Полный текст (2 351 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
(فأنزل المتشابه تحقيقًا للابتلاء) في حقه فكان ابتلاؤه في التوقف عن الطلب.
(وهذا أعظم الوجهين بلوى) يعني أن الابتلاء في الوقف عن الطلب أعظم من ابتلاء في الطلب بالمبالغة في السير؛ لأن الابتلاء في الوقف أن يسلم ذلك إلى الله تعالى ويفوضه إليه، فكان هذا أقوى من الابتلاء بالطلب؛ لأن هذا ينشأ من العبودة، والابتلاء بالإمعان في السير ينشأ من العبادة، والعبودة أقوى من العبادة؛ لأن العبودة الرضا بما يفعل الرب، والعبادة فعل ما يرضى له الرب من العبادات، فالأول أشق فكان أفضل؛ وهذا لأن العبودة أن لا يرى العبد متصرفًا في الحقيقة إلا الله، فيفوض أمره إليه في كل حال أفقره، أو أغناه، أبهجه، أو أشجاه أسمنه، أو أضناه ألبسه، أو أعراه، أمانه، أو أحياه. ضره، أو نفعه، جوعه، أو أشبعه. فإن المتصرف في الحقيقة هو الله تعالى، فإنه خالق كل شيء، فيجب على العبد التسليم في كل حال؛
стр. 107
ولأن العبادة قد تسقط، والعبودة لا تسقط في الدارين.
أو نقول: إن هذه الدار دار ابتلاء. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ والابتلاء من الله إظهار ما علم من المكلف، والبليات أنواع بعضها فوق بعض، وأهل الإيمان كذلك، قال النبي- ﵇:- "إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل" فلما كان المكرم بالعلم والاجتهاد أفضل ممن كان مبتلي بالجهل كان ابتلاؤه أعظم أيضًا.
أو نقول: إن في هذا الابتلاء ابتلاء للقلب خاصة، والقلب رئيس الأعضاء، فكان عمله أيضًا رئيس الأعمال؛ لأن تفاصيل الأعمال بحسب تفاضل العاملين.
والدليل على أن عمل القلب أعظم من عمل الجوارح أنه لو ترك عمل القلب فيما يجب الاعتقاد فيه يكفر، ولو ترك العمل فيما يجب فيه العمل بالجوارح لا يكفر، علم بهذا أن عمل القلب أعظم من عمل الجوارح.
أو نقول: في المتشابه نهي للمكلف عن الطلب، وحجر عنه بطريق
стр. 108
الابتلاء، وفي حق من يطالب بالإمعان في السير في حق الطلب أمر بالإمعان فيه بطريق الابتلاء، والابتلاء بالنهي أشد من الابتلاء بالأمر، فكان ثواب الانتهاء أكثر من ثواب الائتمار، فكان الانتهاء أولى، وإليه وقعت الإشارة في قوله- ﵇: "لترك ذرة مما نهى الله تعالى خير من عبادة الثقلين" وهذا لأن العامل بالانتهاء مقيم للفرض أبدًا؛ لأن الانتهاء فرض ممتد بخلاف المتمثل بأمر العبادات من الصلاة والزكاة، فإنه فيما وراء الفرائض مقيم للتطوع، وثواب الفرض أكثر من ثواب التطوع، فكان الانتهاء أولى لذلك.
(وأعمها نفعصا وجدوى) أي من حيث الثواب؛ لأن الابتلاء بالمتشابه لما كان أشد بهذه الوجوه الأربعة من الابتلاء بغيره كان الثواب الحاصل به أكثر وأعم، ولأن حكم هذا الابتلاء الصبر، والصبر على البلاء أكثر ثوابًا من غيره، ولهذا وعد الله الصابرين أجرهم بغير حساب، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
قال الأستاذ الكبير العلامة مولانا شمس الدين الكر دري- ﵀ في الحديث: "إن الله تعالى خلق في الجنة منازل في الهواء غير معلقة بشيء، لا يسكنها أحد لصلاته ولا لصيامه! قالوا: ومن يسكنها؟ قال: أهل البلاء. قالوا: وكيف يدخلونها؟ قال: وكما يطير الطير".
стр. 109
(وهذا يقابل المحكم) إذ المحكم لما بلغ غايته في البيان والإظهار كان ضده المتشابه بلغ غايته في الإشكال والإجمال، أو أن المحكم لما كان مأمون النسخ كان ضده المتشابه ميئوس الوقوف، فكل منها غاية فيما هو فيه.
(ومثاله إثبات رؤية الله تعالى) أي إثبات جواز رؤية الله تعالى في الاعتقاد بالدليل بالإبصار (عيانًا)، وقوله "عيانًا" مخصوص ذا الكتاب في بعض النسخ.
(وأن يكون مرئيًا لنفسه ولغيره من صفات الكمال)؛ لأن الذي لا
стр. 110
يُرِي نفسه في الشاهد إما لنقصان فيه أو لعجز به، فإن من يستتر عن أعين الناس إنما يتستر لحقارته ودناءته وكونه مئوفًا بالعيوب؛ لئلا يقصدوه بقتل أو غيره.
وهو لا يقدر على مقاومتهم ومدافعتهم، والله تعالى موصوف بصفات الكمال بحيث لا يقدر أحد أن يبلغ كنه صفة من صفاته، لما أن صفات العبد متناهية، وصفات الله -تعالى- غير متناعية، وهو أجمل من كل جميل منزه عن كونه مئوفًا، وهو أيضًا قاهر كل شيء، وغال عليه؛ إذ له القدرة الشاملة على جميع المقدرات، وليس له خوف من أحد، وفي الشاهد من كان موصوفًا بصفات الكمال ولا يخاف من الرائين فإنه لا يستتر، بل يتجلى بالبروز والظهور، وجل ربنا عن النقصان إذ له الكماليات أجمع، عز العجز؛ لأنه الموصوف بالقدرة الأزلية.
