Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
(وقد قلنا: إن الاستثناء تكلم بالباقي معنى لا صورة) أي أنه تكلم بالألف صورة وهذا لا شبهة فيه، وإنما جعل تكلمًا بالباقي من حيث المعنى، فكان قوله: "لفلان علي ألف درهم إلا مائة" من حيث المعنى لفلان علي تسعمائة، فكانت تسمية الدراهم وهي الألف في قدر المائة تسمية صورة بلا معنى، فكذلك ها هنا إذا صح الاستخراج من طريق المعنى وهو القدر بقي المعنى وهو الشيء المقدر في قدر المستثنى وهو كذا من الحنطة.
(تسمية الدراهم بلا معنى) كما قلنا في قولنا: ألف إلا مائة؛ لأن المقدر ها هنا في صدر الكلام مثل ألف درهم، وقوله في الاستثناء: إلا كر حنطة مثل قوله: إلا مائة فلا فرق بينهما في المعنى من حيث وجوبهما في الذمة.
وأما الثوب فلا يكون مثل المكيل والموزون في الصورة ولا في المعنى وهو الثبوت في الذمة؛ فإنه لا يثبت في الذمة إلا مبيعًا أي في باب السلم، والألف إنما يثبت في الذمة ثمنًا فلا يمكن جعل كلامه استخراجًا باعتبار الصورة ولا باعتبار المعنى، فلذلك جعلناه استثناء منقطعًا.
(وعلى هذا الأصل) وهو أن الوصل يشترط في بيان التغيير:
стр. 1332
(إلا أنه تغيير للحقيقة) فإن مقتضى قوله: على ألف درهم، الإخبار بوجوب الألف في ذمته، وقوله: "وديعة" فيه بيان أن الواجب في ذمته حفظها وإمساكها إلى أن يؤديها إلى صاحبها لا أصل المال، فإذا كان موصولًا كان بيانًا صحيحًا، وإذا كان مفصولًا كان نسخًا، فيكون بمنزلة الجوع عما أقر به.
(لأن حقيقة هذه العبارات للتسليم وقد تحتمل العقد) كقوله تعالى: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ) أي ما عقدتم؛ لأنه سبب الإيتاء بطريق ذكر المسبب وإرادة السبب.
стр. 1333
(وإذا قال: لفلان علي ألف من ثمن جارية باعينها) إلى آخره.
قال الإمام شمس الأئمة ﵀ لو قال: لفلان علي ألف درهم من ثمن جارية باعينها إلا أني لم أقبضها فإن على قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله- يصدق إذا كان موصولًا، وإذا كان مفصولًا يسأل المقر له عن الجهة، فإن قال: الألف لي عليه بجهة أخرى سوى البيع فالقول قوله والمال لازم على المقر.
وإن قال بجهة البيع ولكنه قبضها فحينئذ القول قول المقر لم يقبضها؛ لأن هذا بيان تغيير، فإنه يتأخر به عن حق المقر له في المطالبة بالألف إلى أن يحضر الجارية ليسلمها بمنزله شرط الخيار أو الأجل في العقد يكون مغيرًا لمقتضى مطلق العقد ولا يكون ناسخًا لأصله فيصح هذا البيان منه موصولًا، وإذا كان مفصولًا فإن صدقة في الجهة فقد ثبتت الجهة بتصادقهما عليهما، ثم ليس في إقراره بالشراء ووجوب المال عليه بالعقد إقرار بالقبض، فكان المقر له
стр. 1334
مدعيًا عليه ابتداء تسليم المبيع وهو منكر ليس براجع عما ذا كذبه في الجهة ثم ثبت الجهة التي ادعاها وقد صح تصديقه له في وجوب المال عليه، وبيانه الذي قال إنه من ثمن جارية لم يقبضان بيان تغيير فلا يصح مفصولًا.
وأبو حنيفة ﵁ يقول: هذا رجوع عما أقر به؛ لأنه أقر بأول كلامه أن المال واجب له دينًا في ذمته، وثمن جارية لا يوقف على أثرها لا يكون واجبًا عليه إلا بعد القبض، فإن المبيعة قبل التسليم إذا صارت بحيث لا يوقف على عينها بحال بطل العقد، ولا يكون ثمنًا واجبًا يعني إذا هلكت قبل القبض أو كانت مجهولة.
وقوله: "من ثمن جارية باعينها ولكني لم أقبضها" إشارة إلى هذا، فإن الجارية التي هي غير معينة لا يوقف على أثرها، وما من جارية يحضرها البائع إلا وللمشتري أن يقول: المبيعة غيرها، وقد أقر بأن الألف في ذمته واجب مقرر، وذلك صريح منه بأن الجارية مقبوضة، ثم قوله: "لكني لم أقبضها" يكون رجوعًا منه، فعرفنا أن آخر كلامه عما أقر به من وجوب المال ديناً
стр. 1335
في ذمته، والرجوع لا يصح موصولًا ولا مفصولًا.
(والثابت بالدلالة مثله إذا ثبت بالصريح) يعني الحكم الثابت بالدلالة مثل الحكم الثابت بالصريح عند عدم الصريح، ولو كان قال: قبضت المبيع لكني لم أقبض كان رجوعًا فكذا ها هنا، ولا يقال بأنه بقوله: لكني لم أقبضها، والدلالة إنما تعمل عمل الصريح إذا لم يكن الصريح مخالفًا لها.
فأما إذا كان مخالفًا لها فلا عبرة لها بمقابلة الصريح؛ لأنا نقول: إن ذلك فيما إذا تعارضا.
فأما إذا ثبت موجب الدلالة أولًا فلا، وهاهنا ثبت موجب الدلالة أولًا وهو قبض المبيع على ما ذكرنا، ثم قوله: "لم أقبضها" إنما وجد بعد ثبوت موجب الدلالة فلا يكون ذلك معارضًا بل يكون رجوعًا.
وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي حنيفة ﵁ يوضحه أنه أقر بالمال وادعى لنفسه أجلًا لا إلى غاية معلومة وهي إحضار المتاع، فإن تسليم الثمن لا يجب إلا بإحضار المعقود عليه ولا طريق للبائع إلى ذلك، لأن البائع ما من جارية يحضرها إلا وللمشتري أن يقول: الجارية المبيعة غير هذه، ولو ادعى أجل شهر أو نحو ذلك لم يصدق وصل أم فصل، فإذا ادعى أجلًا مؤيدًا أولى أن لا يصدق في ذلك.
стр. 1336
(وعلى هذا الأصل إيداع الصبي -أي الصبي المحجور- الذي يعقل).
وأما الصبي الذي لا يعقل فيجب أن يضمن بالاتفاق. هكذا ذكره المصنف ﵀ في "الجامع الصغير".
وذكر في أحكام الصغار بعد ذكر هذه الرواية؛ لأن التسليط غير معتبر وفعله معتبر.
وذكر الإمام الإسبيجاني ﵀ في "المبسوط" أن الاختلاف في الصبي الذي يعقل.
أما الذي لا يعقل فلاضمان عليه بالإجماع.
(قال: أبو يوسف ﵀ هو من باب الاستثناء؛ لأن إثبات اليد نوعان: للاستحفاظ ولغيره)، فإذا قال: "أحفظ هذا" يكون هذا القول استثناء لغير الاستحفاظ عن إثبات اليد، إلا أن الاستحفاظ لم يتعد أثره إلى الصبي لعدم الولاية عليه فيصير المعدوم يعني غير الاستحفاظ خرج من إثبات اليد، والنوع الآخر من إثبات اليد بطريق الوديعة لم يثبت لما ذكرنا من عدم الولاية، فجعل كأن اليد لم يكن أصلًا، فصار كأن الصبي استهلك مال
стр. 1337
الغير ابتداء فيضمن.
وحاصلة أن التسليط والاستحفاظ كل واحد منهما لم يثبت من المودع في حق الصبي.
أما التسليط فإنه تصرف من رب المال في حق نفسه مقصور عليه غير متناول للصبي، فانعدم التسليط لانعدام علته.
وأما الاستحفاظ فانعدم أيضا لانعدام ولايته على الصبي، ويعد انعدام النوعين صار كأنه لم يوجد تمك ينه من المال أصلا، فبعد ذلك إذا استهلكه كان ضامنا كما لو كان المال في يد صاحبه على حاله فجاء الصبي واستهلكه، وهذا الخلاف فيما إذا كانت الوديعة غير العبد والأمة فإن كانت إياهما فقبلهما الصبي كان ضامنا بالاتفاق.
وقوله: (فإذا نص على الإيداع كان مستثنى) أي كان التسليط مستثنى، (والاستثناء من المتكلم تصرف على نفسه فلا يبطل بعدم الولاية على الصبي) أي فلا يبطل استثناؤه (بلا لا يثبت إلا الاستحفاظ)، لأنه استثني غيره
(وقال أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله-ليس هذا من باب الاستثناء؛
стр. 1338
لأن التسليط فعل يوجد من المسلط) يعني أن قوله: "احفظ هذا" قول والتسليط فعل، وشرط صحة الاستثناء أن يكون صدر الكلام مجانسا للمستثنى، والمستثنى هاهنا غير الاستحفاظ والإستثماء قوله: "احفظ" فلا يصح.
أو نقول: صدر الكلام فعل مطلق والمطلق فرد، والاستثناء يقتضي كون صدر الكلام متناولا للفردين فصاعدا، فلا يكون استثناء بهذين المعنين، لأن قوله "احفظ" كلام ليس مم جنس الفعل ليشتغل بتصحيحه بطريق الاستثناء، ولكنه معارض بمنزلة جليل الخصوص، أو بمنزلة ماقاله الخصم في الاستثناء، وإنما يكون معارضا إذا صح منه هذا القول شرعا، ولا خلاف أن قوله: "احفظ" غير صحيح في حكم الإستحفاظ شرعا فيبقى التسليط مطلقا، فالإستهلاك بعد تسليط من له الحق مطلقا لا يكون موجبا للضمان على الصبي ولا على البالغ.
وذكر في "المبسوط" في تعليل قولهما فقال: لأنه صبي وقد سلطه رب الوديعة على ماله حين دفعه إليه، وفي تفسير هذا التسليط نوعان من الكلام:
أحدهما: أنه تسليط باعتبار العادة؛ لأن عادة الصبيان إتلاف المال لقلة
стр. 1339
نظرهم في عواقب الأمور، فهو لما مكنه من ذلك مع علمه بحاله يصير كالإذن له في الإتلاف، وبقوله: "احفظ" لا يخرج من أن يكون آذنا؛ لأنه إنما خاطب بهذا من لا يحفظ فهو كمقدم الشعير بين يدي الحمار وقال: لا تأكل، بخلاف العبد والأمة لأنه ليس من عادة الصبيان القتل؛ لأنهم يهابون القتل ويفرون منه فلا يكون إيداعه تسليطا على القتل باعتبار عادتهم.
والأصح أن نقول: معنى التسليط تحويل يده في المال إليه، فإن المالك باعتبار يده كان متمكنا من استهلاكه، فإذا حول يده إلى غيره صار ممكنا له من استهلاكه بالغا كان المودع أو صبيا، إلا أن بقوله "احفظ" قصد أن يكون هذا التحويل مقصورا على الحفظ دون غيره، وهذا صحيح في حق البالغ باطل في حق الصبي؛ لأنه التزم بالعقد والصبي ليس من أهله، فيبقى التسليط على الإستهلاك بتحويل اليد إليه مطلقا بخلاف العبد والأمة، فإن اعتبار المالك باعتبار يده ماكان متمكنا من قتل الآدمي، فتحويل اليد إليه لايكون تسليطا على قتله.
