← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

ولم يجعل مثل هذا في الأثمان بل تثبت هي دينًا مطلقًا فجاز الاستبدال بها. (وبدلالة أنه لم يجبرها هذا النقص بقبض ما يقابله) معناه إن غير العينية نقص بالنسبة إلى العينية. ألا ترى أن بيع درهم عين بدرهم غير عين لا يجوز، وفي المسلم لما كان غير العينية في المسلم فيه ضروريًا جبر هذا النقص بقبض ما يقابله وهو قبض رأس المال في المجلس، وحيث لم يجبر هذا النقص في الثمن بقبض ما يقابله وهو المبيع، علم أن كون الثمن دينًا في الذمة هو الحكم الأصلي لا العارضي. (فإذا صح التعيين انقلب الحكم شرطًا) يعني: "دراهم ودنانير اكر بتعيين معين شود حكم شرط شود" يعني أن الحكم الأصلي في البيع في جانب الآثمان وجودها ووجوبها في الذمة بسبب البيع وهذا حكم لها يثبت بالبيع، فلو صح التعيين كما في السلع لخرج وجود الثمن من أن يكون حكمًا للبيع وصار وجوده شرطًا لصحة البيع ومحلًا لوجوب الملك فيه كما أن وجود السلعة شرطً لوجوب الملك فيه فانقلب ما هو حكم لبيع شرطًا له. فالحكم يقتضي التأخر والشرط يقتضي التقدم، والحكم أثر للبيع يظهر ذلك بعد صحته ووجوده، والشرط مصحح لجواز البيع يشترط وجوده قبله

стр. 1577

فأي تغيير أقوى من هذا، فتبين بهذا أنه ليس من هذا التعليل تعديه حكم النص بعينة بل إثبات حكم آخر في الفرع مخالفًا لحم النص. (وقد صح ظهار الذمي عند الشافعي فصار تغييرًا للحرمة المتناهية بالكفارة في الأصل إلى إطلاقها في الفرع عن الغاية). بيان هذا أن الحرمة بإظهار حرمة تنتهي بالكفارة فكانت حرمة مؤقتة متناهية، والكافر ليس بأهل للكفارة على الإطلاق، لأنه ليس بأهل للصوم، أو لأن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة وهو ليس بأهل للعبادة، فلو صح ظهار الذمي لثبتت الحرمة في حقه مطلقة لا مؤقتة، فلذلك قلنا: أنه لو ثبت هذا الفرع وهو ظهار الذمي بهذا الطرق يلزم تغيير حكم الأصل الذى هو ظهار المسلم حيث لم يثبت الحكم في الفرع على وفاق الحكم في الأصل. (وذلك مثل ما قلنا في تعدية الحكم من الناسي في الفطر إلى الخاطئ والمكره). فإن قلت: كيف جعلت صورة تعدية الحكم من الناسي إلى الخاطئ

стр. 1578

والمكره نظير الأصول الثلاثة المختلفة حيث جعلت هي أولا نظير مخالفة الشرط الثاني، وهو أن لا يكون معدولًا به عن القياس ثم جعلت نظير مخالفة كون المتعدي حكم النص بعينه من غير تغيير ثم جعلت هاهنا نظير مخالفة كون المتعدي إلى فرع هو نظيره مع مخالفة كل واحد من هذه الأصول الثلاثة للآخر، فلو كان نظيرًا لأحد المخالفين لا يكون نظيرًا للآخر لوجود المخالفة بينهما. قلت: جعلت هذه نظيرًا لكل واحد م هذه الأصول الثلاثة لانتزاع كل منها إلى ما يشابهه، فإن فيها ما يشابه كل واحد منها، وقد ذكرنا مخالفة كل واحد من ذينك الأصليين الأولين، فإن القول ببقاء الصوم مع فوات ركنه كان معدولًا به عن القياس فلا تجوز التعدية في مثله، وكذلك لو عديناها إلى الخاطئ والمكره لا يكون المعتدي حكم النص بعينه من غير تغير. فإن حكم النص في الناسي وهو الأصل منسوب إلى صاحب الحق، وليس بمنسوب إلى صاحب الحق في الخاطئ والمكره، ثم لو قلنا مع ذلك بجوازه يلزم تغيير حكم النص، وهذا التعليل أيضًا متضمن لعدم كون حكم الفرع نظير لحكم الأصل فكانت نظيرة للثلاث بهذا الطريق، وليس ببعيد أن يجتمع في الشيء الواحد أوصاف مختلفة. فتثبت الأحكام بحسب تلك الأوصاف كمن شرب خمر الذمي متعمدًا

стр. 1579

في نهار رمضان وهو صائم وكان حلف أن لا يشرب خمرًا ففيه تثبت أحكام ستة، وهو من حيث إنه شرب الخمر شيء واحد، وقد ذكرناه غير مرة في مواضع. ألا ترى أن صاحب الكتاب وغيره كيف أدار قوله: مسح في الوضوء فلا يسن فيه التثليث على أصول مختلفة، لأن التيمم تلويث بحقيقته فلا يكون رافعًا للحدث حقيقة بخلاف الطهارة بالماء. (فلما خلق من مائهما تعدى إليهما) فلذلك انتسب الولد بكماله إلى الأب وانتسب أيضًا بكماله إلى الأم، فيلزم من هذا أن يصير جزء المرأة جزء الزوج، وجزء الزوج جزء المرأة. وهو معنى ما قال (كأنهما صارا شخصًا واحدًا) في حصول ما هو المقصود من النكاح، كزوجي باب وزوجي خف وهما باب واحد وخف واحد اعتبارًا لتعلق ما هو المقصود من النكاح بهما، فعلى هذا ينبغي أن تحرم

