← Джавами‘

Джавами‘ · id 16521

موجز دائرة المعارف الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 087 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

الجسم، إلا بالقول بأن لها "طرفين" واضحين يكون الاتصال بأحدهما مختلفا عن الاتصال بالآخر، الأمر الذى يتعارض مع الفرضية الجدلية بالتقسيم إلى ما لا نهاية (إلى اللامتناهى) -علاوة على ذلك يجب أن نعترف بصراحة بأن العناصر التى يفترض أن تكون فى حالة اتصال أو تلامس تصبح متداخلة تماما فى بعضها البعض، الأمر الذى لا يمكن أن يفسر تكوين حجم الأجسام. وهذه هى المشكلات الأساسية التى يثيرها مفهوم "نهاية". المصادر: وردت فى المتن بهجت عبد الفتاح عبده (ر. ارنالدز R. Arnaldez) نهج البلاغة نهج البلاغة مقتطفات من خطب ومواعظ ومقالات أدبية منسوبة لعلى ابن أبى طالب (كرم اللَّه وجهه). وقد كان تأليف هذا الكتاب مثارًا لخلاف دائم منذ العصور الوسطى وحتى الآن. وقد يكون ابن خلكان أول من أثار الشك فى هذا الموضوع حين قال إنه من غير المعروف أن كان جامع هذه الأعمال هو المرتضى (المتوفى ٤٣٦ هـ/ ١٠٤٤ م) أم شقيقه الرضى (٤٠٦/ ١٠١٥ م). ويفترض البعض أن مؤلفه هو جامعه، فيكون هو على بن أبى طالب نفسه. وقد أعاد الكتاب المتأخرون أمثال الذهبى (المتوفى ٧٤٨ هـ/ ١٣٤٨ م) فى "ميزان الاعتدال" والمستشرق بروكلمان هذه الشكوك. على أن لقب المرتضى هو من ألقاب على، ليس لدى الشيعة فقط، بل عند السنة أيضًا. وعلاوة على ذلك فإن نسبته لعلى منصوص عليها صراحة فى الكتاب، حيث تتصدره العبارة "نهج البلاغة. . . من كلام على بن أبى طالب". كما أن الكتاب يحتوى على السيرة الشخصية للمرتضى كجامع للأعمال المحتواه فى الكتاب، ثم السيرة الشخصية لعلى مع ذكر لبعض أعماله الخارقة وفى رأى ابن أبى الحديد المعتزلى، أنه لا شبك فى صحة هذا الكتاب ونسبته إلى الإمام على، وقد قام بجمعه الرضى، وهو ما يذهب اليه الشيعة القدامى منهم والمحدثون.

стр. 9837

ولا ينكر Vaglieri نسبة جزء كبير من الكتاب لعلى، وعلى الأخص بعض القطع التاريخية أو المديحية، على الرغم من صعوبة معرفة نسب القطع مجهولة النسب. والحقيقة أن كثيرًا من الكتاب قبل المرتضى بكثير قد رووا خطب على، مثل "البيان" للجاحظ وتاريخ الطبرى وغيرهما. والأكثر من ذلك فإن بعض القطع ترجع إلى زمن على مذكورة بإسنادها لرواة مشهورين أمثال الجاحظ والطبرى والمسعودى. وعلى أية حال، فنهج البلاغة من أعظم الأعمال الأدبية فى اللغة العربية التى حازت الإعجاب على مر القرون. وكما يشير عنوان الكتاب، فهو يتضمن مباهج اللغة العربية. فسجعه القوى، وبلاغته المحكمة، وفصاحته المتميزة، وصوره الأخاذة وتعابيره الرزينة الغير متكلفة، وحكمة البدو ممزوجة برؤية الإسلام، كل ذلك يكوّن عناصر هذا الكتاب، مدعمة بالقيم الاجتماعية والأخلاقية العليا. والكتاب فى الواقع يحتوى على جهد لا يكل، ممتلئ بالأخلاص والحماس، لقضية الإيمان باللَّه ورسوله، وللتقوى والفضائل والعدالة والارتفاع على غرور الحياة الدنيوية. ومنذ ظهوره، كان نهج البلاغة موضوعا للشروح والترجمات والدراسات. وقد طبع مرات عديدة، ولمناسبات عدة، أخصها شرح محمد عبده فى بيروت عام ١٨٨٥ م والقاهرة فى ١٩٠٣ و ١٩١٠ م، والمرصفى فى ١٩٢٥ م مذيلة بمسرد وفهرس مسهبين. كما ترجم الكتاب للغات عديدة، وعلى الأخص الفارسية، مثل "شرح نهج البلاغة" لفيض الإسلام، وبالفرنسية فى بيروت ١٩٨٦. ومن بين ما ألّف شرحا لنهج البلاغة، يعتبر مؤلف ابن أبى الحديد أهمها جميعا. فهو بأجزائه الثمانية يعتبر عملا موسوعيا وانجازا أدبيا وبحثيا بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. المصادر: ١ - M.Kazw,nl, Sharh Nahdi al - balagh Tahran ١٩٦٠ على يوسف على م. جبلى [M.Diebli] مراجعة د. محمد الشحات

стр. 9838

النهروانى هو قطب الدين محمد بن علاء الدين أحمد بن محمد بن قاضى خان محمود المكى الحنفى، القادرى الخرقانى مفتى مكة فى القرن العاشر الهجرى وقاضيها ومدرس الحديث ومؤرخ مكة واليمن فى أوائل العهد العثمانى. وُلد سنة ٩١٧ هـ (= ١٥١١ - ١٥١٢ م) بلاهور من أعمال الهند سابقًا (باكستان حاليا) فى أسرة اهتمت بالعلم، وأصلها من عدن ولكنها استقرت منذ زمن طويل فى نهروالة (المعروفة اليوم باسم باتان) فى حجرات. وتتكلم عنه بعض الكتب -ومنها القديمة فتسميه بالنهروانى. وتلقى تعليمه الأول على يد أبيه وكان مفتيا وعالما بالحديث، ثم نقله أبوه إلى مكة، حيث درس على أيدى عدة من العلماء والشيوخ من بينهم المؤرخ اليمنى الدَّيْبَع (ت ٩٤٤ هـ/ ١٥٣٧ م) قبل رحلته إلى مصر سنة ٩٤٣ هـ لمزيد من التعليم، والتقى فى مصر بكثير من الشيوخ البارزين من بينهم بعض تلاميذ السيرطى (ت ٩١١ هـ) وقدموه إلى الوالى العثمانى خسرو باشا ديوانه والى المتوكل محمد (ت ٩٥٠ هـ = ١٥٤٣ م) الذى كان آخر خليفة من خلفاء الظل العباسيين. وقد أتقن التركية منذ صغره اتقانا ساعده على أن يتعرف على كثير من الموظفين والعمال العثمانيين الذين وفدوا إلى هنا أو من أقاموا فى تلك الناحية وكان لمعرفته التركية وتقدّمه فى كتابة الإنشاء فضل فى التحاقه بإحدى الوظائف عند أشراف مكة فاستخدموه فى معاملاتهم مع العثمانيين، وأصبح قطب الدين الرجل الذى يلتمسه الزوار العثمانيون لمعرفة مكة، وقد مكنته مكانته عند حكام الدولة العثمانية من أن يتولى وظائف تدريس هامة كما صار مفتى مكة، ولما كان جمادى الأولى سنة ٩٧٥ هـ تولى تدريس المذاهب الأربعة فى مدرسة السلطان سليمان الجديدة، وقد درّت عليه هذه الوظيفة إلى جانب الافتاء دخلًا كبيرا عاش عليه بقية حياته ولقد

стр. 9839

رحل قطب الدين مرتين إلى استانبول، قدَّموه فى كلتيهما إلى السلطان سليمان، كما أنه صحب فى سنة ٩٤٣ هـ الوزير بهادر شاه فى سفره إلى استانبول لتبعث مددا حربيا إلى ججرات. أما رحلته الثانية التى قام بها فى سنة ٩٦٥ هـ (= ١٥٥٧ - ١٥٥٨ م) فكانت إلى شريف مكة، ولقد أدرج رحلته عبر بلاد الشام والأناضول فى كتابه الموسوم بالفوائد السنية فى الرحلة المدنية والرومية، وكان من بين الأحداث التى صادفها مقابلته مع الأمير بايزيد غداة منازعاته مع أخيه وذلك فى تشييع جثمان حُرَّم زوجة أخيه السلطان وكذلك كان لقاؤه مع شيخ الإسلام الشهير أبى السعود أفندى. أما فيما يتعلق بتاريخ وفاة قطب الدين بمكة فالأرجح أنه كان يوم ٢٦ ربيع الثانى ٩٩٠ هـ (= ٢٠ مايو ١٥٨٢ م)، ويظهر أنه قد خلف من بعده ولدًا واحدًا على الأقل اسمه محمد الذى وضع كتابا سماه "ابتهاج الإنسان" وقد ألفه لحسن باشا والى اليمن العثمانى الذى طالت مدة ولايته من ٩٨٨ - ١٠١٢ هـ (= ١٥٨٠ - ١٦٠٤). ولعل أشهر من يعرف من أقاربه ابن أخ له يدعى عبد الكريم بن محب الدين (٩٦١ - ١٠٤١ هـ = ١٥٥٤ - ١٦٠٦ م) الذى خلفه فى وظيفة الإفتاء وعلى الرغم من أن قطب الدين ذاته لم تطأ قدمه قط أرض اليمن إلّا أن اثنين من أقاربه وابن أخ له وابن له قد شغلوا وظيفة القضاء بها. أما مؤلفاته الكثيرة والتى أشار إليها كل من الجاسر، بروكلمان فتتناول على وجه الخصوص الدين والأدب أو التاريخ، ومن بينها كتاب عن العلماء الحنفية سماه "طبقات الحنفية" وكتاب فى الحديث يعرف باسم "الجامع لكتب السنة الستة" لكنها ضاعت حين شبت النار فى بيته ومكتبته. أما كتابه المسمى بالإعلام بأعلام بيت اللَّه الحرام فهو تاريخ لمكة وقد أتم وضعه سنة ٩٨٥ هـ (= ١٥٧٧ م)، وقد ترجمه إلى التركية الشاعر التركى "باقى" وطبعه "فستنفلد"، وهو كتاب يتضمن مقالات من بينها واحدة عن الفتح العثمانى

стр. 9840

لقبرص (٩٧٨ - ٩٧٩ هـ = ١٥٧٠ - ١٥٧١ م) وقد اختصره ثم أكمله ابن أخيه عبد الكريم وسماه "إعلام العلماء الأعلام" أما تأريخه عن اليمن المسمى "الفتوحات العثمانية للأقطار اليمنية" ثم غيره فيما بعد فصار "البرق اليمانى فى الفتح العثمانى" فقد أتمَّه سنة ٩٨١ هـ (= ١٥٧٣ م) ثم أعاد صياغته من جديد بعد قليل وقد استحسنه الوزير العثمانى سنان باشا (ت ١٠٠٤ هـ = ١٥٩٦ م) حينما كان قطب الدين فى صحبته بمكة سنة ٩٧٨ هـ (= ١٥٧٠ م) وذلك فى أعقاب إعادة الفتح العثمانى لليمن، وقد أمدّه سنان باشا بمعلومات عن حملته التى استغرقت ثمانية عشر شهرا فى ٩٧٦ - ٩٧٨ هـ (١٥٦٨ - ١٥٧٠ م) وكذلك أمده بقصيدة ملحمية عن نفس الموضوع نظمت بالتركية وسميت "فتوحى يمن" وهى التى نظمها "مصطفى رموزى" أحد الضباط العثمانيين باليمن. ومع ذلك فقد خصص قطب الدين نصف كتابه لتأريخ اليمن بدءا من القرن العاشر الميلادى حتى السادس عشر، وقد صدرت له ترجمتان بالتركية واحدة منهما قبل سنة ٩٩٨ هـ (١٥٩٠ م) وقد قام بنشرها الجاسر. وإن التفاصيل الجمة عن حياة قطب الدين واردة فى كل من البرق اليمانى والإعلام لاسيما فى الأخير منهما الذى طبع لأول مرة بواسطة "فستنفلد" كما توجد طائفة جمة ومفيدة من الأخبار فى المقدمة التى وصفها حمد الجاسر لكتابه البرق وسماه غزوات الجراكسة والأتراك فى جنوب الجزيرة. المصادر: (١) ابن الحنبلى: در الحبب ٢/ ٤٣٩. (٢) الغزى: الكواكب السائرة ٣/ ٤٤ - ٤٨. (٣) عطائى: ذيل الحقائق النعمانية. (٤) ابن العماد: شذرات الذهب ٨/ ٤٢٠ وما بعدها. (٥) الشوكانى: البدر الطالع ٢/ ٥٧. (٦) عبد الحى بن فخر الدين: نزهة الخواطر ٤/ ٢٨٥ - ٢٩٠. (٧) أ. سيد: مصادر تاريخ اليمن، ص ٢١٣. مروان حسن حبشى [بلاك كليرن Blaclern]

