Полный текст (2 351 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
قدر فيه غير الملك، كالنكاح والطلاق مثلا لا يكون هو صالحا للإعتاق.
وأما قوله: "ولا يلغى عند ظهوره" فهو غير مذكور في بعض النسخ، فلا يلزم السؤال حينئذ، ولئن ثبت فالمراد به القصد إلى الفرق بينه وبين المحذوف بطريق التصريح، والفرق بطريق التصريح، والفرق بطريق التصريح أقوى في البيان، ومقام الفرق بين المتساويين مقام اختيار أقوى البيانين لإزالة الالتباس بينهما بآكد الوجوه.
أو نقول: على تقدير التسليم بأن هذه قضيات متلازمة إن ذكر هذه القضيات المتلازمة لبيان خاصية المقتضى لا لبيان تنويع المقتضى بأنه نوعان أو أنواع كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ هذا لبيان خاصية الإشراك بالله أن لا يقوم على صحته حجة لا لبيان أنه نوعان، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ هذا بيان خاصية الطائر لا أن الطائر نوعان، فكذا ها هنا كان معناه أن خاصية المقتضى أن يصح به المذكور ولا يلغى عند ظهور ويصلح لما أريد به لا بيان أنه نوعان.
(لم يتحقق في القرية ما أضيف إليها) وهو السؤال؛ لأن الأهل إذا صرح به ينتقل السؤال المضاف إلى القرية إلى الأهل الذي صرح به، فلما لم يبق الكلام على حاله بعد التصريح، علم أنه كان من باب الحذف والإضمار
стр. 142
لا من باب اقتضاء.
(الأمر بالتحرير للتكفير مقتض للملك ولم يذكر) أي الملك لم يذكر ولو ذكره بقوله: فتحرير رقبة مملوكة بقى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ كما كان أي كان صالحا لما أريد به. فكذا إذا قدر مذكورا بقى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ صالحًا لما أريد به وهو التفكير.
ثم اعلم أن ما أثبت الحكم بصيغة النص مع سوق الكلام له فهو عبارة النص، والحكم الثابت به ثابت بعبارة النص، فقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ عبارة عفي إيجاب النفقة، ووجوب النفقة حكم ثابت بعبارة النص، وكذلك في غيره على هذا النسق.
(والفصل الرابع في بيان أحكامها) أي الرابع من تقسيم قوله: هذا لبيان معرفة هذه الأصول لغة، وتفسير معانيها، وبيان ترتيبها، فيكون بيان الأحكام من هذه الفصول الفصل الرابع، وقوله: (وبيان ترتيبها)، فيكون بيان الأحكام من هذه الفصول الفصل الرابع، وقوله: (وبيان ترتيبها)، أي أيها راجح، وأيها مرجوح، وأيها يقدم على البعض، وقوله: في أحكامها؛ أي في الآثار الثابتة بها شرعًا، والله أعلم.
стр. 143
[باب في معرفة أحكام الخصوص]
(اللفظ الخاص يتناول المخصوص قطعًا) أي المراد بالخاص قطعًا. أي بحيث يقطع الشبهة ويقينًا أي بحيث يستقر اعتقاد القلب عليه، فكان قوله: (بلا شبهة) مؤكدًا لقوله: يقينًا؛ بذكر لازمه كقوله تعالى: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (لما أريد به من الحكم) أي اللفظ الخاص بتناول المخصوص لأجل ما أريد بالمخصوص من الحكم بيان ذلك أن (قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾) خاص يتناول مخصوصه وهو الأفراد الثلاثة لما أريد به من انقضاء العدة، وكذلك (قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا﴾ يتناول الميلان لما أريد به من جواز الصلاة.
(لا يخلو الخاص عن هذا) أي عن تناول المخصوص قطعًا، (وإن
стр. 144
احتمل التغير عن أصل وضعه).
فإن قيل: يجب ألا يثبت الحكم به قطعًا؛ لأنه محتمل لغير ما وضع له على ما قال في الكتاب.
قلنا: بلى محتمل، لكن الاحتمال إذا لم ينشأ عن دليل فهو غير معتبر؛ لأنه مجرد احتمال إرادة الخصوص من المتكلم وذلك غيب عنا، ولا يكلف درك الغيوب فلا تبقى له عبرة أصلًا فألحق بما ليس محتملًا في نفسه، فلذلك يثبت الحكم به قطعًا. يقرره أن الله تعالى تعبدنا بأوامره ونواهيه، فالعبادة واجبة علينا قطعًا، وإن كان احتمال غير الوجوب ثابتًا.
ألا ترى أن العقلاء بأسرهم لم يتحرزوا عن احتمال لم ينشأ عن دليل، حتى أنهم دخلوا في المسقف مع أن احتمال السقوط ثابت جزمًا، لكنه لما لم ينشأ عن دليل فلم يعتبروه.
(لكن لا يحتمل التصرف فيه بطريق البيان، لكونه بينًا لما وضع له) فكان في القول بالتصرف فيه بطريق البيان لزوم بيان المبين، وهو إثبات الثابت أو نفي المنفي وهو نفي الخفاء مع أن الخفاء منتف وهو مستحيل.
(لأنا إذا حملنا على الأطهار انتقص العدد عن الثلاث)؛ لأنه إذا طلقها في لآخر طهرها تحتسب هذه البقية عنده من العدة، فتكون العدة طهرين وبعض الثالث، فلا يكون عدد الثلاث كاملًا.
стр. 145
فإن قيل: قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ والمراد به شهران وبعض الثالث وهو عشر ذي الحجة، فجاز أن يكون ها هنا هكذا أيضًا.
قلنا: لفظة الثلاثة غير منصوصة هناك، بل فيه ذكر الأشهر وهو ليس باسم لعدد معلوم بل هو اسم عام، فيجوز أن يذكر العالم ويراد به البعض، ولا يجوز في العدد ذلك وهو أن يذكر عدد معلوم ويراد به بعضه؛ رأيت رجالا، وهو قد رأى رجلين، ولا يجوز أن يقال: رأيت ثلاثة رجال، وهو رأى رجلين.