стр. 1580

المرأة على الزوج بصيرورتها جزء للزوج إلا أن مواضع الضرورة مستثناة عن قواعد الشرع. ألا ترى كيف حلت حواء لآدم ﵇ وهي جزؤه حقيقة قال تعالى: (وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا). (ثم تعدي ذلك) أي التحريم بحرمة المصاهرة (إلى سببه) أي إلى سبب الولد (فصار عاملًا بمعنى الأصل) أي فصار الوطء عاملًا في إثبات حرمه المصاهرة بمعنى الولد لا بمعنى نفسه، أي الوطء عمل الولد لا عمل نفسه لقيامه مقام الولد كالتراب لما قام مقام الماء عمل النائب وهو التراب عمل المنوب وهو الماء، لأن الشيء إذا أقيم مقام غيره يعتبر فيه صفة الأصل لا صفة نفسه كالنوم يقوم مقام الحدث. والسفر يقوم مقام المشقة، فلذلك لم يقل إن الوطء الحلال يصلح سببًا لاستجلاب كرامة حرمة المصاهرة لا الوطء الحرام، لأن الوطء قام مقام الولد لا باعتبار أنه حلال ولا باعتبار أنه حرام بل باعتبار كونه مفضيًا إلى الولد، وعن هذا ذكر في "الزيادات" أن الوطء في الموضع المكروه لا يوجب حرمة المصاهرة لعدم إفضائه إلى الولد.

стр. 1581

وكذلك أيضًا قال الإمام شمس الأئمة وفخر الإسلام -رحمهما الله-: إنه إذا مس امرأةً بشهوة فأنزل لا يكون هو موجبًا لحرمة المصاهرة فلما كان الاعتبار للولد، وفي الولد لا عصيان ولا عدوان، والوطء قائم مقامه كان الاعتبار للوطء نفسه من غير نظر إلى حله وحرمته في إيجاب حرمة المصاهرة. وهو معنى قوله: (فلم يجز تخصيه لمعني في نفسه وهو الحل) يعني لا يجوز أن تكون حرمة المصاهرة مختصة بالوطء الحلال. (ولا إبطال الحكم) وهو حرمة المصاهرة لمعنى في الوطء وهو الحرمة، (وصار هذا مثل قولنا في الغصب) يعني أن ثبوت ملك المغصوب للغاصب ليس بالغصب عينه حتى يقال إنه حرام لا يجوز أن تثبت به نعمة وهي الملك بل نقول: إن الملك إنما ثبت للغاصب لكونه شرطًا لوجوب الضمان عليه والشروط اتباع، فكان ثبوت الملك شرطًا لما هو مشروع، وهو الضمان فأخذ حكمه لكونه تبعًا له. وقوله: (إنه من أسباب الملك تبعًا لوجوب ضمان الغصب لا أصلًا) أي

стр. 1582

إن الغضب من أسباب الملك على وجه التبعية فيه صفة المتبوع وهو الضمان لا صفة التابع وهو ثبوت الملك للغاصب، (فثبت بشروط الأصل) أي فثبت الملك للغاصب بسبب شروط وجوب الضمان عليه، لأن وجوب الضمان على الغاصب للمالك يقتضي فوات الملك عن المالك، لأن الضمان جابر للغائب أجمعنا واتفقنا على وجوب الضمان على الغاصب. ثم لو لم نقل بفوات الملك عن ال مالك يلزم أن نقوم بثبوت الجابر للمالك مع بقاء المجبور على ملكه، وهو لا يصح لاقتضاء ذلك اجتماع العوض والمعوض عنه في ملك رجل واحد وهو غير جائر. (فكان هذا الأصل مجمعًا عليه في الحرمات التي بنيت على الاحتياط) يعني قيام السبب مقام المسبب في الشيء الذي بني على الاحتياط أصل مجمع عليه. (فأما النسب فلم يبن على مثل هذا الاحتياط، فوجب قطع النسب عند الاشتباه) أي لم يثبت نسب الولد المخلوق من ماء الزنا للزاني إذ لو ثبت لاشتبهت الأنساب، فلا يدرى من الوالد لاحتمال أن تزني المرأة بعدد من الرجال فاشتبهت الأنساب، فالشارع قطع النسب عن الزاني لهذه الحكمة

стр. 1583

البالغة، (ولا يلزم على هذا أن هذه الحرمة لا تتعدى إلى الأخوة والأخوات ونحوهم) يعني لا يلزم على ما ذكرنا من التعليل هو أنهما صارا كشخص واحد أن تصير أختها كأخته وأخوه كأخيها، (لأن التعليل لا يعمل في تغيير الأصول) يعني أن تعليلنا يقتضي حرمة مؤبدة ممتدة، والأصول أثبتت حرمة أخوات الزوجة وأخوة الزوج مؤقتة متناهية والتعليل أبدًا يعتبر إذا لم يكن فيه تغيير النص، فلم تكن العلة عند وود النص موجودة معنى، فكان عدم الحكم لعدم العلة لا لوجود العلة، فلم يكن هذا تخصيص العلة. وقوله: (في كفارة القتل العمد) أي عدى الشافعي وجوب الكفارة من القتل الخطأ إلى القتل العمد مع أن في القتل العمد نصًا في أنه لا كفارة فيه وهو قوله ﵇: (خمس من الكبائر لا كفارة فيهن -وعد منها- القتل العمد).

стр. 1584

(وكذلك في اليمين الغموس) حيث عد الشافعي وجوب الكفارة من اليمين المنعقدة إلى الغموس مع أن النص موجود في الفرع الذي هو الغموس بأنه لا كفارة فيه، وهو أيضًا من لك الخمس التي ذكرنا. (وشرط الإيمان في مصرف الصدقات اعتبارًا بالزكاة) أي اشترط الشافعي صفة الإيمان في مصرف الصدقات الواجبة سوى الزكاة مثل صدقة الفطر أو الكفارات قلنا: لا يصح ذلك، لأن النص موجود في الفرع وهو يدل على جواز الصرف إلى الكافر، وهو قوله تعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ). (ومثل شرط التمليك في طعام الكفارات) أي عدى الشافعي اشتراط التمليك من الكسوة إلى الإطعام، مع أن في الفرع وهو الإطعام نصًا يدل على جوازه بدون التمليك. وهو قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) والإطعام فعل متعد لازمه الطعم وهو الأكل وهو لا ينبئ عن الملك فلا يكون الإطعام تمليكًا بل إيكالًا، والإيكال لا يحتاج إلى اشتراط التمليك، فكان اشتراط التمليك

