← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 16526

الكافي شرح أصول البزدوي

الحسام السغناقي

Полный текст (2 351 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

(لأن ما لا يحس إنما يعرف بأثره) كما عرفنا الله تعالى، لكونه غير محسوس بآثار صنعه، والوصف الذي هو المؤثر لا يحس أيضًا فيعرف ذلك بأثره بالبيان. (والوصف على وجه مجمع عليه) كطهارة سؤر الهرة بعلة الطوف، والطوف من أسباب الضرورة وهي موجبة للتخفيف بوجه مجمع عليه في جنس هذا الحكم وهو سقوط الخطر بالضرورة كما أشار عليه قوله تعالى: (فمن فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). (وأما الخيال فأمر) لا يعول عليه، لأن للخصم أن يقول: وقع في قلبي خيال فساد (وصفك فلا ينفك عن المعارضة) وما لا ينفك عن

стр. 1612

المعارضة لا يصلح حجة شرعية كالوصف الذي لا ينفك عن المناقضة لا يصلح حجة، لما عرف أن حجج الله تعالى لا تتعارض في أنفسها ولا تتناقض، ولأن الظن لا يغني من الحق شيئًا، والحجة ما كان أمرًا ثابتًا في حق الكل، والظن يختص بمن ابتلي به. ألا ترى أن التحري في باب القبلة لا يتعدى ممن أبتلي به ولا يصير قبلة في حق غيره. وقوله: (فنقل عنه إلى شهادة القلب) "أي الوصف في كونه معدلًا نقل عن الأثر إلى شهادة القلب. بخلاف الشاهد" يعني أن التزكية فيه لازمة لاحتمال اعتراض الفسق عليه بعد كونه عدلًا. فأما الوصف الذي هو علة بعدما علم صفة الصلاحية فيه يصير عدالته معلومة، إذ ليس فيه توهم الخيانة، فلهذا كان العرض على الأصول هنا احتياطًا.

стр. 1613

وقوله: (كالأثر المحسوس الدال على غير المحسوس) كأثر المشي على الأرض فإنه يدل على الماشي، وإن كان الماشي غائبًا غير محسوس، وكذا البناء يدل على أن بانيًا بناه، وكان الباني حيًا قادرًا على البناء وعالمًا به. يحكم بعقله على هذا بالقطع والبتات، وغن لم يكن رأي الباني فيكون في تيقنه أن باني هذا البناء كان موصوفًا بهذه الأوصاف كأنه راه. وقوله: (فرقهم) جواب عما فرق أهل المقالة الأولي بقولهم: "بخلاف الشاهد لأنه يتوهم" إلى آخره. حيث جعلوا التزكية شرطًا لازمًا ولم يجعلوا العرض على الأصول في الوصف لازمًا بل جعلوا العرض للاحتياط للفرق الذي قالوا. قلنا: هذا الفرق ليس بصحيح، لأن الوصف مع كونه ملائمًا يجوز أن يكون غير علة. ألا ترى أن قولنا: إن الشيء لا يبقى مع فوات ركنه وصف ملائم موافق لتعليل السلف، ومع ذلك أنه غير علة في مسألة الصوم إذا أكل الصائم ناسيًا حيث بقي الصوم مع فوات ركنه حقيقة، لأن الشرع لم يجعل ذلك الوصف علة فوات الصوم، لما أن علل الشرع علل جعلية، وجاز له أن يجعل

стр. 1614

الوصف علة في موضع ولا يجعله علة في موضع آخر لمعنى فيه. إذ للشارع ولاية الإيجاد والإعدام، فلابد من ظهور أثر ذلك الوصف في جنس ذلك الحكم، فعند ظهور أثره تعرف عدالة ذلك الوصف، وذلك إنما يكون عند العرض على الأصول وعلى الأحكام التي هي من جنس حكم ذلك الوصف، (فكان الاحتمال في أصله) أي فكان احتمال الرد في اصل الوصف أولى من الاحتمال في المعترض، وهو اعتراض الفسق في الشاهد. بيان هذا أنهم قالوا: إن الشاهد يحتمل أن يعترض عليه فسق يبطل شهادته إلا أن هذا احتمال في المعترض على الشهادة، فإن أصل الشهادة يثبت بالأهلية وهي العقل والبلوغ والحرية ومع المعترض يبقى أهلًا لأصل الشهادة. فأما الوصف في التعليل مع الرد لم يبق علةً أصلًا، فإنه مع كونه ملائمًا لا يجوز أن يكون علة مع الرد أصلا، والشاهد مع الرد يبقى أهلًا لما عرف، فكان الاحتمال في وصف التعليل أقوى، فلما لم تقبل شهادة المستور مع هذا الاحتمال وجب ألا يكون وصف التعليل حجة مع احتمال الرد في أصله بالطريق الأولى.

