← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

(وأما الدليلُ فشبهةٌ في الأصل) أي القياسُ دليلٌ فيه شبهةٌ في أصله، وبهذا القيد يحترز عن خبر الواحد، فإن الشبهةَ فيه في طريقه لا في أصله. وأما القياسُ فالشبهةُ في أصله، وذلك لأن وصفَ القياس يثبت باجتهاد المجتهد، وهو يحمل الخطأَ في أصله؛ لمِا أن ذلك الوصفَ غيرُ منصوص عليه لا بالعبارة ولا بالإشارة ولا بالدلالة ولا بالاقتضاء فكان ثابتًا بالرأي ضرورةً، فلا يجوز إثباتُ الحكم وهو حقُ الله تعالى بما فيه شبهةً في أصله مع كمال قدرة صاحب الحق بخلاف خبر الواحد، فإن الشبهة فيه في طريق الاتصال برسول الله ﵇ فلو تفحصت وتتبعت ناقلًا عن ناقلٍ إلى أن بلغَ إلى رسول الله ﵇، كان ذلك حجةً قاطعةً؛ لأن المسموعَ من في رسول الله ﵇ حجةٌ قاطعةٌ، ولا كذلك القياس وقد ذكرناه في أقسام السنن. (ولا يُطاع اللهُ تعالى بالعقول والآراء)؛ لأن الطاعةَ إنما تقع عند العلم بكيفيات الفعل وكمياته، والعقلُ يقف على جُمل المحاسن والمساوي بأن شكرَ المُنْعِم حسنٌ وكفره قبيحٌ، ولا يقف على كيفيات الشكر وكمياته، يعني لا يقف بما يودَّى وبأي وصف يودَّى فلا تقعُ الطاعة بالعقل نفسه خصوصًا ما إذا كان الحكمُ في المقدرّات كإعداد الركعات ومقاديرِ الزكوات

стр. 1507

والحدود وغير ذلك. (ومنه ما يخالف المعقول) لا يريد بهذا ما يخالف العقل في الحسن والقبح من كل وجه، فأن ذلك لا يصح أصلًا لأن ما كان حسنًا عقلًا من كل وجه لا يرد الشرعُ بخلافه، وما كان قبيحًا عقلًا من كل وجه لا يرد الشرعُ أيضًا بخلافه؛ لأن السمعَ والعقلَ حجتانِ من حجج الله تعالى فلا يتناقضان، ولهذا لم يجز النسخُ فيما حَكَمَ العقلُ بحسنه أو بقبحه من كل وجه. ألا ترى أن حسنَ شكرِ المنعم وقبحَ كفرانه مما يستحيل استنساخه، وإنما أراد به ما يخالف القياسَ الشرعي من كل وجه كبقاء الصوم مع وجود الأكل أو الشرب ناسيًا وانتقاضُ الطهارة بالقهقهة في الصلاة. (أما على الوجه الأول) وهو قوله: "فلمعنى في الدليل وهو أن المطلوبَ حقُ الله تعالى فلا يجوز إثباته بما فيه شبهةً" فهذه الأمور حقوقُ العبادُ فإنهم ينتفعون بها في دنياهم. (وأما في غير القبلة فلا يشكلُ) يعني أنه من حقوق العباد وكذلك أمرُ القبلة؛ لأن أصلَه معرفةُ أقاليم الأرض لحوائجهم التي تتعلق بها؛ لأنها تتقدم في إقليم وتتأخر في إقليم، وينتفعون بمعرفتها في سيَرهم في

стр. 1508

تجاراتهم وغيرُ ذلك فصح إثباتها بالرأي لاضطرارهم وعجزهم بخلاف حق صاحب الشرع، فأن صاحب الشرع موصوفٌ بكمال القدرة فلا يصح إثباته بدليل فيه شبهةٌ في أصله. (وأما على الوجه الثاني) وهو قوله: "ولمعنى في المدلول وهو: أن طاعةَ الله تعالى لا تنال بالعقول والآراء" فهذه الأمورُ تُعقل بالأسباب الحسية بالنظر إلى المتلفات وأمور الحرب. وذكر الأمامُ شمس الأئمة ﵀: وأما على الثاني فلأن الأصلَ فيما هو من حقوق العباد ما يكون مستدركًا بالحواس وبه يثبت علمُ اليقين كما يثبت بالكتاب والسنة. ألا ترى أن الكعبةَ جهتها تكون محسوسةً في حق من عاينها، وبعد البعد عنها بإعمال الرأي يمكن تسييرها كالمحسوسة وكذلك أمرُ الحرب، فالمقصود ُصيانةُ النفس عما يتلفها وقهرُ الخصم وأصلُ ذلك محسوسٌ، وما هو إلا نظيرُ التوقَّي عن تناول سمّ الزُعاف لعلمه أنه متلِفٌ والتوقي عن الوقوع على السيف والسكين لعلمه أنه ناقضٌ للبينة، فعرفنا أن أصلَ ذلك محسوسٌ،

стр. 1509

فإعمال الرأي فيه للعمل يكون في معنى العمل بدليل لا شبهةَ في أصله، ثم في هذه المواضعِ الضرورةُ تتحقق إلى إعمال الرأي، فإنه عند الإعراض عنه لا نجد طريقًا أخرَ وهو دليلُ للعمل به لأجل الضرورة جوَّزنا العملَ بالرأي فيه، وهنا الضرورة لا تدعو إلى ذلك لوجود دليل في أحكام الشرع للعمل به على وجه يُغنيه عن إعمال الرأي فيه، وهو اعتبار الأصل الذي قررنا يعنى به استصحاب الحال. (وحصل بما قلنا) أي بما قلنا من الحَجر عن القياس (المحافظةُ على النصوص بمعانيها) أي بأن يتفكر في معاني النص ويعملَ بإشاراته ودلالاته، فلو اشتغل بالقياس لجاز أن يتركَ العملَ بالإشارات والدلالات مع وجودهما بسبب اشتغاله بالقياس، وهذا لأن النصوصَ قوالبَ المعاني اللغوية، فيجب علينا التبحر فيها لنقف على مضمراتها وإشاراتها واستعاراتها وكناياتها وغيرِ ذلك، فكان هو العملَ بالنصوص بجميع معانيها لا العملَ بالقياس.

