← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الحد، ولا يستقيم ذكر كلمة "أو" في ذكر الحد؛ لأنها وضعت لتناول أحد المذكورين، فإن دخلت في الخبر أفضت إلى الشك، ومقام ذكر الحد مقام الخبر، والحد وضع لتعريف الماهية بدون الشك، فكان موضوع الحد على خلاف موضوع كلمة "أو" فلذلك لم يستقم ذكرها في موضع ذكر الحد. أو نقول: تستعمل هي لتقسيم الأفراد، والتقسيم أيضًا ضد التحديد على ما هو المعروف، فلا يليق ذكرها في موضع الحد. وقوله: (ونحوهما) كقوم، ورهط. (انتهت إلى صفة العمومة) يعني أن الأول الزوجية كما كان لأدم ﵇، ثم قرابة الأبوة والنبوة، ثم قرابة العمومة، ثم حل النكاح بعدها، فكانت القرابة المحرمة للنكاح منتهية إلى صفة العمومة. فإن قلت: في هذا سؤالان: أحدهما: لا نسلم أن العمومة منتهى القرابات، بل أولاد الأعمام أيضًا من الأقرباء، ولئن سلمنا أن المراد منه القرابة المقيدة بالحرمية لا نسلم تعين العمومة حينئذ لذلك، وهو السؤال

стр. 72

الثاني، فإن القرابة المقيدة بالحرمية كما تنتهي بالعمومية فكذلك تنتهي بالخؤولة، فلما تكن العمومية مستعينة في ذلك كيف قال: "انتهت إلى صفة العمومة"؟ قلت: المراد من قوله: "والقرابة إذا توسعت انتهت إلى صفة العمومة القرابة المحرمة للنكاح على ما ذكرنا، فلا يدخل حينئذ في هذا أولاد الأعمام. وأما ما ذكرته أن أولاد الأعمام من الأقرباء أيضًا، فقلنا: لا نسلم ذلك شرعًا بدليل أن من أوصى لأقاربه فهي للأقارب من ذي رحم محرم منه، ولا يدخل فيه غير المحرم- أي على قول أبي حنيفة- رحمة الله. فعلم بهذا أن القرابة مقيدة في الشرع بالمحرم من الأقارب. وأما اختيار العمومة دون الخؤولة في حق انتهاء القرابة مع أنهما مستويتان في المحرمية؛ فلكون العمومة من أنساب الآباء. والاعتبار في النسب لجانب الآباء لما عرف في تقدير مهر المثل أن المعتبر فيه جانب الآباء لذلك. (وهو كالشيء اسم عام)، ولا يقال: إن العام يتناول أفرادًا متفقة الحدود، وليس كل الأشياء متفقة الحدود بل فيها المتغايرات والمتضادات كالعرض، والجوهر، والحركة، والسكون، والحيوان، والجماد، فكان كل واحد منها مخالفًا للأخر حدًا وحقيقة، فكيف يكون اسم الشيء عامًا؟

стр. 73

لأنا نقول: إن كل الأشياء متفقة الحدود باعتبار قيام معنى الشيئية وهو الوجود في الجميع، فإن اسم الشيء يتناول الجوهر باعتبار الوجود لا باعتبار الجوهرية، فحينئذ كان متناولًا للعرض أيضًا؛ لأن العرض موجود، فكذلك سائر الأشياء موجودة، وإن كانت مختلفة في حقيقتها فيتناولها اسم الشيء على وجه العموم لاتحاد كلها في معنى الوجود، فكانت أفرادها متفقة الحدود؛ لأن معنى الوجود موجود في كل الأشياء، غير إن اسم الشيء كما يطلق على المخلوقات يطلق على ذات القديم لما عرف إلا أنه يطلق على المخلوقات بمعنى المشي، ويطلق على الله تعالى بمعنى الشائي؛ لأنه مصدر بصيغته، يقال شاء يشاء شياء ومشيئة، والمصدر يقع إطلاقه على اسم الفاعل، وعلى اسم المفعول. (وهذا سهو منه أو مؤول؛ لأن المعاني لا تتعدد)، وهذا التعليل تعليل

стр. 74

لقوله: "سهو" يعني أن المعاني لا تتعدد إلا عند اختلاف تلك المعاني كما في أفراد المشترك؛ وهذا لأن أفراد المعنى الواحد وإن كانت كثيرة لا تكون معاني، كالعلم مثلًا، فإنه معنى واحد هو كونه نافيًا للجهل، والظن، والشك عمن قام هو به، وهذا معنى واحد، وإن كان له أفراد من علم الكلام، والفقه، والنحو، وغيرها. فإن قيل: لفظ العرض يتناول الحركة، والسكون، والبياض، والسواد، وغير ذلك، وإنها معان، فعلى هذا يصح قوله: "أو المعاني"، قلنا: لفظ العرض لا يتناولها باعتبار كونها معاني، بل باعتبار معنى واحد، وهو معنى العرضية؛ لأن في الكل معنى العرض قائم. (وتأويله أن المعنى الواحد لما تعدد محالة سمى معاني مجازًا) باعتبار تعدد المحال، فكأنه أراد من المعاني محال المعاني بطريق المجاز، لما أن إطلاق اسم الحال على المحل جائز مجازًا، كما في قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ أي خذوا ثيابكم، ففيه إطلاق اسم الحال على المحل؛ لأن محل الزينة الثوب كما جاز عكسه، وهو في قوله تعالى: ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي عند كل صلاة، والمسجد محل الصلاة (لكن كان ينبغي أن يقول: والمعاني)؛ لأن المعاني حينئذ كانت معاني تلك الأسماء التي قال: ما ينتظم جمعًا من الأسماء".