стр. 1585

شرطًا يخالف النص. (وشرط الإيمان في كفارة اليمين والظهار) أي عدى الشافعي اشتراط صفة الإيمان في الرقبة من كفارة القتل إلى كفارة اليمين والظهار مع أن فيهما نصًا مطلقًا يقتضي جواز تحرير الرقبة فيهما بدون صفة الإيمان فيها وهو قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) إلى قوله: (أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) في اليمين، وقوله تعالى: (والَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) في الظهار بدون ذكر الإيمان. فكان اشتراط الإيمان في الرقبة فيهما شرطًا يخالف النص، فتقييد إطلاق النص تغيير له كإطلاق المقيد، فإطلاق المقيد باطل بالإجماع فكذا عكسه، لما أن المطلق مكن العمل من غير زيادة فيه، فكانت الزيادة بعد إمكان العمل به تغييرًا له لا محالة. (وأما الشرط الرابع وهو أن يبقى حكم النص على ما كان قبل التعليل) أي لا يتغير حكم النص في نفسه بسبب التعليل، والذي ذكر قبله

стр. 1586

بقوله: ومن هذه الجملة أن يكون المتعدي حكم النص بعينه من غير تغيير كان ذلك التغيير يلحق النص في حق الفرع كما في السلم الحال، وهذا الذي ذكره في الشرط الرابع تغيير يحلق النص في نفسه وهو باطل أيضًا. وهذا لأنه لما ثبت أن التعليل لا يجوز أن يكون مغيرًا حكم الأصل في نفسه، ففي كل موضع لا يبقى الحكم في المنصوص بعد التعليل على ما كان قبله فذلك التعليل يكون باطلًا ل كونه مغيرًا لحكم الأصل. كذا قاله الإمام شمس الأئمة ﵀. (وقوله: كما أبطلنا في الفروع) إشارة إلى ما ذكر بقوله: "من ذلك ما قلنا إن السلم الحال باطل". وكذلك ما بعده من الأحكام أي كما ذكرنا بطلان تعليل يوجب تغيير حكم النص في حق الفروع، فلذلك نذكر بطلان تعليل يوجب تغيير الحكم النص في حق نفسه، والمراد من النص الأصل ثم سواء كان ذلك الأصل بالنص أو بالإجماع. بيان ذلك أن التعليل لجواز السلم الحال يوجب أن يتغير

стр. 1587

حكم الأصل في حق الفرع، لأن من شرط جواز البيع الذي هو الأصل أن يكون المبيع موجودًا مملوكًا مقدور التسليم، ثم الأجل في الفرع وهو السلم قام مقام ذلك الشرط. فالقول بجواز السلم الحال مسقط لذلك الشرط في حق الفرع، فكان ذلك تغيرًا لحكم الأصل في شرطه في حق الفرع. وأما القول باشتراط التمليك في طعام الكفارة بالتعليل فهو تغيير لحكم النص في نفسه والأصل وهو قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) وهو ظاهر على ما ذكر في الكتاب إلا لا يبقى الإطعام إطعامًا بعد التعليل بالتمليك، فكان (تغييرا في نفس النص فوجب أن يكون حكم القذف إبطال الشهادة حدًا) أي من حيث الحد، وهو يبطل شهادة القاذف من حيث الفسق حتى قبل شهادته بعد التوب، فجعل بعض الحد حدًا، لأن كل الحد الجلد ورد الشهادة، فجعل هو الجلد كل الحد بالتعليل. فقال: هو محدود في كبير فتقبل شهادته بعد التوبة كالمحدود في الزنا وشرب الخرم، والنص جعله بعض الحد، فعلى هذا كان قوله: "لأن الوقت من الأبد بضعه" تعليلًا لمعلل محذوف تقديره: وقبل شهادة القاذف بعد التوبة، والنص رد شهادته مؤبدًا، فكان تعليله تغييرًا للنص، لأن الرد

стр. 1588

المؤقت بعض الرد المؤبد، والنص رد شهادته مؤبدًا، أو معنى قوله: "فجعل بعض الحد حدًا" إن الله تعالى جعل رد الشهادة مؤبدًا مع الجلد كل الحد، فلما قبل الشافعي شهادة القاذف بعد التوبة كان ردًا لشهادته مؤقتًا من الأبد بعضه، فكان المعلل حينئذ مذكور وهو الأوجه لصحته بدون الإدراج. (وأثبت الرد بنفس القذف بدون مدة العجز، وهو تغيير لحكم النص) يعني أن الشافعي رد شهادة القاذف بنفس القذف بمنزلة سائر الجرائم المبطلة لشهادة كالزنا وغيره. فإنه كما زنا أو شرب الخمر ترد شهادته بدون التوقف إلى شيء آخر فكذا في جريمة القذف كان تغييرًا للنص، لأن الله تعالى وقت وقف الرد إلى مدة العجز عن الإتيان بالشهود بقوله: (والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ) وذلك لا يحصل بدون مدة العجز، فإثبات الرد بدون مدته تغيير لحكم النص بالتعليل.

стр. 1589

(وزاد النفي على الجلد وهو تغيير) وهذا عكس ما قبل شهادة المحدود في القذف بعد التوبة، فإنه جعل الجلد بعض الحد، لأن كل الحد في حق زنا البكر عنده الجلد مع النفي، فكان الجلد بعض الحد، والله تعالى جعل الجلد كل الحد بقوله: (فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) فالفاء للجزاء، والجزاء اسم لما تقع به الكفاية، والخصم لم يجعل الجلد كافيًا فيه فكان تغييرا للنص.

