراطورية الفارسية (العراق وايران الحاليتين)، وكانوا أيضًا فى بعض مناطق شبه الجزيرة العربية بل وفى آسيا الوسطى. ووجدت أعداد منهم فى الهند والصين والتبت. مسيحيو شبه الجزيرة العربية والخليج: ظهرت مراجع حديثة تتناول هذا الموضوع، وإن كان هذا لا يمنع من أن المراجع التى سنوردها فيما يلى لازال لها قيمة غير منكورة: J. Ryckmans: le Christianisme en Arabie du Sud preislamique in l'oriente christiane nella storia, A cad. linccei, quaderno no ٦٢ (rome, ١٩٦٤) ٤١٣ - ٤٥٣ C.Hechiiime, louis cheikho et Son Liure "le christianisme dans La Litterature Chretienne en Arabie avant l'Islam in Recherches, Institut de Lettres orientales de

стр. 9772

Beyrouth, ٢ nd series, XXXViii (Beirut, ١٩٦٧) J.spencer Trimingham: Christiainty among the Arabs in pre - Islamic times, Beirut, ١٩٧٣ (وهو كتاب توثيقى مهم، وإن كان يجب النظر بتحفظ لتفسيراته) Irfan وعرفان شاهد Byzantium Shahid in south Arabia, in Dumbarton Oaks Papers, XXXII, ١٩٧٩, ٢٥ - ٩٤ وللمؤلف نفسه مبحث آخر بعنوان: Byzautium and the Arabs in the Fourth Century, Washington D.C., ١٤٧٤ J. Beaucamp and Chr. Robin: le Christianisme dans La Peninsule arabique d'apres L'Epiqraphie et l'archeologie in Traveaux et Memoires. VIII (Paris, ١٩٨١) ٤٥ - ٦١ G - Fiaccadori: Yemen Nosteriano in Studi in Onore di Edde Bresciani, Paris ١٩٨٥, ١٩٥ - ٢١٢ إلّا أنه يمكننا أن نحدد منطقتين عُرفت منهما المسيحية فى شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام أشار اليهما كل من بوكمب وروبن فى كتابيهما الآنف ذكره. أول هاتين المنطقتين فى الركن الجنوبى الغربى حيث المرتفعات اليمنية التى كانت فى ذلك الوقت تابعة لحِمْير (بكسر الحاء وتسكين الميم) وكان يقطنها فلاحون مستقرون يتحدثون لغة سامية مختلفة عن عربية جنوب شبه الجزيرة العربية بينما كان بقية قاطنى شبه الجزيزة العربية على البداوة ويشكلون قبائل ترتبط فيما بينها بروابط التحالف التى قد تتغير بين الحين والحين. لقد عرفت نجران ومأرب وحضرموت المسيحية خاصة بعد الغزو الأثيوبى البيزنطى للمنطقة فى القرن السادس للميلاد. وفى سنة ٥١٨ م -أى قبل الإسلام- تعرض هؤلاء النصارى لإضطهاد عنيف (انظر مواد: أصحاب الأخدود، ذو نواس، نجران، وانظر أيضًا دراسات عرفان شاهد)، وبالنسبة لمناطق شمال الحجاز والسواحل الغربية للخليج، وعمان وجزيرة سوقطرة فقد وصلتها الدعوة للمسيحية من الشمال حيث الحيرة أوْكَلَ الفُرس حكمها للعرب، وكان مسيحيو هذه المنطقة تابعين لأبرشية

стр. 9773

(أسقفية) فارس. وقد كونوا منذ القرن الخامس للميلاد عددًا من الأسقفيات (مَشْمهيج، ودَيرْين، ومَازُون (فى عمان)، وهَجَر، ويمامة، وهتَّه "الخط" وسوقطرة) وغالبًا ما كانت هذه الأسقفيات المحلية ذوات نزعات انفصالية، لا تتفق مع رؤية الكرسى الأسقفى النسطورى فى المدائن (انظر فى هذا: J. M. Fiey, Dioceses syriaques Orientaux du Golfe Persique Memorial Mgr G.Khouri فى Sarkis, Louvain. ١٩٦٩, ١٧٧ - ٢١٩ وأعيد طبع هذا المبحث فى: Communautes syriaques en Iran et Irak , des origines a ١٥٥٢, Variorum Re prints, London, ١٩٧٩ ومن الصعب أن نوجز الوضع المتغير لمجتمعات الساحل الشرقى، فقد تحول عدد كبير من أهل هذا الساحل للدين الإسلامى وكان ذلك -إلى حد ما- بسبب اثقال كاهلهم بالضرائب التى قدرت بنصف ممتلكاتهم فيما يقول البلاذرى وكما يتضح من رسائل البطريارك إيشوعياب، وكان هذا أكثر ما يكون وضوحًا فى البحرين وعمان (١)، وأشار المستشرق فيى لأفكار المؤلف نفسها فى مبحث Fiey له بعنوان Isho yaw le Grand (فى دورية المسيحية الشرقية Orientalia iodica Christiana, XXXVI, ٢ باريس، ١٩٧٠، ص ٣١ - ٤١) وظلت الاشارات إلى أساقفة هذه الأسقفيات حتى ما بعد سنة ٦٧٦ م، وعلى أية حال فهناك ما يدل على وجود مسيحيين فى اليمامة والبحرين بين سنتى ٨٩٣ م و ٨٩٩ م عندما حكم أبو سعيد القرمطى لفترة وجيزة، وقد حظى المسيحيون فى ظله بمعاملة حسنة وحتى سنة ٩٠٠ م كان لأسقفية

стр. 9774

مَشْمهيج (سماهِجْ) أسقُفها المعروف (انظر فى هذا: J. Bcaucamp & Chr. Robin: Leveche de Mashmahidi dans L'archipel de Bahrayn (ve - lxe siecles)in Dilmun "Berlin ١٩٨٣" ١٧١ - ٩٦ ويشير نص سريانى بتاريخ ١٠٠٧ أن التنظيم الاكليريكى (الكنسى) لبلاد فارس ظل حتى هذا التاريخ مكونا من عشر أسقفيات فرعية، إلّا أن النص -لسوء الحظ- لم يذكر أسماءها وآخر أسقفية نسطورية فى سوقطره ورد ذكرها سنة ١٢٨٣ م. وكان مسيحيو صنعاء ومناطق أخرى باليمن لا زالوا يتلقون الخدمات الكنسية من الأسقف فيما بين عامى ٨٣٧ و ٨٥٠ (Thomas of Marga, Liver des superieurs) جـ ٤، الفصل ٢٠). مسيحيو العراق فى قرون الإسلام الأولى: شهدت الأعوام التى سبقت -مباشرة- الفتح الإسلامى للعراق تغيرات مهمة فى أوضاع المسيحيين، فمنذ سنة ٤٨٦ م كانت كنيسة "أرض فارس" قد أصبحت -من الناحية الرسمية- نسطورية. وعلى أية حال فإن بعض المنشقّين أعادوا إحياء مذاهبهم وبلورتها ونظموا أنفسهم فى تنظيمات هيراركيّة كنسية أسوة بدعاة الطبيعة الواحدة، إلّا أن نجاح هرقل فى الاستيلاء على كل شمال العراق سنة ٦٢٨ - ٦٢٩ أدى إلى حدوث تغيرات راديكالية فى الموقف، ففى ظل القوة العسكرية البيزنطية وتحت سطوة الوالى البيزنطى المتمركز فى تكريت، استطاع السّريان الغربيون من تأسيس مؤسسة دينية سُميت بعد ذلك مفريان Maphrian فى تكريت نفسها، وثمانى أسقفيات (أصبحت بعد ذلك عشرا) تغطى خدماتها كل القطاع الذى فتحه هرقل. ورغم أن هرقل كان -فى بلاده- متعاطفًا مع الملكانيين مضطهدًا لليعاقبة، إلَّا أنه فى المناطق المفتوحة (التابعة) كان يتبع سياسة مغايرة إذا

стр. 9775

كان يشجع اليعاقبة ويتعاطف معهم ضد الكنيسة النسطورية المحلية التى احتفظت بصلاتها بالساسانيّين ومن هنا تمتع اليعاقبة بمزايا جديدة بينما فقد النساطرة ما كان لهم من تميُّز. وفى سنة ٦٣٥ رحب النساطرة واليعاقبة -على سواء- بالفتح الإسلامى، وراح كل فريق منهما يسعى للحصول على تأييد المسلمين (راجع ما كتبه فيى Fiey فى بحوث المؤتمر العلمى الثانى لتاريخ بلاد الشام، عمان, ١٩٨٧، ص ٩٦ - ١٠٣) وراحت الفرقتان المسيحيتان المتنافستان تتهم كل منهما الأخرى بتحالفها مع السلطة الإسلامية، وثمة روايات قليلة عن إجبار بعض المسيحيين للتحول للإسلام، فالحقيقة أن فرض الجزية كان هو السبب الرئيسى لترك عدد كبير منهم لمسيحيتهم ودخولهم فى الإسلام، وكان عددهم كبيرًا لدرجة أن الحجاج بن يوسف الثقفى الذى كان يحكم العراق باسم الأمويين كان مضطرًا لمنع النبط السريان فى منطقة كسكر -واسط من الدخول فى الإسلام، بل واستغل أحاديث موضوعة لتحقيق هذا الغرض (انظر Fiey, Les Nabat de Kasker - Wasit dans Les Premiers siecles de L' Islam. In Musj ٥١, ١٩٩٠, pp.٥١ - ٨٧). (المترجم: راجع ما كتبه مستشرق أخر هوب. كرون Crone فى مبحثه عن الوالى المنشور فى هذه الدائره إذ ينكر تمامًا. وبأسلوب تحليلى رصين- دعاوى كاتب هذا المقال، فالحقيقة أن الحجاج وغيره من عمال بنى أمية كانوا يقاومون هجرة الفلاحين من أراضيهم لما فى ذلك من ضرر يحيق باقتصاد الدولة، واعتبروا الفلاح الذى يهجر أرضه هاربًا، ولم يعفوه من دفع خراج الأرض حتى لو هجرها، ويؤكد المستشرق نفسه أن التحول للإسلام لم يكن فى الأساس هروبًا من الجزية وإنما لأسباب أخرى بعضها اجتماعى، وبعضها متعلق بوضوح الدين الجديد وبساطته) ونتيجة المنافسات بين الطائفتين المسيحيتين آنفا الذكر، وكذلك نتيجة وساطة الطبيب سرجونا -