فإن قيل: مسمى ثلاثة أطهار موجود في القرأين وبعض الثالث.
قلنا: ليس المراد من قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ مسمى الطهر، بل المراد منه كمال الطهر وهو ما كان بين الدمين؛ لأنه لو كان المراد منه مسمى ثلاثة أطهار يلزم أن تنقضي العدة في ظهر واحد، بل في ثلاثة أيام، بل في ثلاثة ساعات؛ لما أن في كل يوم وفي كل ساعة مسمى الطهر موجود بدليل جواز إطلاق الطهر عليه، وحيث لم تنقض به بالاتفاق علم أن المراد به الطهر الكامل على قول من جعله أطهارًا، وبعض الطهر لا يكون طهرًا كاملًا.
стр. 146
(كالفرد لا يحتمل العدد) خلا أن الفرد قد يكون اعتباريا كاسم الجنس فإنه فرد باعتبار أنه جنس واحد بالنسبة إلى سائر الأجناس، كاسم الماء وغيره، فإنه يتناول جميع المياه باعتبار اتحاد الجنسية، حتى لو حلف لا يشرب الماء ونوى جميع المياه صدق فلا يحنث أبدًا، فإن اسم الماء اسم فرد من حيث اتحاد الجنس، وقد يكون الفرد حقيقيًا وهو القطرة من الماء، حتى أنه يحنث فيما إذا حلف لا يشرب الماء بشرب قطرة منه إذا لم يكن له نية الجميع ولا يحتمل عددا من القطرات، ولهذا لو نوى قطرتين أو أكثر منهما من القطرات لا يصدق؛ لأن ذلك اسم فرد، وما نواه عدد، والفرد لا يحتمل العدد، ثم قوله: (كالفرد لا يحتمل العدد، أعلم من قوله: (والواحد لا يحتمل المثنى)؛ لأنه لم يتعرض لعدد من
стр. 147
الأعداد، فكان متناولًا لجميع الأعداد بخلاف المثنى، (فكان هذا بمعنى الرد والإبطال) أي فكان حمل الشافعي قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ على الأطهار بمعنى رد خاص الكتاب وإبطاله.
(فلا يكون إلحاق التعديل به) أي بالركوع.
وقوله: (بيانًا صحيحًا) متصل بقوله: (فلا يكون) على انه خبره، (بل يكون رفعا لحكم الكتاب) وهو جواز الصلاة بمجرد الركوع الذي هو عبارة عن الميلان بما يقطع اسم الاستواء من غير إلحاق التعديل به.
فإن قيل: لم لا يجعل ورود ذلك للبيان الشرعي حتى يتوقف تمام الركوع إلى الإتيان بالتعديل شرعًا؟
قلنا: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. وقوله ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فكان ما ورد من البيان بيانًا شرعيًا؛ لأنه لا يمكن العمل به إلا بذلك البيان بخلاف ما نحن فيه، فإنه يمكن العمل به بمجرد اسم الركوع، ونحن مأمورون بامتثال ما علمنا من البيان من القرآن. قال الله
стр. 148
تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وقوله: "بخبر الواحد" أراد به قوله- ﵇: "قم فصل فإنك لم تصل" قال لأعرابي أخف الصلاة (لكنه يلحق به) أي يلحق التعديل بالركوع.
(فلا يصح بخبر الواحد) أي لا يصح النسخ بخبر الواحد، وهو قوله- ﵇: "الطواف صلاة، إلا أن الله تعالى أباح فيه المنطق".
على الوصف الذي ذكرنا أي إلحاق الفرع بالأصل.
стр. 149
فإن قيل: يشكل بالتيمم، فإنه لفظ خاص لمعنى خاص ويزاد عليه النية.
قلنا: لا يزاد بل شرط النية في التيمم مستفاد من لفظة التيمم؛ لأن الأم القصد والقصد هو النية.
فإن قلت: زيادة النية في الوضوء أيضًا مستفادة من نظم القرآن؛ لما أن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ خرج جزاء للشرط المذكور قبله، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ فكان تقديره حينئذ: فاغسلوا وجوهكم للقيام إلى الصلاة، ولا يعني بالنية سوى أن يكون غسل هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة، ولا يعني بالنية سوى أن يكون غسل هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة، فكانت النية موافقة للنظم.
ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ اشتراط النية عند تحرير رقبة مؤمنة للقتل الخطأ لم يكن زيادة على النص لهذا فكذا هنا.
قلت: نعم كذلك لكن اشتراط النية في جزاء الشرط فيما إذا كان ذلك الجزاء للشرط المذكور كما في آية الكفارة.
وأما إذا كان ذلك الجزاء جزًاء للشرط المذكور وشرطًا لمشروط آخر كما في
стр. 150
آية الوضوء لا تشترط النية في أن يكون هذا الشرط شرطًا لمشروطه؛ لما أن الشرط يراعي وجوده لتحقق المشروط لا وجوده قصدًا كما في اشتراط اللباس واستقبال القبلة للصلاة لا تشترط النية فكذا هنا.
قوله: "بل نسخًا محضًا"؛ لأن الكتاب اقتضى جواز الطواف بالحدث؛ لما أن الطواف ليس إلا الدوران حول البيت، فلو قلنا بأنه تفترض الطهارة يلزم نسخ الكتاب كما أن العالم الذي يتناول أفرادًا إذا جاء الناسخ لبعض الأفراد كان ذلك نسخًا محضًا. كذلك ها هنا بل أولى؛ لأن هاهنا لا يبقى الطواف أصلًا إذا وقف جواز الطواف إلى وجود الطهارة عن الحدث إذا طاف بالحدث، ولا يلزم فصل الجنابة؛ لأنا أوجبنا الإعادة باعتبار النقصان لا باعتبار الجواز، ولهذا لو رجع يحتسب به، ويجب البدنة باعتبار النقصان، كسجدة السهو في الصلاة، ووجوب الإعادة لا يدل على عدم الجواز كالصلاة إذا أديت مع الكراهة ولو لم يكن جائزًا لما سمي الثاني إعادة بل يسمى ابتداء الصلاة والطواف.
