Полный текст (2 351 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فإن قلت: على هذا التقرير وقعتهم في الذي أبيتم، وهو: أنكم تأبون الزيادة بخبر الواحد على مطلق الكتاب فتقولون: الزيادة على الكتاب نسخ كما قلتم ذلك في الزيادة على قوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ بقوله- ﵇: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) لما أن القرآن يطلق على القليل والكثير فلا تصح زيادة تعيين الفاتحة عليه بخبر الواحد، فيجب أن يكون هاهنا كذلك؛ لأن اسم المال في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ يقع على القليل والكثير، فلا تصح الزيادة عليه بخبر الواحد؛ لأنه نسخ وذلك لا يجوز بخبر الواحد.
قلت: لا كذلكن فإن الله تعالى أشار في موضع آخر إلى أن ذلك المال مقدر. وأشار أيضًا إلى أن ذلك التقدير شرعي بقوله ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ فيعلم التقدير بالفرض وكونه شرعيًا بضمير (نا) في ﴿فَرَضْنَا﴾، ولكن ذلك التقدير مجمل فوقع هذا الخبر وهو قوله- عليه
стр. 177
السلام-: (لا مهر أقل من عشر دراهم) بيانًا لمجمل الكتاب، فيصح أن يقع خبر الواحد بيانًا لمجمل الكتاب بخلاف قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ فإنه لا إجمال فيه، فكانت الزيادة هناك مستلزمة للنسخ، وأما هاهنا فلان ولأن البضع من وجه في حكم النفوس حتى لا يسقط حكم الفعل فيه بالبذل، فبذل النفس لا يحصل بمجرد المال بل بمال له خطر فكذا فيما هو في حكمة؛ ولأن اشتراط الفرض فيه شرعًا لإظهار حظر البضع، وهذا المقصود لا يحصل بأصل المال؛ لأن اسم المال يتناول الحقير والخطير، وإظهار الحظر إنما يحصل بمال له خطرن وهو عشرة دراهم كما في نصاب السرقة فقدر بها.
ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ أي ومن العمل بالخاص قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ حكي عن الأصمعي أنه قال:
стр. 178
كنت أمشي في البادية، فاستقبلني أعرابي له هيبة، فخفت منه سلب مالي، فقال ليك من أنت؟ قلت: فقيه. فقال: أتحفظ شيئًا من القرآن؟ قلت: نعم. فتذكرت قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ فقرأت هذه الآية كي يخاف لو كان قاصدًا لمالي، وقرأت في آخر هذه الآية: (والله غفور رحيم).
فقال الأعرابي: القرآن ما هكذا، فتأملت، فتذكرت، فقرأت: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: القرآن هكذا، وخلى سبيلي.
قال الأستاذ الكبير مولانا شمس الدين الكردري- ﵀: بدأ هاهنا بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ﴾ وبدأ في آية الزنا بقوله: ﴿الزانية﴾ والحكمة فيه- والله أعلم-: أن الأصل في السرقة الرجال، وفي الزنا النساء.
(الجزاء المطلق اسم لما يجب لله تعالى على مقابلة فعل العبد)؛ لأن الله تعالى هو المطاع في أوامره ونواهيه لذاته؛ لأنه هو المخترع لجميع الأشياء، فترك الأمر والنهي على الإطلاق واقع على حقه فيجب الجزاء له على العبد.
стр. 179
فأما غير الله تعالى فليس بمطاع على الإطلاق، بل هو مطاع لغيره وهو أن الله تعالى أمرنا بإطاعته، ولهذا لو أمر غير الله إنسانًا بشيء فيه معصية الله فلا إطاعة لأحد فيه، وإذا كان كذلك فلم يفهم من ذكر الجزاء مطلقًا ما يجب للعبد على العبد، بل يفهم منه ما يجب لله تعالى على العبد، فدل ذلك على كون الجناية واقعة على حق الله تعالى على الخصوص، ومن ضرورته ألا يبقى معصومًا حقًا للعبد؛ لأنه لو بقي معصومًا حقًا للعبد لا يجب القطع؛ لأنه حينئذ يكون حرامًا لغيره، وذلك لا يوجب القطع، كما لو غصب مال إنسان لا يجب القطع لبقائه معصومًا حقًا للعبد، ولا يقال: يجوز أن يبقى الشيء معصومًا حقًا للعبد، ومع ذلك هو معصوم حقًا لله تعالى حتى يجب القطع لكونه معصومًا حقًا لله تعالى، والضمان لكونه معصومًا حقًا للعبد
стр. 180
كما لو قتل محرم صيدًا مملوكًا لآخر يجب الجزاء؛ لكونه جناية على الإحرام وهو حق الله تعالى، والقيمة باعتبار كونه حقًا للعبد؛ لأنا نقول: لا وجه إلى ذلك؛ لأن كونه معصومًا حقًا لله تعالى يقتضي كونه حرامًا لعينه، وكونه معصومًا للعبد يقتضي كونه حرامًا لغيرهن فلو كان كذلك لا يجب القطع؛ لأنه يصير شبهة، والحدود تندرئ بالشبهات بخلاف قتل المحرم صيدًا مملوكًا؛ لأن الجزاء لا يتعلق بكون الصيد معصومًا.
ألا ترى أنه لو قتل صيدًا غير مملوك يجب الجزاء أيضًا، وإن لم يكن معصومًا ولا مملوكًا، فيجب الضمان لكونه مملوكًا لغيره، ويجب الجزاء لكونه مملوكًا لغيره، ويجب الجزاء لكونه جناية على إحرامه.
ألا ترى أنه يجب الجزاء أيضًا لو قتل صيد نفسه لهذا المعنى فاختلف الموجب أما هاهنا فإنما يجب الجزاء وهو القطع لكن المسروق معصومًا مملوكًا فلابد من تحول العصمة لما بينّا.
