← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

باب شروط القياس (أن لا يكون الأصل مخصوصاَ بحكمه بنص آخر) المراد من الأصل المقيس عليه , وهو شهادة خزيمة بن ثابت ﵁ مثلاَ , فإن ذلك الأصل , وهو شهادة خزيمة منفرد , ومخصوص بحكمه , وهو قبول شهادته منفرداَ كرامة له بنص آخر , وهو قوله ﵇: "من شهد له خزيمة حسبه" إذ لو تعدى منه إلى غيره يبطل الاختصاص في حقه. وإنما ذكر قوله: آخر" بسبب مقابلة النص العام الذي يقتضي العدد من الشهود في سائر الشهادات , فصار كأنه قال: اختص قبول شهادة خزيمة به بنص آخر من النص الذي يقتضي العدد على ما ذكر بعد هذا في الكتاب بقوله: إن الله تعالى شرط العدد في عامة الشهادات أي في قوله: (وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) وقوله تعالى: (واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ) إلى

стр. 1542

قوله: (وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا) وذلك تنصيص على أدنى ما يكون من الحجة لإثبات الحق إنما يكون بالعدد من الشهود , وخزيمة ممن يتناوله العموم , ثم خص رسول الله ﵇ خزيمة بقبول شهادته وحده , وكان ذلك حكما ثبت بالنص اختصاصه به كرامة له , فلم يجز تعليله أصلاَ حتى لا يثبت ذلك الحكم في شهاد غير حزيمة ممن هو مثله أو دونه أو فوقه في الفضيلة؛ لأن التعليل يبطل خصوصيته , وقصة شهادة خزيمة ﵁ هي ما ذكره في أوائل شهادات (المبسوط) فقال: "روي أن النبي ﵇ اشترى ناقة من أعرابي وأوفاه ثمنها , ثم جحد العرابي استيفاء الثمن , وجعل يقول: وا غدراه هلم شهيداَ. فقال ﵇: " من يشهد لي؟ فقال خزيمة بن ثابت ﵁ أنا أشهد لك يا رسول الله أنك أوفيت الأعرابي ثمن الناقة , فقال ﵇: كيف تشهد لي ولم تحضرنا؟ قال: يا رسول الله إنا نصدقك فيما تأتينا به من خبر السماء أفلا نصدقك

стр. 1543

فيما تخبر به من أداء ثمن الناقة! فقال رسول الله ﵇: من شهد له خزيمة فحسبه". وقوله: (وأما الثالث) أي الشرط الثالث وهو قوله: "أن يتعدى الحكم الشرعي". إلى آخره. وقوله: (وفى هذه الجملة خلاف) , والإشارة في: (هذه) راجعة إلى الشرط الثالث لا إلى ما قبله فتأنيت الإشارة باعتباره صفتها وهى الجملة , وإنما سمي جملة؛ لأن الشرط الثالث مشتمل للأحكام الخمسة فكانت جملة. (وحل للنبي ﵇ تسع نسوة) إلى آخره. يعني وكذلك هذا المعنى في حل تسع نسوة لرسول الله ﵇؛ فإنه ثبت هذا الاختصاص؛ لرسول الله ﵇ بنص آخر وهو قوله (لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ) وكان هذا بعد تزوج التسع؛ وتقييده بقوله (مِنْ بَعْدُ) يدل على حل

стр. 1544

قبله سوى النص العام الذي يقتضى الحصر على الأربع. وكذلك المعنى في السلم؛ لأن النص العام وهو وقوله ﵇: "لا تبع ما ليس عندك" يقتضي بعمومه عدم جواز السلم إذا المسلم فيه معدوما أيضاَ كسائر البياعات لكن بنص آخر. (وهو قوله ﵇: "من أسلم منكم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" يثبت خصوصية جواز السلم وإن كان معدوماَ في حال البيع بصفة الأجل, فكان الأجل شرطاَ مخصوصاَ به, فلا يجوز تعليل هذا النص بأن السلم بيع كسائر البياعات فيجوز حالًا؛ لأن فيه إبطال خصوصية هذا الوصف الثابت بالنص بالسلم وذلك لا يجوز؛ لأن مثل هذا الكلام يقتضي حصر ما ذكرنا كما يقال: من دخل داري فليدخل غاض

стр. 1545

البصر، فهذا يقتضي عدم جواز الدخول إذا كان غير غاض البصر. وهذا لأن الأصل في جواز البيع اشتراط قيام المعقود عليه في ملك العاقد والقدرة على التسليم حتى لو باع ما لا يملكه ثم اشتراه فسلمه لا يجوز، ثم ترك هذا الأصل في السلم رخصة بالنص الذي ذكرنا لكن بطريق يقدر على التسليم عند وجوب التسليم عادةً، وذلك بأن يكون مؤجلا فلم يجز التعليل فيه حتى يجوز حالًا أيضًا كسائر البياعات، لأن ذلك الحكم خاص يثبت الخصوصية بالسلم بالنص فلا تبطل الخصوصية الثابتة بالنص بالتعديل. وقوله: (فلم يستقم إبطال الخصوص بالتعديل) أي لم يستقم إبطال خصوصية السلم بالأجل بالقياس على سائر البياعات كما أطبل الشافعي ذلك حيث جوز السلم الحال بالتعديل، فكان هذا الذي ذكره نفيًا لقول الشافعي ﵀. وهذا مما يعقل كرامة، لأن معنى الكرامة بالاختصاص إنما يظهر فيما يتوهم فيه الحرج بإلزامه إياه وذلك لا يتحقق في اللفظ فقد كان أفصح العرب، ولا يلحقه الحرج في لفظ النكاح والتزويج، فكان الموجب للتخصيص ملك البضع نكاحًا بغير مهر واختصاصه بالمرآة حتى لا تحل لأحد

стр. 1546

بعده، لأنه يحرج في لزوم المال ويتأذى يكون الغير شريكًا له في فراشه من حيث الزمان، وعليه دل قوله تعالى: (ومَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا) وإنما قلنا: إن اختصاصه ملك البضع نكاحًا بغير مهر، لأنه ذكر فعل الهبة، وذلك يقتضي مصدرًا مؤنثًا وهو هبة. وقوله: (خالصة) صفة ذلك المصدر أي إن وهبت نفسها للنبي هبة خالصة بدليل قوله: (قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ) حيث ذكر علمه بفرضه عليهم على العموم وهو عبارة عن وجود الفرض عليهم ولزومه، فكان اختصاصه في حق عدم الفرض عليه وعدم لزومه. وقد أبطلنا التعليل من حيث ثبت كرامة، لأنا لو عللنا كان متعديًا منه إلى غيره فحينئذ لم يبق الاختصاص ولم يبق الكرامة، لأن كرامته إنما كانت بسبب الاختصاص. (والتقوم عبارة عن اعتدال المعاني) وذلك لأن قيمة الشيء هي التي تقوم مقام ذلك الشيء، والذي يقوم مقام غيره إنما يكون أن لو كان معادلًا في

