الهاتف
هو تعريف للفظ تليفون فى العربية الحديثة وكان قبل ذلك يعنى الصوت الخفى الذى ينبئ عن أحداث تقع فى المستقبل، وفى الأغانى أن هاتفًا بشر بالنبى [ ﷺ ] وفى العهد القديم إشارة للهاتف فى الإصحاح ٢١: ٧٢٢, وعاموس إصحاح ٧: ١٦.
د. يواقيم رزق [ت، فهد T. Fahd]
هاروت وماروت
يذكر القرآن الكريم فى الآية ١٠٢ من سورة البقرة عن بنى اسرائيل قول اللَّه تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
وهى قصة ملكين هبطا من السماء وجعلا من نفسيهما معلمين للبشر لما حرمه اللَّه على الإنسان وتروى الأقاصيص التأويلية كيف وصلا إلى هذا الموقف، حيث قيل إن الملائكة أخذت تهجو البشر لما يقترفونه من آثام، فتحداهم اللَّه سبحانه إذا كانوا يفعلون ما هو أفضل لو كانوا فى نفس ظروف البشر، فقبل الملائكة التحدى، واختير الملكان هاروت وماروت للاختبار، فهبطا على ألا يقترفا الكبائر كالزنا والقتل وشرب الخمر. وأخفق الملكان فى الاختبار، واعترف الملائكة بعلم اللَّه. وخير الملكان أن يقضيا العقوبة فى
стр. 9873
الأرض أم فى الجحيم يوم القيامة، فاختارا الخيار الأول، فحبسا فى بئر فى بابل ينزل عليهما العقاب. ويرى الباحث [تحت تأثير أن القصة ليست سوى خرافة من مصادر أخرى] أن هذه القصة مقتبسة من سفر التكوين. أما بالنسبة لأصل الاسمين فلا يجد الباحث سوى كلمتين من الزرادشتية هما Haurvatat و Ameretat، الأولى بمعنى الكمال، والثانية بمعنى الخلود، ولكن الباحث يتعجب من كيفية أن الأسماء الإيرانية والقصة العبرية قد اجتمعا فى رواية واحدة وكيف وصلت هذه الرواية للجزيرة العربية فى القرن السابع. ثم يقول إن للقصة تفاصيل لم يذكرها وأنها منتقدة بعنف من رجال الدين المسلمين.
على يوسف [ج. فاجا G. Vajd]
هارون ﵇
هو هارون بن عمران ﵇، ورد ذكره فى كل من الكتاب المقدس والقرآن الكريم، وهو الأخ الأكبر لموسى ﵇ وساعده الأيمن ووزيره خلال دعوته إلى فرعون، وبعد خروج بنى إسرائيل من مصر.
وتولى أمر بنى إسرائيل أثناء غياب موسى ﵇ لتلقى الوحى عند طور سيناء، وعندما اتخذ بنو إسرائيل العجل الذهبى الذى صنعه السامرى إلهًا من دون اللَّه، حاول منعهم، ولكنه عجز عن ذلك بسبب كفرهم وعنادهم واعتقادهم أن موسى ﵇ لن يعود.
وحسبما يعتقد الإخباريون فى قصة موت هارون ﵇ التى استقوا بعض تفصيلاتها من الروايات اليهودية. ويتلخص هذا الاعتقاد فى أنه فى أحد الأيام اكتشف موسى وهارون ﵉ كهفًا ينبعث منه نور. وعندما دخلا الكهف، وجدا عرشًا ذهبيًا نقشت عليه "لمن يناسبه". ولم يتناسب العرش مع موسى ﵇، إلا أنه جاء مناسبًا لهارون ﵇ عندما جلس عليه، وعندئذ، أتاه ملك الموت وقبض روحه، وكان عمره آنذاك ١٢٧ عامًا. وعندما عاد موسى ﵇ إلى قومه بدون أخيه، اتهموه بقتله، إلا
стр. 9874
أن اللَّه أرسل ملائكة تحمل نعش هارون ﵇ وأعلنت براءة موسى ﵇ من دم أخيه. وفى رواية أخرى، أن موسى ﵇ أخذ قومه إلى قبر هارون ﵇ الذى أعيد إلى الحياة ليبرئ أخاه من قتله.
المصادر:
انظر الآيات التى وردت فى القرآن الكريم عن النبى هارون ﵇ وتفسيراتها والكتب الخاصة بقصص الأنبياء مادة هارون ﵇ والمصادر اليهودية المختلفة.
وائل البشير [إيزنبرج G. Eisenberg]
هبل
هُبَل أحد الآلهة العربية التى كانت معبودة فى الجاهلية وقد دخل مكة على يد عَمرو بن لحىّ الخزاعى فى النصف الأول من القرن الثالث للميلاد حين خرج من مكة إلى الشام فى بعض أموره فرأى فى بعض الطريق قومًا يعبدون الأصنام، فسألهم صنما فأعطوه واحدا يقال له "هُبَل" ويختلف الكتاب فى موطن هبل الأصلى ومن أى بلد جاء به عمرو، فمن قائل إنه من بلدة اسمها "هنب" بأرض العراق وتقع على الفرات على تخوم الصحراء (مروج الذهب للمسعودى ٣/ ٣٢٨, ياقوت ٩٩٧) ولا تزال هذه البلدة حتى اليوم مشهورة بحماماتها الساخنة، ويقول آخرون بل جاء به عمرو بن لحىّ من "مأب" من أرض البلقاء (انظر ابن هشام، والمسعودى ٤/ ٤٦, والشهرستانى ٤٣١). ويقال إن ابن لحىّ الخزاعى سأل عباد الأصنام عن أصنامهم هذه فقالوا له هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا" فسألهم عمرو أن يعطوه واحدًا منهم من هذه "الأرباب" فأعطوه صنما يقال له "هُبَل" فقدم به مكة فنصبه وأمر الناس بعبادته وتعظيمه، وكان موضع هبل على بئر بجَوف الكعبة، وكانت تلك البئر -كما يقول ابن هشام- هى التى يجمعون فيها ما يهدى إلى الكعبة، ويقال إن هذه البئر قد حفرها إبراهيم الخليل ﵇ ليجلب منها الماء.
стр. 9875
إن أقدم إشارة إلى اسم "هُبَل" وردت فى نقش نبطى، ويقول الأزرقى إن الناس فى مكة بالغوا فى عبادة هبل والتقرب إليه فجعلوا له "حاجبا" يحرسه، ويتلقى مايقدم إليه من هدايا وأضاح ويخرج القداح أمامه، وما كان لمكى أن يعود من سفره إلا ويذهب إلى هبل يشكره قبل أن يدخل داره، وقد غلبت عبادة هبل عبادة كل الأصنام الأخرى الموجودة بالكعبة ويذهب فلهوزن وديسو فى كتابه عن دخول العرب إلى الشام قبل الإسلام إلى أن عبادة الصنم هذه قد أدت إلى عبادة اللَّه، ولكن يعارض هذه الفكرة لامنس فى كتابه (النصارى بمكة) ولعل الحقائق الأولية بخصوص هذه العبادة الوثنية هى الواردة. فى مقال: T. Fahd: Une Pratique cler am antique a la Kaba Preisamique
ويقول ابن اسحق إنهم يزعمون أن أول ما كانت عبادة الأحجار كانت فى بنى إسماعيل، فلا يظعن من أهلها ظاعن إلّا حمل معه حجرًا من حجارة الحرم تعظيما للحرم.
المصادر:
(١) ابن هشام: السيرة.
(٢) الأزرقى: تاريخ مكة.
(٣) ياقوت معجم البلدان.
(٤) الشهرستانى: الملل والنحل.
مروان حسن حبشى [ت. فهد T.Fahd]
الهبة
إحدى الكلمات الكثيرة فى اللغة العربية للتعبير عن المقابل للكلمة الأنجليزية gift أى الهدية وهى الكلمة القانونية المعبرة عن ذلك.
ويخدم تبادل الهدايا، أى نقل الملكية عن طيب خاطر أغراضا مادية ومعنوية. وفى الإسلام، لعبت دورها الطبيعى كعنصر هام فى دعم الروابط الاجتماعية، كما كان لها أثر كبير على الحياة السياسية، ويحفظ لنا التاريخ قدرا من أخبار الهدايا أكبر مما يحفظه عن المعاملات التجارية.
ويذهب أحد التعاريف لكلمة "هبة" قال به الفقيه ابن نجيم إلى أنها "شئ يقدم دون نظير"، (وهو ما يميزها عن
стр. 9876
الرشوة). وفى محاولة للتمييز بينها وبين الكلمات التى تؤدى نفس المعنى تقريبًا، دون سند من أصل لغوى، قيل إن الهبة تكون ممن هو أعلى لمن هو أدنى، ومن ثم تنسب للَّه بالنسبة للإنسان. أما الهدية فتتضمن معنى محاولة شخص فى درجة اجتماعية أقل لأن يتودد لشخص فى درجة أعلى (وهى بذلك لا يمكن أن تستخدم فى العلاقة مع اللَّه، "الفروق اللغوية"، أبو هلال العسكرى، القاهرة ١٣٥٣ هـ، ومع ذلك، فابن قتيبة لا يرى فروقا اجتماعية متعلقة بالهدية، "عيون الأخبار" طبعة القاهرة، ١٩٤٦ م). أما الغرض من الإعطاء فيبدو من الاستخدامات اللغوية، ومن ثم ففى العربية الجذر م. ن. ن. (منّ، منّا) يقصد به إلحاح من المعطى على تذكير المعطى له بفضله، الأمر الذى يحذر منه القرآن الكريم.
والكرم من الشيم المعتبرة ومن الفضائل قبل الإسلام والتى من الطبيعى أن تكون تعبيرًا عن الضيافة وقد أبقاه الإسلام كعادة يجدر اعتبارها وعلى ذلك فيجب الأخذ فى الاعتبار قدر المهدى له وقدر الهدية، حتى تكون معبرة عن السخاء. ولا تفتأ قصص الكرماء تثير الإعجاب لدى القراء المسلمين، خاصة حينما تقابل بقصص البخلاء. وعلاوة على ذلك فالإسلام قد أدخل معنى "الصدقة"، لتجمع بين مفهوم الكرم كما عرف قبل الإسلام، مع مفهوم التعاطف مع حاجة المتلقى لتكون فضيلة من أكبر الفضائل.
والهدايا بين المتساوين تعتبر من دعائم الصداقة، وهى محبذة دينيا لذلك، كما تقدم فى مناسبات كالأعياد والمناسبات الشخصية المفرحة، وكثيرا ما كانت تصاحب بقطع شعرية أو نثرية، منها ما خلده الأدب.
وفضلا عن هذا الاستخدام للهدايا، فى مجال الكرم والصداقة فهى تقدم من أو إلى أصحاب المناصب لأغراض سياسية. فكلما ارتفع المنصب السياسى، زاد التوقع من صاحبه أن يضمن ولاء أتباعه بما يغدقه عليهم. ومن ثم فإن الهدايا الثمينة من الخلفاء للوزراء كان علامة على قوة السيطرة
стр. 9877
والنجاح السياسى. وكانت بصورة ما تعتبر نوعا من الدخل الوظيفى. كما أن المنح التى كانت تقدم للشعراء والأدباء كانت تعتبر من قبيل الوفاء بالتزام الدولة برعاية الفنون والآداب. وهكذا كانت هدايا الحكام ينظر إليها كنوع من أنواع الإنفاق العام.
أما تقديم الهدايا لأصحاب المناصب فقد كانت مقابل المهام التى يضطلعون بها أو مكافاة على خدماتهم فقد كان فى بعض الأوقات ينظر إليه كقاعدة متبعة، وكمصدر للدخل بالنسبة لبعض أصحاب المناصب العالية، كما كان ينظر إليه أيضا كصورة من الفساد الأخلاقى والإنحطاط السياسى ومن الصعب علينا تقدير إلى أى مدى لعب ذلك فى تقويض النظم السياسية فى العهود الغابرة، إذ كان من منظور آخر عامل هدم يقوض بنيان المجتمع. على أن الخط الفاصل بين ما يمكن اعتباره أمرًا مقبولا ورشوة غير قانونية هو أمر صعب التحديد نظريا وعمليا. وكانت هذه المشكلة ملموسة، ووضعت حلول لمواجهتها تكشف عن وعى بأهميتها، ولكنها كانت فى الغالب غير مؤثرة.
