← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وكذلك قوله: (وأما الذي ينافي النسخ من الأحكام) إشارة إلى عكس قوله: "والثاني أن لا يكون ملحقا به ما ينافي المدة والوقت" يعني أن المشروع الذي لم يلحق به ما ينافي المدة والوقت لما كان محلا للنسخ كان عكسه الذي هو مشروع لحق به ما ينافي المدة والوقت غير محل للنسخ. (وقوله تعالى: ((وجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) من قبيل التأبيد الصريح في الاستعمال، وبه صرح الإمام شمس الأئمة السرخسي ﵀ كما في قوله تعالى: (وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلَى يَوْمِ الدِّينِ). (والقسم الثاني) وهو التأبيد الذي ثبت دلالة.

стр. 1367

(والثالث- واضح) وهو التوقيت، ولم يورد لذلك نظيرا؛ لأنه لم يرد نظيره في المسموعات. وقال الإمام شمس الأئمة ﵀ فبيان ذلك في قول القائل: أذنت لك في أن تفعل كذا إلى مائة سنة، فإن النهي قبل مضي تلك المدة يكون من باب البداء، ويتبين به أن الإذن الأول كان غلطا منه لجهله بعاقبة الأمر، والنسخ الذي يكون مؤديا؟ إلى هذا لا يجوز القول به في أحكام الشرع ولم يرد شرع بهذه الصفة. وقوله تعالى: (وجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ) فإن قيل: جعل هذا من قبيل التأبيد صريحا وليس هذا كذلك، بل هذا هو توقيت إلى يوم القيامة. قلنا: قد يذكر التأبيد ويراد به التأبيد في الدنيا كما في قوله تعالى: (فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) ولَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا)

стр. 1368

(فصار الذي لا يحتمل النسخ أربعة أقسام): الأول: الإيمان بالصانع وصفاته بأنه واحد قديم، ثم هذه الثلاثة. (فينعدم الحكم لانعدام سببه) أي ينعدم بقاء الحكم لانعدام المبقي (لا بالناسخ بعينه)؛ لأنا لو قلنا إن إنعدام المنسوخ بالناسخ بعينه لكان فيه تصور بقاء المنسوخ بعد ورود الناسخ وليس كذلك؛ لأن فيه جميعا بين الضدين كما في الحركة مع السكون، فإن ثبوت الحركة زمان زوال السكون لا قبله ولا بعده؛ لأنه يلزم حينئذ اجتماع الضدين أو خلو المحل عنهما، فكذلك هاهنا لم يكن انعدام المنسوخ بالناسخ، بل العدم لانعدام سببه كالحياة تنعدم بانعدام سببها لا بالموت، وكذلك خروج شهر ودخول شهر آخر، فإن الأول ينتهي به لا أن الناسخ نسخ الأول. (فصار الذبح بعينه حسنا بالأمر وقبيحا بالنسخ)، وهذا لأن الأمر يذبح الولد وقت نسخ ذبح الولد كان باقيا بدليل أن الله تعالى سمى ذبح الشاة

стр. 1369

فداء، ولو لم يكن الأمر بذبح الولد باقيا لما سماه فداء، وكان هذا في الحقيقة كالفدية في حق الشيخ الفاني، فإن أمر الصوم متناول له، فلذلك وجب عليه الفداء بدلا عن موجب الأمر الذي هو متقرر في حقه، فلما كان هكذا كان الأمر بذبح الولد ونسخه في وقت واحد وهو لا يجوز، وإلى هذا التقرير أشار الإمام شمس الأئمة ﵀ بقوله: فإن قيل: أليس أن الخليل ﵇ أمر بذبح ولده فكان الأمر دليلا على حسن ذبحه ثم انتسخ ذلك فكان منهيا عن ذبحه مع قيام الأمر حتى وجب ذبح الشاة فداء عنه، ولا شك أن النهي عن ذبح الولد الذي به يثبت الانتساخ كان دليلا على قبحه، وقد قلتم باجتماعهما في وقت واحد. قلنا: لا كذلك فإنا لا نقول بأنه انتسخ الحكم الذي كان ثابتا بالأمر، وكيف يقال به وقد سماه الله محققا رؤياه بقوله: () وبعد النسخ لا يكون هو محققا ما أمر به إلى آخره. (والنسخ هو انتهاء الحكم ولم يكن) أي ولم يكن انتهاء الحكم (إلا أن المحل الذي أضيف إليه لم يحله الحكم) أي أن المحل وهو إسماعيل ﵇ أضيف إلى الذبح لم يحله الحكم وهو الذبح، أي ل ينفعل في إسماعيل ﵇ صورة الذبح لا للنسخ بل لوجود الفداء، ولذلك سمى