стр. 75

ومعاني تلك الأسماء بحسب اختلاف المحل صارت كأنها جمع، ولكن لما لم تنفك تلك المعاني عن تلك الأسماء كان حقها أن يقال: والمعاني؛ لأن هذه المعاني ليست غير معاني تلك الأسماء، والواو للجمع، فلما لم تنفك معاني تلك الأسماء عن تلك الأسماء كان جمعًا بينهما، فكان حقها أن تذكر بالواو، وفي كلمة أو دلالة انفكاك المعاني عن أساميها، فلا يصح استعمال أو لذلك. (والصحيح أنه سهو)؛ لأن في التأويل تغيير كلمة "أو" على ما ذكرنا. [تعريف المشترك] (وأما المشترك) أي المشترك فيه، وهو أن يشترك مثلًا لفظ الشمس، ولفظ الينبوع، ولفظ الذهب في لفظ العين، فكانت هذه الألفاظ مشتركة ولفظ العين مشتركًا فيه، ثم اشتراك الأسامي في العين هو أن يقال: إن العين

стр. 76

إن كانت موضوعة لأسم الشمس ولأسم الينبوع ولأسم الذهب كان نظير اشتراك الأسامي، وإن كانت موضوعة لمعاني هذه الأسامي كان ذلك نظير اشتراك المعاني، هذا قول قيل به. وأما الأوجه والأولى فهو أن يقال: المراد من اشتراك المعاني هو اشتراك الصفات والأفعال، مثل البائن حيث يشترك فيه البينونة والبيان والبين، وقد صرح به الإمام الأرسابندي- ﵀ في"مختصر التقويم". أو نقول: إن قوله: أنت بائن. يحتمل الصفات المختلفة، فإن كل واحد منها معنى من المعاني، وهي، البينونة من النكاح، والخيرات، والسرور، والأفعال الحميدة، والأفعال الذميمة، وغير ذلك، وكذلك النهل اشترك فيه الري والعطش، فكان فيه اشتراك المعاني، وإنما قلنا هذا أولى مما ذكر أولًا استدلالًا بتصريح الإمام الأرسابندي بهذا، وإشارة الإمام السر خسي. رحمهما الله. إليه، ولأن الاشتراك في الوجه الأول كان اشتراكًا في الأسامي لا غير، وذلك لأن لفظ الشمس مع معناها الذي هو لفظ: أفتاب ولفظ: كن بمنزلة الأسماء المترادفة. فقلنا: بأن هذا الذي ذكرناه ثانيًا أولى ليبقى اسم المعنى على حقيقته؛ لأن اسم المعنى إنما يطلق على الاسم الذي ليس لمسماه جثة وهذا كذلك، فكان هذا أولى.

стр. 77

وقوله: (والقرء من الأسماء) إنما قال: من الأسماء؛ احترازًا عن القرء الذي هو مصدر؛ لأن ذلك ليس بمشترك، بل هو موضوع للجمع، وكذلك الفعل المشتق منه ليس بمشترك، يقال: ما قرأت الناقة سلا قرء قط. أي لم تجمع في رحمها ولدًا جمعًا، وقال الشاعر: هجان اللون لم تقرأ جنينًا أي لم تجمع جنينًا، والهجان من الإبل: البيض، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والجمع، يقال: بعير هجان، وناقة هجان. (ولا عموم لهذا اللفظ) أب للفظ المشترك قيل هذا في موضع الإثبات.

стр. 78

........................................

стр. 79

كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وأما في موضع النفي فله عموم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ فالنهي واقع على العقد والوطء ولفظ النكاح مشترك بينهما، وكذلك لو حلف لا يكلم مولى فلان. يقع على ناصر فلان، ومعتقه، ومعتقه، وابن عمه. وقيل: ذلك لا عموم في النفي أيضًا، بل لعدم رجحان أحدهما على الأخر. وأما في موضع الإثبات فلا كلام فيه أنه لا عموم له؛ لأن اللفظ بمنزلة الكسوة والمعنى بمنزلة المكتسي، ولا يمكن أن يكتسي الشخصان كسوة واحدة في زمان واحد. أو نقول: اللفظ بمنزلة القالب، والمعنى بمنزلة اللبن فيه، ولا يمكن يضرب أللبنان بملبن واحد. أو نقول: اللفظ بمنزلة الراكب، والمعنى بمنزلة المركب، ولهذا يقال:

стр. 80

الأسماء المترادفة، وهي تنبئ عن أن يكون اللفظ راكبًا؛ لأن الرديف ما يردف الراكب والشخص الواحد لا يركب من مركبين دفعه واحده، فكذلك ها هنا لا يجوز أن يراد بلفظ واحد معنيان مختلفان بدفعة واحدة، بخلاف العام؛ لأن كل أفراد العام بمنزلة مكتس واحد، ولبنة واحدة، ومركب واحد، فكان اللفظ واحدًا والمعنى واحدًا فيجوز. قوله: (يرجحان بعض وجوهه) ما قلنا في قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ يرجح بعض وجوهه وهو الحيض بالتأمل في لفظه؛ لأن القرء في الأصل هو الجمع، وذلك إنما يتأتى حقيقة في الدم؛ لأنه هو المجتمع في الرحم، وباقي لتقرير ينظر في "الوافي".