وأخيرًا، فقد لعبت الهدايا دورا مؤثرا فى العلاقات الدولية بين الحكام المسلمين وغيرهم كعرف دبلوماسى جرى عليه العمل. ولم يكن أصحاب المناصب الأدنى يستبعدون من ذلك. وكانت قيمة الهدية تقدر بحسب قدر المهدى والمهدى إليه، وأيضا بحسب نوع المهمة السياسية وأغراضها. كما كانت تلك الهدايا تعكس مدى التقدم والرخاء الاقتصادى للدولة المقدمة منها الهدية، وتطور الأنشطة فيها.
وكانت مثل هذه الهدايا تدخل فى نطاق الالتزام القانونى، أسوة بما كان متبعا فى مجتمعات ما قبل الإسلام والمعاصرة للإسلام. وقد جرت محاولات لوضع قواعد تنظم قبول الهدايا وتعرضت للنقد الفقهى.
وبالإضافة إلى ما يتم بين البشر، فهناك المعنى الدينى المتعلق باللَّه كواهب للنعم. فكل ما فى الوجود، بما فيه الإنسان ذاته، هو "نعمة" إلهية، ذلك بالإضافة للنعم الأخرى كالذكاء والعطاء الإنسانى ويعتبر الصوفيون أى تقدم فى طريق
стр. 9878
تصوفهم أو كرامات تتحقق لهم من النعم أو "المواهب". ولما كانت نعم اللَّه منحًا إلهية لا يمكن رد مقابل لها، فإن الشكر والامتنان عليها يصبح واجبا دينيا، وذلك بطاعة الأوامر الإلهية وفعل المعروف، إلا أنه مهما فعل الإنسان فلا يمكنه أن يوفى اللَّه سبحانه حقه من الشكر. ويعطى ذلك للإنسان مثلا يحتذى به، إما فى إعطاء الهبات دون نظر لمقابل، أو فى نسيان البشر لما يعتريهم من ضعف فى الوفاء بحق الشكر على ما يقدم لهم من عطايا.
على يوسف [ر. روزنتال F. Rosenthal]
هجاء
لفظ غالبا ما يكون مرادفًا للذم ولكنه من الناحية الاصطلاحية غرض من أغراض الشعر العربى ثم فى الشعر والنثر على سواء يتضمن نقدا لاذعا وقدحا مشينا للمهجو وهو ما يقابل "المدح " الذى تمجد فيه خصائص الممدوح وكان هذا النوع من الأدب منتشرا منذ العصر الجاهلى، إما كمقتطفات متفرقة أو كقصيدة متكاملة. ويرى جولدتسيهر الذى يعتبر أول مستشرق يدرس بجدية أهمية الهجاء وآثاره الاجتماعية فى البيئة العربية، أنه بدأ على صورة السجع، فالرجز، إلى أن تطور إلى شكل القصائد، وطبقا لنظريته فالهجاء قد بدأ على صورة سجع الكهان حين يستنزلون اللعنات بعبارات مهيبة مسجوعة على رأس الشخص المعادى.
ويروى فى تاريخ الأدب العربى قصص عن الأثر الذى يخلفه الهجاء، وكيف خلد آثارا كان من الصعب التخلص منها على مر الأيام، سواء على مستوى الأشخاص أو القبائل.
وقد كان رد الفعل إزاء الهجاء عنيفا بصفة عامة، سواء فى السلم أو الحرب، وصل أحيانا إلى قتل الهاجى انتقاما منه، أو قطع لسانه. وقد كانت قصائد الهجاء سببا فى حروب القبائل، لكن العرف السائد كان أن يتحدى المهجو هاجيه للمبارزة، ما لم يكن متصفا بالحلم، وفى العصور المتأخرة، حين كانت ردود الأفعال ضد الهجاء أقل عنفا، ظل الخوض فى هذا
стр. 9879
النوع من الأدب لا يخلو من مخاطر، مما دفع الكثير من الشعراء إلى التردد قبل نظم قصائد هجائية.
وتذهب بعض الدراسات إلى محاولة التفرقة بين الهجاء الشخصى والجماعى، ولكن الفروق بين نوعى الهجاء ليست قاطعة، بسبب ما يلجأ إليه الشعراء أحيانا من تعميم عيوب شخص على قبيلته، خاصة إذا كان يحتل درجة زعامة فيها، أو هجاء شخص بعيب شاع فى قبيلته.
وبصفة عامة، فما يلصق بالشخص من عيوب هى كل الصفات التى تشين المرء لمنافاتها لمكارم الأخلاق كما تعرفها البيئة العربية: الجشع، البخل، القعود عن إكرام الضيف، الغباء، الجبن والخور، الشك فى النسب واختلاط الدم، الخ. أما على المستوى الجماعى فيدور الهجاء حول ضآلة العدد، ضعف الجماعة وما منيت به من هزائم، انخفاض شأن شعراء وأدباء القبيلة، انحلال النساء، ما قد يذكره التاريخ للقبيلة من فعل قبيح كأكل لحم الكلاب، وهكذا. وبقدر ما كانت العيوب شائنة، بقدر ما كان نجاح القصيدة. ويمكن أن نستشف الكثير من صور الحياة البيئية المندثرة من مثل تلك القصائد.
والمديح أصعب من الهجاء بوجه عام، حيث أن المبالغة فى المديح أمر لا يصعب اكتشافه، بينما قصائد الهجاء تستمد قوتها من قسوة ما بها من قدح، خاصة فى مجتمع تسود فيه روح الكراهية والعداء. بل إن ابن سلام فى "طبقات فحول الشعراء" يربط بين وفرة الانتاج الشعرى فى الجاهلية وكثرة المنازعات الحربية، ومن ثم يرى أن قريشا لم تعرف بالكثير من الشعر لعدم خوضها حروبا قط.
وقد لعب الهجاء دورا مهما فى المواجهة بين المسلمين والكفار. وإذا كان القرآن قد ذم الشعراء، فهو قد استثنى منهم المؤمنين وقد استعمل الرسول [ ﷺ ] رغم عزوفه هو ذاته عن قرض الشعر - شعراء يدافعون عن الإسلام، وهو ما يبين الأثر الخطير للشعر فى تلك البيئة، حتى أن الرسول [ ﷺ ] وصفه بأنه أقوى أثرا من السهام. ومن
стр. 9880
أشهر شعراء الرسول [ ﷺ ] حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد اللَّه بن رواحة.
وقد كان الهجاء مستهجنا فى عصر الخلفاء الأول، لمنافاته لروح الإسلام. ومع ذلك فقد ظل يمارس ويشجع ويخشى أثره لأسباب دينية أو سياسية أو عرقية. وقد استغل بداية فيما قد يوصف بـ "شعر الجيوش". ومن ثم لم يكن له قوته المعهودة فى الجاهلية إلا حين يكون الخصم عربيا يتأثر بما يوجه إليه من هجوم. ولهذا لعب الهجاء دورا فى المنازعات التى حدثت فى عهد الفتنة الكبرى، كموقعة الجمل كما عرف الخوارج بأشعارهم البليغة.
كما لعب الهجاء دورا شبه رسمى، حيث أحاط الخلفاء أنفسهم بشعراء يردون عنهم كيد شعراء خصومهم. ومن أمثلة هؤلاء الشعراء الأخطل الذى انخرط أثناء قيامه بهذا الدور فى النزال الهجائى الذى دار بينه وبين الفرزدق وجرير. ولكن الهجاء فى هذه المرحلة فقد دوره الاجتماعى، وأصبح مجرد تعبير من المشاعر عن رأيه فى الخصم.
ويتميز ذلك عن نوع آخر من الهجاء ظهر فى بدء العصر الإسلامى وهو هجاء الابتزاز بقصد التكسب. وقد شاع هذا النوع فى القرن الثانى الهجرى/ الثامن الميلادى.
وظهر فى نفس الفترة شعراء يمارسون الهجاء لا لشئ سوى التلذذ بإهانة الأعداء، وأحيانا الأصدقاء. وقد حوى "الأغانى" العديد من هذه الأشعار، لشعراء مثل بشار بن برد وحماد بن عجرد وابن مناظر ودعبل وغيرهم.
وقد انحسر شعر الهجاء نسبيا فى أواخر القرن الثانى للهجرة/ التاسع للميلاد مع ازدهار اتجاه جديد فى الشعر الكلاسيكى، ولكن الأمر لم يخل من شعراء مثل ابن الرومى الذى برع فى هذا الفن، وأبو تمام والبحترى ثم المُتنبى. ولكن أعمال هؤلاء لا يمكن أن تقارن بمن سبقوهم فى القرن الثانى أو الشعراء التالين لهم كأمثال ابن الحجاج أو ابن الحبارية.
ويذهب المنظرون إلى الحد من موضوع الهجاء بقصره على رفض كل
стр. 9881
مكرمة وإلحاق كل نقيصة أخلاقية بالمهجو فى حقهم، دون الخوض فى العيوب الجسمانية، أو -عند البعض- قلة العدد. كما يرفض البعض أن يكون الهجاء فاحشا مستشهدين بقول أبى عمرو بن العلاء: "أفضل الهجاء ما يمكن أن ترويه فتاة دون أن يخدش حياءها" على أن ابن رشيق يرى أن الأمر هو مناسبة المقام، وإن كان يفضل ما كان متحفظا مبنيا على الإيحاءات اللطيفة دون المعتمد على التأكيدات المبالغ فيها. وفى الأندلس حيث كانت القيم الشرقية مراعاة بأمانة، نجد ابن بسام يرفض أن يضمن مقتطفاته الأدبية الهجاء كى لا يفسدها على حد قوله. ولكن معاصروه مثل الفتح بن خاقان لم يتورعوا عن مهاجمة رفقائهم ولكن فى حدود اللياقة والأدب.
أما عن ناحية الخصائص الأسلوبية فلغة الهجاء سهلة واضحة، عدا بعض المقتطفات التى يؤدى ما بها من الخيال إلى بعض الغموض.
ولما كان الهجاء شعريا فى نشأته، فليس لنا أن نتوقع قطعة نثرية تعالجه. ولكننا فى القرن الثالث الهجرى نشهد بعض القطع النثرية التى تناولت هذا الغرض الأدبى، فنجد الجاحظ يضمن كتابه "التربيع والتدوير" نصوصا لاذعة على أرقى مستوى، أو يرسم صورة ساخرة لمحمد بن الجهم البرمكى، أو يداعب بعضا من أصدقائه فى "الرسائل" بعبارات فكهة دون قصد سيئ. وفى القرن التالى نجد أبا حيان التوحيدى، خليفة الجاحظ، يطور هذا الفن فى كتابه "مثالب الوزيرين" وفى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى قام الشاعر والكاتب الأندلسى ابن شهيد برسم صور ساخرة غاية فى العذوبة، نجد فيها فنا أدبيا راقيا لا علاقة له بما ذكرناه سابقا. ولعلنا نشير هنا للـ "مقامات" التى تحتوى بدورها على صور ساخرة رائعة.
وكون الهجاء ينتمى للأدب الكلاسيكى لم يمنع بقاءه إلى يومنا هذا، ليس فقط فى أشعار العامية. إلا أن موضوع الهجاء قد تغير جذريا، فنجده موجها ضد المحتلين، والحكومات، والأحزاب المعارضة، بالإضافة إلى تحريم الفحش والبذاءة.
стр. 9882
المصادر:
طه حسين، فى الأدب الجاهلى، القاهرة ١٣٢٧ هـ عباس العقاد، ابن الرومى القاهرة، ١٩٣١ م
على يوسف [س. بلات Ch. Pellat]
الهجرة
الهجرة هجرة محمد [ ﷺ ] من مكة إلى المدينة فى سبتمبر ٦٢٢ م. وأصل الفعل "هجر" بمعنى أن يقطع شخص علاقته بآخر أو يتجنب مصاحبته كما ورد فى الآية ٣٤ من سورة النساء: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ. . .﴾ , والآية ١٠ من سورة المزمل: ﴿. . . وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾. والأصل الثالث هو هاجر بمعنى الانقطاع لعلاقة صداقة بين طرفين. وكلمة هجرة لا تعنى إذن "الفرار" ولكن تحمل أساسا معنى قطع رابطة القرابة.
