Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
لذلك سوى القول بانتساخ التلاوة والحكم فيما يحتمل ذلك، وله طريقان: إما صرف الله القلوب عنها، وإما موت من يحفظها من العلماء لا إلى خلف.
وقوله: (وكان هذا جائزًا في القرآن) راجع إلى المذكور قبله وهو النسخ إما بصرفها عن القلوب أو بموت العلماء.
(فأما بعد وفاته فلا).
فإن قلت: كل ضروب النسخ بعد وفاة النبي ﵇ غير جائز وقبله كان جائزا، فما وجه تخصيص هذا الضرب بقوله: وكان هذا جائزًا في حياة النبي ﵇؟
قلت: نعم كذلك إلا أن التصور العقلي يقتضي تصور مثل هذا النسخ؛ لأن مثل هذا النسخ لا يعتمد على وجود النبي ﷺ وبقائه؛ لأن لا يقتضي ناسخًا شرعيًا يقوم مقام المنسوخ حتى يشترط فيه بقاء النبي ﵇ بخلاف سائر ضروب النسخ، فإن ذلك إنما يكون بورود الوحي الذي هو ناسخ على النبي ﵇، فلذلك اشترط بقاء النبي ﵇ في ذلك؛ لأن الوحي لا ينزل إلا على النبي ﵇.
стр. 1402
وأما النسيان الذي هو نتيجة رفع الله الذكر عن القلوب أو موت العلماء لا خلف فغير موقوف وجوده إلى وجود النبي ﵇، فلما توهم صحة النسخ عقلًا بمثل هذا الطريق بعد وفاة النبي ﵇ خص عدم جوازه بما بعد وفاة النبي ﵇، فصار كأنه قال: هذا لا يتصور شرعًا وإن تصور عقلا لحكمة تدعو إليه، وهي ما ذكره في الكتاب بقوله: صيانة للدين إلى آخر الدهر، وثبت ذلك بوعد الله تعالى حفظه لما أنزله على رسوله ﵇ بقوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ويتبين به أنه لا يجوز نسخ شيء منه بعد وفاته بطريق الاندراس وذهاب حفظه من قلوب العباد.
فإن قلت: ما جوابنا لمن استدل من بعض الملحدين على جوازه بما روي أن أبابكر الصديق- ﵁ كان يقرأ: "لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم"، وأنس- ﵁ كان يقول: "قرأنا في القرآن: بلغوا عنا قومنا إنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا" وقال عمر ﵁: "قرأنا آية الرجم في كتاب الله ووعيناها" وقال أبي بن كعب ﵁: "إن
стр. 1403
سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة أو أطول منها" واستدل الشافعي بما هو قريب من هذا في عدد الرضعات، فإنه صحح ما يرويه عن عائشة ﵂: "وإن مما أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فنسخن بخمس رضعات معلومات، وكان ذلك مما يتلى في القرآن بعد وفاة النبي ﵇"
قلت: يبطل تلك التمسكات كلها قوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) ومعلوم أنه ليس المراد منه الحفظ لديه، فإن الله تعالى يتعالى من أن يوصف بالنسيان والغفلة، فعرفنا أن المراد الحفظ لدينا، فالغفلة والنسيان متوهم بنا، وبه ينعدم الحفظ إلا أن يحفظه الله ، ولأنه لا يخلو شيء من أوقات بقاء الخلق في الدنيا عن أن يكون فيما بينهم ما هو ثابت بطريق الوحي فيما ابتلوا به من أداء الأمانة التي حملوها. إذ العقل لا يوجب ذلك وليس به كفاية بوجه من الوجوه، وقد ثبت أنه لا ناسخ لهذه الشريعة بوحي ينزل بعد وفاة رسول الله ﵇، ولو جوزنا- هذا وهو الذهاب عن القلوب أو بموت العلماء- في بعض ما أوحي إليه وجب القول بتجويز
стр. 1404
ذلك في جميعه فيؤدي إلى القول بأن لا يبقى شيءئ مما ثبت بالوحي بين الناس في حال بقاء التكليف وأي قول أقبح من هذا!
وأما ما روي من تلك الأخبار التي رويتها فشاذ لا يكاد يصح شيء منها، ويحمل قول من قال في آية الرجم في كتاب الله في حكم الله كما قال: (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) كذا قاله الإمام شمس الأئمة- ﵀.