(لكن إثبات الجهة ممتنع)؛ لأنه لا جهة له؛ لأنه يوجب كونه محددًا
стр. 111
مقطرًا متناهيًا، وهو آية الحدث، وإذا ثبت أن الله تعالى قديم لا يكون محدودًا متناهيًا، فلا يكون هو في جهة، فكانت الجهة ممتنعة، والرؤية في الشاهد تستدعي الجهة؛ لأنه ما من مرئي في الشاهد إلا هو في الجهة إما بذاته كالجوهر أو بمحله كالعرض، فبالنظر إلى أصل الرؤية وكونه ثابتًا بالنص. قلنا بوجوب أصل الرؤية، وبالنظر إلى استدعاء الرؤية الجهة في الشاهد كانت الرؤية ممتنعة، فكان القول بجواز الرؤية متشابهًا من حيث الوصف وثابتًا، بل
стр. 112
واجبًا من حيث الأصل، ولا يصح إبطال الأصل لتشابه في الوصف؛ لأن الوصف تبع فلا يصح إبطال الأصل لبطلان التبع، والقاطع للشغب ها هنا هو أن نقول: إن الأصل إذا ثبت بالدليل في الغائب لا يصح إبطال ذلك الأصل بسبب أوصاف لا يعقل وجود ذلك الأصل بدون تلك الأوصاف، وإن كنا لم نشاهد ذلك الأصل في الشاهد بدون تلك الأوصاف.
ألا ترى أنا لم نشاهد موجودًا ما إلا أن ذلك الموجود كان جوهرًا أو جسمًا أو عرضًا، ثم أجمعنا واتفقنا مع الخصوم في أن الله تعالى موجود وليس هو موصوف بواحدة من صفة الجوهرية والجسمية والعرضية، ولم يدل عدم هذه الصفات في حقه على ذاته مع أنا قطعنا على استحالة وجود شيء في الشاهد وهو غير موصوف بواحدة من هذه الصفات، فعلمنا أن أصل وجود الشيء إذا ثبت بالدليل في الغائب ثم امتنعت صفة وجود ذلك في حقه في الشاهد أن ذلك لا يدل على امتناع أصله في الغائب، فكذا فيما نحن فيه لما ثبت أصل جواز رؤية الله تعالى في دار الآخر بالدليل القطعي لا ينتفي ذلك الأصل بسبب أوصاف يستحيل وجود تلك الأوصاف في حق ذلك الأصل.
أو نقول: إن الرؤية تزيد الكشف في المعلوم، والله تعالى موصوف بكونه ظاهرًا، وثبت ظهوره لنا بالدلائل العقلية والسمعية، وثبت أيضًا بالآيات التي هي خارجة عن قوى البشر، كانشقاق القمر، وانفلاق البحر، وانقلاب العصا حية وغير ذلك، ولا شك في أنه بظهور هذه الآيات يزداد العلم بالله تعالى،
стр. 113
والرؤية من أسباب العلم أيضًا، فجاز أن تثبت لزيادة الكشف في المعلوم.
والمؤمن أهل لذلك؛ وإنما ذكر هذا؛ لأنه رب شيء يكون ممكنا في نفسه لكنه غير واقع لعدم الأهل، والمؤمن أهل لاستحقاق الكرامات التي سوى هذه الكرامة من المحبة، والولاية، والإيحاء إليه، والكلام معه، فتستدل بهذا على أن المؤمن أهل لذلك.
(فصار متشابهًا بوصفة فوجب تسليم علم المتشابهة) إلى الله تعالى، يعني أن كونه مرئيًا ثبت بالدليل، ولكن ذلك يقتضي الجهة؛ لأن الرؤية في الشاهد تقتضي كون المرئي في جهة من الرائي، والشاهد دليل الغائب، والله تعالى لا جهة له، فكان متشابهًا فيما يرجع إلى كيفية الرؤية والجهة مع كون أصل الرؤية ثابتًا بالنص، فيجب تسليم علمه إلى الله تعالى، ولا يشتغل بأن كون المرئي في جهة الشاهد من القرائن اللازمة أم من الأوصاف الاتفاقية؟ بل يجب التسليم، وهذا طريق بعض المحققين في المتشابه.
وأما المتبحرون من علماء أهل السنة والجماعة فيقولون: كون المرئي ذا جهة في الشاهد من القرائن اللازمة، بل إنما كانت في الشاهد في جهة؛ لأنه ذو جهة فيرى كذلك.
وأما الله تعالى فليس بذي جهة فيرى كذلك؛ لأن الرؤية تحقق الشيء بالبصر كما هو.
стр. 114
والدليل على هذا: أن الله تعالى يرانا ولسنا بجهة منه، فعلم أن كون المرئي في جهة ليس من القرائن اللازمة للرؤية، بل من الأوصاف الاتفاقية، ككون الباني في الشاهد محدثًا ولحمًا ودمًا وذا صورة، ولا نقول في الغائب كذلك لكون هذه الصفات للباني في الشاهد من الأوصاف الاتفاقية بالإجماع، فكذلك فيما نحن فيه.
(وكذلك إثبات الوجه واليد حق عندنا معلوم بأصله)؛ لأن الله تعالى نص في القرآن به في حقه، وكيفية ذلك من المتشابه؛ لأن الله تعالى منزه عن الجارحة، فلا نبطل الأصل المعلوم بسبب ذلك التشابه.
فإن قيل: لما ثبت أصل ذكر الوجه واليد في حق الله تعالى: هل يصح إطلاق معنى الوجه واليد في حق الله تعالى بغير العربية بأن يقال: دست خداي، وروي خداي، أم لا؟
قلنا: قد ذكر الإمام الأجل المتقن مولانا جمال الدين المحبوبي- رحمة الله- في كتاب العتاق من كتاب "الفروق في بيان الفرق" بين قوله: يا أزاد. وبين قوله: يا حر أن الفارسية إذا عربت تكون أصلح وأوفق، أما العربية إذا فرست فسدت.