وقوله (والمستثنى من خلاف جنسه) يشير إلى الوجه الأول، فلما لم يصح استثناء بقى قوله: "احفظ هذا" معارضا للفعل الذي هو تسليط، فلا بد من تصحيحه ليصير معارضا ولم يصح، لأن استحفاظ الصبي لا يصح
стр. 1340
فبطل المعارض، وهو قوله: "احفظ هذا" فبقى التسليط والتمكين من الصبي على المال، وذلك لايوجب الضمان على البالغ فعلى الصبي أولى.
فكان (هذا مثل قول الشافعي في الاستثناء) الحقيقي، فإنه يقول هناك بالمعارضة، ونحن قلنا في هذه المسألة مثل ذلك؛ لأن الاستثناء لا يمكن، فاضطررنا إلى القول بالمعارضة، ولم تصح المعارضة أيضا على ما ذكرنا حتى لو قال ذلك للبالغ كان معارضة صحيحة، فصار مثل قول الشافعي في الاستثناء، فإن عمل الاستثناء عنده بطريق المعارضة.
(وعلى هذا الأصل قال أصحابنا) أي على أصل أن بيان التغيير معتبر بشرط الوصل (في رجل قال: بعت منك هذا العبد بألف درهم إلا نصفه؛ إن البيع يقع على النصف بالألف) إلى آخره.
قال في "المبسوط" إن العبد إذا كان لواحد فقال تلرجل: بعت منك إلا نصفه بألف درهم كان بائعا للنصف بألف درهم، لأن إلا للاستثناء.
والكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى، فكأنه قال:
стр. 1341
بعت منك نصفه بألف درهم.
فأما قوله على أن لي نصفه، فليس باستثناء، بل هو عامل على سبيل المعارضة للأول، فكان الإيجاب الأول متناولا لجميعه، وبالمعارضة تتبين أنه جعا الإيجاب في نصفه للمخاطب وفي نصفه لنفسه وذلك صحيح منه إذا كان مفيدا.
ألا ترى أن رب المال يشتري مال المضاربة من المضارب فيكون صحيحا وإن كان ذلك مملوكا له يكون مفيدا ليكون اليد لرب المال، فهاهنا أيضا ضم نفسه إلى المخاطب في شراء العبد مفيد في حق التقسيم، فلهذا كان نابعا نصفه من المخاطب بخمسمائة؛ لأن على قوله الإقرار يصير مملوكا للوكيل، وهذا لأن من أصله أن صحة الإقرار باعتبار قيام الوكيل مقام الموكل، وهذا حكم الوكالة فلا يصح استثناؤه كما لو وكل بالبيع على أن لا يقبض الوكيل
стр. 1342
الثمن أو لا يسلم المبيع كان الاستثناء باطلا، كذا في "المبسوط".
(فيصير ثابتا بالوكالة) أي الإقرار على الموكل يصير ثابتا بالوكالة (حكما لا مقصودا) فلا يصح استثناؤه، وهذا لأن المقصودية شرط لصحة الاستثناء، حتى أن الشيء إذا ثبت تبعا في العقد لا مقصودا لا يصح استثناؤه لهذا المعنى كأطراف الحيوان؛ فإنها تدخل عند ذكر الحيوان تبعا في البيع وغيره فلا يصح استثناؤه، وهذا هو المعنى فيما ذكره في "الهداية" الأصل أن مايجوز إيراد العقد عليه بانفراده يجوز استثناؤه من العقد.
وكذلك لا يصح إبطاله بالمعارضة؛ لأنه لما ثبت جواز إقرار الوكيل على الموكل بطريق الحكم لصحة الوكالة، فما دامت الوكالة قائمة كان حكمها وهو جواز إقراره على موكله قائما أيضا، فلا يبطل حكم الوكالة إلا ببطلان الوكالة، وجعل في "المبسوط" مذهب محمد ﵀ ظاهر الرواية فقال: فأما في ظاهر الرواية فالاستثناء صحيح؛ لأن صحة إقرار الوكيل باعتبار ترك حقيقة اللفظ إلى نوع من المجاز، فهو بهذا الاستثناء يبين أن مراده حقيقة الخصومة لا الجواب الذي هو مجاز بمنزلة بيع أحد الشريكين نصف العبد شائعا من النصيبين أنه لا ينصرف إلى نصيبه خاصة عند التنصيص عليه
стр. 1343
بخلاف ما إذا أطلق.
والثاني: أن صحة إنكاره وإقراره عند الإطلاق لعموم المجاز؛ لأن ذلك كله جواب، فإذا استثنى الإقرار كان هذا استثناء لبعض مايتناوله مطلق الكلام، أو هو بيان مغير لمقتضى مطلق الكلام فيكون صحيحا. كمن حلف لا يضع قدمه في دار فلان فدخلها ماشيا أو راكبا لم يحنث لما قلنا، وعلى هذا الطريق إنما يصح استثناؤه الإقرار موصولا لا مفصولا عن الوكالة، وعلى الطريق الأول يصح استثناؤه موصولا ومفصولا.
قالوا: وكذلك لو استثنى الإنكار على - صح ذلك عند محمد ﵀، خلافا لأبي يوسف، وهذا لأن إنكار الوكيل قد يضر الموكل بأن كان المدعي وديعة أو بضاعة فأنكر الوكيل لم يسمع منه دعوى الرد والهلاك بعد صحة الإنكار ويسمع ذلك منه قبل الإنكار، فإن كان إنكاره قد يضر الموكل صح استثناؤه الإنكار كما يصح استثناؤه الإقرار.