стр. 1370

تلك الشاة فداء. فصار كمن يرمي سهما إلى غيرها فيفديه آخر بنفسه بأن يتقدم عليه حتى ينفذ فيه بعد أن يكون خروج السهم من الرامي إلى المحل الذي قصده، وإذا كان فداء من هذا الوجه كان هو ممتثلا للحكم الثابت بالأمر فلا يستقيم القول بالنسخ فيه، لأن ذلك يتبنى على النهي الذي هو ضد الأمر فلا يتصور اجتماعهما في وقت واحد. هكذا قرره شمس الأئمة ﵀. أو نقول: إن الحكم وهو الذبح كان مضافا إلى الولد ثم انتقل إلى الفداء لا باعتبار النسخ بل باعتبار قيام الفداء مقام الولد، فمثل هذا لا يسمى نسخا كالطهارة بالماء تنتقل إلى التراب، والصوم ينتقل إلى الفدية وهذا يدل على التقرير لا على النسخ، والدليل على هذا تسميته فداء. (فكان ذلك ابتلاء استقر حكم الأمر عند المخاطب) إلى آخره جواب سؤال، ذكر ذلك السؤال والجواب الإمام شمس الأئمة ﵀ بقوله:

стр. 1371

فإن قيل: فأيش الحكمة في إضافة الإيجاب إلى الولد إذا لم يجب به ذبح الولد؟ قلنا: فيه تحقيق معنى الابتلاء في حق الخليل حتى يظهر منه الانقياد والاستسلام والصبر على ما به من حرقة القلب على ولده، وفي حق الولد بالصبر والمجاهدة على معرة الذبح في حال المكاشفة، وفيه إظهار معنى الكرامة، وإليه أشار الله تعالى في قوله: (فَلَمَّا أَسْلَمَا) ثم استقر حكم الوجوب في الشاة بطريق الفداء للولد كما قال الله تعالى: (وفَدَيْنَاهُ) والفداء اسم لما يكون واجبا بالسبب الموجب للأصل، فبه يتبين انعدام النسخ هنا لانعدام ركنه، فإنه بيان مدة بقاء الواجب، وحين وجبت الشاة فداء كان الواجب قائما والولد حرام الذبح، فعرفنا أنه لا وجه للقول بأنه كان نسخا وهو معنى قوله: فثبت أن النسخ لم يكن لعدم ركنه وهو انتهاء

стр. 1372

الحكم، يعني بعد ورود الناسخ لا يبقى الحكم السابق أصلا، وهاهنا قد تقرر الحكم السابق وهو ذبح الولد إلا أن الله تعالى أكرمه بالفداء، وذكر الفداء يدل على ما ذكرنا من بقاء الحكم الأول فلا يكون نسخا، والله أعلم.٠

стр. 1373

باب بيان الشرط (وهو التمكن من عقد القلب) أي من اعنقاده، وإنما كان مقدار ما تمكن من عقد القلب شرطا؛ لأن النسخ قبله يكون بداء؛ لأنه لا يتحقق به الابتلاء. (فأما التمكن من الفعل فليس بشرط عندنا). (وقالت المعتزلة: إنه شرط) بناء على أن المقصود من الأمر فعل المأمور

стр. 1374

به عندهم؛ لأن كل ما أمر الله تعالى به فقد أراده، فيكون الفعل هو الأصل فيه عندهم فيشترط التمكن منه. (لأن العمل بالبدن هو المقصود بكل نهي وبكل أمر نصا)؛ لأن قوله: صل معناه: افعل فعل الصلاة، فالمصدر مذكور لغة فكان ثابتا نصا. ولا يقال بأنهم ينكرون المعراج فكيف يصح احتجاجنا عليهم بحديث المعراج، لأنا نقول: ينكرون الصعود إلى السماء ولا ينكرون ثبوت المعراج الذي هو الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى لما أن ذلك ثابت بالكتاب، وإنكار ذلك مفر صريح -عصمنا الله عنه-

стр. 1375

(ولأن النسخ صحيح بالإجماع) إلى آخره يعني أجمعنا واتفقنا على أن وجود جزء من الفعلا أو وجود مدة يتمكن المكلف من الإتيان بجزء من الفعل كاف لجواز النسخ، فيجب أن يكون عند وجود عقد القلب كذلك لما أن عقد القلب مع الفعل بمنزلة فعل ذي جزئين؛ لأنه لا وجود للكل بدون الجزء، فكذلك لا اعتبار للفعل بدون عقد القلب، فلما كفى وجود جزء من الفعل لصحة النسخ وجب أن يكفي وجود عقد القلب أيضا لذلك، فكان كل دليل ذكرتموه في وجود جزء من الفعل لجواز النسخ فهو دليلنا في وجود عقد القلب لجواز النسخ. (ولأن الفعلا لا يصير قربة إلا بعزيمة القلب) لقوله تعالى: (ومَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، ولقوله ﵇: "الأعمال