стр. 1547

المعنى كقيمة الثوب تقوم مقام الثوب فيه المالية، وإن كانت لا تعادله في الصورة، فكذلك قيم جميع الأشياء، فالعين مع العرض لا يعتدلان في المعنى، لأن العين ما يستغني في وجوده عن المحل، والعرض ما يفتقر في وجوده إلى العين، وهو معنى قوله: (وبين العين والمنافع تفاوت في نفس الوجود)، لأنهما يتفاوتان في وجودهما بين السلب والإيجاب كما ذكرنا أن العين لا يفتقر إلى المحل في وجوده والعرض يفتقر، ولأن العين يبقى والعرض لا يبقى، فكان بينهما تفاوت فاحش فلا يمكن التعديل بينهما في المعاني، والقيمة عبارة عن اعتدال المعاني، وقد ثبت انتفاء الاعتدال بينهما بما ذكرنا، فكان ثبوت المالية والتقويم في المناع بالعقد حكمًا خاصًا ثبت بالنص غير قابل للتعديل. فلذلك قلنا: إن تقومها في العقد لا يتعدى منه إلى الغصب فلم تضمن المنافع بالإتلاف والغصب، وهذا لأن تقومها في باب العقد للحاجة والضرورة وهو نظير حل الميتة عند المخمصة، فإن ثبوته لما كان بطريق الضرورة لم يجز تعليله لتعدية الحكم إلى محل آخر فكذلك ها هنا. (فلا يصلح إبطال حكم الخصوص بالتعليل)، أي لما ثبت تقوم المنافع في باب العقد بطريق الخصوص لا يجوز إبطال خصوصيته بالتعليل بأن يقال لما ثبت تقوم المنافع في باب العقد يجب أن يثبت تقومها في باب العدوان، لأن ذلك أمر خاص بباب العقد فيبطل خصوصيته بالتعليل.

стр. 1548

(ومثال الثاني: من الشروط) وهو أن لا يكون حكم الأصل معدولا به عن القياس (إن أكل الناسي معدول به عن القياس) يعني إن الحكم ببقاء الصوم عند أكل الصائم ناسيًا حكم ثبت مخالفًا للقياس (وهو فوات القربة بما يضاد ركنها)؛ وهو؛ أي القياس أن تفوت القرية بالإتيان بالشيء الذي هو يضاد القربة كالأكل يضاد الصوم، (وهو القياس الصحيح)، لأن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه سواء كان فوات الركن ناسيًا أو عامدًا، كما إذا ترك السجدة الأصلية ناسيًا حيث تف سد صلاته. (وثبت حكم النسيان بالنص) أي ثبت بقاء صوم الآكل ناسيًا بنص قوله ﵇: "تم على صومك فإنما أطعمك الله وسقاك". (معدولا به عن القياس لا مخصوصًا من النص) يعني أن ظاهرة قوله ﵇: "الفطر مما دخل" يقتضي فساد الصوم ب الأكل والشرب ناسيًا إلا أنه لم يقصد بذلك الحديث الذي روينا فيتوهم من هذا الوجه أنه مخصوص من قوله: "الفطر مما دخل" فأمكن تعليل المخصوص ليتعدى الحكم منه إلى غيره

стр. 1549

بعلة جامعة بينهما وهي أن كلا من الناسي والخاطئ غير قاصد للفطر بالأكل والشرب، والنص المخصوص يعلل. فرد ذلك الوهم بهذا فقال: "إن بقاء صوم من أكل ناسيًا إنما ثبت معدولًا به عن القياس"، وهو جعل الآكل غير الآكل وهو مخالف للقياس الظاهر فلما جعل الناسي غير آكل لم يتناوله قوله ﵇: "الفطر مما دخل" حتى يخص منه الناسي بذلك الحديث، بل كان بقاء صومه مخالفًا للقياس من كل وجه، فلا يقاس عليه الخاطئ والمكره لذلك. (فيصير التعليل حينئذ لضد ما وضع له) أي تعليل النص الذي ثبت حكمه مخالفًا للقياس لضد ما وضع له التعليل، لأن التعليل إنما يكون لإثبات القياس ببقاء صوم الخاطئ، والقياس يقتضي فساده لوجود الأكل منه حقيقة، فلذلك قلنا: لو عللنا كان التعليل حينئذ لضد ما وضع له، لأن القياس في أكل الناسي يقتضي ثبوت الفطر لوجود الأكل، فالتعليل لبقاء صومه بسبب أنه لم يقصد الأكل ليلحق به الخاطئ كان التعليل لضد ما وضع له وهو باطل، لأن من المحال أن يكون ما هو الموجب للحركة هو الموجب للسكون، لأن بقاء الصوم مع فوات الصوم ضدان، والذي هو موجب لثبوت أحدهما لا يصلح أن يكون موجبًا للآخر كالنص النافي للحكم لا يجوز أن يكون مثبتًا لذلك الحكم.

стр. 1550

(ولم يثبت هذا الحكم في مواقعة الناسي بالتعليل) هذا جواب لقولهم: بل يجري في بقاء صوم الناسي لآكله التعليل. ألا ترى أن الصائم إذا واقع ناسيًا يبقى صومه أيضًا بالقياس على من أكل ناسيًا لما أن النص لم يرد في الواقع فرد بهذا ذلك القياس فقال: لم يثبت ذلك بالقياس بل بدلالة النص لما أن الوارد في الأكل والشرب وارد في الواقع معنى، وقد مر وجهه في بيان الدلالة، فكان هذا نظير قوله ﵇ للمستحاضة: "توضئي لوقت كل صلاة"، ثبت بهذا الحديث عدم انتقاض الطهارة في الوقت بدم الاستحاضة وهذا حكم ثابت بخلاف القياس، ومع هذا ثبت مثل هذا الحكم في صاحب الجرح السائل ونظائره بدلالة النص لا بالقياس، لأن كل واحد منها نظير الآخر من كل وجه فورود النص في واحد منها كان ورودًا في الآخر. (ألا تري أن معنى الحديث لغة أن الناسي غير جان على الصوم ولا على الطعام) بسبب وجود الفعل منه بطريق النسيان فيما لا مذكر له للعبادة، والطعام ملكه، وهذا لبيان أن الحكم في الوقائع ثابت بدلالة النص، لأن من سمع قوله ﵇: "تم على صومك" الحديث يفهم أن هذا الفعل ليس بجناية، لأنه أمر بإتمام الصوم كمن لا يوجد منه هذا الفعل، وكذلك آخر الحديث يفهم أن هذا الفعل ليس بجناية، لأنه أمر غير جان، لأن النبي عليه

стр. 1551

السلام أخبر: "أن الله تعالى هو المطعم والساقي" فصاحب الطعام إذا أطعم لا يكون الطاعم جانيًا على طعامه، وكذلك هذا المعنى في الشرب وهذا المعنى بعينه من غير تفاوت موجودً في الواقع أعني أنه ليس بجان على الصوم، لأنه صدر منه هذا الفعل بإنسياء الله تعالى ولا على المرأة، لأنها منكوحته، وفي درك هذا المعنى يستوي الفقيه وغير الفقيه، فكان ثابتًا بدلالة النص يعنى أن عبارة النص تدل بمعناها اللغوي الذي يفهمه كل من يعرف العربية على ثبوت هذا الحكم في غير المنصوص عليه وهو المعنى بدلالة النص فيكون ثابتًا بالنص لا بالتعليل، فأما الخطأ والكره والنسيان فليست بسواء، لأن النسيان لا يمكن الاحتراز عنه، وهو من قبل من له الحق خلقه من غير اختيار العبد فصار عفوا. وأما الخطأ فما يمكن الاحتراز عنه فوقوعه بضرب من تقصيره وهو ذاكر للصوم فلا يمكن التسوية بينه وبين النسيان، والكره جاء لا من قبل من له الحق، والمكره في الإقدام على ما أكره مختار وهو ذاكر للصوم. ألا ترى أن العزيمة أن لا يقدم على الإطار ويثاب في الصبر عليه، وحاصله أن سبب العذر في النسيان لما كان ممن له الحق على وجه لا صنع للعباد فيه على ما أشار إليه النبي ﵇ في قوله: "إنما أطعمك الله وسقاك" استقام أن يجعل الركن باعتباره قائمًا حكمًا، فأما في المكره والنائم والخاطئ فسبب العذر جاء من جهة العباد.