стр. 81

وقوله: (أما المجمل) فذكر المجمل ها هنا وقع اتفاقًا لا قصدًا، بل وقع ذلك لإتمام بيان المشترك. ألا ترى أن يذكر تفسير المجمل بعد هذا أيضًا (فما لا يدرك لغة المعنى زائد ثبت شرعًا) كالصلاة والزكاة والربا وغير ذلك، فإنه زيد على المعاني اللغوية في هذه الألفاظ في الشرع شيء أخر، فإن الصلاة لغة: عبارة عن الدعاء، والزكاة: عن الطهارة، والربا: عن الزيادة، ثم نفس الدعاء والطهارة والزيادة غير مراده ها هنا، بل المراد منها هذه المعاني مع شيء أخر زيد عليها شرعًا لا يدرك ذلك الشيء لغة. ألا ترى أن الربا في اللغة: عبارة عن الزيادة، ونفس الزيادة غير مراده بقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فإن البيع ما وضع إلا للاستثمار وزيادة المال، علم أن المراد منه الزيادة المكيفة، وذلك لا يدرك لغة. (أو لانسداد باب الترجيح لغة) مثل قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ

стр. 82

حَصَادِهِ﴾ فإن الحق مجمل لا يدري أنه خمس أو عشر أو غير ذلك، وكذلك إذا أوصى رجل بثلث ماله لمواليه وله معتقون ومعتقون وأبناء العم وأنصار، فإنه مجمل يرجع فيه إلى بيانه، فإن مات بطلت الوصية؛ لفوات البيان وإنما كان كذلك؛ لأنه ليس فيه دلالة على أن المراد من هو؟ فإن في كل واحد منهم معنى يقتضى أن تكون الوصية له، ففي المعتقين إنعامهم عليه، وهو يقتضي أن تكون لهم جزاء لإنعامهم، وفي المعتقين إنعامه عليهم وهو يقتضي أن تكون الوصية لهم إتمامًا لذلك الإنعام؛ لقوله ﵇: "من أتى بالمبرة فليتمم". وفي أبناء العم صلة قرابتهم، وفي الناصرين جزاء نصرتهم، فهذا شيء لا يدرك بالعقل واللغة أن يكون المراد ما هو. [تعريف المؤول] (وأما المؤول) فهو مفعول فعل المؤول. دخل المؤول في أقسام النظم، وإن كان تبين المراد منه بالاجتهاد؛ لأن المجتهد يبين باجتهاده أن المراد من هذا النص هذا، ثم بعد ذلك أضيف الحكم إلى النص، فسار كأن النص ورد في هذا مع الاحتمال، والحكم جاز أن يثبت بنص فيه ضرب احتمال كالنصوص المحتملة للمجاز، ونص العام الذي خص منه البعض.

стр. 83

(فما ترجح من المشترك) وكذلك لو ترجح (بعض الوجوه) الخفي والمشكل (بغالب الرأي) يسمي مؤولًا والذي وقع تقيده من المشترك إنما وقع لسبق ذكر المشترك، لا لأن ذلك القيد لازم في تفسير المؤول، وقوله: " بغالب الرأي" قيد به؛ لأنه لو ترجح بعض وجوه المشترك وما في معناه بدليل قطعي كان مفسرًا لا مؤولًا على ما ذكر بعد هذا في الكتاب بقوله: (وليس هذا كالمجمل إذا عرفت بعض وجوهه ببيان المجمل، فإنه يسمى مفسرًا؛ لأنه عرف بدليل قاطع)، وليس هذا حكمًا مختصًا بالمجمل، بل كل مشتبه أمره إذا عرف بعض وجوهه بدليل قاطع يسمى مفسرًا. وقيل السفر: كشف الظاهر، ومنه المسفرة، وهي المكنسة؛ لأنها تكشف ظاهر البيت، والمفسر: كشف الباطن، ومنه التفسرة، وهي الدليل

стр. 84

الذي يعرض على الطبيب؛ لأنها تحكي عما في الباطن، (فيكون هذا اللفظ مقلوبًا من التفسير)، ومثل هذا الكلام جائز، يقال: جذب وحبذ هذا على اختيار الفقهاء. وأما صاحب "الكشاف" فإنه لا يجوز أن يكون أحدهما مقلوب الأخر؛ لاستوائهما في التصرف، وإذا استويا كان كل واحد منهما بناء على حياله، فكان كل واحد منهما أصلًا برأسه. ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنْ الصَّوَاعِقِ﴾. ومن هذا الجنس ما ذكره في كتاب "أدب الكتاب": قولهم: اضمحل، وامضحل. أي ذهب. ثنت اللحم ونثت بتأخير النون وتقديمه أي أنتن. وكذلك الصاعقة، والقاصعة، وغرسه،