стр. 9776

تدخلت السلطات الإسلامية لتأييد الدَّعِى يوحنا المجذوم ضد البطريرك النسطورى حنانيشوع (٦٨٥ - ٧٠٠) ففقدت الأسقفية زعيمها الروحى طوال أربعة عشر عامًا (انظر فى هذا كتاب مارى: أخبار بطارقة المشرق، ص ٦٣ - ٦٤، ولصليبة كتاب يحمل العنوان نفسه، ص ٥٩) ومن ناحية أخرى وجدنا الوالى خليل بن عبد اللَّه القسرى (وكان أبوه مسيحيًا) يؤيد البطريرك بثيون Pethion (٧٣١ - ٧٤٠) (أنظر ما كتبه مارى فى الكتاب آنف الذكر، ص ٦٦). وترسم لنا حوليات السريان الغربيين صورة أكثر قتامة لأحوال الفلاحين فى الشام (مسيحيين وغير مسيحيين) فى ظل خلفاء بنى أمية حيث تتردد -بشكل مستمر- الكلمة السريانية (Census) الدَّالة على فرض ضرائب جديدة لبناء القصور الضِّخام التى لا ينعم بها إلّا الأمراء أو شق القنوات لرى حدائقهم، ويصبح الحال أسوأ عندما يموت الخليفة ولما يكتمل مشروعه، أما الحوليات المسيحية فهى تروى الأحداث من وجهه نظر الشعب -على عكس الحوليات الإسلامية- لذا فهى لا تقدم لنا الصورة وردية دائمًا (انظر: Fiey, The Umayyads in Syriac Sources المنشور فى سجل أبحاث مؤتمر تاريخ بلاد الشام، عمان، ١٩٨٩ جـ ٢، ص ١١ - ٢٥). فى ظل العباسيين: لم يكن تقلص عدد المسيحيين فى ظل الدولة العباسية -ناتجًا- فى الأساس- عن أعباء مالية مفروضة عليهم، وإنما كان فى الأساس خاصة بين المتعلمين من أطباء وكتّاب بسبب بعض الضغوط الإجتماعية فقد كان المسيحيون يشغلون وظائف هامشية ولا يمكنهم الاندماج فى المجتمع بشكل كامل إلا إذا تحولوا للإسلام وكان هذا أمر، ضروريًا للاحتفاظ بالمنصب أو للوصول إلى مراتب عليا. وكان المسلمون ينظرون بعين الشك إلى أولئك الذين دفعتهم مصالحهم إلى إعتناق الإسلام كحنين بن إسحق (المتوفى ٢٦٠ هـ/ ٨٧٣ م) الطبيب الفيلسوف، وكان نسطوريًا، وابن كمونه اليهودى

стр. 9777

وكان كحّالًا (طبيب عيون) وفيلسوفًا (توفى ٦٨٣ هـ/ ١٢٨٤ م) (انظر: Fiey, Conversions des Juifs et de chre'tiens a L'Islam Sous les Abbassides. dans les Sources arabes et Syriaques فى سجل أبحاث المؤتمر الدولى السابع عشر للعلوم التاريخية، مدريد، ١٩٩٠ م) وكان الخليفة المأمون نفسه يشك فى إسلام عدد من هؤلاء الذين دفعتهم مصالحهم لإعتناق الدين الجديد، ومهما يكن من أمر فإن نسل هؤلاء المسلمين الجدد تابع الإيمان بالعقيدة الإسلامية واندمجوا فى النهاية فى المجتمع الإسلامى. وفى بعض الأحيان كان العامة يحطمون بعض الكنائس أو ينهبونها نتيجة إشاعات مغرضة أو تقارير كاذبة عن قيام البيزنطيين بذبح الأسرى المسلمين أو عن انتصارات بيزنطية على المسلمين أو عن ممارسات قام بها -فيما بعد- الصليبيون، ومع كل هذا لا يمكن أن نزعم أن المسلمين قاموا بأية مذابح للمسيحيين. وعلى أية حال فقد بدأت أعداد المسيحيين تقل شيئًا فشيئًا وإن كان يجب التنبيه على أن أى دراسة ذات بعد إحصائى تعتمد على التمييز بين المسلم والمسيحى وفقًا للأسماء تعتبر غير مجدية فى هذه الفترة، فأسماء على وحسن وحسين كانت أسماء إسلامية ومسيحية على سواء (انظر: Names وحبيب زيات Habib Zayyat fore names and Surnames of Christians in Islam أسماء المسيحيين وألقابهم فى الإسلام. نشر فى دورية "الخزانة الشرقية" جـ ١، بيروت، ١٩٥٢، ص ١ - ٢٢). المصادر: وردت بالنص د. عبد الرحمن الشيخ [ج. م. فى J.M.Fiey] نصر، بنو بنو نصر ويعرفون أيضا ببنى الأحمر نسبة إلى محمد بن يوسف بن نصر بن الأحمر مؤسس آخر دولة إسلامية كبرى فى شبه جزيرة إيبريا وحكم مملكة فى أقصى جنوب أسبانيا وكانت عاصمتها مدينة غرناطة، ويقول إنه من نسل سعد بن عبادة الخزرجى

стр. 9778

الصحابى، وعلى الرغم من أن هذه الأسرة ظهرت فى الوجود ليلة السادس والعشرين من رمضان ٦٢٩ هـ (= ١٨ أبريل ١٢٣٢ م) إلا أن ارتباطها بغرناطة بدأ فى رمضان سنة ٦٣٤ هـ حين انتقلت إلى يد مؤسس الدولة الذى عُرف باسم محمد الأول، ولم تصبح غرناطة قاعدة للدولة إلا سنة ٦٤٤ هـ (= ١٢٤٦ م)، وبقيت العاصمة الحقيقية حتى انتهى حكم بنى نصر ليلة الثانى من يناير ١٤٩٢ م. ونظرا لقلة المصادر العربية عنها لاسيما فى الأزمنة المتأخرة فلا بد لنا من الرجوع إلى المصادر النصرانية، ولقد توالى من هذه الأسرة ثلاثة وعشرون حاكمًا هم أبو عبد اللَّه محمد الأول الغالب باللَّه (٦٢٩ - ٦٧١ هـ) وأبو عبد اللَّه محمد الثانى الفقيه (٦٧١ - ٧٠١) وأبو عبد اللَّه محمد الثالث (٧٠٨ - ٧١٣ هـ) وأبو الجيوش نصر (٧٠٨ - ٧١٣ هـ) وأبو الوليد إسماعيل الأول (٧١٣ - ٧٢٥ هـ) وأبو عبد اللَّه محمد الرابع وأبو الحجاج يوسف المؤيد باللَّه وأبو عبد اللَّه محمد الخامس الغنى باللَّه (٧٥٥ - ٧٦٠ هـ) وأبو الوليد إسماعيل الثانى (٧٦٠ - ٧٦١ هـ) وأبو عبد اللَّه محمد السادس الملقب بالغالب باللَّه والمعروف عند القشتاليين باسم el-Bermguo أى الأحمر فيسمونه el Reyt Bermejo أى الملك الأحمر وقد امتد حكمه سنتين فقط (٧٦١ - ٧٦٣ هـ) ثم جاء أبو الحجاج يوسف المعروف بالمستغنى باللَّه (٧٩٣ - ٧٩٤ هـ)، وأبو عبد اللَّه محمد السابع ثم أبو الحجاج يوسف الثانى الملقب بالناصر لدين اللَّه (٨١٠ - ٨٢٠ هـ) فأبو عبد اللَّه محمد الثامن المستمسك وتسميه المراجع الأسبانية بـ Pequeno أى الصغير فأبو عبد اللَّه محمد الغالب باللَّه الأيسر والمنعوت باسم el Zurdo فأبو الحجاج يوسف بن المُول فأبو عبد اللَّه محمد الأحنف الذى يرد فى المراجع الأسبانية باسم el Coin أى الأعرج، فيوسف الخامس بن أحمد بن إسماعيل فمحمد الحادى عشر المسمى أى التابع الصغير فأبو نصر سعد المستعين باللَّه ويعرف باسم CIRZA فأبو عبد اللَّه محمد الثانى عشر المعروف باسم BOABoll فمحمد سعد الزَّغل (أى الشجاع).

стр. 9779

قيام دولة بنى نصر: حدث فى أعقاب وفاة أبى يعقوب يوسف المستنصر سنة ٦٢٠ هـ (= ١٢٢٤ م) دون أن يخلف ولدًا قيام نزاع أسرى أدى إلى تدهور الإدارة المركزية فى الأندلس، رافقه ظهور بأس بنى مَرْدنيش فى بلنسية وبنى "هود" فى مرسية إلى جانب استحواذ فرديناند الثالث صاحب قشتالة على ناج ليون سنة ١٢٣٠ م، وقد أخذت جيوشه تتوغل منذ سنة ١٢٣١ م فى الولايات الإسلامية حتى أمكنها الإستيلاء على قرطبة (٦٣٢ هـ = ١٢٣٦ م) ثم أشبيلية (٦٤٦ = ١٢٤٨ م) وأدى ضياع هاتين المدينتين الكبيرتين إلى أنه لم يبق للإسلام قوة فى الوادى الكبير، كما انحسرت السيطرة الإسلامية الفعالة إلا عن جزء صغير من شبه جزيرة أيبريا. فى هذه الظروف تأسست دولة يرجع الفضل فى تبوُّئها دروة القوة إلى مجهودات محمد (الأول) بن يوسف ابن نصر، وقامت هذه الأسرة فى أرجونة التى لم تكن تزيد عن كونها بلدة صغيرة على حدود نهر الوادى الكبير الجنوبية، ولا تبعد عن "جِيّان" أكثر من ثلاثين كيلو مترا، واستطاع محمد بن يوسف هذا أن يمد حدوده حتى بلغت وادى آش" Yuadut كما وصلت إلى تخوم غرناطة وبياسة Baeya على الساحل الشمالى لنهر الوادى الكبير، ولقد وجدت دولة بنى نصر معاونة من جانب أسرة عربية أسبانية هى أسرة بنى "أشْقِيلولة" التجيبية المعروفة فى المراجع القشتالية باسم escayola واستطاع محمد بن يوسف بفضل مساعدة هذه الأسرة له، وبفضل المصاهرات أن يصبح حاكم "أرجُونة" وأن يطلب إليه أشراف غرناطة أن يتولى أمر مدينتهم وذلك سنة ٦٣٤ هـ (= ١٢٣٧ م)، وقد اشتهر محمد بن يوسف بن نصر هذا فى مستهل حياته بأنه رجل "دعوة" دينية جذب بها الجماهير إلى جانبه، ونجح فى أن يضم إلى جانبه من أصبح يده اليمنى وهو على بن أشْقيلُولة"، كما استطاع أن يجعل المالكية يقفون إلى جانبه، ثم أراد الاستقلال بالأمور وجعلها فى أسرته بنى نصر فأعلن فى سنة ٦٥٥ هـ (= ١٢٥٧ م) أن وَلِيىّ عهده هما ولداه محمد ويوسف، وقد أسفر ذلك عن نزاع بين أسرته وبين