وقوله: (ليثبت الحكم بقدر دليله) لما أن الحكم نتيجة السبب فمهما كان السبب أقوى كان الحكم أقوى، ومهما كان السبب أضعف كان الحكم أضعف.
стр. 151
(وبطل شرط الولاء والترتيب والتسمية) وتفسير الولاء هو: أن يجمع بين هذه الأعضاء في الغسل في موضع واحد ولا يشغل في وسط الوضوء بعمل آخر. كذا في "المغني". واشتراط الولاء مذهب مالك،
стр. 152
والترتيب مذهب الشافعي، والتسمية مذهب أصحاب الظواهر تمسكًا بقوله ﵇: (لا وضوء لمن لم يسم).
فإن قيل: ينبغي أن يكون الولاء والترتيب والتسمية واجبة كما قلتم في التعديل مع الركوع والسجود.
قلنا: هذا لا يمكن؛ لأنا لو قلنا بوجوبها يلزم مساواة فرع التبع فرع الأصل، يعني لو أوجبنا الولاء والترتيب والتسمية في الوضوء كما أوجبنا التعديل في أركان الصلاة يلزم الاستواء في التبعَين مع التفرقة في الأصلين،
стр. 153
وهو أن الوضوء فرض غير مقصود؛ لأنه شرط، والركوع فرض ركن وركن الشيء أقوى من شرطه، فلذلك جعل تبع الركوع وهو التعديل واجبًا، وتبع الوضوء وهو النية وأختاها سنة؛ كيلا يلزم مساواة التبعين مع عدم مساواة الأصلين، وهو غير مستقيم، فإن غلام الوزير لابد أن يكون أدنى حالًا من غلام الملك، ولا يجوز أن يقال: ينبغي أن يكون الوضوء واجبًا لا فرضًا إظهارًا للتفاوت بين الأصل والفرع؛ لأنا نقول: عملنا بموجب هذا مرة حيث جعلناه شرطًا، وشرط الشيء تبعه، ثم لا يجوز أن يكون الواجب شرطًا لفرض؛ لأن شرط الشيء ما يتوقف عليه ذلك الشيء أي لا يكون ذلك الشيء معتبرًا بدون ذلك الشرط، فلذلك لم يصلح أن يكون واجبًا؛ لأن للفرض وجودًا بدون الواجب.
أو نقول: إن الأحاديث التي اقتضت وجوب الولاء والترتيب والتسمية لم تبلغ درجة الحديث الذي اقتضى وجوب التعديل والفاتحة في الصحة؛ فلذلك لم تقل بوجوب هذه الأشياء، وقلنا بوجوب التعديل والفاتحة.
стр. 154
(فصار مذهب المخالف غلطًا من وجهين)؛ لأن الكتاب يجب أن يكون فوق خبر الواحد، فلما سواهما (حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته) وخبر الواحد يجب أن يكون دون الكتاب فلما سواهما في الرتبة (رفع خبر الواحد فوق منزلته) وهو باطل كما أن منزلة العالم فوق منزلة الجاهل، ومن سواهما في الرتبة كان ذلك منه غلطًا من وجهين.
فإن قلت: بل هذا الذي ذكره غلط من وجه واحد لا من وجهين؛ لأن حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته بمقابلة خبر الواحد مستلزم رفع حكم خبر الواحد فوق منزلته، وكذلك رفع حكم خبر الواحد فوق منزلته حط لمنزلة الخاص من الكتاب عن رتبته، فلماذا قال: صار غلطًا من وجهين؟
قلت: نعم ذلك، إلا أن من أخذ أي طرف منهما كان المنظور إليه ذلك لا الذي يلزم منه، فإنه إذا حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته كان المنظور إليه والملتفت له ذلك لا رفع حكم خبر الواحد، وكذلك إذا رفع حكم خبر الواحد فوق منزلته كان المنظور إليه ذلك لا حط منزلة الخاص من الكتاب عن رتبته، وبهذا الطريقة كان ذلك غلطًا من وجهين.
стр. 155
(لم يكن ذلك عملًا بهذه الكلمة)؛ لأن الغاية لا أثر لها في إحداث الحل الجديد، بل لها أثر في انتهاء المغيا عنده لا غير، كما إذا حلف لا يكلم فلانًا اليوم، وبعد مضي اليوم حل التكلم ليس بمضاف إلى اليوم، بل لما انتهى اليوم عمل الحل السابق عمله، فكذلك هاهنا انتهت الحرمة بتزوج الزوج الثاني وإصابته، وكونها محللة له بالنكاح مضاف إلى السبب السابق وهو كونها أنثى من بني آدم ليست من المحرمات.
стр. 156
(لأنها ظاهرة فيما وضعت له) وهو كون كلمة "حتى" موضوعة للغاية فحسب، (والغاية بمنزلة البعض لما وصف بها) من حيث إنه هو، كما لا وجود لبعض الشيء بدون كله، كذلك لا وجود للغاية بدون المغيا؛ ولأن الغاية صفة للمغيا.
ألا ترى أنه يقال: حرمة مغياة بغاية، وحرمة مؤبدة، والصفة لا تنفك عن الموصوف، (وبعض الشيء لا ينفصل عن كله)، إذ لو انفصل لا يكون بعضه؛ إذ لا وجود للبعض بدون الكل، ولا للكل بدون البعض، فإن وجود بعض الشيء يقتضي وجود كله، كالواحد من العشرة لما كان بعضًا للعشرة لم يتصور وجود الواحد من العشرة بدون العشرة، ولو تصور واحد بدون العشرة لا يكون هذا واحدًا من العشرة؛ لما أن وجود بعض الشيء ولا شيء محال، وإذا كان كذلك كان وجود الزوج الثاني وإصابته قبل وجود المغيا وعدمهما بمنزلة. لما أن الغاية لا عبرة لها قبل المغيا على ما يجيء في مسألة الاستشارة.