والسبب فى ترك محمد [ ﷺ ] مكة هو فقد الدعم الذى كان يجده من "أبو طالب" بعد وفاته، وانتقال زعامة قبيلته إلى أبى لهب الذى كانت له علاقات تجارية مع ألد أعدائه من المشركين. وكان على محمد [ ﷺ ] أن يجد حماية "جوار" قبيلة نوفل بعد عودته من الطائف، مما يوحى بأن عمه أبو لهب قد رفض حمايته. وبعد عدة محاولات بذلها الرسول [ ﷺ ] ليجد بيئة لنشر دعوته، منها زيارته للطائف، استطاع أخيرا أن يعقد اتفاقا ناجحا مع ممثلى يثرب فى العقبة فيما يعرف بـ "بيعة الحرب" لكون أهل المدينة وافقوا على حماية محمد [ ﷺ ] بقوة السلاح، لو دعت الضرورة لذلك. وحتى قبل ذلك شجع الرسول [ ﷺ ] أتباعه على التوجه للمدينة حتى لم يبق فى مكة سواه وأبو بكر وعلى ونساؤهم. ولكن قريشا قد ساورها الشك، (وليس كل ما يروى عن الهجرة مؤكدا)، فوافقت القبائل على أن يقوم شاب من كل قبيلة بضرب محمد [ ﷺ ] ضربة واحدة، فتضطر قبيلته أن تقبل الدية فيه، لعجزها عن محاربة القبائل كلها أخذا بثأره. ولكن محمدًا [ ﷺ ] يتمكن من الهجرة بصحبة أبى بكر سرًا، تاركا عليًا مكانه على سبيل التمويه ويصحب أبا بكر، وهى الحادثة التى ذكرها القرآن الكريم فى الآية ٤٠ من سورة التوبة بقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ
стр. 9883
فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. وقضى الاثنان ثلاثة أيام فى كهف، ثم صاحبهما عامر بن فهيرة، أحد عتقاء أبى بكر، وأعرابى كدليل، ممتطين راحلتين واتخذوا طريقا غير مألوف للمدينة، فوصلوا قباء فى ١٢ ربيع الأول (طبقا لرواية ابن إسحق الموافق ٢٤ سبتمبر ٦٢٢ م والسبب فى اضطرار محمد [ ﷺ ] للاختفاء أثناء الرحلة غالبا أنه فقد جوار نوفل بخروجه من مكة. وهو فى طريق الوصول إلى المدينة لن يكون فى حماية أتباعه فى المدينة.
وفى الوثيقة التى تسمى أحيانا بدستور المدينة فإن هؤلاء الذين قاموا بالهجرة يسمون بالمهاجرين، ولهم وضع موحد فى مقابل الأنصار فى المدينة.
وقد أصبح للمهاجرين فى المدينة وضع متميز وأحيانا ما كان يخول أولوية فى العطاء [لم يذكر الباحث أن هذا كان بسبب فقد المهاجرين أموالهم بسبب الهجرة]. وأحيانا كان وضع المهاجرين يعطى لمن لم يهاجر بالفعل من مكة للمدينة، فعد من فئة المهاجرين الأعراب الذين عقدوا مع الرسول [ ﷺ ] "بيعة الهجرة" واستقروا معه فى المدينة كموالى له. وهؤلاء الذين هاجروا للحبشة سنة ٦١٥ م ثم عادوا قبل هجرة الرسول [ ﷺ ] لمكة ثم هاجروا معه يسمون "ذوو هجرتين" كما أن قبيلة مزينة قد اعتبرت من المهاجرين دون استقرارهم فى المدينة، وهو نفس الأمر مع أسلم وخزاعة.
هذا وقد اعتبر نافع بن الأزرق، زعيم الخوارج الأزارقة، أتباعه هم المسلمون الحقيقيون وسماهم "المهاجرون"، وهم من صاحبه فى معسكره الذى سماه "دار الهجرة".
ويؤرخ المسلمون بالهجرة، وهو ما يميز بالحرفين A.H. (= ANNO HEGIRAE) ولا يطابق ذلك يوم وصول محمد [ ﷺ ] للمدينة، ولكن أول يوم فى السنة القمرية التى حدثت فيها هذه الحادثة وهو ما يقابل ١٦ يوليو ٦٢٢ م، وإن كان ذلك ليس مؤكدا تماما.
على يوسف [مونتجمرى وات W. Montgomery Wat]
مراجعة د. محمد الشحات الجندى
стр. 9884
الهدائى
هو محمود بن فضل اللَّه بن محمود، ولد فى "قُشْحِصار"سنة ٩٥٠ هـ (= ١٥٤٣ - ١٥٤٤ م)، ونكاد لا نعرف شيئا عن سنواته السبع والعشرين الأولى من حياته، إلّا أنه ذاق اليتم منذ فجر طفولته وإلّا أنه قضى بضع سنوات من عمره فى "سفر حصار" حيث أتيح له الاتصال بتلاميذ الشيخ "بابا يوسف"، فلما كان عام ٩٧٨ هـ (= ١٥٧٠ م) دخل فى خدمة "ناظر زاده" فى مدرسة سليم الثانى فى "أدْرنه"، وهذا ما يقرره عطائى فى كتابه ذيل الشقائق النعمانية، وقد تبع الهدائى شيخه حين اختير شيخه قاضيا بدمشق أولًا ثم بالقاهرة وأخيرا فى "بُرْصة"، وتولى الهدائى وظيفة نائب القاضى فى محكمة الجامع العتيق والتدريس فى المدرسة الفرهدية، ثم جرى فى أعقاب ذلك أزمة دينية، خُلع فيها من نيابة القضاء، وقيل إن ذلك الخلع يرجع إلى خطئه فى مسألة شرعية، فلما انتقل راعية ناظر زاده إلى "أدرنة" وذلك بعد الرابع من رجب ٩٨٣ هـ (= ٩ أكتوبر ١٥٧٥ م) ظل الهدائى فى "بُرْصة" حتى إذا كان أول ذى القعدة سنة ٩٨٤ هـ (= ١٨ يناير ١٥٧٧) انخرط فى سلك أتباع الشيخ أُفْنَاد مؤسس الطائفة الجلواتية، ثم فقد وظيفته بالمدرسة فى ختام سنة ١٥٧٨ م وعضَّه الفقر بنابه وقد ظل فى هذه الطائفة ثلاث سنوات حتى السبت أول ذى القعدة ٩٨٧ هـ (= ١٩ ديسمبر ١٥٧٩ م) - وقبل موت أفناد ببضعة أشهر قلائل بعثه الأخير فى مهمة إلى سفر حصار، وتلتها مهمات أخرى ذكرها النابلسى فى كتابه شرح التجليات الهدائية، ثم استقر به المطاف أخيرا فى القسم الآسيوى من استانبول، ثم عُيِّن أخيرا فى جمادى الآخرة ١٠٠٢ هـ واعظًا فى مسجد محمد الثانى وذلك بسعْى محمود من جانب قاضى عسكر روملى واسمه صُنع اللَّه فلما فرغ من إكمال بناء جامعه الخاص سنة ١٠٠٣ هـ = ١٥٩٤ م استقال من وظيفته هذه كواعظ، وأخذ نفسه كل يوم خميس بالخطبة فى جامع "مِهْرِماه"، حتى إذا
стр. 9885
كانت سنة ١٠٢٠ م، راح يعظ الناس كل يوم اثنين من أول كل شهر، فى جامع السلطان أحمد وظل على هذا المنوال حتى وافاه أجله سنة ١٠٣٨ هـ (= ١٦٢٨ م) ومجمل القول إن الهدائى كان يتمّتع بتقدير عظيم جدا فى قومه، وكان بيته ملاذ جميع كبار موظفى الدولة الذين حل عليهم غضب أولى الأمر، وإذا كان "أفناد" هو الذى أسس طائفة "الجلواتية" فممَّا لاشك فيه أن الفضل فى استمرار وجودها يرجع إلى "الهدائى".
وتوجد بين أيدينا بضع قصائد للهدائى عليها مسحة التصوف وبعض مؤلفات له صغيرة تتعلق بالأمور الدينية، قام بطبع جزء منها جِيْلِشْن فى كتاب سماه "كليات حضرتى هدائى" وقد طبع فى استانبول ١٣٣٨ م، كذلك وصلت إلينا بعض رسائل ومذكرة بالعربية بدأ فى كتابتها منذ أن ارتبط بأفناد وقد استقينا منها الأحداث الهامة التى مر بها فى حياته، وقد جعل عنوان المذكرات عن الأحداث التى جرت منذ محرم ٩٨٥ هـ حتى التاسع من شوال ٩٨٧ هـ (= مارس ١٥٧٧, إلى ٢٧ نوفمبر ١٥٩٧ م) هو: "كلمات عن التبر المسبوك فيما جرى بين حضرة الشيخ وبين هذا الفقير فى أثناء السلوك".
أما القسم الذى يتعلق بما جرى منذ أول ذى القعدة سنة ٩٨٧ هـ حتى ربيع الأول ١٠٢١ هـ (= ١٩ ديسمبر ١٥٧٩ م حتى مايو ١٦١٢ م)، فهو قطع صغيرة مبعثرة فى المكتبات ودور الكتب وعنوانها "التجليات" ولقد قام عبد الغنى النابلسى وكتب شرحا وتفسيرا على قسم من هذا الجزء. أما فيما يتعلق بصور هذه الكتب وترجماتها فانظر الجزء الأول من كتاب بلد كانو شتينرهر، ص ٢ - ٥, ١٠ - ٢١.
المصادر:
(١) حاجى خليفة: فذلكة (استانبول ١٢٨٧ م).
(٢) إسماعيل حقى: كتاب السلسلة الجلوتية.
(٣) المحبى: خلاصة الأثر فى أعيان القرن الحادى عشر.
مروان حسن حبشى [التحرير]
стр. 9886
هذيل
هذيل إحدى قبائل عرب الشمال، وإذ كانوا فرعًا من مضر المعروفين بخِنْدِف فقد كانوا ذوى قربى إلى كنانة وبالتالى إلى قريش المتاخمة كانت بلادهم التى ينزلونها هى المتاخمة مباشرة لشرقى مكة وغربها وكذلك الجبال نحو الطائف، وليس هناك من خبر يشير إلى أنهم هاجروا إلى هنا من أى مكان آخر، وكان لوضعهم هذا يعرفون ببطن مُرّ الزهران المعروف حاليا باسم وادى فاطمة بين مكة وجدة.
ويذكر ابن الكلبى أن الهذليين كانوا أول قوم من نسل إسماعيل عبدوا الأصنام، وكان لهم صنم اسمه "سواع" يتقربون إليه فى موضع يسمى "بِدُهَاط" وعلى الرغم من أن ابن الكلبى يقرّر أن "رهاطا" تقع فى ضواحى منبع إلّا أن الأمر الأكثر احتمالا أنها كانت مجاورة لمكة وربما كان فى "نخلة اليمنية" ومع ذلك فإن السّكرى فى كتابه "شرح أشعار الهذليين" يقرر أن بطن رهات إنما هى أرض بنى هلال التى تبعد عن مكة ثلاث ليال، وكان القوّامون على خدمة سواع وحراسته هم بنو لحيان وهم بطن من هذيل، كما شارك الهذليون خزاعة عبادة "منات" وهو صنم من حجر عند "قُدَيد" على الطريق الواصل من مكة إلى يثرب، وتشتهر منات بأنها أقدم أصنام العرب فى الجاهلية.