стр. 85

ورغسة وأبنضت القوس، أنبضتها إذا أنت جذبت وترها، ثم أرسلته فصوت، وما أطيبه، وما أيطبه. (وهذا معنى قول النبي- ﵇:- "من فسر القرآن برأيه") يعني قال النبي- ﵇: "من فسر القرآن برأيه". ولم يقل: من أول القرآن، برأيه، فإن المؤول غير مستحق لهذا الوعيد، بل المفسر برأيه هو مستحق لهذا الوعيد، يعني لما علمت أن المفسر هو مكشوف المعنى بلا شبهة، كان المفسر هو الذي يقول في كلام الله بأن مرد الله تعالى من هذه الآية هذا لا غير، فإن ذلك مكشوف بلا شبهة قاله ذلك برأيه، ومن قال ذلك في الآيات المؤولة برأيه كان جاعلًا نفسه بمنزلة صاحب الوحي في العلم بمراد الله تعالى برأيه وهو كفر، فلذلك "يتبوأ مقعدة من النار"؛ لأن النار معدة للكافرين. لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ التبرؤ: جاي كرفتن. وقوله: ﴿فليتبوأ مقعده من النار﴾ أي فمقعده النار، فكان هذا أمرًا في معنى الخبر، بخلاف قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ فإن ذلك خبر في معنى الأمر، أي ليتربصن.

стр. 86

(وفي هذا إبطال قول المعتزلة في أن كل مجتهد مصيب)، فإن عندهم لما كان كل مجتهد مصيبًا لم يتصور الخطأ في الاجتهاد، فحينئذٍ من فسر القرآن برأيه أيضًا كان مصيبًا، والمصيب في اجتهاده لا يستحق الوعيد، وقد أوعد النبي ﵇ على المفسر بالاجتهاد برأيه. علم أن المجتهد يكون مخطئًا، فكان فيه إبطال لقولهم: إن كل مجتهد مصيب. وإنما وقعوا في هذا لقولهم بوجوب الأصلح على الله تعالى على ما ذكره المصنف- ﵀ في باب معرفة أحوال المجتهدين من هذا الكتاب.

стр. 87

[تعريف الظاهر والنص] ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ أي ما حل لكم ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ وإنما قيد بهذا؛ لأن من النساء ما حرم نكاحهن كاللاتي في آية التحريم، وأريد بالطيب الحل؛ لأن الطيب هو المطلق شرعًا والمستلذ طبعًا، وهذا التأويل أولى من قولهم: أي ما أدركت من النساء؛ إذ لا فائدة في القيد بالإدراك لجواز نكاح الصغائر. (ويسمى مجلس العروس منصة) - بفتح الميم- قال في المغرب: يقال: الماشطة تنص العروس- أي ترفعها- فتقعدها على المنصة- بفتح الميم- وهي كرسيها؛ لترى من بين النساء.

стр. 88

(لأنه سيق الكلام للعدد)؛ لأنه جعل العدد أصلًا وغير العدد كالخلف منه حيث قال: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ بعد ما ابتدأ بقوله: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ ولأن نفس جواز النكاح كانت معلومة قبل نزول هذه الآية بفعل النبي ﵇ وبآيات أخر توجب جواز النكاح، ثم إن أحتمل تقدم هذه الآية على تلك الآيات فلا تحتمل تقدمها على فعل النبي ﵇، فإن نكاح خديجة ﵂ كان قبل البعثة وقرر عليه، فكان هو بمنزلة النص الصريح في حق البيان بأنه جائز، فلم يكن جواز العدد مبينًا بغير هذه الآية، وفعله بتزوج التسع كان

стр. 89

هو مخصوصًا به، فلم يصلح فعله بيانًا للعدد في النكاح في حق الأمة، فتعين كون نزول هذه الآية لبيان العدد، فكان نصًا في حق بيان العدد بهذا الطريق لا محالة، وكانت الحاجة ماسة إلى علمه. (نص للفص بين البيع والربا؛ لأنه سيق الكلام لأجله). بدليل سباق الآية وسياقها فقال في سباق الأيه: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ﴾؛ لأنه بين الوعيد بما فعلوا وبما قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ فرد الله تعالى تسويتهم البيع بالربا حيث بين التفرقة بينهما بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فأني يتساويان. يعني أن الحرمة مع الحل ضدان، والتسوية بين الضدين في الحكم مستحيلة. وأما سياق الآية فقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ أي يذهب ببركة

стр. 90

الربا فكان الربا مذمومًا بكل حال لحرمته، ثم إن الكفرة القائلين بتسوية البيع مع الربا في الحل جعلوا الربا بمنزلة الأصل في الحل، والبيع بمنزلة التبع في الحل حيث جعلوا الربا المقياس عليه في الحل والبيع بمنزلة المقياس فيه، فكان الربا في الحل أبلغ من البيع في اعتقادهم حيث قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ ولم يقولوا: إنما الربا مثل البيع، وكان هذا منهم غاية العناد والمكابرة، فإنهم يعلمون حرمة الربا في الأديان الماضية، ومع ذلك قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ مبالغين في حل الربا بالنسبة إلى حل البيع، فكان ذلك منهم معاندة، وإنما قلنا: إنهم كانوا يعلمون حرمة الربا؛ لأن حرمته كانت مشهورة في الأديان الماضية بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ وكان شيخي- ﵀ يقول: في هذه الآية دليل على أن القياس حجة؛ لأن الله تعالى رد عليهم وجود شرط صحة قياسهم، وهو المماثلة، ولم يرد قياسهم، فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يعني فأنى يتساويا، فقد نفي المساواة التي هي شرط صحة القياس، ولم يقل: قالوا إنما البيع مثل الربا فقد قاسوا، والقياس ليس بحجة.