والدليل أيضًا على انتقال العصمة إلى الله تعالى أن الله تعالى أوجب هو الجزاء بمقابلة سرقة عشرة دراهم، ولو كان لحق العبد ما كان قطع اليد التي قيمتها خمسمائة دينار بمقابلة عشرة دراهم؛ لما أن ضمان العدوان مقيد بمصل. كما في الغضب بقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى
стр. 181
عَلَيْكُمْ﴾ فإن قيل: لو انتقلت العصمة لكان المال المسروق بمنزلة الخمر، ولو أنه سرق الخمر لا يجب القطع. قلنا: إنما لا يجب القطع هناك لكون الخمر غير معصوم حقًا للعبد.
فإن قيل: لو كانت الجناية واقعة على حق الله لما اشترطت خصومة العبد كما في الزنا وشرب الخمر؟ قلنا: خصومة العبد إنما اشترطت لتظهر السرقة لا لكون الجناية واقعة على حقه، ولهذا يقطع بخصومة المكاتب ومتولي الوقف باعتبار ظهور السرقة لا باعتبار كون الجناية عليهما؛ لأنه ليس لهما ملكن والعصمة في حق العبد باعتبار الملك، وعلى هذا يخرج شرب المسلم خمر الذمي؛ لأن وجوب الحد لا يتعلق بكونه معصومًا ومملوكًا لغيره.
ألا ترى أنه لو شرب خمره يجب الحد أيضًا، بل في وقع جنايته في معصوم الله تعالى الذي هو موجب للحد على المباشر، والضمان إنما وجب لأن دياتهم صارت دافعة عدم التقوم بحكمة عقد الذمة.
(ومن ضرورته تحويل العصمة) أي ومن ضرورة وقوع الجناية على حق الله تعالى تحويل العصمة.
فإن قيل: متى تحولت العصمة إلى الله تعالى؟ إن قلتم: قبل السرقة، ففيه سبق الحكم على السبب؛ لأن السبب للانتقال، والتحول ليس على السرقة.
وإن قلتم: بعد السرقة، فهذا غير مفيد؛ لأن السبب صادف محلًا محترمًا للمالك.
стр. 182
وإن قلتم: مع السرقة، فهو باطل أيضًا؛ لأن السرقة وقت الوجود ليست بموجودة، فكيف تثبت الحكم وقت الوجود؟
قلنا: تحولت العصمة إلى الله تعالى قبيل السرقة متصلًا بالسرقة لتنعقد السرقة موجبة للقطع، ويجوز سبق الحكم على السبب إذا كان ذلك الحكم شرط صحة ذلك السبب، كما في المقتضى أي في قوله: أعتق عبدك عني على ألف. فقال: أعتقت. يثبت الملك مقتضى العتق قبيل قوله: "أعتقت ضرورة صحة العتق، وكذلك في مسألة استيلاد الأب جارية الابن ينتقل الملك من الابن إلى الأب قبيل الوطء لضرورة صحة الاستيلاد، فكذا هنا. إلى هذا أشار في "كشف الأسرار"، وقد أوردناه في "النهاية"
стр. 183
ونظائره، وحاصله أن الجزاء لما كان واجبًا لله تعالى لزم أن تكون الجناية واقعة على حقه؛ لأن الجزاء إنما يجب لمن وقعت عليه الجناية، فإذا كانت الجناية واقعة على حق الله تعالى لزم أن يكون محل الجناية وهو العصمة منتقلة إليه، وإذا انتقلت إليه صار المسروق كالخمر، ولو أتلف خمر مسلم أو غصب فاستهلكها أو هلكت لا يجب ضمانها لما أنها معصومة لله تعالى لا للعبد، ولو كانت باقية لزم الرد؛ لأنه ماله فكذا هاهنا.
(ولأن الجزاء يدل على كمال المشروع لما شرع له) أي لأجل ما شرع له يعني يدل على أن ما هو الجزاء وهو القطع مشروع من جميع الوجوه (مأخوذ من جزي أي قضى) والقضاء: الإتمام والإحكام.
قال الشاعر: وعليهما مسرودتان قضاهما
стр. 184
(وجزاء- بالهمزة- أي كفى)، فالإتمام والكفاية يقتضيان أن يكون الجزاء مشروعًا من جميع الوجوه وكاملًا في شرعيته، وإذا كان الجزاء كاملًا في نفسه وجب أن تكون الجناية كاملة وجناية من جميع الوجوه، وإنما تكون الجناية جناية من جميع الوجوه أن لو كانت الجناية واقعة على حق الله تعالى لما أن الله تعالى واجب التعظيم لذاته، فكانت الجناية في حقه جناية من كل الوجوه.
وأما الجناية على حق العبد فلم تكن جناية من كل وجه لما أن مال العبد بالنظر إلى ذاته مباح.
قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ فلا يكون أخذ ماله بالنظر إلى ذاته جناية، وإنما يكون جناية باعتبار حق المالك، فحينئذ لم تكن الجناية كاملة فلا يقع الجزاء الكامل بمقابلتها، فمن ضرورة هذا تحويل العصمة إلى الله تعالى، وإنما يظهر ذلك بالقطع يعني عند القطع يتبين أن الجناية وقعت
стр. 185
على حق الله تعالى حيث وقع القطع جزاء له، ومن هذا يظهر انتقال العصمة قبيل السرقة على ما ذكرناه حتى تكون الجناية واقعة على حقه؛ لأنه يكون حرامًا لمعنى في غيره وهو حق العبد، فتكون الحرمة حينئذ ناقصة فلا تكمل الجناية، فلا يجب الجزاء المطلق الكامل في نفسه بمقابلته.