стр. 1615

وقوله: (ألا ترى أن الوصف لا يبقى علة مع الرد مع قيام الملاءمة) بخلاف الشهادة، فإنه إذا رد القاضي شهادة الشاهد في حادثة ل معنى لا يوجب ذلك رد شهادته في حادثة أخرى. (والجواب عن كلامه) أراد به قوله: "إن الأثر معنى لا يعقل". وقوله: (إن الأثر معقول) أي معلوم (من كل محسوس لغة) أي باللفظ الدال على المعنى حتى إن من أخبر آخر أن رجلًا مشى ههنا من غير أن رأي الماشي يفهم السامع من ذلك أنه رأى أثر مشيه واستدل به على مشيه، وقوله: (وعيانا) أي في حق الرائي أثر مشيه، وقوله: (لغة) أي في حق السامع. (ومن كل مشروع معقول دلالة) كقول من يقول: هي مطلقة ثلاثًا فلابد أن يستدل السامع منه على إيقاعه بالتطليق الثلاث، وكونها مطلقة اثر ذلك، أو أراد به ما له اثر في جنس ذلك الحكم كأثر الصغر في حق سلب الولاية عن الصغير في النكاح بطريق الدلالة على سلب الولاية في حق المال. وقوله: (على ما بينا) إشارة إلى قوله: وإنما نعني بالأثر ما جعل أثر له

стр. 1616

في الشرع. وقوله: (تعليلًا بمعنى مؤثر) فوجه التأثير هو أن الصوم كف النفس عن شهوة البطن وعن شهوة الفرج، فالمضمضة مبدأ شهوة البطن، والقبلة مبدأ شهوة الفرج، فلما لم يضر الصوم مع وجود مبدأ شهوة البطن لم يضره أيضًا وجود مبدأ شهوة الفرج قياسًا للمبدأ بالمبدأ بل بالطريق الأولى لما أن منع شهوة البطن في الصوم قصدي بدليل شرعيته في وقته وهو النهار عادة فلما لم يمنع ذلك مع أنه مبدأ المقصود فلان لا يمنع وجود مبدأ غير المقصود أولى.

стр. 1617

(واختلف أصحاب النبي ﵇ في الجد) يعني: أن الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- اختلفوا في الجد مع الأخوة. فقال أبو بكر، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وعامة الصحابة ﵃: إن الجد يحجب الأخوة، وهو قول أبي حنيفة -رحمة الله عليه-. وقال علي وزيد بن ثابت ﵄: إنه لا يحجبهم، وهو

стр. 1618

قولهما فعامة الصحابة مثلوا الجد بالوادي الذي ينشعب منه الأنهار يعني أن الجد ينشعب منه الأب والأخوان، والأب ينشعب منه الأخوان، ثم الأب يحجب الأخوين، فالجد الذي هو أصل الكل أولى. وقال علي ﵁: إنما مثل الجد مثل شجرة أنبتت غصنا ثم نفرع من الغصن فرعان، فيكون القرب بين الفرعين أشد من القرب بين الفرع والأصل، لأن الغصب بين الأصل والفرعين واسطة ولا واسطة بين الفرعين. فيكون هذا الكلام مقتضى رجحان الأخ على الجد إلا أن بين الفرع والأصل جزئية وبعضية وليس بين الفرعين -أعني الأخوين- جزئية. وهذا يقتضي رجحان الجد على الأخ فاستويا، ثم وجه الرجحان لقول أبي حنيفة ﵀: إن الأب حاجب لكلا الفريقين بالإجماع، فمشابهة الجد بالأخ أكثر من مشابهة الأخ به في حق حرمة الحليلة وحق حرمة وضع الزكاة وعدم قبول الشهادة له وكثرة المشابهة إن لم تصلح علة تصلح مرجحًا، وابن عباس ﵄ علل في ذلك بقوله: "ألا يتقي الله

стр. 1619

زيد بن ثابت يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب أبًا" فهو استدلال بمؤثر من حيث اعتبار أحد الطرفين بالطرف الآخر في القرب. وقوله: "أليس يكون خمرًا" هو مقول عمر ﵁ فكان متعلقًا بقوله: وقال عمر حين -قال أي عبادة بن الصامت-: ما أرى النار تحل.

стр. 1620

وقوله: "ما أري" على بناء المفعول، وقوله: "النار" بالنصب على أنه مفعول ثان للإرادة. فإن قلت: كيف صح قوله: "تحل" وماء العنب لا يكون موصوفًا بالحرمة قبل أن يصير خمرًا؟ قلت: يحتمل أن يسمى منعه عن أن يكون خمرًا إحلالًا أو جعل المشارف للحرمة كالحرمة. (لأنه أعتقه برضاه)، لأنه باشر علة العتق باختياره، فكان راضيًا لعتقه، وفي هذا لا يتفاوت علمه وعدم علمه، لأن المباشر لعلة الحكم أنزل عالمًا لوجود الحكم، فمباشرته بعد ذلك كان رضا منه بذلك الحكم الذي هو العتق ههنا، ف صار كما لو أذن له نصًا أن يعتقه. (لأنه سلطه)، لأنه لما يبق الاستحفاظ بقي تسليطًا على الاستهلاك،

стр. 1621

وهذا لأنه حين مكن الصبي من المال فقد سلطة على إتلافه حسا، والتسليط يخرج فعل المسلط من أن يكون جناية في حق المسلط. ثم بقوله: "احفظ" جعل التسليط مقصورًا على الحفظ بطريق العقد وهذا في حق البالغ صحيح. وأما في حق الصبي فلا يصح أصلًا، وفي حق العبد المحجور لا يصح في حالة الرق، وذلك في "الأسرار" الاختلاف في صبي يعقل الحفظ لا في صبي لا يعقله. ألا ترى أنه بنى على هذا أن الصبي لو بلغ صار مودعا ولو كان الخطاب مع من لا يعقل لكان يغلو ولا يصح بالبلوغ، وإنما يجوز بالبلوغ وبالإجازة إذا خاطبه بعد العقد.