стр. 91

[تعريف المفسر] (سواء كان بمعنى في النص) أي سواء كان ورود ازدياد الوضوح بسبب المعنى الخفي الذي كان في النص بأن كان لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا لكن المعنى خفي لكون اللفظ غريبًا كالهلوع. (أو بغيره) أي كان ورود ازدياد الوضوح بسبب الاحتمال الذي هو في غير النص، وهو إرادة المتكلم من العموم الخصوص يعني أن صيغة العموم موضوعة لإرادة العموم، ومع ذلك يجوز له أن يريد منها الخصوص، فكان إرادة المتكلم من صيغة العموم الخصوص معنى في غير النص؛ إذ النص موضوع للعموم، فكان قوله: (بأن كان مجملًا) نظير الأول، وهو قوله: بمعنى في النص. وقوله: (أو كان عامًا) نظير الثاني، وهو قوله: أو بغيره. والباء في قوله: "بمعنى في النص"، وفي قوله: "أو بغيره" للسببية، فنظير الأول قوله تعالى:

стр. 92

﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ هذا مجمل، فجاء البيان بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جذوعا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾. ونظير الثاني قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ على ما ذكر في الكتاب. وذكر في التأويلات" قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ تفسير قوله: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ﴾ يعني أن المضطر: هو الذي يكون غير باغ ولا عاد في أكله.

стр. 93

وكذلك قوله تعالى: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ فكان قوله: ﴿غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ تفسير لقوله: ﴿مُحْصِنِينَ﴾. فقوله: بأن كان مجملًا فلحقه بيان قاطع، فانسد به باب التأويل. فإن قيل: كيف يستقيم هذا والمجمل غير قابل للتأويل، بل الطريق فيه الرجوع إلى المجمل بالاستفسار على ما يجئ بعد هذا؟ قلنا: المراد من التأويل هنا الاحتمالات الوهمية في الذهن بسبب ازدحام المعاني، كما لو قال رجل مثلًا: لفلان على شيء. هذا مجمل يرد فيه على السامع احتمالات وهمية بأن يفسره بدرهم أو بدرهمين أو بغير ذلك، فانقطعت تلك الاحتمالات بقوله: ذلك عشرة دراهم مثلًا أو غير ذلك. [الخفي] (لكل ما اشتبه معناه) أي معنى ذلك اللفظ كما في السرقة، فإن

стр. 94

معناها لغة اشتبه في حق النباش والطرار، أهي موجودة في حقهما أم لا؟ وحكم هذا النظر فيه. ليعلم أن اختفاءه- أي اختفاء معنى ذلك اللفظ في حق الطرار والنباش- لمزي أو نقصان؟ أي لزيادة على معنى النص أو نقصان منه، فيظهر المراد. بيان هذا النص أوجب القطع على السارق، ثم اجتاح السامع إلى معرفة حكم النباش والطرار؛ لأنهما اختصا بأسم أخر غير اسم السارق. إذ تغير الاسم دليل على تغير المعنى، فخفي لذلك مراد المتكلم على السامع وهو وجوب القطع عليهما بعارض غير الصيغة، وهو اختصاصهما بأسم النباش والطرار، فنظرنا في معناهما فوجدنا معنى السرقة موجودًا في الطرار على الكمال وزيادة؛ لأن الطر: اسم لقطع الشيء عن اليقظان بضرب غفلة تعتريه، وهذه السارقة في غير الكمال، فكانت داخلة تحت قوله تعالى:

стр. 95

﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ ونظرنا في معنى النباش، فوجدنا معنى السرقة فيه قاصرًا؛ لأن اسم السرقة يدل على كون المأخوذ خطيرًا؛ لأن السرقة قطعة من الحرير، والنبش يدل على هوان المنبوش؛ لأن النبش بحث التراب من نبشت البقل والميت، فكان معنى السرقة فيه قاصرًا، فلم يدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾

стр. 96

[المشكل] (لا ينال بالطلب) أي بالطلب وحده (وهذا الغموض في المعنى) مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ فصار هذا مشكلًا في حق داخل الفم والأنف، فهما دخلا في أشكالهما، وهي ظاهر البشرة وباطنها،