(لقوله تعالى: (إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)).
قيل: المراد به الحفظ بعد وفاة النبي ﵇؛ لأن النسخ جائز حال حياته، ولأن النسخ في الأغلب إنما يكون بإذهاب شيء وإثبات شيء آخر مكانه وإثبات النسخ بعد وفاته غير متصور، فلم يكن ذهاب شيء منه أيضًا لكونه محفوظًا عن التغيير إلى آخر الدهر.
حكي أن نصرانيًا كان يكتب مصاحفنا ويبيع، فبلغ إلى قوله تعالى: (ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا) فكتب: (ومن يبتغ الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)؛ فخرج صبي من المكتب ونادى بأعلى صوته، فقال: ما القرآن هكذا بل القرآن: (ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا) الآية.
стр. 1405
(وأما القسم الثاني) - وهو نسخ الحكم دون التلاوة، (الثالث) - وهو نسخ التلاوة دون الحكم.
وقوله: (ومن الناس)، وإنما يستعمل مثل هذه الصيغة فيمن لا يعتبر قوله.
(أن الإيذاء باللسان وإمساك الزواني في البيوت نسخ حكمه وبقيت تلاوته)، وهو قوله تعالى: (واللاَّتِي يَاتِينَ الفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ)
(وكذلك الاعتداد بالحول) وهو قوله تعالى: (والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إلَى الحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ). (ومثله كثير)،
стр. 1406
كقوله تعالى: (فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً) فإن حكم هذا قد انتسخ بقوله: (فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) وبقيت التلاوة وحكم التخيير بين الصوم والفدية قد انتسخ ببقوله: (فَلْيَصُمْهُ)، وبقيت التلاوة وهي قوله تعالى: (وأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ) وكذلك قوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ ولِيَ دِينِ) وقوله تعالى: (فَاعْفُوا واصْفَحُوا) نسخ حكمهما بآية السيف وهي قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدتُّمُوهُمْ)
(وما هو قائم بمعنى صيغته) وهو الإعجاز.
стр. 1407
(ولا تهمة في روايته وجب الحمل على أنه نسخ نظمه وبقي حكمه) يعني انتسخت تلاوته في حياة رسول الله ﵇ بصرف الله القلوب عن حفظها إلا قلب ابن مسعود- ﵁ لما ذكرنا أن مثل ذلك وقت حياة النبي ﵇ جائز، فبقيت تلاوته في حفظه ليكون الحكم باقيا بنقله، فإن خبر الواحد موجب للعمل به، وقراءته لا تكون دون روايته وانتهى الآخر وهو الحكم.
(وجب الحمل على أنه نسخ نظمه وبقي حكمه) أي لا يحمل على أنه كان هو زاد ذلك النظم من تلقاء نفسه ثم لما لم يبق ذلك النظم لم يبق الحكم الثابت؛ لما أن هذا قول وحش لا يفوه به من له ضعف الإسلام؛ لأن من صنع مثل هذا على الاعتقاد كان كافرًا فكيف من هو من أجلاء الصحابة- رضوان الله عليهم أجمعين- والمتشرفين بتشريف قوله ﵇: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" خصوصًا في حقه إذ هو المتلقى منه عامة أحكام الشرع وذلك بعيد جدًا، فلذلك حمل على أنه نسخ
стр. 1408
نظمه وبقي حكمه، ثم ذلك النسخ لا يحمل على أنه كان بعد وفاة النبي ﵇ كما مر.
(وهو ما ذكرنا) وهو جواز الصلاة.
(وذلك صحيح في أجناس الوحي) على ما يجيء قريبًا من هذا في باب تقسيم السنة وهو القسم الثالث من الوحي فإنه وحي يتبدى لقلب النبي ﵇ بلا شبهة كما قال الله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) وهو وحي بلا نظم، وكذلك الوحي الذي هو غير متلو وحي بلا نظم الكتاب، وكذلك الإلهام وحي في حق النبي ﵇ يثبت به الحكم ولا نظم له قال الله تعالى: (ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا أَوْ مِن ورَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) وكذلك السنن كلها ثابتة بالوحي لما عرف، وليس لها نظم القرآن الذي يتلى.