стр. 9841

نوح ﵇ ذكر نوح ﵇ فى "الكتاب المقدس" وهو علم من أعلام القرآن الكريم والتراث الإسلامى وقد ميزه الثعلبى عن سائر الأنبياء بخمس عشرة فضيلة. والكتاب المقدس لم يذكر نبوة نوح ﵇، أما فى القرآن الكريم فهو أول رسول، وتبعه بعد ذلك كل من هود وصالح ولوط وشعيب وموسى عليهم أفضل الصلاة والسلام. كما كان إبراهيم ﵇ أحد شيعته (سورة الصافات آية ٨٣). وكان نوح ﵇ نذيرا مبينا (سورة هود آية ٢٥ وسورة نوح، آية ٢)، الأمين (سورة الشعراء آية ١٠٧) والعبد الشكور (سورة الإسراء آية ٣) وأخذ اللَّه ميثاق نوح ومحمد وإبراهيم وموسى وعيسى بالصلاة والسلام. (سورة الأحزاب آية ٧). وتذكر الآيات فى القرآن الكريم ما دار بين نوح ﵇ والمشركين من قومه، وهو لا يختلف كثيرا عما كان يدور بين الرسول [ ﷺ ] ومشركى قريش، فلم يكن لوطا فى نظر قومه إلا بشرا وكان من الأحرى أن يرسل اللَّه ملكا (سورة المؤمنون آية ٢٤)، كما كان فى نظرهم خطاء (سورة الأعراف آية ٦١) وقد مسه الجن (سورة القمر آية ٩) ولم يؤمن به إلا أراذل القوم والمغلوبين على أمرهم (سورة هود آية ٢٧) وقد رد نوح ﵇ قائلا: ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١) فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (سورة يونس ٧١ - ٧٢). ويصور القرآن الكريم الأحداث كما يلى: أرسل اللَّه نوحا ﵇ إلى المشركين فردّه قومه، فأمره اللَّه ببناء سفينة بوحى منه، ثم "فار التنور" (سورة هود آية ٤٠) ثم أغرق الطوفان كل شئ، ولم ينج من أى نوع إلا ذكرا وأنثى والقلة المؤمنة بنوح ﵇.

стр. 9842

وقد ركبوا جميعا السفينة، وناشد نوح ابنه أن يتبعه ولكن الابن رفض واستعصم إلى جبل ولكنه غرق. وعندما أمر نوح ﵇ المياه أن تسكن، استقرت السفينة على جبل الجودى ولم يكن ابن نوح الكافر الوحيد من بين أهله ولكن امرأته كانت كافرة وكذلك كانت امرأة لوط ﵇. ويتفق القرآن الكريم مع الهجادة فى العناصر التالية: ١ - أن نوحًا ﵇ كان نبيا ومذكرا. ٢ - أن قومه سخروا من السفينة. ٣ - أن الكافرين من أهله عوقبوا بمياه ساخنة (ارجع إلى نصوص الهجادة: سانهدرين Talm. Sanhadrin: Gren. Raba. xxix, ١٠٨ a-b). أما نوح عند الاخباريين، فشأنه شأن الحالات الأخرى، حيث تزيد التفاصيل عما هى فى القرآن الكريم، فنجد أسماء الذين لم يذكروا فى القرآن الكريم، كاسم امرأته "واليه"، وكانت خطيئتها أنها وصمت نوحًا بالجنون. أما أسماء أبنائه سام وحام ويافث فهى معروفة فى تفسيرات القرآن الكريم المتفقة مع ما جاء فى الكتاب المقدس. كما نجد فى نفس هذه التفسيرات اسم ابنه العاصى -والمعروف لدى العرب باسم "يام"- الذى غرق فى الطوفان. ويشير القرآن الكريم إلى أن نوحا ﵇ عاش ٩٥٠ سنة ويتفق هذا مع ما جاء فى سفر التكوين من العهد القديم. أمر اللَّه نوحا ﵇ أن يبنى سفينة من الأشجار التى زرعها نوح ﵇ بنفسه. وسخر قومه منه. وقد شبه الثعلبى رأس السفينة وذيلها برأس وذيل الديك. وقيل إن المسيح ﵇ أحيا سام بن نوح من الموت ليصف له السفينة، فقال: إن الطابق الأول كان يحوى ذوات الأربع والطابق الثانى البشر والأخير الطيور. وكانت النملة أول مخلوق يدخل السفينة والحمار آخرهم. وتختلف الآراء حول عدد البشر فى السفينة ما بين سبعة أفراد وثمانين فردا. وقد نجا "عوج بن عناق" مع

стр. 9843

المؤمنين، وغرق بنو قابيل عن آخرهم. كما أخذ نوح جثمان آدم ﵇ واستخدمه كفاصل بين الذكور والإناث، حيث حرم الرفث على ظهر السفينة للإنسان والحيوان على السواء. إلا أن حام انتهك ما حرمه اللَّه، فعوقب بتحول بشرته وبنيه إلى اللون الأسود. وقد غمرت المياه الأرض كلها باستثناء الحرم (وأضاف الكسائى بيت المقدس) ورفعت الكعبة إلى السماء وحجب جبريل الحجر الأسود (ويرى الكسائى أن الحجر كان ناصع البياض حتى حدوث الفيضان). أرسل نوح ﵇ الغراب لاستطلاع الأمر، ولكنه انشغل ببعض الجيف التى وجدها ونسى مهمته، فأرسل نوح ﵇ الحمامة التى عادت بغصن الزيتون فى منقارها وتعلق الطين برجليها، وقد كوفئت بمنحها الطوق وصارت من الطيور الأليفة. وفى يوم عاشوراء خرج كل من كان بسفينة نوح وصام الإنسان والحيوان حمدًا للَّه تعالى. ويتفق الإخباريون مع الهجادة فى الكثير من الأمور مثل تقسيمات السفينة وقلق نوح ﵇ على الحيوانات والعقوبة التى لحقت حام بسبب خطيئته، وقصة فرار المارد العملاق "عوج" من الطوفان. المصادر: ١ - القرآن الكريم. ٢ - الكسائى: قصص الأنبياء طبعة Eisehbery جزء ١ ص ٨٥ - ١٠٢. وائل البشير [ب. هيلر B. Heller] النوروز ١ - فى البلاد الإسلامية: النوروز ويعنى بها العام الجديد، وترد فى الكتب العربية برسم "النيروز". والنوروز هو اليوم الأول فى السنة الشمسية الفارسية، ويوافق الحادى والعشرين من شهر مارس من السنة الميلادية. وكان كذلك هو اليوم الذى يُجمع فيه الخراج واستُخدم

стр. 9844

التاريخان فى فارس والعراق وإقليم جبال فى ظل الإسلام، ويقرر حمزة الأصفهانى أن النيروز فى أول سنة للهجرة وافق ١٨ حزيران (يونيو) ولكنه أخطا إذ عده اليوم الأول من ذى القعدة. ومرجع هذا الخطأ أن كبس السنة يومًا كل أربع سنين (النسئ) بُطل فى الإسلام، ووجد الجباة فى ذلك فائدة لهم ليجمعوا الخراج فى وقت مبكر. وفى زمن الخليفة المتوكل تقدم موعد جمع الخراج شهرين، وفى سنة ٢٤٥ هـ/ ٨٥٩ م حُدد موعد النيروز يوم ١٧ حزيران كما كان عليه فى الماضى. وظل هذا التعديل نافذ المفعول حتى أخَّره الخليفة المعتضد ثانية ستين يوما حتى رجع إلى وقته الذى كانت الفرس تردُه إليه، فوافق وقوعه يوم ١١ حزيران (يونيو). ولما حدث التعديل فى تقويم السلطان السلجوقى ملكشاه، أعلن الفلكيون الفرس أن أول يوم النيروز يوافق العاشر من رمضان ٤٧١ هـ/ ١٥ مارس ١٠٧٩ م. وكان يحتفل بالنوروز فى الشام ومصر وغيرهما من البلاد واستبقاه القبط كأول يوم للعام، ولكنه الآن يقع فى العاشر أو الحادى عشر من سبتمبر. وتقام الاحتفالات الشعبية فى كل بلد احتفاء بالنيروز وكان ملوك الفرس الساسانيون يقيمون وليمة كبرى فى هذا اليوم، وتُقدم لهم فيه الهدايا ويرش الناس بعضهم بعض بالماء فرحا بقدومه ويوقدون النيران. وبقيت هذه العادة فى العراق ومصر فى ظل الإسلام، وقد حاول ولم يفلح المعتضد فى إبطال هذه العادة واحتُفل بهذا اليوم كعيد عام فى سائر أنحاء الإمبراطورية العثمانية، وفى بلاد الفرس، احتفل بالنوروز على طول تاريخها، احتفالًا عظيما كأهم عيد مدنى فى كل عام. وظهرت ملامح كثيرة مع تلك الاحتفالات الفارسية فى عادات شعوب أخرى كارتداء الملابس الجديدة قبل بداية السنة الجديدة مباشرة، أو عند انتهاء فصل الشتاء، وفى المجتمعات الريفية يحتفل الناس بالنيروز فيوقدون غصون الشجر ويتزاورون فيما بينهم.

стр. 9845

٢ - فى شرق أفريقيا: اعتاد الصيادون والفلاحون فى ساحل شرق إفريقيا استخدام تقويم النوروز أما التقويم الهجرى فالتزموا به فى أغراضهم الدينية. وفى السواحيلية ينطقونه "النيروزى" ويرجع أقدم دليل على استخدامه فى تاريخ كلوه العربى إلى سنة ١٥٥٠، الذى يسّجل نزول البرتغاليين على الساحل سنة ١٤٩٨ واستخدامهم للتقويمين معًا. وهنالك شك فى اتخاذ النيروز فى تاريخ أسبق من ذلك. ويُجَهَّز الطعام فى الأيام السبعة السابقة للنيروز وبعدها يحتفل بالعيد وجمع أغصان الشجر لمدة أسبوع. وفى اليوم السادس يجتمع تلاميذ الكتاتيب فى منازل مدرسيهم، يقرأون القرآن الكريم ويشاركون فى الطعام، ويبيتون فى بيوت المدرسين، وفى اليوم التالى يواصلون قراءتهم للقرآن الكريم بعد أن ينتقلوا إلى الشاطئ. ولعل تلاوة القرآن هذه هى المظهر الإسلامى الوحيد بين هذه المراسم. ويقوم التلاميذ والكبار بعد ذلك بالسباحة، ويرتدون ملابس نظيفة. وفى زنزبار، ترقص النساء ويغنين ويُلوحن فى الشوارع بأغصان الشجر. ويتبع ذلك إقامة وليمة يحضر النساء فيها الأرز، ويجهز الرجال (الكيتويو)، وهو بقل من البقول، ثم بعد إعطاء إشارة، تُشعل النيران، التى تزود بالوقود. ثم يُحمل الرماد إلى مفترق الطرق، حيث تتراقص النساء. وأثناء ذلك يُبنى كوخ صغير، وتقوم النسوة باشعال النار فيه لطرد الأرواح الشريرة لبقية أيام السنة. ثم يتبع ذلك رقص الرجال بالرماح والسيوف والخناجر. ويختتم الرقص بالتحطيب، ويستخدم الرجال فى رقصهم العصى فقط. المصادر: - البيرونى: تاريخ البيرونى. - عمر الخيام: نيروز نامة. - آدم متز: الحضارة الإسلامية. د. عطية القوصى [أ. بوزوورث C. E. Bosuaarth] نورية النورية لفظ مشتق من "النَّوْر" وهو الزهْر الأبيض مفرده نورة، وهو مثل