ألا ترى أنه يقال: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ولا يقال: دست خداي زير
стр. 115
همه دستهاست. ولو قال به كفر.
(ولن يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف)؛ لما فيه من إبطال الأصل بسبب الوصف، وذلك لا يجوز؛ لما ذكرنا أن الأصل إذا ثبت في حق الله تعالى بالدليل القطعي لم يجز إبطال ذلك الأصل بسبب أوصاف ذلك الأصل الذي لا يعقل في الشاهد وجود ذلك الأصل بدون تلك الأوصاف، فلا يصح أن يقال: وتلك الأوصاف لا يصح ثبوتها في حق الله تعالى فيجب ألا يصح الأصل الثابت بالدليل القطعي أيضًا، كما لا يصح أن يقال: إن موجودًا ما لا يتصور ثبوته في الشاهد بدون أن جوهرًا أو جسمًا أو عرضًا، وهذه لا تتحقق في حق الله تعالى فلا يصح وجود الله تعالى لما فيه من إبطال الأصل بسبب أن وصف ذلك الأصل لا يتحقق في حقه وهو لا يجوز فكذا هنا. وكذلك أيضًا في الشاهد لا يجوز إبطال الأصل بسبب الجهل بوصفه كمن كان على شط نهر كبير لا يتصور في ذهنه العبور من هذا النهر، ثم رأي شخصًا فيما وراء النهر من الشط ثم رآه في هذا الجانب الذي فيه، فلا يشك في ثبوت عبوره وتحققه وإن جهل هو طريق العبور، لما أنه ثبت له كونه
стр. 116
في هذا الجانب بالدليل القطعي، وهو رؤيته ذلك في هذا الجانب، فكذلك ها هنا لما ثبت صفة الكمال لله تعالى بالدلائل القطعية لم يجز إبطالها بسبب الجهل بطريق الثبوت، وفي هذا حكاية، وهي أن جهنم بن صفوان الترمذي كان يدعو الناس إلى مذهبه الباطل، وهو أن الله تعالى عالم لا علم له، قادر لا قدرة له، وكذا في سائر الصفات. وكان جلس يومًا يدعو الناس إلى هذا المذهب، وحوله أقوام كثيرة إذ جاء أعرابي، ووقف حتى سمع مقالته، فأرشده الله تعالى إلى علم بطلان هذا المذهب، فأنشأ يقول:
ألا إن جهمًا كافر بان كفره ... ومن قال يومًا قول جهم فقد كفر
لقد جن جهنم إذ يسمى إلهه ... سميعًا بلا سمع بصيرًا بلا بصر
عليمًا بلا علم، رضيًا بلا رضا ... لطيفًا بلا لطف، خبيرًا بلا خبر
أيرضيك أن لو قال يا جهم ... قائل: أبوك امرؤ حر خطير بلا خطر
مليح بلا ملح بهي بلا بها ... طويل بلا طول يخالفه القصر
حليم بلا حلم، وفي بلا وفا ... فبالعقل موصوف وبالجهل مشتهر
جواد بلا جود، قوي بلا قوى ... كبير بلا كبر، صغير بلا صغر
أمدحًا تراه أم هجاء وسبة ... وهزءًا كفاك الله يا حمق البشر
فإنك شيطان بعثت لأمة ... تصيرهم عما قريب إلى سقر
стр. 117
فألهمه الله تعالى حقيه مذهب أهل السنة والجماعة، وأراه بطلان مذهبه، فرجع كثير من الناس ببركة أبياته، وكان عبد الله بن المبارك- ﵀ يقول: إن الله- تعالى- بعث الأعرابي رحمة لأولئك، فيجب على كل أحد أن يعلم معنى هذه الأبيات لأولاده وعبيده، ذكرت هذه الجملة في "أصول الدين" لأبي عصمة- رحمة الله-
(فصاروا معطلة) أي صاروا غير قائلين بالصفة لله- تعالى- فإن العطل- بفتحتين- يستعمل في الخلو من الحلي في الأصل ذكره في الصحاح، واستعير ها هنا لعدم الصفة، ألا ترى أن الصفة تسمى حلية.
стр. 118
[الحقيقة والمجاز]
(وتفسير القسم الثالث). هذا باعتبار أصل التقسيم، وفي نسخة وتفسير القسم الرابع، وهو باعتبار ذكر المقابل.
(ولا تسقط عن المسمى أبدًا) يعني: إن اللفظ الحقيقي لا يسقط عما وضع له، كالأسد لا يسقط عن الهيكل المخصوص أبدًا.
واعلم أن الحقيقة والمجاز من أوصاف اللفظ دون المعنى. يقال: لفظ حقيقة، ولفظ مجاز، لما أن الحقيقة سميت حقيقة؛ لأنه حق لها أن يراد بها ما وضعت هي له، وهذا يأتي في اللفظ دون المعنى، والمجاز لما كان مأخوذًا من الجواز وهو التعدي ورد في اللفظ؛ لأن التعدي يتأتي في اللفظ دون المعنى مستقر في كلًا المحلين؛ ولأن الفاصل بين الحقيقة والمجاز استقامة نفي المجاز عن محل المجاز، والمعنى لا يستقيم نفيه.
(والمجاز ينال بالتأمل في طريقه) أي في طريق المجاز. بأن يتأمل أن صحة المجاز بأي وجه، وبأي طريق يصح المجاز، وذلك ستة أشياء:
стр. 119
المستعار، والمستعير، والاستعارة، والمستعار له، والمستعار عنه، وما تقع به الاستعارة. يعني عند وجود هذه الأشياء يعلم طريق المجاز، فحينئذٍ ينال المجاز في طريقه (ويحتذي بمثاله) أي يجعل المجاز مقتديًا بمثاله وهو الحقيقة. يعني ينظر أن في الحقيقة ما هو مخصوص به ومشهور فيه ثم وجد المجاز نظيرًا لتلك الحقيقة في حق ذلك الوصف المخصوص المشهور فيه، فاحتذى المجاز بذلك المثال وهو الحقيقة، فأطلق اسم تلك الحقيقة على هذا المجاز الذي أحتذي بها. أي جعل المجاز مقتديًا بتلك الحقيقة، يقال: احتذي مثاله. أي اقتدي به. كذا في الصحاح.
