Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
تقبل الآحاد فيها لكونها مخالفة للآيات المحكمة، والدلائل العقلية على أن لهذه الأحاديث تأويلات على وجه لا يلزم منها التشبيه.
(ومثال هذا) أي مثال ما خالف الكتاب من الأحاديث حديث (مس الذكر).
قيل: سأل النبي ﵇ عن الذين نزلت الآية في حقهم فقال: ((ما هذه الطهرة التي خصصتم بها؟)) فقالوا: كنا نتبع الحجارة الماء ولو كان مس الذكر حدثًا كان بمنزلة البول فا يليق من الحكيم أن يمدحهم بالبول، وإن كان هو إزالة عن نفسه النجاسة الحقيقية؛ لأنه إثبات للنجاسة الحكمية فمن كان مثبتًا للنجاسة لم يكن مستحقًا للمدح بذلك الفعل.
стр. 1157
(وكذلك مما خالف الكتاب من السنن أيضًا حديث القضاء بشاهد واحد ويمين المدعي لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ أمر بفعل مجمل في حق العدد، ثم فسر ذلك بنوعين: برجلين، أو رجل وامرأتين.
كان ذلك بياتًا أن ما هو المراد من الأمر هذا. كقولهم: كل طعام كذا، فإن لم يكن فطعام كذا يكون هذا بيانًا لما هو المجمل من المأكول وحصر للإباحة في هذين الطعامين. كما في قوله:
أذنت لك أن تعامل فلانا، فإن لم يكن هو ففلانا، فاقتضى الكتاب حصر الحجة على هذين النوعين، فكان حديث القضاء بالشاهد واليمين مخالفًا له فيرد.
стр. 1158
(ولا مزيد على الأدنى) أي لا يكون من الأدنى أدنى يعني لا يكون شيء أدنى من هذا كما في قوله: أقل الحيض كذا وأقل مدة السفر كذا لا يكون غيره أدنى منه، إذ لو كان غيره أدنى منه لم يكن هذا أقل.
(ويمين الخصم) أي يمين المدعي (في الجملة مشروعة) كما في التحالف.
(ومثله خبر المصراة) وهو قوله ﵇: ((لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحيلها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعًا من تمر)) كذا في ((المصابيح)) يقال: صر الشاة وغرها إذا لم يحتلبها أيامًا ليمتلي ضرعها من اللبن.
стр. 1159
(ومثل حديث سعد بن أبي وقاص في بيع التمر بالرطب) أن النبي ﵇ قال: ((أو بنقص إذا جف؟ قالوا: نعم. قال: فلا إذن)) قال أبو حنيفة- ﵁: لا يقبل هذا الحديث؛ لأنه مخالف للسنة المشهورة وكان ناسخًا لها، وهي (قوله ﵇ ((التمر بالتمر مثل بمثل))) ففيه اشتراط المماثلة بالكيل مطلقًا، فالتقييد باشتراط المماثلة في أعدل الأحوال وهو الجفوف يكون نسخًا للمشهور، وهذا لأن التمر اسم للتمرة الخارجة من
стр. 1160
النخل من حين تنعقد صورته، فإعراض الأحوال عليها بمنزلة إعراض الأحوال على الإنسان، فكان التمر اسم جنس كالإنسان، فإنه يطلق على الصغير والكبير من الإنسان، فكذا اسم التمر يتناول الرطب وغيره، والنبي ﵇ شرط المماثلة كيلًا بكيل مطلقًا.
علم بهذا أن المماثلة إنما تعتبر حالة الكيل ولا تعتبر مماثلة تحصل في عاقبته وهي الجفاف؛ لأن ذلك يتعلق بصفة وهي الجودة ووهي غير معتبرة في المقدار، وهو معنى قوله: (فصار نسخًا للمشهور بزيادة مماثلة ليس من المقدار) يعني أن كيلًا من رطب لا يماثل كيلًا من تمر بعاقبته، بل كيل من تمر زائد على كيل من رطب فيكون ربًا. إلا أنهما قالا: اسم التمر لا يتناول الرطب في العادة في مسألة اليمين لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا، أو حلف لا يأكل من هذا الرطب فأكل بعد ما صار تمرًا لا يحنث.
قلنا: الحقيقة قد ترك في باب الأيمان على ما عرف، وكذلك اليمين تتقيد بوصف في العين إذا كان ذلك داعيًا إلى اليمين، وهذا لا يدل (على أن التمر لا يتناول الرطب).
стр. 1161
(ألا ترى أنه كيف اشتهر في الخلف) يعني أن المتأخرين إذا نقلوا اشتهر، فلو كان ثابتًا في الصدر الأول لوجب عليهم النقل ولو نقلوا لاشتهر، وحيث لم يشتهر بل شذ دل أنه من الراوي سهو أو مأول أو منسوخ.
فإن قيل: إنكم فبلتم خبر الوتر وخبر المضمضة والاستنشاق أي في أنهما فرضان في الجنابة وأنهما خبر واحد فيما علم به البلوى؛ لأنه يستوي فيه الخاص والعام فعلى قود كلامكم هذا وجب أن لا يقبل، فقد وقعتم في الذي أبيتم!