وقوله: (وللخصم أن لا يقبل هذا الوكيل)، لأنه لو صح إقراره ربما أقر الوكيل بحق المدعي فيصل المدعي إلى حقه عند ظهور حقه بإقرار الوكيل فيفيد الخصومة بمثل هذا الوكيل، وإلا لا فائدة من خصومته؛ (لأن الخصومة تناولت الإقرار عملا بمجازها) وهو الجواب وهو عام.
стр. 1344
وحاصله أن التوكيل بالخصومة توكيل بجواب الخصم، والجواب تارة يكون بلا وتارة يكون بنعم، فالأمر بالتوكيل بالخصومة يتناولهما، فصح استثناء جواز الإقرار عند محمد ﵀. لأن الجواب يتناول الأمرين والاستثناء تكلم بالباقي فصح، فعلى هذا لا يصح منفصلا.
(وانقلب المجاز هاهنا بدلالة الديانة حقيقة) يعني أن الخصومة مهجورة شرعا لقوله تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا) والمهجور شرعا كالمهجور عادة، فصارت إرادة المجاز وهو جواب الخصم بمنزلة الحقيقة، ولأن استثناء جواز الإقرار عمل بحقيقة اللغة؛ لأن الإقرار مسالمة والخصومة ضدها، فكان قوله: على أن لا يقر عليه أو غير جائز الاقرار، تقريرا لموجب كلامه لا استثناءه؛ لأن موجب كلامه وهو التوكيل بالخصومة أن لا يجوز إقراره على موكله لغة لتبقى الخصومة على حقيقتها، فعلى هذا التقرير يصبح قوله: " غير جائز الاقرار" لا وعلى أن يقر عليه موصولا ومفصولا كما هو حكم بيان التقرير.
واختلف في استثناء الانكار؛ والأصح أنه على هذا الاختلاف على
стр. 1345
الطريق الأول لمحمد ﵀ بيانه بأن الموكلَ يقول: وكلتك بالخصومة على أن لا ينكرَ الخصم أو غيرُ جائز الإنكار، فعلى الطريق الأول صح الاستثناءُ؛ لأنه صار عبارةً عن جواب الخصم، والجوابُ عامُ في الإنكار والإقرار، فصح استثناء الإنكار كما يصح استثناء الإقرار، والله أعلم.
стр. 1346
باب بيان الضرورة
أي البيان يقع لأجل الضرورة، والضرورةُ أنواعُ (نوع منه ما يثبت ضرورة الدفع) أي ضرورة دفع الغرور، (ومنه ما يثبت ضرورة الكلام) أي يكون بيانًا بدلالة الكلام.
(إن بيان نصيب المضارب والسكوت عن نصيب ربِّ المال صحيحُ) أي قياسًا واستحسانًا (للاستغناء عن البيان)؛ لأن ربَّ المال لا يستحقُ الربحَ باعتبار الشرط بل باعتبار أنه فرعُ مال مملوكٍ له، فكان مالكًا لفرعه، (صحيح استحسانًا على إنه بيانُ بالشركةً) يعني أن مقتضى المضاربة
стр. 1347
الشركة بينهما في الربح، فببيان نصيب أحدهما يصيرُ نصيب الآخَر معلومًا، ويجعل ذلك كالمنطوق به، فكأنه قال: ولك ما بقي.
(عند أمر يُعاينهُ) عن النكير وفي نسخة (عن التغيير)، وهو معنى الأول (يدل على الحقية) باعتباره حاله، فإن البيانَ واجب عند الحاجة إلى
стр. 1348
البيان، فلو كان الحكمُ بخلافه لبين ذلك لا محالةَ، ولو بينه لظهرَ (وما أشبهه)
مثلما سكتوا عن بيان الحيض بعد العشرة، والأوفق هاهنا أن يقال: أراد بقوله: (وما أشبهه) منافع الجارية المستحقة والأكسابُ الحاصلة منها، ثم استهلكت الأكسابُ، فإنهم لما سكتوا عنها دل أنها غيرُ مضمونةٍ على المغرور.
(والنكول جعل بيانًا لحالة في الناكل وهو امتناعه عن أداء ما لزمه) إلى آخره. أى النكولُ جُعل بيانًا لوجوب المال على الناكل بدلالة في الناكل؛ لأنه لما امتنع عن مباشرة ما لزمه وهو اليمين مع قدرته على اليمين كان ذلك دليلًا على أنه إنما امتنع عن اليمين احترازًا عن اليمين المهلكة، وذلك إنما يكون إذا كان هو في إنكاره كاذبًا وكان المالُ عليه واجبًا.
(وهو لزوم الإقرار لو كان منه)، وهذا لأنه نفي نسبَ ولدٍ ليس منه
стр. 1349
واجبٌ، ودعوةُ نسبِ ولد هو منه ليتأكد به على وجه لا ينتفي واجبٌ أيضًا، فالسكوت عن البيان بعد تحققُ الوجوب دليلُ النفي، فيُجعل ذلك كالتصريح بالنفي، وعن هذا خرج الجوابُ عن إشكَالٍ يقال فيه: إنه لما ادعى أكبرهم كان ينبغي أن يثبتَ نسب الباقين منه؛ لأنه لما ثبت نسب الأكبر كانت الجاريةُ أم ولدٍ له، ونسبً ولدِ أم ?الولد يثبت بالسكوت.
قلنا: أن يثبتَ نسبُ ولدِ أم? الولد بالسكوت عند عدم دليل النفي وهاهنا وُجد دليلُ النفي وهو سكوته عن البيان عند وجوب البيان عليه، وهذا لأنه لو لم يُجعل ذلك السكوتُ دليلَ النفى يلزم فيه أمرٌ لا يليق بحال المسلم.