(ومثال المجاز من الحقيقة مثال القياس من النص).
بيان هذا أن الحكم في المنصوص عليه يثبت بالنص، كالموضوع له يثبت باللفظ، ثم يتأمل في معاني النص في المحل المنصوص عليه لاستخراج المعنى الذي تأثير في استدعاء هذا الحكم لتعدية الحكم إلى غير المنصوص عليه، فإذا وجد مثل هذا المعنى في غير المنصوص عليه ألحق به. يعني يثبت مثل ذلك الحكم في هذا المحل، وكذلك يتأمل في معاني محل الحقيقة، أعني المعاني اللازمة للحقيقة المشهورة فيها لا كل معنى كما في النص لما في اعتبار كل
стр. 120
معنى للنص إسقاط الأبنتلاء.
ألا ترى أن العرب تسمي الشجاع أسدًا للاشتراك في المعني الخاص اللازم المشهور له لا في كل معنى، فإذا وجد مثل ذلك المعنى في محل آخر استعير هذا اللفظ كما قلنا في القياس مع النص، إلا أن التفاوت بين الحقيقة والمجاز وبين النص والقياس هو اعتبار المعاني اللغوية في الحقيقة والمجاز، واعتبار المعاني الشرعية في النص والقياس.
[الصريح والكناية]
(وأما الصريح)، فإن قيل: ما الفرق بين الظاهر والصريح مع أن المراد بكل واحد منهما ظهور المراد؟
قلنا: الفرق أن الصريح ينضم إليه كثرة الاستعمال فيسمى صريحًا، ولا يشترط ذلك في الظاهر. كذا ذكر في: "ميزان الأصول".
وفرق آخر أن الظاهر قد يكون بطريق الإشارة، والصريح قط لا يكون بطريق الإشارة.
стр. 121
وفرق آخر وهو أن الظاهر لا يكون مرادًا بسوق الكلام، والصريح هو المراد بسوقه، ثم لا يشترط في الصريح كونه حقيقة، بل قد يكون حقيقة كما في قوله: بعت، واشتريت، وقد يكون مجازًا كالمجاز المتعارف كما في قوله: لا يضع قدمه في دار فلان، فإنه صار صريحًا في حق الدخول في العرف وهو مجاز.
(القذور): اسم امرأة، وهي التي تتقذر أي تتنزه عن الأقذار.
المصارحة: باكسي رويا روي كاري كردن، واستعملها هنا بمعني التصريح الذي هو خلاف التعريض، وتقرير الكناية قوله تعالى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ تعريض للحدث بالمكان المطمئن من الأرض.
فإن قيل: هذا مجاز. قلنا: لا تنافي بينهما؛ إذ الكناية لا تختص
стр. 122
بالحقيقة على ما عرف في "التقويم" وقال الإمام مولانا بدر الدين الكر دري- ﵀: والفرق بين المجاز والكناية: أن المجاز مع الحقيقة لا يجتمعان، والكناية قد تجتمع مع الحقيقة؛ لأن الحقيقة مراده في موضع الكناية مع ما كني له، والحقيقة ليست مراده في موضع المجاز، بل تنحى الحقيقة إذا أريد المجاز، ولا تنتحي الحقيقة إذا أريد الكناية. بيانه في كثير الرماد عند إرادة الجود به، فإن كثرة الرماد تراد ويفهم مع ما أريد به الجود، فإنه إذا كان كثير الرماد كان كثير الإيقاد، وكان كثير الطبخ، وكان كثير القرى، وكان جوادًا، فأريد كثرة الرماد لا لذاته ولكن لإثبات الجود، وكذلك في طويل النجاد.
وأما في قوله: علي أسد الله. لا يثبت منه الهيكل المخصوص البتة، ولا
стр. 123
تثبت الحقيقة أصلًا لكن الكناية فيها استتار المراد، وهذا الاستتار يجوز أن يكون في موضع الحقيقة، كما لو قال لامرأته: أنت حرام، ونوى به الطلاق يثبت به الطلاق البائن فكان كناية في موضع الحقيقة أو في موضع المجاز، كما في قولته تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ فهو كناية عن الحدث في محل المجاز بطريق اسم المحل على الحال.
[٢ - إشارة النص]
(والاستدلال بإشارة النص هو العمل بما ثبت بنظمه لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النظم)
فعلى هذا لا فرق بين الإشارة والظاهر من حيث إن الكلام لم يسق لهما، ولكن يفترقان من حيث إن الإشارة قد تقع خفية فتحتاج إلى نوع تأمل بخلاف الظاهر، فإنه ظاهر كاسمه لا يخفي على أحد، ولهذا خفي على الشافعي حكم الإشارة في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ حيث قال بعدم زوال أملاكهم عما خلفوا في دار الحرب.
стр. 124
(وليس بظاهر من كل وجه) فمن حيث إنه لم يسق الكلام له ليس بظاهر، ومن حيث أنه يعلم المراد به ويثبت الحكم بالنظم ظاهر، وإنما سيق النظم أي قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (لاستحقاق سهم من الغنيمة على سبيل الترجمة لما سبق) أي على سبيل البيان والبدل لما سبق، وهو قوله تعالى:
﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ إلى قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ وقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ بدل من
﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ إلى أخره، ففي هذا البدل زيادة تشريف لهم للتخصيص بعد التعميم، أو قوله:
﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ معطوف على الأول بغير واو، وهو جائز، كما يقال: هذا المال
стр. 125
لزيد ولعمر، ولبكر.
(إلى إن النسب إلى الآباء)؛ لأنه ذكر بحرف اللام، واللام للاختصاص.