стр. 1510

وقوله: (والجواب ما تبين) وهو قوله فيما بعده بصفحة: وبيانُ ذلك في الأصل في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا)

стр. 1511

وقوله: ("قال: فإن لم تجد في كتاب الله تعالى") ولم يقل فإن لم يكن في كتاب الله؛ لأن الله تعالى بين كل شيء فيه حيث قال: (وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) وقال تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ)، ثم لم يذكر في هذا الحديث التمسك بالإجماع مع أن الإجماع في كونه حجة فوق القياس، لما أن الإجماع لم يكن حجة وقت حياة النبي ﵇. (وقد روينا ما هو قياس بنفسه) كما في قوله ﵇: "فإنها من الطوافين عليكم" وكقوله ﵇ للخثعمية: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان يقبل منك؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق"وقوله ﵇ لعمر ﵁ حين سأل عن القبلة للصائم، فقال ﵇: "أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكان يضرك؟ قال: لا.

стр. 1512

قال: ففيم إذن"، وكذلك (عمل الصحابة) ﵃ بالقياس مذكور في الكتاب بعد هذا. وكان شيخي ﵀ يفيد (في قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) بقوله: قوله: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ) بيان العقوبة، وقوله: (الَّذِينَ كَفَرُوا) بيان الجناية، وقوله: (مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ)

стр. 1513

بيان غلظ الجناية، وقوله: (مِنْ دِيَارِهِمْ) بيان غلظ العقوبة. وقوله: (لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) دلالة على تكرار هذه العقوبة). فإن قيل: لفظ الأول لا يدل على التكرار بدليل ما إذا قال: أول عبد أشتريه فهو حر؛ فاشترى عبدًا يعتق من غير توقف إلى تكرار شراء عبد آخر. قلنا: هذا طرد لا نقض؛ لأن اسم الأول وإن كان يدل على التكرار فهو لا يقتضي أن يتوقف حكمه إلى وجود الثاني. ألا ترى أن الكلمة التي هي موضوعة لتكرار الفعل وهي كلمة كلما لا تقتضي وجود الفعل الثاني في حق الحنث، فإنه إذا قال: كلما تزوجت امرأة هي طالق فتزوج امرأة تطلق وان لم يوجد تكرار التزوج، فأولى أن لا يقتضي وجود الفعل الثاني في الكلمة التي فيها دلالة على تكرار الفعل، وهذا لأنه قال: "لما قال أول عبد أشتريه فهو حر" دل ذلك على أن شراء العبد يوجد منه مره بعد أخرى، ولكن لا يتوقف حثه على وجود شراء آخر؛ لأن شراء العبد قد وجد وهو شراء العبد الواحد سابقًا على غيره، فإن الأول اسم لفرد سابق لا يشاركه غيره فقد وجد ذلك فيحنث. (ودعانا إلى التأمل) ثم الاعتبار؛ لأن الله تعالى أمرنا بالاعتبار بقوله:

стр. 1514

(فَاعْتَبِرُوا يَا أُوْلِي الأَبْصَارِ)، والأمر بالشيء أمر به وبما هو من لوازمه كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة، والاعتبار لا يكون إلا بأن يكون التأمل سابقًا على الأعتبار فكان الدعاء إلى الاعتبار دعاء إلى التأمل لا محالة سابقًا ثم إلى الاعتبار. وبيان ذلك في الأصل: أي في الأصل الذي هو موجب للقياس. (ويدل عليه) أي على إضمار فعل الأمر. (قوله ﵇: "لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء") والنهي عن الشيء كان امرًا بضده خصوصًا فيما إذا لحقه الاستثناء، والبيع وإن كان مباحًا في نفسه، يجب مراعاة شرطه إذا قصد المكلف مباشرته كالنكاح وهو مباح في نفسه لكن إذا أقدم عليه يجب عليه إحضار الشهود، وكذلك صلاة التطوع وإن كانت غير واجبة فعند القصد إلى أدائها يجب مراعاة شروطها من الطهارة وستر العورة وغيرهما، فكذلك هاهنا يجب صرف الأمر المدلول الذي هو مقتض لوجوب إلى حال البيع التي هي شرط لا إلى نفس البيع.

стр. 1515

(والحنطة اسم علم لمكيل) يعني اسم علم لنوع من طعام له صلاحية أن يكال في قدر يدخل تحت الكيل كما يقال: الماء مرو وإن لمل تكن قطرته مروية وهي ماء لكن له صلاحية الإرواء عند الانضمام إلى قطرات أخر، وقوله: ("مثلًا بمثل" حال لما سبق) وهو: "بيعوا" الذي هو مدلول غير مذكور، (والأحوال شروط) كما إذا قال الرجل لعبده: إن كلمت فلانًا قائمًا فأنت حر، فكلمه قاعدًا لم يعتق، ولو كلمه قائمًا عتق؛ لأنه بمنزلة قوله: إن كنت قائمًا وقت التكلم معه، وكقولهم: ادخل الدار غاضًا بصرك فكان الواجب غض البصر عند الدخول، فعلم بهذا أن الأحوال شروط. (والمراد بالمثل القدر) أي القدر الشرعي وهو المقدر بالكيل (لما روي في حديث آخر: "كيلًا بكيل") أي مكان قوله: "مثلًا بمثل" لما أن المماثلة من حيث الوزن أو من حيث الحبات غير مراد حتى إذا باع كيلًا من حنطة وزنه عشرة أمنًا بنصف كيل من حنطة وزنه أيضًا عشرة أمنا لا يجوز وإن كانا متساويين من حيث الوزن، فلو كانا متساويين من حيث الكيل ومتفاضلين من حيث الوزن يجوز، وكذلك لو كانا متساويين من حيث الكيل

стр. 1516

ومتفاضلين من حيث الحبات يجوز أيضًا (والمراد بالفضل الفضل على القدر) أي على القدر الشرعي، (والمراد بالمماثلة إنما هو القدر بالنص) أي القدر الشرعي وأقله نصف صاع، (فكذلك الفضل عليها ما لا محالة) أي الفضل الذي هو موجب للحرمة، وإنما يكون بالفضل الذي هو فضل على المماثلة الشرعية بالكيل، وأدنى المماثلة الشرعية مقدر بنصف صاع. وحاصلة أن الأحوال الثلاثة من المساواة والمفاضلة والمجازفة إنما تعتبر بحسب الكيل الشرعي وأقله نصف صاع، حتى لو باع حفنة من حنطة بحفنة منها أو بحفنتين يجوز، وكذلك فيما دونهما وفيما فوقهما إلى أن بلغت الحنطة إلى نصف صاع، وإذا بلغ كلا العوضين أو أحدهما نصف صاع والآخر اقل منه كيلًا أو أكثر منه كيلًا لا يجوز، وإن كانت تلك الزيادة لا تبلغ