стр. 9780

بنى "أشقيولة الذين استقلوا بالحكم فى مالقة وباعدوا ما بينهم وبين إمارة غرناطة، وانتهى الأمر أخيرًا بتمرد مالقة على غرناطة، وأخذ القشتاليون يشجعون كل طرف الآخر، ولقد تضاءل نفوذ بنى "أشقيلولة" بظهور فترة قشتالة، وبعد عشر سنوات من سقوط قرطبة فى يد فرديناند سعى ابن نصر لمسالمة فرديناند إذ أعلن خضوعه له وتعهد بدفع جزية سنوية كبيرة له، بل إنه ساهم فى الهجوم القشتالى الذى انتزع إشبيلية من يد الإسلام، ومات محمد الأول سنة ٦٧١ هـ (= ١٢٧٣ م) دون أن يحرز أى نصر حربى أو يضم أرضا إلى مملكته. فلما خلفه محمد الثانى المعروف بالفقيه (وكان فى أخريات الثلاثين من عمره) سعى لضرب بنى "أشقيولة" وخاف فى الوقت ذاته من قشتالة فعقد معها صلحا تعهد فيه أن يدفع لها ثلاثمائة ألف درهم مروانية سنوية، ثم التفت هو وبنو أشقيلولة إلى طلب المعونة من سلطان بنى مرين أبى يوسف يعقوب، فاستجاب السلطان لكل منهما واستولى على طريف والجزيرة الخضراء بحملة بحرية كبيرة واتسمت حملته بالجهاد وأنزل الهزيمة الساحقة بأعوان الفونسو حتى لقد هلك أحد كبارهم واسمه "نينو جونزالتز" ولم يكتسب محمد الثانى كثيرًا من بنى مرين الذين رآهم يعاملونه معاملة تزرى به فترك الجزيرة الخضراء مجللًا بالعار، أما بنو أشقيلولة فقد أسلموا "مالقة" لحاكم مرينى. ولقد صادفت غرناطة فى أبريل ١٢٨٥ م مشلكة كبيرة، ذلك أن أبا يوسف تلقى استغاثة من "بنى أشقيلولة" لمعاونتهم ضد شانجة الرابع (الذى تولى بعد موت الفونسو سنة ١٢٨٤ م) فاستجاب لهم أبو يوسف وعبر العدوة محاربًا شانجة الذى أجهده القتال فسعى للصلح بعد بضعة أشهر من الحرب فتم له ما أراد وقبل أن ينسحب من مناطق غرناطة، أما الحاكم المرينى الجديد أبو يعقوب يوسف فقد واجهته بضعة مشكلات داخلية فى المغرب ومن ثم عقد الصلح مع بنى نصر، وشهد مطلع عام ٦٨٦ هـ (= ١٢٨٨ م) نهاية بنى أشقيلولة. ثم أصبح هدف محمد الثانى يتركز فى السيطرة على مضيق جبل طارق

стр. 9781

وإضعاف قوة بنى مرين فى أسبانيا ورأى أن تحقيق ذلك يتم بتوسيع هوة الخلاف بين القشتاليين وبين المرينيين فى "طريف"، ومن ثم اتبع سياسة تكوين حلف ضد بنى مرين يضم كلا من غرناطة وقشتالة وأرجونة وتلمسان ولما نجح شانجة فى أكتوبر ١٢٩٢ م فى الاستيلاء على "طريف" بمعاونة الاتفاق بينهما فيسلمه "طريفا" فلما لم يفعل شانجة ذلك راح محمد يلتمس مساعدة بنى مريين لحصار طريف من جديد، ولكنه فشل فى مسعاه هذا، واضطر أبو يعقوب فى ٦٩٤ هـ (= ١٢٩٥ م) أن يسحب كل جيوشة وأسلم لمحمد كل المعاقل المرينية فى شبة الجزيرة العربية وأصبح همَّ محمد الآن أن يملأ الفراغ، ولكن انقلبت الأمور ضده حين شبت ثورة استمرت عامًا كاملًا وقد تزعمها بنو الحكيم من أهل "رُنْدَة" وانتهت بقبوله إلا يبقى أحد من بنى نصر فى تلك المنطقة. ولما مات شانجة فى أبريل ١٢٩٥ م وتولى ابنه فرديناند الخامس مكانه وكان لا يزال صبيا حدثت منازعات أدت إلى قيام محمد بحملة على النواحى الشمالية استولى فيها على القيجاطة" Ouesada فى ختام ١٢٩٥ م ثم "القَبْذاق" Alcaudete فى يونيو ١٣٠٠ م، وإذا كان قد مات فى شعبان ٧٠١ (أبريل ١٣٠٢ م) فقد مات بعد أن عقد معاهدة مع أرجونة اعترفت فيها بحق غرناطة فى امتلاكها لطريف وغيره من الأماكن، وكان يعد العدة لحملة جديدة على قشتالة. ولقد ورث محمد الثالث عهدا ينذر بالخطر، ومن ثم كان يؤثر السلم الذى كان فى صالح غرناطة، وإن أدى به إلى تبعية دامت ثلاث سنوات وأصبح فَصلًا لقشتالة واتفقت الدولتان القشتالية، والأرجونية سنة ١٣٠٨ م فى معاهدة قلعة "الحنش" على أن يتقاسما فيما بينهما مملكة غرناطة. أما سياسة محمد الثالث تجاه بنى مرين فقد اتسمت بعدم الاكتراث بهم، وتمكنت قواته فى سنة ١٣٠٦ م من الاستيلاء على "سبته" كما أخرج "بنى العَزَفى" إلى غرناطة ونادى بنفسه الحاكم المطلق على سبتة عام ١٣٠٧ م وأصبحت له السيطرة على المضيق إلا

стр. 9782

أن ذلك أثار بنى مرين الذين كانوا قد تخلصوا من أعباء حربهم مع تلسمان (مايو ١٣٠٧ م) كما أثار القشتاليين والأراجونيين فتكاتفت هذه القوى الثلاثة ضده، فاضطر محمد للارتداد إلى حصن المنكب، وأُغتيل وزيره ابن الحكيم فى مارس ١٣٠٩. ثم تولى حكم المملكة أبو الجيوش نصر وكان فى الثانية والعشرين من عمره، ووجدت غرناطة نفسها مضطرة لأن تقاتل للإبقاء على حياتها، ورافقه الحظ إذ أحل السبتيون بنى نصر محل حكم بنى مريين، وأظهرت فاس استعدادها لقبول شروط بنى نصر للسلم والموادعة، وساعد على ذلك غزو قشتالة لجبل طارق فى سبتمبر ١٣٠٩ م فانتقلت الجزيرة الخضراء ورندة وما ينصبهما إلى بنى مرين، ولما كان منتصف نوفمبر ١٣٠٩ م غادرت كتيبة قشتالية حصار الجزيرة الخضراء كما أعلن فرديناند الرابع قبوله لشروط نصر فتعهد بدفع الجزية له وأن يرد إليه بعض المعاقل التى على الحدود التى كانت قد أخذت من قشتالة، وعقدت معاهدة فى يناير ١٣١٠ م تعهد الأرجونيون بمقتضاها ألا يعودوا قط للأغارة على غرناطة، ولقد انتهى كل عدوان قشتالى فى سبتمبر ١٣١٢ م بموت فرديناند. على أن واحدًا من أقارب نصر اسمه إسماعيل قام فى الحادى والعشرين من شوال ٧١٣ هـ (= فبراير ١٣١٤ م) بخلعه عن العرش وكان إسماعيل هذا ابن حاكم مالقة. وأخذ إسماعيل هذا الذى عرف بالثانى مقاليد الأمور فى يديه ولكن نصر مضى يعد العدة لاسترداد مُلكه حسب اتفاقية قشتالة، ومن ثم جاءت حملة قشتالية إلى وادى أش فى صفر ٧١٦ هـ = أبريل ١٣١٦ م معترضة العسكر الإسلامى الذى كان بقيادة القائد المرينى عثمان بن أبى العُلاء احتدم القتال بين الجانبين عند وادى فرْتونة وأخذ المسيحيون يقتربون على غرناطة التى أخذت تستعيد سيطرتها على المضيق بفضل التعاون البحرى من جانب حاكم سبته العَزَفى يحيى بن أبى طالب، لكن قشتالة شنت هجومًا على غرناطة، وتمكن "دون بدرو" و"دون جوان" الوصيان على الصغير

стр. 9783

ألفونسو الحادى عشر من أن يصلا إلى أسوار المدينة، وشبت معركة دارت الدائرة فيها على قشتالة وقتل فيها الأسبانيان الوصيان فى وقعة "فجة" ويرجع الفضل فى ذلك إلى القائد المرينى عثمان أبى الغلا، وقبلت قشتالة -إذا لم يعد لها من قائد- إمضاء معاهدة لمدة ثمانية أعوام، وما لبث "نصر" أن مات فانعدم كل تهديد من جانبه لإسماعيل الذى مضى يدعم مركزه على الحدود فاستعاد بعض الأماكن هناك مثل بازة ووشقة، ولكنه مالبث أن قتل فى شجار بينه وبين ابن عمه محمد بن إسماعيل وإلى الجزيرة الخضراء. ثم جاء للحكم أبو عبد اللَّه محمد السادس المعروف بالغالب باللَّه وكان أكبر أربعة أولاد لإسماعيل ولكنه كان صغيرًا فحكم تحت وصاية وزير أبيه القوى ابن المحروق الذى سرعان ما اشتبك فى صراع عنيف مع عثمان بن أبى الغلا، وانتهى صراعهما هذا باغتيال الوزير بأمر الملك فى رمضان ٧٢٩ هـ. ولما بلغ الفونسو الحادى عشر السن فى سنة ١٣٢٧ م خاف من تفاقم خطر القوات المغربية فى أسبانيا فقامت قشتالة وأرجونة بالاتفاق مع نفارة وبوهيميا وإنجلترا وفرنسا بالإعداد لحملة صليبية ضخمة ضد غرناطة، غير أن ماكان من شقاق بين بعضها والبعض الآخر عمل على ضعف الحملة وأن خرجت فى ربيع ١٣٢٩ م غير متحمسة للقتال، ووجدت قشتالة نفسها وحيدة فى الحرب وقد استولت على بعض المعاقل الشمالية ومن ثم كان التماس المسلمين المعونة مرة أخرى من بنى مريين وأمكن استرداد جبل طارق من قشتالة فبادر الفونسو الحادى عشر فأمضى إتفاقية فى أغسطس ١٣٣٠ م مثلما فعلت أرجونة قبل ذلك بشهر واحد ولقد اغتيل محمد فى طريقه عودته من جبل طارق يوم الخامس والعشرين من أغسطس ١٣٣٣ م، اغتاله أبو ثابت وإبراهيم ولدا عثمان بن أبى العُلا. وإذ ذاك نودى بيوسف الملقب بأبى الحجاج والمعروف بالمؤيد باللَّه وكان أصغر أخوى محمد الرابع، وكان أول عمل قام به هو إخراجه أبا ثابت الذى كان "شيخ الغزاة وأحل محله رجلا مِن بنى مرين اسمه يحيى بن عُمر بن رَحَّو.