قلنا: فعل المضمضة والاستنشاق خبر مشهور فقبلنا لشهرته، والوجوب
стр. 1162
شيء آخر قد يخفى على البعض دون البعض، وهذا لأن خبر المضمضة والاستنشاق بيان لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ وهو أمر بغسل جميع البدن إلا ما تعذر على المكلف غسله، وقد أشكل أن داخل الفم والأنف من ظاهر البدن أو من باطنه؟ فبين النبي ﵇ بقوله: ((فرضان في الجنابة)) إنهما من ظاهر البدن، فكان ملحقًا بالكتاب بطريق البيان لما ذكر فيه، وكذلك الوتر خبره مشهور وثبوت الوجوب لدليل آخر عرف في موضعه.
стр. 1163
(وذلك مثل حديث ((الطلاق بالرجال))) وهو مؤول بأن إيقاع الطلاق مخصوص بالرجال.
(فهذا انقطاع باطن معنوي) يعني لم يثبت الاتصال برسول الله ﷺ معنى من الوجه التي ذكرنا من أن يكون الحديث مخالفًا للكتاب أو السنة
стр. 1164
المعروفة إلى آخره وإن كان متصلًا صورة، وأعرض اشافعي عن هذا القسم (وتمسك بظاهر الانقطاع) فقال: المراسيل لا تقبل؛ لأنه غير متصل صورة وإن كان متصلًا معنى (كما هو دأبه) في التمسك بالظاهر والإعراض عن المعنى، وأصحابنا تمسكوا بالمعنى الذي هو المقصود.
(وأما القسم الآخر) وهو النوع الثاني من الانقطاع المعنوي وهو الانقطاع لنقصان وقصور في الناقل.
стр. 1165
(على ما قلنا من المجهول) أراد به ما ذكره في باب تقسيم الراوي بقوله:
((وأما المجهول فإنما يعني به المجهول في رواية الحديث بأن لم يعرف إلا بحديث أو بحديثين)) إلى آخره، فإن ذلك منقسم إلى خمسة أقسام على ما هو المذكور هناك.
(لرجحان كذبه على صدقه). يعني أن الخبر يحتمل الصدق والكذب، فبالعدالة يترج الصدق، وبالفسق يترجح الكذب، فلا يقبل خبره في رواية الحديث احتياطًا، ولا يعني بقوله: ((لرجحان كذبه على صدقه)) أن الأصل خبره أصلًا بل يقبل خبره إذا وقع صدقه في قلب السامع لما أن الفاسق عندنا أهل لأداء الشهادة مع القصور، لكن لا يقبل خبره مطلقًا.
(لأن ذلك أمر خاص لا يستقيم تلقيه من جهة العدول) يعني به الأخبار
стр. 1166
عن الطهارة والنجاسة والحل والحرمة، وهو أمر خاص وقف عليه من اطلع عليه، وذلك لم يتعلق بالعدل والفاسق، بل يتعلق وقف عليه فلا يستقيم تلقيه من جهة العدول فيقبل فيه خبر الفاسق ولكن الضرورة لما لم تكن لازمه؛ (لأن العمل بالأصل) ممكن لم تمس الضرورة بقوله: (فلم يجعل فسقه هدرًا) بل اعتبرنا فسقه حتى لم يقبل قوله مطلقًا، وأوجبنا فيه تحكم الرأي، فحكم السامع رأيه، فإن وقع في قلبه صدق خبره كان عليه العمل، وإن وقع كذبه فلا يعمل، وهذا في الحقيقة عمل بالدليلين: دليل قبول خبره لما ذكرنا، ودليل رده لفسقه، فوجب تحكم الرأي في خبره عملا بالدليلين. فأما هاهنا أي في باب رواية الحديث.
(بخلاف خبر الفاسق في الهدايا والوكالات) أي يقبل خبره بدون تحكيم الرأي، (وفيه وجه آخر نذكره في محل الخبر)، وهو قوله: والثاني أن هذا الخبر غير ملزم إلى آخره.
стр. 1167
(فقد ذكر محمد- ﵀ في كتاب الاستحسان بعد ما ذكر العدل والفاسق والكافر وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان) وترتيب ما ذكره في كتاب الاستحسان قال: فإن كان الذي أخبره بنجاسة الماء رجلًا من أهل الذمة لم يقبل قوله؛ لأنه متهم بالفسق قال: إذا وقع في قلبه أنه صادق يتيمم ولا يتوضأ به، وهذا لأن الفاسق أهل لأداء الشهادة ولهذا نفذ القضاء بشهادته، فيتأكد ذلك بأكبر رأيه، وليس الكافر أهل الشهادة في حق المسلمين. يوضحه أن الكافر يلزم المسلم ابتداء بخبره ولا يلتزم، ولا ولاية له على المسلم.
فأما الفاسق فمسلم ملتزم وهو من أهل الولاية على المسلم. قال: وكذلك الصبي والمعتوه إذا عقلا ما يقولان. من أصحابنا من يقول: مراده بهذا العطف أن الصبي كالبالغ إذا كان مرضيًا، وهذا لأنه كان في الصحابة من سمع في صغر ولو روى كان مقبولًا. كما سقط اعتبار الحرية والذكورة سقط اعتبار البلوغ كما في المعاملات، والأصح أن مراده العطف على الذمي، فإن
стр. 1168
خبر الصبي في هذا كخبر الذمي؛ لأنهما لا يلزمان شيئًا، ولكن يلزمان الغير ابتداء فإنهما غير مخاطبين فليس لهما ولاية الإلزام، فكان خبرهما في معنى خبر الكافر. كذا في ((مبسوط)) الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀.
(وإنما هي مجوزة) أي تصرفه جائز الثبوت إذا انضم إليه رأي الولي فحينئذ يلزم.