стр. 9846

زَهرية والمقصود به الشعر المخصص لوصف الزهور، ومن المستحيل فصله كجنس عن "الروضية" أو "الربيعية" اللتين يوصف بهما الحدائق أو الربيع، ولما كان منتصف القرن الخامس الهجرى (الحادى عشر الميلادى) وضع أبو الوليد الحميرى (ت ٤٤٠ هـ = ١٠٤٨ م) كتابه "البدائع فى فصل الربيع" وقسمه إلى: (أ) قصائد عن الربيع دون أوصاف الزهور (ب) قصائد قيلت فى زهرتين أو أكثر، (جـ) قصائد فى زهرة واحدة معينة، وظهور هذا النوع من الشعر مرتبط بالفرس القدماء والعرب الذين استقروا فى المدن بعد الفتوح، ويلاحظ أن الشعراء العباسيين ساروا فى "القصيدة" على النهج الذى كان قبل الإسلام فى وصفهم مجالس الشراب وفى الخمريات، وقد أدرج أبو نواس هذه الأوصاف بعد أن كان الوصف قاصرا على الأطلال: صفة الطلول بلاغة القدم ... فاجعل صفاتك لابنة الكرم وهو يصف زهورا معينة ويقارن بينها وبين أجزاء من الجسم (فالورد = الخدين، والنرجس = العينين) وقد يذكر الجواهر الثمينة. ولقد كان أبو تمام أول شاعر يُحل وصف الربيع وأزهاره محل النسيب، ولقد وجد هذا التطور قبولًا عظيما ليس عند المداحين العرب فقط بل وأيضًا بين الشعراء الفرس والترك واليهود وقد أقبل الشعراء الأندلسيون على هذا النوع من الشعر الذى يصف الورود والزهور، ويلاحظ أن معظم "القطع" التى أوردها الحميرى إنما هى "مقطعات" كلها عن الورود، ومن أبرز الشعراء فى هذا المجال ابن خفاجه المعروف بالجنّان وابن أخيه ابن الزقاق. المصادر: ١ - مقداد رحيم: النوريات فى الشعر الأندلسى. ٢ - الحميرى. البديع فى وصف الربيع (١٩٨٦ م) المغرب. نجلاء فتحى محروس [تبريزا جارولو Teresa gasuls] النوفليون بنو نوفل: بطن من بطون قبيلة قريش المكية، ويعتبر علماء الأنساب

стр. 9847

نوفل واحدًا من أبناء عبد مناف وأخا لعبد شمس وهاشم والمطلب. وقد رُوى أن نوفل نفسه كان مهتما على وجه الخصوص بالتوسع فى المتاجرة مع العراق والامبراطورية الفارسية، كما يقال أيضا إنه تشاجر مع عبد المطلب (جد محمد ﷺ ). ومن خلال بعض المعلومات التى وصلت إلينا بشأن العلاقات المتبادلة بين عشائر قريش قام جميع بنى عبد مناف مع بعض العشائر الأخرى، وكونوا ما يعرف بالمطّيبين، الذين تخاصموا مع مجموعة أخرى تعرف بالأحلاف ممن كانوا بقيادة بنى عبد الدار وبنى مخزوم، غير أنه جرى بعد حين أن انفصل بنو عبد شمس ونوفل عن الطائفة الأولى وتقرَّبوا إلى جماعة بنى مخزوم ذات الثروة والبأس، ويبدو أن بنى نوفل كانوا قلة وليس هناك أحد من بينهم يرد اسمه بين جماعة المسلمين الأوائل اللهم إلّا إذا استثنينا حلف عتبة بن غزوان. وانضمت النوفليون إلى معظم قريش فى مقاطعتهم لبنى هاشم حين أبى أبو طالب -باعتباره كبيرهم- أن يمنع محمدا ( ﷺ ) من الدعوة للإسلام أو يمنع جواره له، وحينذاك قام مطعم ابن عدىّ النوفلى فكان خامس خمسة شجبوا المقاطعة. ولما مات أبو طالب خلفه أبو لهب وصارت له الزعامة فحجب حماية بيته لمحمد، وترتب على زيارة محمد ( ﷺ ) للطائف أن يلتمس الرسول ﵇ حماية قبيلة أخرى قبل أن يعود ليدخل مكة فكان المطعم بن عدى النوفلى هو الذى أدخله "جواره" وربما كان ذلك على أن يكف محمد ( ﷺ ) عن الدعوة ولا نجد ذكرا للمطعم بعد الهجرة وإن ظل جماعة من بنى نوفل معارضين للنبى. بيومى موسى [مونتجومرى وات] النووى أو النواوى هو محيى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف بن مرى (حسب تهجئة النووى نفسه - السيوطى) بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حزام الحزامى الدمشقى. . وهو فقيه شافعى ولد فى المحرم عام ٦٣١ هـ/ أكتوبر ١٢٣٣ م

стр. 9848

عام ٦٦٩ هـ/ ١٢٧٠ - ١٢٧١ م أرفع حجة وأكبر مصدرا بحيث يضعه الباحثون على قدم المساواة مع كتابات "الرافعى". ومنذ القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى والعملان اللذان يشرحان هذا الكتاب -وهما "تحفة" ابن حجر، و"النهاية" للرملى، يعتبران من أهم كتب الفقه الشافعى، ويتضمن الكتاب مقتطفات من "المحرر" للرافعى، وهو يستهدف -كما يقول المؤلف نفسه- أن يكون شرحا له وتعليقا عليه -ويدين الكتاب بمكانته إلى أنه يرجع بنا- عن طريق الرافعى والغزالى، إلى إمام الحرمين. ويجب أن نذكر أيضا الروضة فى مختصر شرح الرافعى (حول "وجيز" الغزالى) والذى انتهى منه فى ٦٦٩ هـ/ ١٢٧٠ - ١٢٧١ م، وقد كتب عليه تعليقات كثيرة، وهناك تعليقاته حول كتابى المهذب و"التنبيه" للشيرازى, وكتاب الوسيط للغزالى، الذى يبدو أنه غير موجود -وكذلك عدد من الفتاوى جمعها تلميذه ابن العطار. وقد أثمرت دراساته فى السير والنحو كتاب "تهذيب الأسماء واللغات"، وكتاب "التحرير فى ألفاظ التنبيه" الذى انتهى منه عام ٦٧١ هـ/ (١٢٧٢ - ٣ م). أما عن اتجاهاته التصوفية فله كتاب "الأذكار"، وقد انتهى من تأليفه عام ٦٦٧ هـ/ ١٢٦٨ - ٩ م. و"رياض الصالحين" وقد انتهى من تأليفه عام ٦٧٠ هـ/ ١٢٧١ - ٢ م، بالإضافة لكتابه الذى لم يكتمل تحت عنوان "بستان العارفين فى الزهد والتصوف". وعن أجل أعماله الكاملة ارجع إلى بروكلمان. المصادر: - ابن العطار (المتوفى عام ٧٢٤ هـ/ ١٣٢٤ م): تحفة الطالبين فى ترجمة شيخنا الإمام النووى (وبها الكثير من المرثيات). - السخاوى (المتوفى عام ٩٠٢ هـ/ ١٤٩٦ - ٧ م) ترجمة قطب الأولياء - النووى". - السيوطى: المنهاج فى ترجمة النووى". - السبكى: طبقات الشافعية الكبرى (القاهرة ١٣٢٤ هـ). - الذهبى: تذكرة الحفاظ. - اليافعى: مرآة الجنان. بهجت عبد الفتاح عبده [و. هيفينج W.Heffening]

стр. 9849

فى "نوى" جنوبى دمشق فى "جولان" وقد لفتت موهبة الصبى المبكرة جدا الأنظار، وجاء به أبوه فى عام ٦٤٩ هـ/ ١٢٥١ م إلى مدرسة الرواحية فى دمشق. وهناك درس الطب قبل كل شئ ولكنه سرعان ما تحول إلى الدراسات الإسلامية. وفى عام ٦٥١ هـ/ ١٢٥٣ م أدى فريضة الحج مع أبيه. وفى نحو عام ٦٥٥ هـ/ ١٢٥٧ م بدأ يكتب، واستدعى فى عام ٦٦٥ هـ/ ١٢٦٧ م للأشرفية -دار الحديث- فى دمشق خلفا لأبى شامة الذى مات. وبالرغم من أن صحته قد اعتلت كثيرا فى حياته كطالب، إلا أنه عاش يقتصد فى الإنفاق جدا، بل إنه رفض المرتب. وقد أصبحت شهرته كعالم وكإنسان كبيرة جدا حتى أنه ليجرؤ على أن يطلب من السلطان بيبرس أن يعفى شعب الشام من ضرائب الحرب المفروضة عليه، وأن يدفع عن المدرسين فى "المدارس" خفض دخولهم. ومع ذلك لم يفلح فى ذلك وطرده بيبرس من دمشق عندما رفض وحده أن يوقع على فتوى تقر مشروعية هذه الضرائب (وقد احتفلت القصة الشعبية "سيرة الظاهر بيبرس" القاهرة ١٣٢٦ - بهذا العمل الذى قام به النووى الذى يقال إنه دعا على السلطان فأصيب بالعمى لفترة). . وقد مات النووى -دون أن يتزوج- فى بيت أبيه فى "نوى" فى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من رجب ٦٧٦ هـ/ التاسع والعشرين من ديسمبر ١٢٧٧ م ولا يزال موضع توقير وتكريم هناك. وكان النووى على معرفة كبيرة نادرة بالحديث، بل إنه تبنى معايير أكثر دقة مما جاء بعد ذلك، فمثلا هو يعترف بخمسة كتب صحاح لا ستة فى الحديث إذ إنه يضع سنن ابن ماجه فى مستوى مسند أحمد بن حنبل، وبالرغم من إعجابه بمسلم، فإنه يضع البخارى فى مكان أرفع (التهذيب) وقد وضع شروحا أساسية على صحيح مسلم (القاهرة ١٢٨٣ هـ). وربما تكون مكانة النووى كفقيه أكبر وأعظم -ففى حلقات الشافعية كان يعتبر بكتابه منهاج الطالبين (الذى أتمه

стр. 9850

نيبال نيبال مملكة هندوسية مساحتها ١٤٧ ألف كم ٢، تقع على الحافة الجنوبية لجبال الهيمالايا بين سهل الجانح (فى الهند) أرى أن هضبته التبت فى الهند. وتتكون البلاد من سهول جنوبية وجبال مركزية، وتتسم بمناخ شبه استوائى يلائم زراعة الأرز الذى تعيش عليه كثافة سكانية عالية تنتمى لأصول هندية. ويتحدث السكان لغات هندية آرية؛ فسكان السهول يتحدثون الهندية، بينما يتحدث سكان الجبال النيبالية -وهى اللغة الرسمية- ويسيطرون على قبائل تتحدث لغات تبتية بورمية. ويبلغ تعداد السكان حوالى ١٩.٣٦ مليون نسمة، تسعون بالمائة منهم هندوس؛ فالهندوسية هى الديانة الرسمية، مع وجود أقليات دينية أخرى هى البوذية (٥ - ١٠ %) والإسلام (٣ %). ولا يعرف الأصل التاريخى للإسم "نيبال"، وإن كان معروفًا فى اللغة السنسكريتية منذ القرن الرابع م، ومعروفًا عند مسلمى القرن الخامس الهجرى (١١ م) من خلال كتابات البيرونى عن الهند التى أشارت إلى "وادى كَتَمندو". وقد قام الولاة الهندوس بحكم السكان ذوى الأصول التبتية والبورمية الذين عرفوا باسم "التيوار" وقد وقع هذا الوادى تحت سيادة سلطان دلهى "علاء الدين خالجى" (١٢٩٦ - ١٣١٦ م)، وأغار عليه السلطان البنغالى "شمس الدين إلياس" (١٣٤٥ - ١٣٥٨ م). ويذكر كتاب الحوليات أن أوائل التجار المسلمين قدموا من كشمير واستقروا فى كتمندو تحت حكم "راتنامالا" (١٤٨٢ - ١٥١٢ م)، ووجودهم توجد شواهد عليه ابتداء من القرن ١٧ م، وهو مؤكد منذ عام ١٧٣٨ بموجب السجلات الرسمية النيبالية. أما بقية نيبال الحديثة -على النحو الذى نعرفها به اليوم- فقد تم تقسيمها بين خمسين مملكة، ووقعت أراضى السهول تحت سيطرة سلاطين دلهى والبنغال ثم أباطرة المُغَل (مغول الهند). واشتملت التركيبة السكانية لسهل نيبال منذ ذلك العصر على بعض المسلمين الذين استقر بعضهم (أولئك صناع الأساور الزجاجية) فى الجبال منذ القرن ١٧ م.