стр. 1517

الكيل، نص على هذا في "الذخيرة" و"المحيط" والمعنى ي نوع بيع الجنس بالجنس فقال: في كل منها أدنى ما يجري فيه الربا من الأشياء المكيلة نحو الحنطة وأشباهها نصف صاع وذلك مدان حتى لو باع مدين من الحنطة بثلاثة أمنًا من الحنطة فصاعدًا لا يجوز، وكذلك إذا باع منوين من الشعير بثلاثة أمنًا من الشعير فصاعدًا لا يجوز. قلت: والمن الواحد مما لا يدخل تحت الكيل ومع ذلك ذكر عدم الجواز مع

стр. 1518

زيادته على أحد المتساويين بالكيل من الحنطة والشعير. علم بهذا أن في الزيادة على المتساويين بالكيل لا يشترط الكيل في إيراث عدم الجواز. وأما ما وقع في فوائد الإمام بدر الدين الكردي ﵀ في شرح قوله: "فكذلك الفضل عليها لا محالة" بقوله: أي لا يكون الفضل حرامًا ما لم يكن مكيلًا؛ لأن السابق كيل بكيل، والمراد منه أن يكون القدر والفضل معهودًا، فوجب أن يكون من جنس السابق، فيلزم من هذا أن يكون الفضل قدرًا أي كيلًا وقع على خلاف هذه الروايات التي ذكرت في هذه الكتب. (وبالإجماع فيمن باع قفيزًا جيدًا بقفيز ردئ وزيادة فلس) أي على أن يكون الفلس بمقابلة الجودة لا يجوز، وما يكون مالًا متقومًا يجوز الاعتياض عنه شرعًا. علم بهذا أن الجودة غير متقومة عند المقابلة بجنسها (ولما علم أن ما لا ينتفع به إلا بهلاكه فمنفعته في ذاته) أي لا في صفاته؛ لأنه لا يمكن الانتفاع بصفات الأموال الربوية مع قيام عينها، ولما كان الانتفاع بأستهلاك أعيانها لم يعتبر صفاتها وصارت العبرة لذواتها، فلذلك هدرت جودة صفاتها

стр. 1519

نفهم من مخاطباتنا؛ الاشتغال بطلب المعنى غير مفيد لجواز أن تكون مخاطباتنا خالية عن معنى مؤثر وحكمة حميدة بخلاف خطاب الشرع. ألا ترى أن هناك التعليل لا يصح وإن كان التعليل منصوصًا، فإنه لو قال: أعتق عبدي هذا فإنه أسود لم يكن للمخاطب أن يعدي الحكم إلى غيره بهذا التعليل، وفي خطاب الشرع لو كان التعليل منصوصًا يثبت حكم التعدية بالاتفاق كقوله عليه: "الهرة ليست بنجسة، فإنها من الطوافين عليكم والطوافات". (وإنما التعليل لإثبات حكم الفروع). هذا جواب لقول من قال بأن النص موجب بصيغته، وبالتعليل ينتقل حكمه إلى معناه، فكان تغيير الحكم المنصوص. قلنا: ليس ذلك بتغيير لحكم المنصوص؛ بل الحكم في المنصوص بعد التعليل ثابت بالنص كما كان قبل التعليل، والتغيير لحكم المنصوص إنما يكون إذا لم يبق الحكم المفهوم من النص قبل التعليل بسبب التعليل كما في تعليل الشافعي قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) بالتمليك حيث لم يبق مفهوم الإطعام الذي هوعبارة عن جعل الغير طاعمًا بالإباحة مرادًا. وأما الذي نحن بصدده فيبقى النص موجبًا لحكمه كما قبل التعليل، وإنما التعليل لتعدية الحكم إلى محل آخر لا نص فيه، فكان هذا تعميمًا لحكم

стр. 1520

(فكان الفضل على المماثلة فيها) أي في الأرز والدخن والجص (فضلًا خاليًا عن العوض مثل حكم النص بلا تفاوت) أي مثل حكم النص في الأشياء الستة المنصوصة من الحنطة والشعير وغيرهما. (وهو كما ذكرنا من الأمثلة) أي القياس نظير ما ذكرنا من الأمثلة في تفسير قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا) فلما كان الاعتبار هناك مأمورًا به كان الاعتبار في القياس الشرعي أيضًا مأمورًابه لمساواتهما في الاعتبار. وفي "التقويم" فإن الله تعالى كما بين إهلاك قوم بكفرهم وأمر الباقين بالاعتبار بهم لينزجروا عن الكفر فلا يهلكوا فكان اعتبارًا واجب العمل به، وكذلك إذا بين اسمًا أو صفة فعلق به حكمًا من أحكامه وجب الاعتبار به في أصل آخر ووجب إثبات الحكم فيه متى وجد الوصف فيه، فإنه لا فرق بين

стр. 1521

حكم هو تحليل أو تحريم بوصف هو كيل وبين حكم هو هلاك تعلق بوصف هو كفر. (إثبات الأحكام بظواهرها تصديقًا)، فإن إثبات انتقاض الطهارة بالخارج من السبيلين بظاهر قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الغَائِطِ) فرض تصديقه، حتى يكفر جاحده، (وإثبات معانيها طمأنينة)، فإن إثبات انتقاض الطهارة بالخارج النجس من غير السبيلين واجب للعمل به لطمأنينة القلب به لوجود علة جامعة بينهما، (وثبت به) أي وثبت بإثبات معاني النصوص (تعميم أحكام النصوص). فإن قيل: التعليل لذلك النص كون حكم النص وهو انتقاض الطهارة منحصر في الخارج من السبيلين، وبالتعليل يثبت فيه وفي غيره الذي يشاركه في الوصف الجامع بينهما وهو الفصد والحجامة. وكذلك في مسألة الربا، فإن قبل التعليل كون حكم النص منحصرًا في الأشياء الستة وبعد التعليل ثبت فيها وفي غيرها الذي يشاركها في الوصفين الجامعين من القدر والجنس كالأرز والجص والنورة.