(ولا عصمة إلا بكونه مملوكًا)؛ لأن شرط وجوب القطع أن يكون المسروق مملوكًا معصومًا حقًا للعبد، وإنما ينتقل من العبد إلى الله تعالى ضرورة وجوب القطع لما بينا من ذكر الجزاء المطلق إلى آخره، ولا يلزم من بطلان العصمة في حق العبد بطلان الملك؛ لأن الموجب لانتقال العصمة قد وجد، ولم يوجد ما هو موجب لبطلان الملك؛ لأنه يمكن أن يكون مملوكًا للعبد وإن لم يكن معصومًا له ويجب الحد مع ذلك، كما أن شرب الخمر مملوكًا لإنسان يجب الحد' ولا يصير كونه مملوكًا شبهة في درء الحد كما إذا شرب خمره فلا ضرورة في بطلان الملك، ثم قوله: "ولا عصمة إلا بكونه مملوكًا"؛ يتراءى أنه ينتقض بما إذا سرق مالًا موقوفًا يجب فيه القطع، وقد ثبت كونه معصومًا مع أنه غير مملوك.
علم بهذا أن قوله: "ولا عصمة إلا بكونه مملوكًا" مما لا يصح.
قلنا: لا ينتقض؛ لأن الموقوف مملوكًا عند بعض العلماء للموقوف عليه.
أو نقول: إنه يبقى على ملك الواقف حكما، ولهذا يرجع الثواب به.
стр. 186
وقيل: إن علة الوقف إن كانت للذي هو أهل للملك تصير مملوكة له، وإن كانت للذي لم تكن أهلًا كالمسجد وغيره يبقى على ملك الواقف تبعًا لأصلها.
(حتى إذا وجد الخصم بلا ملك) أي بلا ملك المدعي وهو الحافظ، وقوله: ونحوهما كسدنة الكعبة، وكالعبد المستغرق بالدين.
(فلذلك تحولت العصمة دون الملك) أي دون المملوكية.
وقوله: (ألا ترى أن الجناية تقع على المال) بيان انه لم يلزم من انتقال العصمة انتقال الملك لما أن الجناية إنما تقع على مال معصوم مملوك.
(وأما الملك الذي هو صفة للمالك) غير قابل للجناية لما أن المالك من قام به الملك، وهو غير قابل للجناية ولو تصور وقوع الجناية عليه كيف ينتقل وأنه غير مشروع لما أن الانتقال إنما يتحقق أن لو لم يكن له الملك وجميع العالم مملوك له، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا
стр. 187
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
والدليل على هذا أنه لا يقال هذا مملوك للعبد لا لله لما أن العبد وما في يده لمولاه، فلم يتصور نقل الملك، وأما نقل العصمة فمشروع كالخمر، فإنه قبل أن يصير خمرًا كان عصيرًا معصومًا للعبد فإذا تخمر كان معصومًا لله تعالى، وكيف ينتقل وهو غير مشروع؟ لأنا عهدنا في الشرع انتقال العصمة عند وجود الدليل.
فأما انتقال الملك عنه وهو حي إلى غيره بدون صنع منه فلم يعهد في الشرع، فلذلك بطل القول بانتقال الملك كما قلنا في العصير المملوك: تنتقل العصمة بالتخمر مع بقاء كونه مملوكًا لله تعالى.
فأما يجوز أن يكون الشيء معصومًا حقًا للعبد لا لله تعالى، ولا يمكن القول بانتقال الله تعالى عقلا؛ لأن كل الأشياء مملوكة لله تعالى، ويجوز أن يكون معصومًا حقًا لله تعالى لا للعبد، فأمكن القول بتحول العصمة دون الملك.
وذكر في "المبسوط" في هذا الموضع: ولا يدخل على هذا الملك، فإنه يبقى للمسروق منه حتى يرد عليه؛ لأن وجوب القطع باعتبار المالية والتقوم في المحل.
стр. 188
فأما الملك بصفة المالك والفعل يكون محرم العين مع بقاء الملك.
ألا ترى أن فعله في شرب خمر نفسه يكون محرم العين مع بقاء ملكه وليس من ضرورة انعدام المالية والتقوم في حقه انعدام الملك كالشاة إذا ماتت بقي ملك صاحبها في جلدها، وإن لم تبق المالية والتقوم وإذا ثبت أن المالية والتقوم صار حقًا لله تعالى خالصًا فلو وجب الضمان إنما يجب لله تعالى، وقد وجب القطع لله تعالى ولا يجمع بين الحقين لمستحق واحد كالقصاص مع الدية.
قوله: (ومن هذا الأصل) أي ومن الخاص.
стр. 189
باب الأمر
(فإن المراد بالأمر) أي سواء كان وجوبًا أو ندبًا أو غيره، وقوله: "فإن المراد" صورة المسألة لا أنه تعليل لقوله: "ومن هذا الأصل".
(ليس المراد بالأمر" وهو الوجوب (صيغة لازمة) أي بل يحصل ذلك المراد بالفعل كما يحصل الأمر.
(أن أفعال النبي ﵇ عندهم موجبة كالأمر) يعني إذا نقل إلينا
стр. 190
أن رسول الله- ﵊ فعل كذا عندهم يصح أن يقال: أمر رسول الله ﵇ بكذا، وعندنا لا يصح.
فالحاصل أن فعل النبي- ﵊ عندهم أمر على الحقيقة، وعندنا ليس بأمر.
(ولو لم يكن الأمر مستفادًا بالفعل لما سمي) به أي لما سمي الفعل بالأمر؛ لأنه حينئذ يكون تسميته بلا معنى وهذا لا يجوز في كلام الله تعالى؛ لأن الكلام نوعان: حقيقة ومجاز، ولا وجه للمجاز هاهنا؛ لأن طريق الاستعارة عند العرب الاتصال بين محل المجاز والحقيقة صورة أو معنى، ولا اتصال بين الأمر والفعل صورة بلا شبهة، ولا اتصال بينهما معنى؛ لأن معنى الأمر هو الاستدعاء إلى الشيء، والفعل لتحقيق الشيء فلا اتصال بينهما فيما هو المعنى.