стр. 1590

(وذلك أن المستثنى منه إنما يثبت على وفق المستثنى فيما استثني من النفي) يعني أن المستثنى منه إذا حذف في الكلام إنما يجعل المستثنى منه من جنس المستثنى فيما استثني من النفي، وإنما خص النفي لأن حذف المستثني منه في الكلام إنما يصح في النفي لا في الإثبات. والفرق فيه هو أن موضع النفي موضع التعميم، وعن هذا قيل: النكرة في موضع النفي تعم وفي الإثبات تخص، ولما كان كذلك استقام حذف المستثني منه في موضع النفي لا في موضع الإثبات، لأن أعم العام إنما يقدر عنه الحذف، ويجب أن يكون ذلك الأعم من جنس المستثنى، وذلك صحيح في موضع النفي لا في الإثبات. ألا ترى أنك لو قلت: جاءني إلا زيد يجب عليك أن تقدر جاءني جميع بني آدم إلا زيدًا. إذ في تقدير ما دونه ترجيح أحد المتساويين على الآخر وهو باطل، لأنه يلزم ترجيحه بلا مرجح، ومجيء جميع بنى آدم إليك محال بخلاف قولك: ما جاءني إلا زيد، فإنه صحيح مستقيم، لأن تقديره: ما جاءني بنو آدم إلا زيد، ولا كلام في صحته فكذا عند الخلف، فظهر من هذا أصلًا: أحدهما- أن المستثني منه يجب أن يكون من جنس المستثنى.

стр. 1591

والثاني- أن حذف المستثنى منه إنما يصح في موضع النفي. (وقوله ﵇: (لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا سواء بسواء)). موضع النفي فكان حذف المستثني منه فيه جائزًا، والطعام ليس من جنس قوله: (إلا سواء بسواء) لأن المساواة معنى والطعام عين فلابد من إدراج أعم المعاني الذي هو من جنس المستثنى، فمن ضرورة هذا كان التقدير: لا تبيعوا الطعام بالطعام في جميع الأحوال إلا حال التساوي. وأحوال الطعام في البيع ثلاث: المجازفة، والمفاضلة، والمساواة فكان عموم الأحوال ثابتًا بالنص، وهذا العموم لا يثبت إلا في الكثير وهو الذي يدخل تحت الكيل إذ المجازفة إنما تحرم لاحتمال كون أحدهما فاضلًا على الآخر، وذلك لا يتصور إلا بعد اعتبار المساواة بينهما، وذلك إنما يكون بالمسوى.

стр. 1592

ثم نقول: إن المسوى هو الكيل إما بالإجماع أو بحديث آخره وهو قوله ﵇: ((لا تبيعوا الطعام بالطعام إلا كيلًا بكيل)) وكذلك المفاضلة إذ فضل أحدهما على الآخر لا يتصور إلا بعد اعتبار المساواة بينهما بالكيل الشرعي على ما بينا. وكذلك المساواة إذ التسوية بالمعيار هو المراد، لأن التسوية بينهما من حيث الحبات أو من حيث الوزن أو من حيث الجودة غير مرادة بالإجماع، ولن توجد هذه الأحوال إلا فيما تدخل تحت الكيل إلا أن التعليل منا وافق لما ذكرنا من الثابت بالنص، فكان هذا التغيير مضافًا إلى النص لا إلى التعليل، وهو معنى قوله: (فصار التغيير بالنص مصاحبًا للتعليل لا به) أي لا بالتعليل. (وإنما سقط حقه) أي حق الله تعالى (في الصورة) أي في صورة الشاة بالنص وهو قوله تعالى: (ومَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا).

стр. 1593

(ثم أمر بإنجاز المواعيد) أي أمر الأغنياء إنجازها (وذلك لا يحتمله) أي وذلك المسمي لا يحتمل الإنجاز (بأن ينجزها) أي بأن ينجز المواعيد المختلفة (مجامعًا للتعليل) أي موافقًا له، لأن الزكاة عبادة محضة، لأنها من أركان الدين الخمسة على ما قال النبي ﵇ "بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة" إلى آخره، والدين كله لله تعالى. وبهذا يتبين خطأ من يقول بأنه الزكاة حق الفقراء مستحقة لهم شرعًا، بل الزكاة محض حق الله تعالى -على ما قلنا- إلى هذا أشار الإمام شمس الأئمة -رحمة الله-. فلا تجب للعبادة بوجه، لأن المستحق للعبادة الله تعالى على الخصوص، وهذا لأن الإيمان حق الله تعالى على الخصوص ولا مدخل العبد فيه بوجه، والزكاة مخصوصة بالإيمان فكانت مخصوصة بحق الله تعالى، ولأن النصاب

стр. 1594

لو كان جارية وحال الحول عليها جاز لمولاها أن يطأها، فلو كان للفقير فيها نوع حق عينا لما جاز لمولاها أن يطأها. (وإنما التعليل لحكم شرعي) جواب شبهة ترد على قوله: "لا بالتعليل" بأن يقال: لما لم يكن التغيير بالتعليل وجب أن لا يعلل مسألة دفع القيم في باب الزكاة فقال: التعليل لم يكن للتغيير ولكن لإظهار حكم الشرعي (وهو كون الشاة صالحة للتسليم إلى الفقير). وكذلك قيمتها أيضًا صالحة للتسليم إلى الفقير مع إبقاء صلاحية دفع الشاة إلى الفقير أيضًا، فلا يكون تغييرًا بل جميع مواضع الأقيسة كذلك، فإن الحكم يثبت في الفرع بعد القياس مع بقاء صلاحية الأصل أيضًا لإثبات ذلك الحكم كما كان، فلا يكون هذا تغيير للنص بل قياسًا وهذا شائع بالاتفاق. وهذا لأن معنى الصلاحية في الشاه للصرف إلى الفقير كونها ما لا متقوما، وهذا المعنى كما هو موجود في الشاة موجود في غيرها أيضًا فيتعدى منها على غير باعتبار صلاحية الصرف إلى الفقير، وهذا هو عين القياس فلا يكون تغييرًا للنص. وإنما التغيير فيما قاله الشافعي في إطعام الكفارة وغير ذلك، فإنه لما علل

стр. 1595

الإطعام بالتمليك لم يبق النص بمعنى الإطعام مثبتًا للحكم، فكان الإطعام متغيرا بالتعليل بالتمليك. (وأحلت لهذه الأمة بعد أن ثبت خبثها)، فإن قيل: (الله تعالى طيب لا يقبل إلا الطيب) وإذا ثبت الخبث في الصدقة فكيف يقبل الله الخبيث؟ قلنا: تمكن الخبث في الصدقة بعد تحقيق الصدقة بالوقوع في يد الفقير فكان الخبث حكمًا للصدقة، وحكم الشيء لا يمنع تحقق سببه كإرسال الطلقات الثلاث فإنه يخرج المحل عن محلية الطلاق، وكتمليك النصاب للفقير فإنه يخرج المحل عن محلية الصدقة، ومع ذلك لا يمنع تصدق النصاب للفقير فإنه يخرج المحل عن محلية الصدق، ومع ذلك لا يمنع تصدق النصاب ابتداءً لما قلنا، فكذلك ها هنا ثبوت الخبث حكم الصدق، فلا يمنع الصدقة. فإن قيل: لما كان هذا بمنزلة تمليك النصاب للفقير وجب أن تكره الصدقة للفقير كما تكره هنا.