стр. 1376

بالنيات"، وعزيمة القلب قد تصير قربة بلا فعل كوجود التصديق في حق من لا يتمكن من الإقرار باللسان، فإن ذلك منه إيمان صحيح بالإجماع، (والفعل في احتمال السقوط فوق العزيمة) أي الفعل أسرع سقوطا من المكلف بالنسبة إلى العزيمة التي هي عبارة عن عقد القلب. ألا ترى أن الإقرار باللسان قد يحتمل السقوط بعذر، فأما التصديق بالقلب فلا يحتمل السقوط بحال، ولأن ترك العزيمة وهو تبديل الاعتقاد كفر، وترك العمل فسق. ألا ترى أن العمل بالبدن قد يسقط بالمرض والإغماء وغير ذلك. وأما القول وهو الاعتقاد فلا يسقط، فكانت العزيمة أثبتت قدما وأقوى ثبوتا؛ لأنها مطلوبة بكل حال، والآخر وهو العمل تردد بين السقوط وغيره، ولأن العزيمة تصلح أصلا للعمل لا على العكس؛ إذ لا اعتبار للعمل بدون العزيمة، وللعزيمة اعتبار بدون العمل في موضع الضرورة بالاتفاق، فكان اعتبار العزيمة في التمكن أولى من التمكن من الفعل، ويجعل الآخر من الزوائد. يوضحه أن الواحد منا قد يأمر عبده ومقصوده من ذلك أن يظهر عند الناس حسن طاعته وانقياده له، ثم ينهاه عن ذلك بعد حصول هذا المقصود قبل أن يتمكن من مباشرة الفعلا، ولا يجعل ذلك دليل البداء منه وإن كان هو

стр. 1377

ممن يجوز عليه البداء، فلأن لا يجعل النسخ قبل التمكن من الفعل بعد عزم القلب واعتقاد الحقية موهما للبداء في حق من لا يجوز عليه البداء أولى. (ألا ترى أن عين الحسن لا يثبت بالتمكن من الفعل) هذا جواب عن قولهم: إن الأمر يقتضي حسن المأمور به، والمأمور به هو المقصود. قلنا: عين الحسن لا يثبت بالتمكن من الفعل بدون الفعل، ويلزم من هذا أن لا يجوز النسخ ما لم يوجد الفعل وإن وجد التمكن من الفعل. فعلم بهذا أن عين الحسن يحصل أيضًا قبل الفعل بعد التمكن بالإجماع، فدل ذلك على أن المقصود منه عقد القلب على حسنه وقبحه لا فعله. (وقول القائل: افعلوا على سبيل الطاعة أمر) وقيد بالطاعة احترازًا عن صيغة الأمر التي هي للتوبيخ والتقريع كما في قوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شيءتُمْ). وقوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ) أمر بعقد القلب أي سواء وجد

стр. 1378

عمل الجوارح أو لم يوجد، لما أن اعتبار عمل الجوارح إنما يكون عند وجود عقد القلب وإلا فلا اعتبار له، وهذا لأن الطاعة لا تكون بدون عقد القلب على حقية الأمر، وهذا جواب عن قولهم: "الفعل هو المقصود من كل أمر". (والآخر يتردد بين أمرين) أي بين أن يكون مقصودا وبين أن لا يكون مقصودًا يريد به الفعل. وقيل: "بين الأمرين" أي بين اللزوم والسقوط، والله أعلم.

стр. 1379

باب تقسيم الناسخ (الحجج أربعة) ذكر بالتاء على تأويل البراهين أو الدلائل. (أما القياس فلا يصح ناسخا لما نبين) يحتمل أن يكون حوالة التبيين على غير هذا الكتاب كما ذكر مثل هذا في موضع، منها: ما ذكره في باب الأداء والقضاء مسألة الأضحية بقوله: وإزالة التمول عن

стр. 1380

الباقي عند أبي يوسف- على ما نبين في مسألة التضحية معناه أي في "المبسوط- فكذلك هاهنا، ويحتمل أن يكون ذلك هو ما ذكره في دليل أن الإجماع لا يصلح ناسخا، فإن فيه نوع إشارة إلى هذا، والله أعلم. وأما الدليل على أن القياس لا يصلح ناسخا للكتاب والسنة هو أن الصحابة ﵁ كانوا مجمعين على ترك الرأي بالكتاب والسنة هو أن الصحابة ﵁ في حديث الجنين: "كدنا أن نقضي فيه برأينا وفيه سنة عن رسول الله ﵇" وقال ﵁: "لو كان الدين بالرأي لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله ﵇ يمسح على ظاهر الخف دون باطنه"ولأن القياس كيف ما كان

стр. 1381

لا يوجب العلم، فكيف ينسخ بهم اهو موجب للعلم قطعا؛ وقد علم أن النسخ بيان مدة بقاء الحكم وكونه حسنا إلى ذلك الوقت ولا مجال للرأي في معرفة انتهاء وقت الحسن. (واحتج بقوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَاتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)) فوجه التمسك به أن الله تعالى شرط المثلية أو الخيرية في النسخ أي أن يكون الناسخ مثلا للمنسوخ أو خيرًا منه، والقرآن كلام الله غير مخلوق، وهو معجز، والسنة كلام مخلوق وهو غير معجز فلذلك قال: لا يجوز نسخ الكتاب بالسنة.

стр. 1382

وكذلك (قوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي)) تنصيص على أنه ﵇ كان متبعا لكل ما أوحي إليه ولم يكن مبدلًا لشيء منه، والنسخ تبديل.