قوله: (لكنها تكون غاية)؛ للابتداء لا للاستدراك. (فتلغو قبل وجود الأصل) أي تلغو الغاية، وهي نكاح الزوج الثاني قبل وجود المغيا، وهو الطلقات الثلاث، فصار نكاح الزوج الثاني وعدمه في مسألة الهدم
стр. 157
سواء، وهذا كمن حلف لا يكلم فلانًا في رجب حتى يستشير أباه، فاستشار أباه قبل دخول رجب، ثم كلم فلانًا في رجب قبل أن يستشير أباه فيه يحنث؛ لأن استشارته أباه غاية لانتهاء اليمين، فكان استشارته أباه وعدمها قبل دخول رجب سواء، فكذلك هاهنا كان تزوج الزوج الثاني وإصابته بها قبل وجود المغيا وعدم تزوجها سواء، ولو تزوجها قبل تزوج الزوج الثاني أو قبل إصابة الزوج الثاني كانت عنده بما بقي من التطليقات فكذلك هنا.
ثم حقيقة الغاية أن ينتهي بها المغيا من غير أن تكون للغاية أثر في إثبات ما بعد الغاية من الحكم على ما ذكرنا. كما إذا حلف لا يكلم فلانًا حتى تطلع الشمس، فطلعت الشمس انتهت اليمين وبقي الكلام غير ممنوع بالإباحة الأصلية؛ لأن الغاية تبيح الكلام، فكذلك ههنا إن الحرمة الغليظة إذا انتهت بنكاح الزوج ثبت الحل الأصلي بالسبب السابق على ما ذكرنا. لا أن يكون الزوج الثاني أثبت فيها حلًا جديدًا.
(الجواب أن النكاح يذكر ويراد به الوطء وهو أصله) إلى آخره.
فإن قلت: كان الواجب على أبي حنيفة- ﵀ وأبي يوسف إثبات أن الزوج الثاني مثبت للحل فلماذا ابتدأ مطلع نكتتيهما هذه بأن النكاح يذكر ويراد به الوطء حيث لا مناسبة لدعواهما بهذا المطلع؟
стр. 158
قلت: بل فيه مناسبة قوية، وهي أنهما يثبتان بهذا أن شرط الدخول في الزوج الثاني لإثبات الحل للأول لم يثبت أصلا بالكتاب لا أصله ولا صفته، وإنما المذكور في الكتاب النكاح لا غير، والمراد به العقد هاهنا لا الوطء، فكان الكتاب غير متعرض للوطء أصلًا، وشرط الوطء إنما ثبت بالسنن والأحاديث، ثم أينما ثبت شرط الدخول في السنة ثبت بوصف التحليل، وهم (أي محمد والشافعي ومن تابعهما) تركوا العمل بذلك الوصف الذي أثبتته السنة المشهورة، ونحن عملنا بذلك مع جعل الزوج الثاني غاية، فإن من الغايات قد تكون غاية للمغيا مع أنها تثبت حكمًا آخر، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) فالاغتسال هاهنا منه للجنابة ومثبت لحل القربان إلى الصلاة، فكذلك هاهنا أن الزوج الثاني إذا وطئ كان منهيًا للحرمة الغليظة ومثبتًا للحل الجديد في حق الزوج الأول، ولما ثبت كونه مثبتًا للحل الجديد يثبت علمه أينما وجد شرعًا، فلذلك أثبت الحل الجديد فيما جون الثلاث أيضًا؛ لأن وطء الزوج الثاني موصوف بهذه الصفة، والصفة لا تفارق الموصوف، فأينما ثبت الموصوف ثبتت صفته.
والدليل على هذا الذي ذكرته بما ذكر المصنف من مطلع النكتة هذا بيان أن شرط الدخول لم يثبت بالكتاب أصلًا ما ذكره شمس الأئمة السرخسي- ﵀ في "أصول الفقه" بقوله: ولا خلاف بين العلماء أن الوطء من
стр. 159
الزوج الثاني شرط لحل العودة إلى الأول بهذه الآثار، فنحن عملنا بما هو موجب أصل هذا الدليل بصفته، فجعلناه موجبًا للحل، وهم أسقطوا اعتبار هذا الوصف من هذا الدليل استدلالًا بنص ليس فيه بيان أصل هذا الشرط يعني الدخول، ولا صفته. يعنى التحليل، فيكون هذا ترك العمل بالدليل الواجب له لا عملًا بكل خاص فيما هو موضوع له لغة.
وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي حنيفة وأبي يوسف- رحمهما الله- قالا: إن إصابة الزوج الثاني بنكاح صحيح تلحق المطلقة بالأجنبية بالحكم المختص بالطلاق كما بعد التطليقات الثلاث.
وبيان هذا أن بالتطليقات الثلاث تصير محرمة ومطلقة، ثم بإصابة الزوج الثاني يرتفع الوصفان جميعًا، وتلحق بالأجنبية التي لم يتزوجها قط، فبالتطليقة الواحدة تصير موصوفة بأنها مطلقة، فيرتفع ذلك بإصابة الزوج الثاني.
(وأما فعل الوطء فلا يضاف إليها مباشرته أبدًا) أي بطريقة الحقيقة؛ (لأنه لا تحتمل ذلك).
فإن قيل: يحتمل أن فعل النكاح بمعنى الوطء أضيف إليها مجازًا لوجود
стр. 160
التمكين إليه كما أضيف الزنا غليها كذلك.
قلنا: لو ترك الحقيقة في موضوع باعتبار عدم إمكان الحمل على الحقيقة لا يلزم أن تترك الحقيقة عند إمكان الحمل عليها، ففي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ لم يمكن العمل بحقيقته فحمل على مجازه، وأما هاهنا فالعمل بحقيقة النكاح الذي هو الوطء بأن أضيف فعل النكاح الذي هو الوطء إلى الزوج، وأضيف مجاز النكاح الذي هو العقد- لأنه سببه- إلى المرأة ممكن؛ فلذلك أضفنا حقيقة النكاح إلى الزوج.
(ثم نكحت بعبد الرحمن بن الزبير) - بفتح الزاي- فعيل من الزبر وهو: الزجر، والمنع. كذا في المغرب. وبخط الإمام تاج الدين الزربوخي- ﵀: الزبير- بفتح الزاي- من يهود قريظة.