(فمثل الزيادة)
стр. 1409
(على النص فإنها نسخ عندنا) اي هي بيان صورة نسخ معنى سواء كانت الزيادة في السبب أو الحكم.
أما في السبب فمثل اشتراط الإسامة في زكاة المواشي عندنا خلافًا لمالك وكذلك قال أصحابنا: إذا وجد المحدث من الماء ما لا يكفيه لوضوئه
стр. 1410
أو الجنب ما لا يكفيه لاغتساله فإنه يتيم ولا يستعمل ذلك الماء لأن الواجب استعمال الماء الذي هو طهور، وهذا بمنزلة بعض العلة في حكم الطهارة، فلا يكون موجبًا الوضوء به، فلذلك كان وجود لا يمنع التيمم.
وأما في الحكم فأكثر من أن تحصى كزيادة التتابع في صوم كفارة اليمين والظهار.
(وليس الشرط أن تكون الزيادة تخصيصًا) أي ليس بلازم أن يوجد التخصيص في كل ما زيد على النص؛ لأنه وجد التخصيص في فصل الرقبة على زعم الخصم لما أن الرقبة عامة على أصله تتناول الكافرة والمؤمنة فخصت بالمؤمنة.
وأما في فصل الجلد فلم يوجد التخصيص؛ لأن زيادة النفي على الجلد ليست بتخصيص؛ لأن الجلد لم يتناوله حتى يخص.
(لأن التقييد والإطلاق ضدان لا يجتمعان)؛ لأن الإطلاق غير
стр. 1411
متعرض للوصف والتقييد متعرض له، ولأن الإطلاق عبارة عن العدم والتقييد عبارة عن الوجود على ما ذكر في الكتاب، فكانا على طرفي تقيض.
(فأما التخصيص فتصرف في النظم أن بعض الجملة غير مراد بالنظم مما يتناوله النظم، والتقييد لا يتناوله الإطلاق) أي جمعًا للأوصاف كلها يقرره أن التخصيص للإخراج والتقييد للإثبات وأي مشابهة تكون بين الإخراج من الحكم وبين إثبات الحكم.
وحاصله أن في النص إذا ثبت صفة التقييد بقاء صفة الإطلاق غير متصور، فأما العام إذا خص منه شيء يبقى الحكم ثابتًا فيما وراءه بمقتضى لفظ العموم عرفنا أن التخصيص لا يكون تعرضًا لما وراء المخصوص بشيء بل ما بقي بعد الخصوص يبقى معمولًا بعمومه حتى أن أهل الذمة ومن بمعناهم لما خصوا من قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) كان قتل من لا أمان له من المشركين واجبا بذلك النص.
стр. 1412
وأما النص المطلق بعد ثبوت صفة التقييد لم يبق المطلق معمولًا أصلًا بل النص المقيد كان هو المعمول، ألا ترى أن قوله تعالى: (فتحرير رقبة) لما قيد بصفة الإيمان لا تتأدى الكفارة بما يتناوله اسم الرقبة المؤمنة، فعرفنا أن التقييد في معنى النسخ لا التخصيص.
(ولا يشكل أن النفي إذا ألحق بالجلد) أي ولا يشتبه على أحد.
وقوله: (ولهذا) إيضاح لما ادعاه من أن الزيادة على النص نسخ.
(ولأن دليل النسخ ما لو جاء مقارنًا كان ناسخًا) أي لأن دليل النسخ شاء لو جاء مقارنًا كان معارضًا، وكذلك الإطلاق مع التقييد.
стр. 1413
وأما دليل الخصوص لوجاء مقارنًا للعام فلا يكون معارضًا بل يكون مبينًا علمنا أن دليل التخصيص ليس في معنى دليل النسخ بخلاف دليل التقييد، فإنه في معنى دليل النسخ على ما ذكرنا.
(حكم الوجود) أي حكم وجود الكل، والله اعلم.
стр. 1414
باب أفعال النبي- ﷺ -
(لكنه ليس من هذا الباب في شيء)؛ لأن عقد الباب لبيان حكم الاقتداء به في أفعاله الصادرة عنه عن قصد، ولهذا لم يذكر في الجملة ما يحصل في حالة النوم والإغماء؛ لأن التقييد لا يتحقق فيها فلا يكون داخلًا فيما هو حد الخطاب.