стр. 9851

وبزوال سلطان المُغْل وازدياد نفوذ شركة الهند الشرقية شمالى الهند، أقامت أسرة "جوركا Gorkha " الحاكمة الدولة النيبالية الحديثة، وقام "بريثوى نارايان Prithwy Narayan " بغزو وادى كتمندو (١٧٦٨ - ٦٩ م) وأخضع المناطق الشرقية، وتابع خلفاؤه التوسع غربًا حتى عام ١٨١٤ م حين أصبحت أراضيهم متاخمة لأراضى السيخ. وقد ضمن بريثوى إعترافًا بريطانيًا به واعترافًا آخر من إمبراطور المُغْل الألعوبة "شاه عالم الثانى" بموجب فرمان ١٧٧١. ومنذ ذلك الحين صارت الجزية تدفع للإنجليز حتى اندلاع الحرب النيبالية الإنجليزية (١٨١٤ - ١٨١٦ م) وإبرام معاهدة عام ١٨١٨ التى وضعت حدًا لتوسع الجوركا، وأقام الراناس Ranas (عمد القصر الذين تولوا دفة الحكم بين عامى ١٨٤٦ - ١٩٥١ م) علاقات طبيعية مع الإنجليز وساعدوهم على استعادة، "لَكْنو Lucknow" بين عامى ١٨٥٧ - ٥٨، لكنهم سمحوا بلجوء بعض أشراف الشيعة من تلك المدينة. وأخيرًا تم الاعتراف باستقلال نيبال بموجب معاهدة ١٩٢٣ م. قامت السياسة الدينية للأسرة الحاكمة الجديدة على تقوية الطابع الهندوسى للملكة، وأصرت -التزامًا بالتراث القديم الذى ابرزه البيرونى- على دَنَسْ المسلمين الذين اعتبروا برابرة وكانوا يعاقبون بقسوة كلما تسببوا فى تدنيس طبقة الأطهار الهندوسية. واستحدثت إجراءات لمنع المسلمين من التحول عن دينهم، كما حظرت إرساليات التبشير المسيحية ثم طردت نهائيًا هى وأتباعها. ومع ذلك -وبغض النظر عن الطرد المؤقت للتجار الكشميريين فى نهاية القرن ١٨ - كان بمقدور المسلمين البقاء وتداول التجارة والتمتع بحرية ممارسة الشعائر الدينية، ولم تكن لهم أية قوانين خاصة بهم فيما يتعلق بالزواج والطلاق والميراث وإدارة المؤسسات الدينية؛ بل كانوا يخضعون دائمًا للقانون الهندوسى ومسئولية أمام القضاة الهندوس. وقد وردت الفقرات المتحيزة ضدهم ضمن المدونتين القانونيتين الصادرتين عامى

стр. 9852

١٨٥٤ و ١٩٣٥ م، واللتان بقيتا نافذتين حتى صدور مدونة ١٩٦٣ م التى أبطلت العقوبات التى كان المسلمون عرضة لها عند خرقهم القواعد الطبقية الهندوسية. لكن على الرغم من إلغاء مبدأ التفرقة الدينية فى دستور ١٩٦٢ م إلا أنه احتفظ بمنع التحول عن الدين، بل وأُدْخلَ هذا المنع فى دستور ١٩٩٠ م. وبسقوط الراناس عام ١٩٥١ م فتحت الدولة ذراعيها للتحديث. والإحصاءات الرسمية للسكان والبحث الميدانى لعلم الأجناس يفسحان لنا مجال الدراسة الإثنولوجية لمسلمى نيبال الذين يبلغ تعدادهم حوالى ٥٧٠ ألف نسمة، ويعيش جميعهم تقريبًا فى السهل حيث يشكلون نسبة ١٠ % من عدد سكانه؛ وهم إما تجار صغار أو حرفيين أو فلاحين، كما يوجد حوالى ٢٠٠٠ من صغار التجار يعيشون فى وادى كتمندو، وحوالى ١٠ - ١٥ ألف من صانعى الأساور فى الجبال الواقعة غرب كتمندو حيث يعيشون على الزراعة وبيع الحلى. وجميع هؤلاء قدموا من سهل الجانج، ويتحدثون بلهجات هندية، وهم ينحدرون أساسًا من الهندوس الذين اعتنقوا الإسلام ويشكلون مجتمعًا متسلسل المراتب يُعَدُّ نسخة إسلامية من النظام الطبقى الهندوسى. ومعظم هؤلاء من الأحناف مع وجود القليل من الشيعة الإثنى عشرية فى السهل، وحياتهم الدينية ذات صبغة هندية وإن كانت متشبعة للغاية بالصوفية والاعتقاد فى الأولياء. وهذا الإيمان بالأولياء -وهو شائع فى أعلى الطبقات وخاصة بين الكشميريين من أهل كتمندو- محل انتقاد وهجوم شديد من جانب الدوائر واسعة الشعبية فى المذهبين الإصلاحيين "الديوَبْنْد Deoband" و"أهل الحديث" المعروفان لدى خصومهما باسم "الوهابية" واللذان انتشرا حتى بلغا الجبال على أيدى العمال المهاجرين الذين يعودون من المدن الهندية ومعهم المطبوعات الثقافية الرخيصة باللغة الأوردية. وقد تضاعف عدد المساجد والمدارس القرآنية القروية، ويؤدى بضع عشرات من النيباليين فريضة الحج كل عام.

стр. 9853

وعملت السياسة الراسخة والحازمة للملكية على حظر كل أعمال العنف ضد الأقليات الدينية؛ وعلى ذلك -وبالرغم من التفرقة الدينية التى يرزحون تحتها- ظل مسلمى نيبال دائمًا يشعرون بالأمان أكثر مما عليه الحال فى الهند. ولما كانت المَلَكِيّة تواجه منذ عام ١٩٧٩ م معارضة داخلية متزايدة، فقد تولت رعاياها المسلمين بالرعاية منذ ذلك الوقت نظرًا لما تمثله أصواتهم الانتخابية من مساندة ثمينة لها. المصادر: ١ - M.Gaborieaw, Le Nepal et ses Populatioms, Brussel - Paris ١٩٧٨ ٢ - F.Hamilton. An account of the Kingdom of Nepal, Edinburgh ١٨١٩, repr. Aelhi ١٧١ ٣ - M. Gaborieau, Recit d'un voyageur musulman autibet. Paris ١٩٧٣ ٤ - M. Gaborieau, Minorites musulman dans le Royaume hindou du Nepal Paris ١٩٧٧ سامية سالم [م. جابوريو M. Gaborieaw] النيجر النيجر (جمهورية النيجر). دولة حديثة فى غرب أفريقيا، كانت مستعمرة فرنسية تحمل الاسم نفسه. كان لموقعها الجغرافى ومجتمعاتها متعددة الأعراق تأثيرا عميقا على سكانها على مدى تاريخهم. ١ - الجغرافيا والسكان تغطى النيجر مساحة قدرها حوالى مليون وربع كم ٢ منها ٨٠٠ ألف فى الصحراء الكبرى غير مسكونة أو غير قابلة للسُكنى، والجزء الأكبر من باقى الأرض سهل، وتتركز الزراعة والإقامة الدائمة على شاطئ نهر النيجر (حيث تقع العاصمة بنامى). وفى منطقة الصحراء تقع جبال أيار وتسمى أيضا (جبال أيد أو أزبن)، وتمتد ٤٨٠ كم من الشمال إلى الجنوب وحوالى ٢٤٠ كم, من الشرق إلى الغرب وتوجد إزاءها منطقة وافرة النبات عاصمتها أجاديس. ويعيش فى هذه المنطقة الجبلية الشمالية حوالى ٦٠٠ ألف نسمة.

стр. 9854

وتقع حدود النيجر مع ليبيا والجزائر شمالا وتشاد شرقا ونيجيريا جنوبا ومالى وبوركينافاسو (فولتا العليا سابقا) غربا و ٩٧ % من سكانها مسلمون، وإن كان ذلك لم يمنع التوترات العرقية، وكلهم سنيون على المذهب المالكى، ٤٥ % منهم من المتحدثين بلغة الحوصة (الهوسار) والباقى من قبائل متعددة. وتعتمد النيجر أساسا على الزراعة والتجارة عبر الصحراء وتربية الماشية. إلا أن الجفاف قد قضى مؤخرا على القطعان. وباكتشاف اليورانيوم عام ١٩٦٥ م، أصبحت النيجر خامس دولة فى انتاجه فى العالم. ٢ - الإسلام فى النيجر . تعتبر النيجر أكثر مناطق ما كان يسمى بأفريقيا الغربية الفرنسية من حيث انتشار الإسلام بعد موريتانيا، ومع ذلك فلا زالت هناك جيوب وثنية، كما أن الاعتقاد فى السحر والتعاويذ والجن والقوى الشيطانية منتشر فى كل المجتمعات النيجرية. وقد شهدت النيجر على مدى تاريخها حركات صوفية تختلف عن باقى الدول السهلية. كما كانت حساسة لحركات المصلحين المتشددين التى أوعزت بها أعمال عبد الكريم المغيلى وتعاليم الشيخ عمر جبريل وجهاد السكوتو بقيادة الشيخ عثمان دان فوديو (فودى) والمصلحين المتأثرين بالحركة الوهابية (السلفية) وقد قامت جماعة علماء الطوارق Taureg بدور كبير فى تأليف أعمال أدبية بالعربية أو قصائد دينية بالعربية ولغة التمشغ Tamashegh. وعندما حصلت النيجر على الاستقلال عام ١٩٦٠ م، كانت جمهورية علمانية، ولكنها بدأت فى توثيق روابطها بالعالم العربى فى السبعينات، وفى أغسطس ١٩٧٥ م. أنشئت جمعية النيجر الإسلامية ووضعت الخطط لتأسيس جامعة إسلامية، وقد أنشئت هذه الجامعة فى ساى say جنوب نيامى Nianey ويدرس فيها طلبة من جميع المناطق المسلمة فى أفريقيا الغربية، كما أرسل طلبة النيجر إلى دول الشرق العربى للدراسة. وهناك تشجيع دائم لتعليم العربية الفصحى فى جميع المستويات.