فى الأخبار يرد ذكر الدور الذى لعبته هذيل فى زيارة تُبَّع أسعد كامل (أبى كرب) إلى مكة وكذلك فى حملة أبرهة ضدها. واشتبكت هذيل قبل الإسلام فى عدة حروب ضد جيرانها، وما قصيدة تأبّط شرا ضد هذيل إلّا لقتلهم عمّه، وكان من عادة هذيل أن يبيعوا أسراهم فى مكة ليكونوا رقيقًا، ولما كان الصراع بين الرسول [ ﷺ ] وبين قريش ساند معظم رجال هذيل (وعلى رأسهم لحيان) قريشا فى مكة وانتصر عليهم عبد اللَّه بن أنَيْس من بنى وبرة المعروف بالجهنىّ، وحدث أن أسر الهذيليون رهطا من المسلمين فباعوهم لقريش، ولما أخذ المسلمون فى إزالة الأصنام من الكعبة بعد فتح مكة قام عمرو بن العاص بتحطيم سُواع،
стр. 9887
كما قام على ونفر معه من المسلمين بتحطيم مناة [وكان عبد اللَّه بن أنيس هذا واحدا ممن كانوا يكسرون أصنام بنى سَلِمة] ثم شاركت هذيل قريشا فى اعتناقهم الإسلام.
وإذا كان معظم رجال هذيل اتسموا بالبطء فى دخولهم الإسلام إلا أن واحدا منهم تميز عنهم إذ كان من أوائل المهتدين وكان قديم الإسلام، وكان ابن حزم يعدّه هذيليا رغم أن البعض يعتبرونه حليفا لهم، وقد صار عبد اللَّه ابن مسعود صحابيا صادقًا وخادما للنبى [ ﷺ ] ومحدّثا كبيرا.
واشتهرت هذيل بين القبائل العربية بكثرة ما خلفته من الشعر الموجود بين أيدينا، وربما كانت شهرتها هذه راجعة أيضًا إلى أن ديوانها القَبلى هو الديوان الوحيد الذى وُجِد كاملا، وكان من بين شعراء هذيل الكثيرين أبو ذؤيب، وأبو كبير وأبو خراش وأبو صخر، ولم يكن كل شعراء هذيل ممن عاشوا فى الجاهلية بل إن نفرًا منهم عاش فى الجاهلية، ثم امتد به العمر ليعيش بين المسلمين.
ونجد من النتف الواردة عن هذيل عن الهمدانى من أهل القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) ما يقال من أن بنى سعد (وربما كان سعد بن بكر) أخرجوا من حيث يقيمون بمساعدة من عُجّى بن شاخ الذى ينعته الهمدانى بسلطان مكة، والأرجح أن ابن شاخ هذا كان مملوكا تركيا من مماليك العباسيين ولى إمرة المدينة المقدسة.
وعلى الرغم من صلة هذيل الكبيرة بمكة إلّا أن الأمر العجيب هو أن مؤرخى هذه المدينة لا يذكرون إلا نتفًا يسيرة عن أعمال هذه القبيلة، وطالما قامت هذيل بمشاركة "أشراف" مكة الهاشميين فى حملاتهم، على أن هذيلًا لقيت كثيرا من الذم لخروجها على الحجاج وتعرضها لهم، وهذا ما حمل المسافرين فى كثير من الأحيان إلى تجنب السير فى الطريق الواقع شرقى جبال السراة وتفضيلهم عليه الدرب الساحلى المؤدى إلى المدينة المنورة.
ويشير إليهم الرحالة "بوركهارت" فى القرن التاسع عشر الميلادى بأنهم
стр. 9888
مشهورون بالرماية وأنهم يبزون غيرهم جميعا ممن يعيشون فى تلك البلاد، ومعروفون أيضا بالشجاعة، ولم يستطع الوهابيون أن يتغلبوا عليهم إلّا بعد أن أخفوا منهم ما ينيف على ثلاثمائة رجل. ولقد كانت أحسن مدن هذيل وقراهم هى الواقعة فى الجبال غربى الطائف، وقد استقر بنو هذيل فى حى المعابدة المكى، كما أن بنى لحيان أقاموا فى الحدّاء وبَحْرة، وهما محطتان رئيسيتان على الطريق الواصل من مكة إلى جدة.
ولما كان الرحالة "دوتى" قادما فى الطريق القديم من الطائف إلى جدّة قابل جماعة من هذيل فذكر أن جلودهم سوداء لامعة، وعيونهم مستديرة، كذلك صادف الرحالة "فيلبى" رجالًا من هذه القبيلة فى نفس الطريق يعيشون حياة قاسية، فصاروا يربون النحل والأغنام ويقومون بشئ من الزراعة على السفوح ويربون أيضًا الحمل القوية التى قد تتسلق المنحدرات الصعبة كأنها الماعز.
ولا يزال إلى اليوم ما كان من تقسيم هذيل إلى قسمين: هذيل الشام وهذيل اليمن، وربما كان أهم مركز لهم هو واحة "الزِّيمة" الواقعة عند الناحية يترك عندها الطريق القديم القادم من الطائف وادى اليمينى لينحدر جنوبا وغربا إلى مكة، وإن كانت الواحة آيلة للاندثار نظرا لوجود طريق جديد مختصر ومعبّد يصل إلى مكة وقوم هذيل مرتبطون بالقرابة والصداقة بجماعة الحجادلة الذين تقع أرضهم قرب جنوبى جدة ومركزهم "السعدية" ويَلَمْلَم هى ميقات الحجاج القادمين برا وهى فى أقليم الحجادلة.
المصادر:
(١) ابن الكلبى كتاب الأصنام.
(٢) الأزرقى: أخبار مكة.
(٣) ابن حزم: جمهرة أنساب العرب.
أما عن شعراء هذيل فراجع المصادر التى ذكرها بروكلمان فى ١/ ٤٢
(٤) السكرى: شرح أشعار الهذليين
بدرية الدخاخنى [ج. رنتز G. Rente]
стр. 9889
هرمز البلد
هرمز أو كما يقال لها "هرمز القديمة" لتمييزها عن الجزيرة التى تبعد عنها قليلا، وكانت تقع على الجانب الشرقى عند مدخل الخليج الفارسى (العربى)، ولما جاء القرن الرابع الهجرى (العاشر الميلادى) كانت هرمز قد أصبحت الميناء البحرى لولايات كرمان وسيستان وخراسان حسب ما جاء فى كل من معجم البلدان لياقوت وحدود العالم، وقد زارها "ماركوبولو" مرتين كانت الأولى سنة ١٢٧٢ م والثانية سنة ١٢٩٣ م، وذكر ما عليه البلد من عظيم الرخاء والازدهار واتساع التجارة، ولكنها موضع يجلب المرض وإن حرارة الشمس فى الصيف بها قاتلة، وقد تعرضت هرمز (بعد سنوات قلائل من زيارة ماركو بولو الثانية) إلى سلسلة من الهجمات التى شنتها عليها بعض القبائل، وكانت هذه الهجمات من الشدة بحيث أرغمت قطب الدين ملك هرمز سنة ٧٠٠ هـ (= ١٣٠٠ م) على أن يغادرها وحمل أهلها على أن يغادروها بكل ما يملكون إلى جزيرة "جرون" الصغيرة التى تبعد عن أقرب نقطة من الساحل ما يقرب من ستين ميلا غربا، وستة كيلو مترات جنوبا، وكثر عمران هذه الجزيرة حتى تحوّلت إلى مدينة كبيرة عرفت بهرمز الجديدة، لما كانت سنة ٧٢٠ هـ (= ١٣٢٠ م) استولى الملك قطب الدين على جزيرة "قليس" التى كانت تتمتع حتى ذلك الحين برخاء تجارى عظيم، كما أنه أخضع البحرين بسلطانه، وقد زارها ابن بطوطة فى أخريات أيام قطب الدين فوصف ما بها من أسواق عامرة وقال إنها هى الميناء الذى تأتى منه سلع الهند والسند لتصل إلى العراق وفارس وخراسان.
ولقد بلغت هرمز خلال القرون الثلاثة التالية الغاية القصوى من الرخاء والرفاهية رغم حاجتها إلى الماء النقى والخضروات وشدة حرارتها صيفا، ولما زارها الرحالة الروسى "افتاسى نيكيتين" سنة ١٤٧٢ م ذكر أنها الموضع الذى فيه شتى إحساس الناس والبضائع من كل صنف التى تصلها من جميع نواحى الدنيا، ولكنه تبرم من
стр. 9890
ارتفاع ما يجئ فيها من الضرائب، كذلك امتدحها الرحالة البندقى "يمبربارو" الذى زارها بعد ذلك بسنوات قلائل.
وفى سنة ١٥٠٧ م ظهر أمام الجزيرة أسطول برتغالى بقيادة "البوكيرك" العظيم واحتلها لما كان يدركه من أهميتها الاستراتيجية نظرا لموقعها عند مدخل الخليج، غير أن رجال البوكيرك تمرَّدوا عليه وثاروا ضده فاضطر إلى الانسحاب، على أنه عاد بعد ذلك بسبع سنوات واحتلها واتسم احتلال البرتغاليين لها بالدوام، ولما كان الشاه إسماعيل الأول مشغولا فى هذه الآونة بصراعه الكبير مع الأتراك العثمانيين فإنه لم يستطع أن يعمل شيئا إزاء هذا الاحتلال إلا أن يحتج على اقتحام المغير لأرضه ولقد استمرت "هرمز" تسير فى طريق الرخاء زمن البرتغاليين، وإن كان الصائغ البندقى "جاسبرو بالبى" قال فيها ما لا يرضى وذلك سنة ١٥٨٠ م ثم لما جاء الانجليزى "رالف فيتش" بعد ذلك بثلاث سنوات وصف هرمز بأنها "أجف جزيرة فى الدنيا، إذ لا ينمو بأرضها الملح" ولما جاء الشاه عباس الثانى إلى العرش أدرك الناس أنه لن يكون للبرتغال طمأنينة فى البقاء بهرمز، ثم أنه فى سنة ١٦٠٢ م اغتصب "اللَّه وردى خان" حاكم فارس "البحرين" من يدى ملك هرمز الضعيف الذى لم يكن كأسلافه منذ سنة ١٥١٤ م سوى أوصال وأتباع لأسبانيا والبرتغال، واستطاعت القوات الفارسية فى ١٦١٤ م احتلال "جامْرو". آخر معقل للبرتغاليين هناك وبذلك حرموا حامية هرمز وسكانها من كل مصادر مياه شربهم، ثم قام "شاه عباس" بالضغط على شركة الهند الشرقية الانجليزية أن تسمح لعدد من سفنها أن تتعاون مع القوات البرية الفارسية فى الهجوم على هرمز، وعلى الرغم من مقاومة البرتغاليين الشديدة لهم إلّا أن الفرس استطاعوا بمساعدة السفن الإنجليزية لهم أن يحملوا الحامية على الاستسلام ومغادرة الجزيرة، وسرعان ما أقفرت هرمز من أهلها، وامتدت يد الهدم إلى كثير من مبانيها لتستعمل أنقاضها فى تشييد مبان جديدة فى
стр. 9891
"جمرو" فلما اكتمل عمرانها سميت ببندر عباس تعظيما للشاه عباس، وليس من شك فى أن الدور الذى قامت به سفن شركة الهند الشرقية الانجليزية أثار حنق البرتغال وغضبهم، وقد أثار سيرارنولد ويلسون فى كتابه عن "الخليج الفارسى" إلى أنه كان من الصعب تقدير ما جنته شركة الهند من هذا العمل من جانبها إذ لو كان قد قرّر للبرتغال أن يظلوا مقيمين فى الجزيرة لما استطاعت الشركة منافستهم فى هرمز.
وهرمز اليوم قليلة السكان، فإذا كانت شهور الشتاء الباردة، تزايد عدد الناس زيادة ملحوظة حين تعمل مصانع أكسيد الحديد أو الملح أما إذا جاء الصيف هاجر الكثيرون إلى الداخل لا سيما إلى "هنا" ويلاحظ أن النشاط الغالب على سكان الجنوب أنهم صيادو الأسماك.