يقال: المال لزيد. أي مختص به، ولو لم يكن كل النسب إليه، يكون حينئذٍ بعض المولود له فلا اختصاص فيه.
(وإلى قوله- ﵇ "أنت ومالك لأبيك") أي في الآية إشارة إلى أن النسب إلى الآباء، وإشارة أيضًا إلى عبارة قوله- ﵇ وإلى ما هو المفهوم منه، وهو قوله- ﵇: "أنت ومالك لأبيك" لكن لا يتحقق الملك في ذاته؛ لأنه ابنه فصرف إلى النسب، وكذلك لا يتحقق ملك الرقبة في ماله؛ لأن ملك الرقبة في جميعه ثابت للابن فصرف إلى جواز تملك أبيه عند الاحتياج.
ونظير هذا أي في أن الثابت بإشارة الكتاب ثابت بعبارة الحديث سقوط
стр. 126
النجاسة عن سؤر هرة، لكن فيه دلالة الكتاب قامت مقام إشارته ها هنا، وذلك أن سقوط النجاسة عن سؤر الهرة ثابت بدلالة الكتاب الذي أجب سقوط استئذان في غبر أوقات الثلاثة لعلة ضرورة الطواف في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَاذِنْكُمْ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى أن قال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ فإن هذا الحكم بعينه ثابت بعبارة الحديث حيث قال: " الهرة ليست بنجسة فإنها من الطوافين والطوافات عليكم"
(وفيه إشارة إلى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إذا رفعت مدة الرضاع) لأنه قال في آية أخرى:
﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فبقى للحمل ستة أشهر،
стр. 127
وهي أدنى مدة يتصور فيها وضع الولد، فكان هذا في الحقيقة من قبيل بيان الضرورة، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فإنه لما رفع الثلث للأم كان الباقي- وهو الثلثان- للأب؛ لأنه لا وارث غيرهما، فكذا ها هنا لما رفعت مدة الرضاع من ثلاثين شهرًا لعامين بقي للحمل ستة أشهر.
وروى: أن امرأة ولدت لستة أشهر يعني من وقت التزوج، فرفع ذلك إلى عمر- ﵁ فهم برجمها، فبلغ ذلك عليا- ﵁ فقال: لا رجم عليها، فبلغ عمر قول علي- ﵁ فأرسل إليه فسأله عن ذلك فقال: قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وقال أيضًا: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ فستة أشهر وحولان ثلاثون شهرًا، فخلى سبيلها
стр. 128
كذا في "التيسير".
ثم روى مثل هذه الحكاية بين عثمان وابن عباس- ﵃ وهذا التمسك بهذه الآية في أن تقسم مدة الثلاثين بين الحمل والفصال بطريق الاشتراك فيها على مضاد التمسك بهذه الآية في تعليل أبي حنيفة- ﵁ في "الهداية" حيث جعل هذه المدة لكل منهما على الكمال، ثم ظهر المنقص في أحدهما وهو الحمل فبقي الباقي وهو الفصال على حاله بمدة ثلاثين
стр. 129
شهرًا كالأجل المضروب للدينين. يعني إذا ظهر المنقض في أحدهما يبقى الباقي على حاله بكمال المدة.
[٣ - دلالة النص]
(وأما الثابت بدلالة النص فما ثبت بمعنى النص لغة) أي كل من يعرف اللغة العربية يعرف الحكم الثابت بدلالة النص، فكان ذلك الحكم ثابتًا من حيث اللغة، فمعرفته غير متوقفة على الرأي والاستنباط.
(فالاجتهاد) بذل المجهود- وهو الطاقة- لنيل المقصود.
стр. 130
(والاستنباط): استفعال من النبط، وهو الركية التي أخرجها الحافز بكد عظيم، والعلم منه بمنزلة الماء؛ لأن فيه حياة الدين كما أن الماء حياة الأرض.
سمي الاجتهاد استنباطًا؛ لأن الوقوف على المعنى المؤثر متعسر، وهذا من ترشيح الاستعارة؛ لأن العلم لما كان ماء بطريق الاستعارة سمي استخراج المعنى المؤثر من النص استنباطًا ترشيحًا للاستعارة.
ألا ترى أن موضع التعليل يسمى مورد التعليل، وهو موضع ورود الماء من الوارد، وهم الذين يردون الماء. وكذلك سمي نقل العلم رواية، إلا أن رواية العلم من حد ضرب، والري في الماء من حد علم، وهما يشتركان في اسم الفاعل حيث يقال لكل منهما: راوٍ، والاشتراك في الحروف يوجب
стр. 131
الاشتراك في تقارب المعنى لما عرف في حروف الربح والكناية، وعن هذا أيضًا شبه النبي- ﵇ العالم بالعين الفوارة في قوله: "إنما مثل العالم كالحمة تكون في الأرض يأتيها البعداء ويتركها الأقرباء، فبينا هم كذلك إذ غار ماءها فانتفع بها قوم وبقي قوم يتفكهون" الحمة: -بفتح الحاء- عين حارة الماء يستشفى بها المرضى والإعلاء، يتفكهون: أي يتندمون ويتعجبون من شأن أنفسهم، وما فرطوا فيه من طلب حظهم مع إمكانه
стр. 132
وسهولة مأخذه.
(فهذا فعل معلوم بظاهرة) وهو قوله: ﴿أُفٍّ﴾ مفهوم بمعناه أيضًا وهو الأذى، فإنه إنما كان حرامًا لكونه أذى فكان الأذى منهيًا عنه بمعنى النص بطريق اللغة، فصار من حيث المعنى كأنه قال: فلا تؤذهما، ولو قال هكذا كان الضرب والشتم حرامًا لوجود الإيذاء بهما، فكذا هنا من حيث المعنى. (كمعنى الإيلام من الضرب) يعنى لو قيل: لا تضرب كان يعلم منه النهي عن الإيلام، كما لو قال: لا تؤلم.