стр. 9784

ولقد تمت فى أوائل عهد يوسف اتفاقية مع قشتالة مهدت السبيل لإتفاقية ثلاثية بين قشتالة وغرناطة وفاس (١٣٣٤ م) وكان من الأحداث ما جرى فى أبريل ١٣٤٠ م من هجوم أدى إلى تحطيم الأسطول الإسلامى فى خليج الجزيرة الخضراء، وقام أبو الحسن بحصار طريف، وكانت وقفة "سلادو" نكبة إسلامية إذ اندحرت خيول المسلمين الخفيفة، فخاف أبو الحسن وفر إلى غرناطة، وجرت مناوشات وحروب، ثم عقدت هدنة مداها عشر سنوات إلا أن الفونسو نقض هذه الاتفاقية سنة ١٣٤٩ م فى محاولة للاستيلاء على جبل طارق ولكنه مات بالموت الأسود قبل بقية رجاله فى مارس ١٣٥٠ م، فبادر ولده "بدرو" الأول وتوصل إلى اتفاق مع يوسف إلا أن أيام يوسف كانت معدودة فقد حدث فى أول شوال ٧٥٥ (= ١٩ أكتوبر ١٣٥٤) أن طعنه مجنون فى جامع غرناطة الكبير طعنة أودت بحياته. وتولى مكانه ولده محمد الخامس وكان أكبر أبنائه، وكان فى السادسة عشرة من عمره فقام بالوصاية عليه حاجب أبيه القوى رضوان الذى كان فى خدمته الشاب الموهوب ابن الخطيب، وأصبح هدف غرناطة الأكبر توفير السلام العام لذلك رحب محمد بفكرة رفع الجزية إلى "بدرو" الأول، مما عمل على الإسراع فى إقامة العلاقات الودية بينه وبين قشتالة، إلا أنه لم يصادف مثل هذا التوفيق والنجاح السريع مع أرجونة، والسبب فى ذلك أن "بدرو" الرابع آثر الحرب فاشعلها على حدود بلاده، وعلى الرغم من ذلك فإن إصرار غرناطة فى سيادتها أدى فى سنة ١٣٥٨ م إلى تحسين العلاقات بين الجانبين مما أفضى إلى إمضاء اتفاقية موادعة بينهما، كذلك غرناطة حريصة كل الحرص على توثيق روابط المودة مع فاس التى كانت تحت حكم أبى غبان المرينى، فأرسل محمد سفارة على رأسها ابن الخطيب إلى سلطان فاس (سنة ٧٥٥ هـ = ١٣٥٤ م) وإذا لم تسفر هذه السفارة عن تحقيق مرماه الكامل إلا أنه فى سنة ٧٦٠ هـ وجه أبو سالم المرينى ملجأ له فى غرناطة وتلا ذلك تحالف بين بنى نصر وبين مرين، غير أن الوفاق مع أرجونة انتهى

стр. 9785

سنة ١٣٨٥ م والسبب فى ذلك أن علاقات محمد الخامس الخاصة مع قشتالة أرغمته على أن يقف إلى جانب "بدرو الأول" لما كانت سنة ١٣٥٩ وجد الأسطول القشتالى وقد أضيف إليه ثلاثة شوانى غرناطية تسهيلات فى ميناء مالقة، وكان الأمير محمد على وشك التحرك للهجوم على أرجونة برًا ولكنه زُحزح عن العرش بسبب ثورة بالقصر فى رمضان ٧٦٠ هـ (أغسطس ١٣٥٩ م) قام بها ضده أخوه غير الشقيق إسماعيل بن مريم أرملة يوسف وكانت مريم امرأة شديدة الشكيمة ووجدت التأييد والعون من زوج ابنتها أبى عبد اللَّه محمد المعروف عند النصارى بال: el Bermejo، ففاجأت مريم القصر بهجوم عنيف وقُتِل فى هذا الحادث رضوان وكُتِبت النجَاة لمحمد الخامس إذا كان فى هذه اللحظة خارج الحمراء ففَّر إلى وادى أش ثم إلى فاس Fea وذلك فى نوفمبر ١٣٥٩ م ووجد الحماية فى بلاط أبى سالم. وتولى الحكم إسماعيل (أبو الوليد) الثانى الذى لم تطل مدة حكمه غير أشهر قلائل وكان إسماعيل هذا ضعيفًا ليس فيه ما يحمل أحدًا على احترامه، وإذا كانت كراهية ابن الخطيب له لم تضرّه إلّا أن الخطر جاءه من ناحية أخرى فقد بادر "البرميخو" أبو عبد اللَّه محمد فأخذ الأمور فى يده، ثم عمد إلى اغتياله وذلك فى ٨ شعبان ٧٦١ هـ (= ٢٤ يونيو ١٣٦٠ م). كان محمد السادس "البرميخو" رجلًا خشنًا فى مظهره وعاداته ولم يكن أحسن من محمد قبولًا فى البلاط، وبدأ بمنع الجزية المتفق على دفعها لقشتالة، لذلك فإنه ما كاد بدرو الأول يهزم الأرجونيين فى "ناحرة" سنة ١٣٦٠ م ثم يعقد معهم اتفاقية "تيرير" Terrer فى مايو ١٣٦١ م حتى التفت إلى محمد الخامس الذى كان ساعده فى الرجوع من فاس وإقامة حكومة فى "رنده" المرينية ٧٦٣ هـ ولقد بدأ محمد الخامس ولايته الثانية فى جمادى الأولى ٧٦٣ هـ وامتد حكمه ثلاثين عامًا وجنح فى معظمها إلى الهدوء ونعمت غرناطة بأطول فترة من الهدوء شهدتها فى تاريخها، ولما قام "بدرو

стр. 9786

الأول" بمحاربة الثوار الذى كان يقودهم أخوه "أتريك تراستامارا" بعث محمد بطائفة من الفرسان إلى قشتالة لمعاونة "بدرو الأول" فى فتح "نيرويل" سنة ١٣٦٣ م، إلّا أنه لم يقدر النصر وكانت الغَلبة لأنريك الذى نودى به يوم ١٦ مارس ١٣٦٦ م حاكما على قشتالة واضطر بدرو الأول مغادرة بلده وخاف محمد من هجوم النصارى على "المرية" فبعث فى طلب النجدة من أفريقية التى وافته لكنها لم تحقق رغبته ومن ثم شجب محمد محالفته مع "بدرو" وتحول إلى جانب "أتريك" الذى عرف بأنريك الثانى وعقد معاهدة صلح مع أرجونة فى رجب ٧٦٨ هـ، غير أنه مات فى آخر هذه السنة. عاد بدرو الأول إلى قشتالة يعاونه "الأمير الأسود" الإنجليزى وحينذاك نقض محمد خلفه السابق وساهم مع قوات قشتالة واش تخريبًا فى "جيان" ونهب بعض البلدان الأخرى وأن فشل فى الاستيلاء على قرطبة ومن ثم عاد إلى غرناطة إلا أن بدرو الأول مات فى مارس ١٣٦٩ م ورجع أنريك الثانى فرأى محمد موارثه وعقد معه يوم ٣١ مايو ١٣٧٠ م إتفاقية السنة فى عقد اتفاقيات ومعاهدات أتاحت لغرناطة فرصة طويلة من الهدوء والإستقرار والوفاق مع نجيرانها النصارى لكن ذلك العهد زال بموت أنريك الثانى سنة ١٣٧٩ م حيث عادت الخصومة بين غرناطة وقشتالة إلّا أن انشغال جوان الأول ابن أنريك الثانى بمحاربته البرتغال وإنجلترا أثر السلم فأبرم مع محمد إتفاقية صلح تجددت سنة ١٣٩٠ م. ولقد إمتاز عهد محمد بعدئذ بظاهرتين أولاهما تحطيم تحصينات الجزيرة الخضراء القوية والأخرى استعانته بقائد من "الغزاة" المغاربة ولم يبق أمامه سوى العمل على استرداد جبل طارق من أيدى بنى مرين، وقد تحقق له ذلك سنة ١٣٧٤ م، ولقد تسرّب الخوف إلى نفس وزيره الأكبر إبن الخطيب الذى كان هواه مع بنى مرين فدبر الهروب من البلاد سنة ٧٧٣ هـ (= ١٣٧١ م) واللجوء إلى فاس إلا أن خصمه القديم "إبن زَمْرَك" رماه بالهرطقة فسُجِن ومات فى حبسه ٧٧٦ هـ.

стр. 9787

ومات محمد الخامس سنة ٧٩٣ هـ وهو فى ذروة قوته، بعد أن أتاح لغرناطة فرصة الإستقرار والطمأنينة ساعدتها على أن تنعم بالرخاء والرفاهية وتقدمت العلوم والفنون فى زمنه. تولى بعده أكبر ولده يوسف الثانى أبو الحجاج المعروف بالمستغنى باللَّه (٧٩٣ - ٧٩٤ هـ) الذى سيطر عليه خالد وزير أبيه، وقد أمر خالد بسجن أخوى يوسف ودس لهما السم فماتا بتدبيره، كما ألقى القبض على ابن "زَمْرك" فى المرية، ثم ترامى إلى سمع يوسف الثانى أن خالدًا يعتزم زجه فى السجن فبادر هو فأمر بذبحه فى حضرته، وإذا كانت الممالك النصرانية لم تعد فى يوم مصدر خطر إلا أنه فتح الباب الذى هبت منه على البلد رياح الإضطرابات، ثم ما لبث هو أن مات يوم ١٦ ذى القعدة ٧٩٤ هـ. وحينذاك خلفه أصغر أولاده محمد السابع أبو عبد اللَّه (٧٩٤ - ٨١٠ هـ) الذى أراد الإستفادة من المنازعات الموجودة فى بلاط أنريك صاحب قشتالة (١٣٩٠ - ١٤٠٦ م) فأغار على مدينة "كرافاكا" فى إقليم "لورقة" سنة ١٣٩٢ م، وحدث بعد ذلك بعامين أن تم إعداد حملة صليبية شعبية ضد غرناطة بقيادة "مارتن البربودى" ولكنها انتهت بكارثة للنصارى، وأخذ كثير من أتباعه فى أقاليم الحدود ليثنون غارتهم، رأى "أنريك" أن يهاجم غرناطة ومعه أرهونة التى لم تتحمس لمشروعه هذا، فرّد عليه محمد فى سنة ١٤٠٥ م بالهجوم على الحدود الشرقية ونجح فى الإستيلاء على "أيامونت"، القريبة من "رنده" ثم إنتهى الأمر بإمضاء معاهدة عدم اعتداء بين الجانبين، غير أن تطور الأحداث إلى ما هو أسوأ أدى بانريك لاعداد حملة ضد غرناطة، ورغم موته فى ديسمبر ١٤٠٦ م إلا أن أخاه سفرناندو" وأرملته "كاترين" الانجليزية الوصيين على ولده الطفل "جوان" الثانى تابعًا خطته، وكان ثمة قتال بين المصافيين إنتهى باتفاقية صلح بينهما فى ١٤٠٨ م، وما لبث محمد أن مات فتدهورت مكانة غرناطة وقوتها إزاء قشتالة.