стр. 97

والتطهر غسل جميع البدن، فما كان ظاهر البدن داخل فيه، وما كان باطنه غير داخل فيه، فوجدنا باطنهما مشابهًا بالباطن من وجه ومشابهًا بالظاهر من وجه؛ لأنه إذا فتح فاه كان ظاهرًا، وإذا ضم شفتيه كان باطنًا، وكذا في حق الحكم، فإن الصائم إذا ابتلع بزاقه لا يفسد صومه، وكذلك إذا أخذ الماء بفيه ثم مجه لا يفسد صومه، وكذلك إذا أخذ الماء بفيه ثم مجه لا يفسد صومه أيضًا، فلما كان كذلك ألحقناهما بالظاهر في حق الجناية؛ لأن قوله: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ للمبالغة، فكان مقتضاه غسل ما يمكن تطهيره، وداخلهما مما يمكن تطهيره فيدخل، وألحقناهما بالباطن في حق الحدث؛ لأن مطلق المواجهة لا يتناول باطنهما، فكان فيما قنا عمل بالشبهين بقدر الإمكان. وكذلك قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شيءتُمْ﴾ فكلمة "أني" تجئ بمعنى كيف، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وتجئ بمعنى من أين، كما في قوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ فلو نظرنا إلى المعنى الأول لا يحل دبر المرأة المنكوحة، فكان هو بيان الصفة في حق أحوال المرأة من الاستلقاء والاضطجاع، ولو نظرنا إلى المعنى الثاني يحل؛ لأنه يعم المواضع، فتأملنا، وقلنا: إنها بمعنى كيف، فيحرم الدبر لقرآن قوله: ﴿فَاتُوا حَرْثَكُمْ﴾ لأن موضع حرث الولد هو القبل لا

стр. 98

غير وكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ فإن فيه خفاء؛ لأن ألف شهر من السنين، وفي كل سنة ليلة القدر، فكان فيه تفضيل الشيء على نفسه في حق الجزء. قلنا: معناه أنها خير من ألف شهر لم يكن فيه ليلة القدر. أو لاستعارة بديعة، مثل قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ فالقارورة من الزجاج تكون لا من الفضة، فتأملنا فقلنا: إن تلك الأواني لا تكون من الزجاج، ولا بد من الفضة، بل لتلك الأواني حظ منهما، فإن للزجاج صفاء ليس هو للفضة وهو أن يجلي عما في باطنه، والفضة لها بياض ليس هو للزجاج، فكان لتلك الأواني صفاء الزجاج وبياض الفضة، وهما الصفتان الحميدتان لهما، فانتهت عنها الصفات الذميمة التي لهما. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ حيث يستفاد شدة العذاب من الإذاقة؛ إذ الشيء المر يعلم مرارته عند الذوق أكثر مما يعلم عند استمرار الشرب، ويستفاد اشتمال العذاب من اللباس، فكان قال: عذبها الله بعذاب هو مؤلم شامل.

стр. 99

[المجمل] (ثم الطلب ثم التأمل) هذا الذي ذكره في بعض المجملات بأن لم يكن بيان المجمل شاملًا لكل أنواع المجمل، كما في مسألة الربا والصلاة والزكاة. وأما إذا كان البيان من المجمل على وجه لم تبق فيه شبهة لم يكن فيه الطلب والتأمل، كما إذا قال رجل: لفلان على شيء ثم بين ذلك الشيء بقوله: وهو درهم، أو درهمان. لم يبق فيه الطلب والتأمل أو نظير ما ذكر في الكتاب. قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فإنه ورد البيان في الأشياء السته، وهو غير مكشوف كشفًا بلا شبهة بالنسبة إلى أفراد الربا، فصار بمنزلة المشكل بعد هذا البيان، وحكم المشكل: الطلب، ثم التأمل، فيطلب المعنى الذي

стр. 100

تثبت به الحرمة، ثم يتأمل فيه في أنه صالح لإضافة الحكم إليه لسلامته مما يمنعه، وذلك المعنى إنما هو القدر والجنس عند البعض والاقتيات والادخار عند البعض، وقد عرف في موضعه. (وكذلك الصلاة) لما ورد البيان بفعل رسول الله- ﵇ يطلب المعنى الذي جعلت الصلاة لأجله صلاة أهو التواضع والخشوع، أم الأركان المعهودة؟ ثم يتأمل أنه هل يتعدى هذا إلى صلاة جنازة فيمن حلف لا يصلي؟ وعلى هذا أيضًا وقع الاختلاف في أن تعديل الأركان فرض أم لا؟ وكذلك في الزكاة ورد البيان بقوله- ﵇ "ليس عليك شيء في الذهب الحديث" ثم يطلب المعنى الذي وجب الزكاة لأجله؛ أهو ملك نصاب كامل فارغ عن الدين أم مشغول به؟ ثم يتأمل فيه في أنه: هل هو صالح لإضافة الحكم إليه؟ وفي وجوب الزكاة في الإبل والبقر: أيشترط الإسامة أم لا؟ وكذلك في العشر لما ورد البيان بقوله- ﵇: "أما سقته السماء فقيه العشر" الحديث. يطلب المعنى الذي يجب به العشر: أيتعلق بمجرد الخارج أم بوصف أخر معه؟ وهو أن يبلغ

стр. 101

النصاب ويبقى من غير تكلف، ثم يتأمل فيه في أنه: هل هو صالح لإضافة الحكم إليه؟ (وهو مأخوذ من الجملة) أي من الجملة التي بمعنى الشمول والإبهام، يقال: أجمل أي أبهم. [المتشابه] (سمي متشابهًا) قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀: سمي متشابهًا عند بعضهم؛ لاشتباه الصيغة وتعارض المعاني فيها، وهذا غير صحيح، فالحروف المقطعة في أوائل السور من المتشابهات عند أهل التفسير، وليس فيها هذا المعنى، ولكن المتشابهة: ما يشبه لفظه ما يجوز أن