(فزل بشغله عنه) أي عن الفعل المباح.
стр. 1415
(فإنها) أي فإن المعصية (اسم لفعل حرام مقصود بعينه) أي يقصد المباشر عين ذلك الفعل الحرام مع علمه بحرمته بخلاف الزلة فإن مباشرها إنما يقع على الحرام من غير قصد إلى مباشرة الفعل الحرام بل بواسطة الفعل المباح، فإنها مأخوذة من زل الرجل في الطين إذا لم يوجد منه القصد إلى الوقوع ولا إلى الثبات بعد الوقوع ولكن وجد القصد إلى المشي في الطريق.
فإن قلت: فعلى هذا التفسير كيف صح إطلاق اسم المعصية على فعل آدم ﵇ في قوله تعالى:) وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى)
قلت: قال الشيخ الإمام شمس الأئمة- ﵀ أطلق الشرع ذلك على الزلة مجازًا.
وأشار إليه في: "الكشاف" إلى أن إطلاق لفظ العصيان على زلة آدم ﵇ ليكون لطفًا بالمكلفين أي عظة ومزجرة بليغة وموعظة كافة، وكأنه قيل لهم: انظروا واعتبرواكيف نعيت على النبي المعصوم حبيب الله
стр. 1416
الذي لا يجوز عليه إلا اقتراف الصغيرة غير المنفرة زلته بهذه الغلظة، فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من السيئات والصغائر فضلًا أن تجسروا على التورط في الكبائر.
وذكر الإمام نور الدين الصابوني- ﵀ في "عصمة الأنبياء" إن ذكر العصيان فيه لم يكن مقصودًا بالذكر لذاته بل لإظهار الاجتباء بعد ذلك كما قال الله تعالى: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ) ليعلم أن معاملة الله تعالى مع أنبيائه بخلاف معاملته مع سائر العباد، وتلك الزلة لم تسقط من قدر آدم ﵇.
(مما ليس بسهو ولا طبع) فالسهو مثل ما روي: "سها رسول الله عليه
стр. 1417
.............
стр. 1418
السلام فسجد" وروي: "صلى الظهر خمسًا" والطبع مثل التنفس وتحريك جفن العين والأكل والشرب، فإن هذا الباب لبيان أفعاله التي تكون عن قصد ويتصور خلوه عنها ولم يقترن به بيان الطاعة والزلة.
(ولا يثبت الفضل) أي ولا تثبت الزيادة على وصف الإباحة من أوصاف الوجوب والندب إلا بدليل.
(إلا أنه قال: علينا اتباعه). قيل: يجوزأن يكون علينا اتباعه بمعنى لنا اتباعه؛ لأنه قال: "الأمر كما قال الكرخي إلا أنه علينا اتباعه" ولم يجوز الكرخي المتابعة لما ذكر من المعنى، فكان الاستثناء من قوله موجبًا لجواز الاتباع الذي هو ضد قوله: لا لوجوب الاتباع.
стр. 1419
(فإذا خالفه في الوصف لم يكن مقتديًا)، فإنه ﵇ إذا كان هوفعل فعلًا نفلًا ونحن نفعله فرضًا يكون ذلك منازعة لا موافقة، واعتبر هذا بفعل السحرة مع ما وراء من الكليم ظاهرًا فإنه كان منازعة منهم في الابتداء؛ لأن فعلهم لم يكن بصفة فعله، فعرفنا أن الوصف إذا كان مشكلًا لا تتحقق الموافقة في الفعل لا محالة، ولا وجه للمخالفة فيجب الوقف يه حتى يقوم الدليل، وهذا الكلام عند التأمل باطل؛ لأن هذا القاتل إن كان يمنع الأمة من أن يفعلوا مثل فعله بهذا الطريق ويلومهم على ذلك فقد أثبت صفة الحظر في الاتباع، وإن كان لا يمنعهم عن ذلك ولا يلومهم عليه فقد أثبت صفة الإباحة، فعرفنا أن القول بالتوقف لا يتحقق في هذا الفصل.