ألا ترى أنه لو حلف لا يضرب امرأته فنخنقها أو عضها أو مد شعرها حنث، كما لو حلف لا يؤلم امرأته.
стр. 133
وحاصله أن نص التأفيف أوجب حكمتين:
أحدهما- بظاهرة أي بعبارة النص، وهو حرمة التأفيف، فإن العبارة نطقت به.
والثاني- بدلاته، وهو حرمة الضرب والشتم، وكذلك قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ أوجب حكمين: أحدهما- بعبارته، والثاني- بإشارته، حتى شارك فيه غير الفقهاء أهل الرأي والاجتهاد.
فإن قلت: والشافعي لم يعمل بوجوب الكفارة في الأكل العمد مع أن ذلك ثابت بدلالة النص؛ إذ القياس لا يجري في الكفارات، ففي هذا إخراج الشافعي عن كونه من أهل الاجتهاد، بل عن كونه من أهل اللغة فكان هو غير مدرك لدلالة النص مع كونه من أهل الاجتهاد ومن أهل اللغة، فما وجهه؟
قلت: قد أسلفت جواب هذا وما يشاكله في "الوافي".
стр. 134
وحاصل ذلك أنا لما أثبتنا فيه وجه دلالة النص وبينا المساواة بين وجوب الكفارة بالجماع وبين وجوب الكفارة بالأكل العمد والشرب العمد بحيث لم يبق لمنصف شبهة. بعد ذلك لم يضرنا خلاف من يخالفنا فيه، وإن كان هو من أهل الاجتهاد، فكان التقصير من قبله لا في حق ثبوت دلالة النص.
[٤ - اقتضاء النص]
(وأما الثابت باقتضاء النص) أي الحكم الثابت باقتضاء النص (فما لم يعمل إلا بشرط تقدم عليه) أي فما لم يعمل النص وهو المقتضي إلا بشرط وهو المقتضي تقدم عليه أي تقدم اشرط على النص، وهو المقتضي.
قوله: (وأما الثابت باقتضاء النص فما لم يعمل إلا بشرط تقدم عليه) أي وأما الحكم الثابت باقتضاء النص فهو الحكم الذي لم يعمل النص فيه إلا بشرط تقدم على ذلك النص، وحذف الضمير الراجع إلى الحكم الموصوف
стр. 135
كان نظير حذف الضمير الراجع إلى الموصوف في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ أي لا تجزي فيه نفس؛ لأن المقتضى هو الذي ثبت زيادة على النص شرطًا لصحة المقتضى، فكان المقتضى ثابتًا ضرورة صحة النص؛ إذ لا صحة للنص بدونه، فتثبت المقتضى شرطًا لصحة لمقتضى بمنزلة الشروط، والمقتضى بمنزلة الشرط؛ إذ لا صحة للمشروط بدون الشرط، فكان المقتضى تبعًا للمقتضي كالشرط تبع للمشروط، فيبثث بقدر ما يصبح النص، ولهذا قلنا: إن المقتضى لا عموم له؛ لأن ثبوته بطريق الضرورة، ولا ضرورة في الزائد على الخصوص، فلا يثبت العموم جريًا على الأصل؛ لأن الأصل أن ما لا يكون مذكورا لا يكون مذكورًا، وهو معنى قول المشايخ: ما ثبت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة، فإذا ثبت أن ثبوت المقتضى لصحة المقتضي يثبت بما هو يصلح تبعًا لا أصلًا.
ولهذا قال علماؤنا- ﵏:- إن الكفار لا يخاطبون بالشرائع؛ إذ لو كان الكافر مخاطبًا بالشرائع يكون الإيمان ثابتًا بطريق الاقتضاء، والإيمان لا يصلح أن يكون تبعًا لما هو تبعه؛ لأن جميع الأحكام الشرعية من العبادات تبع للإيمان، الشيء لا يصلح أن يكون تبعًا لما هو تبعه.
ولهذا قلنا: إن المولى إذ دفع رقبة إلى عبده وقال: كفر عن كفارة يمينك بإعتاق هذا العبد. لم يثبت عتق العبد المخاطب بهذا الكلام، وإن كان هذا
стр. 136
الكلام مقتضيًا عتقه ضرورة؛ لما أن العبد لا يصير مالكًا للتكفير بالإعتاق إلا بعد عتقه أولًا، فلا يثبت العتق بمقتضي قوله: كفر عن كفارة يمينك بإعتاق هذا العبد؛ لأن الأهلية للإعتاق إنما تثبت بعد حرية نفسه أولا وهي أصل، فلا يجوز أن تثبت تبعًا لما هو تبعه وهو التكفير بالإعتاق، وإذا ثبت أن المقتضى تبع للمقتضى كان المنظور إليه الأصل وهو المقتضى لا المقتضى، فلذلك يثبت المقتضى بوصف المقتضى لا بوصف نفسه حتى لا يشترط في التمليك الثابت بطريق الاقتضاء ما يشترط في التمليك ألقصدي من الإيجاب والقبول، وكذلك لو كان الأمر بالإعتاق منه في قوله: أعتق عبدك عني على ألف درهم. ممن لا يملك الإعتاق كالصبي لم يثبت البيع بهذا الكلام، فكان الاعتبار للمتبوع وهو المقتضي لا للتبع وهو المقتضي، فإذا ثبت هذا لا يفترق الحال بين أن يكون التبع مقدورًا أو مصروحًا كان الاعتبار للمتبوع لا للتبع.
ألا ترى أن الحيوانات وغيرها مما يقع به القوام خلقت للآدمي، فكان الآدمي أصلًا وغيره تبعًا، فلذلك كان العبرة له لا لها.