стр. 1622

(لأنه أمر رجمت عليه والنكاح أمر حمدت عليه)، وهذا الاستدلال في الفرق بوصف مؤثر أي ثبوت حرمة المصاهرة بطريق النعمة والكرامة، فيجوز أن يكون سبب الكرامة ما يحمد عليه، ولا يجوز أن يكون سببها ما يعاقب المرء عليه وهو الزنا الموجب للرجم. (غير مؤثر في إبطال التخفيف)، فإن مسح الخف ركن ومع هذا ثبت التخفيف، وكذلك المسح في التيمم. (في ولاية النكاح بالصغر والبلوغ) أي: عللنا بأن المؤثر في ثبوت الولاية للولي صغر المولى عليه، وعللنا بأن المؤثر في انعدام الولاية للولي بلوغ المولى عليه، فكان قوله: (فصح التعليل بالعجز والقدرة للوجود والعدم) على هذا التقدير لفًا ونشرًا أي وجود الولاية للولي على المولى عليه بسبب عجز المولى عليه عن القيام على أمر نفسه بنفسه، وذلك إنما يكون بالصغر، وانعدام الولاية للولي على المولى عليه بسبب قدرة المولى عليه على النظر لنفسه، وذلك إنما يكون بالبلوغ.

стр. 1623

وقوله: (كالنفقة) أي: وجوب النفقة للصغير على الأب بسبب عجز الصغير على قدرة الاكتساب وذلك بصغر الصغير، وعدم وجوب النفقة على الأب بسبب قدرة الصغير على الاكتساب بنفسه وذلك إنما يكون بالبلوغ، فكذلك ثبوت الولاية للولي وعدمها في النكاح بسبب عجز الصغير والصغيرة عن قيام أمرهما وبسبب قدرتهما على أمرهما، وذلك إنما يكون بالصغر والبلوغ، فكان المؤثر في ذلك الصغر والبلوغ دون الثيابة والبكارة وكذلك في سائر المواضع إنما يظهر الأثر للصغر والبلوغ في الولاية لا للثيابة والبكارة، أعني الولاية في المال. (إلا في إصابة المأمور) أي: في لزوم إصابة المأمور به.

стр. 1624

وقوله: (فإن قيل: التعليل بالأثر) إلى آخره. هذا الإشكال يرد على ما ذكر من صور العلل المؤثر من غير ذكر المقيس عليه قبل. قوله: وعلى هذا الأصل جرينا والله أعلم.

стр. 1625

باب بيان المقالة الثانية المراد من المقالة الثانية الأولى، سماها ثانية باعتبار الشرح والتقرير: وهذا لأنه ذكر قول أهل الطرد في التقسيم أولًا وذكر قول أئمة الفقه من السلف والخلف ثانيًا، ثم ذكر بيان قول أئمة الفقه متصلًا بالتقسيم، فوقعت المقالة الأولي وهو قول أهل الطرد ثانية في حق البيان فسماها ثانية لذلك. (قسم في بيان الحجة) أي: في بيان حجية الطرد، أي حجية الطرد بماذا تكون؟ بمجرد الوجود عند الوجود أو كان العدم مع العدم شرطًا لصحة الطرد، أو كان الدوران عل وجه يكون النص قائمًا في الحالين، ولا حكم له؟

стр. 1626

قوله: (فقال بعضهم: هو الوجود عند الوجود) أي: يوجد الحكم المتنازع فيه عند وجود هذا الوصف، يعني كلما وجد هذا الوصف وجد هذا الحكم وهذا حجة عندهم، (وزاد بعضهم العدم عند العدم) يعني: كلما عدم هذا الوصف هذا الحكم، ولكن هذا قول بألا يكون للحكم الشرعي إلا علة واحدة وهو باطل، لأنهم اتفقوا على أن الحكم الشرعي جاز أن يعلل بعلل شتى فما يفضي إلى انتفاء هذا فهو باطل. (وزاد بعضهم) على هذا الذي ذكر (قيام النص في الحالين) والحكم غير مضاف إلى النص، وهذا باطل أيضًا، لأن شرط صحة التعليل أن يبقى

стр. 1627

الحكم في الأصل بعد التعليل على ما كان قبله، فإذا كان بعد التعليل لا يضاف الحكم إلى النص كان ذلك مفسدًا للقياس، فكيف يجعل شرطًا لصحة التعليل؟ ولأن ركن القياس أن يكون الوصف مما اشتمل عليه النص، وإذا كان النص قائمًا ولا حكم له لم يكن الوصف مما اشتمل عليه النص فلم يكن ركن القياس موجودًا، والشيء لا يوجد مع فوات ركنه فكان فاسدًا، والفاسد لا ينتج إلا لفاسد، ونظيره ما قالوا في آية الوضوء في قوله تعالى: () يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ). فإن فيها ذكر القيام إلى الصلاة، فجعل القيام إلى الصلاة موجبًا للوضوء، والموجب للوضوء الحدث وهو دائر معه وجودًا وعدمًا، والنص موجود في حالي الوجود والعدم، ولا يضاف الحكم إليه، فإنه إذا قام إلى الصلاة وهو غير محدث لا تجب الطهارة مع قيام النص، وإذا كان محدثًا تجب الطهارة وإن لم يقم إلى الصلاة.