стр. 1522

(جمعًا بين الأصول والفروع)، فالأصول: ثبوت انتقاض الطهارة في الخارج من السبيلين، والفروع: ثبوت انتقاض الطهارة في الفصد والحجامة، (وما للخصم إلا التمسك بالجهل)، فإنهم يتمسكون في النصوص باستصحاب الحال ومآل استصحاب الحال إلى الجهل؛ لأن المتمسك باستصحاب الحال يقول: لم يثبت الحكم الحادث هنا؛ لأنا لم نعلم ما يوجب ذلك الحكم، كما إذابيع شقص من الدار فطلب الشريك الشفعة فأنكر المشتري ملك الطالب فيما في يده الذي يطلب به الشفعة. قال الشافعي: تجب الشفعة بغير بينة لأنا لم نعلم بيع شقصه وهو جهل منه. (وفي التعيين احتمال) أي وفي تعيين وصف معين من سائر الأوصاف احتمال أن لا يكون ذلك الوصف مناط الحكم، واحتمال أن يكن هو مناط الحكم كما عينا القدر والجنس في علة الربا، ووصف الخارج النجس من بدن الإنسان في انتقاض الطهارة، ومثل ذلك جائز في الشرعيات بالإجماع. (كالنصوص المحتملة) لما ذكرنا ولما ذكره الخصم كالمشترك وغيره كقوله

стр. 1523

تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ) (وثبت أن طاعة الله تعالى لا تتوقف على علم اليقين) أي بالإجماع، فإن العام الذي خص منه البعض غير موجب لعلم اليقين كقول الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) وقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) الآية، وقوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) ومع ذلك يجب العمل بهذه الآية طاعة لله تعالى، وكذلك خبر الواحد موجب للعمل طاعة لله تعالى مع أنه غير موجب لعلم اليقين. وأما ما أشاروا إلى الفرق بين القياس وخبر الواحد بقولهم: "وأما الدليل فشبهة في الأصل" فإن ذلك لا يجدي لهم؛ لأن دعواهم هي أن لا يطاع الله بدليل فيه شبهة كما أن صاحب الحق وهو الله تعالى كامل القدرة، فكان قادرًا على أن يقيم الدليل الذي لا شبهة فيه ويطاع به، فينتفض قولهم هذا بخبر الواحد والآية المؤولة؛ لأن فيهما شبهة، ثم بعد ذلك لا يتفاوت أن تكون الشبهة في أصله أو وصفه، فيجب أن لا يطاع الله

стр. 1524

تعالى بدليل فيه شبهة؛ لأن صاحب الحق كامل القدرة، فلما أجمعنا على أن الله تعالى يطاع بموجب خبر الواحد والآية المؤولة علمنا أن الله تعالى يطاع بدليل فيه شبهة؛ لأن المراد من الطاعة الابتلاء، وذلك لا يتفاوت بدليل فيه شبهة أو لا شبهة فيه، ولم يمتنع عن ذلك اتصاف الله تعالى بكمال القدرة فانتقض أصلهم. وأما ما رووا من الأحاديث التي فيها مذمة الرأي فإن مراد رسول الله ﵇ فيها الرأي الذي ينشأ عن متابعة هوى النفس أو الرأي الذي كان المقصود منه رد المنصوص نحو ما فعله إبليس. فأما الرأي الذي يكون المقصود به إظهار الحق من الوجه الذي قلنا لا يكون مذمومًا. ألا ترى أن الله تعالى أمر به في إظهار قيمة الصيد بقوله: (يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة- ﵀.

стр. 1525

فصل في تعليل الأصول تفسير تعليل الأصول هو أن حكم النصوص في الأصل معلول بعلة، (واختلفوا في هذه الأصول) أي في الكتاب والسنة والإجماع، أي اختلفوا في أن الأصل في النصوص ماذا؟ كونها معلولة بعلة أو غير معلولة بها؟ (وهذا أشبه بمذهب الشافعي)؛ لأنه يكتفي بدلالة التمييز ولا يشتغل بكون هذا النص معلولًا بعينه. ولهذا قال: إن حرمة الخمر معلولة اكتفاء بكون الأصل في النصوص هو التعليل، وكذلك جعل استصحاب الحال في حق الدفع والإثبات باعتبار أن الأصل عدم ثبوت الأمر الحادث، وهاهنا أيضًا الأصل هو التعليل فتشابها باعتبار الأصل، وقولنا مثل قول الشافعي في أن الأصل في

стр. 1526

النصوص هو التعليل، لكنا نقول: ومع ذلك (لا بد قبل ذلك من قيام الدليل) على أن النص المعين معلول ولا نكتفي بكون الأصل في النصوص التعليل، وكان هذا مثل قولنا في شريك أو جار يطلب الشفعة عند سماع بيع شريكه أو جاره بدار في يده أنها ملكة، وأنكر المشتري كون الدار التي يطلب بها الشفعة أنها ملكة أنه يجب عليه إقامة البينة، على أن الدار التي يطلب بها الشفعة ملكه في الحال، وإن كان الأصل هو أن تكون الأملاك في يدك الملاك، فنحن لا نكتفي بذللك الأصل في هذا؛ لأن الشفيع هاهنا محتاج إلى إثبات الملك ابتداءً، فاستصحاب الحال لا يصلح لذلك؛ بل هو للدفع لا للإثبات، وهذا لأن الخصم لو تمسك في هذا بالأصل بأن الأصل في النصوص التعليل. نحن نقول: وإن كان ذلك كذلك لكنا قد وجدنا في النصوص نصوصًا غير معلولة فجاز أن يكون هذا النص المعين من تلك النصوص لما أن النص مع أصالته في التعليل لم يسقط احتمال كونه غير معلول فلم يبق لذلك حجة على الخصم كما قلنا في استصحاب الحال في مسألة الشفعة حيث لم تكن الأصالة هناك حجة على المشتري. (بأن النص موجب بصيغته) في المنصوص عليه بالإجماع، (وبالتعليل