(بخلاف العبد لما قلنا) أي في آخر باب تفسير الشروط، وهو قوله: والمرأة والعبد من أهل الرواية إلى آخره؛ لما أن العبد بالغ عاقل مخاطب، فلا يكون غيره مقصود الخبر بل يلزمه أولًا ثم يتعدى إلى غيره كما في شهادته بهلال رمضان.
فإن قيل: ليس للعبد ولاية الإلزام فكيف يلزم حكمًا على غيره بخبره؟
قلنا: هو ملحق بالأحرار في باب الدين.
стр. 1169
وقوله: (ألا ترى) متصل بقوله: ((والصحيح أنهما مثل الكافر لا تقوم الحجة بخبرهما)) إلى آخره.
ألا ترى (أن الصحابة- ﵃ تحملوا في صغرهم ونقلوا في كبرهم) أي ولم ينقلوا في صغرهم، فلو كانت رواية الصغار مقبولة له لنقلوا في صغرهم كما نقلوا في كبرهم.
فإن قلت: يشكل على هذا حديث أهل قباء فإن عبد الله بن عمر- ﵄ أتاهم وأخبرهم بتحويل القبلة إلى الكعبة وهم كانوا في الصلاة فاستداروا كهيئتهم وكان ابن عمر- ﵁ يومئذ صغيرًا على ما روي أنه عرض على رسول الله ﷺ يوم بدر أو يوم أحد- على حسب ما اختلف الرواة فيه- وهو ابن أربع عشرة سنة فرده، وتحويل القبلة كان قبل بدر بشهرين، فقد اعتمدوا خبره فيما لا يجوز العمل به إلا بالعلم وهو الصلاة إلى
стр. 1170
القبلة، ولم ينكر عليهم رسول الله ﷺ .
قلت: عن هذا قال بعضهم: إن رواية الصبي في باب الدين مقبولة، وإن لم يكن هو مقبول الشهادة لانعدام الأهلية للولاية بمنزلة رواية العبد، ولكن الأصح ما ذكره أن رواية الصبي غير مقبولة.
وأما حديث أهل قباء فإن الذي أتاهم وأخبرهم كان أنس بن مالك- ﵁ وقد روي أنه كان عبد الله ابن عمر- ﵄ فإما يحمل على أنهما جاءا أو جاء أحدهما بعد الآخر وأخبرا بذلك، فإنما تحولوا معتمدين على رواية البالغ وهو أنس بن مالك أو أن ابن عمر- ﵄ كان بالغًا يومئذ، وإنما رده رسول الله في القتال لضعف بنيته يومئذ لا لأنه كان صغيرًا، فإن ابن أربعة عشر يجوز أن يكون بالغًا. كذا في ((أصول الفقه)) لشمس الأئمة- ﵀.
(وفي الفاسق) أي وفي خبر الفاسق أي بنجاسة الماء (جعل الاحتياط أصلًا) حيث قال: يريق الماء احتياطًا، فإن تيمم ولم يرق الماء جازت صلاته
стр. 1171
أي يقبل خبره في ثبوت صفة النجاسة في الماء حتى لا يجوز التوضؤ به ما لا يجوز بالماء النجس وهو احتياط حيث وجب الاحتراز عنا لنجاسة، (وفي خبر الكافر يتوضأ به) ولا يعتبر هذا الاحتياط، وهو الاحتراز عن استعمال النجس عيني حتى أنه لو توضأ به (ولم يتيمم) وصلى جاز، (ولكن الأفضل) في خبره بنجاسة الماء (هو أن يريق الماء ويتيمم).
وحاصل الرق بين خبر الفاسق والكافر هو أن التحري أصل في خبر الفاسق ولم يعتبر خبر الكافر أصلًا في باب الدين.
ألا ترى أن محمدًا- ﵀ قال في خبر الفاسق: يحكم السامع رأيه فلم يجعل خبره حجة ولا هدرًا مطلقًا بل جعل التحري أصلًا حتى إذا وقع في قلبه أنه صادق عمل بخبره وإلا فلا،
стр. 1172
ولا كذلك في خبر الكافر فإنه وغن وقع في قلبه أنه صادق لا يعمل بخبره فجعل خبره هدرًا والاحتياط في خبر الفاسق أصلًا.
أعلم أن المصنف- ﵀ ذكر لفظ الأحوط في حق إراقة الماء في خبر الفاسق، وذكر لفظ الأفضل في حق إراقة الماء في خبر الكافر نفسها على ما قلته في أن العمل بالإراقة في حق الكافر بجواز الوضوء بذلك الماء الذي أخبر الكافر بأنه نجس، فلم تكن الإراقة فيه إلا فضل الأمرين.
وأما في خبر الفاسق لم يجز الوضوء بذلك الماء الذي أخبر أنه نجس عملًا بأصل إيمانه، ولكن مع ذلك كانت الإراقة فيه أوجب لئلا يهدر فسقه، بل يريق الماء ثم يتيمم ويصلي؛ لكي تجوز صلاته على وجه التيقن من غير ريبة تدخل في قلبه في حق عدم الجواز، وفي لفظ الكتاب هذا نوع اشتباه حيث قيل:
((وأما في خبر الكافر إذا وقع في قلب السامع صدقه بنجاسة الماء يتوضأ به ولم يتيمم)) كان من حقه أن يقال: وإن وقع في قلب السامع صدقه على وجه الوصل؛ لأن وجوب التوضؤ بذلك الماء الذي أخبر الكافر بأنه نجس غير موقوف إلى وقت وقوع الصدق في قلب السامع بنجاسة الماس؛ بل لما كان التوضؤ واجبًا عند وقوع الصدق في قلبه بأنه نجس بخبره كان التوضؤ به أوجب على السامع عند عدم وقوع الصدق في قلبه بأنه نجس بخبره، لكن أقام
стр. 1173
((إذا)) التي فيها معنى الشرط مقام إن الشرطية في إفادة معنى الوصل.