стр. 1383

وقوله: (والوصية الأولى كانت معهودة، فلو كانت تلك الوصية باقية مع الميراث ثم نسخت بالسنة لوجب ترتيبه على المعهودة) أي لوجب ترتيب الميراث على الوصية المعهودة بقوله: من بعد الوصية معرفا بحرف العهد، ولم يقل ذلك بل قاله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ) مطلقا، وهي تتناول كل ما ينطق عليه اسم الوصية بطريق البدل علة ما هو المعروف في المطلق، فكانت آية المواريث مطلقة بعد المقيد، فإطلاق المقيد نسخ للمقيد كتقييد المطلق، فإنه نسخ للمطلق على ما يجيء إن شاء الله تعالى. فعلم بهذا أن هذه الآية بإطلاقها التي هي قوله: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) حيث قال: فلو كانت تلك الوصية باقية مع الميراث ثم نسخت بالسنة: "إلى آخره؛ لأن أول تلك السنة دال على أن السنة متأخرة عن قوله تعالى (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) الآية، وهو قوله ﵇: "إن الله

стр. 1384

تعالى أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" أي أعطى كل ذي حق حقه في قوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) الآية، فكانت متأخرة عنه لا محالة (وقصره على حدود لازمة)، كالثمن والربع والنصف. (أي بهذا الفرض) أي بهذا القدر المذكور في قوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) (نسخ الحكم الأول)، وهو حكم قوله تعالى: (الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ) فحينئذ كان الحديث مقررًا لموجب قوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ) وهذا لأن الفاء في قوله ﵇: "فلا

стр. 1385

وصية لوارث" دخلت على الحكم وهو حكم بيان الميراث بأن لا وصية لوارث، فكان مقررًا لقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ). (إلانا أنا قد روينا عن عمر) ﵁ بضم الراء على بناء المفعول- (أن الرجم كان مما يتلى) في القرآن على ما قال: لولا أن الناس يقولون إن عمر زاد في كتاب الله لكتبت على حاشية المصحف: "الشيخ والشية إذا زنيا فارجموهما البتة" فعلى هذا كان هذا نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة، (ولأن قوله تعالى: (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) مجمل فسرته السنة). وإليه أشار النبي ﵇ بقوله: "خذوا عني خذواعني قد جعل الله لهن سبيلا".

стр. 1386

وحاصله إن حديث الرجم لا يصلح ناسخًا؛ لأن ذلك إما كتاب على ما قاله عمر- ﵁ أو غير كتاب، فإن كان كتابًا كان ذلك نسخ الكتاب بالكتاب لا نسخ الكتاب بالسنة على ما ذكرنا، وإن لم يكن كتابًا كان هو تفسيرًا لمجمل الكتاب، والتفسير لا يسمى نسخًا كما روي عن النبي ﵇: "أنه مسخ على ناصيته" فهو تفسير لمجمل قوله تعالى: (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) في حق المقدار لا نسخ، ولا خلاف لأحد في أن بيان المجمل في كتاب الله تعالى بالسنة يجوز. (وإن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ الآية)، فإن (هذا حكم نسخ بالسنة) يعني أن قوله تعالى: (فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا) حكم منصوص في القرآن فقد انتسخ وناسخه لا يتلى، فعرفنا أن نسخه ثبت بالسنة.

стр. 1387

(ما غرم فيها زوجها) أي من الصداق وغيره، (وفي ذلك أقوال مختلفة). قال بعضهم: إن هذا الحكم نسخ بآية القتال. كذا ذكره في: "التيسير". وقال بعضهم: نسخ حكم الكتاب بترك الناس العمل به، فإن قوله: (وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا) وقوله: (واسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ ولْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا) الحكم متروك من غير أن يكون في تركه كتاب أو سنة، ولكن الناس لما أجمعوا على تركه ترك، وهذا أمثاله في حكم عرف ثبوته على الخصوص لمعنى ثم انعدم المعنى. فأمل ما لا يعقل معناه فيجب العمل بالكتاب ولا يترك بترك الناس. وقال بعضهم: إنه صار منسوخًا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ) كذا في "شرح التأويلات". وقال بعضهم: المراد منه الإعانة لمن أصيب بفوت ما أدى من المهر

стр. 1388

لامرأته التي أرتدت إلى دار الحرب، والإعانة هذه أمر مندوب إليه غير منسوخ على ما ذكر في الكتاب، وكذلك اختلف في تفسير قوله: ((فَعَاقَبْتُمْ)) فلما اختلف في تأويله بمثل هذه الاختلافات لم يصح الاحتجاج به على حكم معين، فلما رأى الإمام المحقق شمس الأئمة ﵀ فساد مثل هذه التمسكات ف جواز نسخ الكتاب بالنسة، ورأى ديل جوازه على ما نذكر. قال: فبهذا تبين أنه لا يؤخذ نسخ حكم ثابت بالكتاب هو ثابت بالسنة ابتداء، وإنما يؤخذ من ذلك الزيادة بالسنة على الحكم الثابت بالكتاب نحو ما ذهب إليه الشافعي- ﵀ في ضم التغريب إلى الجلد في حد البكر، فإنه أثبته بقوله: "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"، ومثل هذه الزيادة عندنا نسخ، وعنده بيان التخصيص ولا يكون نسخًا. ثم قال: الحجة لإثبات جواز نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى: (وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ) فإن المراد به بيان حكم غير متلو في الكتاب مكان حكم آخر هو متلوعلى وجه تتبين به مدة بقاء الحكم الأول