стр. 102

يوقف على المراد فيه. وهو بخلاف ذلك لانقطاع احتمال معرفة المراد فيه، وأنه ليس له موجب سوى اعتقاد الحقية فيه والتسليم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وقول شمس الأئمة: "ما يشبه لفظه ما يجوز أن يوقف على المراد فيه وهو بخلاف ذلك" نظير ذلك قوله تعالى: ﴿يَدِ اللَّهِ﴾ فبالنظر إلى اليد يعلم أن المراد منها الجارحة، ثم هذا الموضع لا يحتمل ذلك، فكان على خلاف المراد الذي يعلم من ظاهر الكلام؛ لأن الله تعالى منزه عن الجارحة، فتشابه موجب السمع وموجب العقل. (بخلاف المجمل فإن طريق دركه متوهم)؛ لأن ذلك مرجو البيان لما أن عامة المجملات إنما وردت في العمليات كما في الربا وغيره، فكان البيان فيه مرجوًا. (وطريق درك الشكل قائم) فإن المجتهد يدرك حكم المشكل الذي عنده باجتهاده. (وأما المتشابه فلا طريق لدركه إلا التسليم) هذا في حق الأمة، وأما

стр. 103

في حق النبي ﷺ فإنه يعلم معنى المتشابهة بإعلان الله تعال. كذا ذكره المصنف- ﵀ في هذا الكتاب في باب تقسيم السنة في حق النبي ﵇. (فيقتضي اعتقاده الحقية قبل الإصابة) أي قبل يوم القيامة، وإنما قال هذا؛ لأن المتشابهات تنكشف يوم القيامة. (وعندنا لاحظ للراسخين) أي وعندي وهو مذهب السلف، فإن المصنف- ﵀ اختار مذهب السلف، فإنهم لم يشتغلوا بتأويل المتشابهة، بل قالوا: نؤمن بتنزيله، ولا نشتغل بتأويله، ونفوض أمره إلى الله، ونقول: ما أراد الله به فهو حق. وأما مذهب الخلف فالاشتغال بالتأويل على وجه يوافق التوحيد، وإنما اشتغلوا بتأويله ردًا لتأويل الخصوم، فإن الخصوم استدلوا بالمتشابهات لإثبات مذاهبهم الباطلة، فوقع الخلف في تأويل المتشابهة لضرورة دفع تمسك الخصوم به، وإلا كان من حق المتشابه أن لا يتمسك به. ألا ترى أن الله تعالى كيف ذم المتبعين للمتشابه بقوله: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾

стр. 104

(وأن الوقف على قوله: ﴿إِلاَّ اللَّهُ﴾ واجب) فكان قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ابتداء كلام، والوافي ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ لحسن نظم الكلام لا للعطف الذي يوجب الشركة بما قبله. والدليل على هذا ما ذكره الإمام الأندرابي- ﵀ في "الإيضاح في علم القراءة" بقوله: والوقف فيه واجب، وهو قول أكثر أهل العلم. ثم

стр. 105

قال: ويقوي هذا المذهب أنه في حرف عبد الله ﵁: ﴿إن تأويله إلا عند الله الراسخون في العلم﴾. وفي حرف أبي- ﵁:- ﴿ويقول الراسخون في العلم أمنًا به﴾. (وأهل الإيمان على طبقتين) جواب إشكال يرد على إنزال المتشابه بأن يقال: إنزال الكتاب إنما هو للتدبير والتذكر في آياته؛ لقواه تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾. ولن يكون ذلك إلا بعد الوقوف على معناه، ولو لم يوقف على معنى المتشابه أصلًا لم يبق لإنزال المتشابه فائدة. فقال في جوابه: إن أهل الإيمان على طبقتين، فمنهم من هو موصوف بنوع من الجهل فابتلى بالإمعان في الطلب أي بالتباعد في طلب العلم والمبالغة فيه؛ لكي ينكشف له ما هو مستور عليه قبل مبالغته في طلب الكشف، ومنهم من هو موصوف بذكاء من الطبع، ومكرم بفهم دراك، فيدرك ما سمعه.

стр. 106

(فأنزل المتشابه تحقيقًا للابتلاء) في حقه فكان ابتلاؤه في التوقف عن الطلب. (وهذا أعظم الوجهين بلوى) يعني أن الابتلاء في الوقف عن الطلب أعظم من ابتلاء في الطلب بالمبالغة في السير؛ لأن الابتلاء في الوقف أن يسلم ذلك إلى الله تعالى ويفوضه إليه، فكان هذا أقوى من الابتلاء بالطلب؛ لأن هذا ينشأ من العبودة، والابتلاء بالإمعان في السير ينشأ من العبادة، والعبودة أقوى من العبادة؛ لأن العبودة الرضا بما يفعل الرب، والعبادة فعل ما يرضى له الرب من العبادات، فالأول أشق فكان أفضل؛ وهذا لأن العبودة أن لا يرى العبد متصرفًا في الحقيقة إلا الله، فيفوض أمره إليه في كل حال أفقره، أو أغناه، أبهجه، أو أشجاه أسمنه، أو أضناه ألبسه، أو أعراه، أمانه، أو أحياه. ضره، أو نفعه، جوعه، أو أشبعه. فإن المتصرف في الحقيقة هو الله تعالى، فإنه خالق كل شيء، فيجب على العبد التسليم في كل حال؛