(وأما الآخرون فقد احتجوا بالنص الموجب لطاعة الرسول ﵇، والجواب لنا عن هذا أن يقول صح في الحديث: "إن النبي ﵇ خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فقال ﵇: "ما
стр. 1420
لكم خلعتم نعالكم؟ " الحديث، فلو كان مطل فعله موجبا للمتابعة لم يكم لقوله: ما لكم خلعتم نعالكم؟ معنى.
(قال الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) والمحتج بهذه الآية على وجوب الاتباع في أفعال النبي ﵇ يقول: (يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي عن سمته وطريقته.
ونحن نقول: المراد من الأمر هذا ما هو المفهوم من مطلق لفظ الأمر عند الإطلاق الذي هو ضد النهي لا السمت والطريقة، (والنصوص كثيرة) كقوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وقوله:) أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) وقوله: فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وأجوبتها مذكورة في الكتب المطولة.
(كمن وكل رجلًا بماله) بأن يقال: وكلتك بمالي.
стр. 1421
(ووجه القول الآخر) - بكسر الخاء- وهو قول الجصاص- ﵀ الذي اختاره المصنف- ﵀ فالنص الذي احتج به الفريق الثاني في حق لزوم الاتباع بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)، كان هو أظهر دليل للجصاص في حق جواز الاتباع لا في حق اللزوم.
ألا ترى أنه قال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ) ولم يقل عليكم، فهو دليل للجصاص على أن الاتباع في مطلق أفعاله جائز لا واجب.
والدليل الواضح في هذا للجصاص- ﵀ قوله تعالى (قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِ) وفي هذا بيان أن ثبوت الحل في حقه مطلق دليل ثبوته في حق الأمة. ألا ترى أنه نص على تخصيصه فيما كان هو مخصوصًا به بقوله:) خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) وهو النكاح بغير مهر فلو لم يكن مطلق فعله دليلًا للأمة في الإقدام على مثله لم يكن لقوله: (خَالِصَةً لَّكَ) فائدة، فعلم بهذا أن الخصوصية لا تكون ثابتة بدون هذه الكلمة، فلذلك لا يحمل مطلق فعله على الخصوصية.
стр. 1422
(هذا الذي ذكرنا تقسيم السنن في حقنا)؛ لأن ذلك تقسيم في أنواع الاتباع، فإنه ﵇ إن فعل فعلًا على وجه الفرضية وجب علينا فعله على وجه الفرضية اتباعًا له، وكذلك في الواجب والمندوب والمباح، وأما إذا فعله مطلقًا ولم يعرف وصفه فعليه ففيه هذا الاختلاف في حق الاتباع.
وأصح الأقوال فيه أن نقول: هو جائز الاتباع لا مزجور عنه ولا موقوف فيه بالدليل الذي ذكرنا، فلما كان ذلك في حق الاتباع كان ذلك تقسيمًا للسنن في حقنا.
وأما تقسيم السنن في حقه ﵇ ففي هذا الباب، والله أعلم.
стр. 1423
باب تقسيم السنة في حق النبي ﵇
فإن قلت: ما وجه ذكر صيغة الجمع في حق تقسيم السنن في حقنا وذكر صيغة الفرد في تقسيم السنة في حق النبي ﵇؟
قلت: ذك كل منهما كما يقتضيه محله، وذلك لأن سنة النبي ﵇ تبلغنا بأنواع مختلفة؛ بالفعل والقول والسكوت على ما ذكرناه في "الوافي" فذكرها بلفظ الجمع نظرًا إلى أصلها وإن كان الجمع بالألف واللام بمنزلة صيغة الفرد المحلى بالألف واللام، لكن قد يراعى معنى الجمع
стр. 1424
فيه أيضًا على ما ذكرنا في خلع "النهاية".
وأما السنة في حق النبي ﵇ فأصلها واحد وهي الوحي؛ لأن مال كل واحد من التقسيم في حه راجع إلى الوحي وهو حقه راجع إلى الوحي وهو واحد، فذكره بلفظ الفرد لذلك.
(ولولا جهل بعض الناس والطعن بالباطل في هذا الباب لكان الأولى منا الكف عن تقسيمه) يجب في هذا بيان جهل بعض الناس وطعنهم بالباطل، وبيان أولوية الكف لولا طعنهم بالباطل.