стр. 1628

وقولهِ: (بأن دلائل صحة القياس) أي: من الكتاب والسنة والإجماع والدليل المعقول على ما ذكره. (إلا بمعنى معقول يوجب تمييزًا) وهو قوله: (أشهد). (فكذلك) أي: نعم كذلك. (ومجرد الاطراد لا يميز، وكذلك العدم عند العدم، لأنه يزاحمه الشرط) أي: إن الحكمة كما يدور مع العلة وجودا وعدما فكذلك يدور مع الشرط أيضًا وجودًا وعدمًا. ألا ترى أن مالية المبيع شرط صحة البيع، وهي دائرة مع صحة البيع وجودًا وعدمًا، أي أينما وجدت المالية وجدت صحة البيع عند مباشرة البيع وأينما انعدمت انعدمت صحة البيع، وكذلك صحة الصلاة مع اشتراط

стр. 1629

الطهارة أصلًا وخلفًا دائرة وجودًا وعدمًا، وكذلك في الشرط الصريح. وقال الإمام شمس الأئمة ﵀: فإن من قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حر فاعتق مع هذا الكلام يدور مع الدخول وجودًا وعدمًا، واحدا لا يقول إن دخول الدار علة العتق بل هو شرط العتق، ثم هب كان الأصل هو دوران الحكم مع العلة ولكن مع هذا احتمال الدوران مع الشرط قائم، وبالاحتمال لا تثبت العلة. (لأنه يقال له: وما يدريك أنه لم يبق له أصل مناقض أو معارض؟) فلابد له من أن يقول: لأني ما علمت له أصلًا مناقضًا أو معارضًا، فكان ماله الجهل مع أنه لا يمكن له استقراء جميع الأصول، لأن المعاني المستنبطة من الكتاب غير متناهية فكان استقراء جميع الأصول محالًا، (فلا يصح شرط عدمه) أي لا يصلح أن يجعل العدم شرطًا عند العدم لصحة العلة. (لأنه يحل له القضاء وهو غضبان عند فراغ القلب) أي: عند قلة

стр. 1630

الغضب، (ولا يحل القضاء عند شغله بغير الغضب) بأن يكون حاقبًا أو جائعًا محوجًا، أو عطشان أو مهقمًا، (إلا أن هذا الشرط) وهو قيام النص ولا حكم له. (وذلك غير مسلم) أي دعواهم في هذين النصين ب أنه لا حكم لهما. (لأنه يفارقه بحاله) أي: لأن البدل يفارق الأصل بحالة وهي التلويث واشتراط عدم الماء. فإن ما حال الماء التطهير وعدم اشتراط عدم الماء (لا بسببه)، فإن سبب الوضوء وجوب الصلاة مع شرط الحدث، وشرط الحدث إن لم يذكر في الأصل ذكر في ذكر الخلف وهو قوله تعالى: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ

стр. 1631

لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فكان مذكورًا في الأصل أيضًا، لأن الخلف لا يفارق الأصل في حق السبب. (وهذا النظم والله أعلم). أي: وإنما ورد نظم القرآن على هذا الطريق، وهو أن يذكر الحدث في التيمم وفي أعظم الطهرين، ولم يذكر في الوضوء، (لأن الوضوء مطهر فدل على قيام النجاسة)، لأن المطهر ما يثبت الطهارة ف يقتضي ثبوت النجاسة ليصح إثبات الطهارة، لأن إثبات الثابت محال (بخلاف التيمم)، لأن التراب غير مطهر ذاتا، بل هو ملوث فلم يقتض ثبوت النجاسة فاحتاج السامع إلى أن يذكر الحدث صريحًا حتى يعلم أن ذلك شرط وجوب الطهارة كما في الوضوء. (والوضوء متعلق بالصلاة) أي: متعلق بالصلاة من حيث السببية، فإن سبب وجوب الوضوء وجوب الصلاة، والحدث غير موجب بل شرط

стр. 1632

للوجوب. (وأما الغسل فلا يسن لكل صلاة فلم يشرع إلا مقرونًا بالحدث) ضرورة عدم تنوعه، ولا يقال بأن الغسل سنة للجمعة فيثبت التنوع، لأنا نقول: المدعى أنه لا يسن لكل صلاة فلم يتجه نقضًا، أو نقول: كونه سنة لصلاة الجمعة غير مسلم، لأن الغسل عندي لليوم لا للصلاة، ولئن سلمنا أنه للصلاة فالأصل في يوم الجمعة الظهر فلا يسن له. ويجوز أن يكون مسنونًا لمعنى آخر غير الصلاة وهو أنه يوم اجتماع الناس فيحضر البدويون والقرويون فتوجد منهم الرائحة الكريهة فيسن الغسل دفعًا للأذى عمن يجاوره، أو الخطاب المذكور في قوله تعالى: (وإن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا) لجميع المسلمين ووجوب الجمعة مختص بالبعض فثبوت الحكم على العموم أولي. (فلان الاطراد لا يثبت به إلا كثرة الشهود أو كثرة أداء الشهادة)، فإن نظرت على الأصول هو أن هذا الوصف موجود في هذا الأصل وموجود

стр. 1633

في هذا الأصل الآخر وكذا وكذا يوجب كثرة الشهود، والنظر إلى نفس الوصف وهو واحد يوجد في أصول كثيرة يوجب كثرة أداء الشهادة. مثاله قولهم: المسح ركن في الوضوء فيسن تثليثه، وهذا الوصف وهو الركنية موجود في غسل الوجه اليدين وفي غسل الرجلين فكل واحد من هذه الغسلات يصلح أصلًا بنفسه فكان فيه كثرة الشهودِ، إلا أن هذا الوصف لما كان واحدًا وهو الركنية يوجد في مواضع كثيرة كان فيه تكثير أداء الشهادة. (بل بأهلية الشاهد) وهي أن يكون الشاهد حرًا عاقلًا بالغًا، (وعدالته) وهي أن يكون محترزًا عن محظور دينه (واختصاص أدائه) وهو أن يقول: أشهد. لا أن يقول: أعلم أو أتيقن، (ولأن الوجود قد يكون اتفاقًا) أي ولأن وجود الحكم عند وجود وصف من الأوصاف قد يكون بسبب اتفاق