فعلم بهذا أن الله تعالى أطلق اسم الأمر عليه حقيقة.
(صلوا كما رأيتموني أصلي) جعل فعله موجبًا حيث قال: (كما رأيتموني أصلي).
стр. 191
فإن قيل: الوجوب بالأمر.
قلنا: لا تنافي بينهما فيحتمل أن في فعله وجوبًا، وقد دل الدليل عليه؛ لأن الرسول- ﵊ متبوع فيكون موجبًا كما قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ) وفعله أيضًا مما آتاهم الرسول فكان موجبًا.
(ولا يجوز قصور العبادات عن المعاني) يعني: روا نباشد كه عبارات از معاني كوتاه آيد يعني معنى نبود كه وي را لفظ نيايند كه وضع كنند از بهروي. لأن المهملات أكثر من المستعملات، فكيف يجوز قصور العبارة عن معنى؟ وقد وضع لمعنى واحد أسماء كثيرة، وهي الأسماء المترادفة، والمشترك ليس من قبيل قصور العبارة عن المعنى، بل هو من كمال العبارة؛ لأن لكل معنى اسمًا على حدة على الخصوص والاسم المشترك زائد على ذلك، فلم يكن قاصرًا بل كان تطويلًا وإنما وضع المشترك ابتلاء لحكمة داعية إلى ذلك أو لغفلة من الواضع، فلم يكن من باب القصور.
(مثل الماضي والحال) فنظير الحال ليفعل، فالمقصود بالأمر كذلك يجب
стр. 192
أن يكون مختصًا بالعبارة، ولا يقال: إن المعنى الواحد يفهم بألفاظ كثيرة، وهي الأسماء المترادفة، فلا يكون المعنى مختصًا بعبارة؛ لأنا نقول: بل هو مختص بالعبارة؛ إذ هو لا يفهم بغير العبارة من الفعل وغيره، والمدعى أن المقصود بالأمر مختص بالعبارة لا بالفعل، ولا نعني به أنه مختص بعبارة واحدة.
ألا ترى أن الله تعالى يسمي غلهًا باللغة العربية، ويسمى خداي باللغة الفارسية، ويسمى تنكري باللغة التركية، ويسمى في كل لسان بلغة على حدة، فلا يقال إنه غير مختص بالعبارة.
(وهذا المقصود) وهو الوجوب (من أعظم المقاصد) لما أن الابتلاء يحصل به.
стр. 193
(وقد قال النبي ﵊ - إلى أن قال:- (منكرًا عليهم: "ما لكم خلعتم نعالكم")، فدل ذلك أن فعله ليس بموجب؛ إذ لو كان موجبًا للأمر لم يكن لإنكاره معنى. كما لو أمر مثلاُ بخلع النعال فخلعوا لم يصح إنكاره بقوله: "ما لكم خلعتم نعالكم" لأنهم يقولون: إنك أمرتنا فكذلك في الفعل لو كان موجبًا لما صح إنكاره.
("يطعمني ربي ويسقيني") فيحتمل أن الله تعالى يطعمه طعامًا معنويًا يخالف الأطعمة المعروفة، كما حكي عن بعض الأولياء أنه قال:
стр. 194
شراب المحبة خير الشراب- وكل شراب سواه سراب
كذا أورده الإمام المفسر علاء الدين الزاهد في تفسير قوله: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾.
(لأن الفعل يجب به) أي بالأمر (فسمي به مجازًا) باعتبار إطلاق اسم السبب على المسبب، وهو نظير المشابهة بين الصور في الحسيات كما أن المطر يسمى سماءً؛ لأن السماء سببه فكذلك في الشرعيات اتصال السبب بالمسبب نظير الاتصال بين الشيئين من حيث الصورة (والنبي ﵊ دعا إلى الموافقة بلفظ الأمر بقوله: "صلوا") لأنه لو كان مجرد فعله موجبًا لما قال: "صلوا".
فأن قلت: ما الجواب عن قولهم: العرب تفرق بين جمع الأمر الذي هو القول، فقالوا فيه: أوامر، وبين جمع الأمر الذي هو الفعل، فقالوا: أمور، وفي التفريق بين الجمعين دلالة على أن كل واحد منه حقيقة، فكان اسمًا مشتركا، فإنه حقيقة في كل فرد أريد به، وقد يفرق بين جمعي نوعي المشترك
стр. 195
لكونه حقيقة فيهما، كما قال الشافعي: إن القرء الذي هو بمعنى الطهر جمعه قروء، والقرء الذي هو بمعنى الحيض جمعه أقراء. كذا ذكر في "مختلف الرواية".
قلت: أما ما ذكره الشافعي فمردود عليه بقول الشاعر:
يا رب ذي ضغن وضب فارض له قروء كقروء الحائض
وبالحديث، وهو ما قال رسول الله- ﵊ لفاطمة بنت قيس:
стр. 196
"إذا أتاك قروؤك فدعي الصلاة" فعلم بهذا أن القروء تجيء جمعًا للقرء الذي بمعنى الحيض.
وأما الجواب عن قولهم: العرب تفرق بين جمعي الأمرين، فقلنا: إن هذا الكلام في مخرجه باطل؛ لأن الأمر الذي هو لطلب الفعل غير الأمر الذي بمعنى الفعل وهو الشأن، ولا يطلق اسم احدهما على الآخر إلا مجازًا، وكلامنا في الأمر الذي هو طلب الفعل، وهو لا يتناول الأمر الذي هو الشأن أصلًا، وإنما يطلق اسم الأمر على الشأن بسبب أن الشأن يجب بالأمر الذي هو لطلب الفعل، فكان فيه إطلاق اسم السبب على المسبب بطريق المجاز، فكان الافتراق في الجمعين باعتبار أن كلًا منهما حقيقة في موضعه لا أن يكون الأمر الذي نحن بصدد حقيقة الأمر الذي هو بمعنى الشأن، ومن ذلك أي ومن الخاص.