وقوله: (وفي رواية الحديث يجب أن يكون كذلك في حكم الاحتياط خاصة) أي رواية الصبي والمعتوه الحديث يجب أن تكون مثل رواية الكافر الحديث إي في حق عدم القبول أي لا تقبل رواية هؤلاء الثلاثة الحديث، وهذا لأنه لما لم تقبل رواية الفاسق الحديث مع إيمانه وكمال عقله لأن لا تقبل رواية هؤلاء الثلاثة الحديث أولى، وإنما قال بلفظ: ((يجب أن يكون كذلك)) إشارة إلى ما ذكرنا أن بعض العلماء قبلوا رواية الصبيان الحديث على ما ذكرنا في حديث أهل قباء.
وإنما ذكر قوله: ((في حكم الاحتياط خاصة)) لدفع شناعة صورة التسوية بين المسلم والكافر في حق عدم قبول قولهما، فصار كأنه قال: هذه التسوية بينهما ليست إلا في حق العمل بالاحتياط خاصة إلا أن تكون المماثلة بينهما عامة، حتى أن بعض العلماء قبلوا رواية الصبيان الحديث في حال صباهم ولم يقبل أحد رواية الفاسق الحديث فكيف في حق الكافر حيث لا يقبل خبره أصلًا فيما يرجع إلى الديانات من نجاسة الماء وطهارته فأولى أن لا يقبل خبره في رواية الحديث، وأما الصبي فالاحتياط أن لا تقبل روايتهما
стр. 1174
الحديث، وفي ((التتمة)) محالًا إلى ((عصب النوازل)) المعتوه: من كان قليل الفهم، مختلط الكلام، فاسد التدبير إلا أنه لا يضرب ولا يشتم كما يفعل المجانين.
(إذا كان عامة حاله التيقظ) يعني لا ترد الرواية بتهمة الغفلة، وإنما ترد إذا كان عامة أحواله الغفلة.
(وأنا المتساهل فإنما نعني به المجازف الذي لا يبالي من السهو والخطأ) أي لا يبالي بما يقع له من السهو والغلط، ولا يشتغل فيه بالتدارك بعد أن علم به.
وقيل: المتساهل هو الذي يتساهل أمر الدين ولا يحتاط في موضع الاحتياط.
стр. 1175
(التزوير): تزيين الكذب، من زورت الشيء حسنته.
(الخطابية): طائفة من الروافض نسبوا إلى أبي الخطاب محمد بن أبي وهب الأجدع.
قال صاحب ((المقالات)) وهم كانوا يدينون بشهادة الزور لموافقيهم.
وقيل: إنما ترد شهادة الخطابي؛ لأنه يشهد للمدعي إذا حلف عنده فيتمكن شبهة الكذب.
(وكذلك من قال: الإلهام حجة يجب أن لا تجوز شهادته أيضًا) لتوهم أن يكن اعتمد ذلك في أداء الشهادة بناء على اعتقاده، والإلهام: ما حرك
стр. 1176
القلب بعلم يدعوك إلى العمل به من غير الاستدلال بدليل ولا نظر في حجة.
(وليس كذلك الشهادة في حقوق الناس) أي تقبل شهادة صاحب الأهواء غير الخطابية؛ لأن الشهادة من باب المظالم والخصومات، ولا يتعصب صاحب الهوى بهذا الطريق مع من هو محق في اعتقاده حتى يشهد عليه كاذبًا.
فأما في أخبار الدين يتوهم هذا التعصب لإفساد طريق الحق على من هو محق حتى يجيبه إلى ما يدعو إليه من الباطل، فلهذا لا تعتمد روايته، ولا نجعله حجة في باب الدين، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1177
باب بيان محل الخبر
(وهو الذي جعل الخبر فيه حجة) أي خبر الواحد.
(فمثل عامة شرائع العبادات). هذا من قبيل إضافة العام إلى الخاص كعلم الطب وعلم النحو؛ فإن الشرائع أعم من العبادات (وما شاكلها) من القرب مما ليس بعبادة مقصودة كالوضوء والأضحية وغير ذلك من الشرائع التي ليست العبادة فيها بمقصودة كالعشر وصدقة الفطر والكفارات.
(فإن أبا يوسف- ﵀ قال فيما روي عنه: يجوز إثبات العقوبات
стр. 1178
بالآحاد) ولذلك قبل في حد اللواطة خبر الواحد، وهو قوله ﵇" ((اقتلوا الفاعل والمفعول)).