стр. 1389

وثبوت الحكم الثاني، والنسخ ليس إلا هذا والدليل على أن المراد هذا لا ما توهمه الخصم من بيان الحكم المنزل في الكتاب أنه قال: (مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ) ولو كان المراد الكتابب لقال: ما نزل إليك، كما قال (بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) والمنزل إلى الناس الحكم الذي أمروا باعتقاده والعمل به، وذلك يكون تارة بوحي متلووتارة بوحي غير متلو، وهوما يكون مسموعًا من رسول الله ﵇ مما يقال إنه سنة، فقد ثبت بالنص أنه كان لا يقول ذلك بوحي: قال الله تعالى: (ومَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (٣) إنْ هُوَ إلاَّ وحْيٌ يُوحَى)

стр. 1390

(والدليل المعقول أن النسخ لبيان مدة الحكم، وجائز للرسول بيان حكم الكتاب) أي بيان حكم الكتاب في مدة مشروعيته، فعلى هذا التقرير يكون هو ﵇ مبينًا للوقت فيما هو منزل من الكتاب فحينئذ لم يبق فيه خلاف لأحد؛ لأن له تبيين ما نزل إليه من الكتاب بالاتفاق لقوله تعالى: (وأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ). فإن قيل: ففي هذا اختلاط البيان بالنسخ، وبالاتفاق بين البيان والنسخ فرق. قلنا: لا كذلك، فإن كل واحد منهما في الحقيقة بيان إلا أن البيان المحض يجوز أن يكون مقترنًا بأصل الكلام كدليل الخصوص في العموم فإنه لا يكون إلا مقارنًا، وبيان المجمل فإنه يجوز أن يكون مقارنًا، فأما النسخ فبيان لا يكون إلا متأخرًا، وبهذه العلامة يظهر الفرق بينهما، فأما أن يكون النسخ غير البيان فلا. كذا ذذكره الإمام شمس الأئمة- ﵀. قوله: (وأما السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه) إلى

стр. 1391

آخره، فإن كلا منهما في إيجاب الحكم سواء. فإن قلت: هذا مناقض لقوله قبل هذا بخطوط "وترك رسول الله ﵇ آية في قراءته فلما أخبر به فقال: "ألم يكن فيكم أبي؟ " فقال: بلى يا رسول الله لكني ظننت أنها نسخت. فقال ﷺ : "لو نسخت لأخبرتكم" فإنما ظن النسخ من غير كتاب يتلى حيث استدل بهذا الحديث على جواز نسخ الكتاب بالسنة، وفي ذلك الحديث ظن نسخ نظم الكتاب بالسنة، فعلى وفاق ذلك يلزم أن يجوز نسخ نظم الكتاب بالسنة وإلا يتناقض. وكذلك هذا القول مناقض لما ذكره شمس الأئمة- ﵀ بقوله: والدليل عليه أنه لا خلاف بيننا وبين الخصم في جواز التلاوة دون الحكم، ونسخ تلاوة الكتاب إنما يكون بغير الكتاب إلى آخره وغير الكتاب قد يكون السنة وقد يكون ذلك رفع حفظه عن القلوب. قلت: قيل معنى قوله: "فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه" أي على وجه تقوم السنة مقام نظم الكتاب، وبهذا التأويل ينفي التناقض. أو نقول: إن الذي ذكرته من الحديث هو من حيث اقتضاء الدليل أي إن الدليل لا يفصل بين أن تكون السنة ناسخة لنظم الكتاب؛ لأن كلا

стр. 1392

منهما وحي يوحى إليه فيصلح أن يكون كل منهما مبينًا لانتهاء وقت مشروعية الآخر، وأن الذي ذكر هنا بقوله: وأما السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه" هو من حيث الوجود أي إنما وجد نسخ السنة للكتاب وجد في نسخ حكم الكتاب لا في نظمه كما في رواية عائشة ﵂: "ما قبض رسول الله حتى أباح الله تعالى له من النساء ما شاء" فكان هذا منها حكاية سنة نسخت قوله تعالى: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ) من حيث الحكم لا من حيث النظم. وكذلك فيما ذكره الإمام شمس الأئمة- ﵀ بأن هذا من حيث الزيادة على النص. وذلك مثل حديث مشهور رفاعة في اشتراط الدخول للزوج الثاني في التحليل، وهذا حديث مشهور زيد على مطلق قوله تعالى: (فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ).