стр. 107

ولأن العبادة قد تسقط، والعبودة لا تسقط في الدارين. أو نقول: إن هذه الدار دار ابتلاء. قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ والابتلاء من الله إظهار ما علم من المكلف، والبليات أنواع بعضها فوق بعض، وأهل الإيمان كذلك، قال النبي- ﵇:- "إن أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل" فلما كان المكرم بالعلم والاجتهاد أفضل ممن كان مبتلي بالجهل كان ابتلاؤه أعظم أيضًا. أو نقول: إن في هذا الابتلاء ابتلاء للقلب خاصة، والقلب رئيس الأعضاء، فكان عمله أيضًا رئيس الأعمال؛ لأن تفاصيل الأعمال بحسب تفاضل العاملين. والدليل على أن عمل القلب أعظم من عمل الجوارح أنه لو ترك عمل القلب فيما يجب الاعتقاد فيه يكفر، ولو ترك العمل فيما يجب فيه العمل بالجوارح لا يكفر، علم بهذا أن عمل القلب أعظم من عمل الجوارح. أو نقول: في المتشابه نهي للمكلف عن الطلب، وحجر عنه بطريق

стр. 108

الابتلاء، وفي حق من يطالب بالإمعان في السير في حق الطلب أمر بالإمعان فيه بطريق الابتلاء، والابتلاء بالنهي أشد من الابتلاء بالأمر، فكان ثواب الانتهاء أكثر من ثواب الائتمار، فكان الانتهاء أولى، وإليه وقعت الإشارة في قوله- ﵇: "لترك ذرة مما نهى الله تعالى خير من عبادة الثقلين" وهذا لأن العامل بالانتهاء مقيم للفرض أبدًا؛ لأن الانتهاء فرض ممتد بخلاف المتمثل بأمر العبادات من الصلاة والزكاة، فإنه فيما وراء الفرائض مقيم للتطوع، وثواب الفرض أكثر من ثواب التطوع، فكان الانتهاء أولى لذلك. (وأعمها نفعصا وجدوى) أي من حيث الثواب؛ لأن الابتلاء بالمتشابه لما كان أشد بهذه الوجوه الأربعة من الابتلاء بغيره كان الثواب الحاصل به أكثر وأعم، ولأن حكم هذا الابتلاء الصبر، والصبر على البلاء أكثر ثوابًا من غيره، ولهذا وعد الله الصابرين أجرهم بغير حساب، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال الأستاذ الكبير العلامة مولانا شمس الدين الكر دري- ﵀ في الحديث: "إن الله تعالى خلق في الجنة منازل في الهواء غير معلقة بشيء، لا يسكنها أحد لصلاته ولا لصيامه! قالوا: ومن يسكنها؟ قال: أهل البلاء. قالوا: وكيف يدخلونها؟ قال: وكما يطير الطير".

стр. 109

(وهذا يقابل المحكم) إذ المحكم لما بلغ غايته في البيان والإظهار كان ضده المتشابه بلغ غايته في الإشكال والإجمال، أو أن المحكم لما كان مأمون النسخ كان ضده المتشابه ميئوس الوقوف، فكل منها غاية فيما هو فيه. (ومثاله إثبات رؤية الله تعالى) أي إثبات جواز رؤية الله تعالى في الاعتقاد بالدليل بالإبصار (عيانًا)، وقوله "عيانًا" مخصوص ذا الكتاب في بعض النسخ. (وأن يكون مرئيًا لنفسه ولغيره من صفات الكمال)؛ لأن الذي لا

стр. 110

يُرِي نفسه في الشاهد إما لنقصان فيه أو لعجز به، فإن من يستتر عن أعين الناس إنما يتستر لحقارته ودناءته وكونه مئوفًا بالعيوب؛ لئلا يقصدوه بقتل أو غيره. وهو لا يقدر على مقاومتهم ومدافعتهم، والله تعالى موصوف بصفات الكمال بحيث لا يقدر أحد أن يبلغ كنه صفة من صفاته، لما أن صفات العبد متناهية، وصفات الله -تعالى- غير متناعية، وهو أجمل من كل جميل منزه عن كونه مئوفًا، وهو أيضًا قاهر كل شيء، وغال عليه؛ إذ له القدرة الشاملة على جميع المقدرات، وليس له خوف من أحد، وفي الشاهد من كان موصوفًا بصفات الكمال ولا يخاف من الرائين فإنه لا يستتر، بل يتجلى بالبروز والظهور، وجل ربنا عن النقصان إذ له الكماليات أجمع، عز العجز؛ لأنه الموصوف بالقدرة الأزلية. (لكن إثبات الجهة ممتنع)؛ لأنه لا جهة له؛ لأنه يوجب كونه محددًا
следующие страницы →