стр. 1552

والحق في أداء الصوم لله تعالى، فلم يكن هذا في معنى سبب كان ممن له الحق. ألا ترى أن المريض يصلي قاعدًا ثم لا تلزمه الإعادة إذا برأ، والمقيد يصلي قاعدًا ثم تلزمه الإعادة إذا رفع عند القيد، وعلى هذا قال أبو حنيفة ومحمد -رحمهما الله-: الذي شج في صلاته لا يبنى بعد الوضوء والذي ابتلي بقيء أو رعاف يبنى على صلاته بعد الوضوء لما أن ذلك حكم معدول به عن القياس فلم يجز التعليل فيه، وما يبتنى على صنع العباد ليس نظير ما لا صنع للعباد فيه من كل وجه فلا يتقاسمان. (وكذلك ترك التسمية على الذبيح ناسيًا جعل عفوًا بالنص معدولًا به عن القياس) فلا يقاس العامد عليه لما ذكرنا أن في ذلك جعل التعليل لضد ما وضع له، ولا يمكن أن يقال فيه بالدلالة، لأنه لا مساواة بينهما فالناسي معذور غير معرض عن ذكر اسم الله تعالى، والعامد جان معرض عن ذكر اسم الله تعالى على الذبيحة. (وأما المستحسنات) إلى آخره جواب سؤال مقدر وهو أن يقال: قد قلت أن ما ثبت معدولًا به عن القياس لا يحتمل التعديل، والمستحسنات هي ما ثبتت بخلاف القياس، ومع ذلك كان البعض منها قابلًا للتعليل؟

стр. 1553

فأجاب المصنف ﵀ عن هذا وقال: فمن المستحسنات (ما ثبت بقياس خفي لا معدولًا به) عن القياس، فلذلك جاز تعليل ذلك البعض. (وأما الأصل إذا عارضه أصولً فلا يسمى معدولًا) به عن القياس يعني أن المعنى الذي يتعلق به الحكم إذا عارضه معان أخر لا يكون معدولًا به عن القياس بل هو من باب الترجيح وأورد النظير في هذا ما قال علماؤنا ﵏ في مسح الرأس: أنه مسح فلا يسن تثليثه عارض هذا المعنى معنى آخر وهو كونه ركنًا في الوضوء هذا قول قيل فيه، لكن إطلاق لفظ الأصل ولفظ الجمع في الأصول يقتضي أن يراد به كثرة المقيس عليه. والأولى فيه أن يقال: مثال ذلك ما قال الشافعي في مسح الرأس إنه ركن في الوضوء فيسن تثليثه. قلنا: إنه مسح فلا يسن تثليثه ويعارض لما ذكره الشافعي أصول كثيرة من مسح التيمم ومسح الفخ ومسح الجورب ومسح الجبيرة، وهذه الكثرة التي ذكرنا إن لم توجب كون ما ذكره الشافعي معدولًا به عن القياس لكن توجب الترجيح لما قلنا على ما ذكر في الكتاب بقوله: (ولكنه يصلح للترجيح). فإن قلت: هذا الذي ذكرته من قبيل قوة ثبات الوصف على الحكم.

стр. 1554

قلت: لا تنافي بينهما فإن لهذا الوصف وهو كون مسح الرأس مسحًا له أثر قوة الثبات على الحكم وأثر الأصول فيستدل في كل موضع ب ما يشهد هو له. وقوله: "ولكنه ربما يصلح للترجيح"، (على مثال ما قلنا في عدد الرواة) يعني أن خبر المشهور راجح على الآحاد باعتبار أن الخبر إنما صار حجة بواسطة الاتصال برسول الله ﵇، وبكثرة الرواة تثبت قوة الاتصال فيترجح، فكذلك ها هنا تثبت حجية الوصف باعتبار ظهور الأثر، فمتى تثبت لوصف كثرة التأثير كان هو أقوى من وصف له قلة التأثير. (وهذا الشرط واحد تسمية) أي بالنظر إلى قوله: "والشرط الثالث" أو بالنظر إلى وصف التعدي فإنه شيء واحد، ومجموع كل من التفصيل راجع إلى وصف التعدي. والدليل على صحة التأويل الأول ما ذكره شمس الأئمة ﵀ بقوله: وهو شرط واحد اسما. والدليل على صحة التأويل الثاني ما ذكر في "التقويم" في هذا الموضوع بقوله: وأما فصل تعدي الحكم إلى آخره (وجملة تفصيلًا) أي أصول

стр. 1555

كثيرة من حيث التفضيل. والدليل على هذا التأويل ما ذكره شمس الأئمة ﵀ بقوله: هو شرط واحد اسمًا ولكن يدخل تحته أصول. وقوله: (ولهذا قلنا) إيضاح لقوله: (أن يكون الحكم المعلول شرعيًا لا لغويا) أي ولذلك قلنا: إن تعليل الشافعي في استعمال ألفاظ الطلاق في باب العناق باطل، فإنه يقول: إذا قال الرجل لامرأته: أنت حرة ونوى به الطلاق فإنها تطلق بالإجماع فيجب على قياس ذلك أن المولى إذا قال لأمته: أنت طالق ونوى به الحرية أن يصح ذلك وتعتق. قلنا: هذا باطل، لأن التعليل شرع لإثبات حكم شرعي، وإنما هذا من باب استعارة الألفاظ بعضها لبعض وذلك من باب اللغة، ثم قلنا: إن ذلك الذي ذكره لم يصح من حيث الاستعارة أيضًا، لأن الاستعارة إنما تصح عنه المشابهة بين المستعار منه وبين المستعار له في الوصف الخاص، ولا مشابهة بين العناق والطلاق في الوصف الخاص، لأن الإعتاق عبارة عن إحداث القوة التي يحصل بها صفة المالكية.