стр. 1393

وكذلك زيدت فرضية السجود مرتين على مطلق قوله تعالى: (ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا) ونحوهما. (كان المنسوخ مثل الناسخ لا محالة)؛ لأن كلا منهما في إيجاب الحكم على السواء، فكانا متماثلين، (ولو وقع الطعن بمثله لما صح ذلك) جواب لقوله: "لأنه لو نسخ القرآن به" أي بالحديث لكان مدرجة إلى الطعن. قلنا: مثل ذلك موجود أيضًا في نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة، ومع ذلك لم نقل نحن جميعًا بكون ذلك مدرجة إلى الطعن فكذلك هاهنا، وهذا لأنا قد بينا حكمة جواز النسخ بقولنا: إن ورود الأوامر والنواهي لمنفعة المخاطبين، فجاز أن تختلف منافع المخاطبين باختلاف الأوقات كما يختلف أمر الطبييب ونهيه في حق المريض بسبب اختلاف حاله. ولما لم يكن نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالسنة مؤديًا إلى التناقض وتطرق الطاعنين إلى الطعن في رسول الله ﵇ لم يكن القول بجواز نسخ الكتاب بالسنة مؤديا إليه بل هو مؤد إلى تعظيم رسول الله ﵇ وإلى قرب منزلته من حيث إن الله تعالى فوض بيان الحكم الذي هو وحي في الأصل إليه ليبينه بعبارته، وجعل لعبارته من الدرجة ما تثبت به مدة الحكم

стр. 1394

الذي هو ثابت بوحي متلو حتى يتبين به انتساخه. (وأما الحديث فدليل على أن الكتاب يجوز أن ينسخ السنة)؛ لأن السنة لما لم تقبل عند مخالفتها الكتاب ولم يعمل بالسنة عندها كان الكتاب ناسخًا لها كما لا يعمل بالمنسوخ عند ورود الناسخ، فكان هو دليلًا على جواز نسخ السنة بالكتاب، وقال الإمام شمس الأئمة- ﵀: فقد قيل هذا الحديث لا يكاد يصح؛ لأن هذا الحديث بعينه مخالف لكتاب الله تعالى، فإن في الكتاب فرضية اتباعه مطلقا بمعنى قوله تعالى: (ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) وفي هذا الحديث فرضية اتباعه مقيدًا بأن لا يكون مخالفًا لما يتلى في الكتاب ظاهرًا، ولئن ثبت فالمراد به أخبار الآحاد لا المسموع ممنه بعينه أو الثابت عنه بالنقل المتواتر، وفي اللفظ ما دل عليه وهو قوله: "إذا روي لكم عني حديث" ولم يقل إذا سمعتم، وبه نقول: "إن بخبر الواحد لا يثبت نسخ الكتاب؛ لأنه لا يثبت كونه مسموعًا من رسول الله ﵇ قطعًا ولهذا لا يثبت به علم اليقين على أن المراد من قوله: "وما خالف فردوه" عند التعارض إذا جهل التاريخ بينهما حتى لا توقف على الناسخ والمنسوخ منهما فإنه يعمل بما في كتاب الله تعالى، ولا يجوز ترك ماهو ثابت في كتاب الله تعالى نصا عند التعارض ونحن هكذا نقول، وإنما الكلام فيما إذا عرف التاريخ بينهما.

стр. 1395

(أولم يكن في الصحة بحيث ينسخ به الكتاب) بأن يكون خبر الواحد، فإن الكتاب إنما ينسخ بالنسة المتواترة ويزاد عليه بالسنة المشهورة وهو نسخ عندها ولا يجوز شيء منهما بخبر الواحد. فإن قلت: في هذا سؤال كلي وهو أن وقت جواز النسخ وقت حياة النبي ﵇؛ لأنه لا نسخ بعده فبوفاته انسد باب النسخ، وتقسيم السنن بالآحاد والمشهور والمتواتر بحسب النقلة، وذلك إنما يكون بعد وفاته؛ لأن من يشك في خبه بسبب أنه خبر الواحد فيمكن أن يحضر الحضرة النبوية ويسأل النبي ﵇ عن الخبر فيعلم عند ذلك صحة ما سمعه منه قطعًا وبتاتًا فكان كل الخبر قطعيًا، ولا يرد هذا التقسيم فبعد ذلك كيف يستقيم الترديد بقولنا: إذا كان الخبر متواترًا يصح النسخ به وإذا كان واحدًا لا يصح؟ فكان هذا في التعاقب نظير الإجماع من حيث إن وقت جواز النسخ لا يرد تقسيم الخبر، وإن وقت جواز التقسيم انسد باب النسخ، وقد ذكر أن النسخ بالإجماع لا يصح؛ لأنه لا يتصور النسخ للتعاقب على ما ذكرنا، فكذا هنا فما وجه صورة نسخ الكتاب بالسنة وصورة عكسه حينئذ؟ قلت: التنافي إنما يكون من حيث الصورة لا من حيث المعنى؛ لأن معنى قولنا: "يصح نسخ الكتاب بالخبر المتواتر والمشهور: أي يظهر النسخ الذي كان ثابتًا وقت حياة النبي ﵇ ل أن يثبت النسخ به ابتداء بعد وفاة النبي ﵇ إذ لا نسخ بعده.