(أن خبر الواحد يفيد من العلم ما يصلح العمل به) أي أن خبر الواحد يفيد علم غالب الظن وهو ما يصلح العمل به (في إقامة الحدود كما في البينات في مجالس الحكم)، ولو كان مجرد الاحتمال مانعًا للعمل فيما يندرئ بالشبهات لما جاز العمل فيها بالبينة، (وكذلك يجوز إقامة الحدود بدلالة النص) وهي قاصرة من حيث إنها لا تثبت بالنظم، فمن دلالات النصوص التي تثبت بالاجتهاد ما قلنا في وجوب الكفارة بالأكل والشرب استدلالًا بالإجماع، ودلالة النص فيه أن الوجوب متعلق بالفطر الكامل، والأكل والشرب في ذلك مثل الوقاع، وهذا غير مسلم عند الخصم، فكان هو ثابتًا مع ضرب من الاحتمال، فكذلك هاهنا يجوز أن تثبت العقوبة بخبر الواحد.
стр. 1179
(فأما البينة فإنها صارت حجة بالنص الذي لا شبهة فيه) يعني وجوب الحد بالبينة مع الاحتمال إنما يثبت بالنص، بخلاف القياس فيقتصر على مورد النص، وخبر الواحد ليس في معنى الشهادة من كل وجه لما أنا لشهادة تتوقف على ما لا يتوقف عليه خبر الواحد من العدد والذكورة والحرية والبصر وكنه غير محدود في القذف، فإذا وجدت هذه الشرائط في الشهادة كانت هي أكمل من غيرها، وليس شيء منها شرط في خبر الواحد فلم يكن هو في معناها فلا يلحق بها بدلالة النص.
(لم يوجب الحد في اللواطة بالقياس) أي بالقياس على الزنا بجامع أن في كل منهما قضاء الشهوة بسفح الماء في محل مشتهى محرم من كل وجه، (ولا بالخبر الغريب) وهو قوله ﵇: ((اقتلوا الفاعل والمفعول)) وقوله: (عند الإمكان) احترازًا عما لا يطلع عليه الرجال وهو الولادة والبكارة والعيوب بالنساء في مواضع لا يطلع عليها الرجال، فإن العدد والذكورة فيه ليس بشرط بل تقبل فيه شهادة امرأة واحدة، (وقيام الأهلية بالولاية) يعني به العقل والبلوغ والحرية (مع سائر شرائط الأخبار) وهي: الإسلام، والضبط، والعدالة.
(وتوكيدًا لها) معطوف على محل.
стр. 1180
قوله: ((لما فيها من محض الإلزام)) أي إلزامًا وتوكيدًا، وقوله: ((لما فيها من محض الإلزام)) احتراز عن النوع الأول وهو حقوق الله تعالى من العبادات، فإن الأخبار بحقوق الله تعالى من العبادات إلزامًا أيضًا ولكن ليس هو بخالق للإلزام؛ لأن الإلزام الخاص هو أن يلزم غيره من غير لزوم عليه، وليس الأخبار في العبادات كذلك؛ لأن المخبر بأخباره في الواجبات من العبادات كما يلزم غيره موجب الخبر فيحب هو عليه أيضًا فلم يكن إلزامًا خالصًا، وإنما الإلزام الخالص في الشهادات حيث يوجب على المدعى عليه موجب خبره من غير أن يلزم هو عليه، وحاصله أن في الأخبار بحقوق الله تعالى من العبادات التزامًا وإلزامًا، وأن في الشهادات إلزامًا خاليًا عن الالتزام، فكان خالصًا في الإلزام لا محالة، فلذلك سماه محض الإلزام لخلوه عن شائبة الالتزام.
فكذلك قوله: (لما يخاف من وجوه التزوير والتلبيس صيانة للحقوق المعصومة) للفرق بين هذا وبين النوع الأول.
إلى هذا الذي ذكرت أشار الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي- ﵀ فقال: ولان الخصومات إنما تقع باعتبار الهمم المختلفة للناس، والمصير إلى التزوير والاشتغال بالحيل والأباطيل فيها ظاهر، فجعلها الشرع حجة بشرط زيادة العدد وتعيم لفظ الشهادة تقليلًا لمعنى الحيل والتزوير فيها بحسب وسع القضاة، وليس هذا نظير القسم الأول، فإن السامع هناك حاجته إلى الدليل ليعمل به لا إلى رفع دليل مانع، وخبر الواحد باعتبار
стр. 1181
حسن الظن بالراوي دليل صالح لذلك، فأما في المنازعات فالحاجة إلى رفع ما معه من الدليل وهو الإنكار الذي هو معارض لدعوى المدعي، فاشتراط الزيادة في الخبر هنا لهذا المعنى.
(والشهادة بهلال الفطر من هذا القسم)؛ لأنه يتعلق به حق العباد وهو الفطر، فيلزمهم ذلك وكان من حقوق العباد مما فيه إلزام، فصار كسائر حقوق الناس مما فيه إلزام.
وقوله: (وما أشبه) ذلك كالرسالة في الودائع والعواري (وقبل فيها خبر الصبي والكافر) أي إذا وقع في قلب السامع صدقهما.
(أحدهما: عموم الضرورة الداعية إلى سقوط شرط العدالة) أي إن في تبليغ مثل هذا الخبر ضرورة عامة تشمل الخاص والعام والمسلم والكافر، ومثل هذه الضرورة داع إلى سقوط شرط العدالة وسقوط اتفاق الملة؛ لأن كل الناس محتاجون إلى البياعات والأشربة والتوكيل، والمكل قلما يجد عدلًا
стр. 1182
ليبعث إلى غيره بالتوكيل، وربما لا يتمكن الوكيل من الرجوع إلى قول الموكل مشافهة لبعد المسافة، وكذا هذا أيضًا في جميع المعاملات من بعث الهدايا والإذن في التجارة وغيرها، فلو توقف جواز هذا الأخبار على ما يشترط في الشهادة لوقع الناس في حرج عظيم، فتتعطل المصالح المتعلقة بالمعاملات، ثم الناس كلهم عملوا من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا بمثل هذه الأخبار في الأسواق وغيرها من غير توقف على شرائط الشهادة، فكان ذلك إجماعًا منهم على سقوط شرائط الشهادة في هذه الأخبار.
