Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
(وقد ذكر محمد- رحمه الله تعالى- في هذا) أي في عمل الصحابة ومحاجتهم غير حديث أي غير حديث واحد بل ذكر فيه أحاديث كثيرة
стр. 1122
(فإذا اجتمع الآحاد حتى تواترت حدث حقية الخبر ولزوم الصدق باجتماعهم)، وهذا جواب ما قال في الباب الأول: ((إن المتواتر صار جميعًا بالآحاد وخبر كل واحد محتمل)) فمن أين يتأتى اليقين؟
وتفسير الجواب هو أن لا ينكر في المحسوس والمعقول والمشروع أن يثبت لاجتماع الأفراد ما لا يثبت للأفراد عند عدم الاجتماع. ألا رى أن الحبل إذا اجتمع من الطاقات يثبت له من القوة ما لا يثبت من تلك القوة لطاقة أو لطاقتين، وألا ترى أن كل كلمة من القرآن على الانفراد ليست بمعجزة، فإذا اجتمعت صارت معجزة، والحجج العقلية صارت حجة باجتماع المقدمات وكل مقدمة ليست بحجة، فعلم بهذا أن اجتماع الأفراد يثبت حكمًا ما لا يثبته الأفراد بدون الاجتماع، والعقل أيضًا يقتضي ذلك؛ لأن التركب حدث بعد
стр. 1123
أن لم يكن، فيجب أن يثبت له حكم بحياله لم يكن ذلك الحكم قبله، وكذلك في المشروع فإن القاضي لا يقضي بشهادة الفرد، فإذا صار الشاهد اثنين يقضي بهما.
(إذ العقد فضل على العلم والمعرفة، وليس من ضروراته) أي عقد القلب ليس من ضرورات العلم.
ألا ترى أن أهل الكتاب كانوا يعرفون حقية النبي ﵇ بالنبوة ولا يعتقدونها، والمقلد يعتقد شيئًا بالتقليد لغيره ولا يعلمه؛ إذ العلم هو: تبين المعلوم على ما هو به ويحتمل أن يكون اعتقاد المقلد شيئًا كان على خلاف ما هو به، فعلم بهذا أن العقد مع العلم ينفك أحدهما عن الآخر وجودًا وعدمًا ولم يكن وجود كل واحد منهما من ضرورات الآخر.
стр. 1124
باب تقسيم الراوي الذي جعل خبره حجة
(والجواب أن الخبر يقين بأصله) إلى آخره، وتفسير ذلك أن خبر الرسول ﵇ يقين في أصله لما أن خبر الواحد إنما صار حجة لكونه خبر الرسول، فكان يقينًا بأصله، إذ لو ارتفعت الشبهة الثابتة من النقل لكان يقينًا، إذ الخبر المسموع من ي رسول الله ﵇ صدق يقين لا شبهة فيه،
стр. 1125
والقياس محتمل للصواب والخطأ في نفسه لما أن القياس الصحيح عبارة عن الاجتهاد الصحيح، فإنه يوجب غلبة الظن ولا يوجب علم اليقين.
فإن قيل: الوصف المؤثر لو ثبت مناطًا للحكم لكان يقينًا.
قلنا: لا نسلم؛ لأن الوقوف على كون الوصف مناطًا للحكم بطريق اليقين لا يتحقق إلا بالنص أو بالإجماع، فحينئذ لم يبق هو قياسًا، بل يكون هو نصًا أو إجماعًا ولا لام فيه، غنما الكلام في القياس الصحيح بدونا لنص والإجماع، وهو ليس بيقين في أصله؛ لأن كل وصف مجتهد فيه هو محتمل للغلط، وهو معنى قوله: (وهو محتمل بأصله) وما كان محتملًا بأصله لا يكون معارضًا لما لم يكن محتملًا للغلط في أصله، فلذلك كان خبر الواحد مقدمًا على القياس.
فإن قلت: قولك أن الوقوف على كون الوصف مناطًا للحكم بطريق اليقين لا يتحقق إلا بالنص أو بالإجماع فحينئذ لم يبق هو قياسًا، بل يكون هو نصًا أو إجماعًا كذلك في خبر الواحد لو ارتفعت الشبهة الثابتة بالنقل بأن كان خبر الواحد وقت حياة النبي ﷺ وسبيل ذلك الخبر عن رسول الله ﷺ وأخبر الرسول ﵇ بصحته لم يبق هو أيضًا خر الواحد، بل كان هو نصًا ثابتًا حجيته قطعًا ولا كلام فيه.