стр. 9855

المصادر: (١) E.Bernus: Col por teurs de charnes magiyues, les Les IRadannatan فى Journel des Alricanistes العدد ٥٥/ ١ - ٢ (١٩٨٥) ١٦ - ٢٧. حسين أحمد عيسى [هـ. ت. نوريس H.T. Norris] نيجيريا هى أكبر دول غرب أفريقيا، وقد تكونت سنة ١٩١٤ م من المحميات البريطانية التى تقع الآن شمال نيجيريا الحالية وأخرى تقع إلى الجنوب منها، وتم تجميع هذه المحميات لتكوّن مستعمرة ومحمية نيجيريا، التى يحدها من الجنوب خليج غينيا، وتحدها بنين غربا، وتحدها النيجر شمالا، وتحدها تشاد شمالا بشرق، وتحدها الكاميرون غربا وعاصمتها الإدارية أبوجا، وأهم مدنها لاجوس وإبادان والورين وكانو وسوكوتو، وبلغ تعداد سكانها سنة ١٩٨٤، ٨٨.١٤٨.٠٠٠ وتبلغ مساحتها ٩٢٣.٧٦٨ كيلو متر مربع، (٣٥٦.٥٧٤ ميل مربع)، وتضم أكثر من ٢٥٠ مجموعة قبلية، أكبرها الهوسا (الحوصة)، والفولانى والكانورى فى الشمال، واليوربا فى الجنوب الغربى والابو فى الشرق. وفى نيجيريا أنهار متعددة أهمها: النيجر وبنوى وجُنجولا. والدين الأساسى فى نيجيريا هو الإسلام (حوالى ٥٠ % من السكان) يليه المسيحية (٣٤ %) ثم الديانات الأرواحية الأفريقية التقليدية. وقد عدّد كيرك جرين A.H.M.Kirk-Greene فى مبحثه The Linguistic Statiatics of northern Nigeria المنشور فى African Language review (مجلد ٦, ١٩٦٧) حوالى ثلاثة وخمسين لغة غير الهوسا والفولانى والكنورى والتيف Tiv والنوبى Nupe واليوربا لازالت مستخدمة فى نيجيريا الشمالية وذلك حوالى سنة ١٩٥٢، أما على مستوى نيجيريا كلها فثمة ٢٥٠ لغة، إلّا أن الهوسا (الحوصة) واليوربا والإدو والإبو هى الأكثر انتشارا اليوم وتعتبر اللغة الإنجليزية هى اللغة الرسمية للجمهورية النيجيرية الفدرالية الحالية رغم أن ثمة ضغوط من قبائل الحوصة (الهوسا) الشمالية يجعل

стр. 9856

لغتهم هى اللغة الرسمية. وفى أول أكتوبر سنة ١٩٥٤ أعلن الاتحاد الفدرالى النيجيرى تحت الحماية البريطانية وكان يتكون من المنطقة الشرقية والمنطقة الغربية، والمنطقة الشمالية بالإضافة للكاميرون الجنوبية ومنطقة لاجوس الفدرالية، وفى أول أكتوبر ١٩٦٠ م وافقت بريطانيا على استقلال هذا الاتحاد الفدرالى ضمن نطاق الكُمنولث وبالتالى أصبح التقسيم كالتالى: نيجيريا الشمالية، ونيجيريا الغربية، ومنطقة لاجوس الفدرالية، وفى سنة ١٩٦٣ أطلق على هذا الكيان اسم جمهورية نيجيريا الفدرالية. وفى الفترة من ١٩٦٦ إلى ١٩٧٠ م شهدت نيجيريا كثيرا من الاضطرابات والانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، وخلال هذه الفترة أعلنت جمهورية بيافرا فى نيجيريا الشرقية سابقا، لكنها عادت لحضن الجمهورية النيجيرية الفدرالية سنة ١٩٧٠ م ولم تنعم نيجيريا بحكم ديمقراطى إلا لفترة يسيرة أنهاها انقلاب عسكرى سنة ١٩٨٣ م أعقبه انقلاب آخر سنة ١٩٨٥ م، ويحكم نيجيريا الآن رئيس يعاونه مجلس عسكرى، وفى سنة ١٩٨٥ م قسمت نيجيريا إلى ١٩ ولاية بالإضافة للعاصمة كمنطقة فدرالية وفى ستة ١٩٩١ م، زيد عدد الولايات ليصبح ٣٠ ولاية ويمكن الرجوع لكتاب Alan Burn الموسوم باسم History of Nigeria فى طبعته الثامنة المنشورة فى لندن سنة ١٩٧٢ لمتابعة التاريخ النيجيرى حتى إعلان الاستقلال. دول الهوسَا (الحوصة بكواى) . يعتقد الحوصة (الهوسا) المحدثون أنهم ينحدرون من شعوب الهوسا الذين كانوا لهم سبع دول أو ممالك: زمفارا، كبى، يورى، يوروبا، نوبى، كواراراف، جواريز، وأهل هذه الممالك التقليدية هم الآن -فى غالبهم- ضمن مناطق الهوسا (الحوصة) فى نيجيريا الشمالية. وكانت مملكة زمفارا تقع شمال غرب زاريا الحالية؛ بين كبى وكانوا Kano، وقد دخلها الإسلام فى القرن الحادى عشر للهجرة/ السابع عشر الميلادى ربما عن طريق التجار عبر

стр. 9857

الصحراء الكبرى، وقد اجتاحت الحركة الجهادية التى قام بها الفولانى فى بواكير القرن الثالث عشر للهجرة/ التاسع عشر للميلاد، ثم ذابت فى دولة (إمبراطورية) سوكوتو الإسلامية. أما مملكة كبى القديمة فكانت تقع إلى الشمال الغربى من زمفارا ووصلها التأثير الإسلامى من خلال دولة (إمبراطورية) صنغى إذ اعتنقت الأسرة الحاكمة فيها الإسلام سنة ٩٢١ هـ/ ١٥١٥ م. أما مملكة يورى فكانت تقع جنوب شرق كبى وكان يمر خلالها الطريق إلى مناطق الذهب فى الفولتا، وفى سنة ١٠٢٥ هـ/ ١٦١٦ م استقر فيها تجار الحوصة المسلمون وبتأثيرهم أسلم سكانها فى نهاية القرن الحادى عشر للهجرة/ السابع عشر للميلاد. أما اليوربا فكانوا يقطنون جنوب غرب التقاء نهر بنوى بنهر النيجر، وقد وصلهم الإسلام من دولة مالى (دولة الماندنجو)، وهم يستخدمون كلمة إمالى Imale للدلالة على المسلم مما يؤكد صلتهم بمالى، ومع هذا فيوجد بين اليوربا. مسيحيون ومن يعبدون الأجداد، بل ويمكن أن تجد مسيحيين ومسلمين ووثنيين فى الأسرة اليوربية الواحدة. أما مملكة النوبى فكانت تقع إلى الشمال من ملتقى النيجر وبنوى، ونتيجة احتكاكها التجارى بمسلمى الهوسا (الحوصة) منذ القرن التاسع الهجرى/ الخامس عشر للميلاد انتشر الإسلام بين أهلها وإن كان هذا لا يمنع من وجود بعض النوبى الغير مسلمين حتى اليوم. أما الكوارارفا فهم قوم محبون للقتال يقطنون أودية بنوى وجنجولا، وكانوا هم الأعداء التقليديون للهوسا، وهم يرجعون وجود الإسلام فيهم -من خلال حكايات أسطورية- إلى اليمن، وفى فترة متأخرة انتشر بينهم نسبيا الإسلام على مذهب الإمام مالك. وكان لحركة عثمان بن فودى أثرها فى نشر الإسلام بين الجوارى Gwaris.

стр. 9858

ويمكن الإلمام بتفاصيل كثيرة عن الإسلام فى نيجيريا من مؤلف هسكت M.Hiskitt الموسوم باسم The development if islam in West Africa الذى نشر فى لندن ونيويورك سنة ١٩٨٤. المصادر: وردت بالنص. د. عبد الرحمن الشيخ [م. هكت M. Hikett] نيسابور أهم مدن خراسان، أحد الأقاليم المتميزة فى فارس فى العصور الوسطى. أنشأها شاهبور الأول ابن أرشير الأول وتضم المقاطعات الآتية: الطبسين وكوهستان ونسا وباورد وجام وبخارى وطوس وزوزان ومن أسماء نيسابور أبرشهر وبعضهم يقول ايرانشهر. وفى عام ٣٠ هـ استولى عبد اللَّه ابن عامر، حاكم البصرة على نيسابور بعد أن أذعن حاكمها كنارانج وأثناء القتال بين على ومعاوية، اضطر العرب إلى الخروج من نيسابور بسبب اندلاع الثورة فى خراسان وطخارستان. ونتيجة لذلك أعاد معاوية عبد اللَّه بن عامر إلى منصبه حاكما للبصرة وكلفه بفتح خراسان وسجستان ثم عين الأخير قيس بن الهيثم حاكما لخراسان. كما قام زياد بن أبى سفيان بتنصيب خليد ابن عبد اللَّه الحنفى حاكما على إيران شهر وفى عام ٦٣ هـ خرج عبد اللَّه بن خازم على الأمويين بيد أن الهزيمة لحقته عام ٧٣ هـ فى مرو عندما كان يحارب فاستعاد الأمويون حكمهم فى خراسان. وبعد ذلك أصبحت نيسابور مركزا للنشاط الاقتصادى والحياة الثقافية، فلم تعد عاصمة إقليمية بعد استيلاء يعقوب بن الليث على خراسان من يد الطاهريين ودخوله المدينة. وفى عهد السمرقنديين، حققت مدينة نيسابور رخاءً وازدهارًا متميزين فى الفنون والصناعات الحرفية وظهرت طبقة البرجوازية التى تتكون من التجار والحرفيين والموظفين والمثقفين ورجال الدين من المذهبين الحنفى والشافعى. هذا بالإضافة إلى ظهور بعض المثقفين البارزين أمثال أبى محمود الديوانى

стр. 9859

وولده أبى المعالى إمام الحرمين، مما أدى إلى وضع العديد من كتب التراجم والسير. وذكر الجغرافيون العرب أن نيسابور كانت مقسمة إلى اثنى عشر حيًا وأن بها قلعة ومسجدًا كبيرًا، وسوقا عاما يسمى سوق "المعسكر" وقصر الحاكم، وميدان الحسينين والسجن. ويصل عدد أهم الشوارع التجارية فيها إلى خمسين شارعًا، تباع فيها كافة أنواع البضائع والسلع وكانت نيسابور تعد من أخصب المدن فى إقليم خراسان. وبعد تلك الفترة، عانت المدينة العديد من التغيرات والتقلبات. ففى عام ٣٠١ هـ حدثت مجاعة كبرى أودت بحياة الكثيرين فى نيسابور. وفى بداية القرن الخامس الهجرى، كانت نيسابور مركزا لحركة الكرامين بزعامة أبى بكر محمد بن اسحاق. واحتل طغرل السلجوقى المدينة وجعلها عاصمة لبلاده وفى عام ٥٨٣ هـ استولى تكش خوارزم شاه على نيسابور وأعطاها إقطاعا إلى ابنه الأكبر مالك شاه. وفى ختام ٥٨٩ هـ أصبح قطب الدين محمد حاكما لنيسابور وانتزع بعدها مدينة مرو من يد غياث الدين وأخيه شهاب الدين. وابتليت المدينة أيضا -إلى جانب الحروب والثورات- بالزلازل مرارًا، حتى أن سكانها نزحوا إلى السهول أسفل المدينة. وفى ٦١٨ هـ، قام المغول بقيادة جانكيزخان بنهب المدينة عن آخرها. وبرغم ما أحدثه المغول من خراب ودمار أدى إلى انقضاء أيام العز والرخاء فى نيسابور، إلا أنها سرعان ما نهضت من تلك الغمة. وازدهرت المدينة ازدهارا كبيرا فى القرن الثامن الهجرى حتى أن ابن بطوطة أطلق عليها آنذاك اسم "دمشق الصغيرة" لخصوبتها ووفرة إنتاجها. كما أثنى على مدارسها وطلابها. وتدريجيًا، بدأت نيسابور تفقد أهميتها حتى عصر نهضتها فى أواخر القرن التاسع عشر. إلا أنها كانت لا تزال تنعم بخصوبة أراضيها

стр. 9860

ومكاسب مناجم الفيروز التى اشتهرت بها فى منطقة "بار معدن" وتقع مدينة نيسابور الحديثة عند خط طول ١٣ َ ٣٦ ْ وتفصل سلسلة جبلية بينها وبين وادى مشهد وطوس. وفى الجنوب، ينحدر منها عدة أنهار أشهرها نهر ديزباد الذى يروى أراضيها وينتهى عند الصحراء غربًا. كما توجد بها مقابر المشاهير من أبنائها مثل عمر الخيام وفريد الدين العطار. ووصل التعداد السكانى بها إلى ١٠٩.٢٥٨ نسمة عام ١٩٨٦ م. نيسابورى ظاهر الدين النيسابورى: مؤلف فارسى ومن أئمة العلم فى نيسابور كتب تاريخا قيما عن السلاجقة فى عهد طغرل الثالث بن أرسلان، آخر أعظم سلاجقة فارس. كان معلما لكل من السلطانين مسعود بن محمد وأرسلان ابن طغرل الثانى. أمينة محمد رضا [أ. بوسورث C.E.Bosworth] النيسابورى الحسن بن محمد بن حبيب بن أيوب أبو القاسم، أديب مشهور وفقيه زمانه فى العلوم القرآنية توفى فى ذى الحجة أو ذى القعدة ٤٠٦ هـ/ ١٠١٥ - ١٦ م. وقد كان كراميا ثم أصبح شافعيا. وقد نقل الحديث عن العالم الشافعى النيسابورى الشهير "أبو العباس الأصم" (المتوفى عام ٣٤٦ هـ/ ٩٥٧ - ٥٨ م) والكتب التى تنسب إليه تتعلق بالتفسير -وهناك كتاب التنزيل وترتيبه. ويشتهر النيسابورى كثيرا بكتابه "عقلاء المجانين" عن المجانين الأذكياء ويذكر منهم الجاحظ (المتوفى عام ٢٢٥ هـ/ ٨٦٨ - ٩ م) و"ابن أبى الدنيا القرشى" (المتوفى ٢٨١ هـ/ ٨٩٤ م) والبهلول ومجنون ليلى، وعددا من الرجال والنساء غير المعروفين. المصادر: (١) الذهبى: العبر فى خبر من غبر (الكويت ١٩٦١). (٢) السيوطى: طبقات المفسرين (تحقيق ع. م عمر القاهرة ١٩٧٦).