стр. 9788

ثم جاء بعده يوسف الثالث أبو الحجاج المعروف بالناصر لدين اللَّه (٧١٠ - ٨٢٠ هـ) وحينذاك أجمع فردناندو عزمه على أن يدخل على المسلمين فى عقر دارهم فحاصر بلدة "انتكويرا" حصارًا شديدًا ولم ينجح المسلمون فى محاولتهم المفاوضة معه بشأنها واستمر الحال على ما هو عليه بين الجانبين، ثم اضطر يوسف لإرضاء عدوه بتسليمه البلدة المحاصرة، وأعقب ذلك فترة سلم نسبى بين غرناطة وجيرانها، واستمرت هذه الفترة حتى ١٤٢٨ م. ولقد مات يوسف الناصر لدين اللَّه يوم التاسع من نوفمبر سنة ١٤١٧ م بعد عام من وفاة عدوه فرناندو وقبل سنة من موت الوصية "كاترين اللانكسترية" التى كانت غرناطة تحمل إليها الهدايا بدلًا من الجزية. ونوجز تاريخ مملكة بن نصر من ٨١٠ هـ (= ١٤١٧ م) حتى سقوطها سنة ٨٩٧ هـ (= ١٤٩٢ م)، وقد اتسم هذه التاريخ بانشقاق كبير فى البيت الحاكم نفسه فقد قام محمد التاسع السرّاج بخلع محمد الثامن بن يوسف وكان طفلًا فى الثامنة من عمره، وأصبح الحكم تارة فى يد هذا وتارة أخرى فى يد الآخر حتى انتهى الأمر بعد ثلاث مرات من تناوب الولاية فى يد محمد التاسع وإن تخللته فترات قصيرة كان الحكم فيها فى يد غيره. ولقد استطاعت غرناطة فى الأربعينيات من القرن الخامس عشر الميلادى أن تحرز بعض الانتصارات، إلا أن قوة قشتالة كانت تتزايد فى هذه الفترة، مما أرق خاطر غرناطة التى نجحت فى التوصل إلى هدنة مدتها ثلاث سنوات، غير أن ما أصاب قشتالة من انقسام داخلى قوى ساعد بنى نصر الذين اعتبرت سنوات ١٤٤٠ م وما بعدها سنوات إنتصار حربى لهم، فقد استردوا معظم ما كان قد سلبه منهم فرناندو فى الشرق كما بلغت جيوشهم أبواب أشبيلية، ولما رأى جوان الثانى ما تم من التحالف بين نفارة" وغرناطة ألتمس من محمد التاسع عقد معاهدة بينهما فأجابه إلى ما ألتمسه حتى ينصرف هو إلى يوسف الخامس الذى

стр. 9789

كان لائذًا بمالقة، كما أن جميع القوى المسيحية تعاونت فما بينها وتناست خلافاتها مع بعضها وصدوا تقدم الغرناطيين صدا عنيقا سنة ١٤٥٢ م فى معركة قريبة من "لورقة". ولما مات محمد التاسع تنازع على العرش أكثر من واحد وراحت القوى النصرانية يناصر كل منها واحدًا من المتنازعين لصالحها الخاص فأما المسلمون فقد امتد سلطان سعد بن أخى يوسف الثالث من أرشذونه حتى حدود رندة غربا، أما محمد الحادى عشر فحكم غرناطة ومالقة والمرية، ولم يكن معنى ذلك استقرار الأمور بل لا زال الاضطراب والفوضى منتشرين، مما أدى إلى استسلام جبل طارق إلى أمراء قشتالة الاقطاعيين. وأخذت الأمور تسوء وتتعقد، حتى إذا كان فبراير ١٤٨٢ م استولى النصارى على "الحامة" التى تسيطر على الطريق الواصل ما بين غرناطة ومالقة ورندة، وكان ذلك أول خطوة حاسمة فى طريق النصر النهائى المسيحى، ولم تنجح محاولات أبى الحسن فى استرداد الحافة فى المدة ما بين فبراير ويوليو إلا أنه نجح فى منتصف هذا الشهر الأخير إلا أنه وقع ضحية مؤامرة بالقصر دبرها قائد فريق بنى السراج "يوسف بن كماشة" الذى أحل محله ولده عبد اللَّه (الذى عرف بمحمد الثانى فلما لم يستطيع استرداد غرناطة مضى إلى مالقة مع أخيه محمد بن سعد (المعروف بالازَّغَلْ) واتخذ من هذه المدينة عاصمة له، ولهذا انقسمت المملكة إلى قسمين أحدهما تتألف من غرناطة والمرية فى الشرق، والآخر من رنده ومالقة فى الغرب، ولما كان حارس ١٤٨٣ م دارت الهزيمة على الغزاة القشتاليين فى الناحية الواقعة إلى الشرق بين مالقة، مما جمل أبا عبد اللَّه على الأندفاع من غيبر تفكير اندفاعًا معه الصفوة من كبار ضباطه حتى أنه هو نفسه وقع فى الأسر مما ساعد أبا الحسن على العودة إلى غرناطة إلا أن الأمر لم يستتب له فخلعه القوم عن العرش فى مطلع ١٤٨٥ م وحل مكانه محمد الزَّغَل، ومضوا به إلى حصن

стр. 9790

المنكب فوافاه أجله هنا، وعرف محمد الزغل بمحمد الثالث عشر والذى تولى مكان أخيه أو كما يقول المؤرخون "استولى على المُلك" بَعْدَهُ، لكن مالبث الفقهاء أن أصدروا فتوى بعدم شرعية أبى عبد اللَّه فى حكم البلد، وانتهى الأمر بمحمد الزغل أن باع كل أملاكه سنة ١٤٩٠ م وأبحر إلى "وهران" فى المغرب، وكان العقد الأخير من حكم بنى نصر قد شاهد اتحاد الملوك الكاثوليك للتغلب على كل المنازعات التى بين بعضهم والبعض الآخر ونجاحهم فى جعل رعاياهم يسعون وراء غاية واحدة على حين أن المنازعات الأسرية كانت على أشدها فى عائلة بنى نصر، كما أن من كانوا خارج نطاق هذه الأسرة كانوا لا يعرفون معنى الإتحاد ونقصد بهم التجار والمزارعين والفقهاء أصحاب النفوذ فى الأمة على أن أشد الأمور خطورة كان الشقاق بين "بوعبدل" أبى عبد اللَّه وبين "الزَّغَل" مما أدى إلى أن تصبح غرناطة ذاتها فى سنة ١٤٨٦ م ساحة مغطاة بالدماء، وتشهد صراعا مريرًا، وكان أقرب الاثنين إلى قلب قشتالة "بوعبدل" لأنه كان أكثر إستعدادا للتعاون معها عن "الزَّغَل" الذى كان فى الواقع محاربًا وأشد مراسًا فى القتال من الآخر إلى جانب أنه كان المدافع الحقيقى عن الإسلام ومصالحه والخلاصة أن قشتالة استغلت كل الإنقسامات الداخلية فى معسكر بنى نصر ووظفتها لصالحها، فقد ظلت محتفظة بجيش قوى ثابت، وفرسان تتزايد قوتهم وعددهم يوما بعد يوم، هذا إلى جانب ما عمدت إليه من استنزاف مواردها عددها الاقتصادية والنفسية بتخريبها أراضيه الزراعية، وبالإضافة إلى ذلك فإن المغرب لم يعد قادرًا على نجدة بنى نصر بما يعينهم فى محنتهم، وذلك لما اعترى المغرب تدهور وضعف، واستنجدت الأندلس بمصر المملوكية فما استطاعت أن تقدم شيئا من العون أكثر من التدخل الدبلوماسى وإبداء حسن النية ولم يكن الأمر لسقوط مملكة بنى نصر إلا مسألة وقت. بدرية الدخاحنى [ج. د. لاثام H. Dlatham]

стр. 9791

نظر " نظرية تأمل فلسفى" ولم تكن تتسع لمعنى البحث، وحتى القرن التاسع عشر الميلادى، بمفهوم التدقيق العلمى (البحث العلمى) ترجمة للكلمة اليونانية فوتوفيا زمن أرسطو، والمقدمات النقدية اليونانية حتى شروح كتاب "بروفيرى" Prophyry بعنوان "ايساجوج Isagoge، كانت الفلسفات تنقسم إلى نظرية وعملية، وهذه الأخيرة تسعى إلى تحقيق النافع والمفيد للإنسان، أما الأولى فهى تسعى للحصول على الحق البحت فى الطبيعيات والرياضيات وما وراء الطبيعة. والنظر فى أساسه مفهوم معرفى، وقد تناوله العرب على غرار "أمونيوس هيرهيا" Ammonius Hermiae وهو تلميذ "بروكلوس" Proclus فى المقدمة النقدية لكتاب "ايساغوجى" كما تجرى مناقشته كنشاط للعقل البشرى فى علم النفس، ويكون فى هذه الحالة قاعدة تحت مرادفات مثل الفكر والتفكر. ولم يُكْتب بعد تاريخ هذا المصطلح -وفى أقدم نسخة لمنطق أرسطو، توجد خلاصة وافية كتبها عبد اللَّه بن المقفع (أعدم عام ١٣٩ هـ/ ٧٥٦ م) ابن محمد، يذكر فيها أن العلم والعمل فروع للفلسفة (الحكمة)، ولكنه يفسر العلم بأنه تبصّر وتفكر للقلب (أى العقل). وقد كان الفقهاء المسلمون المتأملون الأقدمون يفضلون التفرقة بين العقل والشريعة عن التفرقة بين العملى والنظرى، ويعتبر العقل "أصل" مذهب المعتزلة، وقد ذكره القاسم الزيدى ضمن الأصول التى يعترف بها وهى العقل والقرآن والسنة. أما النظر فهو ابتداع مثل الرأى والقياس فى الفقه. . أما الحنابلة فيعترضون على فكرة "النظر". . وعلى العكس تماما يعترف الفقيه "الظاهرى"