(فصار هذا) أي فصار حكم المقتضي (مضافًا إلى النص بواسطة المقتضي)، فلذلك كان كالثابت بالنص؛ لأنه صار المقتضي حكمه حكمًا للنص، فكان كالعتق الثابت للقريب بالشراء، فإن العتق هناك حكم حكم الشراء؛ لأن حكم الشراء الملك، وحكم الملك في القريب العتق، فالملك بحكمه مضاف إلى الشراء، فلذلك قيل: شراء القريب إعتاق بهذا الطريق لا أن يكون الشراء موضوعًا للإعتاق؛ لأن الشراء موضوع لإثبات الملك لا
стр. 137
لإزالته، فيستحيل أن يكون ما هو موضوع للإثبات موضوعًا للإزالة.
وأما المحذوف: فما ثبت حذفه من الكلام بطريق الاختصار، وهو ثابت لغة؛ لأن الكلام يتنوع إلى مختصر ومطول، والمختصر مثل المطول في إفادة المراد.
ألا ترى أنه لا فرق بين قولهم: اضرب. وبين قولهم: افعل فعل الضرب، وكذلك لا فرق بين قولهم: لفلان علي تسعمائة. وبين قولهم: لفلان علي ألف إلا مائة. فثبت أن المحذوف من باب اللغة، ولهذا يكون عامًا بلا خاف حتى إنه لو قال لامرأته: طلقي نفسك. ونوى به الثلاث يصح؛ لأن ذلك مختصر قوله: افعلي فعل الطلاق، وذلك يصلح للعموم فكذا هنا، وتقرير هذا في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ﴾ إن الأهل محذوف ولا مقتضى؛ إذ لو كان مقتضى لكان المسئول هو القرية لا الأهل لما ذكرنا أن المقتضى هو الأصل، والحكم مضاف إلى الأثل، والمسئول هو الأهل هنا دون القرية، فلما لم تصلح القرية أن تكون مسئولة لم يفترق الحال بين أن يكون الأهل محذوفًا أو مصارحا في أن السؤال يتحقق من الأهل لا من القرية، إلا
стр. 138
أنه إذا كان محذوفًا أضيف السؤال إلى القرية بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك في قوله- ﵇: "رفع الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
стр. 139
وفي قوله- ﵇: "الأعمال بالنيات". الحكم محذوف فيهما لا مقتضى؛ إذ لو كان مقتضى لكان المرفوع هو الخطأ والنسيان لما عرف أن المثبت هو المقتضى، وذلك غير مستقيم؛ إذ الخطأ والنسيان واقعان، فكان الحكم محذوفا لا مقتضى، والمحذوف هو الأصل في باب الحذف، والمقتضى تبع في باب الاقتضاء، فكانا على طرفي نقيض، فكان ثبوت المقتضى تبع في باب الاقتضاء، فكانا على طرفي نقيض، فكان ثبوت المقتضى لصحة المذكور وصلاحه لما أريد به، فيكون الصالح لما أريد به من الحكم المقتضي المذكور لا المقتضى المقدر، والمحذوف هو الصالح لما أريد به من الحكم لا المذكور، كالأهل في قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فإن الصالح لما أريد به من الحكم وهو الاستعلام والاستخبار هو الأهل لا القرية، وكذلك الصالح لما أريد به من الحديث الحكم لا الخطأ والنسيان، وهو معنى ما قال في الكتاب.
(وعلامته) أي وعلامة المقتضى المقدر (أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ظهوره، ويصلح لما أريد به)، يعني أن المقتضى إذا صرح يكون المقتضي.
стр. 140
المذكور صحيحًا كما كان قبل تصريح المقتضى، وهو صالح لما أريد به مع تصريح المقتضى، والمحذوف إذا صرح ينقطع ما أضيف إلى المذكور على ما ذكرنا.
فإن قيل: لما جمع المصنف- زحمة الله- هذه الألفاظ، وهي قوله: أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ظهوره، ويصلح لما أريد به، وهذه قضيات متلازمة؛ إذ يستفاد من واحدة منها ما يستفاد من الأخريين؟
قلنا: لا نسلم؛ لأن لكل واحدة منها فائدة غير الفائدة التي من الأخرى، والتي استفيدت من إحداها لا تستفاد من الأخرى. بيان ذلك هو أن الشيء إذا كان صحيحًا في نفسه لا يلزم أن يكون صالحا لما أريد به لا محالة، بل قد لا يصلح لما أريد به وإن كان صحيحا في نفسه، وكذلك عكسه غير لازم أيضًا، أعني يجوز أن يكون الشيء صاللحًا لما أريد به، وهو غير صحيح في نفسه.
ألا ترى أن من صلى مراءاة للناس عند استجماع شرائط جواز الصلاة كانت صلاته صحيحة مع أنها غير صالحة لما أريد منها من الحكم، وهو ابتغاء مرضاة الله تعالى وثواب الخير في الآخرة، وكذلك في عكسه الملازمة غير ثابتة أيضًا، فإن من توضأ بماء نجس وهو لا يعلم بنجاسته مع أنه لم يقصر في الطلب وصلى كانت صلاته صالحة؛ لما أريد بها من ثواب الخير في الآخرة وصلاته غير صحيحة.
علم بهذا أن الصحة مع الصلاحية لما أريد به من الحكم غير متلازمين، ولأنه أراد بقوله: ويصلح لما أريد به. الملك؛ فإنه صالح للإعتاق بخلاف ما
стр. 141
قدر فيه غير الملك، كالنكاح والطلاق مثلا لا يكون هو صالحا للإعتاق.
وأما قوله: "ولا يلغى عند ظهوره" فهو غير مذكور في بعض النسخ، فلا يلزم السؤال حينئذ، ولئن ثبت فالمراد به القصد إلى الفرق بينه وبين المحذوف بطريق التصريح، والفرق بطريق التصريح، والفرق بطريق التصريح أقوى في البيان، ومقام الفرق بين المتساويين مقام اختيار أقوى البيانين لإزالة الالتباس بينهما بآكد الوجوه.