أو نقول: إن أمومية َ الولد هاهنا إنما تثبت بالاستناد، وما ثبت بالاستناد كان ثابتًا من وجه دون وجه، فيثبت عند البيان من حيث إنه ثابت، ولا يثبت عند عدم البيان من حيث إنه غير ثابت، ولا يقال: إن النسبَ مما يحتاطُ في إثباته؛ لأنا نقول: إنما يثبت النسبُ بالاحتياط إذا لم يوجد فيه دليلُ النفي.
(فيجعل إذنًا دفعًا للغرور عن الناس)، فإن في هذا الغرر أضرارًا بهم، والضررُ مدفوعٌ، ولهذا لم يصح الحَجر الخاص بعد الإذن العام المنتشر؛ لأن
стр. 1350
الناسَ لا يتمكنون من استطلاع رأي الولي في كل معاملة يعاملونه مع العبد.
(وكذلك سكوتُ الشفيع جُعل إذنًا ردًا لهذا المعنى) أي سكوت الشفيع عن طلب الشفعة بعد العلم بالبيع يجعل بمنزلة إسقاط الشفعة لضرورة دفع الغرور عن المشتري فإنه يحتاج إلى التصرف في المشترى، فإذا لم يُجعل سكوت الشفيع عن طلب الشفعة إسقاطًا للشفعة فإما أن يمتنعَ المشتري من التصرف أو ينقض الشفيعُ عليه تصرفه، فلدفع الضرر والغرور جعلنا ذلك كالتنصيص منه على إسقاط الشفعة، وإن كان السكوتُ في أصله غيرَ موضوع للبيان بل هو ضده.
стр. 1351
(فلأن حذف المعطوف عليه في العدد متعارفٌ) أي حذفُ تفسير المعطوف عليه وتمييزه متعارفٌ وهو درهمٌ في قوله: لفلان علي مائةٌ ودرهمٌ أي "أي مائةُ درهمٍ ودرهمٍ".
(يقول: بعت منك هذا بمائة وعشرة دراهمَ، وبمائة ودرهمِ على السواء) أي بعطفُ العدد على العدد وعطف العدد على المعدود على السواء،
وقوله: (وليس كذلك حكم ما هو غير مقدَّر؛ لأنه لايثبتُ دينًا في الذمة) هو احترازاٌ عن الثوب والشاةِ.
أما الثوبُ فلا يثبتُ في الذمة دينًا إلا مبيعًا مسلمًا فيه، والشاةُ لاتثبت دينًا في الذمة أصلًا يُعنى به ثبوتًا لازمًا، فلم يصح قوله: "وثوبٌ" أن يكون
стр. 1352
تفسيرًا للمائة؛ لأن قوله: (على مائة) عبارة عما يثبت في الذمة مطلقًا ثبوتًا صحيحًا فلهذا كان البيان إليه. كذا في "المبسوط".
(فلأن المعطوف مع المعطوف عليه بمنزلة شيء واحد) أي من حيث الصورة والمعنى.
أما من حيث الصورة فاتحادهما في الإعراب.
وأما من حيث المعنى فاتحادهما في الحكم (كالمضاف مع المضاف إليه) أي أنهما كشيء واحد، (والمضاف إليه للتعريف) أي المضاف إليه وهو آخر الكلام صالح لتعريف المضاف الذي هو أول الكلام، وجب أن يكون المعطوف لتأكد الشبه بينهما.
ولما صلح المعطوف معرفًا للمعطوف عليه بهذا الطريق صح حذف مميز المعطوف عليه، ومعرفه وهو درهم في قوله: "الفلان على مائة ودرهم" أي مائة درهم ودرهم، وهو معنى قوله: (صح الحذف في المضاف إليه) أي
стр. 1353
المعطوف عليه بدلالة قوله: "بدلالة العطف" ولكن هذا العطف إنما يصح في المعطوف عليه إذا كان المعطوف عليه مما يجوز أن يثبت في الذمة عند مباشرة السبب كالمكيل والموزون.
وأما فيما لا يثبت في الذمة فلا يصح المعطوف معرفًا للمعطوف عليه، وهذا لأن المعاملات إنما تكثر في المقدرات التي يجب ثبوتها في الذمة وكثرة الاستعمال موجبة للتخفيف، وحذف المميز إنما كان للتخفيف، فلذلك اختص الحذف بما يثبت في الذمة.
(لأن العشرين مع الآحاد معدود مجهول فصح التعريف بالدرهم) أي لأنه عطف العدد المبهم على ما هو واحد مذكور على وجه الإبهام، وقوله: "درهمًا" مذكور على وجه التفسير والتمييز، فيكون تفسيرًا لهما، والاختلاف في قوله: له على مائة ودرهمًا كالاختلاف في قوله: ودرهم.
قوله: (وكل جملة تحتمل القسمة فإنها تحتمل الاتحاد) هذا ما تتمة قول أبي يوسف ﵀ أي كل إقرار يشتمل على مال وذلك المال جنس
стр. 1354
واحد بحيث لا يحتاج في قسمته بين الشركاء إلى القسمة مرتين أو أكثر بل مرة واحدة، ففي مثل ذلك المال في الإقرار جعل المعطوف بينانًا للمعطوف عليه كما في الدرهم والثوب وإلا فلا.
وقيل: معناه كما أن القسمة تتحقق في الدرهم تتحقق في الثوب فإن كل واحد منهما يصلح للقسمة، فيكون قوله: مائة وثوب بمنزلة قوله: مائة ودرهم.