стр. 197
[باب موجب الأمر]
لأنه لما ثبت أن المراد بالأمر مختص بصيغة خاصة ثبت أن المراد بهذه الصيغة واحد على الخصوص أيضًا، وهو الوجوب؛ لكي تكون الصيغة مختصة بموجب الأمر، والموجب مخصوصًا بها أيضًا؛ لئلا يكون القصور من الطرفين جميعًا هذا في أصل الوضع.
أما إذا الدليل على الندب أو الإباحة أو التقريع أو غيرها كانت صيغة الأمر محمولة عليه مجازًا، كما هو الحكم في سائر الحقائق، فلم يكن ذلك موجبًا لها.
стр. 198
....................................................
стр. 199
(التقريع): سر زنش كردن، (والتوبيخ): التهديد فإن الله تعالى بقوله: (وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ) يقرعه ويظهر عجزه وعدم تسلطه في حق الجميع إلا في حق من اتبعه لا غير بقوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ).
وأما في قوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) تهديد
стр. 200
للكافرين بسياق هذه الآية بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ فصار كأنه قال- والله أعلم-: إنا أظهرنا الحجج وكشفنا البينات فيما يكون للمؤمن من المثوبات العلية والدرجات السنية، وما على الكافر من العقوبات المؤلمة المثلات المعدة في الآخرة على وجه لم يبق لمسترشد شبهة، ولا لمعاند ريبة.
قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ﴾ وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾، فبعد ذلك جعلنا الاختيار في يده إن شاء مال إلى الطاعة واستحق ثواب النعيم، وإن شاء مال إلى المعصية واستحق عذاب الجحيم، فسيرى الكافر إلى ما يصير أمرة من وخيم العاقبة: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ وهذا تهديد كما ترى، وهو ظاهر.
وذكر شمس الأئمة السرخسي- ﵀ لنظير التقريع قوله تعالى: ﴿فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ وهو أراد بالتقريع التعجيز، وذكر لنظير التوبيخ
стр. 201
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ لما أن التوبيخ متضمن للتهديد، والتقريع متضمن للتعجيز: ﴿اسْتَفْزِزْ﴾ أي استخفف.
وقيل: استحمل ﴿بِصَوْتِكَ﴾ أي بوسوستك.
وقيل: هو صوت كل داع إلى المعصية.
وقيل: بالغناء ﴿وَأَجْلِبْ﴾ أي اجمع وصح بهم مستعينا: ﴿بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ أي بكل راكب وماش في المعصية.
(ولا يثبت الاشتراك إلا بعارض) يعني أن وضع الكلمات لإفهام السامع مراد المتكلم بكلامه، والاشتراك يضاد ذلك الغرض من وضع الكلام، فلم يكن الاشتراك أصلًا.
وطريق ثبوت الاشتراك أن تضع قبيلة لفظًا لمعنى، وتضع قبيلة أخرى ذلك اللفظ لمعنى آخر، ولم يعلموا باصطلاح تلك القبيلة، فلما اجتمعت القبيلتان في مرعى وعلم كل واحد منهما ما يستعمله صاحبة وجروا على ذلك الاستعمال أي على استعمال ذلك اللفظ الواحد على معنيين مختلفين، فكان العارض حينئذ جهل كل قبيلة بوضع الأخرى.
وقيل: العارض غفلة من الواضع يعني غفل الواضع عن وضع هذا اللفظ بإزاء معنى، ووضع ذلك اللفظ أيضًا لمعنى آخر يخالف المعنى الأول،
стр. 202
وهذا إنما يستقيم إذا كان الواضع مخلوقًا.
وقيل: العارض أثر الحكمة التي دعت الواضع الحكيم إلي وضع هذا اللفظ لمعنى آخر للابتلاء.
(ثم الاشتراك إنما يثبت بضرب من الدليل المغير) يعني أن موجب الأمر واحد علي الخصوص وهو الوجوب ثم يستعمل الأمر في غير موجبه لضرب من الدليل المغير كاستعمال الأمر للندب علي قول من قال موجبه الوجوب بضرب من الدليل المغير بدليل تفصيلي أنه لا يراد به الوجوب أو استعمال الأمر للإيجاب علي قول من قال: موجبه الندب بضرب من الدليل المغير عما هو موجبه، وهو أن يثبت بالدليل أن المراد به الوجوب لا الندب (كسائر ألفاظ الخصوص) كقولهم: جاءني زيد، فإن موجبه واحد علي الخصوص، وهو مجيء نفس زيد، ويحتمل التغير عن ذلك بدليل مغير بأن يكون المضاف محذوفا أي جاءني خبر زيد أو كتابه أو غلامه، فاستعمالهم لذلك اللفظ لتلك المعاني لضرب من الدليل المغير وهو ثبوت عند مجيئه يقينا، فلذلك الدليل المغير اضطررنا إلي تغييره عنا هو موجبه وهو العارض، وكذلك في استعمال الأسد في حق الرجل الشجاع إنما كان ذلك بدليل مغير عن حقيقته المخصوصة به بأن قال: رأيت أسدا يرمي، وكذلك في غيره كما في قوله: أنت حر،
стр. 203
وأنت طالق ما هو الموضوع له مراد علي الخصوص إلا إذا قرن به دليل مغير غيره عن موضوعه الذي هو ثبوت العتق والطلاق في الحال وهو ذكر الشرط بأن قال: أنت حر إن دخلت الدار، وكذلك في قوله: أنت طالق لو قرن بآخره إن دخلت الدار يتغير الكلام عن موضوعه علي الخصوص.