стр. 9861

- ابن العماد: شذرات الذهب (بيروت). بهجت عبد الفتاح عبده [فيدوا مالتى دوجلاس Fedwa Malti-Konglas] النيل أو نهر النيل -واحد من أكبر الأنهار (طوله ٦٦٤٨ كيلو مترا - ٤١٣٢ ميلا) كما أن دلتاه وواديه ساهما كثيرا فى نشأة وتطور مركز ثقافى له شخصيته واستقلاله فى الحضارة الإسلامية وكان لهذا المركز على مدى العصور المختلفة أثره البالغ فى الأحداث الثقافية والسياسية فى العالم الإسلامى، وهكذا ظل النيل فى العصر الإسلامى، يواصل الدور الذى كان يقوم به فى القرون التى سبقت مجئ الإسلام. ويرجع اسم النيل، أو نيل مصر كما يتردد كثيرا، إلى الاسم اليونانى "نيلوس" وقد ورد فى المصادر الأولية العربية المبكرة، بالرغم من أنه لم يرد فى القرآن الكريم (قد تكون "كلمة اليمّ" التى وردت فى سوة طه الآية ٣٩ تعنى النيل) وقد اعتاد المسيحيون أن يطلقوا على النيل اسم نهر "جيجون" وهو أحد أنهار الفردوس؛ ولكن المسلمين لم يتبعوهم فى ذلك لأنهم لايعرفون اسم جيجون إلّا لنهر واحد. يذكر الزمخشرى اسمًا آخر للنيل وهو "الفيض" وهى ولاشك إشارة ضمنية شعرية للفيضان السنوى. وفى العصور المتوسطة اكتسبت كلمة بحر فى العربية معنى النهر ولذلك أطلق على النيل بحر مصر (المقريزى) كما هو الحال بالنسبة إلى بحر يوسف وبحر الغزال وفى الدلتا يطلق على تفريعات النهر أحيانا اسم "النيل". وقامت معلومات المسلمين الجغرافية عن النيل فى جزء منها على الملاحظة المباشرة، وفى جزئها الآخر على الروايات الأسطورية أو شبه العلمية التى تعود إلى المعتقدات أو المعرفة الموروثة. ولقد ظلت حدود الأراضى الإسلامية على النيل لفترة طويلة فى العصور الوسطى محدودة فهى تنتهى عند الشلال الأول بالقرب من جزيرة "بيلاق" (فيلة) إلى الجنوب من أسوان وهنا كانت تبدأ الأراضى النوبية، منذ

стр. 9862

المعاهدة المعروفة بالبقط التى أبرمها عبد اللَّه بن أبى السرح مع النوبيين (البلاذرى: فتوح البلدان - ابن عبد الحكم: فتوح مصر) وكان يطلق اسم القصر على أول إقليم من أراضى النوبة. وقد حفظ لنا التراث التاريخى أجزاء من المراسلات (المزعومة) بين عمرو بن العاص والخليفة عمر، حول مصر وفيها وصف النيل بأنه نهر مبارك الروحات، على حين يمتدح الشعر الفيضان ووفرته؛ وتكشف هذه المراسلات أيضا أن الخليفة عمر لم يكن يريد أن يستقر الجيش العربى فى الإسكندرية، وذلك لأنه سيكون هناك حينئذ نهر عظيم يفصل بين الجيش والخليفة. وكانت المدن الرئيسية التى يمر عليها النيل فى مصر العصور الوسطى فى مصر العليا بين أسوان والفسطاط حسب ترتيب اليعقوبى هى إدفو وإسنا -وأرمنت والأقصر وقفط وأخميم- وأسيوط والأُشمونين وانصينا (فى مواجهة الأشمونين) وطحا والقيس ودلاص - (أصناس وأطفيح) على حين كان ابن حوقل أول من وضع جدولا للمسافات بين هذه المدن. وقبل الأشمونين بمسافة قصيرة تخرج من النيل إلى اليسار قناة كانت تحمل المياه إلى الفيوم يسميها ابن الفقيه "بنهر اللاهون" ويطلق عليها الإدريسى "خليج المنهى" وتجمع الروايات على أن الذى حفرها هو "يوسف" (وهى بحر يوسف فى أيامنا هذه) وعليها تقع ابهنسا ولم يصف الجغرافيون ضفاف النيل فى مصر العليا تماما، ولكننا نجد فى كل مكان التوكيد على أن الأراضى على الجانبين مزروعة دون انقطاع فيما بين أسوان والفسطاط ولكن عرض الأراضى المنزرعة كان يختلف باختلاف البعد أو القرب من سلاسل الجبال التى تحاذى النهر. ويصف ابن حوقل قطاعين ضيقين جدا، أحدهما فيما بين أسوان وأدفو والآخر فيما بين إسنا وأرمنت (جبل سلسيل الآن)، أما منحنيات النهر، وخصوصا فى الجزء الأعلى من الصعيد، فليست موضحة على خرائط الاصطخرى وابن حوقل -أما أقدم خريطة عربية موجودة الآن عن النيل- وهى فى الوقت نفسه أقدم خريطة

стр. 9863

عربية نعرفها- فتقدم لنا دلائل واضحة على أن مجراه المتعرج كان حقيقة معروفة وهذه الخريطة موجودة اليوم فى متحف ستراسبورج وتاريخها هو ٤٢٨ هـ/ ١٠٣٧ م وهى منتزعة من كتاب صورة الأرض للخوارزمى الذى يقدم لنا ومن بعده سُهراب (ابن سيرابيون) وابن يونس علامات دقيقة لخطوط الطول والعرض لمدن النيل. وتعرف كل المصادر العربية معرفة تامة أن مجرى النيل يجرى من الجنوب إلى الشمال ونصوص ابن حوقل هى الوحيدة التى تكاد تتضمن أن النيل كان يصل إلى الفسطاط من الجنوب الشرقى. أما دلتا النيل فتبدأ من شمال الفسطاط حيث تتسع المسافة بين سلسلتين من الجبال التى تقل فى الارتفاع كلما انحدرت إلى الصحراء ويكون هذا الانحدار تدريجيا، كما كانت إلى أدنى الفسطاط مباشرة بداية القناة التى حفرها "عمرو بن العاص" لتربط النيل بالبحر الأحمر. وقد شقت هذه القناة (التى عرفت بخليج مصر - أو خليج أمير المؤمنين) فى عام ٢٣ هـ/ ٦٤٤ م حسب رواية محمد بن يوسف الكندى (وذكرها المقريزى فى "الخطط" طبعة بولاق، وياقوت) وكانت تحمل المؤن إلى الحجاز حتى عهد "عمر بن العزيز" وقد أهملت بعد ذلك، بل إن الخليفة المنصور أمر بسدّها إلى أن انتهت فى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى عند "ذنب التمساح" فى البحيرات التى تقع إلى الشمال من القلزم (المسعودى - المروج). وعلى اثنى عشر ميلا شمالى الفسطاط بدأ الفرعان الرئيسيان للنيل فى الدلتا، وكان لهما -كما هو الحال الآن- تفريعات كثيرة كانت تتصل فى طرق كثيرة وتنتهى فى معظمها فى البحيرات الكبيرة التى تمتد خلف ساحل البحر من الغرب إلى الشرق وكان يطلق على هذه البحيرات فى العصور الوسيطة بحيرة مريوط (خلف الاسكندرية)، وبحيرة ادكو، وبحيرة البرلس "أو بحيرة البوشتيم" وبحيرة تنيس الشديدة الاتساع التى كانت تضم عددا كبيرا من الجزر أهمها تنيس. أما

стр. 9864

عند اللسان البرى حيث يفترق الفرعان الرئيسيان فكانت تقع مدينة "شطناف" ويمضى الفرع الغربى -كما هو الآن- إلى مدينة رشيد ليصل بعدها إلى البحر كما يتفرع هذا الفرع بالقرب من مدينة "شابور" فيتجه إلى الإسكندرية وينتهى فى بحيرة مريوط وكانت هذه القناة تمتلئ بالمياه فى وقت الفيضان فقط أما الفرع الشرقى فيمضى -كما هو الآن- تجاه دمياط ويصل إلى البحر بعدها بمسافة قصيرة، وكانت له تفريعات عديدة تفضى إلى بحيرة تنّيس وكانت لأفرع النيل دائما أثرها الحاسم فى التقسيم الادارى للدلتا، التى تطلق عليها المصادر أسفل الأرض أو "أسفل أرض مصر" وكان يطلق على المنطقة الواقعة شرقى الفرع الشرقى اسم "الحوف" أما المنطقة التى تقع بين الفرعين فتعرف (بالريف) (وكانت تطلق أحيانا على الدلتا بأكملها) أو بطن الريف، أما التى تقع إلى الغرب من الفرع الغربى فكان يطلق عليها البحيرة وبعد ذلك "الحوف الغربى" وحينئذ كان يطلق على الحوف الأصلى اسم الحوف الشرقى -وهذه التقسيمات تنقسم بدورها إلى قرى تتقرر حدودها بأهم الفروع، وكانت الوحدات الإدارية الأكبر تعتمد بعد ذلك أيضا على النهر. والوجه الجغرافى الحالى للدلتا إنما هو نتيجة لأعمال الرى الجديدة التى بدأت فى القرن التاسع عشر فى عهد محمد على، وأبرز هذه القنوات المحمودية قناة المحمودية التى شقت من فوّه على الفرع الغربى إلى الاسكندرية، ثم قنوات التوفيقية والمنوفية والبحيرة التى تمت فى عام ١٨٩٠ م، ثم قناة الإسماعيلية التى تربط النيل بقناة السويس. وفيما يتعلق بمجرى النيل جنوبى مصر، فإن الكتابات الجغرافية للمسلمين عنه تبدأ متأخرة إلى حد ما لتقدم المعرفة التى تقوم على الملاحظة المباشرة. ولكن هذه المصادر اقتنعت فى أول الأمر بأن النيل يأتى من بلاد النوبة. . أما بالنسبة لبقية النيل فكانت هناك مصادر قديمة من نوع مختلف ساعدت على اكتمال التصور الجغرافى لمجرى النيل العظيم. وقد تضمن هذا التصور منشأ النيل أيضا هذا المنشأ