стр. 161
وأسلم ابنه عبد الرحمن بن الزبير، روى عنه ابنه الزبير بن عبد الرحمن بن الزبير، فاسم ابنه بالضم، واسم أبيه بالفتح.
("لا حتى تذوقي من عسيلته") العُسيلة: تصغير العَسلة، وهي القطعة من العسل، وقد ضرب ذوقها مثلًا لإصابة حلاوة الجماع ولذته، وإنما صغرت إشارة إلى القدر الذي تحل يعنى تلك الحلاوة، وإن قلت تثبت الحل. ذكره في "المغرب".
(وفي ذكر العود دون الانتهاء) أي وفي ذكر رسول الله- عليه الصلاة السلام- لفظ العود وتركه لفظ الانتهاء الذي هو مدلول الكتاب بقوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ﴾ إشارة إلى ذوق العسيلة يعني لم يقل النبي- ﵇: تريدين أن تنتهي تلك الحرمة التي تثبت في الكتاب مغياة إلى إصابة الزوج الثاني؟ لما
стр. 162
أنه لو ذكره كذلك لما علم كون الزوج الثاني مثبتًا حلًا جديدًا. بل علم انتهاء تلك الحرمة بدخول الزوج الثاني لا غيرن ولما ذكر العود وغيا عدمه إلى غاية الذوق علم أن الزوج الثاني محلل؛ لأنه غيا عدم العود إلى ذوق العسيلة فينتهي عدم العود بالذوق ويجيء العود لا محالة، والعود هو الرجوع إلى الحالة الأولى، والعود الآن ثبت فيكون ثابتًا به أي بذوق العسيلة بخلاف أصل الحل؛ لأنه كان ثابتًا قبل الحرمة الغليظة، وسبب ذلك كونها من بنات آدم- ﵇ ليست من المحرمات إلا أن حكمه تخلف باعتراض الحرمة الغليظة، فإذا انتهت الحرمة الغليظة أمكن أن يقال: يثبت الحل بالسبب السابق، وهو كونها من بنات آدم ليست من المحرمات.
فأما العود فلم يكن ثابتًا قبل ذلك وثبت الآن، فيكون حادثًا به أي بذوق العسيلة.
(لعن الله المحلل والمحلل له) سمي الزوج الثاني محللًا، والمحلل من
стр. 163
يثبت الحل كالمحرم من يثبت الحرمة، والمبيض من يثبت البياض، فأينما وجد الزوج الثاني ثبت له هذه الصفة وهي التحليل.
فإن قيل: الحل ثابت للزوج فيما دون الثلاث، فكيف يثبت الزوج الثاني الحل إذ في إثباته الحل إثبات الثابت وهو ممتنع كنفي المنفي؟
قلنا: لا كذلك؛ لأن في هذا يثبت شيئًا لم يكن هو ثابتًا قبل هذا، وهو أن الزوج الأول يملك الطلقات الثلاث بهذا التحليلن وكان يملك قبل هذا التطليقتين، فعلم بهذا أن هذا الحل غير الحل الذي كان قبل التحليل.
وذكر في "الأسرار": التطليقة الواحدة إن لم توجب حرمة فهي بغرض أن توجب، ولأنهما يقولان: إن الوطء لما رفع الحرمة الثابتة بالحرمة الغليظة منع ثبوتها إذا قارن سبب ثبوت الحرمة بالطريق الأولى؛ لأن المنع أسهل من الرفع.
أو نقول: إن إثبات الثابت إنما لم يعتبر إذا لم يفد شيئًا، أما إذا أفاد كان معتبرًا.
ألا ترى أن شراء الإنسان ماله بماله لا يصح؛ لأن فيه إثبات الثابت وهو غير مفيد، ثم إذا اشترى ماله من المضارب يصح وإن كان فيه شراء ماله بماله؛ لأنه بالشراء هذا يحصل ملك التصرف لنفسه في ذلك المال، وكذلك إذا ضم عبده مع عبد غيره واشتراهما، فإنه يصح البيع والشراء حتى انقسم
стр. 164
الثمن عليهما لما أنه مفيد في جواز العقد في الآخر، فكذلك هاهنا إثبات الثابت في هذه الصورة مفيد؛ لأن الحل قبل هذا كان يزول بالطلقة أو بالطلقتين، وبعد الزوج الثاني هاهنا لا يزول الحل إلا بالثلاث، فكان مفيدًا فيصح.
وقال الإمام بدر الدين الكردري- ﵀ في جواب هذه الشبهة: إن الحل وإن كان ثابتًا فهو ناقص بدليل أنه لا يمكن أن يورد عليها العقد الثلاث وكانت فيما قبل محلًا للعقد الثلاث، دل أن الحل انتقص فكان كحل الأمة، فإنها لما لم تكن محلًا لإيراد العقد الثلاث عليها قلنا: إن حلها ناقص عن حل الحرة، وإذا كان كذلك فالزوج الثاني يتم هذا الحل الناقص، فثبت أن الزوج الثاني لا يثبت الثابت، بل يثبت ما ليس بثابت.
فإن قيل: فعلى هذا ينبغي أن يرد عليها خمس تطليقات؛ لأن التطليقتين كانتا ثابتتين، وتثبت ثلاث تطليقات بالحل الجديد.
قلنا: نعم كذلك، لكن التطليقتين عملتا عمل أربع تطليقات، وبقيت تطليقة واحدة كالمعتدة إذا تزوجت بزوج آخر ودخل بها الزوج الثاني ثم فارقها بعد ما مضى حيضة من العدة الأولى تجب عليها ثلاث حيض أخر، وبقيت حيضتان من العدة الأولى، فكانت خمس حيض. إلا أنها إذا حاضت حيضتين انقضت العدة الأولى واحتسبت من العدة الثانية أيضًا فبقى عليها حيضة أخرى لإتمام العدة الثانية.
стр. 165
وقوله: (ومن صفته التحليل) أي ومن صفة الدخول (وأنتم أبطلتم هذا الوصف).