стр. 9792

للعقل. والشئ الجوهرى فى الأفلاطونية المحدثة هو الحدس (النظر - البصر)، والنظر بمعنى الإدراك المباشر ينتظم مع "إلى" (أى النظر إلى) وفى حالات أخرى مع فى (أى النظر فى)، وبالنسبة "للنظر فى" -وهو انعكاس للفكر (أو الذكاء) البشرى. يستخدم الفقه عادة كلمة فكر و"رويّة"، أما عالم الحواس، الذى ترتبط به أرواحنا، فيطلق عليه عالم الفكر والرويّة. وعادة ما يستخدم المتصوفة المسلمون "النظر" للتعبير عن الإدراك الروحى "أو نفاذ البصيرة". ومع ذلك ففى "الكلام"، فى المجادلات التى تنشأ بين المذاهب الفقهية، والتى يطلق على أفرادها فى بعض الأحيان، "أهل النظر"، تتسع كلمة نظر للمعنى الديالكتيكى (الجدلى) للتأمل، أو التفكير العقلى (المنطقى) غير الحدسى -وهى التزام على الإنسان، ممكن أن يأتى بالمعرفة (العلم) ويمكن تصنيفه بنظر القلب. والأشعرى فى مقالاته يقدم عرضا لوجهات النظر المختلفة للأطراف الثمانية للروافض فى النظر والقياس". ويقول الجماعات الثلاث الأولى تعتبر المعارف ضرورية (اضطرار)، ومن ثم فإن القياس والنظر لا يمكن أن يضيفا شيئا إليها؛ وهذه الجماعات مع الجماعة الثامنة -التى ترجع كل المعرفة إلى نبى اللَّه والإمام، تختلف مع بقية الجماعات حول هذه النقطة. أما الجماعات الأربع الأخرى فتعترف بنوع من المعرفة المكتسبة (وفى كلتا الحالتين تكون الإشارة إلى فهحم اللَّه ﷻ على النحو التالى: ٤ - بالنظر والاستدلال (أصحاب هشام ابن الحكم) ٥ - بنوع من الكسب الذى لا يمكن أن يحدد بأكثر دقة من ذلك (الحسن بن موسى) وهذا كسب "مع" كسب الأفعال" للمدرسة الأشعرية المتأخرة) ٦، ٧ - بالنظر والقياس، هع الاحتكام إلى حُجة العقل (مجهولين).

стр. 9793

بن حزم وبدون تردد بالعقل كمصدر للمعرفة -فالعقل من خلق اللَّه وقد زوده بإمكانياته. فليس التقليد (الاعتقاد الأعمى) أو الاستنتاج من المجهول (القياس) هما اللذان سيؤديان بالعقل إلى تقبل (القرآن والسنة والإجماع)، بل المعرفة المؤكدة. ولم يكن هناك شئ آخر يصر عليه ابن حزم بهذه القوة، وليس هناك طريق لليقين سوى أن ترجعه للإدراك بالحواس (الحس) وإلى حدس الذكاء (العقل). . وهو يفضل الإدراك الحسى حتى أنه يطلق على القدرة على الفهم بالعقل مصطلح "الإدراك السادس" (كتاب الفصال - القاهرة - ١٨٩٩) ويذكرنا الموقف الفلسفى لابن حزم بالانتقادية الهيلينية التى تقول إن كل معرفة تنشأ إما من الإدراك الحسى أو الحدس أو تستخلص من هذه المصادر بوسيط البرهان. ومع ذلك فالكثيرون يؤكدون بيّنة (دليل) الإدراك الحسى ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ صدق اللَّه العظيم - سورة يونس الآية ١٠١، ويعتبرون منهج البرهان صعب وغير مؤكد، ومن ثم كان التركيز على الاتفاق العام (الإجماع والاجتماع) كمعيار ممكن للحقيقة، وعندما لا يكون هناك اتفاق فهنا فقط يكون البحث والاستقصاء ضروريا. وقد أدخلت تعديلات كثيرة جدًا فى الفكر الإسلامى المزدوجة لأصحاب المذهب الانتقائى (الحواس مقابل العقل) وذلك بإدخال الأحدية (الحقيقة كل عضوى واحد) العقلية أو الفكرية فى صوفية "باطنية" الأفلاطونية المحدثة والمنطق الأرسطى. وإذا كانت المراحل المختلفة للمعرفة البشرية قد تميزت كل منها عن الأخرى، فإن المعرفة الحقة كان لابد أن تأتى من الحدس المنطقى والنشاط الوسيط

стр. 9794

وقد قيل لنا إن هناك شعبة من "المرجئة" يقولون إن الإيمان بدون النظر ليس ايمانا كاملا. وربما يكون الأشعرى نفسه أفضل دليل على أن تأمل العقل البشرى لم يعتبر مصدرا (أو منهجا) لمعرفة اللَّه (سبحانه) لأول مرة فى مدرسته، بل قبل ذلك فى طوائف عديدة فقد كان النظر (مثل الرأى فى الفقه) ينطبق على نشاط عقل الفقيه المتأمل (وبجانب النظر نرى صطلحات تستخدم كثيرا بدلالات مختلفة مثل بحث وحدس ورأى وفحص، وفكر وفكرة، وحديث النفس والتفكر والتأمل والطلب، وربما مصطلحات أخرى) والمناهج (الأساليب) المنطقية المستخدمة هنا يطلق عليها القياس (الاستنتاج بالتماثل) والاستدلال (وهو البرهان بالبّينة التى تقوم على الظروف). . . ومما نعرفه عن القياس فى الفقه يتحتم علينا أن نفكر فى عملية هى مزيج من الاستقراء والاستنتاج، تستخدم بدقة شديدة، والاستنتاج (الاستدلال) بالنسبة لأرسطو وأتباعه فى الإسلام (الفارابى. . الخ) له معنى واحد فهم يعتقدون فى السببية أو بالأحرى فى النشاط الخلّاق للفكر المجرد. ولم ترق الأغلبية الكبيرة من رجال الدين والقضاة والأطباء إلى هذه الدرجة. فمنهج النظر لم يدخل إلى علم الكلام إلا مع مدرسة الأشعرى. وكان علم الكلام يعرف "بعلم الاستدلال. . وقد رفضت الأغلبية هذا المنهج فى بادئ الأمر ولكنها تقبلته تدريجيا وأصبح أداة لمواجهة الهراطقة والسوفسطائيين؛ وفى النهاية اعترفت المدرسة التقليدية المتشددة بالنظر كالتزام دينى. ولنعد إلى المفهوم العام للعلوم النظرية. وقد نشرها الفارابى (المتوفى عام ٣٣٩ هـ/ ٩٥٠ م) من وجهة النظر الفلسفية فى بحث خاص (إحصاء العلوم تحقيق عثمان أمين - القاهرة ١٩٦٨ م) بطريقة أصبحت نموذجا لما تلا ذلك من عصور فهو أول من عكف على منطق أرسطو من ثم أطلق على مدرسته "المنطقيون"، وهو يسلّم -مع أرسطو- بأن العقل يحتوى فى ذاته على المبادئ الجوهرية لكل المعرفة التى

стр. 9795

يجب أن تكون دلائلها مقبولة ولكن سبيل التأمل والإثبات يؤدى إلى اللاواضح الذى يبلغ ذروته فى الدليل الدامغ (أو البرهان) فى كتاب Posterior Analyhes ومن هذا السُموّ يمكن أن نتفحص فروع المعرفة. والمنطق فى حد ذاته بالطبع "نظر" ذو هدف خاص به ويتحدث الفارابى عن علوم الطبيعيات والرياضيات - والميتافيزيقيا بفروعها الرئيسية والثانوية. ويقول إن كلا منها نظرى. فمثلا نلاحظ أن الطب من بين علوم الفيزياء مزيج من النظرى والعملى، وكذا الموسيقى والموضوعات الرياضية. أما الميتافيزيقيا فهى مثل النطق نظرية خالصة. وأخيرا فإن العلوم العملية الثلاثة عند أرسطو وهى الأخلاقيات (الأخلاق) والاقتصاد والسياسة فتتحد تحت مسمى العلوم السياسية، ويضاف إليها الفقه والكلام. ويرى الفارابى أن علم الفقه وصناعة الكلام يجب أن ترتبط فى جزء منها بالآراء وفى الجزء الآخر بالأفعال وفى الختام نعقد مقارنة بين هذا التقسيم الفلسفى وبين ما ذهب إليه الفقيه الأشعرى عبد القاهر بن طاهر البغدادى (المتوفى فى عام ٤٢٩ هـ/ ١٠٣٧ - ٨ م) فى كتابه أصول الدين (استانبول ١٩٢٨ م) فيعد التمييز بين المعرفة الإلهية، والمعرفة التى تمتلكها المخلوقات الحية الأخرى، تصنف هذه الأخيرة على النحو التالى: ١ - ضرورى (واضح بشكل مباشر): أ- بديهى (إدراك داخلى) ب- حسى (إدراك خارجى). ٢ - مكتسب (علوم نظرية) أ- عقلية شرعية (مكتسبة بالعقل ومكتسبة بالقانون) ثم تنقسم العلوم النظرية بعد ذلك إلى ربعة حسب الطريقة التى اكتسبت بها: ١ - استدلال بالعقل من جهة القياس والنظر (فقه تأملى). ٢ - علوم من جهة التجارب والعادات (الطب) ٣ - علوم من جهة الشرع (العلوم الشرعية).

стр. 9796

٤ - علوم من جهة الالهام (الأحكام الفنية الجمالية). ويبدو أن هذا التقسيم انتقائى إلى حد ما إذا قدرت بأحديّة العقل عند الفارابى، ولكن من القرن الحادى عشر إلى الثالث عشر الميلاديين كانت الفلسفة والفقه يقتربان -دون أن يتحدا- وكان ابن سينا -الذى يعتمد على الفارابى- هو الوسيط وقد سعى الغزالى إلى الجمع بين "النظر إلى" فى صوفية (باطنية) الأفلاطونية المحدثة، وبين "النظر فى" عند المفكرين العقلانيين. وقد اعتمد فخر الدين الرازى مناهج البرهان (الدليل) فى منطق أرسطو بدرجة أكبر مما فعل سابقوه. المصادر: (١) ابن سينا: أقسام العلوم العقلية، فى "مجموعات الرسائل" القاهرة ١٣٢٨. (٢) الغزالى: إحياء علوم الدين - القاهرة ١٣٢٢. (٣) معيار العلم فى المنطق، منطق تهافت الفلاسفة - تحقيق سليمان دنيا القاهرة ١٩٦١. (٤) A. J. Wensimck: The Muslim creed بهجت عبد الفتاح [ت. ج. دى بوير - هـ دايبر Tj. DeBoer - H. Daiber] النظام هو أبو إسحق بن إبراهيم بن سيار بن هانئ، من فقهاء المعتزلة، توفى ما بين ٢٢٠ هـ، ٨٣٥ م و ٢٣٠ هـ، ٨٤٥ م ونشأ فى البصرة متتلمذا على خاله أبى الهذيل، ثم لحق ببلاط المأمون عند عودته من مرو، وقد يكون لشهرته كشاعر وأديب أثر فى ذلك. فقد اشتهر شعره بالعذوبة وسعة الخيال. وقد ساهم -وهو فى البصرة فى مجادلات كثيرة تتجاوز النطاق الدينى جعلت الجاحظ يورده فى كتابه "الحيوان". وكان الجاحظ من تلاميذه فى المذهب الدينى، إلا أن غرابة أفكاره الدينية وشذوذها صرفت عنه الكثير، حتى أن الجاحظ لم يكن يوافقه عليها.