стр. 1634

الحال لا أن يكون لذلك الوصف اثر في إثبات ذلك الحكم. ألا ترى أن للحنطة أوصافًا سوى الكيل والطعم، فإنها شيءِ، حب، جسيم أمر اللون، مشقوق البطن، ويجري الربا في بيع الحنطة بالحنطة على اختلاف الأصليين وفيها هذه الأوصاف. ولا شك أن هذه الأوصاف مما لا تأثير لها في جريان الربا، بل جريان الربا في بيع الحنطة بالحنطة عند وجود هذه الأوصاف لم يكن لوجود بعض هذه الأوصاف أو لوجود كلها بل وجود هذه الأوصاف كان بسبب اتفاق الحال، ولم يضف الحكم غليها حتى لا تصلح التعدية منها إلى موضع آخر إذا وجد شيء من هذه الأوصاف في ذلك الموضع، ونظير هذا أيضًا في علم الكلام ما قاله أهل الإسلام: إن الله تعالى لا يجوز أن يكون جوهرًا خلافًا لما يقوله النصارى. فإنهم قالوا: الجوهر في الشاهد قائم بالذات، فكان كونه قائمًا بالذات بمنزلة الجوهرية. ويعرف ذلك بالطرد والعكس يعني في الشهد كل جوهر قائم بالذات، وكل قائم بالذات فهو جوهر، فإذا ثبت كون الباري تعالى قائمًا بالذات ثبت كونه جوهرًا. قلنا: الجوهر في الشاهد كما يدور مع القائم بالذات وجودًا وعدمًا ويطرد وينعكس، كذلك يطرد وينعكس مع وصف آخر ويدور معه وجودًا وعدمًا،

стр. 1635

وهو أنه أصل للمتركبات ولا يجوز أن يكون لشيء واحد ماهيتان فلابد أن يكون أحدهما اتفاقيا والآخر لا، وكونه قائما بالذات في الشاهد من أوصاف الوجود وكونه أصلًا للمتركبات هو المؤثر في استحقاق اسم الجوهر لما عرف من اشتقاق اللفظ واستعمال أهل الكلام. (والعدم قد يقع، لأنه شرط) أي: عدم الحكم قد يكون، لأن ذلك الوصف شرط، يعنى أن عدم الحكم عند عدم الوصف لا يقتضي أن يكون ذلك علة، لأن الشيء ينعدم بعدم شرطه كما ينعدم بعم علته، فإن البيع كما ينعدم عند عدم ركنه وهو قوله: بعت واشتريت، كذلك ينعدم عند عدم مالية المبيع. (ألا ترى أن وجود الشيء ليس بعلة لبقائه) حتى يقال وجد ولم يبق، فإن وجود الشيء لو كان علة لبقائه لما تصور الفناء كما لا يتصور البقاء على العدل حال الوجود، فلما لم يكن علة لبقائه في نفسه لم يصلح عالة للوجود في غيره بالطريق الأولي. (وكذلك وجود الحكم، ولا علة لا يصلح دليلًا) أي: على فساد العلة لاحتمال أن يثبت الحكم بعلة أخرى.

стр. 1636

ألا ترى أن البيع علة لثبوت الملك، ووجود الملك عند عدم البيع بأن يوجد الملك بالإرث أو بقبول الهبة لا يدل على كون البيع غير علة، لاحتمال ثبوت الحكم الشرعي بعلل شتى أي على طريق التناوب والبدلية بخلاف الحكم العقلي، فإنه لا يجوز أن يكون معلولًا بعلل شتى. (ووجود العلة ولا حكم بنفسه لا يصلح مناقضًا، لاحتمال أن ينعدم الحكم بفوت وصف من العلة)، فكان انعدم الحكم لانعدام علته لا بوجود علته مع عدم الحكم، (فلا يكون مناقضة) وإن كان يتراءى ذلك كقولنا: مسح في الوضوء فلا يسن تثليثهِ، ولا يلزم عليه الاستنجاء وهو يتراءى مناقضًا، لأنه مسح ويسن تثليثه. قلنا: إنه ليس بمسح بل هو إزالة النجاسةِ. ألا ترى أنه إذا أحد ولم يتلطخ به بدنه لم يكن الاستنجاء سنه على ما يجيء في باب بيان وجوه دفع المناقضة، وأشار إليه في "التقويم" إلى أن عدم الحكم مع وجود الوصف لا يدل على الفسادِ، لأن العلة قد توجد صحيحة دون الحكم لمانع أو نقصان شيء ليس هو من ركن العلة نحو البيع بشرط الخيار للبائع.