بيان هذا أن الكتاب يقتضي انتهاء الحرمة الغليظة، ولا يتعرض أن هذه الغاية- وهي ذوق العسيلة- هل هي مثبته للحل أم لا؟ فنعمل بموجب الغاية وهو انتهاء الحرمة الغليظة، ونثبت للغاية صفة الإثبات على وجه لا يتعرض الكتاب، وجاز أن تكون الغاية منهية ومثبتة- كما في قوله تعالى: ﴿وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ فيكون الاغتسال منهيًا الجنابة ومثبتًا الطهر. دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فكذلك هاهنا ذوق العسيلة منه ومثبت للحل بدليل آخر لا يمكن رده، فإذا عملنا بما عملتهم وأثبتنا شيئًا آخر وهو إثبات الحل الجديد الذي سكت عنه الكتاب فلم يكن ما ذكرنا معارضًا للكتاب، وما ذكرتم ترك لما ذكرنا من الدليل وهو نص الخاص فإذن التارك للخاص أنتم لا نحن، وهذا لأن الدخول ثبت زيادة على كتاب الله تعالى بالإجماع بالحديث المشهور ومن صفته التحليل، فكان ما قاله محمد والشافعي إبطالًا لحكم الحديث؛ لأن الحديث يقتضي أن يكون الزوج الثاني محللًا، وهما أبطلا هذا الحكم عملًا بما هو ساكت عنه نص الكتاب، وأبطلا وصف التحليل عن دليله الذي هو الدخول؛ لأن الحديث المشهور اقتضى أن يكون وصف التحليل ثابتًا بدخول الزوج الثاني أينما وجد، وهما
стр. 166
ذلك.
وقوله: (ووصفته جميعًا) أي التحليل.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ أي ومن العمل بالخاص على قولنا: وترك العمل به على قول الشافعي حكم هذه الآية، وهو: أن الخلع عندنا طلاق، وعند الشافعي فسخ لا طلاق، فمثمرة الفسخ هي ثبوت الفرقة بين الزوجين من غير نقصان العدد في الطلاق بخلاف الطلاق، وقوله
стр. 167
تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ أي التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، فكان قوله: ﴿مَرَّتَانِ﴾ أي دفعتان مرة بعد أخرى، فإن من أعطى إلى آخر درهمين بمرة واحدة لم يجز أن يقال: إعطاه مرتين حتى يعطيه دفعتين.
وقيل: قوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ وإن كان ظاهره الخبر فمعناه الأمر كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾؛ لأنه لو حمل على الخبر يؤدي إلى الخلف في خبر الله تعالى؛ لأن الطلاق قد يوجد على وجه الجمع، فدل أن المراد منه الأمر كأنه قال: طلقوا مرتين متى أردتم الطلاق والآية حجة لنا على الشافعي في كراهة الجمع؛ لأن الله تعالى أمرنا بالتفريق. كذا في "شرح التأويلات".
وقال في "مهذب الترجمان": ﴿الطَّلاقُ﴾ أي الطلاق الذي يملك فيه الرجعة ﴿مَرَّتَانِ﴾ في الجملة.
وقوله: (ذكر الطلاق مرة ومرتين) أي مرة قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ ومرتين بهذه الآية ليس المراد أنه ذكر مرة في الآية الأولى، ثم ذكر المرتين في الآية الثانية؛ لأنه حينئذ يلزم أن تكون ثلاث تطليقات، وبعد التطليقات لا تصح الرجعة، والرجعة مذكورة هاهنا. بل المراد ذكر الطلاق مرتين في الجملة.
يقال بالفارسية: يكبار كفتمت، ودوبار كفتمت يعني مجموع وي
стр. 168
دوبارست فمعنى قوله: الطلاق مرة مرتين؛ وأعقبهما بذكر الرجعة هو: أن الله ذكر الطلاق مرة بقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأنفُسِهِنَّ﴾.
وذكر عقيبه الرجعة بقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ثم ذكر الطلاق ثانيًا بقوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ وذكر أيضًا عقيبه الرجعة بقوله: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ وإنما ذكر هكذا ليعلم أن الرجعة كما تكون بعد الطلاق الواحد كذلك تصح بعد الطلاقين.
(ثم أعقب ذلك الطلاق بالخلع بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ بدأ بذكر فعل الزوج) في أول الآية (وهو الطلاق)؛ إذ الطلاق اسم فعله وزاد في آخر الآية فعل المرأة بقوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وتجب إفراد المرأة بالافتداء بالمال تخصيصها بالمال وهذا لأنها هي التي تشتري بضعها من الزوج، فكان الثمن على المشتري.
وقوله: (وتقرير فعل الزوج على ما سبق) أي على الوصف الذي سبق وهو الطلاق؛ لما أن الخلع يوجد منهما؛ لأن المرأة لا تستبد به، وقد ذكر فعل
стр. 169
المرأة وسكت عن فعل الزوج، فكان تقريرًا على ما سبق من فعل الزوج على الطلاق.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قال في حق الخلع ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ ولو جعلنا الخلع طلاقًا صارت التطليقات أربعًا، ولا يكون الطلاق أكثر من ثلاث؛ فلذلك حمل الشافعي الخلع على الفسخ دون الطلاق، ولأن النكاح عقد محتمل للفسخ حتى يفسخ بخيار عدم الكفاءة وخيار العتق وخيار البلوغ، فيحتمل الفسخ بالتراضي في الخلع أيضًا.
قلنا: أما الجواب عن الأول؛ فإن الله تعالى ذكر التطليقة الثالثة بعوض وبغير عوض، فبهذا لا يصير الطلاق أربعًا. كذا في "المبسوط" فكان الخلع هو الطلقة الثالثة، فكان طلاقًا بالمال، أو الطلقة الثالثة مكان الخلع وهو الطلقة بلا مال، فعلى هذا لا يصير الطلاق أربعًا.
стр. 170
أو نقول: على تقرير هذا الكتاب هو أن الله تعالى ذكر الافتداء بالمال ولم يذكر فعل الزوج، فلابد من تقرير فعل الزوج؛ لأن الخلع يوجد منهما وفعل الزوج قد سبق في صدر الآية، فصار الطلاق نوعين: طلاقًا بمال وطلاقًا بغير مال، فوصل الطلقة الثالثة بالطلاق بالمال، فكانت التطليقات ثلاثًا لا أربعًا.