стр. 1396

وأما قولك: تقسيم الخبر بخبر الواحد والمشهور والمتواتر: إنما يستقيم بعد وفاة النبي ﵇ لا وقت حياته فهو غير مسلم، فإن أخباره كانت منقسمة على هذه الأقسام الثلاثة وقت حياته أيضا لكن لكون ذلك الوقت وقت جواز النسخ يثبت النسخ بخبر الواحد. إلى هذا كله أشار الإمام شمس الأئمة- ﵀ حيث قال: ثم إنما يجوز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة أو المشهورة على وجه لو جهل التاريخ بينهما يثبت حكم التعارض. فأما خبر الواحد فلا يجوز النسخ به بعد رسول الله ﵇؛ لأن التعارض به لا يثبت بينه وبين الكتاب، فإنه لا يعلم بأنه كلام رسول الله ﵇ لتمكن الشبهة في طريق النقل، ولهذا لا يوجب العلم فلا تتبين به مدة بقاء الحكم الثابت بما يوجب علم اليقين. فأما في حياة رسول الله ﵇ فقد كان يجوز أن يثبت نسخ الكتاب بخبر الواحد. ألا ترى أن أهل قباء تحولوا في خلال الصلاة من جهة بيت المقدس إلى جهة الكعبة بخبر الواحد ولم ينكر ذلك عليهم رسول الله ﵇، وهذا لأن في حال حياته كان احتمال النسخ فأما بعده فلا احتمال للنسخ ابتداء ولابد من أن يكون مما يثبت به النسخ مستندا إلى حال حياته بطريق لا شبهة فيه وهو النقل المتواتر، وما يكون في حيز المتواتر. قلت: وبقوله: ولابد من أن يكون ما يثبت به النسخ مستندًا إلى حال

стр. 1397

حياة النبي ﵇ بطريق لا شبهة فيه وهو النقل المتواتر "يعلم أن الذي يقال: إنما يجوز نسخ الكتاب بالخبر المتواتر" معناه يظهر النسخ الثابت وقت حياة النبي ﵇ فلم يبقى التنافي حينئذ بخلاف في الإجماع، فإن في القول بجواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث الإجماع، فإن في اقول بجواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث إن وقت جواز النسخ بالإجماع ثبوت التنافي لا محالة من حيث إن وقت جواز النسخ لا اعتبار للإجماع، ووقت اعتبار الإجماع لم يبق جواز النسخ، فلذلك قلنا: لا يتصور النسخ بالإجماع لثبوت التنافي بينهما. والتوقيت قائمًا في كل حكم؛ لأن الوحي كان ينزل حالًا فحالًا. (فإن المراد بالخيرية فيما يرجع إلى العباد دون النظم بمعناه، فكذلك المماثلة) فيستقيم حينئذ إطلاق القول بأن الحكم الثاني مثل الأول أو خير منه على معنى زيادة الثواب والدرجة فيه، أو كونه أيسر على العباد أو أجمع لمصالحهم عاجلًا وآجلًا. إلا أن الوحي المتلو نظمه معجز، والذي هو غير متلو نظمه غير معجز لأنه عبارة مخلوق وهو وإن كان أفصح العرب فكلامه ليس بمعجز. ألا ترى ما تحدى الناس إلى الإتيان بمثل كلامه كما تحداهم إلى الإتيان بمثل سورة من القرآن، ولكن حكم النسخ لا يختص بالمعجز. ألا ترى أن النسخ يثبت بما دون الآية ولآية واحدة، واتفق العلماء على صفة الإعجاز في سورة وإن تكلموا فيما دون السورة، فعرفنا أن حكم النسخ لا يختص بالمعجز.

стр. 1398

وقوله: (على أنا قد بينا) إشارة إلى قوله: "وأما السنة فإنما ينسخ بها حكم الكتاب دون نظمه إلى آخره" فإنهما في حق الحكم متماثلان (على هذه الجملة) أي على وفاق هذه الجملة، فإن كل واحد من الحكمين ثابت بطريق الوحي وشارعه علام الغيوب، وإن كانت العبارة في أحدهما لرسول الله ﵇ فكانا متماثلين من حيث الحكم. (الحنتم): شبوي سبز، (النقير): المنقور من الخشب، (المزفت): المطلى بالزفت وهو القار.

стр. 1399

...................................... ****

стр. 1400

باب تفصيل المنسوخ (ونسخ وصف في الحكم) كنسخ وصف فرضية صوم عاشوراء دون أصل شرعيته، وكذلك الزيادة على النص أنه نسخ وصف المقدر بما كان بل الزيادة على ما ذكر في الكتاب. (فمثل صحف إبراهيم ﵇ وكذلك صحف غيره ممن تقدم نبينا من الرسل ﵈، فقد علمنا بما يوجب العلم قطعًا أنها قد كانت نازلة من السماء تقرأ ويعمل بها قال الله تعالى: (إنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى (١٨) صُحُفِ إبْرَاهِيمَ ومُوسَى) وقال تعالى: (وإنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ) ثم لم يبق شيء من ذلك في أيدينا تلاوة ولا عملًا به فلا طريق