إنما الكلام في خبر الواحد.
стр. 1126
قلت: نعم كذلك إلا أن بينهما فرقًا من حيث عدم التغير لحقيقته، فإن خبر الواحد عند ارتفاع الشبهة الثابتة بالنقل بالسماع من رسول الله ﷺ على ما ذكرت يبقى خبرًا ونصًا كما كان عند وجود الشبهة بالنقل إلا أن عند السماع من رسول الله ﷺ ارتفعت الشبهة الثابتة بالنقل بالموجب فلم يتغير عن حقيقة كونه خبرًا أو نصًا.
وأما القياس عند وجود النص بأن هذا الوصف هو المناط لحكم لم يبق قياسًا أصلًا فتغير عن حقيقته من حيث الاسم ومن حيث الحكم.
فعلم بهذا صحة ما ذكره في الكتاب بقوله: (فكان الاحتمال) أي احتمال الخطأ (في الرأي أصلًا، وفي الحديث عارضًا)، فوقوع احتمال الخطأ في أصله ليس كوقوع احتمال الخطأ في العارض وهذا ظاهر، (ولأن الوصف في النص) أي العلة المؤثرة في النص (كالخبر) يعني أن الخبر إبانة عما ليس بحاضر للسامع، والوصف بمنزلته في إبانة أن الحكم متعلق به ونظر المجتهد فيه كأنه يسمع أخبار هذا الوصف إلا أن الوصف مع هذا ساكت عن حقيقة البيان، (والخبر بيان بنفسه) حقيقي (فكان الخبر أقوى من الوصف في الإبانة والسماع) الخبر الحقيقي، فكان أقوى من نظر المجتهد وهذا معنى ما ذكر في الكتاب.
стр. 1127
وقوله: (لأنه إذا انسد صار الحديث ناسخًا للكتاب والحديث المشهور ومعارضًا للإجماع)؛ لأن الكتاب يقتضي
стр. 1128
وجوب العمل بالقياس بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾.
وكذلك الحديث المشهور يقتضي وجوب العمل بالقياس وهو حديث معاذ- ﵁ قال رسول الله ﷺ حين أجاب هو بما أجاب: ((الحمد لله الذي وفق رسول الله)) وغيره من الأحاديث التي ذكرها في الكتاب، وكذلك الإجماع منعقد على وجوب العمل بالقياس عند انعدام دليل فوقه.
стр. 1129
أو نقول: الحديث الذي رواه أبو هريرة- ﵁ في المصراة لو عملنا به يلزم نسخ الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فإنه يقتضي المماثلة في باب العدوان في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سيئة
стр. 1130
مِثْلُهَا﴾، وكذلك السنة والإجماع، والعمل بحديث المصراة يسد باب القياس أصلًا وهو مفتوح بهذه الدلائل الثلاث.
(فعمل بحديثه ابن مسعود ﵁؛ لأنه وافق القياس عنده، فإن القياس عنده يوجب مهر المثل اعتبارًا بما إذا وقعت بالطلاق بعد الدخول ولم يكن سمي لها مهرًا، لما أن الموت بمنزلة الدخول بدليل وجوب العدة، وبدليل أن النكاح عقد العمر، والعمر بالموت ينتهي، والشيء بانتهائه يتقرر، فصار كأنه وجد ما هو المقصود من النكاح وهو الدخول، فيجب مهر المثل.
(ورده علي- ﵁) لمخالفته القياس عنده، وهو أن لا يجب مهر المثل قياسًا على ما إذا وقعت الفرقة بالطلاق قبل الدخول فألحق به.
стр. 1131
(((ما نصنع بقول أعرابي بوال على عقبيه))) نقل عن الإمام العلامة الكردري- ﵀ أن من عادة العرب الجلوس مختبئًا، فإذا بال يقع بوله على عقبيه، والاختباء في الجلوس هو أن يجمع ظهره وساقيه بثوب أو غيره، وهذا لبيان قلة احتياط الأعراب حيث لم يستنزهوا من البول، وهذا طعن من علي- ﵁ فيه.
стр. 1132
(إنه أراد بالكتاب والسنة القياس)؛ لأن حجية القياس تثبت بهما والقياس يرد ما روته لما أن أثرًا من آثار النكاح باق فيجب لها النفقة كما إذا كان الطلاق رجعيًا، والله أعلم.