стр. 1556

والطلاق عبارة عن إزالة المانع من الانطلاق، ولا مشابهة بين إحداث القوة وإزالة المانع فلا تصح الاستعارة. وأما استعمال لفظ التحرير في الطلاق فليس ذلك عندنا للمشابهة معنى بل باعتبار أن ما يزيل الرقبة كان سببًا لزوال ملك المتعة فلا يكون سببًا لإزالة ملك الرقبة فلا يصلح كناية عنه. وقوله: (وكذلك جواز النكاح بألفاظ التمليك كالهبة والبيع واستعارة كلمة النسب للتحرير) كما إذا قال لعبده: هذا ابني أي كان باطلًا، لأنه معطوف على ما قبله، وفيه لفظ البطلان، وكذلك ذكر شمس الأئمة ﵀ فقال: وكذلك الاشتغال بالقياس لإثبات الاستعارة في ألفاظ التمليك للنكاح يكون اشتغلًا بما لا معنى له. فإن قلت: ما وجه ذكر البطلان في هاتين المسألتين مع أن علماءنا ﵏ اتفقوا على جواز المولى إذا قال لعبده: هذا ابني، وهو ممن يولد مثله لمثله يعتق بالاتفاق؟ قلت: ذكر البطلان في هاتين المسألتين من حيث المقايسة بأن يقال: لما جاز

стр. 1557

النكاح بلفظ النكاح والتزويج وجب أن يجوز بألفاظ التمليك بالقياس عليه، وكذلك في قياس لفظ النسب على لفظ التحرير لا من حيث ذكر السبب وإرادة المسبب بطريقه الكناية على ما صرح به الإمام شمس الأئمة ﵀ في "المبسوط"، وقي "أصول الفقه" فقال في باب الهبة من نكاح "المبسوط": والمعنى فيه أن هذا ملك يستباح به الوطء فينعقد بلفظ الهبة والتمليك كملك اليمين، ثم قال: وهذا كلام على سبيل الاستدلال لا على سبيل المقايسة، لأن صلاحية اللفظ كناية عن غيره ليس بحكم شرعي ليعرف بالقياس بل طريق معرفة ذلك النظر في كلام أهل اللغة، وهذا إشارة إلى مذهبهم في الاستعارة، لأنهم يستعيرون اللفظ لغيره لاتصال بينهما من حيث السببية كما قال: (إني أراني أعصر خمرا) أي عنبًا، فبالعصر يصير خمرًا، وكذلك النبات يسمى سماء، لأنه نبت بسبب المطر الذي ينزل من السحاب- فالعرب تسمى السحاب سماءً- فإذا ثبت هذا فنقول: هذه الألفاظ سبب لملك الرقبة وملك الرقبة في محل ملك المتعة موجب لملك المتعة فللاتصال بينهما سببًا يصلح هذا اللفظ كناية عن ملك المتعة. وذكر في عتق "المبسوط" وإن قال: هذا ابني ومثله يولد لمثله يعتق ويثبت نسبه منه، لأن المحل لما كان قابلًا للنسب وهو محتاج إلى النسب يثبت نسبه

стр. 1558

منه والنسب لا يثبت مقصورًا على الحال بل إنما يثبت من وقت العلوق، فتبين أنه ملك ولده فعتق عليه، وكذلك لو كان نسبه معروفا من الغير يعتق عليه وإن لم يثبت نسبه، لأنه مكذب شرعًا فيه حتى ثبت نسبه من الغير، ولكن هذا التكذيب في حكم النسب دون العتق فهو في حكم العتق بمنزلة من لا نسب له فإن المرء مؤاخذ بزعمه، وفي زعمه أنه عتق عليه من وقت العلوق فيصدق فيه. وذكر صاحب الكتاب في باب الحقيقة والمجاز أنه يعتق ها هنا عملًا بحقيقته دون مجازه، لأن ذلك ممكن، فالنسب قد يثبت من زيد، ويشتهر من عمرو فيكون المقر مصدقًا في حق نفسه. قلت: فعلم بهذا كله أن صحة النكاح بألفاظ التمليك وثبوت التحرير بلفظ النسب لم يكونا بالقياس، ولا بالاستعارة بل صحة النكاح بألفاظ التمليك بطريق التسبيب، وصحة التحرير بلفظ النسب بطريق التصديق، وما ذكر بلفظ الاستعارة في بعض ألفاظ "المبسوط" كان هو على طريق التوسع، وفي هذا السؤال الذي سألت عنه لشبهة وقعت فيك كنت متصفًا طول الزمان بصفتك، فانكشفت الشبهة وانزاحت الريبة بهذه الأجوبة المأخوذة من ال محال المعول عليها فاغتنمها. (وكذلك التعليل بشرط التمليك في الطعام). قاس الشافعي الطعام

стр. 1559

على الكسوة، وقال في باب الكسوة: لا تصح بدون التمليك كذا في الطعام. (فلا يكون ما يعقل بالكسوة حكمًا شرعيًا)، لأن ما يعقل بالكسوة عين الكسوة فالنص يقتضي أن تكون الكفارة عين الثوب ولم يصر عين الثوب كفارة إلا بالتمليك فيثبت التمليك ضرورة وما يعقل بالكسوة وهو الثوب لغوي لا شرعي. وذكر الإمام شمس الأئمة ﵀: فأما الكسوة فهو عبارة عن الملبوس دون فعل اللبس ودون منفعة الثوب وعين الملبوس لا يصير كفارة إلا بالتمليك من المسكين، فأما الإلباس فهو تمكين من الانتفاع بالملبوس. (وكذلك التعليل لإثبات اسم الزنا للواطة واسم الخمر لسائر الأشربة) أي تعليل أبى يوسف ومحمد -رحمهما الله- نص الزنا لتعدية الحكم أو

стр. 1560

إثبات المساواة بينه وبين اللواطة يكون فاسدًا، لأن طريق معرفة الاسم النظر في موضوعات أهل اللغة لا الأقيسة الشرعية. وكذلك في سائر الأشربة سوى الخمر لا يجب الحد بشرب القليل ما لم يسكر، واشتغال الخصم بتعليل نص الخمر لتعدية الحكم أو لإثبات المساواة. ويقول إنما سمي الخمر خمرًا لمخمرتها العقل وهي موجودة في سائر الأشربة فكان قليلها حرامًا، ويجب الحد بشرب القليل عند محمد والشافعي في بعض الروايات كما في الخمر فاسد، لأن الكلام في إثبات هذا الاسم لسائر الأشربة. (والثاني: من هذه الجملة) أي من الشرط الثالث الذي هو مشتمل على الجمل (فإن حكم التعليل التعدية عندنا) فإن ثبتت التعدية يصح التعليل وإلا فيبطل لما أن شرعية الأسباب لأحكامها، فإذا لم تثبت الأحكام تبطل الأسباب كشرعية الشراء لإثبات الملك، وإذا أضيف إلى محل لا يقبله يلغو. (فيبطل التعليل بدونه) أي بدون التعدية فالتذكير لتأويل المذكور.