المصادر:
انظر C.R. Brxrx: Anglo-Portuguese rivolery in the Persion gulf
أسامة عبد المنعم عمارة [ل. لوكهارت L. Lockhart]
هرمز , الحاكم
هرمز وكانت فى الفارسية القديمة "اهرمزدا" ويعنى بها السيد الحكيم وهو عند الإيرانيين القدماء "رب الأرباب" ثم اطلق اسمه هذا فيما بعد على "جوبيتر" وعلى أول كل يوم من أيام السنة الزرادشتية وقد تسمى باسم "هرمز" خمسة من ملوك الدولة الساسانية منهم هرمز الأول الذى لم تزد مدة حكمه عن عام واحد (٢٧٢ - ٢٧٣ م) وكان والى خراسان وقد ظهرت كفاءته فى حربه للرومان، كما أضفى رعايته على "ماتى" مقتديا فى ذلك بما فعله أبوه من قبله، فلما تولى هرمز الثانى الحكم (٣٠٢ - ٣٠٩ م) قيل إنه اضطهد المانويين وذلك بناء على المعلومات التى حفظتها بعض النصوص القبطية ومع ذلك فهو لا يذكر إلا مقرونا بالرحمة والعدل، وقتله العرب فى محاربته لهم وهزيمته أمامهم، وكان له ولدان هما شابور الثانى والأمير هرمز الذى استطاع الفرار من حبسه الذى ظل به ثلاثة عشر شهرا وهرب إلى القسطنطينية حيث صحب
стр. 9892
الإمبراطور جستنيان فى حملته الفارسية ثم جاء هرمز الثالث الذى اضطر -رغم قصر عهده- أن يحارب أصغر إخوته الذى أيده الهياطلة، فهزم أمامه وقتل، ثم جاء هرمز الرابع (٥٧٩ - ٥٩٠ م) الذى يصوره المؤرخون البيزنطيون بصورة الطاغية وإن كان قليل الذكاء، أما الطبرى فيقول أنه فى عدله فاق ما كان عليه أبوه خسرو إنو شروان وكان عطوفا على العامة ولكنه شديدًا على الأشراف الذين كرهوه هم ورجال الدين الزرادشتيون، وقد استمر العداء بينه وبين الروم من حوله وإن كان النصر للآخريين، وقد ثار عليه أعظم قواده المعروف باسم "وهرام شعريين"، وانخرط الجميع فى سلك هذه الثورة التى أفضت إلى خلع هرمز وقتله، ولقد أصبحت قصة حبه لشيرين موضوعًا تناوله بعض من كبار شعراء الفرس، أما هرمز الخامس فقد حاول أن يجمع السلطة كلها فى يده ولكنه لقى مصرعه قتلا بأمر من آخر ملوك بنى ساسان.
ويشير الطبرى وياقوت وغيرهما من الكتاب المسلمين إلى أن اسم "هرمز" حمله بعض غير من ذكرنا ولعل أشهرهم هو "الهمرزان".
انظر فى ذلك بيان الأدبان لأبى المعالى وتبصرة العوام للمرتضى.
أسامة عبد المنعم عماره [هنرى ماسيه H. Masse]
هشام بن الحكم
هشام بن الحكم يعتبر من أبرز أئمة "الكلام" زمن الامامين جعفر الصادق وموسى الكاظم ويُنسب إلى قبيلة كندة وولد ونشأ فى "واسط" ثم عاش بعدئذ فى الكوفة بين بنى شيبان، وقيل فيه إنه كان "جهميا" قبل تحوله إلى المذهب الشيعى على يد الإمام جعفر الصادق وإن كانت هناك أخبار تقول إنه كان على اتصال بأبى شاكر الديصانى على إنه من المؤكد أنه بعد اعتناقه المذهب الشيعى كانت له محاورات ومعارضات مع أبى شاكر ومحمد على مثل معتقده وقد توثق ما بينه وبين الإمام جعفر أولا ثم من بعده بموسى الكاظم، وكان له بالكوفة حانوت يشاركه فيه عبد اللَّه بن يزيد الإباضى وتلازما تلازما وثيقا بقية أيام حياته رغم اختلاف آرائهما
стр. 9893
العقائدية. ولقد شارك هشام فى آخريات أيام حياته فى حلقات الفقهاء الجدلية التى كانت تعقد فى حضرة يحيى بن خالد البرمكى ورأس بعضها، ولقد عاش هشام فى الكرخ وزاول بها تجارته، وقد اتهمه بعض الشيعة فى أنه كانت له يد فى القبض على موسى الكاظم ويقال أن الخليفة الرشيد كان من المعجبين بآرائه فلما تبين له خطرها أمر باعتقاله، مما حمل هشام على الاختفاء ثم ما لبث أن مات سنة ١٩٩ هـ (= ٨١٤/ ٨١٥ م) أو فى خلافة المأمون وهذا القول الأخير بعيد عن الصدق وعلى أية حال فليس لدينا من الروايات ما يشير إلى أى نشاط له أيام إمامة على الرضا (١٨٣ - ٢٠٣ هـ). وملخص فكرة الامامة التى كان يروّج لها هشام تقوم على أساس فكرة الحاجة الدائمة إلى إمام هادٍ ربانى يكون معلما للبشرية فى جميع الشئون الدينية وبذلك يكون هذا الإمام هو "الوصى"، وهو "معصوم" فى كل أفعاله وأقواله ولكنه لا يشبه الأنبياء فى أنه لا يوحى له ولا ينزل عليه الوحى.
كما قال أن النبى [ ﷺ ] جعل عليا خليفته بالنص، وأن الناس كلهم خرجوا عن هذا النص إلا قلة قليلة (أمثال) المقداد وسلمان الفارسى وأبى ذر وعمار) وقال إن الأمامة انتقلت بين ذرية على وفاطمة وتظل فيهم إلى يوم القيامة وإن كل إمام ينص على خليفته، وإن كل من أطاع الإمام فهو المؤمن الحقيقى، وإنه فى سبيل الحفاظ على العقيدة وعلى مجتمع المؤمنين هؤلاء فإنه مسموح للإمام، وتابعيه تحت الضرورة الملحّة أن يتوسلوا بالتقيّة فيما يتعلق بمعتقداتهم الدينية، وليس على الإمام أن يخرج على الحكومة الشرعية القائمة كما أن الثورة من غير موافقته مرفوضة، وقد كان على نمط أئمة وفيّه فى الأخذ بمذهب "القَدَر" وتفضل المراجع العربية آراءه ومذهبه، على أنه بعد موته أخذ تلميذه يونس بن عبد الرحمن (ت ٢٠٨ هـ = ٨٢٣ م) ومحمد خليل السكاك، وأخيرًا النيسابورى أبو الفضل بين شاذان المتوفى حوالى ٢٦٠ هـ، أقول أخذ هؤلاء جميعا فى نشر دعوته وتصدّوا للدفاع عنها، على أنه وجد -هو
стр. 9894
ومدرسته- معارضة لبعض آرائه حول نقاط معينة من جانب الأئمة المحدثين المعاصرين له أئمة "الكلام" غير أن مدرسة هشام أخذت فى الانقراض منذ أخذ الفكر الاعتزالى فى التقدم والانتشار لاسيما منذ القرن الرابع للهجرة (العاشر للميلاد).
أما فيما يتعلق بمؤلفات هشام الكثيرة التى أوردها ابن النديم فى فهرسته فلم يتبق منها اليوم شئ، بين أيدينا، وإن كان من المحتمل أن يكون كتابه "اختلاف الناس فى الأمامة" قد استفاد به واقتبس منه الحسن بن موسى النونجتى وجعله أساسا لمؤلفه المعروف بكتاب فرق الشيعة، كما أن كلا من الشيعة والسنة كثيرا ما ينقلون فى كتبهم من مجادلاته ومحاوراته مع الفقهاء والهراطقة.
المصادر:
(١) المناط: الانتصار (القاهرة ١٩٢٥ م).
(٢) ابن قتيبة: تأويل مختلف الحديث (القاهرة ١٩٣٦ م).
(٣) ابن قتيبة: عيون الأخبار (القاهرة ١٩٤٣ م) جـ ٢
أيمن حسن حبشى [التحرير]
هشام الرضا
هشام أبو الوليد ويعرف بهشام الأول وبهشام الرضا ثانى ولاة أسبانيا المسلمين، خلف أباه عبد الرحمن الأول يوم أول جمادى الأولى ١٧٢ هـ (= أكتوبر ٧٨٨ م) أو قبل ذلك بعام واحد إذا أخذنا بما يقوله ابن الأبار وكان عمره يومذاك ثلاثين سنة إذ أن مولده كان بقرطبة سنة ١٣٩ هـ (٧٥٧ م) وعلى الرغم من أنه كان قد اختير وليا للعهد إلا أنه وجد نفسه مضطرًا لمقاتلة أخويه شخصيا كان أحدهما أخاه الأكبر والآخر عبد اللَّه البلانسى للدفاع عن حقه فى الولاية ونجح فى محاربتهما، وكان ذلك فى أعوام ١٧٢,١٧٣ هـ[. . . . . .] (*) ٧٩٠ م, وكان عليه [. . . . . .] (*) القضاء على [. . . . . .] (*)
стр. 9895
الأعلى وعلى ثورة أضرمها البربر فى تاكُونّا (باقليم رُندة) كما حارب نصارى الشمال، واعتمد هشام الرضا على قواده الذين كان من بينهم أبو عثمان عُبيد اللَّه بن عثمان والأخوان عبد الكريم وعبد الملك ولدا عبد الواحد بن مغيث، وقد انصرفت الحكومة الأموية منذ ١٧٥ هـ (= ٧٩١ م) لتكريس جهدها للناحية الحربية فظلت فى حملات عسكرية مستمرة كانت ترسلها سنويا لمحاربة النصارى، فكثرت حملاتها على النواحى الشمالية إلى آلبا والقلاع (قشتالة القديمة) وتكررت حملاتها على المناطق الشمالية الغربية إلى حليقية (أى الأشتوريين) حتى بلغت أوربدا التى خربتها سنة ١٧٨ هـ وحاربت قوات هشام الرضا فى ناحية الشمال الشرقى فى منطقة إسيرنو (أفرنجة أو جاروندة) وقاتلت فى اربونة Arbonne ويبدو أن هذه كانت آخر مرة يهاجم فيها جيش إسلامى اربونة واعتبرت هذه الحملة نصرًا عظيمًا، ذلك أنه قد بيع أسراها بمبلغ قدره خمسة وأربعون ألف قطعة ذهبية، وإذا أخذنا بما يقوله المقرى فقد جئ إلى قرطبة بحجارة من سور البلد الفرنسية إلى قرطبة استخدمه القوم فى بناء أحد المساجد ونسمع عن الزيادات التى زادها هشام فى جامع قرطبة الكبير وإعادة ترميمه للجسر الذى على نهر الوادى الكبير الذى كان السيل قد أضرّ به، ويقول ابن الفوطية فى هذا الصدد أن ما انفق على هذين العملين استنفد خمس غنائم أربونة.
ويشبه الناس هشاما الأول أبا الوليد بقريبه عمر بن عبد العزيز فى سلوكه الخاص وتمسكه لعمود الدين، واستطاعت المدرسة المالكية الجديدة أن تسير بخطى إلى الإمام بفضل حدبه وعطفه عليها، وقد مات فى صفر ١٨ هـ (= ابريل ٧٩٦ م) بعد حكم لم يطل أكثر من سبع سنوات ونصف.
المصادر:
(١) ابن عذارى: البيان الغرب ٢/ ٦٢.
(٢) ابن الخطيب أعمال الأعلام، ص ١١ - ١٤.
стр. 9896
(٣) ابن الآبار: الحلة السيراء (تحقيق دروزى).
المقرى: نفح الطيب.
(٤) Reinaud: Invrasions de Sarrazine en France ٩٩ - ١٠٤
د. حسن حبشى [د. م. دنلوب D. M. Dunlop]
هشام الفوطى
هشام بن عامر الفوطى أحد شيوخ المعتزلة بالبصرة، وكان تلميذ أبى هذيل، ويقول ابن النديم فى الفهرست أنه بعد أن أخذ نفسه بالتجول هنا وهناك داعيا للاعتزال مضى إلى بغداد زمن الخليفة المأمون ومات بها وإن كنا لا نعلم متى كانت وفاته وإن كان الأرجح أنها كانت قبل سنة ٢١٨ هـ.
وإذا أخذنا بما قاله ابن النديم فإن مذهبه فى الاعتزال الذى أثر به على الأشعرى يختلف عن تعاليم غيره من المعتزلة، وإن لم يذكر المؤرخون ولا كتاب سيرته مدى هذا الاختلاف، ويذكر البغدادى فى كتابه "الفرق" أن هشاما الفوطى نهى عن قتل أى مخلوق على حين أنه بناء على ما أورده الشهرستانى فى كتابه الملل والنحل أجاز قتل معارضى الاعتزال وبهذا يكون قد أظهر تجاوزًا كبيرا عما ينادى به المعتزلة، كما يؤكد الشهرستانى مغالاته فى نظرية "الإرادة الحرّة" لأنه ينكر تدخل اللَّه ﷻ فى أعمال الإنسان، ويجد القارئ شرحًا لآرائه فى المقالات للأشعرى، ويؤكد هذا ما جاء فى الانتصار للخياط.