وأما العبد الواحد فإنه لا يحتمل القسمة بالاتفاق، والخلاف في قسمة العبيد، وقسمة العبيد أيضًا لا تجوز بطريق الخبر، وقولهما في العبيد: "إنه يحتمل القسمة" مؤول إذا كان رأيهما ذلك فيقسم القاضي بناء عليه. كذا ذكره الصدر الشهيد في "الجامع الغير".
وذكر في "المبسوط" في تعليل أبي يوسف فقال: وجه رواية أبي يوسف أن الثياب والغنم تقسم قسمة واحدة أي يعطى لكل واحد من الشركاء جزءًا منها في القسمة الواحدة بخلاف العبيد فإنها لا تقسم قسمة واحدة، بل تحدد القسمة في كل واحد من العبيد بين الشركاء ولا يعطي لكل واحد من الشركاء عبد واحد وإن كان عدد العبيد على عدد رؤوس الشركاء، وأنصباؤهم متساوية لما كان العبيد باعتبار فحش التفاوت بينهم ألحقوا بالأجناس المختلفة، ولما كان كذلك كان ما يقسم قسمة واحدة يتحقق في
стр. 1355
أعدادها المجانسة فيمكن أن يجعل المفسر منه تفسيرًا للمبهم، وحصل من هذا الثوب الواحد لما كان يحتمل القسمة صار بمنزلة درهم من حيث إنه يحتمل القسمة الواحدة، والمعطوف مع المعطوف عليه بمنزلة شيء واحد من حيث عنه لا يستفاد بالمعطوف حكم بدون المعطوف عليه لكون المعطوف جملة ناقصة، والله أعلم.
***
стр. 1356
باب بيان التبديل
(حتى صارت تشبه الإبطال من حيث كان وجودًا يخلف الزوال)؛ لأن الناسخ يخلف المنسوخ والمنسوخ يزول، والإبطال مثله؛ لأنه بوجود المبطل يزول الباطل.
(لمدة الحكم المطلق الذي كان معلومًا عند الله تعالى) على ما اقتضته الحكمة البالغة.
ونظيره الطبيب إذا أمر المريض بأكل شيء، ثم بعد أيام أمره بأكل شيء
стр. 1357
آخر، ونهاه عما أمره قبله على حسب ما اقتضاه علمه، يعد ذلك حكمة وأمرًا معقولًا لا تناقضًا ولا بداء. فكذلك النسخ في أحكام المحكوم؛ لأن حكم الله تعالى ثابت أولا وأبدًا لا يتغير هو؛ بل المتغير هو المحكوم فبعد ذلك تغير المحكوم لا يدل على تغير الحكم كتغير المعلوم لا يدل على تغير العلم.
(لكنه لا يتصور هذا القول من مسلم مع صحة عقد الإسلام) فإن شريعة محمد ﷺ ناسخة لما قبلها من الشرائع؛ فكيف يتحقق هذا القول منه مع اعتقاده لهذه الشريعة مع أنه لا يمكنه الخروج عما ثبت في
стр. 1358
القرآن من جواز النسخ نحو قول الله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ)، وقوله: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ).
ونسخ ببيت المقدس بالكعبة في باب القبلة، ونسخ حد الزنا بالإيذاء والحبس بالجلد.
(تمسكوا بالسبت) أي تمسكوا بعبادتكم المخصوصة أي بشريعة موسى ﵇، فالسبت مصدر، سبت اليهود إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد.
стр. 1359
ومعنى قوله تعالى: (إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ) إذ يتجاوزون حد الله فيه، وهو اصطيادهم في يوم السبت وقد نهوا عنه، وكانت أعمال الدنيا حرامًا عليهم يوم السبت، بل كانوا يشتغلون في ذلك اليوم على الخصوص بعبادة الله تعالى، وهو كان شريعة موسى ﵇.
(بلغهم بما هو طريق العلم) وهو التواتر.
(للإيجاب لا للبقاء) وذلك لا يكون إلا بذكر التأبيد صريحًا، حتى أنه
стр. 1360
لو كان البقاء لا يجوز النسخ كما لا يجوز في حال الإيجاب بالإجماع (بل البقاء باستصحاب الحال).
فإن قيل: لو كان البقاء باستصحاب الحال فينبغي أن يجوز النسخ بخبر الواحد؟ لأن خبر الواحد أقوى من استصحاب الحال؟
قلنا: الكلام في جواز النسخ حال حياة النبي ﵇ ولا يتصور وقت حياته الخبر الواحد؛ لأنه يمكن أن يسأل منه ويسمع من فيه فصار قطيعًا حينئذ فيجوز النسخ به.
وأما بعد وفاته فلا يجوز النسخ بخبر الواحد؛ لأنه انسد باب النسخ بوفاته، فكان بقاء النص على ما كان بدليل موجب للبقاء لا باستصحاب الحال (على احتمال العدم بدليله)؛ أي بدليل العدم وهو المزبل؛ (لأن الأمر لم يتناول البقاء لغة)؛ لأنه لطلب الفعل فقط وموجبه الائتمار لا غير.
ألا ترى أن الأمر بالشيء لا يقتضي التكرار فلم يكن الأمر متناولًا للبقاء لا بصيغته ولا بحكمه فلذلك لم يكن الناسخ متعرضًا لحكم المنسوخ إلا من حيث الظاهر لما أم دليل النسخ إنما يرد بعد ما يقرر حكم الدليل الأول، وهو معنى قوله: (فلم يكن دليل النسخ متعرضًا لحكم الدليل الأول بوجه إلا ظاهرًا) أي لا يتحقق في النسخ توهم التعرض للأمر ولا لحكمه كالإماتة بعد
стр. 1361
الإحياء، فإنه بيان المدة من غير أن يكون فيه تعرض لأصل الإحياء ولا لما يبتني عليه من مدة البقاء إلا ظاهرًا لا حقيقة؛ لأن في اعتبار ما هو ظاهر لنا تبديل صفة الحياة بصفة الوفاة، وهذا لأن إحياء الشريعة بالأمر به كإحياء الشخص، وذلك لا يوجب بقاءه، وإنما يوجب وجوده.