стр. 1561

(حتى جوز التعليل) بالثمنية، والثمنية مقصودة على الذهب والفضة. (مثل سائر الحجج)، والحجة ما أوجب الحكم، فبعد الإيجاب لا يخلو لو كانت الحجة عامة أوجبت الحكم على العموم وإن كانت خاصة أوجب الحكم على الخصوص، فكذلك ها هنا إن كان الوصف المؤثر خاصًا يثبت الحكم على الخصوص كالثمنية في الذهب والفضة، وإن كان الوصف عامًا يثبت الحكم على العموم كالطعم والجنس أو القدر والجنس، وهو معنى قوله: (بل يعرف ذلك بمعنى في الوصف). فإن قلت: لو كان تعليل الذهب والفضة بالثمنية باطلًا بسبب أنها تعليل بالعلة القاصرة لوجب أن يكون تعليل علمائنا في الزكاة في مسألة الحلي

стр. 1562

بالثمنية باطلا، وقد جوز ذلك المصنف ﵀ حيث قال في باب الركن: وهو جائز أن يكون وصفًا لازمًا مثل الثمنية جعلناها علة للزكاة في الحلي فيكيف جاز ذلك التعليل في الحلي فكيف جاز ذلك التعليل في تعليلنا وبطل في تعليل الشافعي وفي كلا المذهبين هو تعليل بالثمنية من غير تعيير؟ قلت: لا نسلم عدم التغيير بل هذا من قبيل ما اتحد صورته واختلف معناه، فإن مراد علمائنا ﵏ من التعليل بالثمنية في مسألة الحلي تعدية الحكم من المضروب إلى غير المضروب وسواء كان غير المضروب تبرأ مكسورًا أو حليًا مصوغًا أو حلية سيف أو منطقة أو غير ذلك ففي جميعه الزكاة إذا بلغ تعليلًا بالعلة المتعدية في حق وجوب الزكاة، والشافعي لم يوجب الزكاة في حلي النساء في أحد قوليه. لأنه لم يعلل بالثمنية بل ألحقها بسائر أموال البذلة لكونها مباح الابتذال فلا

стр. 1563

تجب فيها الزكاة لذلك، ومراد الشافعي من التعليل بالثمنية في باب الربا قصر حكم الربا على الذهب والفضة ومنع سائر الموزونات كالحديد والرصاص من الإلحاق بهما فكان تعليله بالثمنية تعليلًا بالعلة القاصرة، ولا اعتبار لاتحاد الصورة بعد تغايرهما واختلافهما في المعنى. ألا ترى أن المنافقين يقولون للنبي ﵇ (نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) وكذلك المخلصون أيضًا يقولون: (نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ) وهما من حيث الصورة واحد ولكن من حيث المعنى مختلف، فالمنافقون كاذبون قال الله تعالى: (واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) والمخلصون مؤمنون على التحقيق قال الله تعالى: (أُوْلَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًا). فعلم بهذا أنه لا اعتبار لنفس التعليل بالثمنية في كونها قاصرة أو متعدية بل الاعتبار لقصد المعلل أنه أراد بالتعليل كون العلة قاصرة أو متعدية بل الاعتبار لقصد المعلل أنه أراد بالتعليل كون العلة قاصرة أو متعدية فيثبت الحكم بحسب إرادته إن كان مراده القاصر وإن مراده المتعدية فصحيح. بل يعرف ذلك لمعنى في الوصف "أي إنما يعرف كون الوصف عله لكونه مؤثرًا في إثبات ذلك الحكم أو لكونه مخيلًا عند بعض أصحاب الشافعي أو لكونه مطردًا عند أصحاب الطرد على ما يأتي.

стр. 1564

(والنص فوق التعليل فلا يصح قطعة عنه) أي فلا يصح قطع الحكم عن النص. فإن قيل: ثبوته بالتعليل لا يوجب انقطاع الحكم عن النص. ألا ترى إلى صحة قولنا: القياس جائز بالنص والسنة والدليل المعقول، فلو انقطع الحكم عن الدليل المعقول عند وجود النص لما صح قولنا بالدليل المعقول بعد ذلك. قلنا: معنى قولنا القياس جائز بالنص والسنة والدليل المعقول أي لو نظرنا إلى كل واحد منها كان هو كافيًا لإثبات جواز القياس، ولا يمكن ذلك فيما نحن فيه بل ثبوت الدليل المعقول بطريقة التبعية إذا كان مضافًا إليهما يصير المعقول مساويًا للنص، والتبع لا يساوي الأصل ولو كان مضافًا إلى المعقول انقطع الحكم عن النص وذلك لا يجوز. (لأن التعليل لا يصلح لتغيير حكم النص به فكيف لإبطاله!) يعني أن الحكم لو كان مضافًا إلى العلة في المنصوص عليه يبقى النص ضائعًا مهملًا لا موجبًا للحكم أصلًا، وهو إبطال للنص في حق إيجاب الحكم، والوصف لا يصلح أن يكون مغيرًا لحكم الأصل كما يلزم ذلك في بصحة ظهار الذمي فأولى أن لا يصلح لإبطال حكم الأصل، ولو أضيف الحكم على الوصف في المنصوص عليه يلزم ذلك.

стр. 1565

(على أن التعليل بما لا يتعدى لا يمنع التعليل بما يتعدى) لجواز أن يكون للنص وصفان: أحدهما- لا يتعدى كالثمنية، والثاني- يتعدى كالقدر عندنا أو كان أحدهما أكثر تعديًا من الآخر كالقدر والجنس فإنه أكثر تعديًا من الطعم في المطعومات، والتعليل بالوصف الذي لا يتعدى لا يمنع التعليل بالوصف الذي يتعدى، لأنا أمرنا بالاعتبار، وبهذا الوصف أمكن الاعتبار فوجب التعليل به فيبطل دعوى فائدة اختصاص النص به، وهذا في الحاصل منع لما ادعاه الخصم من إفادة اختصاص النص به. (ومن هذه الجملة) أي ومن جملة الشرط الثالث للقياس (أن يكون المتعدي حكم النص بعينه من غير تغير). المراد من عدم التغير هنا عدم التغير في حق الفرع يعني ينبغي أن يثبت حكم النص في لفرع على وفاق ثبوته في حق الأصل من غير تعير. وأما اشتراط عدم تغير حكم النص في حق النص فيما يجيء في الشرط

стр. 1566

الرابع بعد هذا. وقوله: (إن السلم الحال- يحتمل أن يكون بتشديد اللام كالدين الحال- أن يكون المبيع موجودًا مملوكًا مقدورًا) أما اشتراط كونه موجودًا فلقوله ﵇: "لا تبع ما ليس عندك" وكونه مملوكًا فللإجماع، فإنهم أجمعوا على عدم جواز بيع ملك الغير بغير إذنه، وكونه مقدورا فلنهي النبي ﵇ "عن بيع الآبق". (وتفسيره) أي وتفسير كون الرخصة بصفة الأجل (نقل الشرط الأصلي) أي نقل الشرط الأصلي) أي نقل الشرط الأصلي في البيع وهو أن يكون المبيع موجودًا مملوكًا مقدورًا إلى ما يقوم مقامه وهو الأجل، وهذا من قبيل إقامة السبب مقام السب والشيء يبقى تقديرًا ببقاء ما يقوم مقامه، فصار كأن الشرط الأصلي في البيع موجودًا في السلم بسبب أجل قام مقامه.