أو نقول: المراد بقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ بيان شرعية الرجعة بعد الطلاقين لا وقوعهما، يعني لو وقع الطلاقان ثبتت الرجعة كما لو وقع طلاق واحد، فكان هذا إخبارًا عن شرعيته لا إخبارًا عن وقوعه، وكذلك من ذكر الخلع بيان شرعية الخلع وكونه طلاقًا، وكذلك من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَه﴾ بيان الحرمة الغليظة بعد الطلقات.
والدليل عليه أنه ذكر حكم الطلاق في مواضع أخر، فلو كان المراد منه الوقوع كان زائدًا على الثلاث لا محالة.
وأما الجواب عن الثاني فنقول: النكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه.
ألا ترى أنه لا ينفسخ بالهلاك قبل التسليم، وأن الملك الثابت به ضروري لا يظهر إلى في حق الاستيفاء، وأما الفسخ بسبب عدم الكفاءة فسخ قبل التمام فكان في معنى الامتناع عن الإتمام، وكذلك في خيار العتق والبلوغ.
وأما الخلع فيكون بعد تمام العقد والنكاح لا يحتمل الفسخ بعد تمامه، ولكن يحتمل القطع في الحال، فيجعل لفظ الخلع عبارة عن رفع العقد في الحال مجازًا، وذلك إنما يكون بالطلاق، وفائدة هذا الاختلاف أنه لو خالعها بعد
стр. 171
التطليقتين عندنا لا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا غيره، وعنده له أن يتزوجها.
يقوله: (لا يكون عملًا به) أي بخاص الكتاب وهو الطلاق المذكور في الآية.
(فأوجب صحته بعد الخلع) أي صحة الطلاق بعد الخلع. أنما قيد بقوله: بعد الخلع؛ لأن عنده يصح الطلاق بعد الطلاق على مال، فمن (وصله بالرجعى) أي ومن وصل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ بقوله: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ لا بقوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ لا يكون هو عاملًا بموجب الفاء التي في قوله تعالى: ﴿فَإن طلقَهاَ﴾ وهي للتعقيب مع الوصل.
стр. 172
فإن قلت: يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وبعد الحرمة الغليظة ليس للزوجين أن يتراجعا، فلابد أن يكون هذا متصلًا بما قبله، وهو قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ فكان في هذا ترك العمل بالخاص الذي هو موجب الفاء حيث ترك وصله بما يليه.
قلت: لا كذلك، بل هذه الآية متصلة بما يليها، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ فإن المراد من قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ الزوج الثاني أي فإن طلق الزوج الثاني بعد الدخول بها ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي فلا إثم على الزوج الأول والمرأة. كذا في "التيسير".
علم بهذا أن الفاء معمولة هاهنا أيضًا بحقيقتها وهي الوصل بما يليها.
стр. 173
﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ ذكر عقيب المحرمات بقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ أي ابتغاؤكم بالمال، والباء للإلصاق، فأينما وجد الطلب يكون المال ملصقًا به.
وقال الإمام شمس الأئمة السرخسي- حمه الله- فالابتغاء موضوع لمعنى معلوم وهو الطلب بالعقد، والباء للإلصاق فيثبت به اشتراط كون المال ملصقًا بالابتغاء تسمية أو وجوبًا، والقول بتراخيه عن الابتغاء ألى وجود حقيقة المطلوب- وهي الوطء كما قاله الخصم- في المفوضة إنه لا يجب المهر لها إلا بالوطء يكون ترك العمل بالخاص فيكون في معنى الفسخ له، ولا يجوز المصير إليه بالرأي.
(عن الطلب الصحيح) أي عن النكاح الصحيح، وهو احتراز عن الطلب الفاسد، وهو النكاح الفاسد؛ لأنه لا يجب فيه بنفس العقد بالإجماع، بل إذا وجد الدخول في مسألة المفوضة- بكسر الواو- وهي اختيار صاحب "المغرب" وهي: التي فوضت بضعها إلى زوجها أي زوجته نفسها بلا مهر. فإنه لا يجب المهر عند الشافعي إذا ماتت قبل الوطء مع وجود العقد
стр. 174
الصحيح وهو خلاف النص.
وقوله: (وأن تقدير العبد امتثال به) أي بإيجاب الله تعالى وتقديره، فيحتمل أن يكون هذا جواب شبهة ترد على قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ بان يقال: الله تعالى أسند الفرض- وهو التقدير- إلى العباد، وأنتم تقولون: تقدير المهر مفوض إلى الله تعالى، ولا يجوز تقديره للعبد، فكان هذا مخالفة للنص.
стр. 175
فأجاب عنه وقال: ذلك التقدير الذي يقدره العبد امتثال منه لتقدير الله تعالى وإيجابه. يعني إن مهور النساء مقدرة معلومة عند الله تعالى وباصطلاح الزوجين على مقدر يظهر ما كان مقدرًا معلومًا عند الله تعالى لأن العباد يقدرون ما ليس بمقدر، وعلى هذا قيم الأشياء، فإن قيم الأشياء معلومة مقدرة عند الله تعالى يظهر ذلك لنا بتقويم المقومين للأشياء على مقدر، وهذا نظير كفارة اليمين، فإن ما يأتي به العبد بأحد الأشياء الثلاثة كان امتثالًا لما كان واجبًا عليه ثابتًا عند الله تعالى.
(فمن جعل إلى العبد اختيار الإيجاب) يعني من فوض إثبات المهر وتركه والتقدير فيه على أن يقدر كيف شاء وأي قدر شاء كان مبطلًا للنص الخاص، ويتفرع عن هذا أن من تزوج امرأة بخمسة دراهم كان ذلك مهرًا عند الخصم، وعندنا تجب عشرة دراهم؛ لأن المهر مقدر عندنا بتقدير الله تعالى، وأدناه عشرة دراهم؛- لقوله ﵇: (لا مهر أقل من عشرة دراهم).