стр. 1527

ينتقل حكمه إلى معناه)؛ لأنه لو لم ينتقل لا يمكن التعدية، والمعنى من التعدية هو أن نقول: الحكم في المنصوص عليه مضاف إلى النص المعلل بهذا الوصف، لكن لهذا الوصف لا له أثر في إثبات الحكم في المنصوص عليه، وإنما يظهر أثره في الفرع، وهذا الوصف موجود في الفرع فيثبت مثل هذا الحكم في الفرع، (وذلك بمنزلة المجاز من الحقيقة) أي إضافة الحكم إلى معنى النص بمنزلة المجاز، وإضافة الحكم إلى النص بمنزلة الحقيقة لما أن الحقيقة هي ما وضع الواضع اللفظ لمعنى، فكان ذلك المعنى موجب ذلك اللفظ وضعًا، فكذلك هاهنا إن الحكم واجب بالنص وضعًا، فلذلك كان هو بمنزلة الحقيقة. والمجاز: هو أن يراد به غير ما وضع له، فكذلك ههنا لما كان الحكم ف الأصل مضافًا إلى النص وضعًا كان إضافته إلى المعنى لم تكن وضعًا فكان إضافته إلى المعنى مجازًا، ولما كان كذلك لم يعدل إلى المجاز إلا بدليل، فكذلك هاهنا لا يعدل إلى المعنى في إضافتة الحكم إليه إلا بدليل، فجاء من هذا أن الأصل في النصوص غير التعليل لتبقى الحقيقة على حقيقتها وهي إضافة الحكم إلى النص (ألا ترى أن الأوصاف متعارضة) أي أن بعض الأوصاف تقتضي حكمًا ضد ما تقتضيه الآخر. ألا ترى أن تعليل قوله ﵇: "الحنطة بالحنطة" بالطعم يقتضي الحل في بيع الجص والنورة متفاضلًا، وتعليل ذلك الحديث بالقدر والجنس

стр. 1528

يقتضي الحرمة في بيعهما متفاضلًا، والتعليل بالكل غير ممكن؛ إذ وجود هذه الأوصاف بجميعها غير ثابت في غير المنصوص؛ لأنه لو وجد الجميع كان هو عين المنصوص لا غيره فيؤدي ذلك إلى إنسداد باب القياس، (وبكل وصف محتمل) أي يحتمل أن لا يكون ذلك الوصف الذي عينه المعلل مناط الحكم، (فكان الوقف أصلًا) أي الامتناع عن التعليل كان أصلًا. (مثل رواية الحديث)، فإن اجتماع رواة الأحاديث لما كان متعذرًا قبلنا رواية كل واحد من العدول ولم نشترط الاجتماع، فكذلك هاهنا لما تعذر العمل باجتماع أوصاف النص جعلنا كل وصف علة. فإن قلت: نفهم من خطاب الشرع ما نفهم من مخاطباتنا، ومن يقول لغيره: أعتق عبدي هذا لم يكن له أن يصير إلى التعليل في هذا الأمر، فكذلك في مخاطبات الشرع لا يجوز المصير إلى التعليل حتى يقوم الدليل، وهذه شهة ترد على قولنا أيضًا وقول الشافعي، فلابد من جواب شاف يشفي مرض جهل السائل؛ قلت: ليست مخاطبات الشرع في حق التعليل مثل ما

стр. 1529

وصارت العبرة لذواتها (وسقط اعتبار القيمة للجودة شرطًا لا علة) يعني أن شرط تحقق المساواة بينهما سقوط اعتبار القيمة؛ إذ مع اعتبار القيمة لا تتحقق المساواة، فإنه إذا باع قفيزًا جيدًا من حنطة بقفيز رديء من حنطة حتى يساوي هو قفيزًا جيدًا منها بذلك المضموم في القيمة، فحينئذ لا تبقى المساواة بينهما كيلًا. علم بهذا أن سقوط اعتبار القيمة للجودة ليكون شرط تحقق المساواة لا أن يكون سقوط اعتبار الجودة علة تحقق المساواة؛ لأن سقوط اعتبار الجودة أمر عدمي وتحقق المساواة أمر وجودي، فيستحيل تحقق الأمر الوجودي من الأمر العدمي، فلذلك يصلح أن يكون تحقق المساواة أثر العدم بل علة تحقق المساواة القدر والجنس لا غير، وسقوط اعتبار الجودة شرط تحقق المساواة. (صارت المماثلة ثابتة بهذين الوصفين) وهما القدر والجنس. فإن قيل: وجوب التسوية حكم النص فكيف أضيف وجوب التسوية إلى القدر والجنس بل التسوية توجد بهما كما في أركان الصلاة؛ أن الصلاة توجد بالأركان المعهودة ولا يضاف وجوب الصلاة إلى أركانها بل يضاف إلى الوقت نفس وجوبها وإلى النص وجوب أدائها؟ قلنا: الشرع أثبت المساواة بقوله: "إلا سواء بسواء" والمساواة لا تثبت إلا بالقدر والجنس، فكان القدر والجنس مثبتين حكم الشرع ومحصلين له فأضيف الوجوب إليهما لكونهما آخر المدارين.

стр. 1530

النص في حق وجوب العمل في الأصل والفرع لا تغييرًا. (لأنه ما شرع إلا للقياس مرة) أي لأن التعليل ما شرع إلا لتعدية الحكم من الأصل إلى الفرع كما هو مذهب العامة، (وللحجر أخرى) عند الشافعي أي التعليل يكون لحجر المعلل عن تعدية الحكم إلى غير المنصوص عليه وللتعليل بالعلة القاصرة مرة أخرى كما هو مذهب الشافعي، (وهذا يسد باب القياس أصلًا)، والإشارة راجعة إلى قوله: "وللحجر الصحي" فإن فائدة التعليل بالعلة القاصرة للمنع عن القياس عنده، ثم لا شك أن الوصف الذي يثبت الحجر عن التعدية غير الوصف الذي يثبت به حكم التعدية فما لم يتميز أحد الوصفين من الآخر بالدليل لا يجوز تعليل النص، وكذلك لو كانت الأوصاف كلها متعدية لا يمكن التعليل بكلها لما ذكرنا، فلابد لمن يكون أحد الأوصاف هو العلة، ثم ذلك الوصف مجهول، والمجهول لا يصلح استعماله

стр. 1531

مع الجهالة لتعدية الحكم فلابد من دليل التمييز بينه وبين سائر الأوصاف حتى يجوز التعليل به، (شاهدًا للحال) أي معلولًا بعلة؛ (لأنا قد وجدنا من النصوص ما هو غير معلول) كما في قوله ﵇: "تم على صومك" فإن صوم الناسي عن الصوم حتى أكل ولم يفسد صومه شرعًا مع فوات الركن حقيقة غير معلول، فلا يستقيم أن يقاس عليه صحة صلاة الناسي على صلاته حتى فوت ركنًا من أركانها لما أن نص الصوم نص غير معلول بعلة، (لكن هذا الأصل) وهو كون النص معلولًا. (على مثال استصحاب الحال) يعني أن بعض النصوص لما كان غير معلول، والأصل في النصوص هو التعليل على ما بينا- كان هذا الأصل على مثال استصحاب الحال، فيكون حجة في حق الدفع لا في حق الإثبات، كما إذا غاب الحي يجعل حيًا في الدفع حتى لا يورث ماله، واحتمال موته لا يقدح في هذا الأصل، ولو مات قريب حاضر لا يرث الغائب المفقود، ويعتبر احتمال موته؛ لأن الحاجة إلى إثبات المال له فلا يكتفي بالأصل، فكذلك هاهنا الأصل في النصوص التعليل نظرًا إلى الدليل؛ لأن النص حجة من حجج الله تعالى، وكذلك العقل حجة من حجج الله تعالى، والأصل أن يكون في حجج الله تعالى الموافقة لا المخالفة، ونعني بكون النصوص في