(بخلاف أمور الدين مثل طهارة الماء ونجاسته) وحل الطعام وحرمته فإنه من النوع الأول، فيشترط فيه العدالة، (ولهذا الأصل لم تقبل شهادة الواحد بالرضاع) أي وللأصل الذي ذكرنا في بيان القسم الثالث فما فيه إلزام محض من حقوق العباد يشترط فيه شرائط الشهادة قلنا: إن شهادة الواحد بالرضاع لا تقبل وإن كان عدلًا، يعني لو تزوج رجل امرأة فشهد واحد على أنهما ارتضعا من امرأة واحدة، والنكاح بينهما كان باطلًا، أو اشترى أنة فشهد واحد على أن المشترى وهذه الأمة ارتضعا من امرأة واحدة أو شهد على حرمة أمة من الأصل الذي كان اشتراها رجل ففي هذه الصور الثلاث لا تقبل شهادة رجل واحد وإن كان عدًا لما أن الموضع موضع المنازعة؛ لأن الإقدام
стр. 1183
على النكاح تصريح منه بان النكاح وقع صحيحًا، والشاهد يقول: بان النكاح وقع باطلًا فتنازعا وفي موضع المنازعة لا يعتبر قول الواحد لكونه من جملة القسم الذي هو إلزام محض في حقوق العباد.
فإن قيل: في هذا حرمة أيضًا فكان ينبغي أن يكون حكمه مثل حكم حل الطعام وحرمته.
قلنا: لا بل بينهما فرق؛ لأن حرمة الفرج هنا تنبئ على زوال الملك، فكان زوال الملك أصلًا ومتضمنًا لحرمة الفرج والحرمة بناء عليه، والاعتبار للمتضمن لا للمتضمن.
فإن قلت: هذا الجوا في ثبوت الرضاع في النكاح وفي ثبوت الحرمة في ملك اليمين في الجارية مسلم، أما في ثبوت الرضاع في الجارية التي اشتراها فغير مسلم؛ لأن ثبوت الرضاع هناك لا يقتضي زوال ملك اليمين هو من قبيل حل الطعام وحرمته.
قلت: إن لم يقض هو زوال ملك اليمين اقتضى زوال ملك المتعة وهو أيضًا مما يقصد في الجارية المشترى، وكان هو بسبب القصد بمنزلة زوال ملك المتعة الذي يثبت مقصودًا وهو النكاح، فلا يثبت بشهادة الواحد بخلاف حرمة الطعام.
فإن ذلك لم يبن على زوال ملك اليمين ولا على زوال ملك المتعة، فإن حرمة الطعام تثبت مع بقاء ملك اليمين كما في العصير المملوك إذا تخمر
стр. 1184
يبقى مملوكًا للمالك فيحرم على المالك شربه كما يحرم على غيره، وكذلك حل الطعام لا يبتنى على ثبوت الملك؛ لأنه يجوز أن يثبت الحل ولا يثبت الملك كما إذا أبيح له الطعام من غير تملك ولا كذلك حل المرأة وحرمتها وحل الجارية وحرمتها.
وذكر في استحسان ((المبسوط)) الفرق بينهما من وجهين، فقال: إذا كان الرجل يشتري الجارية فيخبره عدل أنها حرة الأبوين أو أنها أخته من الرضاعة، فإن تنزه عن وطئها أفضل وإن لم يفعل وسعه ذلك، وفرق بين هذا وبين ما تقدم من الطعام والشراب فأثبت الحرمة هناك بخبر الواحد العدل ولم يثبت هنا؛ لأن حل الطعام والشراب يثبت بالإذن بدون الملك حتى لو قال لغيره: كل طعامي هذا أو توضأ بمائي هذا أو اشربه وسعه أن يفعل ذلك، فكذلك الحرمة تثبت بما لا يبطل له الملك وحل الوطء لا يثبت بدون الملك حتى لو قال: طأ جاريتي هذه قد أذنت لك فيه، أو قالت له حرة في نفسها، لا يحل له الوطء، فكذلك الحرمة تثبت لما لا يبطل به الملك وهو خبر الواحد، وتقرير هذا الفرق من وجهين: أحدهما: أن الحل والحرمة فيما سوى البضع مقصود بنفسه؛ لأنه لا يثبت بدون ملك المحل، وتثبت الحرمة مع قيام الملك، فكان هذا خبر بأمر ديني، وقول الواحد ملزم فيه.
فأما في الوطء فالحل والحرمة تثبت حكماُ للملك وزواله لا يثبت مقصودًا بنفسه، وقول الواحد في إبطال الملك ليس بحجة، فكذلك في الحل الذي ينبني عليه.
стр. 1185
والثاني: أن في الوطء معنى الإلزام على الغير؛ لأن المنكوحة يلزمها الانقياد للزوج في الاستفراش والمملوكة يلزمها الانقياد لمولاها، وخبر الواحد لا يكون حجة في إبطال الاستحقاق الثابت لشخص على شخص.