стр. 176
فإن قلت: على هذا التقرير وقعتهم في الذي أبيتم، وهو: أنكم تأبون الزيادة بخبر الواحد على مطلق الكتاب فتقولون: الزيادة على الكتاب نسخ كما قلتم ذلك في الزيادة على قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ بقوله- ﵇: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) لما أن القرآن يطلق على القليل والكثير فلا تصح زيادة تعيين الفاتحة عليه بخبر الواحد، فيجب أن يكون هاهنا كذلك؛ لأن اسم المال في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ يقع على القليل والكثير، فلا تصح الزيادة عليه بخبر الواحد؛ لأنه نسخ وذلك لا يجوز بخبر الواحد.
قلت: لا كذلكن فإن الله تعالى أشار في موضع آخر إلى أن ذلك المال مقدر. وأشار أيضًا إلى أن ذلك التقدير شرعي بقوله ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ فيعلم التقدير بالفرض وكونه شرعيًا بضمير (نا) في ﴿فَرَضْنَا﴾، ولكن ذلك التقدير مجمل فوقع هذا الخبر وهو قوله- عليه
стр. 177
السلام-: (لا مهر أقل من عشر دراهم) بيانًا لمجمل الكتاب، فيصح أن يقع خبر الواحد بيانًا لمجمل الكتاب بخلاف قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ فإنه لا إجمال فيه، فكانت الزيادة هناك مستلزمة للنسخ، وأما هاهنا فلان ولأن البضع من وجه في حكم النفوس حتى لا يسقط حكم الفعل فيه بالبذل، فبذل النفس لا يحصل بمجرد المال بل بمال له خطر فكذا فيما هو في حكمة؛ ولأن اشتراط الفرض فيه شرعًا لإظهار حظر البضع، وهذا المقصود لا يحصل بأصل المال؛ لأن اسم المال يتناول الحقير والخطير، وإظهار الحظر إنما يحصل بمال له خطرن وهو عشرة دراهم كما في نصاب السرقة فقدر بها.
ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ أي ومن العمل بالخاص قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ حكي عن الأصمعي أنه قال:
стр. 178
كنت أمشي في البادية، فاستقبلني أعرابي له هيبة، فخفت منه سلب مالي، فقال ليك من أنت؟ قلت: فقيه. فقال: أتحفظ شيئًا من القرآن؟ قلت: نعم. فتذكرت قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فقرأت هذه الآية كي يخاف لو كان قاصدًا لمالي، وقرأت في آخر هذه الآية: (والله غفور رحيم).
فقال الأعرابي: القرآن ما هكذا، فتأملت، فتذكرت، فقرأت: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: القرآن هكذا، وخلى سبيلي.
قال الأستاذ الكبير مولانا شمس الدين الكردري- ﵀: بدأ هاهنا بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ وبدأ في آية الزنا بقوله: ﴿الزانية﴾ والحكمة فيه- والله أعلم-: أن الأصل في السرقة الرجال، وفي الزنا النساء.
(الجزاء المطلق اسم لما يجب لله تعالى على مقابلة فعل العبد)؛ لأن الله تعالى هو المطاع في أوامره ونواهيه لذاته؛ لأنه هو المخترع لجميع الأشياء، فترك الأمر والنهي على الإطلاق واقع على حقه فيجب الجزاء له على العبد.
стр. 179
فأما غير الله تعالى فليس بمطاع على الإطلاق، بل هو مطاع لغيره وهو أن الله تعالى أمرنا بإطاعته، ولهذا لو أمر غير الله إنسانًا بشيء فيه معصية الله فلا إطاعة لأحد فيه، وإذا كان كذلك فلم يفهم من ذكر الجزاء مطلقًا ما يجب للعبد على العبد، بل يفهم منه ما يجب لله تعالى على العبد، فدل ذلك على كون الجناية واقعة على حق الله تعالى على الخصوص، ومن ضرورته ألا يبقى معصومًا حقًا للعبد؛ لأنه لو بقي معصومًا حقًا للعبد لا يجب القطع؛ لأنه حينئذ يكون حرامًا لغيره، وذلك لا يوجب القطع، كما لو غصب مال إنسان لا يجب القطع لبقائه معصومًا حقًا للعبد، ولا يقال: يجوز أن يبقى الشيء معصومًا حقًا للعبد، ومع ذلك هو معصوم حقًا لله تعالى حتى يجب القطع لكونه معصومًا حقًا لله تعالى، والضمان لكونه معصومًا حقًا للعبد
стр. 180
كما لو قتل محرم صيدًا مملوكًا لآخر يجب الجزاء؛ لكونه جناية على الإحرام وهو حق الله تعالى، والقيمة باعتبار كونه حقًا للعبد؛ لأنا نقول: لا وجه إلى ذلك؛ لأن كونه معصومًا حقًا لله تعالى يقتضي كونه حرامًا لعينه، وكونه معصومًا للعبد يقتضي كونه حرامًا لغيرهن فلو كان كذلك لا يجب القطع؛ لأنه يصير شبهة، والحدود تندرئ بالشبهات بخلاف قتل المحرم صيدًا مملوكًا؛ لأن الجزاء لا يتعلق بكون الصيد معصومًا.
ألا ترى أنه لو قتل صيدًا غير مملوك يجب الجزاء أيضًا، وإن لم يكن معصومًا ولا مملوكًا، فيجب الضمان لكونه مملوكًا لغيره، ويجب الجزاء لكونه مملوكًا لغيره، ويجب الجزاء لكونه جناية على إحرامه.
ألا ترى أنه يجب الجزاء أيضًا لو قتل صيد نفسه لهذا المعنى فاختلف الموجب أما هاهنا فإنما يجب الجزاء وهو القطع لكن المسروق معصومًا مملوكًا فلابد من تحول العصمة لما بينّا.
والدليل أيضًا على انتقال العصمة إلى الله تعالى أن الله تعالى أوجب هو الجزاء بمقابلة سرقة عشرة دراهم، ولو كان لحق العبد ما كان قطع اليد التي قيمتها خمسمائة دينار بمقابلة عشرة دراهم؛ لما أن ضمان العدوان مقيد بمصل. كما في الغضب بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى
следующие страницы →