стр. 1637

فالبيع موجود ولا حكم له للمانع، وكذلك النصاب موجود ولا حكم له قبل الحول، والحول ليس من ركن العلة ولا مانع له، لكن النصاب بصفة البقاء حولًا صار علة، فبدون صفة البقاء لا يعمل مع وجود ما هو ركن العلة بتمامه حتى صح تعجيل الأداء قبل الحول ولا ذكره. (وقد دل عليه التعليل تخصيصا) أي: لا يكون ذكر الوصف بأنه عله لهذا الحكم تخصيصًا لتلك العلة بهذا الحكم، أي لا يكون تخصيصا بل يجوز أن يكون لهذا الحكم علة أخرى يثبت هذا الحكم بتلك العلة عند عدم هذا الوصف، لأن الحكم يجوز أن يثبت بعلل شتى على طريق البدلية كالملك يثبت بالشراء وبالإرث وبقبول الهبة، فكان انتصاب قوله: (تخصيصا) على أنه خبر يكون، لأن قوله: (ولا ذكره) معطوف على قوله: (فلان يكون مناقضة). وقيل: المراد من التخصيص هذا هو تخصيص العلة المؤثرة المعروف خلافه بين عامة العلماء وبين القاضي الإمام أبي زيد ﵏ فإن ذلك

стр. 1638

جائز عنده خلافًا لعامة العلماءِ، يعني لو ذكر الخصم الوصف مستدلًا بدليل على أن الوصف هو العلة لكن لم يثبت الحكم هنا به المانع لا يكون هذا عند عامة في باب فساد تخصيص العلة إن شاء الله تعالى، لكن الأوجه ما ذكرناه أولًا لسوق الكلام إليه، لأن الكلم في إبطال الاستدلال بالدوران على أنه علة وذلك إنما يحصل بما قلناه. فالحاصل أنه نفى بهذه الأوجه الثلاثة صحة عليه الدوران وجودًا وعدمًا. أحدها: أن وجود الحكم وليس فيه العلة المعينة التي وقع النزاع فيها لا يدل ذلك على فساد تلك العلة، لما ذكرنا من احتمال ثبوت الحكم بعلل شتى على طريق البدلية. والثاني: عكسه وهو أن توجد العلة ولا حكم لها، فإنه لا يدل على فساد العلة لما ذكرنا من احتمال فوات وصف له بتوقف تلك العلة إلى وجوده في إثبات الحكم.

стр. 1639

والثالث: تعليل الحكم بعلة لا يدل على التخصيص بتلك العلة، فإن من قال: ثبت لزيد ملك العقار لأنه اشتراه لا يوجد ذلك التخصيص ولا ينفي عليه الهبة والإرث في إثبات ذلك الحكم. (إلا أن هذا) أي: الطرد وجودًا وعدمًا، وهذا استثناء من قوله: (فلأن الاطراد لا يثبت به إلا كثرة الشهود) من حيث المعنى فكان هذا فاسدًا ِإلا أن هذه إلى آخره. وقوله: (فلا يصلح حجة للإثبات) -إلى أن قال- (إلا أن يقع الاختلاف في حكم بسبب معين) أي التعليل بالنفي والعدم لا يصح حجة لإثبات شيء ما كان الاختلاف في السبب كما في إسلام المروي في المروي، فأنا اختلفنا مع الشافعي ﵀ في سبب حرمة النسيئة فعنده الطم أو الثمنية، وعندنا القدر أو الجنسِ، فلذلك اختلفنا أيضًا معه في حكم هذه المسألة بناء على الاختلاف في السبب.

стр. 1640

وأما إذا اتفقنا في سبب حكم بأنه لا سبب لذلك الحكم غير ذلك السبب المعين، فحينئذ يجوز التعليل بالعدم لانتفاء ذلك الحكم، لأنه لما كان السبب واحدًا كان عدم ذلك السبب دليلًا على عدم هذا الحكم بالضرورة. (وهذا مثل ما علل محمد ﵀ في ولد المغصوب) الذي ولد في يد الغاصب أنه غير مضمون، لأنه لم يغصب الولد، فإنه اتفقوا على أن ضمان الغصب لا ي ثبت إلا بالغصب، فعدم الغصب يدل على عدم الضمان ثم مع ذلك اختلفوا في حكم الضمان ههنا بعد اتفاقهم على أن سبب له سوى الغصب باعتبار اختلافهم في تفسير الغصب. فعند الشافعي هو إن إثبات اليد المبطلة فيه قصدي وإزالة اليد المحقة فيه ضمني، وعندنا على العكس، وعند هذا وقع الاختلاف ف ي ولد المغصوبة فعندنا لا يضمن، لأنه لم يوجد فيه إزالة اليد المحقة، لأنه لم يكن في يد المالك حتى يزيله وعنده يضمن لثبوت اليد المبطلة فيه، لأن هذا الولد ملك مالك الأم وهو في يد غير مالكه بدون رضاه، فكان حد الغصب فيه موجودًا فيضمن.

стр. 1641

(لأن ذلك لا يوجد بغيره) أي الخمس لا يوجد وجوبه بدون الإيجاف (بل هو من جنس ما يثبت معها) أي من الشبهات. ألا ترى أن تفريق الصفقة في البيع يفسد البيع بأن يقول: بعت منك هذين العبدين بكذا فقبل أحدهما لا يجوز، ولو قبل نكاح إحدى امرأتين في مثل هذه الصورة صح، وكذا إذا جمع بين امرأتين أحدهما لا يحل له نكاحها صح نكاح التي حل له نكاحها. وكذلك يثبت النكاح بالهزل والإكراه، والمال لا، (فكان النكاح فوق الأموال في هذا بدرجة) وهي ثبوت النكاح مع الشبهات وعدم ثبوت البياعات معها، ثم لما ثبت المال بشهادة رجل وامرأتين مع أنه لا يثبت مع هذه الشبهات كان النكاح أولي ان يثبت بشهادة رجل وامرأتين، إذ هو مما يثبت بالشبهات. (وكذلك في أخواتها) أي وكذلك الحكم في أخوات مسألة النكاح، وهي: عتق الأخ بالملك، ولحوق المبتوتة طلاق، وعدم جواز إسلام المروي في المروي، وقلنا: إن الأخ يعتق بالملك وإن لم يكن بينهما بعضية، لأن في الأخوة معنى آخر أوجب عتقه وهو القرابة المحرمة للنكاح، وهذا المعنى يوجب العتق، لأنها لما صينت عن أدنى الذلين وجب أن تصان عن أعلاهما وهو ملك الرقبة بالطريق الأولى.