стр. 1532

الأصل معلولة كونها موافقة للعقل، فكان التعليل هو الأصل فيها لهذا فلا يترك هذا الأصل لاحتمال كونها غير معلولة ولا يكون حجة في الفرع للإثبات بكونها أصلًا في التعليل؛ لأن الحجة إلى الإثبات فلابد من دليل هو حجة ملزمة. (مع قيام الاختصاص في بعض الأمور) مثل النكاح بغير مهر وحل تزوج التسع وحل صوم الوصال. (فأما هاهنا فإن النصوص نوعان: معلول وغير معلول). فإن قلت: فلم لا يصح أن يقال في أفعال النبي ﵇ إنها أيضًا على نوعين: ما يقتدى به، وما لا يقتدى به كحل تزوج التسع وغيره مثل ما ذكر ذلك في النصوص بأنها نوعان مع أن النصوص المعلولة أكثر من نصوص غير معلولة، فكذللك في أفعال النبي ﵇ وإن كانت أفعاله التي يتبع فيها أكثر من أفعاله التي لا يتبع فيها لما أن القلة أو الكثرة غير مانعة من القول

стр. 1533

بالتنويع كما في النصوص على ما ذكرنا. قلت: إنما لا يصح ذلك في أفعال النبي ﵇؛ لأن القول بالتنويع إنما يصح إذا كانت الأصالة ثابتة في الطرفين جميعًا وصح ذلك في النصوص، فإن احتمال كون النص غير معلول ثابت في كل نص مثل احتمال كونه معلولًا فيكون هذا بمنزلة المجمل فيما يرجع إلى الاحتمال، والعمل بالمجمل لا يكون إلا بعد قيام دليل هو بيان فكذلك تعليل النصوص، وأما النبي ﵇ فما بعث إلا ليأخذ الناس بهديه، فكان الاقتداء به هو الأصل، وإن كان قد يجوز أن يكون هو مخصوصًا ببعض الأشياء والخصوصية في حقه في ذلك الشيء بمنزلة دليل التخصيص في العموم، والعمل بالعام مستقيم حتى يقوم دليل التخصيص، فكذلك الاقتداء به في أفعاله، ولأن الدليل الموجب لعلم اليقين قد قام على جواز الاقتداء به مطلقًا، وهو قوله تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) وههنا الدليل هو صلاحية الوصف الموجود في النص، وذلك إنما يعلم بالرأي، فلا ينعدم به احتمال كون النص غير معلول. والدليل الواضح في الفرق بينهما هو أن كون النص غير معلول مثل كونه معلولًا فيما يرجع إلى معنى الابتلاء، بل الابتلاء بالنص الذي هو غير معلول أظهر بالنسبة إلى النص الذي هو معلول، فلما تحققت المساواة بينهما في معنى الابتلاء صح أن يقال: النصوص على نوعين: معلولة، وغير معلولة.

стр. 1534

وأما أفعال النبي ﵇ فالتي خصت به مع التي لم تخص به لم يتساويا لظهور أصالة أفعال التي يقتدي هو فيها بالدليل القطعي على ما ذكرنا، فلما لم يظهر أصالة كلا الطرفين على السواء لم يصح أن يقال: أفعال النبي ﵇ على نوعينن، بل الأصل هو كون أفعاله التي يقتدي هو فيها. وأما أفعاله التي لا يقتدي هو فيها بمنزلة دليل التخصيص في العموم على ما ذكرنا، ولأن حال النبي ﵇ لم يختلف في كونه مقتدى به؛ لأنه لا يوجد نبي غير مقتدى به، ويمكن أن يقال يوجد نص غير معلول، فلما كان كذللك لم يحتج في أفعال النبي ﵇ إلى إقامة الدليل في أنه فيه مقتدى به أم لا؟ واحتج في النصوص إلى الدليل بأن هذا النص معلول بعلة. (ومثال هذا الأصل) أي الأصل الذي قلنا وهو أن لا يكتفي بأن الأصل في النصوص كونها معلولة بل يحتاج إلى إقامة الدليل في كل نص على حدة بأنه معلول. (إن حكم النص في ذلك معلول) أي حكم النص الذي هو الربا في المذكور وهو الذهب والفضة معلول بالوزن. (على أن النص بعينه معلول) أي هذا النص المعين معلول بالوزن،

стр. 1535

والنص هو قوله ﵇: "الذهب بالذهب يداَ بيد". (تضمن حكم التعيين) أي حكماَ هو التعيين, وهذا من قبيل إضافة العام إلى الخاص كعلم النحو. (وذلك من باب الربا) أي اشتراط التعيين من أنواع أحكام الربا أي يلزم من تفويته شبهة الربا وهي النسيئة وهي حرام. (ألا ترى أن تعيين أحد البدلين) إلى آخره. هذا لإيضاح أن التعيين من باب الربا, فإن تعيين احد البدلين (شرط جواز كل بيع) ليتعين به المبيع, وتحصيل المبيع قبل العقد وتعيينه شرط جواز كل بيع. (احترازاَ عن شبهة الفضل الذي هو ربا)؛ لأن للنقد مزية على النسيئة عرفاَ وعادة, وأيد هذا المعنى قول النبي غليه السلام: "إنما الربا في النسيئة" والتأكيد بالحصر راجع إلى استدامة الربا في وجود الوصفين أو