أما الجهل والطعن فإن الباطنية- لعنهم الله- يزعمون أن الله تعالى أنزل
стр. 1425
القرآن على رسوله بخيال غير موصوف باللسان، ثم إن رسول الله ﵇ أداه بلسانه العربي المبين.
قلنا: هذا فاسد وطعن على رسول الله ﵇ وعلى القرآن بالباطل؛ لأن الله تعالى قال في آية أخرى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) أخبر
стр. 1426
أنه إنما أنزله عربيًا، فيبطل به قول الباطنية، ولأنه لوكان الأمر على ما يقوله الباطنية إنه لم ينزله بهذا اللسان لكان لا يصير جوابا لقولهم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) وقال أيضا: (ولَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًا لَّقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ) فذكر هذا جوابًا لقولهم وحجة عليهم دل أنه إنما أنزله عربيًا كا ذكر في "شرح التأويلات" في سورة الشعراء في قوله تعالى: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ).
وأما أولوية الكف عن تقسيم الوحي بهذا الطريق على تقدير عدم الطعن فهو أنه ذكر أن القسم الثاني من الوحي ما ثبت عنده ووضع له بإشارة الملك من غير بيان بالكلام، وإن القسم الثالث منه ما تبدى لقلبه بلا شبهة، وفي الوحي الباطن هو ما ينال باجتهاد الرأي بالتأمل فيه، ففي هذه الجمل لا شك أنه يتراءى أي لقلب من هو ضعيف الإيمان أو لمن يقصر في التأمل نوع وهن في نبوة النبي ﵇ بأن يقول: كيف يكون نبيًا إذا لم يكن وحي صريح من الله تعالى بلسان الملك؟ خصوصًا ما إذا كان هو يدرك بعض
стр. 1427
الأحكام بسبب الرأي والتأمل في المنصوصات، فحينئذ كان هو بمنزلة بعض المجتهدين منا، من هذا الوجه كان يجب على المصنف- ﵀ أن لا يذكر أقسام الوحي بهذا الطريق لئلا يورث مثل هذه الأوهام الباطلة، فاعتذر عن هذا بقوله: "ولولا جهل بعض الناس لكان الأولى منا الكف عن تقسيمه" فإن نبينا ﷺ كان موصوفًا بكمال علو المنزلة عند الله غاية لا يحيطها إلا الله تعالى.
(والثالث ما تبدى لقلبه بلا شبهة). جعل الإمام شمس الأئمة- ﵀ هذا النوع من قبيل الوحي الباطن.
وقيل: (الإلهام): علم بشيء يقع في القلب يدعو صاحبه إلى العمل به من غير استلال بآية ولا نظر ف حجة (فهذا) أي المذكور وهو الأقسام الثلاثة.
وكذلك قوله: (وهذا من خواص النبي ﵇ أي النبي
стр. 1428
مخصوص بهذه الأنواع على معنى أنه يكون حجة بالغة في حقه وحق كافة الناس جميعًا حتى وجب عليه التبليغ فيما ثبت له العلم بهذه الأنواع الثلاثة بخلاف ما يكون للأولياء من الإلهام فإنه لا يكون حجة في حق غيره.
стр. 1429
(بعد انقضاء مدة الانتظار) فإن مدة الانتظار تفوت عند خوف فوت الغرض كفوت الكفء الخاطب في النكاح إذا انتظر إلى رأي الولي الأقرب.
(وهو- ﷺ أحق الناس بهذا الوصف) أي بوصف أمر
стр. 1430
الاعتبار، وكذلك هو أحق بنداء المدح في قوله:) فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ) كأنه هذا خرج تعليلًا للاعتبار بكونه ذا بصر، والنبي ﵇ أدق بصيرة وأوفر فضلًا، فكان هو أدخل في هذا الوصف.
(وذلك) أي الفهم (عبارة عن الرأي من غير نص)؛ لأن ما كان بطريق النص والوحي فداود وسليمان ﵉ فيه سواء، وحيث خص سليمان ﵇ بالفهم عرفنا أن المراد بطريق الرأي.
وذكر في "الإحقاق" روي أن صاحب الغنم التي نفشت وصاحب الزرع اختصما- وعن ابن مسعود ﵁ وشريح كان كرمًا- فحكم داود ﵇ بالغنم لصاحب الكرم.