وهو يميل فى السياسة للأخذ بآراء السنة ويذهب للقول بوجوب انتخاب "الإمام" على أن يتم ذلك فى أيام الهدوء واستتباب الأمور وينسب إليه أن النديم فى الفهرست إنه صاحب الكتب التالية: كتاب المخلوق وكتاب خلق القرآن وكتاب التوحيد، وكتاب جواب أهل خراسان، وكتاب إلى أهل البصرة، وكتاب أصول الخمس، وكتاب علاء أبى الهذيل فى النعيم.
المصادر:
بالإضافة إلى ما ورد فى المتن راجع:
A.Nader: Le Systene philosphique des mutazile
أسامة عبد المنعم عمارة [شارل بيلات Ch. Pellat]
стр. 9897
هشام المخزومى
هشام المخزومى أو هشام بن عبد الملك هو عاشر خلفاء الأسرة الأموية، وقد امتد حكمه من ١٠٥ هـ حتى ١٢٥ هـ وكان مولده بدمشق سنة ٧٢ هـ (= ٦٩١ م) وأما أبوه فعبد الملك وأما أمه فعائشة بنت هشام من بنى مخزوم، وقد سبقه فى الحكم اخواته الوليد وسليمان ويزيد الثانى، وقد حجب عنه تولى العرش عمر بن عبد العزيز، حتى انتهى الأمر أخيرًا بيزيد أن عينه وليا للعهد سنة ١٠١ هـ فلما مات يزيد خلفه يوم السادس من ربيع الثانى ١٢٥ هـ (= ٦ فبراير ٧٤٣ م) ويعتبر حكمه الذى طال حتى بلغ فى طوله حكم معاوية وعبد الملك - العصر الأخير لازدهار وعظمة الخلافة الأموية.
لم يكد هشام بن عبد الملك يرتقى سدّة الخلافة حتى ولّى العراق خالدًا العشرى وكان خالد رجلًا قُلَّبا ماهرًا، لكن تنقصه شدة الحجاج ولكنه كان مثله فى شدة إخلاصه لخلفاء دمشق، وإذا كان قد أمضى خمس عشرة سنة فى ولايته هذه فإنه صرف خلالها كل جهده إلى الارتقاء بالبلد ثقافيا واقتصاديا فأكمل المشروع الذى كان الحجاج قد بدأه وهو إجراء الماء العذب، وأن لم يجنبه ذلك كراهية الناس له، تلك الكراهية التى أدت فى النهاية إلى خلعه من الولاية سنة ١٢٠ هـ، وثم جاء بعده منافسه يوسف بن عمر الثقفى الذى أخمد فتنة الثائر الشيعى زيد بن على الذى قتل فى المعركة بالكوفة ومع أنها كانت حادثة صغيرة إلا زادت فى شهداء الشيعة وأضرمت رعاية المعارضة الهاشمية، وإذا خلينا جانبا هذه الفتنة وغيرها من فتن الخوارج فإننا لا نجد تهديدًا جديا تعرضت له الدولة زمن هشام بن عبد الملك رغم أن سرية الدعوة ظلت مستقرة، ولا نجد الأحداث الكبرى الخطيرة فى هذه الفترة إلا فى المناطق الحدودية، هذا إلى أن تقدم الفتوح بقيادة قتيبة بن مسلم وصل إلى نهايته فى الناحية الشرقية، ثم أصبحت الأحوال تتطب المحافظة على ما أمكن الحصول عليه واحتواء العدوان التركى الذى اشتد ساعده كل الشدة فى هذا
стр. 9898
الوقت، أما الولاة الذين عينهم هشام واحدا بعد آخر على خراسان ومن بينهم أشرس السُّلمى وجبنيد بن عبد الرحمن المرّى وأسد القسرى أخو خالد ونصر بن سيار) فقد كان عليهم مواجهة التهديد التركى الذى كان بقيادة "بغاطرْخان" و"ألحاقان سولو"، وبعد هزيمتى يوم الشعب سنة ١١٢ هـ ويوم الأثقال سنة ١١٩ هـ (٧٣٧ م) تمكن العرب من هزيمة الترك فى خرستان غربى بلخ (١١٩ هـ) واستطاعوا بقيادة نصر بن سيار أن يتقدموا فى السنة التالية حتى الخزر، واستطاع نصر بسياسته الحكيمة فى تقليل الجباية أن يحقق للناحية شيئًا من الهدوء النسبى.
على أن الدولة الأموية تعرضت لخطر آخر فى هذه الفترة جاءها من الشمال وذلك باقتحام الترك الخزر ارميئية وأذربيجان. (وتمثل هذا فى هزيمة جراح بن الحكم فى أردبيل سنة ١١٢ هـ) وردّ الغزاة على أعقابهم بسبب وصول إمدادات ضخمة يقودها قادة محنكون أمثال سعيد الحرشى ثم من بعده مسلمة بن عبد الملك ومروان بن محمد، ثم قامت بعد ذلك عدة حملات أفضت بالعرب إلى ما وراء القوقاز حتى بلغوا مصب الفولجا، أما فى الناحية الغربية فقد استمرت الصراعات البيزنطية زمن هشام دون أن تسفر عن وقعة حاسمة، غير أن العرب قاموا بحصار القسطنطينية بقيادة مسلمة سنة ٩٨ هـ = ٧١٦ - ٧١٧ م)، واقتصر الأمر على الطوائف التى لم يكن المسلمون فيها دائمًا المهاجمين (وكان فيها موت الغازى "البطال" الذى أصبح بعدئذ بطل قصة صراع على الحدود.
على أن الأحداث التى جرت وكان لها وقع كبير إنما هى الأحداث التى جرت فى كل من أفريقية وأسبانيا، وكانت لغما فى مناطق القوة المركزية، فلقد أسفرت سياسة المصادرات المالية التى اتبعها الوالى عُبيد اللَّه بن الحبحاب (١١٦ - ١٢٣ هـ) عند اندلاع ثورة عارمة قام بها البربر الذين أنزلوا أول هزيمة بالجيش العربى قرب طنجة وهى التى عرفت بغزوة
стр. 9899
"الأشراف" لكثرة من قتل بها من وجوه العرب، ولم يكد هشام يسمع بخبر هذه الهزيمة حتى بعث من بلاد الشام جيشا آخر بقيادة كلثوم بن عياض الذى قتله البربر على شواطئ "سيبو" بينما نجح "بلج" ابن أخى كلثوم فى الوصول ببقايا جيشه إلى سبته ثم عبر البحر إلى أسبانيا، وبذلك عمّت الفوضى والخراب المغرب كله وتأججت فيه نيران الفتنة، وألقى على عاتق حنظلة بن صفوان الكلبى (الوالى الجديد الذى أرسله هشام أن يعيد الأمور إلى نصابها وذلك فى وقعة "الأصنام" قرب القيروان سنة ١٢٤ هـ (= ٧٤٢ م) وأن يحتفظ بما يمكن الاحتفاظ به من الهيبة العربية والقوة الأموية فى أفريقيا، ولم تعد سلطة خلفاء دمشق (وكذلك بغداد فيما بعد) تتجاوز وراء الجزائر الحالية، وانتقلت الإضطرابات من المغرب إلى ولاية أسبانيا الجديدة التى كان حكامها مسئولين أمام ولاة أفريقية، فى الوقت الذى وصلت قبله (سنة ٧٣٢ م) حملات عرب الأندلس إلى ما وراء البرانس حيث جرت وقعة بواتييه التى قتل فيها عبد الرحمن الغافقى) ثم رجع العرب بعد سنة ١٢٢ هـ (= ٧٤٠ م) يبددون قواهم فى صراعاتهم الداخلية بين بعضهم، وزاد من خطورة الوضع وصول الشاميين بقيادة بلج ولم ينته هذا الوضع إلّا بقيام الإمارة الأموية" تحت حكم أحد أقارب هشام الذى كان قد فرّ إلى الغرب بعد تحطيم الدولة الأموية.
وقد لا يكون من اليسير أن نفرّق بين الدور الذى لعبه الحاكم بنفسه والذى كان يعيش خلاله على بعد أميال طويلة ويقتصر عمله فيه على تولية الولاة وعزلهم، ولكن قد يمكن أن نلاحظ بعض الظواهر الخاصة التى يمكن أن ننسبها إلى السلطة المركزية العليا فى الدولة، وربما كان هشام بن عبد الملك مدركا لهذا الخطر ومن ثم كان اختياره رهطا من مساعديه الاكفاء المخلصين لمواجهة هذا الخطر وتمثل هذا فى اتخاذه سياسة الموازنة بين القبائل المختلفة المتصارعة وهى قبائل مضر واليمينية، فقد استعمل كليهما فى وظائف الحكومة لما فيه صالح الدولة، ويُرجع بعض العلماء أمثال هـ أ. جب
стр. 9900
إلى هذا الخليفة القيام بإصلاح نظام الضرائب بما يتلاءم واستجابة شكاوى الموالى، هذه الاصلاحات التى ربما كان الولاة اتخذوها برضاء الخليفة وقيام هؤلاء الولاة فى أقاليمهم بتطبيقها (نذكر على سبيل المثال ما قام به أشرس الثعلمى ونصر بن سيار فى خراسان وبلاد ما وراء النهر، وعباد اللَّه ابن الحجاب من سياسة ضريبية قاسية فى أفريقية) والواقع أنه ليس بين أيدينا وثائق يمكن على ضوئها أن ينسب إلى هشام اجراءات معينة اتخذها فى دولته.
على أن الشئ الذى ماثله فيه رجال أسرته إنما هو حماسته واهتمامه بالعمارة، فتوجد من زمنه مجموعة من القلاع والحصون والقصور بل والمدن فى صحراء الشام عرفنا بعضها منذ زمن بعيد أما البعض الآخر فقد عرفناه عن طريق الكشوف والبحوث الأثرية، وقد أسس هو ذاته بعضها، وأولها قصران أحدهما قصر الحَيْر الواقع شرقى تدمر وهو فى الواقع رصافة هشام، أما فى قصر الحَيْر الغربى فقد وجدت به رسوم رائعة منها واحدة ربما كانت صورة الخليفة نفسه) وبالإضافة إلى ذلك فهناك قصر الملح و"خِرْبة المفجر" وقصر الطوبا. . الخ غير ذلك من العمائر.
وقل إن اكتشف أو تم العثور على آثار أى طلل من الأطلال الأموية فى الشام أو الأردن قد تتصل بعهد هشام.
على أن الاضطرابات حوّمت فى سماء أيام هشام الأخيرة وكلها تدور حول خليفته. حقيقة أنه حاول أن يسوق ولاية العهد إلى ولده الأكبر معاوية إلا أن موته المبكر دفعه إلى اختيار ولده الآخر مسلمة، إلا أنه مات فاضطر لأن يعهد بولاية العهد إلى ابن أخيه الوليد بن يزيد الذى لم يكن له من القوة ما يحتاجه من يكون خليفة، لكن لما مات هشام سبق العرش إلى الوليد الذى عرف بالثانى والذى كان مخالفا له تمام المخالفة.
ولقد مات هشام ميتة الفجاءة بالقلب وفاجأه الموت وهو فى قصره بالرصافة بعد حكم دام عشرين سنة، وشهد عهده أوائل الفتنة التى أودت بالأسرة الأموية، ولعل ما لا يمكن تجاهله هو
стр. 9901
شدة اهتمامه بالأمور الدينية منذ كان صديقا حميما لكل من المحدثين الكبيرين الزهرى وأبى زناو وبالإضافة إلى اهتمامه الكبير بأخبار الساسانيين الإدارية والتاريخية فقد وجد فى بلاطه وبين رجال حاشيته أمثال الأبرش الكلبى وتلميذه عبد الحميد بن يحيى الكاتب.