стр. 1567

والخصم متى علل لإثبات جواز السلم الحال كان ذلك منه إسقاطًا للشرط الأصلي في البيع لا إلى ما يخلفه، فكان إسقاطًا للشرط الأصلي في البيع لا إلى ما يخلفه، فكان إسقاط ل لخلف بعد سقوط الأصل، فلا يجوز التعليل به لكونه مغيرًا للحكم المقيس عليه، وهو أن الشرع رخص بطريق النقل لا بطريق الإسقاط. وبالتعليل تصير الرخصة بطريق الإسقاط من كل وجه، فلا يجوز لكون التعليل تغييرا لحكم الأصل في الفرع (فاستقام خلفًا عنه) أي أمكن أن يكون الأجل خلفًا عن كون المبيع موجودًا مملوكًا مقدورًا لما أن أقامه السبب مقام المسبب شائع في الشرع كإقامة نوم المضطجع مقام الحدث، فإنه لما قام مقام ال حدث صار كأن الحدث موجودًا تقديرًا حتى انتقض الوضوء به وإن لم يوجد الحدث حقيقة، وكذا السفر أقيم مقام المشقة لهذا، (والأجل يصلح) سببًا للاكتساب الذي يحصل به المبيع، وإذا كان كذلك كان ذلك مملوكًا مقدورًا تقديرًا ل قيام الأجل مقامه فيصح عند وجوده لوجود شرط جواز البيع تقديرا على ما ذكرنا. (ومن ذلك) أي ومن التعليل الذي أوجب تغيير حكم الأصل في الفرع (في الخاطئ) وهو من ليس بقصد للفطر بل هو من اشتغل بفعل مباح له نحو المضمنة مثلًا فسبق الماء حلقه خطأ، والمكره هو أن رجلًا خوف بالسيف

стр. 1568

على القتل أو على إتلاف العضو إن لم يأكل الطعام في نهار رمضان والمكره صائم فأكله لم يكن ذلك آكلا بطريق القصد آكلا بطريق الجبر، فالشافعي قاس الخاطئ والمكره على الناسي وعلل ذلك بما قلنا. (لم يكن صائمًا والقصد لم يوجد) أي قصد الأكل لم يوجد مع أن مرتبة الشرط وهو النية أدنى من مرتبطة الركن، فلما أثر فوات الشرط في فوات الصوم فيمن لم ينو الصوم أصلًا كان أولي أن يؤثر فوات الركن وهو الإمساك بالأكل وإن كان في حال النسيان، لكن لم يؤثر ذلك بالنص الوارد على خلاف القياس، فلا يقاس عليه غيره خصوصًا ما إذا كان بينهما فرق. وليس لعدم القصد اثر في الوجود "أي في وجود الصوم مع قيام حقيقة العدم" أي عدم الصوم يعنى الصوم إذا عدم فعدم القصد لا يؤثر في وجود الصوم كما إ ذا لم يعلم بشهر رمضان ولم يأكل في أيامه لا يكون صائمًا مع أن عدم القصد موجود. علم أن عدم القصد لا يؤثر في الوجود فينبغي أن لا يبقى الصوم في الخطأ مع فوات الركن بالطريق الأولى، لأنه إذا لم يعلم رمضان كان الشرط معدومًا، وقد أثرت ذلك في عدم الصوم فأولى أن يؤثر فوات الركن في انعدام الصوم في صورة الخطأ.

стр. 1569

وقوله: (لكنه لم يجعل فطرًا) متعلق بقوله: "لأن بقاء الصوم مع النسيان ليس لعدم القصد"، (وعلى هذا الأصل سقط فعل الناسي) أي على الأصل الذي قلنا وهو قوله: "لكنه لم يجعل نظرًا بالنص" وهذا تتميم لمجموع قوله: ومن ذلك قولهم في الخاطئ والمكره" لإيضاح الفرق بين الناسي وبين الخاطئ والمكره لا أن يكون نظيرا آخر لتغيير حكم النص بالتعليل ابتداء، لأن النسيان أمر جبل عليه الإنسان، وعن هذا قالوا: ليس في وسع الإنسان دفع النسيان. وإذا كان كذلك كان الإنساء من الله تعالى من غير صنع للعبد فيه فلم يكن موجبًا للضمان (فلم يصح لضمان حقه) أي حق الشرع أي الأكل ناسيًا لا يصلح لضمان حق الشرع يعنى يجب أن لا يفسد الصوم بالأكل ناسيا، لأنه لو فسد به يجب القضاء، والقضاء حق الشرع فحينئذ كان حق صاحب الشرع سببًا لضمان حقه أيضًا وهو لا يجوز. (ومن غير جهة صاحب الحق من وجه)، لأن المكره كالآلة للمكره فإن هذا الفعل من المكره من وجه إلا أن المكره أكل بفمه وأسنانه ولم يصلح آلة للمكره في حق الأكل، فكان فعل المكره الأكل من هذا الوجه، فعلى كلا الوجهين أي في وجه اعتبار المكره ووجه اعتبار المكره لا يصلح أن يكون سببًا

стр. 1570

لسقوط حق صاحب الحق، أو نقول وإنما قال من وجه، لأن كل الأفعال بتخليق الله تعالى ولكن للعبد فعل كسب فكان فعلًا له من وجه. (ومن ذلك أن حكم النص في الربا تحريم متناه) أي تنتهي حرمته بالمساواة، وذلك إنما يكون بالمسوي الشرعي وهو الكيل وهو حكم الأصل، ويتحقق ذلك عند تعليل الأصل بالقدر والجنس حتى لا تبقى الحرمة فيما لا يدخل تحت الكيل. وأما إذا علل الأصل وهو حديث الربا بالطعم في الأشياء الأربعة لا تنتهي تلك الحرمة أبدًا، لأنه ما من جزء إلا وتتحقق فيه حرمه الربا حينئذ، حتى لو باع حفنة من حنطة بحفنة منها أو بحفنتين أو أقل منها لم يجز البيع على قول الخصم. وقال الإمام شمس الأئمة ﵀ إنا لا نجوز تعليل نص الربا في الأشياء الأربعة بالطعم، لأن الحكم في النصوص كلها إثبات حرمة متناهية بالتساوي وصفة الطعم توجب تعدية الحكم إلى محال تكون الحرمة فيها مطلقة غير متناهية وهي المطعومات التي لا تدخل تحت المعيار فعرفنا أن هذا ال وصف لا يوجب تعدية حكم النص بعينه إذ الحرمة المتناهية غير الحرمة المؤبدة.