стр. 9797

فهو قد بنى آراءه الدينية على أسس من جدليات الفلسفة الطبيعية، مخالفا لآراء أبى الهذيل. فقد كان أبو الهذيل يؤمن بفكرة "التشكيل الذرى" للأجسام، بمعنى أن الأجسام مكونة من ذرات متراصة ومتماسكة بقدرة اللَّه. ولكن النظام ذهب إلى أن العناصر التى تكون الأجسام متداخلة، أى تتخلل بعضها البعض، ويمكن أن تكون إما ظاهرة على السطح أو "كامنة" فى الأعماق. وقد خلق اللَّه العناصر جميعا دفعة واحدة وما يجرى من تحول فيها يكون على صورة دفع الكامن إلى السطح، ويجرى تدريجيا وليس فجائيا. وبالتالى لا يمثل حادثا من الحوادث. والحادث الوحيد الذى يعترف به النظام هو "الحركة" التى تتضمن تغيرًا فجائيا من السكون. بل إن السكون ذاته يعتمد على قوة هى "الاعتماد" ويمكن أن يتحول إلى حركة -وهو يميز بين الحركة movement والتحرك Iocomotion، من حيث إن الأولى يتمثل فيها "كل الأفعال التى تظهر فيها الناحية الإرادية، كالصلاة، والصوم، والعلم والجهل، والكلام والصمت، الخ. ومعنى ذلك أنه يميز بين عالم الإنسان الذى يتميز بالإرادة، وبين عالم الأجسام الطبيعية التى تتحرك طبقا للناموس الذى يحكمها، وأغلب أفكاره مستوحاة من الفلسفة الهيلينستية (الهلينية الأسيوية)، وهى لم تحظ بقبول من الفكر الإسلامى عامة، فقد رفضها المتكلمون والفلاسفة على حد سواء، ونظرية النظام الطبيعية هى جزء من فلسفته الدينية، وهى تشترك فى مسلمات كثيرة مع الفلسفة المثنوية الفارسية التى يعارضها ويهاجمها بعنف. وهو يرى أن مكونات الأجسام لا تمتزج مع بعضها البعض بذاتها، ولكن بقوة خارجية هى قدرة اللَّه. ولذلك فهو يطلق على تلك المكونات "خلقة" وليس "طبيعة" كما أن اللَّه هو الذى يهب الاثار الخيرة والشريرة للأشياء، ولا تقف قدرته اللامحدودة إلا عند إرادة الإنسان الحرة. ولكن اختيار الإنسان بين الخير والشر هو محصلة صراع بين الجسد والروح، التى هى خيرة بطبيعتها. وفكرة التداخل لا تقتصر على عناصر الأجسام التى تتخللها الروح، بل أيضا على

стр. 9798

الروح التى تتخللها الحواس. والروح ليست محتواة فى مكان معين كالقلب مثلا. بل هى متداخلة مع كافة الأعضاء. وتحصيل العلم هو أيضا نوع من الحركة، وهو كحادث ليس عرضة للتداخل، وهو يؤدى إلى نوع من السكون. ومن ثم فهو يصور الحقيقة على أنها "سكون القلب" والحقيقة لديه ذات طابع شخصى، تعتمد على اليقين الداخلى، ولكنها فى نفس الوقت مستقلة عن الشخص الذى قال بها. وهو يرى أن حديث الآحاد يمكن أن يكون صحيحًا، فى حين أنه يمكن أن يكون المتواتر خطأً وعلى ذلك فهو يدعو إلى حرية الاجتهاد، ويرى أن فتاوى من الصحابة ليست لها صفة الإلزام، مشيرا إلى أوجه الاختلاف التى حدثت فيما بينهم. وقد لاقى رايه هذا تقديرا من الشيعة فيما بعد. والنظّام لا يتوسع فى مسألة الصفات الإلهية كما ذهب أبو الهذيل بل يقصر الجدل على قضية الإرادة والقدرة، فيما يتعلق بتنزيه اللَّه عن الشر. فاللَّه فى رأيه لا يمكنه أن يفعل الشر، ومع ذلك فهو سبحانه لا يفعل العدل والخير عن ضرورة، بل عن حرية إرادة. وعلى ذلك فهو يرى أن قدرة اللَّه اللانهائية تجد حدودها فيما هو خير للإنسان، وهو ما يعبر عنه بـ "اللطف"، فهو يفعل دائما ما هو "أصلح" للإنسان. وقدرة اللَّه تتفق تماما مع كماله. وهو يؤيد الأنبياء بالمعجزات دليلا على صدق نبوتهم. وفى حالة محمد ﵊ فمعجزة القرآن فى رأيه هى فيما أتى به من تنبؤات، وليس فى إعجازه اللغوى، حيث إن المشركين لم يأتوا بمثله عن عجز، بل لأن اللَّه سبحانه صرفهم عن ذلك. وأعمال النظّام مفقودة إلّا قلة، أغلبها متضمن فى كتابه "النكث"، كما يحتوى كتاب "المحصول فى علم الأصول" لفخر الدين الرازى على ٣٥ مقتطفا له. وغير ذلك فى كتبه: "الطفرة"، "الجزء" وكذا يحتمل أن له: "الرد على أصحاب الاثنين" ومقالة يهاجم فيها أصحاب الحديث.

стр. 9799

المصادر: (١) R. Paret: Al-Nozzam als Ecperimen to TOV lo, is isl, xxv (١٩٣٩), ٢٢٨ f.f (٢) أبو الرضا: إبراهيم سيار النظام وآراؤه الكلامية الفلسفية (القاهرة ١٣٦٥ م). [ج. فان اس J.Van Ess] نعمان بن بشير الأنصارى من صحابة رسول اللَّه [ ﷺ ] وحاكم الكوفة وحمص. . وتقول بعض المصادر إنه أول أنصارى يولد بعد الهجرة. وكان أبوه بشير بن سعد من أبرز الصحابة وكانت أمه عمرة بن رواحة شقيقة عبد اللَّه بن رواحة -وقد رفض النعمان أن يبايع عليا بعد مقتل عثمان. وقد وقف بجانب معاوية فى موقعة صفين- وفى عام ٥٦ هـ/ ٦٧٩ - ٨٠ م أصبح حاكما للكوفة ولم يكن مناسبا لهذا المنصب بسبب كراهيته المعلنة لعلى -وعندما تولى "يزيد بن معاوية" الحكم فى رجب عام ٦٠ هـ/ أبريل ٦٨٠ م أبقى النعممان فى منصبه، ولكن النعمان لم يظل طويلا هناك. وعندما ظهر مسلم بن عقيل فى الكوفة للدعوة إلى الحسين وقف النعمان موقفا محايدا، مما دفع يزيد إلى تعيين "عبيد اللَّه بن زياد" حاكما للكوفة بجانب منصبه فى البصرة. وصرع النعمان إلى سوريا وعندما ثار أهل المدينة فى بداية عام ٦٣ هـ/ ٦٨٢ م، وطردوا الأمويين منها بعث يزيد ببعثه إلى المدينة بقيادة النعمان حتى يهدئ من مشاعر الناس. وصدرت التعليمات إلى البعثة للذهاب إلى مكة لحث عبد اللَّه الزبير على مبايعة يزيد ولكنه فشل فى مهمته مما دفع يزيد إلى استخدام القوة لاخضاع الثوار فى المدينتين المقدستين وبعد موت يزيد فى ربيع الأول عام ٦٤ هـ/ نوفمبر ٦٨٣ م أعلن النعمان -الذى كان قد أصبح حاكما لحمص- ولاءه علانية للزبير" -وفى ذى الحجة من العام نفسه/ يوليه أغسطس ٦٨٤ م، والمحرم ٩٥ هـ. أغسطس سبتمبر ٦٨٤ م هزم الضّحاك بن قيس الفهرى -ومن القيادات التابعة للزبير- فى مرج راهط. وحاول النعمان الهرب ولكن تم اللحاق به وقتل ويقال إن معرة النعمان سميت باسمه.

стр. 9800

المصادر: (١) ابن سعد الطبقات. (٢) الدينورى الاخبار الطوال. بهجت عبد الفتاح [ك. ف. تسترشتين - K V Zettersteen] الـ نعمان "الثالث" بن المنذر آخر ملوك اللخميين فى الحيرة وهو ابن "المنذر الرابع" وسلمى بنت صائغ يهودى من "فاداك" -ويعتبر عصره (٥٨٠ م - ٦٠٢ م) من أشهر العصور بعد عصر جده المنذر الثالث (المتوفى عام ٥٥٤ م) ويدين باعتلائه العرش فى الحيرة إلى عدى بن زيد الشاعر المسيحى الشهير والسياسى فى الحيرة -وقد كان حاكما قويا شهدت الحيرة فى عهده الكثير من التوترات والحروب مع القبائل العربية. ولكن الحيرة استمرت فى عهده أكبر مركز للثقافة العربية قبل بزوغ الإسلام. . فبالإضافة إلى شعر عدى بن زيد، هناك مدائح النابغة الذبيانى التى يقال إنها قيلت فى النعمان، الذى اعتنق المسيحية النسطورية التى كانت مقبولة فى فارس الساسانية وأصبحت الحيرة مركز المسيحية العربية فى فارس الساسانية. وانتهت حياة النعمان نهاية مؤسفة إذ وطأته أقدام الفيلة بعد أن استسلم "لـ بارويز" بعد أن فشل فى الهرب. وبهذه النهاية انتهت أسرة اللخميين التى استمرت فى الحكم ثلاثمائة عام. كانت فيها درع فارس ضد عرب شبه الجزيرة. المصادر: (١) أبو البقاء الحلى: المناقب المزيدية. بهجت عبد الفتاح [عرفان شهيد Irfan Shahid] النفس وهى المقابلة لكلمة Soul والتى تعنى غير المادى للإنسان، وفى عصر ما قبل الإسلام كان يقصد بها "ذات الشئ أو الشخص"، أما "الرُّوح"، [بضم الراء] فيقصد بها النفس وبدءا من القرآن استمر استخدام النفس بمعنى "ذات الشئ"، أما الروح فأخذت معنى رسول خاص من الملائكة وخصيصة ربانية معينة. وبعد القرآن فقط أصبحت الكلمتان مترادفتين وتعنيان الجزء غير