أيمن حسن حبشى [التحرير]
هشام المؤيد
هشام المؤيد باللَّه الأموى ويعرف بهشام الثانى الخليفة القرطبى بن الحكم الثانى، كانت أمه باسكية واعتلى العرش فى صفر سنة ٣٦٦ هـ (أكتوبر ٩٧٦ م) وهو فى العاشرة من عمره، وقد حاول ضباط القصر الصقالبة أن يسوقوا العرش إلى عمه المغيرة بأن يجعلوه ولى عهد هشام لكنهم فشلوا فيما أرادوه، ولقى المغيرة مصرعه بأمر الحاجب محمد بن أبى عامر المنصور الذى استغل سلطان هشام المؤيد لتحقيق مآربه والوصول إلى أهدافه وذلك بوصفه الخليفة الصغير بوضعه تحت سيطرته التى ظلت على الدوام، ولقد جاهر المنصور بحكمه منذ سنة ٣٧٠ هـ (= ٩٨١ م) وفى خلال هذه الفترة قام المنصور بحملاته الناجحة على نصارى الشمال، فلما كانت سنة ٣٨٦ هـ (= ٩٩٦ م) وقد أدرك هشام المؤيد الثلاثين من عمره وبلغ مبلغ الرجال إلّا أنه كان واقعا تحت سيطرة أمه, وحاول عبثا أن يؤكد وجوده كخليفة ولكنه فشل وظل يعتمد على المنصور حتى وافت الأخير منيته سنة ٣٩٢ هـ (= ١٠٠٢ م)، فخلفه فى إدارة دفة شئون الحكم ولده عبد الملك المظفر الذى تظاهر باعترافه بسلطان هشام المؤيد ولكن ظل الأخير دمية فى يديه، فقلّ أن كان يظهر للعامة وكان يقضى أوقاته فى جمعه الآثار كما يقول ابن الخطيب فلما مات المظفر سنة ٣٩٩ هـ (= ١٠٠٨ م) خلفه أخوه الأصغر منه عبد الرحمن الناصر المعروف بشنجول Sanchuela الذى شذّ عن نهج أسرته فقوى علاقاته بالخليفة الذى لقبه بالمأمون وكان يسميه بخاله (فقد كانت أمه هو الأخر باسكية)، ثم ما لبث بالتماس من شنجول أن أعلن أنه ولى
стр. 9902
عهده، وكان هذا العمل الجنونى الذى لم يسبقه اليه أحد ضربة للخلافة إذ نقلتها من البيت الأموى إلى آل عامر مما أثار فى الحال غضب العاصمة ومعارضتها لما جرى ولم تقتصر عاقبته الوخيمة على نفوذ العامرين وحدهم بل تعدتها إلى الخلافة الفاطمية ذاتها، شبَّت منذ ذلك الحين "الفتنة" الطغياء وعمت الاضطرابات التى استمرت أكثر من عشرين عاما، ولم ينطفئ أوارها إلّا بخلع آخر خلفاء قرطبة التى ظهر فيها دعىّ أموى يسمى محمد بن هشام بن عبد الجبار الذى طالب بالعرش وأستطاع أن يسيطر على المدينة مغتنما فرصة غياب عبد الرحمن عنها فى حملة خارجية، وحينذاك انفض عن عبد الرحمن رجاله ومن حوله واغتيل قبل أن يتمكن من الرجوع إلى قرطبة سنة (٣٩٩ هـ = ١٠٠٩ م)، وأظهر هشام استعداده للتخلى عن الخلافة حين سألوه التخلى عنها حتى لقد بعث إلى محمد بن هشام بن عبد الجبار بالملابس حين أعلن الأخير نفسه خليفة ولقب نفسه بالمهدى، وحينذاك أذاع محمد المهدى فى الناس أن الخليفة مات (وعرف ذلك بالموت الأول له) ثم لما وجد المهدى نفسه مهدّدا فى قرطبة من جهة سليمان بن الحكم والبربر خرج الخليفة السابق فى محاولة منه لجمع الناس حوله، ولكن تمكن سليمان من احتلال العاصمة سنة ٤٠٠ هـ (١٠٠٩ م) ونودى به خليفة ولقب بالمستعين، أما محمد المهدى الذى كان قد فرّ إلى طليطلة فقد عاد على رأس جيش ضخم فيه عدد كبير من النصارى، فاضطر سليمان للخضوع للأمر الواقع وغادر قرطبة، ولما نودى بالمهدى خليفة للمرة الثانية كان هشام -كما يقال- أول من بايعه، غير أن سليمان عاد وحاصر أعداءه فى قرطبة وإذ أصبح من المستحيل إخراج البربر فقد اضطر واضح تحت شدة الحصار أن يعيد هشاما، وهنا بويع هذا الخليفة السابق للمرة الثانية فى ذى الحجة من سنة ٤٠٠ هـ وجئ أمامه بمحمد المهدى لسؤاله عما كان منه قبل أن يبعثوا به ليقتل، وحينذاك أعيد هشام ليحكم -ولكن بالاسم- وجعل واضحًا حاجبه وإن كان الأمر كله فى يده دون الخليفة، واستمر الحصار مضروبًا على
стр. 9903
العاصمة حتى سنة ٤٠٣ هـ حين استسلمت قرطبة يوم ٢٦ شوال، وهكذا كان دخول قوات البربر وما تلاه من التدمير والنهب يمثل النهاية الحقيقية لقرطبة الأموية، أما هشام فلم يقدر له أن يعيش طويلا ليرى خراب عاصمته فقد وثب عليه أحد أبناء المستعين سليمان فى ذى القعدة من سنة ٤٠٣ هـ (= مايو ١٠١٣ م) وقتله.
المصادر:
(١) ابن عذارى: البيان المغرب ٢/ ٢٦٩ - ٣٢١, ٣/ ٣٨ - ٦٠.
(٢) ابن الخطيب: أعمال الأعمال.
(٣) المقرى: نفح الطيب.
(٤) دوزى: تار مسلمى الأندلس.
أيمن حسن حبشى [د. م. دنلوب D. M. Dunlop]
هشام المعتد باللَّه
هشام المعتد باللَّه أو هشام الثالث بن محمد بن عبد الملك بن عبد الملك بن عبد الرحمن الثالث آخر خلفاء قرطبة الأمويين ولد سنة ٣٦٤ هـ (= ٩٧٤ م) ويقال إنه هو الأخ الأكبر لعبد الرحمن الرابع المرتَضَى الذى يقال إنه رافقه فى هزيمته بغرناطة التى قُتل فيها الأخير (سنة ٤٠٨ هـ = ١٠١٨ م) ففر هشام إلى "قصر البنت" alpuente فى ولاية بلنسية حيث استقبله المولى العامرى عبد اللَّه بن قاسم الفهرى، ونادى به القرطبيون خليفة فى ربيع الثانى ٤١٨ هـ, وظل مقيما فى قصر البنت مدة جاوزت العامين ولم يدخل قرطبة رسميا إلّا فى ذى الحجة من سنة ٤٢٠ هـ (= ديسمبر ١٠٢٩ م) غير أن خلافة هشام الثالث سرعان ما ضج منها القرطبيون وكرهوها ويرجع السبب الرئيسى فى ذلك إلى وزيره الحكم بن سعيد القزّاز الوضيع الأصل بما اتخذه من إجراءات مالية استرضى بها البربر، وقد أدّت هذه المعارضة والكراهية من جانب القرطبيين له إلى الوثوب على الوزير البغيض وقتله كما تم خلع هشام المعتد باللَّه فى الوقت ذاته، وذلك فى ذى الحجة ٤٢٢ هـ, لكن لم يُعيَّن خليفة جديد هذه المرة، بل ألقيت مقاليد الأمور إلى مجلس مشورة برياسة أبى الحزم بن جوهر، وأذن للخليفة هشام بالانسحاب فمضى بقية
стр. 9904
أيامه فى لاردة ومات بها فى صفر ٤٢٨ هـ (= ديسمبر ١٠٣٦ م) وبدأت صفحة جديدة فى تاريخ أسبانيا الإسلامية هى فترة ملوك الطوائف، وكان حاكم لاردة الذى لجأ إليه آخر خلفاء بنى أمية بالأندلس هو سليمان بن هود.
المصادر:
(١) ابن عذارى البيان المغرب.
(٢) ابن الخطيب: أعمال الأعلام.
(٣) دوزى: تاريخ المسلمين باسبانيا جـ ٢.
أسامة عبد المنعم عمارة [د. م. دنلوب D.M. Dunlob]
الهلال
للهلال أهمية فى الشريعة الإسلامية، لأنه به يتحدد التاريخ الهجرى الإسلامى بالسنة القمرية، بما فى ذلك مواعيد الحج والصوم وغير ذلك.
ويشير القرآن الكريم للهلال فى الآية ١٨٩ من سورة البقرة بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ. .﴾. وفى الآية ١٨٤ يشير القرآن الكريم للصوم على أنه أيام معدودات، ولما كانت رؤية الهلال قد تتعذر أحيانًا، والعبارات "مواقيت" و"أيام معدودات" توحى بانضباط فى الحساب، فإن ذلك يستتبع اللجوء للحساب حين تتعذر رؤية الهلال. وقد وضعت عدة أنظمة للقيام بهذا الحساب. ويعضد اللجوء للحساب نص الآية ٥ من سورة يونس ﴿. . وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ. .﴾. على أن الحساب مرفوض من السنة، والأباضية، والزيدية، والاثنى عشرية بينما الإسماعيلية يطبقونه. والكل مجمع على وجوب استكشاف الهلال يوم التاسع والعشرين فإذا تم من الشهر ثلاثين، فإن هذا يجعل كل من شعبان ورمضان ثلاثين يوما، وهو ما ترفضه الإسماعيلية.
إن وجهة نظر الأغلبية المعبر عنها فى الصحاح الستة وفى عديد من الأحاديث الأخرى، وقد روى مالك فى الموطأ كتاب الصيام، ما يدل على الحديث [ما معناه] "لا تصوموا حتى
стр. 9905
تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له" يوحى بعبارة "فاقدروا له" إمكانية اللجوء للحساب، فقد ظهرت رواية للحديث "فأكملوا العدة" كما وردت فى القرآن الكريم، "ولتكملوا العدة" أو "فأكملوا [شعبان] ثلاثين [يوما] ".
على أن ابن العربى يذكر أن "بعض المتقدمين" قد أخطئوا باللجوء للحساب. كما يورد ابن عبد البر فى تفسيره للبخارى جدلا واسعا بين التابعين حول هذا الأمر، بناء على الأحاديث السالفة. ولكن يبدو أن الأمر من خلال العديد من الروايات والفقهاء التى تشير إلى أن الفلكيين لا دور لهم فى تحديد الهلال.
و"الشيعة الاثنى عشرية" أكثر إصرارا على رصد القمر الجديد، وهم أكنر من السنة فى رفض الحساب، بناء على حديث برواية عن جعفر الصادق معناه أن أهل القبلة ملتزمون بالرؤية، وأخرى برواية عن محمد الباقر، يشير إلى أن تقدير الهلال لا يكون بالرأى أو الظن.
ومع ذلك فقد وردت طرق بديلة لتحديد أول الشهر فى حالة تعذر الرؤية يوم ٢٩ شعبان. وإحدى هذه الطرق هى أن يحسب بدءا من [يوم الأسبوع؟ ] الذى كان فيه الصيام فى السنة السابقة، ويبدأ الصيام فى اليوم الخامس أو السادس فى السنة الكبيسة، لتحديد يوم الصوم وتأخذ هذه الطريقة فى اعتبارها مدة السنة الهجرية وهى ٣٥٤ يوما ويقال إن هذه القاعدة روجعت على مدى خمسين عاما ووجدت صحيحة. ولكن تطبيق هذه الطريقة يحتاج إلى من يمكنه تحديد السنة البسيطة من الكبيسة. وطريقة أخرى هى بدء الصوم من اليوم الستين بعد بداية رجب السابق، إذا كان قد تم تحديده بلا مشقة. وتروى أحاديث تؤيد هذه الطرق عن أئمة الشيعة الاثنى عشرية، كما ورد فى الكافى تلكلينى (المتوفى ٣٢٨ هـ) وغيره. وهناك طريقة ثالثة يحسب بمقتضاها الهلال بطريقة رجعية من يوم أن يتبين بوضوح، وهى أيضا تنسب للإمام جعفر الصادق بحسب ما ورد فى الكافى السابق
стр. 9906
ذكره. ولنفس الاتجاه يذهب رأى بأن رمضان لا يكون ناقصا أبدا، وورد أيضا فى الكافى منسوبا لجعفر الصادق، (ولكن ابن بابويه يرفضه فى "المقنع"). ولدى السنة حديث يعزز هذا الرأى، بمقتضاه فإن رمضان وذو الحجة "لا ينقصان".