стр. 1571

ألا ترى أن الحرمة الثابتة بالرضاع والمصاهرة غير الحرمة الثابتة بالتطبيقات الثلاث. (ومن ذلك قولهم في تعيين النقود) أي ومن التعليل الذي أوجب تغيير حكم الأصل في الفرع قولهم في تعيين النقود، والمعنى من تعيين النقود هو أن المشترى لو اشترى شيئًا بدراهم معينة فحسبها وأعطى البائع مثلها ليس له أن يأبى ذلك عندنا، وعند زفر والشافعي له أن يأبى ذلك، ولو هلكت تلك الدراهم أو استحقت لم يبطل البيع عندنا وعندهما يبطل. (إنه تصرف حصل من أهله مضافًا إلى محله مفيدًا في نفسه فيصح كتعيين السلع). أما كونه أهلًا فلان الكلام ف يمن تصرف وهو عاقل بالغ والأهلية بالعقل والبلوغ. وأما كونه محلًا فلأن الدراهم والدنانير محل للتعين. ألا ترى أنها تتعين في الودائع والغصوب حتى إن الغاصب لو أراد حبس الدراهم المغصوبة فرد مثلها لم يكن له ذلك، وكذلك في الهبة تتعين حتى يكون للواهب الرجوع في عينها لا في غيرها والتعيين مفيدًا أيضًا أي للبائع

стр. 1572

والمشتري. أما للبائع فلأنه إذا ملك الدراهم المعينة كان هو أحق بها من سائر غرماء المشتري بعد موته، ولا يملك المشتري إبطال حقه، وكذلك تفيد البائع فيما إذا كانت الدراهم المعينة أجود الدراهم. وأما منفعة المشتري فمن حيث إنه لا يطالب بشيء آخر إذا هلكت الدراهم المتعينة في يده وتكون ذمته فارغة عن الدين وصحة التصرفات تابعة للفائدة. ألا ترى أن الرجل لو اشترى عبد نفسه لا يصح مع وجود الأهلية والمحلية لكونه غير مفيد حتى لو كان مفيدًا صح أيضًا بأنه لو اشترى عبد نفسه مع عبد غيره بثمن معلوم صح ودخل عبده في البيع لحصول الفائدة، وهو انقسام الثمن عليهما، وكذلك لو اشترى رب المال مال نفسه من المضارب صح لوجود الفائدة، وهو استحقاق يده على ذلك المال الذى اشتراه. قلنا: أما دعوى الفائدة فإنها فاسدة، لأن الفائدة إنما تعتبر إذا كانت فيما هو المقصود بالعقد، وفيما هو المقصود بالعقد ملك المال الدين أكمل من العين وبالتعيين ينتقض، فإنه إن استحق المعين أو هلك بطل ملكه، وإذا ثبت دينا في الذمة لا يتصور هلاكه ولا بطلان الملك بالاستحقاق، ولأن التعيين لا يفيد جواز العقد، فإن العقد جائز بتسمية الدراهم المطلقة من غير التعيين والمقصود بالعقد الربح، وذلك يحصل بقدر الدراهم لا بعينها فإنه ليس في عين الدراهم والدنانير مقصود إنما المقصود المالية، والمالية باعتبار الرواج في الأسواق وعينها ومثلها لا يختلفان في هذا المعني، فعرفنا أن التعيين غير مفيد

стр. 1573

فيما هو المطلوب بالعقد، وبه فارق المكيل والموزون، فالتعيين هناك مفيد لجواز العقد، لأن العقد بدون التعيين لا يجوز إلا بذكر الوصف وربما يعجز عن أعلام الوصف فيسقط ذلك عن نفسه بالتعيين. وقوله: (هذا تغيير لحكم الأصل) يعني به حكم الأصل في الشرع وهو كون الثمن دينا في الذمة حكمًا أصليًا في الشرع غير ضروري، (لأن حكم الشرع في الأعيان أن البيع يتعلق به وجوب ملكها لا وجودها) معناه أن تعيين المبيع ووجوده قبل البيع شرط صحة البيع، والحكم في البيع وجوب الملك في العين وكان العين محلًا لثبوت الملك فيها، (وحكم البيع في جانب الأثمان وجودها ووجوبها معًا). معناه أن حكم الشرع في البيع في جانب الأثمان وجود الثمن ووجوبه في الذمة، لأن الدراهم والدنايير لم تكن موجودة في الذمة قبل البيع فتوجد بعد البيع على صفة الوجوب فكان وجودها ووجوبها حكمًا للبيع والجواب غير الوجود. ألا ترى أن العين موجودة والوجوب منفك عنه، ثم يثبت وجوب التسليم فيه بعد البيع. ألا ترى أنه يقال: دين واجب وموجود في الذمة فلو كان الوجوب عين الوجود لكان معناه موجود وموجود في الذمة وهذا خلف من القول، فعلم أن

стр. 1574

الوجوب معنى وراء الوجود لما أن الدين يصح أن يوجد فيه الذمة على وجه الاستحباب لا على وجه الوجوب، وفيه إشكال وهو أن الحكم معنى والوجوب معنى فكيف يقوم المعنى مع أن المعنى يقوم بغيره فكيف يقوم به غيره؟ قلنا: للأحكام الشرعية حكم الجوهر حتى يقال: بقى لزيد ملك ثابت متقرر، واستدلوا على بقاء الأحكام الشرعية من قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) والاستدلال من وجهين. أحدهما بالمجيء بالفعل الذى هو عبارة عن النقل، والذي يقبل النقل هو الجواهر لا الأغراض. والثاني- أن الله تعالى جعل الأعيان المؤبدة وهي الجنان بمقابلة الحسنة وهي الفعل الصالح، ف لولا أن الله تعالى لم يجعل للحسنة حكم البقاء لما جعل الأعيان لها. (بدلالة ثبوتها في الذمة ديونًا بلا ضرورة) وهذا تقرير ما سبق من القاعدة الممهدة وهو كون وجود الثمن ووجوبه فى الذمة حكمًا أصليًا في البيع غير متعلق بالعوارض على مثال العزيمة في الأحكام. ألا ترى أن من اشترى بدراهم غير عين وفي يده دراهم صح البيع وثبت في الذمة، فلو لم يكن وجود الدين في الذمة ابتداءً حكمًا أصليًا لما جاز بدون الضرورة، ولحقه

стр. 1575

إنكار من الشرع كما في السلعة فإنه إذا باع شيئًا غير عين لا يجوز حيث لحقه التغيير من الشرع، فصار قوله: "دينًا بلا ضرورة" احترازًا عن السلم فإن الأعيان مثل الحنطة والشعير إنما تصير دينا في السلم بضرورة ورود الرخصة في حقه بالسنة. وأراد بالضرورة الرخصة (وبدلالة جواز الاستبدال لها وهي ديون) أي جواز الاستبدال لها بالثمن الذى هو الدراهم والدنانير دليل على أن كونها في الذمة حكم أصلي إذ لو يكن أصليًا بل كانت العينية فيه أصلًا ثم العدول عنه إلى الدين بطريق الضرورة لما صح الاستبدال به كما لا يصح الاستبدال بالمسلم فيه إذا العينية فيه أصل وثبوته في الذمة بطريق الضرورة فاقتصر على جواز العقد فلم تظهر الدينية فيما وراءه. وتبقى على العينية فيما وراء جواز العقد حتى لم يجز الاستبدال بها لمسلم بالمسلم فيه لما ذكرنا أن الثابت بطريق بالضرورة لا يعدو موضع الضرورة، فلما ظهر جواز الاستبدال في الدراهم والدنانير. علم أن الدينية فيها أصل حيث وجوبها في الذمة على الإطلاق. (ولم تجعل في حكم الأعيان فيما وراء الرخصة) هذا تأكيد لما سبق وذلك أن المسلم فيه في حكم العين فيما وراء الرخصة. وهي جواز السلم، لأن العينية فيه أصل والدينية عارضة فظهر ذلك في الجواز لا فيما وراءه بل جعل فيما وراءه في حكم العينية فلم يجز الاستبدال به