стр. 1536

الوصف الواحد, فإن حرمة النسيئة ثابتة عند وجود القدر والجنس أو عند وجود أحدهما بخلاف ربا الفضل إنما هو عند وجود القدر والجنس لا غير. فأما إذا كانا نسيين فلا ربا بينهما؛ لأنهما متساويان, لكن لا يجوز ذلك لكونه ربا؛ بل الحديث: "نهى عن بيع الكالي بالكالي" لكون العقد غير مفيد شيئا فكان في معنى العبث وهو حرام, أو لأن وجود المبيع وتعينه قبل عقد البيع شرط صحة العقد (وقد وجدنا هذا الحكم) وهو اشتراط التعيين (متعدياَ عنه) أي عن اشتراط تعيين الذهب والفضة بالإجماع إلى تعيين الطعام في بيع الطعام بالطعام عند الشافعي. (بشعير بغير عينة) أي نسيئة. (لما قلنا) أي من تعيين الآخر أنه شرط احترازاَ عن شبهة الفضل الذي هو ربا. فعلم بهذه الجملة أن حكم النص متعد, لأنا لا نعني بالتعليل سوى أن هذا الحكم موجود في غير هذا النص بالتعليل, وقد يوافق لذلك حكم النص والإجماع, وذلك دليل صحة التعليل, وبهذا يخرج الجواب لقول من يقول بأن الحكم فيما ذكر من الأمثلة جاز أن يثبت بالنصوص؛ لأنا نقول: هذا لا يضرنا؛ لأن حاجتنا إلى إثبات أن هذا الحكم غير مقتصر على المنصوص

стр. 1537

عليه وهو بيع الثمن بالثمن, وقد دللنا على عدم الاقتصار على المنصوص عليه فيتفتح علينا باب التعدي, فحينئذ كان ما ورد من النصوص موافقاَ للتعليل. (وإذا ثبت التعدي فى ذلك ثبت أنه معلول) يعني أن حكم النص وهو التعيين في نص الذهب بالذهب والفضة بالفضة لما لم يكن مخصوصاَ بهذه الأشياء التي هي أثمان على أن حكمه وهو التعيين لم ينشأ من الثمينة, فلم تكن الثمينة مانعة بدليل ثبوت هذا الحكم في غير هذا النص. فعلم بهذا أنه معلول؛ لأنه لا يتعدى بدون التعليل, والشافعي علل بالثمينة ليكون ذلك مانعاَ من إلحاق غيره به, وبما ذكرنا يظهر ضعف قوله. (فإذا ثبت فيه ثبت في مسألتنا) أي فإذا ثبت التعليل باشتراط التعيين في حديث الذهب والفضة بما عللنا بالقدر والجنس. (لأنه هو بعينه ربا) أي التعليل بالقدر والجنس يوجب المساواة, فعند فوتها يلون الربا لفوات القدر بفوت المساواة (بل ربا الفضل أثبت منه) أي ربا الفضل أقوى رباَ من ربا النسيئة؛ لأن ربا النسيئة ربًا من حيث المعنى وهو أن النقد حير من النسيئة, وهو ربا من حيث المعنى, وربا الفضل ربا حقيقة ومعنى؛ لأن مناَ من الدهن منين منه رباَ حقيقة ومعنى, فكان هو أقوى في كونه رباَ, فلما ثبت ربا النسيئة بقوله ﵇: "يداَ بيد" في حديث الذهب والفضة فلأن يثبت ربا الفضل فيه أولى, ويلزم من هذا أن يكون قوله

стр. 1538

عليه السلام: "الذهب بالذهب يداَ بيد" أن يكون معلولاَ بالوزن الذي ينشأ منه المساواة؛ لأن المساواة في الوزن انتفاء حقيقة الفضل وبالنقد تنتهي شبهة الفضل, فلما وجب نفي شبهة الفضل وبالنقد وجب عليه نفي حقيقة الفضل بالوزن المستوي بالطريق الأولى. (فإن النص أوجب تحريم الخمر لعينها) وعينها لا توجد في سائر الأشربة, فكيف يتعدى حكمها إلى سائر الأشربة, (وليست حرمة سائر الأشربة ونجاستها من باب التعدي) هذا جواب لقولهم: إن حكم الخمر في حق حرمة الشرب والنجاسة قد تعدى منها إلى سائر الأشربة فيجب أن يتعدى حكمها إلى الأشربة في حق الحد أيضاَ. قلنا: إنما تثبت حرمتها ونجاستها بدلائل فيها شبهة من أخبار الآحاد , والحرمة مما تثبت بالشبهات بخلاف الحد , مع أن القياس لا يجري في الحدود, ولأن وجوب الحد في سائر الأشربة لو كان بطريق التعدي من الخمر إليها لوجب على وفاق ما وجب في الخمر ولم يجب كذلك , وإن الحد يجب في الخمر بشرب قطرة منها, وفي سائر الأشربة لا يجب ما لم يسكر. (ومثال هذا الشاهد) إلى آخره أي مثال ما ذكرنا من المسألتين. أعني مسألة الذهب بالذهب ومسألة الشاهد في صفتيه أعنى الجهل ببعض أحكام

стр. 1539

الشرع وصفة الرق فإنه لما قبلت شهادته مع صفة الجهل ببعض أحكام الشرع بطل الطعن بالجهل, وتقييدنا بالجهل ببعض أحكام الشرع يفيد في حق الشاهد المسلم؛ لأنه لو كان جاهلاَ بجميع حدود الشرع كان جاهلاَ بأشرف حدود الشرع وهو الإيمان, فلا تقبل شهادته حينئذ على المسلم. أما لو كان الشاهد كافراَ يشهد الكافر فهو مجرى على ظاهر قوله مع صفة الجهل بحدود الشرع , فإنه إن لم يعلم بحدود الشرع كلها تسمع شهادته على الكافر. وحاصلة أن الشاهد (لما قبلت شهادته مع صفة الجهل بحدود الشرع بطل الطعن بالجهل) يعني أن الشاهد إذا كان حراَ عاقلاَ بالغاَ عدلًا قبلت شهادته وإن كان جاهلاَ بحدود الشرع , وبطل طعن الخصم بأنه جاهل بحدود الشرع لما أنه تقبل شهادته مع ذلك , فكذلك ها هنا أن نص الشافعي لتعليلنا بالوزن بتعليله بالثمينة يعني أن الجهل بحدود الشرع كما لا يصلح أن يكون مانعاَ لقبول الشهادة كذلك التعليل بالثمينة أيضاَ لا يصلح أن يكون مانعاَ من التعليل بالوزن الذي هو شهادة النصوص. وأما لو وقع طعن الخصم في الشاهد بالرق صح هذا الطعن منه ويحتاج المدعى إلى إقامة البنية على حرية الشهود, ولا يسمع منه الاستدلال بكون الأصل في الآدمي هو الحرية , فكذلك لا يسمع من الشافعي دعواه بأن نص

стр. 1540

الخمر معلول بمخامرة العقل أي بتغطيه , فيتعدى حكمها إلى سائر الأشربة في وجوب الحد والحرمة. لما أن الأصل في النصوص التعليل ما لم يقم الدليل على انه في الحال معلول بالإجماع بعلة من العلل ولا يتمكن من ذلك لما أن حرمة الخمر ثابتة لعين الخمر ولا يوجد في سائر الأشربة , فلذلك لا يثبت حكمها في سائر الأشربة وهو معنى قوله: "فكذلك هاهنا لا يصح العمل به مع الاحتمال إلا بحجة" أي في مسألة الخمر لا يتمكن الشافعي من أن يقول: إن الأصل في النصوص التعليل , فكان نص الخمر معلولاَ عملاَ بالأصل كما لا يجوز التمسك بالأصل للمدعي إذا طعن شاهده بالرق بأن يقول هو حر؛ لأن الأصل في بني آدم الحرية , وهذا هو التفسير الواضح المعول عليه.