стр. 1642

وكذلك قلنا: إن الطلاق يلحق المبتوتة أي المعتدة من طلاق بائن، لأنه بقي فيها أثر من آثار النكاح وهو العدة، فإنها محبوسة عن التزوج بزوج آخر للعدة، كما هي محبوسة عنه حال قيام النكاح فيقع عليها الطلاق كما لو كانت منكوحة، وكذلك نقول في إسلام المروي في المروي: يجوز أن يكون فيه معنى يوجب حرمته وهو اتحاد الجنسية، والجنسية بانفرادها تحرم النسيئة. (عرف وجوبه) أي: ثبوته (على ذلك دلت مسائلهم) أي: مسائلنا ومسائل الشافعي ﵀. (وهي أصل) أي: البراءة أصل (بل صار قول المدعي معارضًا) بقول المنكر على السواء، فلما كانا متعارضين على السواء لم يكن قول كل واحد منهما حجة على الآخر، ولكن كان حجة في حق نفسه، فجوزنا الصلح

стр. 1643

وجعلنا بدل الصلح في حق المدعي اعتياضًا عن حقه، وفي حق المنكر كان لافتداء اليمين وقطع الخصومة، فلو لم يجز الصلح لكان قول المنكر حجة على المدعي، ولا يقال: لو جاز الصلح يجعل قول المدعي حجة على خصمه الذي هو المنكر؛ لأنا نقول: إن بدل الصلح من جانب المنكر كان لافتداء اليمين وقطع الخصومة لا لثبوت الحق عليه، (والشافعي جعله موجبًا) أي: جعل براءة الذمة موجبًا، والتذكير لتأويل الأصل، لأنه هو المذكور قريبًا منه. (وقلنا في الشقص إذا بيع) وإنما وضع المسألة في بعض الشقص دون الجوار، ليتحقق خلاف الشافعي، لأنه لا يقول بالشفعة في الجوار (ملك الطالب) أي: ملك الشفيع. (فإن القول قول المولي) وهو ثبوت الدخول حتى لا يعتق العبد، ومعلوم أن قول العبد مستند إلى دليل من حيث الظاهر، وهو أن الأصل عدم

стр. 1644

الدخول، ولكن لما كان قوله في الحال محتملًا وقوله المولى كذلك لم يثبت استحقاقه على المولى بما هو محتمل. كذا قاله الإمام شمس الأئمة ﵀. وقوله: (ذكرنا) إشارة إلى قوله: وعندنا هذا لا يكون حجة للإيجاب. (حتى تعذر نسخه) كما يتعذر النسخ حال إثبات النص، فعلم بهذا أن في البقاء إثباتًا أيضًا. (إن الدليل الموجب للحكم لا يوجب بقاءه كالإيجاد لا يوجب البقاء حتى صح الإفناء).

стр. 1645

بيان هذا أن الدليل الموجب للحكم لو كان يوجب بقاءه لما احتمل الزوال، كالحكم في حال ثبوته لا يحتمل السقوط؛ لما فيه من الإستحالة وهو وجود المتنافيين كالإيجاد لما كان يوجب الوجود لم يحتمل الفناء حال وجوده، وحيث صح الإفناء في الزمان الثاني علم أن الإيجاد لايوجب البقاء. ولهذا لايجوز النسخ في حال ثبوت الحكم؛ لأن النسخ رفع وإبطال ورفع الشيء في حال ثبوته محال، وجاز النسخ في حال البقاء وقت حياة النبي ﵇؛ لما أن الأمر في حال حياة النبي ﵇، فإن البقاء بدليله وهو تقرير النبي ﵇ على ذلك على ماقال ﵇: "الحلال ماجرى على لساني إلى يوم القيامة، والحرام ماجرى على لساني إلى يوم القيامة". ولأن كون النبي ﵇ خاتم النبيين ثبت بدليل قطعي، والنسخ إنما يثبت بالوحي، ولا وحي بعده فلا يثبت النسخ أيضا بالدليل القطعي، فكان البقاء ثابتا بالدليل سوى الدليل الموجب للحكم. وأما الجواب عن فصل الطهارة وأخواتها: إن حكم الطهارة وأخواتها مؤبد، ولهذا لا يصح توقيته. فإنه إذا اشترى على أن يثبت الملك له سنة أو سنتين لا يجوز، وكذلك في النكاح، إلا أنه يحتمل السقوط بطريق المعاارضة على سبيل المناقضة؛ إذ المعارضة على نوعين:

стр. 1646

معارضة خالصة: وهي المعارضة في الحكم مع بقاء الدليل على إثبات الحكم على خلاف مايقتضيه الدليل المعارض، فيحتاج المعلل إلى الترجيح. وأما المعارضة على سبيل المناقضة: فهي مايعارض في الأول في الحكم على وجه ينقض الدليل الأول كما هو حكم المناقضة الخالصة، والذي نحن فيه من قبيل ذلك، فإن حكم البيع وهو الملك يسقط على سبيل المناقضة كأن البيع انتقض لا أن الدليل وهو البيع باق مع وجود مايسقطه. وقوله: (هذا لأن ذلك) أي: لأن البقاء (بمنزلة أعراض تحدث) يعني أن الحكم فيما يحتمل البقاء بعد الوجود بمنزلة أعراض تحدث؛ إذ العرض لا يبقى وقتين، فكان البقاء في الزمان الثاني لا يكون للبقاء في الزمان الثالث، وهو يقرر ما قلنا: إن الموجب لحكم لا يوجب بقاءه، وإنما قال: "بمنزلة أعراض" ولم يقل: " لأن ذلك أعراض تحدث "؛ لما أن الأعراض حقيقة إنما تطلق في الإصطلاح على المعاني التي تقوم في الأعيان كالسواد، والبياض، والحركة، والسكون. وأما البقاء في العين الباقي فمعنى راجع إلى ذات العين، إلا أن ذلك معنى أيضا يقوم بالعين الباقي فكان بمنزلة العرض الذي هو غير راجع إلى ذات العين بل مغاير له من كل وجه. (فلا يصح أن يكون وجود شيء علة لوجود غيره) وهو البقاء الذي

стр. 1647

هو العرض. (ألا ترى عدم الملك لا يمنع الملك) ولوكان الموجب للعدم موجبا للعدم أيضا في ثاني الحال لما صح تملكه في ثاني الحال، وكذلك في عكسه (إن وجود الملك لا يمنع الزوال)، ولو كان الموجب للوجود موجبا للبقاء في الزمان الثاني لمنع الموجب للزوال عن إزالته. (إنما صح لما ذكرنا) وهو ان الدليل الموجب لحكم لا يوجب بقاءه؛ وهذا لأن النسخ إنما صح في حال البقاء لا في حال الثبوت؛ لأن النسخ رفع والرفع إنما يرد على الثابت لا على حال الثبوت. (لم تحتمل النسخ لبقائها) أي لبقاء دلائل الشرع (بدليل موجب) أي موجب للبقاء؛ لأن إزالة البقاء إنما تكون بالنسخ، وشرط صحة النسخ بقاء النبي ﵇، وثبت ختم النبوة بنبينا ﵇ بالدليل القطعي، وهو

стр. 1648

قوله تعالى: (وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ) فثبت أن بقاء دلائل الشرع كان بدليل قطعي موجب للبقاء، فلم يكن ذلك علينا حجة؛ لأن كلامنا في موجود لم يقم فيه دليل يوجب بقاءه كما في براءة الذمة عن الدين، وبقاء ثبوت الملك للشفيع الذي يطلب الشفعة بملك مافي يده. (وكذلك الأمر المطلق في حياة النبي ﵇ أي الأمر المطلق في حياة النبي ﵇ في بقائه نظير حياة المفقود من هذا الوجه، إلا أن الفرق بينهما أن المفقود لم يجعل حيا في مال قريبه الذي مات؛ لأن الدليل لم يوجد

стр. 1649

في حق حياته في الحال بخلاف النص وقت حياة النبي ﵇ للحكم قطعا. وإن احتمل النسخ مالم يعلم الناسخ؛ لأن الإبتلاء أصل في الأحكام الشرعية، والتكليف كان ثابتا بالنص، ومالم يعلم انتساخه بالدليل القطعي لم يرتفع التكليف عن المكلف بخلاف مال القريب المفقود؛ فإنه لم يكن ملكا له فلا يكون له أيضا ملكا باحتمال بقاء حياته، فكانا على طرفي نقيض. وكذلك الأمر المطلق- إلى قوله: (يحتمل التوقيت) فإنه لو ورد الأمر من الشارع بقوله: فإن شرعية هذا الأمر إلى سنة أو سنتين بتبين مدة شرعية لكان جائزا. ألا ترى أنه جاء التوقيت مجملا كما في قوله تعالى: (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَاتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) أي: القتل والسبي. وكذلك قوله تعالى (وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ) إلى قوله (أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا) أي: مخرجا بالرجم أو بالجلد، بخلاف البيع والشراء؛ لأنه لا يجوز التوقيت فيه لا مجملاً ولا مفسرًا.

стр. 1650

(وكذلك حكم الطهارة وحكم الحدث لا يحتمل التوقيت)، فكان نظير الملك بالشراء، فإنه لا يجوز في الشراء أن يقول: اشتريت هذا العبد إلى سنة أو إلى سنتين، وكذلك في الطهارة لايجوز أن يقول: جعلت طهارتي هذه إلى وقت الظهر أو نحوه. (إنه صحيح) أي إن شراءه صحيح (على اختلاف الأصلين). أما على أصلنا (فلأن قول كل واحد منهما لا يعدو قائلة فلو لم يجز البيع لعدا قائله) وهو البائع؛ لأن قول كل واحد منهما حجة في حق نفسه، فإقرار المشتري بأنه حر لايظهر في حق البائع ولا يقال: إنه لو جاز لعدا قائله، وصار قول البائع: إنه عبد حجة على المشتري؛ حيث نفذ البيع ووجب على المشتري الثمن؛ لأنا نقول ليس كذلك، لأنه إنما يكون كذلك أن لو بقى العبد ملكا للمشتري بل إنه حر، فعلم أن قول البائع لم يظهر في حقه. وقال الإمام شمس الأئمة ﵀: الشاهد بعتق العبد على مولاه إذا اشتراه صح الشراء ولزمة الثمن؛ لأن ما أخبر به الشاهد لكونه محتملا لم
следующие страницы →