* * *
стр. 1133
باب بيان شرائط الراوي التي هي من صفات الراوي
ومعنى الكلام لا يوجد إلا بالعقل والتمييز).
ألا ترى من الطيور ما يسمع منها حروف منظومة يسمى ذلك ألحانًا لا كلامًا، ولا يقع البيان بمجرد الصوت والحروف بلا معنى حتى إذا تكلم
стр. 1134
بكملات مهملة لا يسمى كلامًا كما إذا قال: أجني دزي مكان قوله: جاءني زيد لا يكون ذلك كلامًا، فعرفنا بهذا أن الكلام في الشاهد عبارة عن حروف منظومة عن عقل وتمييز يدل على معنى مفهوم، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1135
باب تفسير هذه الشروط
(أما العقل فنور يضيء) إلى آخره، فالعقل بمنزلة السراج للعين الباصرة، فكان العقل سراجًا لعين القلب فيبصر القلب الطريق عنده، كما أن العين الباصرة تبصر عند السراج، فإذا أبصر الإنسان شيئًا وينبئ بصره يتضح له طريق الاستدلال عند العقل، كما إذا رأى العالم وهو لا يعلم قدمه ولا حدوثه فيبصر القلب عند العقل، والاستدلال حدوث جميع العالم بطريق الاستدلال أن يتأمل القلب فيجد العالم قسمين: عينا عرضًا، ولا يخلو العين عن العرض، والعرض حادث، فيستدل بحدوث العرض على حدث العين، فيحكم بكون جميع العالم حادثًا، وهو معنى قوله: ((نور يضيء به طريق)).
(يبتدأ به من حيث ينتهي إليه درك الحواس، فيبتدئ المطلوب) أي يظهر للقلب. (فيدركه القلب بتأمله بتوفيق الله تعالى).
стр. 1136
....................................................................
стр. 1137
[العدالة]
وقوله: (واعتدال العقل) وذلك إنما يكون بالبلوغ.
قيل: إنما صار البلوغ دليل اعتدال العقل؛ لأنه صار بحال يربي مثله وهو الولد، فلا بد أن يصير عقل المربي معتدلًا.
стр. 1138
(لكن هذا الأصل لا يفارقه هوى يضله) يعني أن اتباع هوى النفس معارض للعدالة الظاهرة. قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
(فاعتبر في ذلك ما لا يؤدي إلى الحرج والمشقة وتضييع حدود الشرع) وهذا هو الكامل في الاستقامة؛ لأنه لو توقف الاستقامة على ما هو النهاية التي يحترز بها عما لا ينبغي في الشرع من الكبائر والصغائر كلها على
стр. 1139
وجه لا يوجد منه صغيرة ما بوجه من الوجوه أن يوجد من ألف واحد فيتعطل التبليغ الذي هو واجب على كل مسلم، ولذلك قلنا: إذا اجتنب من الكبائر ولم يصر على الصغيرة كان كامل العدالة.
(لما لم يكن خبر المستور حجة، فخبر المجهول أولى) لأن المستور من لم يرد عليه رد من السلف، والمجهول من قدر رده بعض السلف.
стр. 1140
وقوله: (على الشرط الذي قلنا) وهو أن لا يكونا لعمل به سدًا لباب الرأي والقياس؛ لأن كون القياس حجة تثبت بالكتاب والسنة، فلو كان الخبر مخالفًا للقياس من كل وجه كان الخبر ناسخًا للكتاب والسنة لكونه حجة تثبت بالكتاب على ما ذكرنا.
(وأما الإيمان الإسلام) إلى آخره، وكان شيخي- ﵀ كثيرًا ما
стр. 1141
يقول في التفاوت بينهما مع أن أصلهما واحد: الإيمان: تصديق الإسلام، والإسلام: تحقيق الإيمان.
(ألا ترى أنا لنبي- ﷺ استوصف فيما يروى عنه عن ذكر الجمل دون التفسير، وكان ذلك دأبه) حتى قال للأعرابي الذي
стр. 1142
شهد برؤية الهلال: ((أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟ فقال: نعم فقال: الله أكبر يكفي المسلمين أحدهم)) أي يقبل شهادته.
(والمطلق من هذا) أي من الاستيصاف.
(فأما من استوصف فجهل فليس بمؤمن) لأن لم يقل نعم، والسنة في الاستيصاف على وجه الاستفهام، فيقال: إن الله تعالى واحد، قديم، عالم، فادر أهو كذلك؟ وأن محمدًا رسول الله جميع ما أنزل الله عليه حق أهو كذلك؟ فيقول: نعم.