стр. 1401

لذلك سوى القول بانتساخ التلاوة والحكم فيما يحتمل ذلك، وله طريقان: إما صرف الله القلوب عنها، وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف. وقوله: (وكان هذا جائزًا في القرآن) راجع إلى المذكور قبله وهو النسخ إما بصرفها عن القلوب أو بموت العلماء. (فأما بعد وفاته فلا). فإن قلت: كل ضروب النسخ بعد وفاة النبي ﵇ غير جائز وقبله كان جائزا، فما وجه تخصيص هذا الضرب بقوله: وكان هذا جائزًا في حياة النبي ﵇؟ قلت: نعم كذلك إلا أن التصور العقلي يقتضي تصور مثل هذا النسخ؛ لأن مثل هذا النسخ لا يعتمد على وجود النبي ﷺ وبقائه؛ لأن لا يقتضي ناسخًا شرعيًا يقوم مقام المنسوخ حتى يشترط فيه بقاء النبي ﵇ بخلاف سائر ضروب النسخ، فإن ذلك إنما يكون بورود الوحي الذي هو ناسخ على النبي ﵇، فلذلك اشترط بقاء النبي ﵇ في ذلك؛ لأن الوحي لا ينزل إلا على النبي ﵇.

стр. 1402

وأما النسيان الذي هو نتيجة رفع الله الذكر عن القلوب أو موت العلماء لا خلف فغير موقوف وجوده إلى وجود النبي ﵇، فلما توهم صحة النسخ عقلًا بمثل هذا الطريق بعد وفاة النبي ﵇ خص عدم جوازه بما بعد وفاة النبي ﵇، فصار كأنه قال: هذا لا يتصور شرعًا وإن تصور عقلا لحكمة تدعو إليه، وهي ما ذكره في الكتاب بقوله: صيانة للدين إلى آخر الدهر، وثبت ذلك بوعد الله تعالى حفظه لما أنزله على رسوله ﵇ بقوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ويتبين به أنه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته بطريق الاندراس وذهاب حفظه من قلوب العباد. فإن قلت: ما جوابنا لمن استدل من بعض الملحدين على جوازه بما روي أن أبابكر الصديق- ﵁ كان يقرأ: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم"، وأنس- ﵁ كان يقول: "قرأنا في القرآن: بلغوا عنا قومنا إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" وقال عمر ﵁: "قرأنا آية الرجم في كتاب الله ووعيناها" وقال أبي بن كعب ﵁: "إن

стр. 1403

سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها" واستدل الشافعي بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات، فإنه صحح ما يرويه عن عائشة ﵂: "وإن مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات معلومات، وكان ذلك مما يتلى في القرآن بعد وفاة النبي ﵇" قلت: يبطل تلك التمسكات كلها قوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ومعلوم أنه ليس المراد منه الحفظ لديه، فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة، فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا، فالغفلة والنسيان متوهم بنا، وبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله ، ولأنه لا يخلو شيء من أوقات بقاء الخلق في الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحي فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التي حملوها. إذ العقل لا يوجب ذلك وليس به كفاية بوجه من الوجوه، وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله ﵇، ولو جوزنا- هذا وهو الذهاب عن القلوب أو بموت العلماء- في بعض ما أوحي إليه وجب القول بتجويز

стр. 1404

ذلك في جميعه فيؤدي إلى القول بأن لا يبقى شيءئ مما ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف وأي قول أقبح من هذا! وأما ما روي من تلك الأخبار التي رويتها فشاذ لا يكاد يصح شيء منها، ويحمل قول من قال في آية الرجم في كتاب الله في حكم الله كما قال: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) كذا قاله الإمام شمس الأئمة- ﵀. (لقوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)). قيل: المراد به الحفظ بعد وفاة النبي ﵇؛ لأن النسخ جائز حال حياته، ولأن النسخ في الأغلب إنما يكون بإذهاب شيء وإثبات شيء آخر مكانه وإثبات النسخ بعد وفاته غير متصور، فلم يكن ذهاب شيء منه أيضًا لكونه محفوظًا عن التغيير إلى آخر الدهر. حكي أن نصرانيًا كان يكتب مصاحفنا ويبيع، فبلغ إلى قوله تعالى: (ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا) فكتب: (ومن يبتغ الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)؛ فخرج صبي من المكتب ونادى بأعلى صوته، فقال: ما القرآن هكذا بل القرآن: (ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا) الآية.

стр. 1405

(وأما القسم الثاني) - وهو نسخ الحكم دون التلاوة، (الثالث) - وهو نسخ التلاوة دون الحكم. وقوله: (ومن الناس)، وإنما يستعمل مثل هذه الصيغة فيمن لا يعتبر قوله. (أن الإيذاء باللسان وإمساك الزواني في البيوت نسخ حكمه وبقيت تلاوته)، وهو قوله تعالى: (واللاَّتِي يَاتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ) (وكذلك الاعتداد بالحول) وهو قوله تعالى: (والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ). (ومثله كثير)،
следующие страницы →