ثم البقاء بعد ذلك بإبقاء الله تعالى إياه أو بانعدام سبب الفناء، فكما أن الأمانة بعد الإحياء لا يكون فيه شيء من معنى القبح ولا يكون هو دليل البداء فكذلك النسخ في حكم الشرع (بل كان بيانًا للمدة التي هي غيب عنا وهو الحكمة البالغة)؛ لأن ورود الأوامر والنواهي لمنفعة المخاطبين؛ إذ الله تعالى يتعالى عن أن تلحقه منفعة أو مضرة، فجاز أن تكون المنفعة لهم في مدة حكم مخصوص، وجاز أن تكون المنفعة لهم في مدة أخرى في ضد ذلك الحكم لتبدل مصالح العباد، وفي هذا حكمة بالغة لإبداء وظهور غلط.
ألا ترى أن الطبيب إذا أمر مريضًا بشرب دواء معين وأكل غذاء معين، ثم نهاه عن ذلك بعد زمان لا يكون ذلك بداء منه؛ بل يختلف ذلك بسبب اختلاف أحوال المريض ومزاجه وتبدل مصلحته في ذلك.
وقوله: (بإبقاء هو غير الإيجاد) هذا توسع في العبارة بسبب اختلاف أثرهما لما أن صفة الله تعالى ليست عين صفة أخرى ولا غيرها كالصفات مع
стр. 1362
ذاته.
كذا ذكر في "التبصير" فقال: لا يقال لكل صفة منها إنها الذات ولا يقال غير الذات وكذلك كل صفة مع ما وراءها كالعلم لا يقال له إنه غير القدرة ولا إنه عينها، ولكن يجوز إثبات التغاير بين الإيجاد والإبقاء باعتبار تغاير أثرهما حقيقة، فيجوز أن يسمى الفعل الواحد باسمين مختلفين، أو أكثر بسبب اختلاف أثره كالرمي الموجود من رجل إذا وجدت منه القتل والكسر والجرح يسمى ذلك الرمي الواحد رميًا وقتلًا وكسرًا وجرحًا باعتبار وجود هذه الآثار منه وهو واحد، فكذا هنا يجوز أن يقال: الإيجاد والإبقاء متغايران وإن لم
стр. 1363
يكونا متغايرين حقيقة باعتبار تغاير أثرهما، وأثرهما وهو الوجود والبقاء متغايران، ولهذا جاز أن يقال: وجد ولم يبق، ولا يجوز أن يقال: وجد ولم يوجد.
(هذا حكم بقاء المشروع في حياة النبي ﵊ أي بقاء الحكم المشروع إنما يكون باستصحاب الحال، وهو إنما يكون على احتمال العدم، (صار البقاء من بعد ثابتًا بدليل يوجبه) أي يوجب البقاء، وذلك الدليل قوله تعالى: (لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغ)، وقوله ﵇: "الحلال ما جرى على لساني إلى يوم القيامة، والحرام ما جرى على لساني إلى يوم القيامة".
وقد حققنا تمام هذا في "كشف العوار لأهل البوار".
(لأنه ثبت عندنا تحريف كتابهم فلم يبق حجة) ألا ترى أنه لا يجوز أن
стр. 1364
يقول: آمنا بالتوراة التي في أيديهم، لأن في ذلك لزوم الإيمان بتحريفهم وهو لا يصلح، بل يجب علينا أن نقول: آمنا بالتوراة التي أنزلت على موسى ﵇.
وأما من تمسك من اليهود على عدم جواز النسخ لما بلغهم في نقلهم عن موسى ﵇ تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض، أي تمسكوا بحرمة الأعمال الدنيوية في يوم السبت فهو حجة عليهم؛ لأن العمل في السبت كان مباحًا قبل زمن موسى ﵇، فإنهم يوافقونا على أن حرمة العمل في السبت من شريعة موسى ﵇، وإنما يكون من شريعته إذا كان ثبوته بنزول الوحي عليه.
فأما إذا كان ذلك قبل شريعته على هذا الوجه أيضًا فلا فائدة في تخصيصه أنه شريعته، فإذا جاز ثبوت الحرمة بعد ما كان مباحًا جاز ثبوت الحل في شريعة نبي آخر قامت الدلالة على صحة نبوته، وليس النسخ إلا تحريم المباح أو إباحة المحرم، والله أعلم.
стр. 1365
باب محل النسخ
(أما الأول فبيانه أن الصانع بأسمائه) إلى آخره إشارة إلى عكس قوله: "أحدهما: أن يكون في نفسه محتملا للوجود والعدم" يعني إذا لم يكن هو محتملا في نفسه للوجود والعدم؛ بل هو واجب الوجود لذاته كذات الله تعالى وصفاته لا يكون هو محلا للنسخ، وقوله: "بأسمائه وصفاته" أراد بالأسماء نحو قوله: الله الرحمن الرحيم الحي القادر العالم، وبالصفات الرحمة والحياة والقدرة والعلم، وهذا على اصطلاح أهل الفقه والكلام.
وأما على اصطلاح أهل النحو فالصفات هي ما يمكن أن يوصف به نحو الحي والعالم والقار حيث يقال: الله الحي والعالم والقادر.
وأما الحياة والعلم والقدرة فأسماء المعاني لا الصفات.