فقال سليمان ﵇: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، ويدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصبب منها حتى إذا
стр. 1431
عاد الكرم كما كان دفع كل واحد منهما مال إلى صاحبه؛ ولذلك صح الاستدلال بقضية داود ﵇ فإن القضية التي قضاها داود ﵇ كان بالرأي؛ لأنه لو كان بالوحي لم يسع لسليمان ﵇ خلاف ما قضي بالوحي ومدح على ذلك علم أنه كان بالرأي.
قوله: (وهذا قياس ظاهر)؛ لأن في هذا اعتبار أحد المثلين بالآخر وليس القياس إلا هذا، وهذا لأن القبلة مبدأ شهوة الفرج والمضمضة مبدأ شهوة البطن، والصوم وهو: كف النفس عن قضاء الشهوتين، فلما لم يؤثر قضاء مبدأ شهوة البطن في فساد الصوم، كذلك لا يؤثر فيه قضاء مبدأ شهوة الفرج.
("أرأيت لو وضعه في حرام أما كان يأثم؟ ") ففيه إثبات حكم أحد الضدين مخالفًا لحكم الضد الآخر وهو مقتضى الرأي الصواب؛ لأن أحد الضدين مخالف للآخر، فحكم كل واحد منهما أيضًا كان مخالفًا للآخر لما أن في الوضع في الحرام ارتكاب المنهي فكان آثمًا، وفي الوضع في أهله امتثالًا للمأمور به فكان مأجورا، ولا اعتبار لنفس قضاء الشهوة في نفي
стр. 1432
الثواب، فرب قضاء شهوة هو فرض على مباشره فإن أكل شيء بقدر ما يبقى به مهجته فرض عليه إذا لم يتعلق به حق غيره، وفيه قضاء الشهوة بالأكل ولا يرتاب أحد في تحصيل ثواب من يقيم الفرض.
("ثم مججته") أي رميته يقال: مج الرجل الشراب من فيه إذا رمى به ("أكنت شاربه؟ ") يعني لا.
وقوله: (حتى وضح له ما خفي على غيره من المتشابه) دليل على أن النبي ﵇ كان يعلم المتشابه.
стр. 1433
(ألا ترى أنه شاورهم في أسارى بدر فأخذ برأي أبي بكر) ﵁ وقصة ذلك أن رسول الله ﵇ أوتي بسبعين أسيرًا فيهم العباس عمه وعقيل بن أبي طالب فاستثار أبا بكر- ﵁ فيهم، فقال: قومك وأهلك استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية تقوي به أصحابك.
وقال عمر- ﵁ كذبوك وأخرجوك فقدمهم واضرب أعناقهم، فإن هؤلاء أئمة الكفر، وأن الله أغناك عن الفداء. مكن عليًا من عقيل وحمزة من العباس ومكن لي من فلان لنسيب لي فلنضرب أعناقهم.
فقال ﵇: "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبابكر مثل إبراهيم" قال: (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ
стр. 1434
رَحِيمٌ) ومثلك يا عمر مثل نوح قال: (لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا).
ثم قال لأصحابه: أنتم اليوم عالة فلا يفلتن منهم إلا بفداء أو ضرب عنق"
وروي أنهم لما أخذوا الفداء نزلت الآية. كذا في "الكشاف".
وقوله: (في بذل شطر ثمار المدينة)، وقصته إن الكفار أرادوا أن يرموا المسلمين بقوس واحد وذلك يوم الأحزاب، فأراد رسول الله ﵇ من غير وحي أن يبذل لهم شيئًا من ثمار المدينة ليرجع الكفار، فشاور في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة- ﵄ فقالا: إن كان ما قلته وحيًا فسمعًا وطاعة، وإن كان رأيًا فلا نعطيهم إلا السيف، فإنا لم نعطهم في الجاهلية شيئًا منها إلا بشراء أو بقرى أفنعطيهم الدنية؟ وقد أعزنا الله بالإسلام ونحن الغالبون، فلما رأى ذلك منهم فرح بذلك، وترك ما
стр. 1435
رأى (وأخذ برأيهما).