стр. 1541

باب شروط القياس (أن لا يكون الأصل مخصوصاَ بحكمه بنص آخر) المراد من الأصل المقيس عليه , وهو شهادة خزيمة بن ثابت ﵁ مثلاَ , فإن ذلك الأصل , وهو شهادة خزيمة منفرد , ومخصوص بحكمه , وهو قبول شهادته منفرداَ كرامة له بنص آخر , وهو قوله ﵇: "من شهد له خزيمة حسبه" إذ لو تعدى منه إلى غيره يبطل الاختصاص في حقه. وإنما ذكر قوله: آخر" بسبب مقابلة النص العام الذي يقتضي العدد من الشهود في سائر الشهادات , فصار كأنه قال: اختص قبول شهادة خزيمة به بنص آخر من النص الذي يقتضي العدد على ما ذكر بعد هذا في الكتاب بقوله: إن الله تعالى شرط العدد في عامة الشهادات أي في قوله: (وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) وقوله تعالى: (واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ) إلى

стр. 1542

قوله: (وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا) وذلك تنصيص على أدنى ما يكون من الحجة لإثبات الحق إنما يكون بالعدد من الشهود , وخزيمة ممن يتناوله العموم , ثم خص رسول الله ﵇ خزيمة بقبول شهادته وحده , وكان ذلك حكما ثبت بالنص اختصاصه به كرامة له , فلم يجز تعليله أصلاَ حتى لا يثبت ذلك الحكم في شهاد غير حزيمة ممن هو مثله أو دونه أو فوقه في الفضيلة؛ لأن التعليل يبطل خصوصيته , وقصة شهادة خزيمة ﵁ هي ما ذكره في أوائل شهادات (المبسوط) فقال: "روي أن النبي ﵇ اشترى ناقة من أعرابي وأوفاه ثمنها , ثم جحد العرابي استيفاء الثمن , وجعل يقول: وا غدراه هلم شهيداَ. فقال ﵇: " من يشهد لي؟ فقال خزيمة بن ثابت ﵁ أنا أشهد لك يا رسول الله أنك أوفيت الأعرابي ثمن الناقة , فقال ﵇: كيف تشهد لي ولم تحضرنا؟ قال: يا رسول الله إنا نصدقك فيما تأتينا به من خبر السماء أفلا نصدقك

стр. 1543

فيما تخبر به من أداء ثمن الناقة! فقال رسول الله ﵇: من شهد له خزيمة فحسبه". وقوله: (وأما الثالث) أي الشرط الثالث وهو قوله: "أن يتعدى الحكم الشرعي". إلى آخره. وقوله: (وفى هذه الجملة خلاف) , والإشارة في: (هذه) راجعة إلى الشرط الثالث لا إلى ما قبله فتأنيت الإشارة باعتباره صفتها وهى الجملة , وإنما سمي جملة؛ لأن الشرط الثالث مشتمل للأحكام الخمسة فكانت جملة. (وحل للنبي ﵇ تسع نسوة) إلى آخره. يعني وكذلك هذا المعنى في حل تسع نسوة لرسول الله ﵇؛ فإنه ثبت هذا الاختصاص؛ لرسول الله ﵇ بنص آخر وهو قوله (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ) وكان هذا بعد تزوج التسع؛ وتقييده بقوله (مِنْ بَعْدُ) يدل على حل

стр. 1544

قبله سوى النص العام الذي يقتضى الحصر على الأربع. وكذلك المعنى في السلم؛ لأن النص العام وهو وقوله ﵇: "لا تبع ما ليس عندك" يقتضي بعمومه عدم جواز السلم إذا المسلم فيه معدوما أيضاَ كسائر البياعات لكن بنص آخر. (وهو قوله ﵇: "من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" يثبت خصوصية جواز السلم وإن كان معدوماَ في حال البيع بصفة الأجل, فكان الأجل شرطاَ مخصوصاَ به, فلا يجوز تعليل هذا النص بأن السلم بيع كسائر البياعات فيجوز حالًا؛ لأن فيه إبطال خصوصية هذا الوصف الثابت بالنص بالسلم وذلك لا يجوز؛ لأن مثل هذا الكلام يقتضي حصر ما ذكرنا كما يقال: من دخل داري فليدخل غاض

стр. 1545

البصر، فهذا يقتضي عدم جواز الدخول إذا كان غير غاض البصر. وهذا لأن الأصل في جواز البيع اشتراط قيام المعقود عليه في ملك العاقد والقدرة على التسليم حتى لو باع ما لا يملكه ثم اشتراه فسلمه لا يجوز، ثم ترك هذا الأصل في السلم رخصة بالنص الذي ذكرنا لكن بطريق يقدر على التسليم عند وجوب التسليم عادةً، وذلك بأن يكون مؤجلا فلم يجز التعليل فيه حتى يجوز حالًا أيضًا كسائر البياعات، لأن ذلك الحكم خاص يثبت الخصوصية بالسلم بالنص فلا تبطل الخصوصية الثابتة بالنص بالتعديل. وقوله: (فلم يستقم إبطال الخصوص بالتعديل) أي لم يستقم إبطال خصوصية السلم بالأجل بالقياس على سائر البياعات كما أطبل الشافعي ذلك حيث جوز السلم الحال بالتعديل، فكان هذا الذي ذكره نفيًا لقول الشافعي ﵀. وهذا مما يعقل كرامة، لأن معنى الكرامة بالاختصاص إنما يظهر فيما يتوهم فيه الحرج بإلزامه إياه وذلك لا يتحقق في اللفظ فقد كان أفصح العرب، ولا يلحقه الحرج في لفظ النكاح والتزويج، فكان الموجب للتخصيص ملك البضع نكاحًا بغير مهر واختصاصه بالمرآة حتى لا تحل لأحد
следующие страницы →