على أنه فى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى يتخذ رفض الشيعة الاثنى عشرية للحساب اتجاها أكثر حدة فشيخ الطائفة الطوسى (المتوفى فى ٤٥٩ هـ) يشن حملة شعواء على هذا الاتجاه فى "التهذيب" و"الاستبصار"، رافضا ما ورد فى ذلك من أحاديث، ويورد بدوره أحاديث تعارضها، منسوبة أيضا للباقر وجعفر الصادق، بمقتضاها يمكن أن يكون رمضان تسعا وعشرين يوما فقط. ويحمل فقيه حديث، هو محمد حسن ابن باقر (متوفى ١٢٦٨ هـ/ ١٨٥١ م)، فى كتابه "جواهر الكلام" على من يأخذون بالحساب، ورغم عدم تصريحه فمن الواضح أنه يقصد طائفة البهرة، الذين يجعلون رمضان ناقصا يوما أو يومين.
والأخذ بالحساب لدى الطائفة الإسماعيلية يرجع لتاريخ قديم، ويذكر الامام الزيدى القاسم بن إبراهيم (متوفى ٢٤٦ هـ/ ٨٦٠ م) فى كتابه "الرد على الروافض" أنهم يصومون ويفطرون متقدمين بيومين. كما يتحدث الطبرى (متوفى ٣١٠ هـ/ ٩٢٣ م) عن القرامطة كخارجين عن الدين، ويروى عنهم صيغا محرفة من الآيات السبق ذكرها فى صدر البحث لتأييد اللجوء للحساب. كما أدخل الفاطميون فى أفريقيا عام ٣٣١ هـ وفى مصر بعد غزوها فى ٣٥٩ هـ طرقا للحساب. هذا ولم يورد القاضى الإسماعيلى نعمان ابن محمد (متوفى عام ٣٦٣ هـ/ ٩٢٥ م) طريقة معينة للحساب، ولكنه يورد مبدءا بمقتضاه أنه إذا كان الإمام حاضرا، أو من الممكن الوصول إليه، فإنه هو المخوّل بتحديد بدء الصوم ونهايته حين تعذر الرؤية. أما مؤلف "المجالس المستنصرية" المتوفى فى ٤٥٠ هـ/ ١٠٥٨ م فيدافع
стр. 9907
بشدة عن الحساب، مبينا أن "الرؤية" مرتبطة بالحساب، كما أن الظاهر مرتبط بالباطن، وأن الإمام هو الذى يجمع بينهما. والحساب هو الأسلوب المتبع حاليا لدى طائفة البهرة (الإسماعيلية المستعلية) وهو ما يظهر فى احتفالاتهم بالأعياد الإسلامية الذى يكون مبكرا بيوم أو بيومين عن غيرهم من المسلمين بينما ليس مأخوذا به لدى الإسماعيلية النزارية، الذين يختلف أسلوب صومهم أساسا عن بقية المسلمين
٢ - فى الفن الإسلامى
كان أول ظهور الهلال كشعار مع نجوم خماسية أو سداسية على أوجه عملات للعرب الساسانيين، كتلك المنسوب لعبد الملك ولحكام المشرق من العصر الأموى حتى عام ٨٤ هـ/ ٦٩٨ م، وللدولة العباسية حتى عام ١٩٧ هـ/ ٨١٢ م، وذلك جريا على النظم قبل الإسلامية للدولة الفارسية، غالبا من عهد خسرو الثانى. كما ظهر الهلال منفردا أيضا على أوجه عملات للعرب البيزنطيين.
ومن الاستخدامات المبكرة للهلال فى التزيين استخدامه فى بلاطات مسجد قبة الصخرة فى القدس عام ٧٢ هـ/ ٦٩١ م، قد استخدم هناك كالمعتاد لدى العرب الساسانيين كتزيين لقمم التيجان، وأيضا كحليات معلقة على غرار نمط التيجان لدى العرب البيزنطيين، حيث من المعتاد تزيين الهلال بجوهرة عند كل طرف من أطرافه. وحيث إن هذا البناء هو تذكار لانتصار المسلمين، فهذه التيجان، والتى هى رمز لانتصار المسلمين على أعدائهم، تمثل استخداما لعصر ما قبل الإسلام وقد أدخل فى عمل إسلامى.
واستخدام الهلال لتزيين الجياد هو بدوره استمرار لعادات الساسانيين، حيث يصنع من حجر كريم أو على الأقل يكون ذا صناعة راقية. وأقدم أثر لذلك مصنوع من حجر بلورى ويرجع عهد الخليفة الظاهر لإعزاز دين اللَّه (٤١١ - ٤٢٧ هـ/ ١٠٢١ - ١٠٣٦ م) واستمر ذلك فى عهد السلاجقة (السادس - السابع - الثانى عشر - الثالث عشر)، عندما زينت الأهلة
стр. 9908
البرونزيه بتصميمات أخرى. وإلى عهد العثمانيين.
كما استخدم الهلال كحليات للآدميين، على هيئة أقراط أو دلايات ذهبية أو فضية مذهبة، حيث يكون طرفا الهلال متقاربين بدرجة كبيرة، كما نجد فى آثار مصر والأندلس. ونجد نفس الأشكال فى أربطة الكتب من عهد المماليك. ويظهر الهلال مع نجوم سباعية على جدران كنيسة سانت صوفيا التى بناها الإمبراطور إيمانويل الأول (١٢٣٨ - ١٢٦٦ م)، وواضح فيها التأثر بالفن السلجوقى، بينما لا نجد فى هذا العصر أثرا للهلال فى أبنية أو متعلقات للمسلمين فى الأناضول عدا استخدامه كوحدات تزينية فى الإطار شبه الكوفى لسجادة سلجوقية من قونية، واستخدامه بصورة فجة على جدران الخانات.
وهناك استخدام آخر للهلال كرمز للكواكب، بما فى ذلك القمر، فى المصنوعات المعدنية - ويرجع ذلك إلى القرن السادس الهجرى/ الثانى عشر الميلادى. وأقدم أثر لذلك هو فى مرآة سحرية يبدو فيها رجل جالس القرفصاء ممسكا بهلال ملامس الطرفين. كما ظهر الهلال فى النصف الثانى من هذا القرن كوجه من أوجه دائرة البروج. ومنذ القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى أصبح الهلال دائم الاستخدام فى أعمال كتاب الفلك، كما فى "عجائب المخلوقات" للقزوينى.
وظهرت الأشكال الهلالية المنفردة فى أوساط متعددة. وقد يكون أقدم مثال لها قطعة من الخزف من العهد الفاطمى فى القرن الحادى عشر والثانى عشر الميلادى من سوريا أو مصر، فى متحف اللوفر الآن، وهى لصدرى أنثيين محاطتين بقمر "هلال". كما يظهر هذا الاتجاه فى عملات صلاح الدين وأتابكات الموصل وسنجار والجزيرة فى الفترة من ٥٨٥ إلى ٦٥٧ هـ/ ١١٨٩ - ١٢٥٨ م. كما تظهر نفس الأشكال بوفرة فى القرن السابع الهجرى/ الثالث عشر الميلادى كتطعيم للأوانى النحاسية والبرونزية. وربما
стр. 9909
كان لهذا الاتجاه أساسا تنجيمى أو سحرى.
كما مثل الهلال شعارا للنبالة فى عصر المماليك فى أواخر القرن السابع وأوائل القرن الثامن الهجرى، بالإضافة إلى وجوده على الفخاريات والعملات، ومن ذلك الشعار المعقد للظاهر سيف الدين برقوق وشعار الناصر ناصر الدين أبو السعادات فرج. وبالنسبة لاستخدامه لمن هم دون مرتبة السلطنة، فربما يثور تساؤل إن كان الشكل يمثل هلالا أم حدوة حصان.
كما ظهر استخدام الهلال فى مواقف بالدين، من ذلك استبدال صليب كنيسة آنى فى القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى بهلال عند تحويلها لمسجد ليشكل قيمة رمزية أو كشعار يعبر عن التميز الثقافى وقد استخدم شكل الهلال بنفس الرمز فى وثائق الحج المعطاة للسيدات فى القرن الثامن الهجرى/ الرابع عشر الميلادى. كما شاع استخدامه على قمم القباب والمآذن فى المساجد. ومن المشاهد لذلك أيضا تزيين مكان الاحتفاظ ببردة الرسول [ ﷺ ] بهلال فى تركيا، فى نفس الوقت توجد فيه مساجد وأماكن دينية كثيرة لا تحتوى على هذا الشكل، الأمر الذى يبين أن الرؤية الإسلامية بالنسبة للهلال وبصفة خاصة فى العهد العثمانى لم تكن تمثل للمسلمين رمزا دينيا بل كان فى الغالب يستخدم كوسيلة للتزيين.
واستخدم الهلال فى راية السلطان سليم الأول، والسلطان خير الدين بربروسا، الذى جعله أيضا كغطاء لمقبرته، ولم يكن له شكل ثابت كما كان يرسم أحيانا بنجوم أو بأسماء الرسول [ ﷺ ] أو الخلفاء الأربعة رضى اللَّه عنهم أو برسوم لسيوف وغير ذلك من أسلحة ذات مغزى دينى، أو بشعارات إسلامية كالشهادة.
كما لوحظ استخدام الهلال على قمم الصوارى ومصابيح السفن فى القرن العاشر الهجرى/ السادس عشر الميلادى، ولكن دون اطراد فى
стр. 9910
استخدامها فى القطع البحرية، وأقدم رسم على قماش للهلال يوجد على سروال للسلطان سليمان، مما يدل على أنه لم يكن رمزا دينيا فى العهد العثمانى واستمر هذا النوع من التزيين بتعديلات مختلفة، كأن توجد ثلاثة أهلة على شكل مثلث، أو استخدام الهلال مع الزهور.
كما استخدم الهلال لتزيين الفرمانات الصادرة من السلاطين، مثال ذلك فرمانات محمد الرابع التى يزينها هلال مزدان بأزهار.
ولم يدخل الهلال كرمز رسمى إلا حين قرر السلطان سليم الثالث فى القرن التاسع عشر الميلادى تكوين جيش نظامى على غرار الجيوش الأوربية، وجعل العلم الإمبراطورى على شكل هلال مع نجمة على أرضية حمراء محاكاة للأعلام الرسمية الأوربية واستمر العلم التركى بهذا الشكل فى تركيا عندما أصبحت جمهورية عام ١٩٢٣ م.
أما الدولة الثانية التى أدخلت الهلال فى علمها فهى تونس، فى عهد حسين الأول (١٨٢٤ - ١٨٣٥ م) وذلك على أرضية حمراء. وكان لمصر علم ذو هلال أبيض على خلفية حمراء أثناء الحكم العثمانى ثم استبدل ١٩٢٣ م بأرضية خضراء مع نجوم ثلاث. ومن البلدان التى أدخلت الهلال فى أعلامها أيضا باكستان عام ١٩٤٧ م عند إنشائها وليبيا عام ١٩٥١ م والملايو ١٩٥٠ م التى يظهر الهلال فى أعلام بعض ولاياتها أيضا، وماليزيا ١٩٦٣ م وموريتانيا ١٩٦٠ م والجزائر ١٩٦٢ م وهذه القائمة لا تضم العديد من البلدان أو المنظمات التى أدخلت الهلال فى أعلامها وهذا يؤكد أن الهلال منذ القرن التاسع عشر الميلادى قد أصبح يمثل رمزًا للإسلام مصحوبا فى الغالب بالنجوم.
ولهذا السبب أيضا ظهر الهلال على كثير من طوابع الدول الإسلامية، وأول طابع من هذا القبيل هو الصادر عام ١٨٦٣ م فى تركيا.