стр. 1596

قلنا: تكره هناك ولا تكره ها هنا، لأن هناك المتصدق كان متمكنًا من الخروج من عهدة التصدق من غير أن تلحقه الكراهية بأن يفرق النصاب على الفقراء على وجه لا يقارب الغنى التمليك، وها هنا لا يتمكن المتصدق من التصدق على وجه لا يتحقق الخبث في حكمه فلا يكره التصدق ها هنا، فلذلك افترقا وصار كثبوت حرمة المصاهرة باعتبار الجزية حتى تعدى إلى أمهات الموطوءة وبناتها، ولم يثبت في حقا لموطوءة نفسها لعدم إمكان الاحتراز عنها مع إرادة بقاء النسل بالنكاح. فقلنا بأن حرمة المصاهرة لم تثبت في حقها لضرورة التوالد والتناسل ولا ضرورة في سائرها، فيثبت بعد الوقوع لله تعالى في ابتداء اليد، فإن الفقير في ابتداء القبض نائب عن الله تعالىِ.

стр. 1597

(فصار صلاح الصرف إلى الفقير حكمًا شرعيًا في الشاة، فعللناه بالتقويم)، لأن ذلك الحكم الشرعي كما هو موجود في الشاة موجود في قيمتها، فيجوز صرف قيمتها إلى الفقير كجواز صرف الشاة إليه، وكان هذا تعليلًا وافقًا للنص لا يتغير به حكم النص، فكان حكم النص بعد التعليل وقبله سواء. وقوله: (لكونه ثناء مطلقًا احتراز من قوله: "اللهم اغفر لي". (لكن الواجب إزالة العين النجس عن الثوب، والماء آلة) صالحة لإزالة النجاسة، وسائر المائعات الطاهرة مثل الماء في هذه الصفة، فبالتعدية إلى غيره

стр. 1598

لا يتغير هذا الحكم (وهو كون الماء آلة صالحة للتطهير). (هذا حكم شرعي في المزيل) أي كون الماء لا ينجس في ابتداء ملاقات النجاسة حكم شرعي في المزيل وهو الماء والطهارة في محل العمل وهو الثوب حكم شرعي أيضًا. وقوله: "والطهارة" معطوف على قوله: "هذا". فإن قيل: إن كون الماء لا ينجس في أول ملاقاته للنجاسة في الثوب حالة الاستعمال حكم اختص به الماء بطريق الضرورة فكيف يتعدى منه إلى سائر المائعات؟ قلنا: الحكم إذا ثبت بطريق الضرورة لمعنى في محل ثم شاركه غيره في ذلك المعنى والضرورة تثبت الحكم فيه كثبوته في الأصل كما في حكم بقاء طهارة المستحاضة في الوقت تعدى إلى من هو في معناها كمن به سلس البول أو الجرح الذي لا يرقأ. وإن كان حكم بقاء طهارة المستحاضة في الوقت حكمًا ثبت على خلاف القياس فكذلك هنا هنا إن كون الماء لا ينجس حالة الاستعمال وطهارة المحل لضرورة احتياج صاحب الثوب إلى طهارته وصلاحية الماء للتطهير لمعنى القلع

стр. 1599

والإزالة، فلما شاركه غير في هذين المعنيين ثبت حكم الماء فيه أيضًا كثبوته في الماء مع بقاء صلاحية الماء لذلك، إذ المشاركة في العلة توجب المشاركة في الحكم، وهذا لأن الثوب كان طاهرًا وقد جاوره النجاسة فبإزالتهما يحصل ما في الثوب من الطهارة لما أن النجاسة إذا زالت بقي الثوب طاهرا كالدرن في الثوب الأبيض. فبالغسل يزول الدرن فيظهر ما كان في الثوب من البياض، وكذلك صلاحية كون الماء مزيلًا للنجاسة لكونه مائعًا رقيقًا قابلًا للانعصار بالعصر وغيره إذا شاركه في هذا المعنى من كل وجه يثبت ذلك الحكم فيه أيضًا كثبوته في الماء. (لأن عمل الماء لا يثبت ف ي محل الحدث إلا بإثبات المزال، وذلك أمر شرعي ثبت في محل العمل غير معقول). بيانه أن اتصاف العضو بالحدث والنجاسة أمر شرعي فيه غير معقول، أي غير مدرك بالعقل معنى نجاسته، لأن هذه الأعضاء ليس بنجسه حقيقة ولا يتنجس الماء القليل بملاقاة هذا العضو إذا لم يكن له نية قربة.