والدليل الواضخ على أنه كان يعمل بالرأي فيما لم يوح إليه قوه تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى) وقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ) وهذا مما عوتب عليه، وما روي أنه ﵇ لما دخل بيته ووضع السلاح حين فرغ من حرب الأحزاب أتاه جبريل ﵇ وقال: وضعت السلاح ولم يضعه الملائكة، وأمره بأن يذهب إلى بني قريظة.
стр. 1436
وروي: "أنه ﵇ أمر أبا بكر- ﵁ بتبليغ سورة براءة إلى المشركين في العام الذي أمره فيه أن يحج بالناس، فأتاه جبريل ﵇ وقال: لا يبلغها إلا رجل منك- أي من بني هاشم-فبعث علي بن أبي طالب- ﵁ في إثره ليكون هو المبلغ للسورة إليهم" وهذا مما لم يعاتب عليه في الذي لم يقر عليه.
فأما قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى) فقد قيل هذا فيما يتلو من القرآن بدليل أول السورة: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى) أي والقرآن إذا نزل.
وقيل: المراد بالهوى هوى النفس الأمارة، وأحد لا يجوز على رسول الله ﵇ اتباع هوى النفس والقول به، ولكن طريق الاستنباط والرأي غير هوى النفس، وهذا أيضًا تأويل قوله تعالى: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي) وقوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) يوضح جميع ما قلنا.
стр. 1437
وقوله: (إلا أنا اخترنا تقديم انتظار الوحي) هذا استثناء من القول الثاني.
ومدة الانتظار على مايرجو نزوله، أي ومدة الانتظار في ذلك إلى أن ينقطع طعمه عن نزول الوحي في حكم الحادثة التي نزلت عليه بأن كان يخاف الفوت فحينئذ يعمل فيه بالرأى وتبينه للناس، فإذا أقر على ذلك كان حجة قاطعة بمنزلة الثابت بالوحي.
стр. 1438
باب شرائع من قبلنا
فالتفاوت بين القول الأول وبين الثالث إن في القول الأول شريعة من قبلنا تلزمنا على أنها شريعة من قبلنا، وفي القول الثالث تلزمنا على أنها شريعتنا، والتفاوت بين القول الثالث والرابع أن في القول الثالث أنها تلزمنا على أنها شريعتنا سواء قص الله تعالى أو لم يقص، وفي الرابع شرط اللزوم علينا أن يقص الله تعالى من غير إنكار، أو يقص الرسول ﵇ من غير إنكار.
стр. 1439
(الهدى: اسم يقع على الإيمان والشرائع) جميعًا; لأن الشرائع سبل الهدى وسبيل الله لا يكون إلا بالهدى. قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ) ولأن القرآن سمى هدى أي هاديًا كقوله تعالى: (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) وهو يهدى إلى ماهو من موجبات العقل وإلى ماهو لا يعرف الا سمعًا، فعلم أن الكل هدى.
(ألا ترى أنها كانت تحتمل الخصوص في المكان في رسولين) أي
стр. 1440
الاختصاص في المكان يقتضى أن يكون الرسولان في مكانين; لأن الاختصاص في المكان لكل واحد منهما إنما يكون في مكانين، فكذلك في الزمان أيضًا، ونظير رسولين بعثًا في زمان واحد من غير تبعية بينهما موسى وشعيب ﵉، ونظيرهما بأن يكون أحدهما تبعًا للآخر موسى وهارون ﵉، فإن النبي ﵇ كان أصلًا في الشرائع وليس لأحد أن يقول: إن الانبياء كانوا قبله فكيف يكون هو أصلًا في شرائع النبيين قبله؟
لأنا نقول: لا يلزم من كونهم مقدمين كونهم أصلًا كالسنة قبل الظهر، فكان الأنبياء كلهم بمنزلة المؤسسين لقاعدته فكان هو أصلا في الشرائع.
(وكان وارثا لما مضى من محاسن الشريعة). قال الله تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ) والإرث يثبت ملكًا للوارث وهو بعينه كان ملكًا للمورث، فهذا يدل على أن شريعة من قبلنا تصير شريعة لرسولنا ﵇ عملًا بقضية الإرث، فعلى هذا كان الرسول المتقدم بمنزلة واحد من أمة محمد عليه
следующие страницы →