فأما حل الطعام والشراب فليس فيه استحقاق حق على أحد يبطل بثبوت الحرمة، وإنما ذلك أمر ديني، وخبر الواحد في مثله حجة.
(وعلى ذلك بنى محمد- ﵀ مسائل) أي على ما قلنا من المنازعة والمسألة، فقوله: (إن فلانًا كان غصب مني هذا العبد فأخذته منه) موضع المنازعة، فلذلك لا يقبل السامع خبره؛ لأن الأخذ سبب الضمان كما أن صريح لفظ الغصب يثبت الضمان، وأما التوبة والرد فليس من أسباب الضمان، وكان الموضع موضع المسألة فيقبل خبر الواحد.
وبيان هذا أيضًا في استحسان ((المبسوط)) فقال: ولو أن رجلًا علم أن جارية لرجل يدعيها ثم رآها في يد آخر يبيعها ويزعم أنها قد كانت في يد فلان وذلك الرجل يدعي أنها له، وكانت الجارية مقرة له بالملك غير أنه زعم أنها كانت لي وإنما أمرته بذلك لأمر خفته وصدقته الجارية بذلك والرجل ثقة مسلم فلا بأس بشرائها منه؛ لأنه أخبر بخبر مستقيم محتمل، ولو كان ما
стр. 1186
أخبره معلومًا للسامع كان له أن يشتريها منه، فكذلك إذا أخبره بذلك ولا منازع له فيه، وإن كان في أكبر رأيه كاذب لم ينبغ له أن يشتريها؛ لأنه ثبت عنده أنها مملوكة للأول فإن إقرار ذي اليد بأن الأول كان يدعي أنها كانت مملوكته حين كانت في يده فيثبت الملك له وكذلك سماع هذا الرجل منه أنها له. دليل في حق إثبات الملك له، والذي أخبره المخبر بخلاف ذلك لم يثبت عنده حين كان في أكبر رأيه أنه كاذب في ذلك ولم لم يقل هذا ولكنه قال: ظلمني وغصبني فأخذتها منه، لم ينبغ له أن يتعرض لها بشراء ولا قبول هبته وإن كان المخبر ثقة دليل في حق إثبات الملك له، والذي أخبره المخبر بخلاف ذلك لم يثبت عنده حين كان في أكبر رأيه أنه كاذب في ذلك ولو لم يقل هذا ولكنه قال: ظلمني وغصبني فأخذتها منه لم ينبغ له أن يتعرض لها بشراء ولا قبول هبته وإن كان المخبر ثقة أو غير ثقة، والفرق من وجهين:
أحدهما: أنه أخبر هاهنا بخبر مستنكر، فإن الظلم والغصب مما يمنع كل أحد عنه عقله ودينه، فلم يثبت بخبره غصب ذلك الرجل بقى قوله: أخذتها منه وهذا أخذ بطريق العدوان.
ألا ترى أن القاضي لو عاين ذلك منه أمره برده عليه حتى يثبت ما يدعينه، وإذا سقط اعتبار يده بقي دعواه الملك فيما ليس في يده لا يطلق الشراء منه، وفي الأول أخبر بخبر مستقيم كما قررنا، فإن عقله ودينه لا يمنعانه من
стр. 1187
التلجئة عند الخوف.
والثاني: أن خبر الواحد عند المسالمة حجة وعند المنازعة لا يكون حجة؛ لأنه يحتاج فيه الإلزام، وذلك لا يثبت بخبر الواحد، وفي الفصل الثاني أخبر عن حال منازعة بينهما في غصب الأول منه واسترداد هذا منه فلا يكون خبره حجة، وفي الأول أخبر عن حال المسالمة ومواضعة كانت بينهما، فيعتمد خبره إذا كان ثقة إلى آخره.
وقوله: (ولهذا قبلنا خبر الفاسق) يتصل بقوله: (وقبلنا في موضع المسالمة) وكذلك قوله: (ولهذا قبلنا خبر المخبر في الرضاع الطارئ) متصل به أيضًا؛ لأنه إنما يقبل خبر الواحد في الرضاع الطارئ لكونه من موضع المسالمة لما أنهما اتفقا على صحة النكاح، والمخبر لا ينازعه بل يخبر بفساد النكاح، وهو طالب دليلًا يعمل به في فساد النكاح، وخبر الواحد يصلح دليلًا لذلك، فجاز أن يقبله ويتزوج أختها، فكان خبر المخبر مجوزًا لا ملزمًا.
стр. 1188
(والشهادة بهلال رمضان من هذا القسم) أي لا يشترط فيه نصاب الشهادة والحرية ولفظ الشهادة يعني إذا كان في السماء علة.
(ووجوب الشرائع على المسلم الذي لم يهاجر).
قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ والأصح عندي أنه يعتبر خبر الفاسق فيه في إيجاب.
(والشهادة بهلال رمضان من هذا القسم) أي لا يشترك فيه نصاب الشهادة والحرية، ولفظ الشهادة يعني إذا كان في السماء علة.
(ووجوب الشرائع على المسلم الذي لم يهاجر).