стр. 1600

وكذلك جاز أكل المحدث بيده طعامًا مائعًا، فكان ما ثبت من النجاسة في هذه الأعضاء غير مدرك بالعقل وعمل الماء لا يظهر في هذه الأعضاء إلا بإثبات المزال أي بإثبات زوال ما كان في هذه الأعضاء مما يمنع التقرب إلى الله تعالى، وهذا العمل ثبت عند استعمال الماء الذي لا يبالي بخبثه. إذ الناس لا يبالون بخبث الماء بالوضوء وبصبه في موضع النجاسات، فلم يجز إثبات هذا الحكم فيما يبالى بخبثه، وهو في نفسه أمر غير معقول المعنى بخلاف النجاسة الحقيقة إذ هي عين محسوسة، فإذا زالت عن موضعها لا تبقى فيه، وهو معقول فتعدى من الماء إلى غيره لوجود معنى الإزالة في ذلك الغير. وقال الإمام شمس الأئمة ﵀ وليس في أعضاء المحدث عين يزول باستعمال الماء، فإن أعضاءه طاهرة، وإنما فيها مانعًا حكميًا من أداء الصلاة غير معقول المعني، وقد ثبت بالنص رفع ذلك المانع بالماء وهو غير معقول المعني، وقد بينا أن مثل هذا الحكم لا يمكن تعليله للتعدية إلى محل آخر. (ولا يلزم أن الوضوء صح مع هذا بغير النية). وجه الورود وهو أن وجوب طهارة هذه الأعضاء بالوضوء لما كان غير معقول لكون هذه الأعضاء

стр. 1601

محكومة عليها بالطهارة شرعًا لما ذكرنا كان الوضوء بمنزلة التيمم في كون وجوب الطهارة به غير معقول لعدم حصول الطهارة بكل واحد منهما عقلًا، فكان وجوب الطهارة فيهما مع ذلك أمرًا تعبديًا فتجب النية في الوضوء حينئذ كوجوبها في التيمم. فأجاب عنه بقوله: (لأن التغير ثبت في محل العمل بوجه لا يعقل فبقي الماء بطبعه من الوجه الذي يعقل) أراد به أن تغير العضو من الطهارة إلى النجاسة معنى لا يعقل إلا أن الماء عامل بطبعه وهو معقول فلا يفتقر إلى النية، لأن ما كان طبعًا لشيء لا يتغير بالنية. والتطهير والإزالة طبع للماء فيعمل عمله حيث ما وجد استعماله فيه فلا يفتقر إلى النية كالنار للإحراق والسكين للقطع بخلاف التراب، لأن طبعه التلويث لا الإزالة فاحتيج إلى النية ليعمل عمل الماء لا لأن النية غيرت طبعه حقيقة لكن الشرع لما أقامه مقام الماء عند إرادة الصلاة عمل عمل الماء في إثبات الطهارة وإرادة الصلاة به هي النية، فلهذا تشترط النية في التيمم دون الوضوء، والله أعلم.

стр. 1602

باب الركن لما فرغ من بيان الشروط التي هي مقتضية للتقدم شرع في بيان ما هو العمدة في الباب وهو الركن، لما أن ركن الشيء ما يتقوم به ذلك الشيء، فالوصف الذي هو المؤثر في الحكم جعل علمًا على الحكم في النص، وإنما سمي عليما، لأن الحكم في المنصوص عليه مضاف إلى النص فسمي علمًا لما أن القياس هو الإبانة، فلم يكن مثبتًا حقيقة كما هو الأصل في الأعلام، فإن الحكم لا يضاف إلى العلامة. وقوله: (مما اشتمل عليه النص) يعني: "آن جيزي كه علم كردانيده شد بر حكم نص بايد كه وي ازآن جيزي بود كه نص ويرا فراز كرفته بود يا از روي لفظ يا از روي معني" والاشتمال تارة يكون من حيث اللفظ، وتارة يكون من حيث المعنى.

стр. 1603

والذي يكون من حيث اللفظ يجوز أن يكون وصفًا لازمًا مثل الثمنية أو عارضًا مثل الانفجار أو حكمًا مثل ما استدل النبي ﵇ بجواز قضاء دين للأب على جواز قضاء الحج عن الأب إلى آخره. وقوله: (والطعم جعله الشافعي علةً للربا) لما أن الطعم لازم أي للحنطة والشعير، لأنهما لا يوجدان إلا ومعهما الطعم، (وعللنا بالكيل وهو غير لازم) أي توجد الحنطة والشعير فيما دون الكيل أيضًا. وليس معناه أن غيرهما مكيل أيضًا، لأن الطعم جعل لازمًا في تعليل الشافعي مع أن ذلك موجود في غير الحنطة والشعير، لأن معنى عدم اللزوم إنما يكون أن لو كان هو موجودًا وليس له هذه الصفة، لا أن تكون موجودة هي فيه وفي غيره، وذلك إنما يكون في قولنا فيما دون الكيل، أعني عللنا قوله ﵇: "الحنطة بالحنطة" بالكيل والجنسِ. والكيل غير لازم للحنطة لوجود الحنطة غير مكيلة فيما دون نصف صاع كانت الحنطة موجودة ولا كيل لها فكان الكيل غير لازم لها.

стр. 1604

(يتعلق عتقه بمطلق موت المولى) أي: فلا يجوز بيعه كأم الولد وقيد بقوله: بمطلق موت المولى: "احترازًا عن المدير المقيد، (ويجوز أن يكون فردًا) نحو تعليل ربا النسيئة بوصف واحد وهو الجنس أو القدر، (وعددًا) نحو علة حرمة التفاضل فإنه القدر مع الجنسِ. (ويجوز في غيره إذا كان ثابتًا به) أي إذا كان النص مقتضيًا له من حيث المعنى. (وهو معلول بإعدام العاقد) أي بفقرة واحتياجه (وليس في النص) ذلك، لأن المذكور هو السلم، وإعدام العاقد صفة العاقد لا صفة النص لكن السلم يقتضي عاقدًا لا محالة والإعدام صفته، فكان الإعدام من مقتضيات النص، وكذلك بيع الآبق معلول بالعجز عن التسليم وليس في النص ذلك، إلا أن البيع يقتضي بائعًا ضرورة والعجز صفته فكان ثابتًا هو أيضًا بمقتضى النص من حيث المعنى.