стр. 1143
(وكذلك) الحكم (في الصغيرة) إذا بلغت، وإنما يستوصفها على وجه الاستفهام حتى يسهل عليه الجواب، هذا إذا لم يكن أقرت بالإسلام بعد ما عقلت.
فأما إذا وصفت الإسلام بعد ما عقلت لا يحكم بكفرها- وإن قالت بعد البلوغ: أن أعرف الإسلام وأقدر على الوصف ولا أصف،
قيل: ينبغي أن تبين من زوجها؛ لأنها امتنعت عما في ركن الإسلام وهو الإقرار باللسان من غير عذر فتكون مرتدة كما إذا بلغت عاقلة ولم تصف الإسلام.
وأما إذا قالت: أنا أعقل الإسلام لكن لا أقدر على الوصف- اختلف المشايخ فيه؛ منهم من قال: بأنها تبين لأنها لو تركت الوصف مع العلم بذلك تبين، فكذلك إذا كانت جاهلة؛ لأن الجهل في دار الإسلام لا يكون عذرًا.
ومنهم من قال: تعذر في ذلك، فإن السكران إذا تلفظ بالكفر لا يحكم بردته استحسانًا، وإن كان عجزه معصية فلأن تعذر هاهنا في العجز عن الوصف كان أولى. كذا في ((الجامع الكبير)) لقاضي خان- ﵀.
(وإذا ثبتت هذه الجملة) أي جملة ما ذكرنا من شرائط الراوي من الضبط والعقل والعدالة والإسلام (كان الاعمى من أهل الرواية)؛ لأن
стр. 1144
العمى لا يؤثر في الخبر؛ لأنه لا يقدح في العدالة.
ألا ترى أنه قد كان في الرسل من ابتلى بذلك كشعيب ويعقوب- ﵉ وكان في الصحابة من ابتلى به كابن أم مكتوم وعتبان بن مالك، وفيهم من كف بصره كابن عباس وابن عمر- ﵃ وغيرهما، وكذلك (المحدود في القذف من أهل الرواية) أي بعد التوبة بخلاف الشهادة،
стр. 1145
فإن رد شهادته من تمام حده ثبت ذلك بالنص ورواية الخبر ليست في معنى الشهادة.
ألا ترى أنه لا شهادة للنساء في الحدود أصلًا وروايتهن في الحدود كرواية الرجال، وفي رواية الحين عن أبي حنيفة- ﵄ لا يكون المحدود في القذف مقبول الرواية؛ لأنه محكوم عليه بكذبه بالنص، قال الله تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1146
................................................................
стр. 1147
باب بيان قسم الانقطاع
وقوله: (إن كلامنا في إرسال من لو أسند عن غيره) ضمن الإسناد معنى الرواية فعدى تعديتها بكلمة (عن).
(وعزم عليه) أي اعتمد عليه.
(فردوا أقوى الأمرين). المراد بالأقوى المرسل، وبالأمرين المرسل
стр. 1148
والمسند.
(إذا أثنى على من أسند إليه خبرًا ولم يعرفه بما يقع لنا العلم به صحت روايته)، وهو أن يقول: حدثني الثقة ولم يعرف مراده من هذا من هو؟
(وأما إرسال من دون هؤلاء) إلى آخره.
قال الإمام شمس الأئمة- ﵀: فأما مراسيل من بعد القرون الثلاثة فقد كان أبو الحسن الكرخي- ﵀ لا يفرق بين مراسيل أهل الأعصار، وكان يقول: من تقبل روايته مسندًا تقبل روايته مرسلًا بالمعنى الذي ذكرنا.
وكان عيسى بن أبان- رحمه الله تعالى- يقول: من اشتهر في الناس بحمل العلم منه تقبل روايته مرسلًا ومسندًا، وإنما يعني به محمد بن الحسن- ﵀-
стр. 1149
وأمثاله من المشهورين بالعلم، ومن لم يشتهر بحمل الناس العلم منه مطلقًا وإنما اشتهر بالرواية عنه فإن مسنده يكون حجة، ومرسله يكون موقوفًا إلى أن يعرض على من اشتهر بحمل العلم عنه.