стр. 1576

ولم يجعل مثل هذا في الأثمان بل تثبت هي دينًا مطلقًا فجاز الاستبدال بها. (وبدلالة أنه لم يجبرها هذا النقص بقبض ما يقابله) معناه إن غير العينية نقص بالنسبة إلى العينية. ألا ترى أن بيع درهم عين بدرهم غير عين لا يجوز، وفي المسلم لما كان غير العينية في المسلم فيه ضروريًا جبر هذا النقص بقبض ما يقابله وهو قبض رأس المال في المجلس، وحيث لم يجبر هذا النقص في الثمن بقبض ما يقابله وهو المبيع، علم أن كون الثمن دينًا في الذمة هو الحكم الأصلي لا العارضي. (فإذا صح التعيين انقلب الحكم شرطًا) يعني: "دراهم ودنانير اكر بتعيين معين شود حكم شرط شود" يعني أن الحكم الأصلي في البيع في جانب الآثمان وجودها ووجوبها في الذمة بسبب البيع وهذا حكم لها يثبت بالبيع، فلو صح التعيين كما في السلع لخرج وجود الثمن من أن يكون حكمًا للبيع وصار وجوده شرطًا لصحة البيع ومحلًا لوجوب الملك فيه كما أن وجود السلعة شرطً لوجوب الملك فيه فانقلب ما هو حكم لبيع شرطًا له. فالحكم يقتضي التأخر والشرط يقتضي التقدم، والحكم أثر للبيع يظهر ذلك بعد صحته ووجوده، والشرط مصحح لجواز البيع يشترط وجوده قبله

стр. 1577

فأي تغيير أقوى من هذا، فتبين بهذا أنه ليس من هذا التعليل تعديه حكم النص بعينة بل إثبات حكم آخر في الفرع مخالفًا لحم النص. (وقد صح ظهار الذمي عند الشافعي فصار تغييرًا للحرمة المتناهية بالكفارة في الأصل إلى إطلاقها في الفرع عن الغاية). بيان هذا أن الحرمة بإظهار حرمة تنتهي بالكفارة فكانت حرمة مؤقتة متناهية، والكافر ليس بأهل للكفارة على الإطلاق، لأنه ليس بأهل للصوم، أو لأن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة وهو ليس بأهل للعبادة، فلو صح ظهار الذمي لثبتت الحرمة في حقه مطلقة لا مؤقتة، فلذلك قلنا: أنه لو ثبت هذا الفرع وهو ظهار الذمي بهذا الطرق يلزم تغيير حكم الأصل الذى هو ظهار المسلم حيث لم يثبت الحكم في الفرع على وفاق الحكم في الأصل. (وذلك مثل ما قلنا في تعدية الحكم من الناسي في الفطر إلى الخاطئ والمكره). فإن قلت: كيف جعلت صورة تعدية الحكم من الناسي إلى الخاطئ

стр. 1578

والمكره نظير الأصول الثلاثة المختلفة حيث جعلت هي أولا نظير مخالفة الشرط الثاني، وهو أن لا يكون معدولًا به عن القياس ثم جعلت نظير مخالفة كون المتعدي حكم النص بعينه من غير تغيير ثم جعلت هاهنا نظير مخالفة كون المتعدي إلى فرع هو نظيره مع مخالفة كل واحد من هذه الأصول الثلاثة للآخر، فلو كان نظيرًا لأحد المخالفين لا يكون نظيرًا للآخر لوجود المخالفة بينهما. قلت: جعلت هذه نظيرًا لكل واحد م هذه الأصول الثلاثة لانتزاع كل منها إلى ما يشابهه، فإن فيها ما يشابه كل واحد منها، وقد ذكرنا مخالفة كل واحد من ذينك الأصليين الأولين، فإن القول ببقاء الصوم مع فوات ركنه كان معدولًا به عن القياس فلا تجوز التعدية في مثله، وكذلك لو عديناها إلى الخاطئ والمكره لا يكون المعتدي حكم النص بعينه من غير تغير. فإن حكم النص في الناسي وهو الأصل منسوب إلى صاحب الحق، وليس بمنسوب إلى صاحب الحق في الخاطئ والمكره، ثم لو قلنا مع ذلك بجوازه يلزم تغيير حكم النص، وهذا التعليل أيضًا متضمن لعدم كون حكم الفرع نظير لحكم الأصل فكانت نظيرة للثلاث بهذا الطريق، وليس ببعيد أن يجتمع في الشيء الواحد أوصاف مختلفة. فتثبت الأحكام بحسب تلك الأوصاف كمن شرب خمر الذمي متعمدًا

стр. 1579

في نهار رمضان وهو صائم وكان حلف أن لا يشرب خمرًا ففيه تثبت أحكام ستة، وهو من حيث إنه شرب الخمر شيء واحد، وقد ذكرناه غير مرة في مواضع. ألا ترى أن صاحب الكتاب وغيره كيف أدار قوله: مسح في الوضوء فلا يسن فيه التثليث على أصول مختلفة، لأن التيمم تلويث بحقيقته فلا يكون رافعًا للحدث حقيقة بخلاف الطهارة بالماء. (فلما خلق من مائهما تعدى إليهما) فلذلك انتسب الولد بكماله إلى الأب وانتسب أيضًا بكماله إلى الأم، فيلزم من هذا أن يصير جزء المرأة جزء الزوج، وجزء الزوج جزء المرأة. وهو معنى ما قال (كأنهما صارا شخصًا واحدًا) في حصول ما هو المقصود من النكاح، كزوجي باب وزوجي خف وهما باب واحد وخف واحد اعتبارًا لتعلق ما هو المقصود من النكاح بهما، فعلى هذا ينبغي أن تحرم

стр. 1580

المرأة على الزوج بصيرورتها جزء للزوج إلا أن مواضع الضرورة مستثناة عن قواعد الشرع. ألا ترى كيف حلت حواء لآدم ﵇ وهي جزؤه حقيقة قال تعالى: (وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا). (ثم تعدي ذلك) أي التحريم بحرمة المصاهرة (إلى سببه) أي إلى سبب الولد (فصار عاملًا بمعنى الأصل) أي فصار الوطء عاملًا في إثبات حرمه المصاهرة بمعنى الولد لا بمعنى نفسه، أي الوطء عمل الولد لا عمل نفسه لقيامه مقام الولد كالتراب لما قام مقام الماء عمل النائب وهو التراب عمل المنوب وهو الماء، لأن الشيء إذا أقيم مقام غيره يعتبر فيه صفة الأصل لا صفة نفسه كالنوم يقوم مقام الحدث. والسفر يقوم مقام المشقة، فلذلك لم يقل إن الوطء الحلال يصلح سببًا لاستجلاب كرامة حرمة المصاهرة لا الوطء الحرام، لأن الوطء قام مقام الولد لا باعتبار أنه حلال ولا باعتبار أنه حرام بل باعتبار كونه مفضيًا إلى الولد، وعن هذا ذكر في "الزيادات" أن الوطء في الموضع المكروه لا يوجب حرمة المصاهرة لعدم إفضائه إلى الولد.
следующие страницы →