وقوله: "ثم الاشتراك إنما يثبت بضرب الأمر لمعان مختلفة مع أن صيغة الأمر للوجوب حقيقة لا غير، والمشترك في الاصطلاح إنما يستعمل فيما إذا استعمل لفظ واحد لمعنيين مختلفين فصاعدا بطريق الحقيقة.
علم بهذا أنه لم يرد بهذا الاشتراك ما هو المفهوم من اللفظ المشترك، بل أراد به استعمال لفظ الأمر فيما هو حقيقة فيه وفيما هو مجاز فيه.
قوله: (قالوا: إن ما ثبت أمرًا كان مقتضيًا لموجبه)، إنما قيد بقوله: إن ما ثبت أمرًا؛ احتراز عن التفريغ والتوبيخ والدعاء فإن صيغة الأمر في حق هذه الأشياء لا للأمر بالإجماع؛ لأن حقيقة الأمر طلب الفعل الصادر من الأعلى إلي الأدنى.
(فيثبت أدناه وهو الإباحة) يعني أن أدنى ما يصح أن يثبت الأمر من الوجوب والندب والإباحة والإرشاد إلي الأوثق الإباحة، فثبتت هي بدون القرينة، كما إذا وكل رجل رجلا في ماله يثبت به الحفظ؛ لأنه أدنى ما يراد بهذا اللفظ، فيثبت هو لكونه متيقنا، وهذا لأن الإباحة تثبت من ضرورة الأمر؛ لأن الحكيم لا يأمر بالقبيح، فلذلك يثبت بمطلقه ما هو من ضرورة
стр. 204
هذه الصيغة، وهو التمكين من الإقدام عليه، وهو الإباحة.
قلنا: هذا فاسد؛ لأن الإباحة تثبت بالإذن والإباحة، وهذه الصيغة موضوعة لمعنى خاص وهو طلب الفعل، فلابد أن يثبت بمطلقها فوق ما يثبت بالإذن والإباحة ويعتبر الأمر بالنهي، فكما أن مطلق الأمر يقتضي حسن الأمور به علي وجه يجب الائتمار.
(قالوا: لابد مما يوجب ترجيح جانب الوجود)، وهذا الترجيح قد يكون بالإلزام وقد يكون بالندب، فيثبت أقل الأمرين؛ لأنه المتيقن به حتى يقوم الدليل علي الزيادة.
(إلا أن هذا فاسد). يعني كون موجب الأمر الندب بهذا الدليل فاسد لأن الأمر لما كان لطلب المأمور به اقتضى مطلقه الكامل من الطلب؛ لأنه (لا قصور في الصيغة ولا في ولاية المتكلم)، فإنه مفترض الطاعة يملك الإلزام، فكان الكمال هو الأصل، ولأنه لو كان للندب لا يكون لطلب الفعل من كل وجه؛ لأنه من حيث إنه لا يكون معاقبًا علي تركه لا يأتي به، ومن حيث إنه يثاب علي عله يأتي به فلا يكون مطلوبًا من جميع الوجوه، فينبغي أن يكون
стр. 205
مطلوبًا من جميع الوجوه؛ لأنه لا قصور في ولاية المتكلم ولا في العبارة. أو نقول: إن صيغة الأمر لا تخلو إما أن تكون حقيقة فيهما لا جائز أن تكون حقيقة في الندب مجازًا في الإيجاب؛ لأن ذلك يؤدي إلي تصويب قول من يقول: إن الله تعالى لم يأمر بالإيمان ولا بالصلاة، وهو باطل؛ لأنهما مفروضان لا مندوبان، والمفروض غير المندوب، فكان استعمالها في غير موضوعها مجازًا لا محالة، فبقي الوجهان الآخران، فالحمل علي الإيجاب في كل واحد منهما أولي.
أما إذا كانت الصيغة حقيقة في الإيجاب فلكون الصيغة معمولة في حقيقتها.
وأما إذا كانت حقيقة فيهما جمعا كان الحمل علي الإيجاب أولي أيضًا لتضمن الإيجاب الندب وبل زيادةً بخلاف العكس، وما قالوه من أن الحمل علي أقل الأمرين عمل بالتيقن باطل بلفظ العام، فإنه يتناول الثلاثة فما فوق ذلك ثم عند الطلاق لا يحمل علي المتيقن وهو الأقل، وإنما يجمل علي الجنس لتكثير الفائدة به فكذلك صيغة الأمر، ولو لم يكن في القول بما قالوا إلا ترك الأخذ بالاحتياط لكان ذلك كافيا في وجوب المصير إلي ما قلنا، فإن المندوب يستحق بفعله الثواب ولا يستحق بتركه العقاب، والواجب يستحق بفعله الثواب وبتركه العقاب، فالقول بأن مقتضي مطلق الأمر الإيجاب فيه معني الاحتياط من كل وجه، فكان هو أولى.
стр. 206
وقوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ﴾ يوهم أن المعدوم شيء وليس كذلك، بل إنما سمي شيئًا باعتبار ما يؤول إليه؛ لأن الله تعالى يحول المعدوم شيئًا لا أن يكون شيئًا قبل الوجود؛ لأن إثبات الثابت محال.
(وهذا عندنا) أي عندي وعند أقراني لا أن يراد به ما يقال هذا عند علمائنا الثلاثة- أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏ لأن عند عامة المتكلمين وبعض الفقهاء منهم الشيخ أبو منصور والقاضي الإمام أبو زيد- رحمهما الله- أنه مجاز عن سرعة الإيجاد (علي أنه أريد به ذكر الأمر بهذه الكلمة) أي بمدلول هذه الكلمة الذي هو صفة قائمة بذات الله تعالى فكان ﴿كُن﴾ كلاما لله تعالى حقيقة أى مدلول ﴿كُن﴾.