أو نقول: على تقدير التسليم بأن هذه قضيات متلازمة إن ذكر هذه القضيات المتلازمة لبيان خاصية المقتضى لا لبيان تنويع المقتضى بأنه نوعان أو أنواع كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ هذا لبيان خاصية الإشراك بالله أن لا يقوم على صحته حجة لا لبيان أنه نوعان، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ هذا بيان خاصية الطائر لا أن الطائر نوعان، فكذا ها هنا كان معناه أن خاصية المقتضى أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ظهور ويصلح لما أريد به لا بيان أنه نوعان.
(لم يتحقق في القرية ما أضيف إليها) وهو السؤال؛ لأن الأهل إذا صرح به ينتقل السؤال المضاف إلى القرية إلى الأهل الذي صرح به، فلما لم يبق الكلام على حاله بعد التصريح، علم أنه كان من باب الحذف والإضمار
стр. 142
لا من باب اقتضاء.
(الأمر بالتحرير للتكفير مقتض للملك ولم يذكر) أي الملك لم يذكر ولو ذكره بقوله: فتحرير رقبة مملوكة بقى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ كما كان أي كان صالحا لما أريد به. فكذا إذا قدر مذكورا بقى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ صالحًا لما أريد به وهو التفكير.
ثم اعلم أن ما أثبت الحكم بصيغة النص مع سوق الكلام له فهو عبارة النص، والحكم الثابت به ثابت بعبارة النص، فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ عبارة عفي إيجاب النفقة، ووجوب النفقة حكم ثابت بعبارة النص، وكذلك في غيره على هذا النسق.
(والفصل الرابع في بيان أحكامها) أي الرابع من تقسيم قوله: هذا لبيان معرفة هذه الأصول لغة، وتفسير معانيها، وبيان ترتيبها، فيكون بيان الأحكام من هذه الفصول الفصل الرابع، وقوله: (وبيان ترتيبها)، فيكون بيان الأحكام من هذه الفصول الفصل الرابع، وقوله: (وبيان ترتيبها)، أي أيها راجح، وأيها مرجوح، وأيها يقدم على البعض، وقوله: في أحكامها؛ أي في الآثار الثابتة بها شرعًا، والله أعلم.
стр. 143
[باب في معرفة أحكام الخصوص]
(اللفظ الخاص يتناول المخصوص قطعًا) أي المراد بالخاص قطعًا. أي بحيث يقطع الشبهة ويقينًا أي بحيث يستقر اعتقاد القلب عليه، فكان قوله: (بلا شبهة) مؤكدًا لقوله: يقينًا؛ بذكر لازمه كقوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (لما أريد به من الحكم) أي اللفظ الخاص بتناول المخصوص لأجل ما أريد بالمخصوص من الحكم بيان ذلك أن (قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾) خاص يتناول مخصوصه وهو الأفراد الثلاثة لما أريد به من انقضاء العدة، وكذلك (قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا﴾ يتناول الميلان لما أريد به من جواز الصلاة.
(لا يخلو الخاص عن هذا) أي عن تناول المخصوص قطعًا، (وإن
стр. 144
احتمل التغير عن أصل وضعه).
فإن قيل: يجب ألا يثبت الحكم به قطعًا؛ لأنه محتمل لغير ما وضع له على ما قال في الكتاب.
قلنا: بلى محتمل، لكن الاحتمال إذا لم ينشأ عن دليل فهو غير معتبر؛ لأنه مجرد احتمال إرادة الخصوص من المتكلم وذلك غيب عنا، ولا يكلف درك الغيوب فلا تبقى له عبرة أصلًا فألحق بما ليس محتملًا في نفسه، فلذلك يثبت الحكم به قطعًا. يقرره أن الله تعالى تعبدنا بأوامره ونواهيه، فالعبادة واجبة علينا قطعًا، وإن كان احتمال غير الوجوب ثابتًا.
ألا ترى أن العقلاء بأسرهم لم يتحرزوا عن احتمال لم ينشأ عن دليل، حتى أنهم دخلوا في المسقف مع أن احتمال السقوط ثابت جزمًا، لكنه لما لم ينشأ عن دليل فلم يعتبروه.
(لكن لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان، لكونه بينًا لما وضع له) فكان في القول بالتصرف فيه بطريق البيان لزوم بيان المبين، وهو إثبات الثابت أو نفي المنفي وهو نفي الخفاء مع أن الخفاء منتف وهو مستحيل.
(لأنا إذا حملنا على الأطهار انتقص العدد عن الثلاث)؛ لأنه إذا طلقها في لآخر طهرها تحتسب هذه البقية عنده من العدة، فتكون العدة طهرين وبعض الثالث، فلا يكون عدد الثلاث كاملًا.
стр. 145
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ والمراد به شهران وبعض الثالث وهو عشر ذي الحجة، فجاز أن يكون ها هنا هكذا أيضًا.
قلنا: لفظة الثلاثة غير منصوصة هناك، بل فيه ذكر الأشهر وهو ليس باسم لعدد معلوم بل هو اسم عام، فيجوز أن يذكر العالم ويراد به البعض، ولا يجوز في العدد ذلك وهو أن يذكر عدد معلوم ويراد به بعضه؛ رأيت رجالا، وهو قد رأى رجلين، ولا يجوز أن يقال: رأيت ثلاثة رجال، وهو رأى رجلين.
فإن قيل: مسمى ثلاثة أطهار موجود في القرأين وبعض الثالث.
قلنا: ليس المراد من قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ مسمى الطهر، بل المراد منه كمال الطهر وهو ما كان بين الدمين؛ لأنه لو كان المراد منه مسمى ثلاثة أطهار يلزم أن تنقضي العدة في ظهر واحد، بل في ثلاثة أيام، بل في ثلاثة ساعات؛ لما أن في كل يوم وفي كل ساعة مسمى الطهر موجود بدليل جواز إطلاق الطهر عليه، وحيث لم تنقض به بالاتفاق علم أن المراد به الطهر الكامل على قول من جعله أطهارًا، وبعض الطهر لا يكون طهرًا كاملًا.
следующие страницы →