стр. 1605

وكذلك الشافعي علل قوله ﵇: "لا تنكح الأمة على الحرة" (بإرفاق جزء منه) يعني: أن عدم جواز نكاح الأمة على الحرة بعلة أنه سعي في إرقاق جزئه فلا يثبت إلا عند الضرورة، ولا ضرورة، لأن تحته حرة فعدي هذا الحكم منه إلى من كان قادرًا على نكاح الحرة، فلا يجوز نكاح الأمة له أيضًا لوجود العلة وهي إرقاق جزئه بلا ضرورة، وليس هذا في النص الذي ذكرنا، ولكن ذلك النص يقتضي ناكحًا لا محالة والإرقاق صفته فكان ثابتًا ب اقتضاء النص معنى. (واتفقوا أن كل أوصاف النص بجملتها لا يجوز أن يكون علة) يعني: اشتراط وجود جميع أوصاف النص في الفرع في التعليل لا يجوز، لأنه حينئذ كان الفرع عين المنصوص عليه، ولا يكون فرعًا، لأن جميع أوصاف المنصوص عليه لا يوجد إلا في المنصوص عليه، ولا يجوز أيضًا أن

стр. 1606

يكون وصف من أوصاف النص علة الحكم من غير تفرقة بينهما، لأنه حينئذ يسقط الابتلاء والاعتبار، فإن الاعتبار مأمور به، وذلك إنما يكون لتمييز وصف منج من وصف مهلك لتشبث المعتبر بالمنجي ويحترز عن المهلك، وذلك لا يحصل بدون الاعتبار والتأمل، فلو قلنا بجواز عدم التفرقة بين الأوصاف في التعليل لاستوى فيه العالم والجاهل. فكان ذلك مثل التعليل بالوجود في الأشياء المتضادة، بل التعليل إنما يصح بوصف صالح للتعليل من بين سائر الأوصاف. ثم اختلفوا في تلك الصلاحية للتعليل. (فقال أهل الطرد: إنه يصير حجة بمجرد الاطراد) يعني: أينما طرد ذلك الوصف من طرده وأداره على الأحكام وجد ذلك الحكم الذي وقع النزاع فيه عند ذلك الوصف الذي طرده بالإجماع من غير أن يذكر اثر ذلك الوصف في استدعاء ذلك الحكم، كما قال الشافعي ﵀ في أن النكاح لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال بقوله: "لأنه ليس بمال" فوجد هذا

стр. 1607

الوصف مطردا في الحدود والقصاص. وهكذا طرد أيضًا وصف عدم البعضية في أولاد الأعمام والعمات وأولاد الأخوال والخالات في تعليل عدم عتق الأخ، فوجده مطردا بالإجماع، فقال: لا يعتق الأخ، لأنه ليس بينهما بعضية من غير ذكر أثر الوصف. وكذلك تعليل بعضهم: هذه عبادة لها تحليل وتحريم، فكان من أركانها ما له عدد سبع كالحج، وطرد عدد السبع فيما ادعى من الحكم فوجده مطردا في الحج بالإجماع، فجعل الفاتحة من أركان الصلاة، لكونها سبع آيات كما أن سبع أشواط الطوائف من أركان الحج على ما يجيء بيانه في أقسام الطرد إن شاء الله. (والسلف) الصحابة -رضوان الله عليهم- والتابعون وأصحابنا المتقدمون أعني أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ﵏ (والخلف) من بعدهم والمتأخرون من بعدهم، (واتفقوا في صلاحه) بخلاف العدالة فإنهم اختلفوا في تفسيرها.

стр. 1608

(وإنما نعني بالأثر ما جعل له أثر في الشرع) أي: في جنس ذلك الحكم الذي وقع النزاع فيه كتعليلنا بالصغر في ولاية المناكح بقولنا: إنها تزوج كرها، لأنها صغيرة، فإن للصغر أثرًا في إسقاط الولاية عن الصغير في حق المال بالاتفاق، فوجب أن يكون له أثر أيضًا في إسقاط الولاية عن نفسه في النكاح، والجامع بينهما هو معنى العجز عن إصلاح أمر نفسه فيقوم أقرب الناس إليه بالعقل الكامل مقامه في إصلاح أمره، وهذا لأن معنى العجز مستلزم للضرورة، وللضرورة تأثير في إسقاط ما كان له في الأصل للتخفيف عرف ذلك بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَاذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) إلى قوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ ولا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ) حيث جعل كثرة الطواف سببًا لسقوط الاستئذان للتخفيف، لما أن كثرة الطواف مستلزمة للحرج والضرورة. وكذلك في السنة وهي قوله ﵇: "الهرة ليست بنجسة، لأنها من

стр. 1609

الطوافين عليكم والطوافات". حيث جعل كثرة الطواف سبباُ لسقوط النجاسة للتخفيف لكون كثرة الطواف مستلزمة للضرورة. (عدالته بكونه مخيلًا) أي: موقعًا خيال الصحة في القلب (ثم العرض على الأصول)، وهذا تفريع على قول ذلك البعض، إذ لا حاجة عندنا إلى العرض على الأصول. والمعني من العرض على الأصول هو أن يعرض وصفه الذي جعله عله على صور يوجد ذلك الوصف فيها، كوصف الطعم الذي جعله الشافعي علة الربا يعرضه على المطعومات فيجد وصفه مثبتًا لذلك الحكم الذي ادعاه بالاتفاق، فيجعل ذلك علة الحكم المتنازع فيه إذا لم يجد ذلك الوصف منقوضًا ولا مجروحًا في تلك الصور كما في الشاهد. (وإنما يعرض على أصلين فصاعدًا) نظير ذلك ما جعل الشافعي في وصف الطعم علة الربا في قوله ﵇: "الحنطة بالحنطة مثلا بمثل" وعرض ذلك الوصف على السمسم والأرز فوجده فيهما مؤثرًا في إثبات حكم الربا بالاتفاق فجعل الطعم علة الربا في المطعومات، لأن الأصليين لم يرداه.

стр. 1610

(وإنما النقض جرح والمعارضة دفع) يعني أن النقض يجرح الوصف فخرجه عن كونه حجة كجرح الشاهد بالرق، والمعارضة دفع لا تمنع الوصف عن كونه علة لكن تدفع الحكم الذي أثبته الوصف بعلة أخرى، وعندنا عدالته بكونه مؤثرًا أي جعل لهذا الوصف أثر في الشرع في جنس ذلك الحكم الذي وقع النزاع فيه على ما ذكرنا، وعرف ذلك الأثر إما بالكتاب أو بالسنة أو بالإجماع.