قال الإمام شمس الأئمة السرخسي- ﵀ والأصح عندي انه يعتبر خبر الفاسق فيه في إيجاب القضاء عند علمائنا جميعًا؛ لأن هذا المخبر نائب عن رسول الله ﷺ مأمور من جهته بالتبليغ كما قال ﵇: ((ألا فليبلغ الشاهد الغائب)) فهو بمنزلة رسول الله إلى عبده، ثم هو غير متكلف في
стр. 1189
هذا الخبر، ولكنه مسقط عن نفسه ما لزمه من الأمر بالمعروف، فلهذا يعتبر خبره والوكيل: هو الذي يبلغ بلفظ الوكالة، والرسول: هو الذي يبلغ بلفظ الرسالة، وتقييد الوكالة والرسالة للاحتراز عن الفضولي ممن إليه الإبلاغ كالموكل والمولى والأب وغيرهم من الأمير والقاضي.
(والمثنى كذلك عند بعضهم) أي لا يقبل خبر الاثنين إلا إذا كانا عدلين، (ولفظ الكتاب في المثنى محتمل) أي لفظ كتاب: ((المبسوط)) في اشتراط عدالة الاثنين محتمل؛ لأن يشترك أولًا يشترك، وفي ((أصول الفقه)) لشمس الأئمة- ﵀ ولفظ الكتاب مشتبه، فإنه قال: حتى يخبره رجلان أو رجل عدل، فقيل معناه: رجلان عدل أو رجل عدل؛ لأن صيغة
стр. 1190
هذا النعت للمفرد والجماعة واحد.
ألا ترى أنه يقال شاهد عدل وفي ((التقويم)): فإن قيل: فما الفائدة في زيادة العدل مع قيام الفسق؟
قلنا: كما قلما في الشهادة مع قيام العدالة الواحد والاثنين، وقد نص محمد بن الحسن- ﵀ في كتاب الاستحسان في ماء أخبره رجل بنجاسته والآخر بطهارته وأحدهما فاسق والآخر عدل على أن خبر العدل أولى، وإن كانا فاسقين توقف، وإن كان أحد الفريقين رجلين فخبرهما أولى، فرجع بالزيادة كما رجح بالعدالة، وكذلك إذا اختلف المزكون في جرح الشاهد وتعديله ومن جانب رجلان ومن جانب رجل، فقول الرجلين أولى.
(يلزمه فيه العهدة من لزوم عقد) يعني يلزم العقد على الوكيل بعد العزل، ويلزم عليه الكف عنا لتصرف، (أو فساد عمل) يعني يفسد ما عقد العبد بعد الحجر، ويلزم عليه الكف عن التصرف أيضًا، ويلز على البكر النكاح إذا سكتت، فكان إلزامًا من هذا الوجه، ويلزم على المسلم الذي لم
стр. 1191
يهاجر بخبر الواحد الشرائع، فكان إلزامًا من هذا الوجه، ومن حيث إن الموكل ونحوه يتصرف في حقه بالفسخ منا لمعاملات كما يتصرف في حقه بالتوكيل والإذن، يعني أن ولاية الفسخ الثابتة له بعد الإخبار بالعزل، لعقد يعقد بعد العزل غير مضافة إلى الإخبار بالعزل، بل يتصرف في حق نفسه، كولاية الإطلاق الذي أسلم في ابتداء الوكالة فإنه لا يكون الوكيل ملزمًا فكذا العزل، أما في حق المسلم الذي أسلم في دار الحرب أن المحبر بالشرائع إذا كان مسلمًا كان مأمورًا بتبليغها، ويسقط بإخباره ما لزم عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يكن متكلفًا، بل كان مأمورًا من جانب الشرع بخلاف الفضولي في المعاملات على ما ذكره شمس الأئمة- ﵀ فلم يشترك على هذا العدالة في المخبر.
(لأن الذي يفسخ يتصرف في حقه) أي لأن الموكل الذي يفسخ الوكالة ليتصرف في حق نفيه بالإطلاق أي بالإجازة. (لكونها بين المنزلتين) أي بين منزلة الإلزام المحض وبين المعاملات التي لا إلزام فيها لشبهه بكل منهما
стр. 1192
على ما ذكرنا، (والتزكية من القسم الرابع) حتى لا تحتاج إلى العدالة ولفظ الشهادة، والله أعلم بالصواب.
* * *
стр. 1193
باب بيان القسم الرابع من أقسام السنة وهو الخبر
السامع والمبلغ هما جميعًا وصفًا الراوي، والطرفان باعتبار ابتداء والتلقن عن المروي عنه، والانتهاء باعتبار الرواية للغير. هكذا وجدت بخط شيخي- ﵀.
(وأما الطرف الذي هو الطرف السامع) - وفي نسخه هو طرف التبليغ وصحح الأول-
стр. 1194
(ألا ترى أنهما ساء في أداء الشهادة) يعني لا فرق بين أن يقرأ من عليه الحق ذكر إقراره عليك وبين أن يقرأ عليه ثم يستفهمه: هل تقر بجميع ما قرأته عليه؟ فيقول: نعم، وبكل واحد من الطريقين يجوز أداء الشهادة، وباب الشهادة أضيق من باب الخبر.
стр. 1195
(وذلك بعد أن يثبتا بالحجة) أي بعد أن يثبت الكتاب والرسالة بالبينة أن هذا كتاب فلان المتحدث الكاتب كما يثبت كتاب القاضي إلى القاضي بالحجة وهي البينة، وكذلك في الرسول إذا ثبت بالبينة أنه هذا رسول فلان المحدث المرسل أرسله بلسانه هذا الحديث إليك ما يثبت رسالة الرسل ﵈ إلى الحق بالمعجزات الظاهرة الباهرة.
(فالإجازة): أن يقول: أخبرني فلان ابن فلان عن فلان ما في هذا
следующие страницы →