стр. 9865

الذى ظل على الدوام مجهولًا عند العلماء الرحالة المسلمين على السواء ومع ذلك فثمة حقيقة غريبة وهى أن المعلومات حول هذا الموضوع والتى نجدها تتكرر فى المصادر الإسلامية بدءا مما كتبه الخوارزمى فصاعدا (٢١٥ هـ/ ٨٥٠ م) تعطينا فكرة عن منشأ النيل لا تتطابق تماما مع المعطيات التى تغطيها المصادر الكلاسيكية إذ يعد هذا التصور أن النيل يخرج من جبال القمر إلى الجنوب من خط الاستواء. ومن هذا الجبل تخرح عشرة أنهار تصل إلى بحيرتين تقعان على خط العرض نفسه ويخرج من كل بحيرة نهر أو أكثر يتدفق إلى الشمال حيث يصب فى بحيرة ثالثة ومن هذه البحيرة الثالثة يبدأ نيل مصر -وهذا التصور يتطابق جزء منه مع وصف بطليموس لمنابع النيل. ولا يزال ما وضعه الخوارزمى هو القاعدة الجغرافية، كما اقتبس الخوارزمى من بطليموس رافدا غربيا للنيل، يأتى من بحيرة على خط الاستواء، وقد يكون هذا النهر هو عطبرة، وفى فترة متأخرة يظهر ولأول مرة القول بأن هناك نهرا يرتبط بنظام النيل، يتدفق إلى الشرق ويصب فى المحيط الهندى كما جاء فى مروج الذهب للمسعودى وقد تبنى هذا الرأى مرة أخرى ابن سعيد والدمشقى. وثمة منهج آخر حول نشأة النيل ومنبعه يرتبط بالروايات اليهودية والمسيحية التى تجعل النيل يأتى من الجنة. وقد كانت نظرية العصور الوسطى فيما يتعلق بوصف الكون تضع الجنة فى أقصى الشرق، وعلى الجانب الآخر من البحر، حتى ليضطر النيل -مدر الأنهار الأخرى فى الجنة- إلى أن يجتاز البحر. وقد جرى وصف ذلك فى رواية قديمة -ربما كانت ذات أصل يهودى- عن رجل ذهب يبحث عن منابع النيل وكان عليه أن يعبر البحر ثم وصل بعد ذلك إلى الفردوس وقد سخر البيرونى من هذه الأقوال. ولنفس الأصل يمكن أن نرجع فكرة نجدها كثيرا فى المصادر الإسلامية وهى أن النيل عندما يرتفع، تنخفض مستويات الأنهار جميعا. هناك مجموعة من التصورات الجغرافية تربط الجزء الغربى من

стр. 9866

أفريقيا بالشبكة النهرية للنيل. وقد تصور هيرودت منشأ للنيل فى الغرب، وأخذ "يلينى" عن ليبيكا الذى جعل النيل ينبع فى موريتانيا الغربية. وقد شرح "ماركارت" وجهة النظر هذه بتحريف اسم نهر "توهول" الذى يقترن بوادى "تول" والذى ينشأ فى جبال أطلس الموريتانية ونجد بعض هذه المعلومات عند "ابن الفقيه" الذى يحدد منشأ النيل فى السوس الأقصى -ولأول مرة يقرن البكرى هذا النيل الغربى بنهر النيجر. ويضيف البكرى أن النيل يمر فى أرض السودان، ثم يذكر عددا من قبائل "البربر" و"سودان " ومدنهم التى تتاخم النهر. أما الإدريسى فيقول إن هذا النيل الغربى يخرج من ثالث بحيرات النيل الكبيرة (والتى ذكرناها قبلا) وهكذا يربط نيل السودان بنيل مصر فى نظام نهرى واحد. ويطلق الدمشقى وابن سعيد على هذه البحيرة الثالثة اسم بحيرة "كورا" التى يخرج منها ثلاثة أنهار هى نيل السودان ونيل مصر، ونهر ثالث يجرى إلى الشرق تجاه "مقديشو" فى بلاد الزنج على المحيط الهندى وهذا النهر الأخير -الذى يقول المسعودى إنه متصل بالنيل- ربما يتشابه مع نهر "وينى" فى الصومال. وقد كانت أقصى نقطة إلى الجنوب وصل إليها الفاتحون العرب هى دنقلة كما يقول الكندى وكان معروفا تماما أن هذه المدينة تقع على النيل. أما المسعودى فيقول أن النيل يقسم بلاد النوبة إلى قسمين ويضيف ابن حوقل مكانين توجد فيهما الجنادل أحدهما أعلى أسوان ويعرف بالشلال الأول والآخر بالقرب من دنقلة -وقد حدث فى الوقت نفسه تقريبًا أن كتب رحالة يدعى "ابن سُلَيْم الاسوانى" وصفا ذا قيمة كبيرة للمجرى الأوسط للنيل وكان القائد الفاطمى جوهر قد بعث ابن سليم إلى ملك النوبة فى مهمة دبلوماسية وهو مؤلف كتاب أخبار النوبة وألموقرّا وعَلْوا والبوجا والنيل، وقد وصف ابن سليم هذه البلاد وصفا مفصلا وهو يقول إن المنطقة بين أسوان ودنقلة يسكنها فى الشمال الماريون Maris وإلى الجنوب قبائل مقرا، أما الجزء الشمالى فأرض قاحلة، كما يصف الجنادل وصفا

стр. 9867

صحيحا -أما بين دنقلة و"علوا" (وهى منطقة الخرطوم) فمنطقة مزدهرة جدا- كذلك وصف الالتواء الكبير للنيل فى تلك المنطقة التى عندها يتفرع النيل إلى سبعة أنهار. ويتضح من الوصف أن النهر الشمالى من هذه الأنهار هو عطبرة الذى يأتى من الشرق. وإلى الجنوب يتصل النيل الأبيض والنيل الأخضر بالقرب من عاصمة "علوا" والنيل الأخضر الذى يأتى من الشرق هو أيضا "ثمرة" أربعة أنهار أحدها -كما يعتقد المؤلف- يأتى من بلاد الحبشة وواحد من بلاد الزنج كذلك تمتد بين النيل الأبيض والنيل الأخضر جزيرة كبيرة ليس لها حدود فى الجنوب ويكاد يكون هذا هو الوصف الوحيد الوارد فى المؤلفات الإسلامية فى العصور الوسطى الذى يوضح مدى ما وصلت إليه المعرفة عن النيل الأوسط. ومنذ نهاية القرن الثامن عشر كان اكتشاف أعالى النيل ومنابعه من عمل الرحالة الأوربيين. وقد اكتشفوا أو ربما أعادوا اكتشاف- بحيرات النيل الكبيرة. وقرنوا سلسلة جبال "روونزورى" بجبال القمر التى ذكرها "سبيك" باسم بلاد "أونيامونرى (بلاد القمر) ويرجع جزء من اكتشاف النيل أيضا إلى المبادرات المصرية. فالبعثة العسكرية الشهيرة التى خرجت عام ١٨٢٠ - ١٨٢٢ بقيادة اسماعيل باشا ابن محمد على -والتى انشئت فى أثنائها الخرطوم- وطدت سيطرة المصريين فى السودان المصرى وفتحت الطريق أمام اكتشافات علمية أخرى كما شاهدت الفترة الممتدة من ١٨٣٩ حتى ١٨٤٢ م ثلاث بعثات مصرية إلى النيل الأبيض وقد حاولت الحكومة المصرية عدة مرات فى عهد إسماعيل باشا تطهير النيل الأبيض أعلى السوباط من كتل النباتات التى كانت تعوق الملاحة. والفيضان السنوى للنيل هو الظاهرة التى تدين لها مصر فى كل العصور بخصوبتها ورخائها إذ إنه يوفر لها -تعويضا عن افتقادها التام تقريبًا للأمطار- الرى الطبيعى والمنتظم لأراضيها على ضفتى النيل وفى الدلتا. وهو مصدر كل الحياة الثقافية. وبنفس المنهج يعتبر النيل نهرا هاما مثل الفرات

стр. 9868

(المقريزى) كما أن الفيضان يؤثر بعمق فى الحياة الخاصة والعامة لأهل القرى وأهل المدن على السواء. وأقدم الروايات الإسلامية عن مصر تعكس مشاعر الإعجاب والامتنان. ويصل النيل إلى أدنى مستواه فى نهاية مايو عند أسوان وفى منتصف يونية فى القاهرة ثم يبدأ فى الارتفاع مرة أخرى حتى يصل إلى أعلى مستوى له فى بداية شهر سبتمبر عند أسوان وفى بداية أكتوبر عند القاهرة وهذا الانتظام يؤدى إلى انتظام مماثل فى أساليب الرى فى المناطق العديدة لمصر فى وقت زراعة المحاصيل المختلفة وحصادها، وبالتالى فى تحصيل ضرائب الأرض. وجميع التواريخ التى تشير إلى هذه الأعمال تتم على أساس التقويم الشمسى. ويوجد جدل كبير حول أسباب الفيضان فى الكتابات الواردة عنه وأقدم المعتقدات -التى تتطابق تماما مع الواقع- هو أن سبب الفيضان مياه الأمطار الكثيرة الغزيرة فى البلاد التى ينبع منها النيل وروافده. وقد ظهر هذا الرأى فى شئ من المبالغة فى رواية ترجع إلى عبد اللَّه بن عمرو بن العاص حيث يقول أن أنهار العالم تمنح مياهها لفيضان النيل بأمر إلهى (ابن عبد الحكم) وهناك آراء أخرى حول أسباب الفيضان منها حركة البحر وتأثير الرياح. وحتى القرن التاسع عشر كان نظام الرى فى مصر يسير على نفس الأسس فعندما يبدأ الفيضان تغلق كل المنافذ على جانبى النهر وفرعيه الأساسيين فى الدلتا، ثم تفتح بعد ذلك عندما يرتفع الفيضان إلى الارتفاع الضرورى حسب الأمكنة المختلفة ويكتمل الفيضان فى القاهرة عندما يصل إلى ستة عشر ذراعًا وحينذاك يعرف بوفاء النيل. ومنذ الأزمنة القديمة كانت هناك مقاييس للنيل لقياس ارتفاع مستوى النهر. وكان هناك مقياس فى أقصى الجنوب وهو مقياس "علوا" أما أشهر المقاييس فهو مقياس الفسطاط الذى أنشاه أسامة بن زيد المتوفى عام ٩٢ هـ/ ٧١١ م. ونحب أن نذكر أن تنظيم النهر الرئيسى وفروعه يعزى إلى ملوك مصر القدماء وهذا هو الذى ذكره المقريزى اعتمادا على ابن واصف شاه ولكن لم يكن هناك عمل على نطاق

стр. 9869

كبير للرى فى العصور الوسطى، باستثناء نظام القنوات الشهير فى الفيوم والذى يعزى إلى النبى يوسف. أما فى بقية البلاد فكانت المياه تجرى دون اهتمام بمراقبتها الأمر الذى كان يؤدى إلى إغراق مساحات كبيرة من الأرض. ومنذ عصر محمد على تم التخطيط لشبكات رى جديدة كان الهدف من إنشائها زيادة إنتاج البلاد. وقد فشلت أول محاولة عام ١٨٤٠ م بإنشاء حاجز كبير عبر فرعى النيل فى قمة الدلتا ولكن هذا العمل بدأ يؤتى ثماره بعد خمسين عاما بإنشاء مشروع القناطر الذى يتضمن رياح التوفيقية ورياح المنوفية ورياح البحيرة (الرياح التوفيقى - الرياح المنوفى - الرياح البحيرى) الذى تم عام ١٨٩٠ م وبدأت المشروعات الكبرى على أعالى النيل بإقامة خزان فى عام ١٩٠٢ م ثم أجريت له تعلية عام ١٩١٢ م وأيضا فى عام ١٩٣٣ م. ثم هناك قناطر "مكوار" بالقرب من سنار على النيل الأزرق وقد انتهى العمل منها عام ١٩٢٥ م ثم اكتمل بقناطر مماثلة على النيل الأبيض (١٩٣٧ م) وعلى عطبرة (١٩٦٤ م) وعلى النيل الأزرق (١٩٦٦ م) وبهذه الطريقة مضى التحكم فى مياه النيل إلى خارج مصر ذاتها؛ وهذا يجعلنا نستدعى أيام المجاعة الكبيرة فى عام ٤٥ هـ/ ١٠٥٩ م عندما اعتقد المصريون أن أهالى النوبة حبسوا عنهم فيضان النيل. وقد أثيرت المشكلة ذاتها فى الثلاثينات بالنسبة لمشروع بناء خزان على حدود السودان والكونغو (البلجيكى) ومدى الجدوى العاجلة أو الآجلة لمصر من وراء هذا المشروع ومنذ إعلان الجمهورية ١٩٥٣ م، كان أهم تغيير ملحوظ فى الجزء المصرى من مجرى النيل هو بناء السد العالى (١٩٥٩ - ١٩٧١ م) لتوفير المياه للرى فى المناطق الشديدة الانخفاض فى الوادى ولحماية البلاد من الفيضانات العالية وتوليد الطاقة الهيدروليكية. وقد كونت المياه المحجوزة بحيرة ناصر والسد وهى تمتد ٤٨٠ كيلو مترا أعلى النهر وقد كان الفيضان مناسبة لأعياد كثيرة شعبية مثل فتح قناة القاهرة، وعندما فتح العرب مصر كانت التضحية بعروس النيل لا تزال موجودة ويقول ابن عبد الحكم أن عمرو بن العاص منع هذه العادة واستأنف النهر فيضانه بعد إلقاء رسالة من الخليفة