стр. 1366
وكذلك قوله: (وأما الذي ينافي النسخ من الأحكام) إشارة إلى عكس قوله: "والثاني أن لا يكون ملحقا به ما ينافي المدة والوقت" يعني أن المشروع الذي لم يلحق به ما ينافي المدة والوقت لما كان محلا للنسخ كان عكسه الذي هو مشروع لحق به ما ينافي المدة والوقت غير محل للنسخ.
(وقوله تعالى: ((وجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) من قبيل التأبيد الصريح في الاستعمال، وبه صرح الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ كما في قوله تعالى: (وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ).
(والقسم الثاني) وهو التأبيد الذي ثبت دلالة.
стр. 1367
(والثالث- واضح) وهو التوقيت، ولم يورد لذلك نظيرا؛ لأنه لم يرد نظيره في المسموعات.
وقال الإمام شمس الأئمة ﵀ فبيان ذلك في قول القائل: أذنت لك في أن تفعل كذا إلى مائة سنة، فإن النهي قبل مضي تلك المدة يكون من باب البداء، ويتبين به أن الإذن الأول كان غلطا منه لجهله بعاقبة الأمر، والنسخ الذي يكون مؤديا؟ إلى هذا لا يجوز القول به في أحكام الشرع ولم يرد شرع بهذه الصفة.
وقوله تعالى: (وجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ)
فإن قيل: جعل هذا من قبيل التأبيد صريحا وليس هذا كذلك، بل هذا هو توقيت إلى يوم القيامة.
قلنا: قد يذكر التأبيد ويراد به التأبيد في الدنيا كما في قوله تعالى: (فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) ولَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا)
стр. 1368
(فصار الذي لا يحتمل النسخ أربعة أقسام): الأول: الإيمان بالصانع وصفاته بأنه واحد قديم، ثم هذه الثلاثة.
(فينعدم الحكم لانعدام سببه) أي ينعدم بقاء الحكم لانعدام المبقي (لا بالناسخ بعينه)؛ لأنا لو قلنا إن إنعدام المنسوخ بالناسخ بعينه لكان فيه تصور بقاء المنسوخ بعد ورود الناسخ وليس كذلك؛ لأن فيه جميعا بين الضدين كما في الحركة مع السكون، فإن ثبوت الحركة زمان زوال السكون لا قبله ولا بعده؛ لأنه يلزم حينئذ اجتماع الضدين أو خلو المحل عنهما، فكذلك هاهنا لم يكن انعدام المنسوخ بالناسخ، بل العدم لانعدام سببه كالحياة تنعدم بانعدام سببها لا بالموت، وكذلك خروج شهر ودخول شهر آخر، فإن الأول ينتهي به لا أن الناسخ نسخ الأول.
(فصار الذبح بعينه حسنا بالأمر وقبيحا بالنسخ)، وهذا لأن الأمر يذبح الولد وقت نسخ ذبح الولد كان باقيا بدليل أن الله تعالى سمى ذبح الشاة
стр. 1369
فداء، ولو لم يكن الأمر بذبح الولد باقيا لما سماه فداء، وكان هذا في الحقيقة كالفدية في حق الشيخ الفاني، فإن أمر الصوم متناول له، فلذلك وجب عليه الفداء بدلا عن موجب الأمر الذي هو متقرر في حقه، فلما كان هكذا كان الأمر بذبح الولد ونسخه في وقت واحد وهو لا يجوز، وإلى هذا التقرير أشار الإمام شمس الأئمة ﵀ بقوله:
فإن قيل: أليس أن الخليل ﵇ أمر بذبح ولده فكان الأمر دليلا على حسن ذبحه ثم انتسخ ذلك فكان منهيا عن ذبحه مع قيام الأمر حتى وجب ذبح الشاة فداء عنه، ولا شك أن النهي عن ذبح الولد الذي به يثبت الانتساخ كان دليلا على قبحه، وقد قلتم باجتماعهما في وقت واحد.
قلنا: لا كذلك فإنا لا نقول بأنه انتسخ الحكم الذي كان ثابتا بالأمر، وكيف يقال به وقد سماه الله محققا رؤياه بقوله: () وبعد النسخ لا يكون هو محققا ما أمر به إلى آخره.
(والنسخ هو انتهاء الحكم ولم يكن) أي ولم يكن انتهاء الحكم (إلا أن المحل الذي أضيف إليه لم يحله الحكم) أي أن المحل وهو إسماعيل ﵇ أضيف إلى الذبح لم يحله الحكم وهو الذبح، أي ل ينفعل في إسماعيل ﵇ صورة الذبح لا للنسخ بل لوجود الفداء، ولذلك سمى
стр. 1370
تلك الشاة فداء.
فصار كمن يرمي سهما إلى غيرها فيفديه آخر بنفسه بأن يتقدم عليه حتى ينفذ فيه بعد أن يكون خروج السهم من الرامي إلى المحل الذي قصده، وإذا كان فداء من هذا الوجه كان هو ممتثلا للحكم الثابت بالأمر فلا يستقيم القول بالنسخ فيه، لأن ذلك يتبنى على النهي الذي هو ضد الأمر فلا يتصور اجتماعهما في وقت واحد. هكذا قرره شمس الأئمة ﵀.
أو نقول: إن الحكم وهو الذبح كان مضافا إلى الولد ثم انتقل إلى الفداء لا باعتبار النسخ بل باعتبار قيام الفداء مقام الولد، فمثل هذا لا يسمى نسخا كالطهارة بالماء تنتقل إلى التراب، والصوم ينتقل إلى الفدية وهذا يدل على التقرير لا على النسخ، والدليل على هذا تسميته فداء.
(فكان ذلك ابتلاء استقر حكم الأمر عند المخاطب) إلى آخره جواب سؤال، ذكر ذلك السؤال والجواب الإمام شمس الأئمة ﵀ بقوله:
следующие страницы →