وأصح الأقاويل في هذا ما قاله أبو بكر الرازي- ﵀: إن مرسل من كان من القرون الثلاثة حجة ما لم يعرف منه الراية مطلقًا عمن ليس بعدل ثقة، ومرسل من كان بعدهم لا يكن حجة إلا من اشتهر بأنه لا يروي إلى عن من هو عدل ثقة وهو معنى قوله: (إلا أن يروي الثقات مرسله كما رووا مسنده) بالإضافة فيهما
يعني لو نقل الثقات مراسليه ما ينقلون مسانيده لعدالته حينئذ يكون مراسيله أيضًا حجة كمسانيده؛ لأن نقل الثقات منه تعديل منهم إياه فتقبل.
стр. 1150
(حتى إن العام من الكتاب لا يخص بخبر الواحد عندنا) يعني أن الع ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ فإنه عام لم يثبت خصوصه فلا يجوز تخصيصه بخبر الواحد وهو ما روي عن رسول الله ﵊: ((الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًا بدم)) حتى لا يقتل الملتجئ إلى الحرم عندنا.
стр. 1151
(ولا يترك الظاهر من الكتاب بخبر الواحد وإن كان خبر الواحد نصًا كما قال في الكتاب في حديث فاطمة بنت قيس مع قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ظاهرة يقتضي جواز الطواف بغير طهارة وهو ليس بنص في هذا؛ لأن هذه الآية سيقت لبيان فرض الطواف لا للجواز بغير الطهارة أو بالطهارة، ومع ذلك لم يترك هذا الظاهر بالنص في الحديث، وهو قوله ﵇: ((الطواف صلاة)) فإن سوق هذا الحديث لبيان اشتراط الطهارة في الطواف كما في الصلاة، وكذلك حديث التسمية في الوضوء مع قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ على هذا التقدير الذي ذكرنا.
وقوله: (ولا ينسخ بخبر الواحد) كخبر وجوب الترتيب في آخر
стр. 1152
الوقت، لو لم يسقط الترتيب يلزم منه نسخ الكتاب؛ إذ الكتاب يقتضي جواز الوقتية في وقتها.
وقوله: (وقد قال النبي ﵇: ((تكثر الأحاديث من بعدي- إلى قوله:- وما خالفه فردوه))).
فإن قيل: كيف يصح الاحتجاج بهذا الحديث وهو بعينه مخالف لقوله تعالى: ﴿آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾؟
قلنا: الجواب عن هذا على وجهين:
أحدهما- إن هذه الآية في فعل النبي ﵇ في قسمة الغنائم أي ما أعطاكم الرسول من الغنائم فاقبلوه، وكلامنا في الأقوال لا في الأفعال، فلا تصح المخالفة بين الحديث والكتاب.
والثاني- إن كلامنا فيما لام يثبت أنه مما آتانا الرسل به قطعًا حتى إذا ثبت ذلك قطعًا لم يعمل بهذا الحديث كما في حق المتواتر وكما في حق السامع من
стр. 1153
في رسول الله ﵇.
(والأول فتح باب الجهل والإلحاد) أي من رد أخبار الآحاد فتح باب الجهل؛ لأن العمل باستصحاب الحال عمل بما يؤول إلى الجهل وفتح باب الإلحاد؛ لأن الإلحاد ترك العمل بالحجة والعمل بفير الحجة.
(والثاني- فتح باب البدعة) يعني أن العمل بأخبار الآحاد مطلقًا من غير العرض على الأصول يؤدي إلى العمل بالآحاد على وجه يوجب مخالفة الكتاب وإلى تأويل الأصول بهواهم، فتأويل الكتاب بهواهم بدعة، وفيه أيضًا جعل المتبوع تبعًا متبوعًا، وهو أيضًا بدعة- عصمنا الله عن ذلك-
стр. 1154
فالأول: مثل حديث القهقهة وحديث الترتيب لم يعمل بهما الشافعي- ﵀ وحديث أكل الناسي في الصوم لم يعمل به مالك- ﵀ بل عمل باستصحاب الحال.
وأما لثاني: فمثل قوله ﵇: ((إن الله تعالى خلق آدم على صورته))، وقوله ﵇ في الدعاء: ((أسألك بمقعد العز من عرشك)) وقوله عليه
стр. 1155
السلام: ((إن الجبار ليضع قدمه في النار وهو يضحك إلى أوليائه حتى يبدو نواجذه))، والمشبهة يتعلقون بمثل هذه الأحاديث في إثبات التشبيه من غير عرض هذه الأحاديث على الآية المحكمة التي توجب نفي التشبيه فلا
стр. 1156
تقبل الآحاد فيها لكونها مخالفة للآيات المحكمة، والدلائل العقلية على أن لهذه الأحاديث تأويلات على وجه لا يلزم منها التشبيه.