стр. 9870

عمر بن الخطاب فى النهر تطلب منه أن يفيض إن كان من عند اللَّه، كما كانت تقدم فى أوقات متأخرة عروس رمزية للنيل فى عيد الصليب المسيحى، ويذكر إدوارد لينى أن هناك عمودا من الأرض بالقرب من خزان قناة القاهرة يطلق عليه اسم العروسة. . وهذا بالإضافة إلى عادة الاستحمام فى النيل وكان يمارسها المسلمون والمسيحيون على السواء فى عيد الغطاس وإن عاد فأشار إلى هذا الاحتفال مرة أخرى ولكنه أهمل الإشارة إلى اشتراك المسلمين. وكان الاستحمام فى النيل يعتبر بركة وقد ظلت الجنادل أعلى أسوان ولفترة طويلة عائقا أمام وصول الإسلام إلى الدول التى تتاخم النيل والتى تقع إلى الجنوب من مصر، الأمر الذى يتناقض مع الدور الذى لعبه النيل فى إدخال المسيحية إلى النوبة، وقد دخل الإسلام ببطء إلى النوبة وانتشر فى السودان فى القرن التاسع عشر فقط وقد ذخر الأدب العربى بقصائد المديح فى النيل. ويذكر المقريزى بعض تلك القصائد ومن بين الشعراء الذين ذكرهم "تميم ابن المعز" (المتوفى عام ٣٧٥ هـ/ ٩٨٥ م) و"ابن قلاقس" (المتوفى عام ٥٦٧ هـ/ ١١٧٢ م) ويذكر ياقوت بعض القصائد التى ينسبها إلى أمية بن أبى الصلت" ويحتمل أن يكون هو أبو الصلت أمية بن عبد العزيز (المتوفى ٥٢٨ هـ/ ١١٣٤ م) الذى كتب الرسالة المصرية وربما تكون أقدم القصائد العربية عن النيل هى تلك الموجودة فى "ديوان" ابن قيس الرقيات، شاعر البلاط لعبد العزيز بن مروان فى بداية القرن الثامن. ويقول ابن زولان فى كتابه فضائل مصر إنه ألف كتابا عن أهمية النيل وصفاته ويبدو أنه فقد. وهناك بحث بعنوان تبصرة الأخيار فى نيل مصر وأخواته من الأنهار من تأليف "جلال الدين المحلى" (المتوفى ٨٦٣ هـ/ ١٤٥٩ م) والسيوطى بالإضافة إلى مؤلفين صغيرين. المصادر: (١) على مبارك: الخطط التوفيقية. (٢) عمر طوسون: مذكرات حول تاريخ النيل (القاهرة ١٩٢٥). (٣) Edward Lane: Manners and Custams of Modern Egyptians بهجت عبد الفتاح عبده (ج. هـ كرامرز G.H.Kramers)

стр. 9871

ه ـ

стр. 9872

الهاتف هو تعريف للفظ تليفون فى العربية الحديثة وكان قبل ذلك يعنى الصوت الخفى الذى ينبئ عن أحداث تقع فى المستقبل، وفى الأغانى أن هاتفًا بشر بالنبى [ ﷺ ] وفى العهد القديم إشارة للهاتف فى الإصحاح ٢١: ٧٢٢, وعاموس إصحاح ٧: ١٦. د. يواقيم رزق [ت، فهد T. Fahd] هاروت وماروت يذكر القرآن الكريم فى الآية ١٠٢ من سورة البقرة عن بنى اسرائيل قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. وهى قصة ملكين هبطا من السماء وجعلا من نفسيهما معلمين للبشر لما حرمه اللَّه على الإنسان وتروى الأقاصيص التأويلية كيف وصلا إلى هذا الموقف، حيث قيل إن الملائكة أخذت تهجو البشر لما يقترفونه من آثام، فتحداهم اللَّه سبحانه إذا كانوا يفعلون ما هو أفضل لو كانوا فى نفس ظروف البشر، فقبل الملائكة التحدى، واختير الملكان هاروت وماروت للاختبار، فهبطا على ألا يقترفا الكبائر كالزنا والقتل وشرب الخمر. وأخفق الملكان فى الاختبار، واعترف الملائكة بعلم اللَّه. وخير الملكان أن يقضيا العقوبة فى

стр. 9873

الأرض أم فى الجحيم يوم القيامة، فاختارا الخيار الأول، فحبسا فى بئر فى بابل ينزل عليهما العقاب. ويرى الباحث [تحت تأثير أن القصة ليست سوى خرافة من مصادر أخرى] أن هذه القصة مقتبسة من سفر التكوين. أما بالنسبة لأصل الاسمين فلا يجد الباحث سوى كلمتين من الزرادشتية هما Haurvatat و Ameretat، الأولى بمعنى الكمال، والثانية بمعنى الخلود، ولكن الباحث يتعجب من كيفية أن الأسماء الإيرانية والقصة العبرية قد اجتمعا فى رواية واحدة وكيف وصلت هذه الرواية للجزيرة العربية فى القرن السابع. ثم يقول إن للقصة تفاصيل لم يذكرها وأنها منتقدة بعنف من رجال الدين المسلمين. على يوسف [ج. فاجا G. Vajd] هارون ﵇ هو هارون بن عمران ﵇، ورد ذكره فى كل من الكتاب المقدس والقرآن الكريم، وهو الأخ الأكبر لموسى ﵇ وساعده الأيمن ووزيره خلال دعوته إلى فرعون، وبعد خروج بنى إسرائيل من مصر. وتولى أمر بنى إسرائيل أثناء غياب موسى ﵇ لتلقى الوحى عند طور سيناء، وعندما اتخذ بنو إسرائيل العجل الذهبى الذى صنعه السامرى إلهًا من دون اللَّه، حاول منعهم، ولكنه عجز عن ذلك بسبب كفرهم وعنادهم واعتقادهم أن موسى ﵇ لن يعود. وحسبما يعتقد الإخباريون فى قصة موت هارون ﵇ التى استقوا بعض تفصيلاتها من الروايات اليهودية. ويتلخص هذا الاعتقاد فى أنه فى أحد الأيام اكتشف موسى وهارون ﵉ كهفًا ينبعث منه نور. وعندما دخلا الكهف، وجدا عرشًا ذهبيًا نقشت عليه "لمن يناسبه". ولم يتناسب العرش مع موسى ﵇، إلا أنه جاء مناسبًا لهارون ﵇ عندما جلس عليه، وعندئذ، أتاه ملك الموت وقبض روحه، وكان عمره آنذاك ١٢٧ عامًا. وعندما عاد موسى ﵇ إلى قومه بدون أخيه، اتهموه بقتله، إلا

стр. 9874

أن اللَّه أرسل ملائكة تحمل نعش هارون ﵇ وأعلنت براءة موسى ﵇ من دم أخيه. وفى رواية أخرى، أن موسى ﵇ أخذ قومه إلى قبر هارون ﵇ الذى أعيد إلى الحياة ليبرئ أخاه من قتله. المصادر: انظر الآيات التى وردت فى القرآن الكريم عن النبى هارون ﵇ وتفسيراتها والكتب الخاصة بقصص الأنبياء مادة هارون ﵇ والمصادر اليهودية المختلفة. وائل البشير [إيزنبرج G. Eisenberg] هبل هُبَل أحد الآلهة العربية التى كانت معبودة فى الجاهلية وقد دخل مكة على يد عَمرو بن لحىّ الخزاعى فى النصف الأول من القرن الثالث للميلاد حين خرج من مكة إلى الشام فى بعض أموره فرأى فى بعض الطريق قومًا يعبدون الأصنام، فسألهم صنما فأعطوه واحدا يقال له "هُبَل" ويختلف الكتاب فى موطن هبل الأصلى ومن أى بلد جاء به عمرو، فمن قائل إنه من بلدة اسمها "هنب" بأرض العراق وتقع على الفرات على تخوم الصحراء (مروج الذهب للمسعودى ٣/ ٣٢٨, ياقوت ٩٩٧) ولا تزال هذه البلدة حتى اليوم مشهورة بحماماتها الساخنة، ويقول آخرون بل جاء به عمرو بن لحىّ من "مأب" من أرض البلقاء (انظر ابن هشام، والمسعودى ٤/ ٤٦, والشهرستانى ٤٣١). ويقال إن ابن لحىّ الخزاعى سأل عباد الأصنام عن أصنامهم هذه فقالوا له هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا" فسألهم عمرو أن يعطوه واحدًا منهم من هذه "الأرباب" فأعطوه صنما يقال له "هُبَل" فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه، وكان موضع هبل على بئر بجَوف الكعبة، وكانت تلك البئر -كما يقول ابن هشام- هى التى يجمعون فيها ما يهدى إلى الكعبة، ويقال إن هذه البئر قد حفرها إبراهيم الخليل ﵇ ليجلب منها الماء.

стр. 9875

إن أقدم إشارة إلى اسم "هُبَل" وردت فى نقش نبطى، ويقول الأزرقى إن الناس فى مكة بالغوا فى عبادة هبل والتقرب إليه فجعلوا له "حاجبا" يحرسه، ويتلقى مايقدم إليه من هدايا وأضاح ويخرج القداح أمامه، وما كان لمكى أن يعود من سفره إلا ويذهب إلى هبل يشكره قبل أن يدخل داره، وقد غلبت عبادة هبل عبادة كل الأصنام الأخرى الموجودة بالكعبة ويذهب فلهوزن وديسو فى كتابه عن دخول العرب إلى الشام قبل الإسلام إلى أن عبادة الصنم هذه قد أدت إلى عبادة اللَّه، ولكن يعارض هذه الفكرة لامنس فى كتابه (النصارى بمكة) ولعل الحقائق الأولية بخصوص هذه العبادة الوثنية هى الواردة. فى مقال: T. Fahd: Une Pratique cler am antique a la Kaba Preisamique ويقول ابن اسحق إنهم يزعمون أن أول ما كانت عبادة الأحجار كانت فى بنى إسماعيل، فلا يظعن من أهلها ظاعن إلّا حمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيما للحرم. المصادر: (١) ابن هشام: السيرة. (٢) الأزرقى: تاريخ مكة. (٣) ياقوت معجم البلدان. (٤) الشهرستانى: الملل والنحل. مروان حسن حبشى [ت. فهد T.Fahd] الهبة إحدى الكلمات الكثيرة فى اللغة العربية للتعبير عن المقابل للكلمة الأنجليزية gift أى الهدية وهى الكلمة القانونية المعبرة عن ذلك. ويخدم تبادل الهدايا، أى نقل الملكية عن طيب خاطر أغراضا مادية ومعنوية. وفى الإسلام، لعبت دورها الطبيعى كعنصر هام فى دعم الروابط الاجتماعية، كما كان لها أثر كبير على الحياة السياسية، ويحفظ لنا التاريخ قدرا من أخبار الهدايا أكبر مما يحفظه عن المعاملات التجارية. ويذهب أحد التعاريف لكلمة "هبة" قال به الفقيه ابن نجيم إلى أنها "شئ يقدم دون نظير"، (وهو ما يميزها عن
следующие страницы →