стр. 207
(من غير تشبيه) أي من غير أن يقال إنه تعالى متكلم بالكاف والنون، حتى يلزم تشبيه كلامنا أي لله تعالى كلام، لكن لا يشبه كلامه كلامنا؛ لأن كلامنا يحدث فينا، والله تعالى يتعالى عن أن يحدث في ذاته شيء وقوله: من غير تشبيه؛ نفي قول الكرامية، فإن عندهم كلام الله حادث في ذاته.
وقوله: (ولا تعطيل) نفي لقول المعتزلة، فإنهم يقولون: الله تعالى ليس بمتكلم في الأزل، وإنما صار متكلما بخلق هذه الحروف والأصوات في محالها فقولهم ذلك يؤدي إلي التعطيل عن صفة الكلام؛ لأن الموصوف بصفة إنما يتصف بصفة قائمة بذاته ولما لم يكن الكلام؛ لأن الموصوف بصفة إنما يتصف بصفة
قائمة بذاته ولما لم يكن الكلام قائمًا بذات الله تعالى لم يكن متكلما به فبطل قولهم؛ لأن الله تعالى متكلم بالإجماع.
(وقد أجري سنته في الإيجاد بعبارة الأمر) وهو خطاب ﴿كُن﴾.
فإن قلت: هذا الذي ذكره هو عين مذهب الأشعرية، فإنهم يقولون
стр. 208
إن تكون العالم بخطاب ﴿كن﴾ فكان قوله ﴿كن﴾ تكوينا للعالم.
قلت فبقوله: وقد أجري سنته؛ وقع الاحتراز عن قول الأشعرية؛ لأن عن الأشعرية تكون العالم بخطاب ﴿كن﴾ علي طريق الجزم والبتات علي وجه لا يجوز التخلف عنه كالعلل العقلية عن معلولاتها كقيام الحركة للتحرك، والكسر للانكسار، فعند المصنف- ﵀ أن تكون العالم بخطاب ﴿كن﴾ علي طريق إجراء السنة أي كان علي جواز أن لا يكون كذلك؛ لأن إجراء السنة إنما يستعمل فيما يغلب وجوده علي ذلك المجري يإجراء الله تعالى، وقد تخلف عن ذلك المجري بإرادة الله تعالى خلقه، كما أن الله تعالى أجري سنته علي أن تكون النار محرقة والماء مغرقا ولم يجعلهما علي تلك الصفة في حق الخليل والكليم- ﵉، وقد كان يحتمل أن يوجد شيء بدون الأمر، فإن عند أهل السنة والجماعة التكوين أزلي قائم بذات الله تعالى، وهو تكوين لكل جزء من أجزاء العالم عند وجودة لا أنه يوجد عنده كاف ونون عند عامة المتكلمين من أصحابنا.
وعند فخر الإسلام وشمس الأئمة وغيرهما خطاب مدلول ﴿كن﴾
стр. 209
موجود على الحقيقة عند إيجاد كل شيء فالحاصل أن عند فخر الإسلام ومن تابعه في إيجاد شيء شيئان: الإيجاد، وخطاب ﴿كن﴾ أي مدلوله.
فإن قيل: فإذا حصل وجود العالم بالتكوين فما الفائدة في خطاب ﴿كن﴾ عند الإيجاد؟
قلنا: وردت الآيات في هذا في كثير من المواضع منها ما ذكر هاهنا، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ زمنها قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ فقلنا بموجبها ولا نشتغل بطلب الفائدة كما قلنا في الآيات المتشابهة، ولا نشتغل بسوي ذلك علي ما هو المختار عند كثير من السلف مع اعتقاد أن ما يوجب نقيضه غير مراد بالآيات المتشابهة، فكذلك هاهنا نقول بوجود خطاب ﴿كن﴾ عند الإيجاد من غير تشبيه ولا تعطيل؛ ولأن فيه بيان إظهار عظمته وكمال قدرته كما أن الله تعالى يبعث من في القبور، يبعثه ولكن بواسطة نفخ الصور، وكذلك هاهنا خلق الأشياء بواسطة الأمر.
стр. 210
فإن قيل: الخطاب بالأمر المعدوم كيف يصح؟
قلنا: هذا أمر يكون مطالبة الفعل من المخاطب حتى يشترط فيه وجود المخاطب وعلي أمر التكوين يترتب ما هو المقصود منه وهو الوجود، فلما تحقق ما هو المقصود من ذلك الأمر استقام هو كما استقام الأمر للموجود، ولأن كلام الله تعالى أزلي وكذلك التكوين، وكل أزلي يستحيل العدم فيبقي كل منهما إلي وقت وجود المخاطبين، فلم يخل عن العاقبة الحميدة، فكان حكمه بخلاف الكلام المحدث فإنه مستحيل البقاء، فإذا وجد به الخطاب في حال عدم المخاطب لم يبق الخطاب إلي وقت وجود المخاطب، فلا تتعلق به العاقبة الحميدة، فلذلك كان هو سفها، وما نحن فيه حكمة إلي هذا أشار في «تبصير الأدلة».