(ومثال هذا) أي مثال ما خالف الكتاب من الأحاديث حديث (مس الذكر).
قيل: سأل النبي ﵇ عن الذين نزلت الآية في حقهم فقال: ((ما هذه الطهرة التي خصصتم بها؟)) فقالوا: كنا نتبع الحجارة الماء ولو كان مس الذكر حدثًا كان بمنزلة البول فا يليق من الحكيم أن يمدحهم بالبول، وإن كان هو إزالة عن نفسه النجاسة الحقيقية؛ لأنه إثبات للنجاسة الحكمية فمن كان مثبتًا للنجاسة لم يكن مستحقًا للمدح بذلك الفعل.
стр. 1157
(وكذلك مما خالف الكتاب من السنن أيضًا حديث القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أمر بفعل مجمل في حق العدد، ثم فسر ذلك بنوعين: برجلين، أو رجل وامرأتين.
كان ذلك بياتًا أن ما هو المراد من الأمر هذا. كقولهم: كل طعام كذا، فإن لم يكن فطعام كذا يكون هذا بيانًا لما هو المجمل من المأكول وحصر للإباحة في هذين الطعامين. كما في قوله:
أذنت لك أن تعامل فلانا، فإن لم يكن هو ففلانا، فاقتضى الكتاب حصر الحجة على هذين النوعين، فكان حديث القضاء بالشاهد واليمين مخالفًا له فيرد.
стр. 1158
(ولا مزيد على الأدنى) أي لا يكون من الأدنى أدنى يعني لا يكون شيء أدنى من هذا كما في قوله: أقل الحيض كذا وأقل مدة السفر كذا لا يكون غيره أدنى منه، إذ لو كان غيره أدنى منه لم يكن هذا أقل.
(ويمين الخصم) أي يمين المدعي (في الجملة مشروعة) كما في التحالف.
(ومثله خبر المصراة) وهو قوله ﵇: ((لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحيلها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر)) كذا في ((المصابيح)) يقال: صر الشاة وغرها إذا لم يحتلبها أيامًا ليمتلي ضرعها من اللبن.
стр. 1159
(ومثل حديث سعد بن أبي وقاص في بيع التمر بالرطب) أن النبي ﵇ قال: ((أو بنقص إذا جف؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن)) قال أبو حنيفة- ﵁: لا يقبل هذا الحديث؛ لأنه مخالف للسنة المشهورة وكان ناسخًا لها، وهي (قوله ﵇ ((التمر بالتمر مثل بمثل))) ففيه اشتراط المماثلة بالكيل مطلقًا، فالتقييد باشتراط المماثلة في أعدل الأحوال وهو الجفوف يكون نسخًا للمشهور، وهذا لأن التمر اسم للتمرة الخارجة من
стр. 1160
النخل من حين تنعقد صورته، فإعراض الأحوال عليها بمنزلة إعراض الأحوال على الإنسان، فكان التمر اسم جنس كالإنسان، فإنه يطلق على الصغير والكبير من الإنسان، فكذا اسم التمر يتناول الرطب وغيره، والنبي ﵇ شرط المماثلة كيلًا بكيل مطلقًا.
علم بهذا أن المماثلة إنما تعتبر حالة الكيل ولا تعتبر مماثلة تحصل في عاقبته وهي الجفاف؛ لأن ذلك يتعلق بصفة وهي الجودة ووهي غير معتبرة في المقدار، وهو معنى قوله: (فصار نسخًا للمشهور بزيادة مماثلة ليس من المقدار) يعني أن كيلًا من رطب لا يماثل كيلًا من تمر بعاقبته، بل كيل من تمر زائد على كيل من رطب فيكون ربًا. إلا أنهما قالا: اسم التمر لا يتناول الرطب في العادة في مسألة اليمين لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا، أو حلف لا يأكل من هذا الرطب فأكل بعد ما صار تمرًا لا يحنث.
قلنا: الحقيقة قد ترك في باب الأيمان على ما عرف، وكذلك اليمين تتقيد بوصف في العين إذا كان ذلك داعيًا إلى اليمين، وهذا لا يدل (على أن التمر لا يتناول الرطب).
следующие страницы →