стр. 1611

(لأن ما لا يحس إنما يعرف بأثره) كما عرفنا الله تعالى، لكونه غير محسوس بآثار صنعه، والوصف الذي هو المؤثر لا يحس أيضًا فيعرف ذلك بأثره بالبيان. (والوصف على وجه مجمع عليه) كطهارة سؤر الهرة بعلة الطوف، والطوف من أسباب الضرورة وهي موجبة للتخفيف بوجه مجمع عليه في جنس هذا الحكم وهو سقوط الخطر بالضرورة كما أشار عليه قوله تعالى: (فمن فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (وأما الخيال فأمر) لا يعول عليه، لأن للخصم أن يقول: وقع في قلبي خيال فساد (وصفك فلا ينفك عن المعارضة) وما لا ينفك عن

стр. 1612

المعارضة لا يصلح حجة شرعية كالوصف الذي لا ينفك عن المناقضة لا يصلح حجة، لما عرف أن حجج الله تعالى لا تتعارض في أنفسها ولا تتناقض، ولأن الظن لا يغني من الحق شيئًا، والحجة ما كان أمرًا ثابتًا في حق الكل، والظن يختص بمن ابتلي به. ألا ترى أن التحري في باب القبلة لا يتعدى ممن أبتلي به ولا يصير قبلة في حق غيره. وقوله: (فنقل عنه إلى شهادة القلب) "أي الوصف في كونه معدلًا نقل عن الأثر إلى شهادة القلب. بخلاف الشاهد" يعني أن التزكية فيه لازمة لاحتمال اعتراض الفسق عليه بعد كونه عدلًا. فأما الوصف الذي هو علة بعدما علم صفة الصلاحية فيه يصير عدالته معلومة، إذ ليس فيه توهم الخيانة، فلهذا كان العرض على الأصول هنا احتياطًا.

стр. 1613

وقوله: (كالأثر المحسوس الدال على غير المحسوس) كأثر المشي على الأرض فإنه يدل على الماشي، وإن كان الماشي غائبًا غير محسوس، وكذا البناء يدل على أن بانيًا بناه، وكان الباني حيًا قادرًا على البناء وعالمًا به. يحكم بعقله على هذا بالقطع والبتات، وغن لم يكن رأي الباني فيكون في تيقنه أن باني هذا البناء كان موصوفًا بهذه الأوصاف كأنه راه. وقوله: (فرقهم) جواب عما فرق أهل المقالة الأولي بقولهم: "بخلاف الشاهد لأنه يتوهم" إلى آخره. حيث جعلوا التزكية شرطًا لازمًا ولم يجعلوا العرض على الأصول في الوصف لازمًا بل جعلوا العرض للاحتياط للفرق الذي قالوا. قلنا: هذا الفرق ليس بصحيح، لأن الوصف مع كونه ملائمًا يجوز أن يكون غير علة. ألا ترى أن قولنا: إن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه وصف ملائم موافق لتعليل السلف، ومع ذلك أنه غير علة في مسألة الصوم إذا أكل الصائم ناسيًا حيث بقي الصوم مع فوات ركنه حقيقة، لأن الشرع لم يجعل ذلك الوصف علة فوات الصوم، لما أن علل الشرع علل جعلية، وجاز له أن يجعل

стр. 1614

الوصف علة في موضع ولا يجعله علة في موضع آخر لمعنى فيه. إذ للشارع ولاية الإيجاد والإعدام، فلابد من ظهور أثر ذلك الوصف في جنس ذلك الحكم، فعند ظهور أثره تعرف عدالة ذلك الوصف، وذلك إنما يكون عند العرض على الأصول وعلى الأحكام التي هي من جنس حكم ذلك الوصف، (فكان الاحتمال في أصله) أي فكان احتمال الرد في اصل الوصف أولى من الاحتمال في المعترض، وهو اعتراض الفسق في الشاهد. بيان هذا أنهم قالوا: إن الشاهد يحتمل أن يعترض عليه فسق يبطل شهادته إلا أن هذا احتمال في المعترض على الشهادة، فإن أصل الشهادة يثبت بالأهلية وهي العقل والبلوغ والحرية ومع المعترض يبقى أهلًا لأصل الشهادة. فأما الوصف في التعليل مع الرد لم يبق علةً أصلًا، فإنه مع كونه ملائمًا لا يجوز أن يكون علة مع الرد أصلا، والشاهد مع الرد يبقى أهلًا لما عرف، فكان الاحتمال في وصف التعليل أقوى، فلما لم تقبل شهادة المستور مع هذا الاحتمال وجب ألا يكون وصف التعليل حجة مع احتمال الرد في أصله بالطريق الأولى.

стр. 1615

وقوله: (ألا ترى أن الوصف لا يبقى علة مع الرد مع قيام الملاءمة) بخلاف الشهادة، فإنه إذا رد القاضي شهادة الشاهد في حادثة ل معنى لا يوجب ذلك رد شهادته في حادثة أخرى. (والجواب عن كلامه) أراد به قوله: "إن الأثر معنى لا يعقل". وقوله: (إن الأثر معقول) أي معلوم (من كل محسوس لغة) أي باللفظ الدال على المعنى حتى إن من أخبر آخر أن رجلًا مشى ههنا من غير أن رأي الماشي يفهم السامع من ذلك أنه رأى أثر مشيه واستدل به على مشيه، وقوله: (وعيانا) أي في حق الرائي أثر مشيه، وقوله: (لغة) أي في حق السامع. (ومن كل مشروع معقول دلالة) كقول من يقول: هي مطلقة ثلاثًا فلابد أن يستدل السامع منه على إيقاعه بالتطليق الثلاث، وكونها مطلقة اثر ذلك، أو أراد به ما له اثر في جنس ذلك الحكم كأثر الصغر في حق سلب الولاية عن الصغير في النكاح بطريق الدلالة على سلب الولاية في حق المال. وقوله: (على ما بينا) إشارة إلى قوله: وإنما نعني بالأثر ما جعل أثر له
следующие страницы →