стр. 211
(ولو لم يكن الوجود مقصودًا بالأمر لما استقام قرينة للإيجاد) أي مقرونة للإيجاد. فعيله بمعني مفعولة أي لما استقام الأمر قرينة للإيجاد لأنه حينئذ يكون تعليل ما ليس بعلة وذلك لا يجوز خصوصًا من الحكيم الذي لا يسفه. كما لا يجوز أن تقول: سقيته فأشبعته، أو أطعمته فأرويته؛ لأن الفاء في مثل هذا الكلام إنما تدخل في حكم ما سبق، لأن العرب تقول: سقاه فأرواه، وأطعمه فأشبعه أي حكما للسقي والإطعام. ولهذا قال علماؤنا- ﵏ في الحديث: [إن رسول الله صلي الله عليه وسلم سها فسجد] يكون وجود السجود حكما للسهو فلا يجب بالعمد فكذلك هاهنا كون الشيء لو لم يصلح أن يكون أثرًا للأمر لا يستقيم القران به، ثم الإيضاح في وجه التمسك بهذه الآية علي أن الأمر للوجوب هو أن الله تعالى جعل أمره لشيء علة لوجود ذلك الشيء، فكان أمره للمكلف بشيء
стр. 212
من العبادات وغيرها يجب أن يكون كذلك. يعني لو أراد وجود المأمور به من المكلف يأمره به فيوجد المأمور به ضرورة، كما في هذه الآية أخبر انه لو أراد وجود شيء من العالم يأمره بوجود فيوجد، وفي حق المكلف أيًا وجد امر الله تعالى بإتيان المأمور به، فكان علي ذلك النسق ينبغي أن يوجد المأمور به من المكلف من غير اختيار من المكلف كما في إيجاد شيء من العالم أنه يوجد ذلك الشيء من غير اختيار منه بمجرد الأمر. إلا أنا لو قلنا ذلك يلزم الجبر علي المكلف ويسقط الاختيار، وللعبد اختيار في إتيان الطاعة والمعصية لتحقيق الابتلاء.
قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ فعدلنا لذلك من الوجود إلي الوجوب لا إلي الندب والإباحة؛ لما ان الوجوب أكثر إفضاء إلي الوجود من الندب والإباحة. أعني لما لم يكن الوجود مرادًا من الأمر الوارد علي المكلف لضرورة نفي الخبر منه اضطررنا إلي أن نحمل ذلك الأمر إلي الشيء الذي هو أقرب للوجود وأكثر إفضاء إليه وهو الوجوب، وكذلك في الآية الثانية، فالمراد من القيام الوجود كما في قولهم: الأعراض قائمة بالأعيان، فقد نسب القيام أي الوجود إلي الأمر، فعلم بهذا أن الأمر علة الوجود، ثم العدول من الوجود إلي الوجوب للمعني الذي ذكرناه آنفًا.
стр. 213
﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الله تعالى حذر المخالفين عن أمر ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والحذر إنما يجب عند وجوب المأمور به؛ لأنه لو لم يكن واجبا لم يكن الحذر واجبًا؛ لأن حد غير الواجب هو أن لا يكون العقاب علي تقدير الترك.
(وكذلك دلالة الإجماع حجة) يعني أن الإجماع في مثل صورة المتنازع يدل علي ثبوت المدعي هاهنا، وهو أن العقلاء أجمعوا عند إرادة فعل من شخص لم يكن في وسعهم أن يطلبوا إلا بلفظ الأمر وهذا في المخلوقين، فالإجماع علي ذلك هناك دليل علي أن الأمر الصادر من الشارع أيضًا يدل علي الوجوب. بل كان هذا أولي في اقتضاء الوجوب من أمر المخلوقين؛ لأن الله تعالى مفترض الطاعة علي الإطلاق، وهو المراد بالإجماع فيما ادعينا؛ لأن المسألة ليست بمجمع عليها، إلا أن دلالة الإجماع مثل الإجماع؛ لأن الدلالة تعمل عمل الصريح عند عدم الصريح بخلافه، فلذلك أطلق عليه اسم الإجماع فيما سبق.
стр. 214
وكان هذا نظير ما قال علماؤنا- ﵏: إن سؤر الكلب نجس بدلالة الإجماع يعني أن الإجماع منعقد علي وجوب غسل الإناء من سؤره، فدل ذلك علي نجاسة سؤره بالإجماع، فكذلك هاهنا لم يكن في وسعه أن يطلبه إلا بلفظ الأمر.
فإن قبل: بل كان في وسعه أن يقول: أوجبت عليك أن تفعل كذا.
قلنا: إنه أمر معني أيضًا؛ لأن تقديره: أوجبت عليك لأني أمرتك بكذا، فكان قوله ذلك إخبارًا عن الأمر، فيكون الوجوب بالأمر، وهذا لأن قوله: افعل. فعل فعل الضرب في الزمان الماضي، فالمطول والمختصر بمنزلة الاسمين المترادفين.
(كسائر العبارات) أي في الأسامي، مثل: رجل، وجدار، وإبل، وفرس وغير ذلك، ولا يلزم الأسماء المشتركة؛ لأنها علي خلاف الأصل، فصار معني المضي للماضي حقًا لازمًا لا يتغير عما وضع له إلا بدليل كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ وهذا القول منهم في الجنة عبر عنه بعبارة الماضي لتحققه، وكونه كائنًا لا محالة فكأنه قد تحقق ومضى.
стр. 215
وكذلك قوله تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا﴾ وقوله: ل ﴿وسيق الذين اتقوا﴾ وغيرها.
وقوله: (ألا تري أن الأمر فعل معتمد) يتصل بقوله: فيكون حقا لازما به؛ يعني أن الأمر متعمد لازمه ائتمر أي الائتمار حكم لفعل الأمر، فيثبت الائتمار عند ثبوت الأمر كأحكام سائر العلل لا يتصور حكم العلة إلا واجبا بالعلة تراخي عنها بمانع أم اتصل بها. كذا في "التقويم".
أو نقول: وكان من حق الأمر أن يوجد المأمور به ضرورة وجود الأمر؛ لأنه فعل متعد ولا يوجد الفعل المتعدي إلا والمفعول موجود كالكسر مع الانكسار، فإن الانكسار بمنزلة المفعول له؛ لأنه أثر ذلك الفعل وهذا في الفعل المتعدي المضاف إلي المفعول ثابت متحقق حيث لا يوجد الفعل غلا والمفعول موجود كما نقول: الله تعالى خالق العالم إذا اتصل أثر الخلق بالعالم، ولا
следующие страницы →