стр. 9801

المادى من الإنسان، والملائكة والجن. ولما كانت الكلمتان متقاربتين بقدر كبير، فسوف نتناولهما معا فى هذا البحث. أولا: الاستعمال القرآنى: (أ) النفس، وتجمع على نفوس وأنفس، لها خمسة معان: - ١ - فى غالب الحالات تكون بمعنى "ذات الشئ أو الشخص"، فمثلا فى سورة آل عمران الآية ٦١: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾. وكذلك فى يوسف الآية ٥٤ ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾، والذاريات ٢١ ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾. ٢ - وفى ست آيات تشير الكلمة للذات الإلهية، المائدة ١١٦ ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، آل عمران ٢٨ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. الأنعام الآية ٥٤ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾، طه ٤١ ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾. ٣ - ومرة تشير للألهة الأخرى، الفرقان ٣ ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. ٤ - ووردت مرتين فى سورة الأنعام الآية ١٣٠ تشير فى صيغة الجمع للإنس والجن ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾، ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾. ٥ - كما تعنى الروح البشرية، الأنعام ٩٣ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾. وكذلك فى ق ١٦ ﴿مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، والتغابن ١٦ ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾، والنازعات ٤٠ ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾. وهذه النفس لها ثلاث صفات: أ- النفس الأمارة بالسوء، (يوسف ٥٣)، وهى تقابل الاستخدام لكلمة Flesh فى لغة العهد الجديد الحديثة، أى بمعنى الرغبات الجسدية. فهى توسوس (ق ١٦)، وهى مرتبطة بالهوى، بمعنى النزعة للشر، ويجب كبحها (النازعات ٤٠) وأن تجبر على الصبر (الكهف ٢٨) ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ وأن يتقى شر طمعها (الحشر ٩ ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾). ب- النفس اللوامة، (القيامة ٢) جـ - النفس المطمئنة، الفجر ٢٧. هذه الصور الثلاث للنفس تمثل الأساس للمسلمين فيما بعد من ناحية القيم الروحية والنفسية. والجدير

стр. 9802

بالذكر أن "النفس" ليست مستخدمة للإشارة للملائكة. (ب) الروح، ولها خمسة معان: ١ - نفخ اللَّه من روحه (أ) - فى آدم بمعنى وهبه الحياة، الحجر ٢٩، ص ٧٢، السجدة ٩. (ب) فى مريم لكى تحمل بعيسى، الأنبياء ٩١، التحريم ١٢. وهنا يقصد بالكلمة بعث الحياة. ٢ - وفى أربع آيات ترتبط الروح بأمر اللَّه: وهناك نزاع حول معنى كل من الروح والأمر، الإسراء ٨٥ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ النحل ٢ فى قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾، غافر ١٥ ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾، الشورى ١٥ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. وهنا يرتبط السياق لكلمة "الأمر" بالمعانى التالية: أ- العلم، ب- الملائكة للتحذير، جـ- المخلوقات للتحذير، د- محمد للعلم والإيمان والنور والهدى. وعلى ذلك فهذه الروح هى أداة ربانية لخدمة النبوة. ٣ - فى النساء ١٧١ يطلق على عيسى أنه روح من اللَّه. ٤ - فى النبأ ٣٨ والمعارج ٤ ترتبط الروح بالملائكة. ٥ - فى الشعراء ١٩٣ يذكر ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾، وفى مريم ﴿. . . فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾، وفى النحل ١٠٢ ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، وفى آيات أخر يذكر القرآن أن اللَّه قد أيد عيسى بروح القدس: البقرة ٨٧ والمائدة ١١٠. وهذه الارتباطات بين المهام تعطى انطباعا عن شخصية الرسول الملائكى الذى قد يكون أيضا الروح. وعلى ذلك فكلمة "الروح" فى القرآن لا يقصد بها الملائكة عموما، ولا نفس الإنسان فقط أو شخصه. ولم تأت الكلمة بصيغة الجمع.

стр. 9803

(جـ) النفس، بفتح الفاء، وهى التنفس أو الريح، والتى ترتبط بكلمة "النفس" فى الجذر وبالروح فى بعضى المعانى، لم ترد فى القرآن، وإنما وردت فى بعض القصائد القديمة، ومن هذه الكلمة يشتق "تنفس" المذكورة فى سورة التكوير ١٨ ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾، بينما الصيغة الوحيدة الأخرى المستخدمة من نفس الجذر فهى ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾. (سورة المطففين ٢٦). ثانيا: فى الشعر الأموى استخدمت "روح" لأول مرة بمعنى روح الإنسان ، وهى ما عبر عنها القرآن بكلمة "النفس" (انظر ٥ بعاليه). ثالثا: فى الحديث النبوى يورد مالك فى الموطأ كلمة "نسمة" وهى غير موجودة فى القرآن و"نفس للروح" بينما ابن حنبل فى مسنده يستخدم "نسمة ونفس" و"نفس" وروح" كما أورد كل من البخارى ومسلم فى صحيحيهما "الروح" بمعنى الروح الإنسانية. رابعا: يورد "تاج العروس" خمسة عشر معنى لكلمة "نفس "، ثم أضاف اثنين من لسان العرب، ويقرر أن أغلبها مجازى. ويعطى "لسان العرب" أمثلة لهذه المعانى من القرآن الكريم والشعر. ويكشف اتجاه القواميس فى معالجة كلمة نفس عن الحقائق الآتية: ١ - "نفس" منسوبة للَّه بمعنى روح. ٢ - بالنسبة للإنسان، (أ) الروح والنفس مترادفان، أو (ب) النفس تعنى العقل والروح تعنى الحياة، أو (جـ) للإنسان "نفسان"، واحدة حياتية والثانية تمييزية، أو (د) النفس التمييزية نوعان، آمرة وناهية. خامسا: التأثيرات فى عصر ما بعد القرآن على "النفس" و"الروح " يأتى من الأفكار المسيحية والأفكار الأفلاطونية الجديدة عن "الروح" فى استخداماتها الإنسانية والملائكية والربانية، وبصورة أكثر تحديدًا لتحليلات أرسطو النفسية للـ "نفس". وتبدو هذه التأثيرات واضحة فى الخلافات الدينية:

стр. 9804

أ- الأشعرى: يشير إلى أفكار الحلولية فى حلول روح اللَّه فى آدم ثم انتقالها للأنبياء وغيرهم [الأولياء الصالحين، الأئمة، خاصة الشيعة] من بعده، وإلى الآراء المتعارضة عن طبيعة الإنسان هل هو جسد فقط أو روح وجسد، أم روح فقط، وهو كمتبع لأهل السنة يرفض أى حديث عن طبيعة الإنسان. ب- البغدادى فى "الفَرق بين الفِرق" يتحدث عن نفس الأفكار السابقة، وينسب نظريات انتقال الروح لأفلاطون واليهود ويشير لفكر الحلولية، ويضم الحلاجية لهم، وهو يذهب إلى أن حياة اللَّه بدون روح ولا مادة مخالفا بذلك فكر المسيحية فى حلول روح اللَّه فى عيسى وخلود الأب والابن والروح القدس. ج- ابن حزم: يستخدم الروح والنفس مرادفين لروح الإنسان، ويخرج من الإسلام كل من قال بالتقمص، ولا يرى رأى الأشعرية فى استمرار خلق الأرواح، بل يرى أن كل أرواح نسل آدم قد خلقت قبل أمر اللَّه للملائكة بالسجود له، وأنها موجودة فى البرزخ فى السماء الدنيا حيث تقوم الملائكة بنفخها فى الأجنة. د- ويبين الشهرستانى فى "الملل والنحل" أن العرب قبل الإسلام لم يستخدموا كلمات النفس والروح للتعبير عن الحياة بعد الموت، وأنهم كانوا يعتقدون فى تحول الدم إلى طائر أشبه بالطيف يزور الميت مرة كل مائة عام. كما يبين الخلاف بين أهل السنة والهراطقة وبين (الحنفاء الحنيفيين والصابئة)، وأن فكر الصابئة يعكس بقدر كبير فكر "إخوان الصفا" الذين ذهبوا إلى أن الإنسان مكون من جسد وروح "النفس" وأن جوهر النفس يهبط من الأفلاك. ويرفض الشهرستانى فكر الأفلاطونية الجديدة فى كون الأرواح تعتمد على أرواح أسمى "النفس الروحانية" والقول بأن النفس بطبيعتها شريرة، وأن الخلاص فى تحرير الروح من الجسد. وهو يطلق اسم "روحانى" على كل الأرواح شريرها وخيرها. وهو يصف الرجل العادى بثلاث أنفس، النباتية والحيوانية والإنسانية، لكل واحدة مصدرها

стр. 9805

ومكانها وقوتها، مشابها فى ذلك إخوان الصفا. وفى الواقع فإن تحليل أرسطو للنفس الانسانية كما وردت فى كتابه " De Anima" قد تبناها بشئ من التعديل فلاسفة المسلمين مثل الكندى والفارابى وابن سينا. وقد تعرض الشهرستانى لتفسير الخلاف بين اليونانيين والمسيحيين والقرآن والأحاديث النبوية، ولكن الفلاسفة عجزوا عن فرض الفلسفة اليونانية على الفكر الإسلامى التقليدى. فالمتكلمون وأغلب المسلمين توسعوا فى المصطلحات القرآنية، ولكنهم تمسكوا بالنظرة التقليدية عن طبيعة الروح وكونها مخلوقة مباشرة من اللَّه بقدرات مختلفة. سادسا: على أن مبدأ أرسطو فى الخاصية اللامادية للروح قد وجدت تأثيرها على الفكر الإسلامى عن طريق كبار رجاله مثل الغزالى. وفى قاموس التهانوى عن المصطلح الفنى، فإنه يستخلص مذهب الغزالى عن الإنسان، حيث يعرّف الإنسان كـ "جوهر روحانى"، ليس محبوسا فى الجسد، ولا ملتصقا به، ولا متصلًا به، ولا منفصلا عنه، بالضبط كما أن الإله ليس بدون العالم ولا موجودا فيه وكذا الملائكة. وهو يملك المعرفة والإدراك، ومن ثم فهو ليس حادثا، (انظر "تهافت الفلاسفة"). وهو فى "الرسالة" يشرح الكلمات "نفس، روح قلب" كأسماء لمادته البسيطة التى تمثل قاعدة للعمليات العقلية. وهى تختلف عن "الروح الحيوانية"، والتى هى جوهر لطيف ولكنه جسد فان تكمن فيه الحواس. وهو يعرف "الروح اللامادية" على أنها النفس المطمئنة، و"الروح الأمين"، ثم هو يستخدم مصطلح "النفس" بمعنى الجسد أو الطبيعة الهابطة التى يجب أن تروض لصالح القيم الأخلاقية. سابعا: وموقف الغزالى هو موقف الفلاسفة المؤمنين باللَّه عامة، بالإضافة إلى موقف بعض المعتزلة والشيعة ولكنه لم يسد الفكر الإسلامى أبدا. فيرفضه فخر الدين الرازى باعتباره فكرا باطلا، إذ إن وجهة نظر الفلاسفة أن النفس جوهر، ليست بجسم ولا مادة. ثامنًا: والفكر السائد لدى جمهور المسلمين حول الروح والنفس من حيث
следующие страницы →